فصل - اعلم ان درك البيان علي ما قال مولانا سيد الساجدين عليه السلام في حديثه لجابر حيث قال ستدركه يا جابر موقوف علي كشف سبحات الجلال من غير اشارة و محو الموهوم و ساير ما نبّه عليه اميرالمؤمنين عليه السلام و لكن هنا رمز مبهم و سرّ منمنم و هو ان الاشياء في الحكاية عن الحقيقة متفاوتة فبعضهم قد غلب عليهم الاعراض و استولي عليهم الامراض في حدّ اختفي فيهم الحقيقة و ظهر العرض فاذا اردت ان تدرك الحقيقة منهم لا بدّ لك من خرق حجب الاعراض حتي تقف علي الحقيقة و مثلهم كمثل الخلنج كل ما تقشر لحا تصل الي آخر حتي تقف علي اللب ففي ادراك الحقيقة من هؤلاء تحتاج الي كشف سبحات الاعراض وجدانا اذ لمتنكشف هي بنفسها عنها حقيقة و اما اذا قوي الحقيقة في احد حتي هتكت الاستار و جذبت جميع الصفات و احرقت كل السبحات فلاتحتاج بعد الي تدبير في مشاهدة الحقيقة منه فانها اظهر من كل صفة و عرض كمثل الانسان في صغره و وقت كماله فانك اذا نظرت اليه في صغره لاتري منه انسانية الا بالقوة و اذا احتجت الي مشاهدتها لا بدّ لك من خرق جميع حجب الفعليات حتي تصل الي القوة التي هي اللب و اما اذا بلغ منتهي الكمال يصير الحيوانية و النباتية و اعراضها كالقوة لغلبة سرّ الانسانية فحينئذ لاتحتاج في مشاهدة الانسانية الي كشف سبحات بل تراها اول النظر و كالنار الخامدة في الزناد و القدحة و النار المشعلة في الدخان ففي درك الاولي منهما تحتاج الي خرق حجابهما و في دركها من الثانية لاتحتاج الي ذلك و كذلك الامر في [ص 431] المقام و علي اهل الفهم السلام و اريد ان ازين كتابي هذا بحديث شريف مروي عن مولاي الصادق عليه السلام قال روحي فداه لمفضل في حديث طويل شريف فالصورة الانزعية هي الضياء و الظل و هي التي لاتتغير في قديم الدهور و لا فيما يحدث من الازمان فظاهره الصورة الانزعية و باطنه المعنوية و تلك الصورة هيولي الهيوليات و فاعلة المفعولات و اسّ الحركات و علّة كل علّة لا بعدها سرّ و لايعلم ما هي الا هو و يجب ان يعلم يا مفضل ان الصورة الانزعية التي قالت ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ليست كلية الباري و لا الباري سواها و هي هو اثباتا و ايجابا و عيانا و يقينا لا هي هو كلا و لا بعضا و لا جمعا و لا احصاءا و لا احاطة قال المفضل قلت يا مولاي زدني شرحا فقد علمت من فضلك و نعمك ما اقصر من صفته قال يا مفضل سل عما احببت قلت يا مولاي تلك الصورة التي رؤيت علي المنابر تدعو من ذاتها الي ذاتها بالمعنوية و تصرح باللاهوتية قلت لي انها ليست كلية الباري و لا الباري غيرها فكيف يعلم حقيقة هذا القول قال يا مفضل تلك بيوت النور و قمص الظهور و السن العبارة و معدن الاشارة حجبك بها عنه و دلّك منها اليه لا هي هو و لا هو غيرها محتجب بالنور ظاهر بالتجلي كل يراه بحسب معرفته و ينال علي مقدار طاعته ( طاقته خل ) فمنهم من يراه قريبا و منهم من يراه بعيدا يا مفضل ان الصورة نور منير و قدرة قدير و ظهور مولاك رحمة لمن آمن به و اقرّ و عذاب علي من جحد و انكر ليس وراءه غاية و لا له نهاية قلت يا مولاي فالواحد الذي قلت هو محمد فقال هو الواحد اذا سمّي و محمد اذا وصف قلت يا مولاي فعليٌّ منه باين غير ( عن ) المعني وصف ( و صفة خل ) اسمه فقال المتسمع الي قوله ظاهري امامة و وصية و باطني غيب لايدرك الحديث ، و هو طويل شريف و ما لمارو منه اعجب مما رويت و في النسخة بعض الغلط و لكن المطلب ظاهر لاهله ان شاء الله و منه تعلم اسرارا جمة من هذه المسألة [ص 432] الشريفة اذا نظرت و ابصرت و عرفت و ايقنت و يكفي ما ذكرناه من البيان لاهل العيان ان شاء الله اذ مرادي الاختصار .
في المعاني و فيه ايضا فصول :
فصل - قد عرفت مما مضي ان المعني بمعني الظاهر و يشهد بذلك قوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته ، فهم سلام الله عليهم مخترعون من نور الذات الذي هو البيان و هم ضياء النور و ظواهر المنير علي ما مرّ في الحديث السابق و جميع الاسماء و الصفات كلها تقع علي الظاهر لا علي الذات و لا نورها و تحقيق ذلك يقتضي رسم بيان شريف و كلام منيف فاقول اعلم ان الذات جل شأنها تجلّ عن كل اسم و وصف لان الاسم و الوصف حدّ و ان كان من الاسماء العظيمة و الصفات القدوسية اما الصفة فحدّيّتها ظاهرة بينة فان القائم ذات تعينت بالقيام و القاعد ذات تعينت بالقعود و الله سبحانه لايتعين بشئ و الاسم ايضا صفة كما قال الرضا عليه السلام فهو ايضا حدّ فكل موصوف محدود و كل محدود متعين و كل متعين متناه و كل متناه قابل للزيادة و النقصان و الله سبحانه اجل من ذلك و اعظم و اعظم بل هو احاط بكل الصفات احاطة الامتناع لا كاحاطة الكرات و ظهر في كل شئ لا كظهور الاسماء و الصفات بل ظهر في غاية الظهور و بطن عن خفيات الامور و استتر لعظم النور فهو تعالي باطن ظاهر و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و قد عبّر سبحانه و تعالي عن نفسه بصفات و اسماء لفاقة الخلق اليها فيما يحتاجون اليه من عباداتهم و طاعاتهم و معاملاتهم و هي اسماء و صفات من عرصة الخلق ركبت من الحروف و يبلغ عددها الالوف و هي بظواهرها كساير الكلمات و المعني بها هو الله المتجلي بها لها لا بالذات فانها تجلّ عن التجلي اذ هو فعل [ص 433] احدثه و نور ابتدعه و ظاهر اخترعه فلايصير حدّ ذاته و لكن عند التعبير يقال انه تجلّي و حاصل المراد ان الظاهر في الاسماء و الصفات نوره سبحانه و هو المعني بها و ذلك قوله عليه السلام في بيان الاسماء و الصفات ان المعني بها هو الله ، فان الله من تحيّر فيه الخلق و من تحيّر فيه الخلق هو نور الذات لا الذات فان مع الذات لايبقي مجال التحيّر فان جميع الخلق يمتنعون معها و مع الامتناع لايبقي وجود لاحد حتي يكون عارفا او متحيرا بل هي هي و لكن ذلك في مقام يكون الخلق موجودين قائمين ينظرون الي شئ ثابت آمنوا به و لميعرفوه فان لميجدوا شيئا بالمرّة لايكادون يتحيرون ايضا فالتحير في مقام الوجدان و الفقدان فتدبر فهو النور الظاهر في اسمائه و صفاته و قد اراك آية ذلك فيك فان ذاتك من حيث هي هي لاتوصف بصفة و لاتحدّ ابدا و لكنها ظهرت في الاسماء و الصفات بنورها و هو فعلها فان الفعل كمالها و نورها الثابت لها و قد ظهر في الاسماء المختلفة و الصفات المتعددة المتكثرة فانت بفعلك المطلق تظهر في القيام الذي احدثته بفعلك فتكون قائما و بفعلك ايضا تظهر في القعود فتكون قاعدا و هكذا و اما ذاتك فلاتكاد تظهر في الصفات فانها لو كشفت لاحرقت جميع الصفات فالصفات متعددة و معناها واحد و هو فعلك لا غير و ان قلت هب ان الفعل يكون معني جميع الافعال و ما في معناها فكيف يكون معني الاسماء كزيد و عمرو اقول ان للفعل حيثين حيثا الي نفسه و انيّته و حيثا الي ربه فمن حيث نفسه فعل ينبئ عن حركة المسمّي و من حيث ربه هو نور الذات و ينبئ عنها الاتري انك تعبّر في اللسان العلمي عنه بالوجود المطلق فعند ملاحظة الاطلاق و الابهام تري فعليته لله تعالي و اذا قطعت النظر عن الاطلاق لاتري سوي الوجود و هو المنبئ عن الله تعالي و لذا لايصدق عليه الا اسم الحق و لذا نقول انه العلم و الفعل مخلوق به و العلم سابق علي الفعل و الفعل مخلوق به كما قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية فتدبر فمعني [ص 434] جميع الاسماء و الصفات المشية من حيث اعلاها و اسفلها فافهم و تدبر .
فصل - اذا عرفت معني المعني فاعلم ان لآلمحمد عليهم السلام مقاما عند الله في مقام الفعل فيكونون في هذه المرتبة معني جميع الاسماء و الصفات و المقصود من كل الآيات و قد عرفت سابقا في توحيد الافعال ان الله سبحانه قد تجلّي بمشيته لكل خلقه و خلق كلهم برأس من رأوس المشية المتعلق به و لكن ظهر مما ذكرناه ان الخلق في فعلياتهم متفاوتون فمنهم من بلغ مقام النبات و منهم من بلغ مقام الحيوان و هكذا لكل درجات مما عملوا و لميخرج المشية علي ما هي عليه من قوة كل احد في الدنيا الا اشخاص آلمحمد عليهم السلام اذ عرجوا الي ربهم من ادني المقامات الي اعلاها حتي بلغوا ذروة الامر و سنامه و عرجوا الي مقام الفعل بما اخرجوه من قوتهم من الفعلية فسمّوا به و اختصّوا من بين الخلق بهذه الصفة كما اختصوا بالبيان مع انه نور ظاهر باهر من جميع ملك الله بالعيان فصاروا معني الرب في خلقه فكل وصف او ذكر تقوله او تدركه او يعرفه غيرك له معني و المعني به آلمحمد سلام الله عليهم في هذا المقام و هذا غاية الكلام و منتهي المرام و احبّ ان ازين رسالتي ببعض الاخبار الناصة علي المقصود اروي في كتاب المبين من بلد الامين مما خرج علي يد الشيخ ابيجعفر محمد بن عثمن بن سعيد من الناحية المقدسة لكل يوم من رجب اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك المأمونون علي سرّك المستبشرون بامرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك اسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينها (كذا) ( بينك ظ ) و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، انظر كيف صرح عجّل الله فرجه و بيّن في قوله اسألك [ص 435] بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك ، فانهم يدعون ربهم سبحانه باسمائه و صفاته و آياته و علاماته و لها معني و معني جميعها غير الذات فان معني الشئ روحه و الله سبحانه لايصير روح شئ بل هو المحيط بالارواح و الابدان و الظواهر و الخوافي ، الي ان قال : اسألك بما نطق فيهم من مشيتك ، يعني ان ابدانهم صلوات الله عليهم صارت محل مشيته فنطقت فيها و بها بما شاء الله و اراد فتدبر و بالجملة فقرات الدعاء عجيبة غريبة و مرادي في المقام الاستشهاد لا الشرح و الا لرأيت منها عجبا و عن سلمان اعلي الله درجته عن علي عليه السلام قال اني لاعرف بطرق السموات من طرق الارض نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله عز و جل بها اجاب نحن الاسماء المكتوبة علي العرش و لاجلنا خلق الله عز و جل السماء و الارض و العرش و الكرسي و الجنة و النار و منّا تعلّمت الملائكة التسبيح و التقديس و التوحيد و التهليل و التكبير و نحن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه و من كنز الدقايق في تفسير قوله تعالي و لله الاسماء الحسني فادعوه بها عنه عليه السلام قال اذا نزلت بكم شدّة فاستعينوا بنا علي الله و هو قول الله نحن والله الاسماء الحسني الذي (كذا) لايقبل الله عملا الا بمعرفتنا و عن الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه بروايته عن المفضل (ره) في حديث قال للصادق عليه السلام يا ابن رسول الله ان هذا الكلام تحار فيه العقول فعرفني ما معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام الذي كنا بكينونته قبل خلق الخلق قال الصادق عليه السلام بكينونته في القدم و هو المكوِّن و نحن المكان و هو المشيّء و نحن الشئ و هو الخالق و نحن المخلوقون و هو الرب و نحن المربوبون و هو المعني و نحن اسماؤه و هو المحتجب و نحن حجبه ، و الاخبار المتعلقة بالباب اكثر من ان تحصي و قد رويت اكثرها في الكتاب المبين و ان شئت فراجع هنا .
فصل - بعد ما عرفت انهم معاني الله تعالي فاعلم ان الله سبحانه قد ظهر [ص 436] بهم و اظهر امره و حكمه و فعله منهم مثل الشعلة بالنسبة الي النار الغيبية فان النار غائبة عن الانظار بعيدة عن الاقطار لايصل اليها اهل الدنيا و لايتأثرون من فعلها ابدا بل لا فعل لها في رتبة ذاتها فان الفعل من كمالها و صنعها فلايقوم معها و ذلك بديهي لاينكر فهي بنفسها لاتحرق و لاتشرق و لاتضيء الا ما فعلت في الشعلة فان الفعل الذي يظهر من الشعلة من حيث النارية كله للنار و الشعلة قميص الظهور لها و لفعلها و من زعم ان الفعل للنار في ذاتها فقد اخطأ السبيل و نطق بغير دليل و رأيه عليل و كذلك الامر هنا و لله المثل الاعلي فان الله سبحانه بذاته منزّه عن كل فعل و صفة و اسم و كل ما يقع عليه شبه شئ فان الله سبحانه منزه عنه ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لكنه تعالي قد ظهر و تجلي في ظهوره فظهر منه آياته و علاماته و اسماؤه و صفاته و قد اراك الله ايضا آية ذلك في نفسك الاتري ان ذاتك لاتوصف بصفة و لاتحدّ بحد ابدا و لكنها ظهرت في مشاعرك الغيبية و الشهادية ففعلت ما فعلت منها فهي عاقلة في العقل عالمة في النفس و هكذا و فاعلة مطلقة في مجموعها و كذلك ربنا و فوق ذلك و ليس كمثله شئ هو سبحانه ظهر في آلمحمد عليهم السلام و اظهر منهم جميع ما شاء فيهم و بهم نعم لهم صلوات الله عليهم وجودان وجود شرعي و وجود كوني و نوره سبحانه ظاهر في الوجودين كليهما ففي الوجود الكوني ظهر نوره و ظهر منه الآثار الكونية و في الوجود الشرعي الآثار الشرعية فصدق عليهم الاسم الكوني في مقام الكون و الشرعي في مقام الشرع فالشارع مثلا اسم الله تعالي و قد ظهر اسمه تعالي ذلك في البدن الشرعي لهم صلوات الله عليهم و كذلك المكوِّن ظهر من بدنهم الكوني و هكذا ساير الصفات و العلامات و يجب علي من كان مؤمنا بالله و اليوم الآخر ان يعرف مواقع الصفات و هي هم صلوات الله عليهم فان من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و ان قلت ان الصفة كائنة ما كانت [ص 437] غير الموصوف مسلما فكيف يكون معرفتها معرفة الموصوف اقول اما في الظاهر القشر فمعلوم فان المعروف ليس الا الصفة فانه بنفسه صفة بلا شك كما ان العارف صفة و جميعها في الخلق و الخالق ايضا صفة فعل بالبداهة و الفعل آية الذات و ظهورها و نورها فانت اذا عرفت لمتعرف الا من وقع عرفانك عليه و هو مفعول به الاتري في معرفتك زيدا مثلا انك لاتعرف الا اوصافه كلونه و هيئته و غير ذلك من صفاته و علاماته و آياته و مع ذلك تقول عرفت زيدا يعني عرفت زيدا المعروف و المعروف ليس الا هذه الصفات فافهم و باطن ذلك ان الصفة بنفسها لا وجود لها و لا بقاء و لا ثبات الا بالموصوف و الموصوف اعلي درجتها فانت تعرف الموصوف قبل الصفة اذا نظرت اليها لانك تري وجودها قبل نفسها بل اقول لاتري الا الموصوف و لذلك تقول عند رؤيتك بدن زيد مع انه صفته اني رأيت زيدا و لاتقول رأيت صفة زيد بل في الواقع و الحقيقة لا رؤية الا رؤية زيد و كذلك اذا نظرت الي مواقع الصفات مع قطع النظر عن الخصوصيات لاتري الا الذات الظاهرة فيها فان ذلك ظاهر بيّن بل امر فطري لايخفي علي احد ما لميغيّر فطرته و اما الذين غيّروا فطرتهم و بدّلوها فلايكادون يعرفون هذه المسائل و مرّ سابقا ايضا بيان هذه المسألة في الجملة ثم انت يا ايها الناظر في كتابي هذا اذا اردت ان تعرف الامر علي الحقيقة فاستقم في هذه المعاملة علي الفطرة و لاتغيّرها و لاتبدّلها و كن في معرفتك لله ثابتا بالفطرة التي فطرت عليها و يكفي هذا القدر من البيان فانه ليس فوقه الا العيان .
في مقام البابية و فيه فصول :
فصل - اعلم ان الله سبحانه غيب باحديته محجوب عن الادراك لشدة [ص 438] ظهوره بعيد عن الابصار لغلبة نوره فلايكاد يدركه الابصار مع انه محيط بها و لايحيط به الافكار مع انه متجلٍّ فيها و لايستشعره العقول مع انه ظاهر منها و ذلك امر عجيب غريب انه مع ظهوره لايري و مع عدم محجوبيته لايدرك و امثّل لك مثالا من آياته حتي تقف علي المراد علي نحو الحقيقة الاتري الجسم المطلق بالنسبة الي الاجسام المقيدة انه قد احاط بجميعها احاطة الصمدية لا الكرية و طوي كلها طي الاحدية لا النفوذ بل بمعني انه افني جميعها في مقام وجودها فصار اظهر فيها منها بل اوجد من كلها في مكانها و لذا تري انك تقول للكل انه جسم فالعرش جسم و الكرسي جسم و الافلاك جسم و الارض جسم و الكل جسم و هو المتجلي للكل به فيه و مع ذلك لايري الجسم بذاته اذ كل مرئي محدود بالرؤية بل لايري غير المحدود في الحقيقة و ما تري بعينك اجسام مقيدة نعم مرأيها مرأي الجسم لفنائها لدي الجسم و هذا الجسم المذكور هو آية الاحد جل شأنه فانه قد احاط بكل الخلق و طويها بمعني انه لميبق لغيرها وجودا في الملك و الملكوت و لكنه لايري بالعين و لايدرك بساير المشاعر لانه لميبق غير نفسه وجودا حتي يدركه فهو يدرك نفسه لا غير و ذلك قوله بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لمادر ما انت .
فصل - لما كان الله سبحانه و تعالي عاليا عن درك الابصار و خارجا عن جميع الانظار مع انه اراد منهم المعرفة و كلفهم بها كما لايخفي علي الناظر الخبير بل جعل المعرفة علة خلق الخلق كما ذكرنا سابقا في التوحيد فلذلك اقام محمدا و آلمحمد صلوات الله عليهم مقامه في ساير عوالمه في الاداء كما في خطبة اميرالمؤمنين عليه السلام اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار ، و مراده عليه السلام من الابصار جميع المشاعر الظاهرية و من خواطر الافكار المشاعر البرزخية [ص 439] و من غوامض الظنون العقول فان الله سبحانه لايدرك بشئ و هو عليه السلام جعل بيانه ذلك علة لاقامة نبيه مقامه فيعلم من ذلك ان جميع اصحاب المشاعر الثلثة المذكورة يجب عليهم الرجوع اليه صلي الله عليه و آله لانه قائم مقام الله في جميع المراتب فافهم فانه دقيق و هو صلي الله عليه و آله قد ظهر لهم في جميع هذه المواطن بالقيام مقام الله تعالي في الاداء عنه مطلقا فلما كان هو عليه السلام قائما مقام الله و لميجعل الله غيره قائما مقامه فهو سبيل معرفة الله و باب طاعته و عبادته اذ لميظهر في غيره و قد اخطأ من زعم ان الطرق الي الله بعدد انفاس الخلايق فان ذلك كلام صوفي و لميصل الينا من آلمحمد (ع) من طرقنا و علي فرض تصحيحه بان نقول ان كل نفس سبيل الي الله يكون ذلك في الكون لا في الشرع فان في الكون كل شئ آية الله و سبيل اليه و لا فخر و لكن الفخر في الشرع فان الله سبحانه قد خصّ ذلك في الشرع باول خلقه فهو الباب لا غير ثم من بعده وليّه (ع) قائم مقامه فانه قد نصبه بعد نفسه للناس علما بالضرورة فهو بعده قائم مقام الله اذ كان قائما مقام رسول الله صلي الله عليه و آله هذا بالدليل الظاهر و اما في الباطن فنقول ان الولي هو نفس النبي صلي الله عليه و آله و الفرض ان سراج القائمية مقام الله كان مشتعلا في دخان قابلية النبي و بعده اشتعل بنفس ذلك النور علي عليه السلام سوي انه كان وليا و هو كان نبيا و كذلك من بعده كل من كان قائما مقامه من الائمة عليهم السلام كان قائما مقام الله في الاداء المطلق اي يؤدون عن الله جميع ما منه و يؤدون اليه جميع ما من الخلق و ذلك ان الله سبحانه تجلي فيهم لعباده و هذا معني القائم في مقام الله لا انه تعالي بمعزل عنهم و هم بمعزل عنه و قد استنابهم في امر كما في النواب العرضيين الدنيويين بل ظهر سبحانه و تعالي في دخان قابليتهم حتي اشتعلوا بنوره فقاموا مقام الربوبية العظمي و الالهية الكبري و المعنوية الخُصّٰي في مقام الخلق كما ان [ص 440] الشعلة قائمة مقام النار الغيبية و زيدا العرضي قائم مقام زيد الجوهري الغيبي و لا سبيل بعد الي الغيب سواه و سأمثّل لك مثالا خاصا في فصل حتي تقف علي اسرار في هذه المسألة الشريفة .
فصل - اعلم اولا من باب المقدمة ان مرادنا من الباب الذي نقول باب المعاني و البيان لا الذات الاحدية التي هي فوق البيان فانها باحديتها طوت جميع الكون و المكان و لمتُبق سوي نفسها احدا من الاكوان و الاعيان و لا سبيل اليها اذ لا ساير و لا مسير و لا غير و لا سوي و لكن الباب الي شئ يمكن السير اليه لا غير فاذا عرفت ذلك فنشرع الآن في التمثيل حتي تقف علي دليل الحكمة فانه خير دليل فاعلم ان الله سبحانه جعل النار في غيب جميع ملكه فليس شئ الا و في قوته نار اما بعيدة او قريبة اذ جميع الخلق يحتاجون اليها في مصالحهم و لو كانت منبثة في الملك لاحرقت ما سواها و لو لمتكن في قوة جميع الملك و كانت بالفعل في مقام خاص لضاق علي الخلق طلبها مع انهم يحتاجون دايما في معاشهم و مكاسبهم و مطالبهم سفرا و حضرا فلذلك جعلها الله في قوة جميع الاشياء و هيّأ اسبابا لاستخراجها كل حين و قدّر اسبابا لضبطها و حفظها ايضا و لسنا الآن بصدد بيان ذلك و الحوالة الي مظانّه من رسائلنا و رسائل مشايخنا و لما كانت في قوة جميع الملك و جميعه يصلح لحكايتها فاذا كمّل المكمل مركبا من المركبات بحيث صار صالحا لخروج النار الغيبية من كمونه يستشرق بلا اكتراث كالدخان مثلا فانه مركب من المركبات و في قوته النار كساير المركبات بلا فرق و لما بلغ مبلغ الحكاية للنار برز من كمونه النار و ليست النار في السماء فتنزل اليه و لا في الارض فتصعد اليه و لكنها مخزونة مكنونة في الدخان لما صار حارا يابسا حكي عنها من نفسه و كذلك الامر في بروز جميع الغيوب من فوّاراتها الشهادية في العمل الجوّاني لا البرّاني فان البرانيات محض صبغ ظاهر و ليس امرها باطنيا الا ان [ص 441] تستحيل الي الجوّاني كالنور الظاهر علي الجدار من السراج و النور الظاهر علي الارض من القمر فانهما محض صبغ ظاهر علي وجههما و يزول بزوال الصابغ و اما النار الخارجة من الدخان فهي جوّانيّة اي خرج ما في قوة نفسه و لايحتاج بعد الي مكمل خارجي اذ هو نار بالفعل و من هذا الباب ما قال الامام عليه السلام ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم و لكنه مكنون مخزون فيكم تخلّقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم ، و مراده من العلم النفس الانسانية التي من قواها العلم و لايمكن ظهور العلم من القوة الا بظهور النفس كالابصار مثلا فانه لايكاد يخرج من القوة الا بخروج الحيوانية فحاصل المعني ان النفس الانسانية ليست في السماء و لا في الارض و لكنها في قوة جميع الخلق و سبيل استخراجها التخلق باخلاق الروحانيين اي الاناسي و الانبياء فبعد ما اتّصف الشخص بصفتهم يصير عالما كما ان الدخان بعد ما اتصف بصفة النار ظهرت عليه فافهم و ان في ذلك لموعظة للناس الطالبين للغيوب فمحال في الحكمة ان يخرج شئ من القوة الا بعد التخلق بخلقه و معني التخلق ان يتصف العامل بصفة ليست منه فانه ليس حليما مثلا و لكنه يتحلم و لا وقورا و يتوقر و هكذا و بعد ما عمل هكذا يتكمل فيه الانسانية ثم يتقوي هذه الصفات بالانسانية قال عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان من اكتسب امرا من الغيبيات حتي صار فيه بالفعل يصير بين الخلق باب هذا الغيب اذ هو في جميع الملك بالقوة و هي العدم اذ ليست سوي صلوح ان يظهر و هو غير الظهور و الحكاية الفعلية و كل من فقد غيبا من الغيوب عليه اكتسابه من طريق الفعلية او بسبب من الاسباب التي هيّأها الله لاستخراجها مثلا اذا اردت ان تقتبس نارا عليك طلبها من مقام فعليتها كما فعل موسي عليه السلام او تأخذ فسفورا مثلا او زنادا و قدحة و تستخرج من بينهما نارا بحركة شديدة و الا فلا سبيل لك الي النار [ص 442] الغيبية و هذا امر مشاهد محسوس فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامور الغيبية بعضها كان مما يحتاج اليه الناس دايما و لو لميكن سبب الاستخراج في ايديهم لفسد امرهم فالله الحكيم جعل سبب الاستخراج ايضا في ايديهم كالنار و شبهها و منها ما لميكن مما يحتاجون اليه دايما فلميجعل اسباب استخراجها عامة و جعل لها مواقع فعلية فمن ارادها يطلبها من مظانها و من لميردها لايطلبها كالمعادن مثلا فانها في قوة جميع الاشياء و الناس في بعض الاحيان يحتاجون اليها و جعل الله سبحانه اجساما حاكية لها بالفعل مع انه جعل لاستخراجها من الجمادات ايضا اسبابا اخفاها عن عامة الناس و منها ما يحتاجون اليه دايما او بعض حين و ليس في قوتهم تهيئة اسبابه بوجه ما او يقتدرون علي تهيئة بعض الاسباب و لايقدرون علي جميعها كالنبات مثلا فانهم يقدرون علي جمع بعض اسبابها بتقدير الله و اكثرها في يد الله لميجعل لعباده فيه صنعا كما لايخفي علي العاقل و لذا قال الله عز و جل افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون و نهي في الخبر عن تسمية الفلاح بالزارع ففي امثال هذه المقامات لا بدّ لهم من الصبر علي مواطن الفعلية و ان اقتدروا علي بعض الاسباب فعليهم العمل بها و جمعها و الصبر علي حكم الله فانك تثير الارض و تبذر الحب ثم تصبر علي مشية الله فان اخرجه لك تشكر الله عليه و كذلك تحفر الارض فان اخرج الله منها الماء تشكر عليه و هكذا و ما ليس لك فيه صنع اصلا تصبر حتي يخرج الله ما يشاء مما يشاء فتتبعه و الا فلاتجد اليه سبيلا كما قال الله تعالي في ذيالقرنين و آتيناه من كل شئ سببا فاتبع سببا حتي اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة و كذا قال ثم اتبع سببا حتي اذا بلغ مطلع الشمس و لميكن ذلك الا من عند الله و اتبع مواطن الفعلية حتي بلغ هذا المقام و من هذا الباب امر المعرفة و التوصل الي الله سبحانه و درك اسمائه و صفاته فان جميع ذلك في قوة جميع [ص 443] الخلق و لايقدرون بانفسهم علي اخراجها كما لايقدرون علي خلق انفسهم فان ايجاد المولود الشرعي في الاكوان ليس باقل من ايجاد المولود الكوني في الامكان و الله الفاعل للكل لا غير فمنذا الذي يقدر علي ذلك الاتري ان الله ينفي هذه الصفة عن نبيه و يقول انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء و قال من يهدي من اضلّ الله و امثال ذلك من الآيات و ورد اخبار في ان المعرفة مطلقا من صنع الله و ليس لاحد فيها صنع فلايقدرون علي استخراجها من كمونهم فانها قوة و القوة لاتخرج من غير مرجح خارجي بالبداهة و المرجح لايصلح ان يكون قوة لتساوي الاضداد في القوي فلا بدّ و ان يكون فعليا و ذلك مما لاينكره عاقل و لذا قال عليه السلام انت ماكوّنت نفسك و لاكوّنك من هو مثلك ، فلا بدّ من وجود كامل فعلي في نور الله سبحانه الذي هو سبيل معرفته و لا بدّ من ان يقصد الناس ربهم من سبيله و لو فعلوا غير ذلك لخابوا و خسروا مثلا اذا لميكن لك زناد و قدحة او فسفور و لاتقدر علي استخراج النار بنفسك من قوة الاجسام فلا علاج لك الا طلبها من سبيل الشعلة و لو بطي المراحل ، هذا و انا اقول انه لايخرج شئ من الكمون الا بسبب الفعلية فان المرجح للقوة هو هي لا غير و ما تري من استخراجك النار من بين الزناد و القدحة ليس ايضا الا بالنار فانك لاتوري الا بحركتك و الحركة ليست الا من النار فحركتك من الصفراء التي هي النار بالفعل فيك الاتري ان كل صفراوي اسرع حركة من البلغمي و كلما ضعف في الانسان الصفراء ضعف حركته و لذا يكون الانسان في سن شبابه اسرع حركة من سن صغره و هرمه و الله سبحانه جعل الحركة ملازمة للنار و كل متحرك يتحرك بناريته الاتري انك اذا سلّطت النار علي الحجر يتحرك من مقامه بل يصعد بجذب الافلاك و لاتجذبه الا باستخراج ناريته في الجملة من كمونه و كذلك ما يخرج من فلكة الماس من النارية بواسطة الحركة حتي ان بالحركة يستخرج [ص 444] النار من الماء كما تري من اثر اللمعان و البريق في ماء البحر و رؤس الامواج غاية الامر ان الماء لايصلح لحكاية حرارتها و يحكي نورها كما ان الحديدة المحماة في درجة من الدرجات لاتحكي نورها و تحكي حرّها و ان الحكاية بحسب القابلية و بالجملة ليست حركتك الا من نارك فانت بالنار بالفعل تخرج ما كان بالقوة في القدحة بايرائك فلا بدّ من فعلية و هي السبب لا غير و في هذا الامر العظيم بل كل امر لاتري صاحب فعلية كاملة من كل جهة الا الائمة و الخاتم صلوات الله عليهم و ذلك قوله تعالي انا انزلناه في ليلة القدر الي ان قال تنزل الملئكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر ، فهم باب كل امر مطلقا و قال استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم اي باستخراج روح المعرفة و العلم من قواكم و قال انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فهو سراج بالفعل لجميع الانوار الغيبية و قال عليه السلام عن القدسي فانتم خيار خلقي و احبائي و كلماتي و اسمائي الحسني و اسبابي و آياتي الكبري ، فافهم ذلك فاني بحمد الله قد بيّنت لك مقدمة كشفية لاتشك بعد ذلك في المسألة .
فصل - بعد ما عرفت ان آلمحمد سلام الله عليهم ينبوع جميع اسماء الله و صفاته و فوّارة البيان و مرآة حكايته فاعلم انهم سلام الله عليهم باب هذه الغيوب و من اراد الاطلاع و الوقوف عليها و الاستمداد منها لا بدّ له من الدخول من هذا الباب قال الله تعالي ليس البرّ بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البرّ من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها و هذا الامر عام يشمل الكون و الشرع و المراد من البرّ في الكون البرّ الكوني اي الوجود و البقاء و لايحصل للانسان بدخول البيوت من ظهورها مع انه لايتيسر ذلك ابدا فان في البيوت الجمادية يمكن الدخول من جميع جهاتها غاية الامر ان مالكيها لايرضون الا بالدخول من الثقب المخصوص بعد الاستيناس و التسليم و لكنه يمكن بغير هذا الوجه [ص 445] ايضا و اما في الكون فلايمكن ذلك ابدا فان الباب الي البيوت مخصوص بما فتحه الله و لايمكن الدخول من غيرها فان باب النبات بدنه الجمادي و لايمكن الدخول اليه الا من ذلك الباب و كذلك باب الحيوان بدنه النباتي و الجمادي و باب كل عال سافله و باب كل غيب شهادته و لايمكن الدخول اليها الا من هذه الابواب و اما في الشرع ففي البيوت الظاهرة فالامر علي ما سمعت و اما في الغيوب فلايمكن ايضا دخول البيوت الا من الابواب و منع الله من الدخول من ظهورها لعدم تيسّر ذلك و عدم حصول مرادهم لا بانه يمكن ذلك و يحصل الا ان في الشرع منعوا عنه او يكون المراد انهم يزعمون انهم يتمكنون من الدخول كما زعموا انهم دخلوا بيوت النبوة من غير سبيل الولاية فنهاهم الله ان يدخلوا بزعمهم فقال ليس ذلك من البر و لكن المراد في عالم الحقيقة ان البر دخول البيت و لايمكن ذلك الا من الباب فليس البرّ الدخول من غير الباب فافهم ذلك و لاتغفل فانه لايمكن الوصول الي مدينة العلم الا من علي عليه السلام فانه بابه لا غير فمن دخل من غير الباب دخل مدينة الجهل لا مدينة العلم و كذلك باب مدينة الحكمة و النبوة علي عليه السلام و من دخل من غيره دخل غير تلك المدينة لانك قد عرفت ان جميع الخيرات صارت في غيرهم بالقوة و فيهم بالفعل و طلب الشئ من مقام القوة خطاء و كذلك مشية الله الشرعية و الكونية فارت من وجودهم صلوات الله عليهم بالفعل و الايجاد و ان قلت انها مطلقة و ظهرت في الكون من كل شئ موجود اقول بلي لا شك في ذلك و لا ريب و لكن ظهورها في القوابل مختلفة ففيهم ظهرت بالفعل و في غيرهم بالانفعال الاتري ان تمام الحركة التي هي كمالك و ظهورك تظهر في يدك و منها تسري في الخشبة و هي ايضا تتحرك بتحريكك و ليست حركة الخشبة الا بروحك فان غير الروح لا حركة له بوجه و هي لا حركة لها اذ لا روح لها و بعد اتصالها بيدك تحيي و تتحرك ثم منها تسري في بدن زيد مثلا [ص 446] فتقبل الحركة و يتحرك مثل بدنك و مثل الخشبة بلا فرق و لكن في المقام يسمّي الفعل فعل القبول و الانفعال و منك فعل و ايجاد و كذلك فعلك مثلا يسري من يدك الطرح الذي هو حركتك في الكأس فتكون انت الكاسر و الكأس منكسرا فافهم ذلك فانه دقيق و كذلك الامر في السماء و الارض فان مشية الله جرت فيهما بلا فرق الا ان في قابلية السماء ظهرت بالفعل و في الارض بالانفعال و القبول فلا حول و لا قوة الا بالله اي لا اعراض عن العصيان و لا قوة علي فعل الطاعة الا بالله سبحانه و قال عليه السلام في خبر ما معناه لايدرك مخلوق شيئا الا بالله و قال و ما سواك قائم بامرك ، و بالجملة فالمشية و ان كانت سارية و الكل مفعولها و لكن في قوابل الخلق ظهر هذا الفعل بالانفعال و لذا نقول ان امر الله تعالي قسمان فعلي و مفعولي مع ان نفس الامر من حيث هو هو واحد و قال و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و وجه المخلص من هذا التعارض ان امره سبحانه في كمّ الارادة و محل المشية فعلي و لكنه في بطن الامكان انفعالي فكان امر الله مفعولا كما ان بدنك اذا اشتغل بامرك يكون طلبا بل ربما يكون ايجابيا و بعد ما استمع عبدك و اشتغل به يكون مؤتمرا و مفعولا فافهم و تدبر ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مشية الله و ان كانت نافذة و سارية و ليس شئ الا و هو محل مشية الله و لكنها سرت في سموات الوجود بالمشية و في ارضيها بالمشائية ، هذا و قد عرفت من الامثلة المذكورة انها تجري في مواطن الفعل بالذات و في مواطن الانفعال بالتبع فان امر الله جري اولا في السماء بالفعلية و نفذ منه في الارض بعد بالانفعال ككسرك و انكسار الكأس و ضربك و انضراب العبد و بالجملة هذا السرّ سارٍ في كل شئ فاحد الفروق انهم محل الفعل و غيرهم قوابل و القابل يحتاج اليه و لايقوم بغيره و فرق آخر ان نفس الفعل الظاهر في القوابل من فوارة محل المشية كما ان ضوء الجدار من فوّارة الشمس و السراج لا غير هذا و جميع الامثلة في مقام الفصل [ص 447] و امر الوصل فوق ذلك و في الجعل المركب و الجعل البسيط ايضا فوق ذلك فان جميع القابلية و ما تحكي كلها مخلوقة بالفعل الظاهر من السماء غاية الامر ان الفعل الظاهر منه صار انفعالا و الصبغ المتخذ من انية السماء صار مرآة و قابلا و بسط ذلك كثير يأتي في مقامه ان شاء الله فهم محل المشية و المشية هي معني الله علي ما عرفت و محلها بابها و سبيلها و صراطها فمن اراد مشية الله لا بدّ له من الرجوع اليهم و كذلك من اراد الله يجب عليه الرجوع اليهم بل هم سماء الجود و شرف الموجود و قطب الوجود فكل ما اراد العباد شيئا كائنا ما كان من امر الدنيا و الآخرة لا بدّ لهم من الرجوع اليهم حتي ان الايمان بمعرفتهم و الاقرار بفضلهم و الاتباع لهم و الكفر بالانكار لهم و الانكار لفضلهم و التخلف عنهم و لولاهم لماكان شئ و ماكان ايمان و ماكان كفر فافهم .
فصل - اعلم ان كل عالٍ بعيد عن حيّز الداني و لايتمكن الداني من الوصول اليه و ان كان العالي بالفعل وجودا في مقام الداني ايضا الا ان الداني لبعده عنه و عدم مناسبته معه لايقدر علي دركه و اخذه عنه و لذا نقول ان ذات الله تعالي لاتدرك ابدا مع انها فعلية صرفة و ليست بالقوة في مقام العباد و من زعم ذلك فقد اخطأ السبيل و لميعرف ربّه لاتقل ان احدا لميقل بذلك فان جماعة من القائلين بوحدة الوجود و عود كل شئ الي الله و ان لميصرحوا بذلك و لكن من عرف فحوي كلامهم في البدأ و العود يجد ان ذلك من قولهم علي ما يظهر منهم و الله اعلم بنيّاتهم و لست الآن بصدد ذكر اقوالهم و سيجيء ان شاء الله و بالجملة فالذات لاتدرك مع فعليتها في كل مكان و لذلك ظهرت في كل عالم لاهله بما يناسبهم ليعرفوها و يعبدوها لا بان تظهر بذاتها في قالب من القوالب بل تجلّت لهم بما يناسبهم بنفسه و هذا السرّ يجري في جميع الخلق ايضا فان آلمحمد سلام الله عليهم بانفسهم تعالوا عن درك الابصار و اختفوا [ص 448] عن الانظار في اسفل مقاماتهم الذاتية فضلا من اعاليها الاتري انك لاتعرف حقيقة فؤاد الملك و لاتراها و لاتدركها و لا العقل الذي هو اول الاكوان و هما من مقاماتهم بل اقول انك لاتدرك الجن و الملك مع انهما من عالم المثال الذي هو دون ساير العوالم و قد اعطاك الله مشعرا من سنخهما فكيف بالذي لمتعط مشعرا من جنسه فافهم ذلك فانه من المسائل التي يجب علي الانسان التصديق به من باب المقدمة لمسائل كثيرة فاذا كان الامر كذلك فهل تقول ان الله اختار آلمحمد سلام الله عليهم بابا لنفسه مع انهم لايعرفون بانفسهم او لميجعلهم بابا فان قلت بالثاني فقد كفرت اذ انكرت فضلا من عظائم فضائلهم و ان قلت بالاول فاقول كيف يكونون بابا بيننا و بين ربنا مع انهم بانفسهم لايعرفون و لايدركون و كيف يتم الحجة لله علينا بهم فلا بدّ و ان يظهروا لنا في مظاهر يعرفون و يدركون و لا شك ان المظاهر العرضية لاتفيد كثير فائدة الا في امور كونية و اما في المعارف الشرعية فليست مناط اعتبار فالمناط معرفة المراتب الذاتية و لا شك ان المراتب الذاتية ما لمتكن مناسبة لغيوبها لاتظهر فيها الاتري ان البدن العرضي الجسماني الدنيوي لا مدخل له في الانسانية و يظهر نفس الانسان فيه باي صورة كان كما تري اناسي كثيرة في صور مختلفة و يمكن ان يظهر نفس زيد وحدها ايضا في صور مختلفة في الاعراض كما تري حالاته المختلفة من بدو عمره الي آخره و لو كان ظهور زيد في البدن العرضي مشترطا بوجود هذه الاعراض لماظهر في جميع الحالات بل لماامكن رجعته فافهم و اما البدن الاصلي للانسان فهو تنزّل روحه و لا بدّ من المشابهة التامة بينهما و لذا نقول لايظهر نفس الانسان في البدن الا ان يصير في لطافة الكرسي للزوم المناسبة فان النفس الانسانية غيب الكرسي و غيبه لايظهر الا في بدنه بلا شبهة فاذا كان المناسبة شرطا بين الروح و البدن فعلي فرض ظهور نفس الامام في بدن من سنخ الاناسي لاتظهر الا في بدن مناسب [ص 449] لها و هو فوق مدرك الاناسي فان البدن المناسب لها من سنخ عرش عالم الاناسي و هم علي فرض كمالهم في مقام الكرسي فكيف يدركونه فمن قال انه يكفي للمعرفة ظهورهم في عالم الاناسي لميعرف حقيقة الامر و ان مشايخنا ربما يشعرون بهذا الكلام و لكن ليس ذلك غاية مرادهم بل هذا بعض الكلام و تمامه من سرّهم قد اشاروا اليه في بعض المواطن و لايعرف رطنهم الا ولد بطنهم و بالجملة فظهورهم في عالم الاناسي ايضا لايكشف عن سرّهم و لذا اختاروا لانفسهم ابوابا و حججا و تجلّوا فيهم و بهم لغيرهم و هذه الابواب و الحجج من شعاع نورهم في عرصة الاناسي كما انهم شعاع نور الله في عالم الخلق فلله علي الناس حج بيت المعرفة من استطاع اليه سبيلا اي من وجد سبيله و بابه و اما اذا لميخل السرب لاحد بعدم معرفة السبيل فحجّه غير لازم شرعا و لا ميسّر كونا و الله اولي بالعذر و من استطاع و لميحجّ فهو كافر و لااقول لغير العارف انه لايحج مطلقا بل يجهد في معرفة السبيل اولا ثم يحجّ البيت ثانيا فافهم فللابواب ابواب و للنذر نذر و بذلك يقطع الله العذر و يفتح السبيل فافهم و يكفي هذا القدر من البيان ان شاء الله .
فصل - اعلم ان الباب لايكون بابا حتي يكشف عن ورائه بحيث لايري بنفسه و ما يري بنفسه حجاب و لا باب فان الجدار الذي يحول بين المرء و ما وراءه لايكون بابا و لكن المنفذ الذي يري باطنه من ظاهره باب و كذلك الامر في جميع الغيوب فان الدهن الذي يكون النار في قوته لايكون سبيل النار فانها لاتري منه و لكن الدخان المشتعل بها المظهر لها الحاكي عنها هو الباب و الجناب و هو لايكون الا من افني ما من نفسه و اظهر ما من ربه بالمرّة فآلمحمد سلام الله عليهم لما خرقوا حجب انيّتهم لغلبة الغيب فيهم و هتكوا ستر وجودهم لظهور السرّ و جذب احديتهم لصفة التوحيد صاروا ابوابا لله سبحانه و كذلك من هو بابهم و سبيلهم و حجتهم لا بدّ و ان يكون هكذا [ص 450] بالنسبة اليهم و من احتجت في الدخول منه اليهم الي كشف السبحات لمشاهدة الانوار و الآيات هو صنمك لا بابك فانه يشغلك عن ذكر الله و لكن من صار المولي ظاهرا من وجوده هو بابك هذا و لو كان يكفي مشاهدة الاسرار بهتك الاستار لكان يمكن ذلك من كل باب و حجاب فان كل شئ له آئية و سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و نعم ما قيل :
كل شئ فيه معني كل شئ فتفطن و اصرف الذهن اليّ
كثرة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي
فكان يمكنك الدخول اليهم من كل باب و مشاهدة نورهم من وراء كل شئ فلمَ خصصوا الامر باشخاص و سيأتيك وصفهم في الركن الرابع هذا و لمتكن تحتاج الي غيرك لانك ايضا مثله في الحكاية فالمناط في المقام ان يكون نفس الباب صاحب فعلية الحقيقة حتي يصلح للسير فيه كما قال الله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و لو لميكن القرية الظاهرة خالية عن المترفين كيف يأمن الناس في السير فيها و لاتكاد تخلو منهم الا بان تصير خالية عن جميع الاغيار حاكية عن القرية الباطنة في جميع الصفات و الآثار فافهم ذلك و قد اسقيتك ماءا غدقا .
فصل - بعد ما عرفت ما ذكرناه فاعلم ان الله سبحانه احد و الاحد لايجري عليه الحالات و لايغيّره الصفات و لايتوالي عليه الارادات بل هو نفس الذات و الحقيقة منزّهة عن كل ما هو سواها فلاتكون علة شئ و لا سبب شئ و لاتترتب علي شئ و لايترتب عليها شئ و لايصدر منها شئ كما لاتصدر من شئ و قد جعل الله لكل امر من الامور سببا و بابا و هو من كان حاكيا لفعلية من الفعليات يعني لصفة و اسم من الاسماء و الصفات فهو باب و سبيل للصفة التي يحكيها و يصدر منه ما يترتب عليها فانه تعالي هو الرزّاق و لكنه لايرزق [ص 451] بذاته اذ الرزق فعل و الفعل غير الذات و لكنه تعالي خلق ميكائيل و امدّه باسمه الرزاق و جعل له اعوانا بعدد رؤس الخلايق و اضعافهم فاجري رزق خلقه علي يديه و خلق جبرائيل و امدّه باسمه الخالق و خلق عباده به اماسمعت ما روي ان الله خلق ملكا ثم امره ان يقول كن فقال فكان ما كان و كذلك خلق اسرافيل و جعل في يده الحيوة و خلق عزرائيل و جعل في يده الموت و كذلك وكل بكل امر ملكا مع ان الفعل كله له و كذلك الامر في صنايع العباد فان الصانع لكل شئ بالتأثير و التكميل هو الله و عباده ايادي صنعه و لاتستغرب ذلك فان كل احد يقرّ بان الملئكة اياديه و قد شاع و ذاع حتي بلغ الاصقاع اسم الملئكة الخلّاقة و الرزّاقة مع ان الملئكة عباد الرحمن و مخلوقون بمشية الله فكذلك الامر في الخلق فالصانع مثلا هو الله و لايغيّر لون شئ الي غيره غير الله و لكن الصبّاغ يد الله و باب هذه الصفة و وكل الله به ملكا يمدّه علي ذلك و كلا نمدّ هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و قال له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله و كذلك الحدّاد هو الله و الرجل يده في ذلك و الطحّان هو هو و هكذا يجري الامر في اعلي من ذلك فان الطبيب هو الله لا المتطبب و انما يجري فعله علي يديه و العالم هو الله و يجري علمه علي لسان عبده و قلبه و هكذا الامر في جميع الامور و من نسب هذه الافعال الي عباد الله بنية استقلالهم فقد كفر بالله و الذي انزل السبع المثاني و القرآن الحكيم و لكن ان قال ذلك من باب المسامحات او معتقدا بانه يد الله لايضره و كذلك الامر في آثار النجوم و قد غفل من انكر اثرها بالمرّة فانه امر مشهود محسوس و لكنا نقول ان جميع التأثير من الله و قد القي امره الي روح القدس الذي هو ظاهر من العرش و هو قلم القدرة فالقي الامر الي النجوم فجرت بامر الله و ظهر منها الآثار بمشيته و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة فافهم ذلك فالله المسخّن المنير بالشمس [ص 452] و منها و المؤثر بالنجوم و جعل لكم النجوم لتهتدوا بها و هو الهادي لا غير و كيف ينكر ذلك و قد قال و في السماء رزقكم و ما توعدون اي ما توعدون من الثواب و العقاب و الحساب و الرجعة او هو مطلق من جميع ما وعدوا من الخلق و الرزق و الحيوة و الموت فاذا عرفت هذه المقدمة السهلة الممتنعة فاعلم ان الله سبحانه امرك بطلب ما تفقده من الباب الذي فتحه لك فان لمتطلبه من بابه ماوصلت اليه و لو دعوت الف سنة فان الماء رافع العطش بامر الله و قوة اسمه و النار مسخنة بامره و قوة اسمه فاذا طلبت رفع العطش من النار و التسخين من الماء ماوصلت اليه ابدا ابدا فان ذلك امر بين ظاهر و كل ما تري من عدم استجابة الدعوات اغلبه لذلك فان الرجل ينام علي قفاه و يسأل الله من فضله فان ذلك مما لايستجاب و لكنه قال فاذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض و ابتغوا من فضل الله و هذا معني التوكل ايضا فان التوكل ان تسلك في سبيل فتحه علي وفق الشرع و تعرف ان الامر كله بيده لا ان لاتطلب شيئا و تتوكل عليه و ما تري من عمل الاكابر انهم ربما لايطلبون المعاش بحسب الظاهر فليس ذلك لاجل طلبهم من غير السبيل بل هم يرتزقون من اعظم السبل و هو طلب العلم فان الله اوحي الي الارض ان ارزقي جميع الخلق بكدّ اليمين و عرق الجبين الا طالب العلم فاني اتّجر له من وراء كل تاجر فلاتغفل من ذلك و بالجملة اذا عرفت هذه المقدمة فاعلم ان لله ابوابا عظيمة فوق خلقه يأتي جميع الخلق ما يحتاجون اليه من عندهم حتي ان الاسماء التي وقعت في الخلق فصاروا بها فاعلين يأتيهم من هذه الابواب و مثلهم بالنسبة الي الخلق كالنار الغيبية و الشعلات فان جميع الشعلات ابواب النور و لكنها لاتشتعل من مشية الله الا بواسطة النار فهي الباب الاعظم للشعلات و فوق كل ذي علم عليم و كذلك لجميع الخلق ابواب الي الله و هم الذين اشتعلوا بنور مشية الله اصالة او بالتبع و يجب علي جميع الخلق ان يطلبوا [ص 453] حوائجهم من هذه الابواب و يسلكوا الي الله منها و يدعوه فيها و يعبدوه بالاستشفاع بها و من عبده من غير الباب و دعاه من سواه لايكاد يصل الي المراد و هم الائمة صلوات الله عليهم و جميع الفيوض تصل من عندهم و لهم ابواب عامة هي الخاصة و خاصة هي العامة اما الاولي فالابواب الكونية علي ما ذكرنا سابقا و اما الابواب الخاصة فهم الذين قرنهم الله بنفسه و نبيه و وليّه و اوجب علي العباد طاعتهم و ولايتهم و اتباعهم و اعلم انه من باب ان كل نور مشوب بالظلمة و مع كل نهار ليل و مع كل عقل جهل لاسرار جمّة مرّ ذكرها جعل الله مع كل باب من الابواب الاصلية و الفرعية بابا باطلا الي الشيطان ليدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير حتي انه ربما يكون في الصانعين مع حقّهم باطل و لكن ليس ذلك من المحتوم لقلة الاعتناء بهم و بصنعتهم و لكن في الابواب المتعلقة بالدين لا بدّ من ذلك لاجل الافتتان و الامتحان كما قال الله عز و جل الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون فمع كل نبي و امام و ولي قائم بالحق باطل قائم من عند الشيطان و ذلك قوله تعالي و كذلك جعلنا لكل نبي عدوّا الآية ، و منهم الذي قام من شيراز و ادعي البابية و ذهب الي سبيله و الحمد لله و الذي قام من بعده و لقّب نفسه بالبهاء لعنه الله و اخمد ذكره و آخر تلقب بالازل لعنه الله فان هؤلاء و امثالهم من الابواب الباطلة القائمين في مقابلة اهل الحق و حالهم كالذين قاموا مع النواب الاربعة و ادعوا البابية كالشلمغاني و النميري و امثالهما لعنهم الله و هؤلاء ضررهم علي المؤمنين اكثر من بنيامية علي اصحاب مولانا ابيعبدالله الحسين روحي فداه و عليه آلاف السلام اذ هؤلاء قتلوهم ففازوا بالنعم الابدية و لميوردوا ضررا علي دينهم و هؤلاء يغارون علي الشيعة و يذهبون بدينهم و هذا مضمون الحديث لعنهم الله جميعا و عذّبهم عذابا اليما و نصرنا الله علي اخماد ذكرهم و ابطال امرهم نصرا عزيزا و عجّل الله فرج وليّه الحجة [ص 454] بالحق بحق محمد و آله صلوات الله عليهم و اعلم ان ما ذكرته سابقا يكفيك في امتياز اهل الحق من الباطل فان الله جعل لكل شئ اثرا يعرف به فان المسك ما يتضوع لا ما العطّار يثبت مسكيته باليمين و الدليل .
فصل - اريد ان اذكر كلاما منيفا من شيخنا و عمادنا شيخ المسلمين و كهف المؤمنين الشيخ احمد بن الشيخ زينالدين اعلي الله مقامه و رفع اعلامه ، قال في تحقيق مقام الابواب في شرح الزيارة الجامعة : الثالث مقام الابواب و باطن الظاهر و سرّ لايفيده الا سرّ و السفارة الي الله تعالي و ترجمة وحي الله و بيانه انه اذا وقع الماء الاول علي ارض الجرز و البلد الميت و بعبارة اخري اذا استضاء الزيت عن النار و بعبارة اخري اذا وقعت الدلالة من الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر علي المعني الميت في قلب العبد المؤمن ظهر علي العبارة الاولي الزرع و النبات الطيب و علي الثانية المصباح و علي الثالثة المعني و المراد من الزرع و النبات و المصباح و المعني شئ واحد و هو الاسم الذي اشرقت به السماوات و الارضون و هو المعبّر عنه عند اهل الاشراق بالعقل الكلي و عند اهل الشرع بالقلم و العقل المحمدي و قد يطلق عليه الروح المحمدي فلما استوي عليه الرحمن اودع فيه غيوب الاشياء و هي معاني جميع الخلق فهو باب الله الي خلقه و لما امر العقل فقال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل اخرج منه رقايقها و صورها الي قوابلها فيما لايزال فهو باب الله الي خلقه و لما تهيأت القوابل لقبول حيوتها و جميع ما لها من ربها و قبلت كان ذلك القبول بواسطته فهو باب الخلق الي الله فلما امرهم بطاعته و امتثلوا امره قبل اعمالهم بواسطته و التوجه به الي الله فرفع به اعمالهم فهو باب الخلق الي الله و هذه الوساطة و الترجمة و السفارة عامة في جميع الوجودات الشرعية و الشرعيات الوجودية فهم في هذا المقام موضع الرسالة بالنسبة الي المقام الاول و محل وحيه و مهبط نوره و مسقط نجومه و هكذا بالنسبة الي المقام الثاني [ص 455] هم حفظة شريعته و موضع رسالته الثاني من الاول ليترجموا لمن دونهم الامدادات ممن هو فوقهم ، انتهي كلامه علا مقامه و لعمري هو كلام دون كلام ساداته و فوق ساير الكلمات و لاينافي قولي فيما مضي في مقام البابية انها مادة العقل و قوله (اع) انه العقل ، اذ مراده ايضا العقل من حيث الاعلي و الصدور لا الظهور فانه من حيث الظهور قطب بلا كلام و قال اعلي الله مقامه في مقام آخر من هذا الكتاب : الثالثة معرفة الابواب و معرفة حقّهم فيها ان يعلم انهم ابواب الله التي منها يؤتي في ساير العبادات و الدعوات و المناجاة و طريق قبول الاعمال و منها يؤتي عباده ما يشاء من خلق و رزق و حيوة و مماة في غيبهم و شهادتهم و في ذواتهم و افعالهم و احوالهم و اقوالهم و اعمالهم و ما منه صادرون و اليه صائرون فلايخرج من الخزائن خارج و لايصعد اليها صاعد الا منهم و بهم فهذا و مثله من معرفته و اعتقاده حقهم عليهم السلام في هذه المرتبة ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه و لعمري ان تفكرت في هذه العبارات تمام دهرك لكفاك .