فصل - اعلم ان جميع ما خلقه الله في اعلي الخلق لا بد من نزوله الي الدنيا و ما خلقه الله في الدنيا لا بدّ من صعوده الي العليا و ينطق بذلك قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فجميع الآيات الغيبية ظهرت في السموات و الارض و قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة فامره في الغيب و الشهود واحد بلا اختلاف قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية الحديث ، فلما خلق الله العقل في الغيب اختار له بدنا في كل عالم من العوالم لظهور ما خفي فيه من البواطن و تفصيل المجملات و لكن اختار له في كل عالم من العوالم بدنا معنويا كليا بالنسبة و هو البدن العرشي فعرش كل عالم ظهور العقل فيه كما ان كرسي كل عالم ظهور النفس فيه و هكذا و ذلك قوله عليه السلام في صفة بدئهم حيث قال المفضل للصادق عليه السلام ما كنتم قبل ان يخلق الله السموات و الارضين قال عليه السلام كنّا انوارا حول العرش نسبّح الله و نقدسه حتي خلق الله سبحانه الملائكة فقال لهم سبّحوا فقالوا يا ربنا لا علم لنا فقال لنا سبّحوا فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا الا انا خلقنا من نور الله و خلق شيعتنا من دون ذلك النور فاذا كانت يوم القيمة التحقت السفلي بالعليا و سمع رسول الله صلي الله عليه و آله يقول كنت انا و علي عن يمين العرش نسبح الله قبل ان يخلق آدم بالفي عام انتهي ، فعرش كل عالم من العوالم مظهر نورهم فيه و لذا يكون العرش قطب ساير اجزاء العالم و جميع الفيوض يصل اليها منه و كلها يدور عليه بالاستمداد [ص 404] و منزلته من العالم منزلة القلب من الانسان ثم لما اراد الله خلقهم في عالم الاجسام اخذ من طينة عرش عالم الاجسام اي عناصره و ركبها فظهروا من المولود المركب منها فان عناصر ساير العالم لاتصلح لحكاية نور اول ما خلق الله تعالي فان الروح لايظهر في بدن الا بالمناسبة التامة الاتري ان روح الحيوان لايظهر الا في بدن مخصوص به لا غير و روح الانسان لايظهر الا في بدن مخصوص به و كذلك روح القطب لايكاد يظهر الا في بدن مناسب به و لايناسبه الا ما كان من قطب الاجسام فتدبر فلذا اختار الله سبحانه لظهورهم في كل عالم بدنا من سنخ قطب ذلك العالم فعلي ذلك هم اول ما خلق الله في كل عالم من العوالم فان قطب كل عالم اول ما خلق الله منه حتي ان قلب الانسان الذي هو قطب بدنه اول ما خلق الله منه ثم يخلق منه ساير اعضائه و جوارحه فكذلك هذا البدن الخاص بالائمة عليهم السلام في هذا العالم اول ما خلق الله من الاجسام و ان كان مخلوقا في جزء خاص من الزمان فانه ليس المراد من الاولية الاولية الزمانية حتي يورد عليه سبق ازمنة عليه و لكن المراد منها الاولية الرتبية و الاشرفية و لا شكّ في ذلك لما عرفت انه لايليق بالاشرف الا اشرف الابدان مع ان المناط في الحكمة ليس الصورة التعليمية و الاعراض الزايلة بل المناط المادة المتصورة بها و الحادث في جزء من الزمان الصورة التعليمية و البدن العرضي و الا فالمادة عرشية سابقة علي جميع المركبات الفلكية و العنصرية و بالجملة فحاصل الكلام ان آلمحمد عليهم السلام حقيقتهم اول الكاينات و مظاهرها ايضا اول بالنسبة اعني ان اول المظاهر اي العقل سابق علي جميع الكاينات و عرش عالم الارواح الذي هو مظهرهم في عالمها سابق عليها و علي جميع ما دونها و دون اول مظاهرهم و هكذا .
فصل - اعلم ان حجة الله في الحقيقة من يقوم به الحجة في اصل التكليف الذي هو الغاية و هي المعرفة و قد خلق الله الخلق لها و اقام الحجة للتعريف [ص 405] و لا شك ان المراد من المعرفة معرفة الله فلايقوم الحجة الا بوجود ظاهر الله و بغير ذلك لايحصل المعرفة التامة و لايقوم الحجة البالغة و قد عرفت مما اشرنا اليه انهم اول الكائنات فهم اول المظاهر و ساير المظاهر تكون مظاهر بحسب حكايتهم عنه اذ لاتصل الي الله الا بواسطته و لذا ورد في الزيارة انتم السبيل الاعظم و ورد اخبار اخر دالّة علي ذلك سيأتي بعد في البيان و المعاني فالحجة الاولي الواقعية لله تعالي آلمحمد و ساير الحجج حججهم و الآيات آياتهم كما قال السجاد عليه السلام في حديث الخيط حيث قال جابر يا سيدي العجب انهم لايدرون من اين اتوا قال اجل ثم تلا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و كانوا بآياتنا يجحدون و هي والله آياتنا و هذه احدها و هي والله ولايتنا يا جابر الخبر ، و اذ كانوا هم الحجة من عند الله لا غير فلا مبلّغ سواهم في الحقيقة و لا شك ان المبلغ لايكون مبلغا الا اذا ظهر في لباس امته و الحجة لايكون حجة الا اذا لبس عليه ما يلبسون كما قال تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليه ما يلبسون و في ظاهر الظاهر يأول قوله لبسنا الي البسنا اي كسونا عليهم مثل لباسهم فلا بدّ و ان يظهر الحجة الاعظم في جميع العوالم الالفالف بلباس اهل العوالم و الا لماصح الابلاغ و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام في اخبار متعددة ما معناه انه الحجة و الامام علي جميع العوالم ، فظهروا في كل عالم لهم و بلّغوا و ادّوا عن الله و اظهروا احديته غاية الامر ان اظهارهم علي حسب اقتضاء ذلك العالم كظهورهم و كذلك هم في كل عالم اول ما خلق الله من اهل ذلك العالم و اما ما ذكرت ان ساير الحجج حججهم فاعلم ان الله قد ظهر بهم لهم و لساير الناس فصاروا حجة الله لكل احد و قد ظهروا في الانبياء و الحجج و ظهروا بهم لساير الناس و ذلك قوله عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و قال الا و انا نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي [ص 406] و نذر كل زمان و اوان ، فافهم ذلك فانه دقيق و قد ظهروا فيهم للناس بحسب صلاح الازمان و ظهروا بلباس خاص بهم ايضا بحسب صلاح الزمان و لست في المقام بصدد بيان ذلك .
فصل - اعلم ان الادلة علي كون النبي و آله اول ما خلق الله كثيرة لاتحصي و لكن مرادي محض الاشارة الي بعضها و لما ذكرت البرهان مجملا من الكتاب و السنة و الاجماع و دليل الحكمة لا عليَّ ان اثبت ذلك بالمجادلة و الموعظة ايضا فان معرفة طرق الاستدلال في المسائل الكلية من اللوازم فاقول من باب المجادلة ان لهذا الخلق المشهود اول ام لا ، لايشك عاقل في ان له اولا فان ذلك مسلّم اذ ليس جميع الخلق في عرض واحد حتي يفرض كون جميعهم دايرين علي مركز واحد فانه لا شك ان الروح قبل الجسد و العقل قبل الروح و المطلق قبل المقيد و العلة قبل المعلول فانها كأنها من الامور المسلّمة الاولية فاذا كان الامر هكذا فمن هذه الدنيا التي هي آخر العوالم الي غايتها حدّ معلوم تنتهي اليها بلا شك فانه قد ثبت ان كون نهاية الشئ في مقام دليل علي ثبوت مبدء له و ان لميدرك المبدأ فانه اذا كان خيط رأسه عندك و رأسه الآخر في غاية البعد منك بحيث لاتدركه لكان انفصام رأسه دليل انفصام رأسه الآخر فلهذا الملك مبدؤ ينتهي اليه لان له منتهي نحسّه و ندركه و لا شك ان المبدأ اشرف الخلق لا اخسهم بل هو اشرف خلق الله من كل جهة حتي يصدق عليه المبدئية من كل حيث و الا لكان مركبا من مبدأ و غير مبدأ و هذا خلاف الفرض و الاشرف من كل حيث ليس من الرعية بل هو من الانبياء و من اشرفهم لاختلافهم في الدرجات فهو من اولي العزم البتة و درجات اولي العزم ايضا مختلفة فهو اشرف من جميع اولي العزم من الرسل و قد ثبت باجماع جميع المسلمين مفصلا و اجماع الملل مجملا ان محمدا صلي الله عليه و آله اشرف من ساير اولي العزم هذا و هو صلي الله [ص 407] عليه و آله ادعي لنفسه ذلك و سدده الله عليه و السابقون من الانبياء اخبروا بوجوده و شرافته فاذا عرفت كونه اول ما خلق الله بالمجادلة نقول بهذا الوجه لاثبات كون الائمة ايضا اول ما خلق الله انه صلي الله عليه و آله ارسل من عند الله لابلاغ امر معهود و تكميل شئ معلوم لاينبغي ذلك لغيره و لو كان يقدر علي ابلاغ هذا الامر العظيم غيره لماوكله الله لهذا الامر فان الله حكيم لايفعل العبث و لا شك ان ارسال اول ما خلق لابلاغ امر يقدر عليه كل حجة لغو و تضييع له فهو موكل بامر فوق طاقة ساير الانبياء و لا شك ان وصي كل نبي لا بد و ان يكون من سنخه لان الوصي موكل بتكميل ما ارسل به النبي و لو لميكن من سنخه لماقدر علي ابلاغ امره الا ان يكون وصيا في امر خاص و هو غير الوصي المطلق فلا بد ان يكون اوصياء الخاتم صلي الله عليه و آله من سنخه و الا لماقدروا علي تكميل شرعه و احقاق حقه و اقامة دينه و لذا قال صلي الله عليه و آله لوصيه صلي الله عليه انت مني بمنزلة هرون من موسي و قال الله تعالي حكاية عن موسي لااملك الا نفسي و اخي و قال اخي هرون فعلي ذلك عليٌّ اخو رسول الله و الاخ لايكون الا من طينة اخيه فهو من رسول الله و لذا قال عليٌ نفسي و كذلك قال في ساير اوصيائه كقوله حسين مني و انا من حسين و بالجملة فاوصياؤه صلي الله عليه و آله منه فهم جميعا اول ما خلق الله فافهم و تدبر ثم ان انواع الادلة الجدلية في المقام كثيرة و لكن المراد الاشارة و من باب الموعظة اقول ظهور المبدء في الخلق لتكملهم منه اقرب و انفع لاستخراج ما كمن فيهم من نوره فان تكمّل كل شئ من سنخه البتة و لو لميظهر لتكميلهم لماخرج من مكامنهم ما اختفي من نور المبدء الا بعسر شديد و الله لايترك الاقرب و الاصلح يقينا و ظهوره بعد جميع الانبياء و المرسلين اولي فان الانبياء يكمّلون القوابل و يعدّونها للتكمل منه و قبل تكملهم بما دون نور المبدأ لايتكملون به البتة فان الطفرة محال و السير [ص 408] من الاسفل الي الاعلي من غير سبيل الوسط ممتنع فالاولي ان يبعث اولا ساير الانبياء الحاملين للنور الادني ثم يبعث الخاتم بعدهم و الله سبحانه لايترك الاولي و لا شك ان محمدا خاتم الانبياء لانه ادعي ذلك و لميبطل الله امره و لميدحض حجته و لو لميكن خاتما لكان الاولي ان يدحض الله حجته و لايغوي عباده فانه لايرضي لعباده الكفر فان الايمان اولي و بالجملة هذه دستور في طريق الموعظة فان المراد منها الاخذ بطرف اليقين الخالي من الضرر مسلما .
فصل - اعلم ان كونهم اول ما خلق الله اصل جميع فضايلهم و من العجب ان الله سبحانه جعل هذه الفضيلة العظيمة ضرورية فان كل الشيعة يقرّون بذلك مع انهم لايعرفون حقيقته الا من اتي الله بقلب سليم و امتحن الله قلبه للايمان حتي ان جماعة مع اقرارهم بهذا الاصل العظيم ينكرون اكثر ما يترتب عليه و قد جعل الله الاصل ضروريا حتي لايشتبه الامر فانه لو كان الاصل غير بديهي لكان لهم الحجة بان يقولوا ماعرفنا و انا كنا عن هذا غافلين و لكن بعد ما صار من ضرورياتهم يكون لله الحجة عليهم و لما كان بناؤنا علي القاء الكليات لسنا بصدد ذكر الجزئيات مع انها لاتعدّ و لاتحصي و لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و لكني اذكر بعضا بطريق الاشارة و عليك باستنباط الجزئيات فاقول اذا كانوا اول ما خلق الله فجميع الملك صادر من امرهم شرعا و كونا و جميع الخلق صنايع لهم كونا و شرعا و موادهم و صورهم من نورهم او ظل نورهم فهم اولي بكل موجود من نفسه و اظهر في مكانه منه في الدنيا و الآخرة و مرجع الكل اليهم و مرد الامور جميعها مطلقا اليهم و الثواب و العقاب و الحساب و الكتاب عليهم فان جميع الامور راجعة الي المبدأ و هم المبدأ الاتري ان في هذا الملك لايقوم شئ الا بالجسم المطلق و لايصدر شئ الا منه و لا فاعل سواه و لا مؤثر غيره و المواد من مادته و الصور من صورته و الوجود كله له و الامر له و الحكم له [ص 409] و هكذا الامر فيهم صلوات الله عليهم و كذلك الامر في لزوم متابعتهم فان اول ما خلق الله اولوا الامر المطلق و لا محيص لاحد من اتباعهم في الكون و الشرع و ان جميع ما صدر من اوامر الله تعالي صدر منهم و بسببهم و بالجملة نتايج هذه الفضيلة اكثر من ان تحصي و لست في المقام بصدد ذكر جميعها و سيظهر لك كلياتها في ذكر مقاماتهم ان شاء الله .
في ذكر بعض فضايلهم مما يتعلق بالبيان و فيه فصول بعد مقدمة :
مقدمة - قد ثبت لنا بالنقل و العقل ان محمدا و آله صلوات الله عليهم لهم مقامات اربعة و هي البيان و المعاني و الابواب و الامامة و يجب علي الناس معرفتهم بها و من لميعرفهم في هذه المقامات صار معرفته ناقصة و لا علينا ان نذكر شطرا من الادلة النقلية في المقام لاثبات المقامات لهم صلوات الله عليهم فاقول قال الله تعالي في محكم كتابه الرحمن علّم القرآن خلق الانسان علّمه البيان و تكرار لفظ علّم و القرآن و البيان يشهد بان هذين العلمين متفاوتان و ان البيان غير القرآن فان البيان مقام النقطة و القرآن مقام التفصيل اذ قال قرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث و قال كل شئ احصيناه كتابا و قال و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ، هذا و لو كان البيان نفس القرآن لماكرّره و لو كان شيئا من امور الخلق لكان في القرآن بنص الآيات فهو امر خارج منها و قد قال علّم القرآن علي الاطلاق و خصّ علّم البيان بالانسان و في ذلك نوع تخصيص فانه قد علّم القرآن ملائكته و الجن كما يشهد بذلك قوله قل اوحي اليَّ انه استمع نفر من الجن الخ ، و لكن علم البيان مخصوص بالانسان الذي خصّه بالامانة و الانسان الحقيقي هو الخاتم و اهل بيته فعلم البيان مخصوص بهم و علمه ليس كساير العلوم فان ساير العلوم حضور اشباح الاشياء او اعيانها [ص 410] عند العالم و اما البيان فهو ذات و حقيقة و لا شبح لها و لا عين غير ذاتها و علم الذات نفس الذات فعلّمه البيان اي جعله بيانا قال الصادق عليه السلام في تفسير الآية الكريمة البيان الاسم الاعظم الذي به علم كل شئ و سئل الرضا (ع) عن قوله تعالي الرحمن علّم القرآن قال الله علّم القرآن قيل فقوله خلق الانسان علّمه البيان قال ذاك اميرالمؤمنين علّمه الله بيان كل شئ يحتاج اليه الناس و كذلك قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد و هذه الآية في الشرع مخصوصة بهم بل يمكن ان يقال ان جميعها في الشرع و المراد من الآيات نفس آلمحمد عليهم السلام و لميرهم اياهم في الدنيا علي الآئية و النورانية و قال سنريهم يعني بعد في الرجعة في الآفاق و في انفسهم يعني يملأون مشارق الارض و مغاربها و بالجملة لما كان المراد الاستدلال بالظواهر نقتصر بها ليسهل الاقرار به للخصم فاقول في الكون اري آياته الكونية جميع الخلق و اما في الشرع فيخص ذلك بهم و من اتبعهم و اما ساير الناس فهم غثاء و كأين من آية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال كذبوا بآياتنا فالمعني بقوله سنريهم جماعة خاصة و قد اراهم آياته و الآية لاتكون آية الا اذا ظهر منها ذو الآية فهي البيان فقال سنريهم البيان و اراءة الحقيقة بالكشف لا محالة و الكشف لايحصل الا بايجاد المشعر المناسب للمُدرَك علي المفعول و قد ثبت في الحكمة ان آية الله لاتدرك الا بها فلا بد من جعلها فيمن يشرفه بادراكها فقوله سنريهم اي بجعل الآية فيهم و يكشف عن ذلك قوله في انفسهم فانها لو لمتجعل فيها لمارآها فيها فتدبر ثم يظهر من نفس الآية ان المراد منها البيان حيث قال حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد ، و قال مولانا الصادق عليه السلام في شرحه اي موجود في غيبتك و حضرتك ، فتلك الآية مشعر يعرف بها الله تعالي و لايعرف الله الا بالبيان فافهم ذلك بالعيان [ص 411] و قال الله تعالي و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء و من كان صاحب هذا الروح يكون صاحب المعاني و المعني اي الظاهر و لا ظاهر الا بالباطن و الباطن هو البيان و قال اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايّدهم بروح منه و في مقام الابواب قال الله تعالي اهدنا الصراط المستقيم و المراد من الصراط الائمة عليهم السلام كما في آية اخري هذا صراط عليّ مستقيم و قد قرأوا عليَّ علي ان يكون حرف الجر مع الياء و لكن العاقل لايشك في ان نزوله علي خلاف ذلك فالصراط مضاف و عليّ اسم مضاف اليه و قال رسول الله (ص) يا علي الصراط صراطك فافهم و قال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا فلا سبيل الي الفيض مطلقا غيره و قال مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و هم الهادون المهديون فهم اعضاد و الاعضاد ابواب و قال ليس البر ان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها و هم ابواب بيوت الرحمة و الفيض و امثال ذلك من الآيات كثيرة و الآيات الناصة علي الامامة ايضا كثيرة مرّ شطر منها فراجع و اما الاخبار في المقام فاما بحسب المعني فكثيرة و لكني اريد رواية ما ورد باللفظ فعن جابر عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل قال له جابر الحمد لله الذي منَّ علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة مواليكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جاير أوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و تلا ايضا و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمدّه من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم يا جابر [ص 412] اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة الله القديم الغائب الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب ستدركه كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوّض الينا امور عباده فنحن نفعل باذنه ما نشاء و نحن اذا شئنا شاء الله و اذا اردنا اراد الله و نحن احلّنا عز و جل هذا المحل و اصطفانا من بين عباده و جعلنا حجة في بلاده فمن انكر شيئا و ردّه فقد ردّ علي الله ( جل ظ ) اسمه و كفر بآياته و انبيائه و رسله الحديث ، و عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني فقلت و ما البيان و المعاني فقال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف ان الله سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و كلمته و علمه و حقه و اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده و نحن المثاني التي اعطانا الله نبينا و نحن وجه الله الذي ينقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و قد عبّر الصادق عليه السلام عن هذه المقامات باسماء اخر في حديثه قال ان امرنا هو الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السرّ و سرّ السرّ و سرّ مستسر و سرّ مقنع بالسرّ و عنه عليه السلام ان امرنا سرّ مستسر و سرّ لايفيده الا سرّ و سرّ علي سرّ و سرّ مقنع بسرّ و في الخبر الاول في الفقرة الاولي اشار الي خمس مقامات : الحق و حق الحق و الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن فيمكن ان يقال ان باطن الباطن مقام آخر فوق البيان لميفصح به الي هذا الزمان و ساير المقامات هي المقامات المذكورة او يقال ان الظاهر هو مقام خامس دون الامامة و هي القطبية كما سنذكر ان شاء الله و عن ابيجعفر عليه السلام انشأ يقول ابتداءا من غير ان يسأل نحن حجة الله و نحن باب الله و نحن لسان الله و نحن وجه الله و نحن عين [ص 413] الله في خلقه و نحن ولاة امر الله في عباده و في الزيارة الثالثة اشهد انكم ابواب الله و مفاتيح رحمته و مقاليد مغفرته الزيارة ، و الاخبار في انهم باب الله اكثر من ان تحصي و اما الامامة فامر ظاهر و فضل باهر يعرفه كل احد و اما الادلة العقلية علي المراد فسأذكرها ان شاء الله في تلو المطالب .
فصل - في اثبات ظهور البيان في آلمحمد عليهم السلام و ساير مظاهره . اعلم ان الله سبحانه ذات احدية لاتحدّ بشئ من الاشياء و لا بحدّ من الحدود و لا بجهة من الجهات اذ الاحد فوق الفوق بلا فوق و تحت التحت بلا تحت و ليس في عرض شئ من الاشياء حتي يحدّ به الاتري الي الجسم المطلق اللابشرط لكونه خارجا عن جميع حدود الافراد كائنة ما كانت لايحدّ بشئ منها فلاينتهي الي شئ منها فهو معها اينما كانت و فيها و منها و عليها فانت اذا نظرت الي العرش مع الغض عن العرشية التي هي حد العرش تجد الجسم علانية و اذا نظرت الي الكرسي تجده و اذا نظرت الي الافلاك و العناصر هكذا تجده لااريد ان الجسم ينافي العرشية و الكرسية و لذلك لا بدّ من الغض عنهما و عن ساير الخواص فانك قد عرفت انه غير محدود و غير المحدود لاينافي شيئا من الحدود اذ لايعزل عنها و لكني اريد ان العرش بالعرشية ناقص عن درجته و الكرسي بالكرسية ناقص عن درجته مع ان الكل صفته و الجسم تمام العرش بلا شبهة و ليس العرش كل الجسم و لذا لاتقول للعرش انه كرسي و تقول للجسم انه كرسي فافهم فانه دقيق و كذلك الامر في الله ربنا و فوق ذلك فانه فوق جميع الحدود و لايحدّ بشئ من الاشياء فلايقف علي حدّ ابدا و يظهر في كل شئ و من كل شئ قال الله تعالي و نحن اقرب اليه من حبل الوريد و قال أولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد و قال هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم و ذلك شان الاحد جل شانه و قال مولانا ابوعبدالله الحسين عليه السلام ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك [ص 414] حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا ، فهو تعالي ظاهر من كل شئ و في كل شئ في غيبته و حضرته و لكن درجات الخلق في الحكاية عنه تعالي متفاوتة شرعا فمنهم من يكون في غاية القرب الاقرب من الله تعالي و منهم من يكون في غاية البعد الابعد لا انه تعالي قريب من احد و بعيد عن احد و لكن القرب و البعد بحسب صفاء القوابل و كدورتها و جامعيتها و عدمها فمنها ما يكون جامعا لجميع صفات الجمال و الكمال و العظمة و الجلال فيحكي عن الله المتعال اشرف حكاية و منها ما يكون في غاية النقص و الفقدان فلايحكي عن نوره تعالي علي ما ينبغي و امثّل لك مثالا آخر و لله المثل الاعلي ان الشمس مضيئة شفافة برّاقة و هي في الفلك و نسبتها الي جميع الاحجار بالسواء و لاتكون اقرب الي حجر من حجر و هي مشرقة علي كلها و نفذ نورها في جميعها و لكن الاحجار متفاوتة فمنها صافية لطيفة صقيلة و منها غليظة كثيفة فما كان منها صافيا صقيلا يحكي عن الشمس علي ما ينبغي فانه يشير الي لونها و هيئتها و نورها بل يصير مشرقا مثل الشمس المضيئة محرقا مثلها بحيث لايبقي فيما بين الشمس السماوية و ما يظهر من الحجر تفاوت بوجه الا انه شبح لها و آية و اما ساير الاحجار الغليظة فلاتحكي عن جميع كمالات الشمس بل تحكي عن نور مبهم الاتري انه لايظهر من الحجر الغاسق سوي نور واحد مبهم و لايظهر منه لون الشمس و هيئتها و صفاؤها و لكن المرآة تحكي عن جميعها فلذا نقول ان حقيقة البيان اي بيان الشمس ما يكون ظاهرا في المرآة لا ما يكون في الحجر و ذلك فيما اذا كانت القوابل من عرض واحد و اما اذا كانت في درجات مختلفة فاعلم ان العلة تحكي نور الله قبل معلولها و ما يظهر في المعلول لايظهر الا بواسطة العلة كما في الجسم و الافلاك فان الوجود مثلا يظهر من الجسم و من [ص 415] الافلاك و نسبته الي جميعها بالسواء و لكن يظهر من الجسم اولا و منه يظهر في الافلاك اذ اصل وجود الافلاك من الجسم و بقاؤها به و هو العلة لكلها فالوجود يظهر في الجسم اولا ثم يظهر منه في افراده فما في افراده من الوجود فرع ما كان من الوجود في الجسم فاذا عرفت هذه الامثال فاعلم ان آلمحمد سلام الله عليهم في حقايقهم علة جميع الكائنات و في مقام شخصيتهم اصفي و اعدل من جميع القوابل فنور البيان فيهم اظهر و اسبق و اولي و اعلي من جميع الخلق فكل بيان في الخلق من فرع بيانهم و ذلك قوله عليه السلام نحن اصل كل خير و من فروعنا كل برّ و من البر التوحيد و في الزيارة من اراد الله بدأ بكم و من وحّده قبل عنكم و من قصده توجه بكم ، فافهم ذلك نعم في مقام البيان لعلك لاتلتفت الي شئ غير البيان فلاتلتفت الي انه فرع او اصل كما انك لاتلتفت الي انه بيان الله لا ذاته و ذلك دقيق في غاية الدقة انظر فيه بنظر دقيق حتي تعرفه .
فصل - اعلم ان هذا الامام المحسوس الملموس في المحراب و علي المنبر له مقامات مقام بدن ظاهر ملموس و هو البدن العرضي المأخوذ من سنخ الجمادات و النباتات و ان كان من اعدلها و اصفاها و لكنه من فسحة وجود النبات و الجماد و روح هذا البدن روح الحيوة و هي ايضا من سنخ سائر الارواح الا انها من اعدلها و اصفاها و هم في هذه المراتب يمشون في الناس بطبعهم و يأكلون و يشربون و ينكحون قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الاسواق ثم فوق هذه المقامات لهم مقام في الاناسي و هو مقام روح الايمان رابع الارواح و فيهم اكملها و اعلاها و اصفاها فيكونون كاملين في جميع صفات الانسانية و لايعرضها النقص و الزوال ابدا و اما الحيوانية و النباتية و الجمادية فعرضية لهم و ربما يعرضها النقص و الزوال و ان لمتخرج من حدّ الاعتدال ما دام ظهور روحهم فيها و اما صفات الانسانية فليس امرها هكذا [ص 416] اذ هي من الذاتيات في الواقع فلا بدّ و ان يكون انسانيتهم اكمل و اكثر و اتم و اصفي و اعدل من الجميع فيكونون اكثر علما و حلما و فكرا و ذكرا و نباهة و حكمة و نزاهة بخلاف صفات الحيوانية و النباتية فانها باختيارهم ففي صغرهم مثلا كان نشوهم و نماؤهم اكثر من ابناء الجنس و في الكبر ربما كان يسقط اسنانهم و كانوا صابرين علي ذلك و كانوا يمرضون و يصبرون و اما انسانيتهم فهي اجل من ان يعرضها الاعراض و لميكن يضعف شئ منها في الصغر و الكبر ثم فوق مقام الانسانية لهم نفس غيبية معنوية عقلانية و هم في هذا المقام قطب الدوائر عليهم يدور كل الخلق و يستمدون منهم الفيوض فان العقل لنور الغيب مثل الشعلة للنار فان جميع فيوض النار تصل اليها و الانوار تصدر منها و تدور عليها و هي و ان كانت من عرض الانوار و لكن جميعها تستمد منها و يصل جميع الفيوض اليها منها و لذا وصف الامام عليه السلام الامام بانه قطب الوجود و شرف الموجود فان العقل وسط الكل و قلم الابداع و يد الله في ايجاد الاشياء و به شرف كل شئ فان جميع الشرف بالعقل و لا شرف لغير العاقل ثم من بعد هذا المقام لهم مقام آخر و هو مقام النفس و الفؤاد و هو مقام البابية و الامام في الحقيقة صاحب الفؤاد الحقيقي و لايصير الفؤاد في غيره بالفعل الا ما ظهر فيه بالظل و هو باب الي الفؤاد الذي هو باب الله لا اليه بلا واسطة فان باب الشمس عندك نورها الذي ظهر لك في مقامك و به تتوسل الي الشمس و ذلك امر بيّن ظاهر و كذلك الوجود الظاهر في عرصة المقيدات هو شعاع الوجود الظاهر من العقل الذي هو مظهر الحقيقة المحمدية صلوات الله عليها و نوره و السبيل اليه و السُلّم بينه و بين المقيدات و كل من اراد الوصول اليه من المقيدات لا بدّ له من الاتصال بالوجود الظاهر له فيهم و التمسك بحبله و الاعتصام بولايته حتي يصل الي الوجود و ليس الفرق بينه و بين ما ظهر للمقيد الا نفس القيد و اذا قطعت النظر عنه تصل الي المراد فافهم [ص 417] و اعلم ان الفؤاد هو اعلي درجة العقل و نفسه التي خلق بها و يعرف بها ربه و لاتفارقه ابدا فلاتزعم ان الفؤاد يقوم بغير العقل او العقل الكامل المرتفع يقوم من غير فؤاد فاعلي درجة الامامة البابية لله تعالي و كل من اراد الله يجب عليه الاقبال الي الامام مع قطع النظر عن امامته فانك اذا قطعت النظر عن قيد الامامة لاتكاد تجد الا الله و ذلك ان الوجود آية الله و لايري منه سوي الله و ذلك معني الباب فان المرئي في نفسه حجاب و لا باب و الباب لايشير الا الي ذي الباب ثم لهم من بعد هذا المقام مقام في مشية الله سبحانه بمعني انهم بانفسهم مشية الله سبحانه فان مقام الوجود المقيد ظهور للوجود المطلق يعني ان الوجود المطلق غيبه و هو شهادته و لايكاد يقوم الغيب الا بالشهادة و لا يقوم الشهادة الا بالغيب و لا بدّ للمشية من مشاء و للمشاء من مشية فالوجود المطلق ثابت فيهم غاية الامر انه في غيبهم و هذا المقام هو مقام المعني اي الظاهر يعني ظاهر الله تعالي حيث قال و ظاهره فيكم و معني جميع الاسماء و الصفات و ان الاسماء و الصفات بحسب ظواهرها واقفة في اسفل المعاني اي المعاني السفلي و معناها اي ظاهر الله تعالي في اعلي المعاني و الاعلي في غاية الوحدة و البساطة و الاسفل في نهاية الكثرة بحسب القوابل فان هذا المقام مقام الفعل و الفعل له مقام اجمال من حيث الصدور و مقام تفصيل من حيث التعلق فمن حيث الاجمال هو معني بسيط كامل دالّ علي الكمال الاول الثابت القائم و من حيث التفصيل اسماء و صفات مفصلة الاتري ان الفعل من حيث صدوره منك واحد و بعد ما تعلق بيدك يكون كاتبا باطشا و اذا تعلق بسمعك يكون سميعا و اذا تعلق ببصرك يكون بصيرا بل حركة يدك بنفسها حركة بسيطة ايضا تختلف بحسب النسب و القرانات و الاوضاع كما لايخفي و لكن الظاهر من الكل الفعل المطلق و الظاهر منه انت لا غير فافهم فهُم في هذا المقام معني الله سبحانه و ظاهره و لا فاصل بينهم و بين الذات في المقام الا النور الاول الذي هو كمال [ص 418] الذات و هو نفسهم و لذا قال اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ، و انت تعلم ان الله تعالي لميفوّض الي احد من خلقه و كل شئ بمشيته فهم مشيته و المشية من نور الذات و ساير الخلق من الامكان و الفرق بينهما كالفرق بين الوجود و العدم و هذا النور نفس المشية اي علم الله بها و لذلك قال عليه السلام في مقامٍ خلق الله المشية بنفسها و في مقامٍ قال بالعلم خلقت المشية ، ثم فوق هذا المقام مقام الكينونة المنزهة عن كل بينونة و هي مقام الذات الظاهرة و الكون الصرف فاذا نظرت الي الفعل اي المشية مع قطع النظر عن الفعلية اي الاطلاق و الابهام لاتري الا الكون فان المشية كون مطلق او وجود مطلق و معناهما واحد و اذا اسقطت الاطلاق لايبقي سوي الوجود فان ذلك امر ظاهر بيّن ان شاء الله فهم في هذا المقام كون الله و وجوده و ذاته الظاهرة و لميتعلق بهم المشية اذ هم قبل المشية و بهم خلقت و بهم قامت و لايعدّ معهم في مقامهم هذا لا حاسّ و لا محسوس و لا عادّ و لا معدود و لا عابد و لا معبود بل هم هم يعني في غاية الوحدة فلا هم بل الكل هو و هو واحد احد صمد و ان انتهي الي اثنيعشر في العدّ ، فافهم فان ذلك دقيق و بالتحقيق حقيق ففي هذا المقام ليس كمثله شئ و هذا المقام مقام الثبوت و القيام و اللوح المحفوظ الذي احاط بكل شئ و مبدأ الوجود و اصل كل موجود و العلم المحيط و الكون البسيط و الوجه الباقي الدايم و المنير الثابت القايم و بهم يعرف الله و بهم يظهر و بهم يعطي و بهم يمنع اذ هم حقه و ذلك الحق الذي تقول في الدعاء اللهم اني اسألك بحق محمد و آلمحمد عليك ، و ليس لاحد حق عليه تعالي سواهم ثم اذا كشفت السبحات و قطعت النظر عن النظر الي كل الموهومات وصلت الي مقام لا تعبير عنه بنفي و لا اثبات و لايدرك بمَدرك سوي قطع جميع المدارك و هو مقام العماء المطلق و حق الحق و هو ثابت لهم ايضا و من مقاماتهم و لكن لايكشف عنه و لايبين الا بطريق الرمز و الله سبحانه و تعالي فوق ما يتناهي [ص 419] بما لايتناهي و جميع هذه المراتب و المقامات مما يدرك فيهم و يظهر منهم آثارها فكيف تنكر و ان الانكار بعد المعرفة كفر بالله سبحانه ، فافهم و قد اوضحت و بينت و نصحت و اخلصت و ان مشايخي لميبينوا بهذا الوضوح بل فرّقوا بيانهم في تلو فصول و ابواب و المبتدي لايكاد يعرف من كلماتهم المطلب و انا قد اجملت بيانا جامعا يظهر منه المطلب ان شاء الله تعالي .
فصل - بعد ما عرفت لُبّ المطلب فها انا ذا اصف لك البيان فاقول قال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف الله بانه ليس كمثله شئ و تعبده و لاتشرك به شيئا و في خبر آخر هو معرفة الله القديم الغايب ، فظهر لك من هذين الحديثين الشريفين ان البيان مقام الغيب الذي اشار اليه الامام عليه السلام في قوله ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك و قال الامام لايوصف ، فاذا لميوصف فليس كمثله شئ اذ كل ما هو مخلوق بالمشية يوصف بصفة من صفات المفاعيل و كل ما هو في مقام المشية يوصف بصفة من صفات الفعل و الفاعلية و الذي خرج عن الحدين لايوصف بصفة و اذ لميوصف بصفة لايحدّ فلايدرك فان ما لايحدّ محال ان يدرك و ان الادراك هو التحديد و التعيين و ما لا وصف له لا حدّ له و ان الادوات تحدّ انفسها و الآلات تشير الي نظائرها فما لايوصف لايدرك و لايعرف فقوله ان تعرف الله بانه ليس كمثله شئ و معرفة الله القديم الغايب اي تعرفه بانه لايعرف لا بانه يعرف و معرفة كل شئ معرفته بما هو عليه لا محالة فما يعرف حق معرفته ان تعرفه بانه يعرف و ما لايعرف حق معرفته ان تعرفه بانه لايعرف و ما يوصف معرفته بان تعرفه بانه يوصف و هكذا فمعرفة الله في مقام البيان معرفته بعدم معروفيته و ذلك انه مقام اللابشرط الصرف البحت البات و لايذكر معه شئ بنفي و لا اثبات و جميع ما قيل او يقال دون مقام اللابشرط و هو صرف الوجود و جميع ما هو سوي الوجود يمتنع معه فانت اذا فقدت نفسك و كل آلة من آلاتك [ص 420] و كل اداة من ادواتك و لمتلتفت الي خصوصية من خصوصياتك يعني نسي الحسّ حسّه و الخيال خياليته و الوهم وهميته و العقل عقليته و النفس نفسيته و التفت كلها الي الوجود لوقفت علي وجود بحت بات غير مقيّد بقيد و غير محدود بحدّ و هو درك البيان بالبيان و مشاهدة الغيب بالعيان و ذلك انك قد عرفت مما مضي ان الله قد تجلّي لكل شئ بكل شئ و قد ظهر نوره الذي هو نور الوجود في كل شاهد و مشهود و كل قد حكاه علي حسب استعداده و قابليته فاذا عرفت هذا السر فاعلم ان ما عندك من نور الله كيفما كان يدرك ما كان عند غيره فانت تعرف ما في آلمحمد صلوات الله عليهم من البيان بما فيك من نور البيان علي حسبك فانت بالوجود الذي فيك تعرف الوجود الحق بل اقول ان ما فيك عارف و هو معروف و ما فيك عابد و هو معبود و ما فيك مستشفع و هو شفيع و ما فيك متقرب و هو يتقرب به فافهم فان ذلك رمز مبهم و سرّ منمنم فان قلت انه غير معروف لصدقت و ان قلت انه معروف لصدقت فانه غير معروف اي لايعرفه غيره و معروف اذ يعرفه المَدرك الذي فيك منه و لذلك ورد في الدعاء بك عرفتك و انت دللتني عليك و لولا انت لمادر ما انت ، و كذلك في الدعاء انت دليلي اليك و بالجملة اذا عرفت ما ذكرت تقف علي اسرار جمّة و ذلك معني قوله يا من دلّ علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و قال اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر فافهم .
فصل - اذا عرفت ما بينت فاعلم ان الله ذات احدية و الاحد لاينتهي الي شئ بوجه من الوجوه فان حق الوجود و حقيقته لايفرض معه غير حتي ينتهي اليه فان الطويل ينتهي الي العريض و العالي ينتهي الي السافل و الكون ينتهي الي الامكان بملاحظة و العقل الي النفس و النفس الي الطبع و هكذا و اما حقيقة الوجود فلا غير له حتي ينتهي اليه و ما سواه امتناع و الوجود [ص 421] لاينتهي الي الامتناع فهو هو وحده وحده و لايعدّ مع غيره ايضا و لايحدّ به اذ هو هو و لا غير له فان جميع ما سوي حق الوجود ممتنع و قد طوي باحديته جميع الخلق طي الامتناع و احاط بكل شئ احاطة الصمدية لا كاحاطة الكرة فلميبق غيره شيئا و لاتزعم من قولي ما زعمه الجاهلون و قاله الغالون انه كل الاشياء نعوذ بالله من قبح الزلل و بوار العقل فاني اقول لا كل و لا اشياء بل هو هو ذات احدية صمدية موجودة ثابتة قائمة ازلية ابدية فكيف يكون كل الاشياء فان قلت ان لميكن كل الاشياء فكيف لايحدّ بها مع انه غيرها اقول لايكون غيرها و لا عينها فان الغيرية ثابتة في الخلق المتكثر و ان قلت ان خلقه غيره اردت ان غيوره تحديد لما سواه لا له سبحانه و تعالي عن ذلك و اذ لميكن غيرها فلايكون عينها ايضا بل هو خارج عن الاشياء لا كخروج شئ عن شئ داخل في الاشياء لا كدخول شئ في شئ بعيد لا بمناءاة قريب لا بمداناة مع كل شئ لا بمقارنة و غير كل شئ لا بمزايلة فوق كل شئ لا باستعلاء و تحت كل شئ لا بتسفل و لُبّ كل شئ لا كساير اللبوب و فوق كل شئ لا كقشور بل هو هو و الخلق خلقه فحيث هو لا اله الا هو و حيث هي لا خلق الا هي و اذ كان هكذا و لا هكذا سواه فلاينتهي الي حدّ مطلقا ذاتا كان او صفة فعلا او مفعولا غيبا او شهادة أولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد و هو الذي في السماء اله و في الارض اله ، الله نور السموات و الارض ، هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم و هو معكم اينما كنتم ، فاذا كان هكذا فلايعرف ابدا اذ شرط المعرفة وجود عارف و معروف و معرفة في صقع واحد و انت عرفت ان الغير يمتنع معه مطلقا فكيف يعرفه فان الخلق بذاته لاتصل اليه تعالي فكيف يتعلق به معرفته التي هي فعله و كماله بل هو تعالي عارف بنفسه لا غير و ما اقوله ايضا تعبير عما في الضمير و الا فلا معني لمعرفته لنفسه ايضا فان المعرفة لنفي الخلاف [ص 422] كالمعلمة و لا خلاف هنا و لكنه تعالي هو هو فافهم و تدبر و لاتزعم ان اشرف خلقه يعرفه حاشا و كلا فانك ان زعمت ذلك لمتعرف حقيقة المراد فان الخاتم صلي الله عليه و آله قال ماعرفناك حق معرفتك و قال رب زدني فيك تحيرا ، و التحير ليس الا في مقام عدم المعرفة فانه اذا حصل المعرفة الحقيقية لميبق مقام تحيّر و لكن التحير في مقام يدلج للشخص الي احد ظانّا انه هو فاذا وصل اليه يجد انه غيره فيدلج ثانيا الي احد فوقه فيجده من خلقه و هكذا يدلج بين يدي المدلج من خلقه فالمدلج يتحير في العاقبة فافهم ذلك و من عرف حقيقة الوجود الذي ذكرنا الذي هو اعظم آياته يعرف المراد و يصير من الموحدين الخالصين ان شاء الله فلايغرّنك ما يقوله الغالون و يحوكه العرفاء الجاهلون و يبرهن عليه المتكلمون القشريون فان الحق ما قال آلمحمد سلام الله عليهم و ساير الاقوال باطلة .
فصل - اذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان معرفة الله تعالي بنفسه من المحال الا ان تعرفه بما وصف نفسه لك به فان من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و قد وصف نفسه تعالي بمحمد و آله الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار و هم وصفه و بيانه و آيته و النقش الفحواني الظاهر في الخلق منه تعالي و انما عرفه من عرفه بهم و لكن الداء العضال و حقيقة الاشكال في العلم بوجه معرفة الله بهم فانه لا شك و لا ريب انهم عباد مخلوقون و كل شئ يدل علي نفسه و يسوق الي مثله فكيف تعرفه بخلقه و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه ان عرفت الله بمحمد ماعبدته و في رواية ما معناه ان عرفت الله بمحمد لكفرت و ان عرفت محمدا بالله لحددت ، او بالعكس و الرواية لاتحضرني و مرجع المعني الي شئ واحد فكيف تعرف الله الاحد الصمد بمخلوق محدود مربوب و لنا عن هذا الاشكال اجوبة عديدة ظاهرية و باطنية و اكتفي في المقام بجوابين فاما في الظاهر لاهله فاقول ان [ص 423] معرفة الله تعالي بذاته من المحال و لميكلفنا بها اذ هي فوق طاقة البشر و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي عرفها و لميبين لنا من نفسه الا آلمحمد عليهم السلام مواقع صفاته و ذلك قوله عليه السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و سئل عليه السلام عن المعرفة فقال معرفة اهل كل زمان امامهم ، و ذلك جواب ظاهر في ظاهره و ان كان في الباطن من عين الحكمة و اما في الباطن الذي هو لاهل الباطن فنقول ان الله سبحانه وصف نفسه بهم في مقام البيان و هو و ان كان من عرصة الخلق و لكنا اذا نظرنا اليه مع كشف السبحات و محونا الموهومات لمنجد غيره و ان الوصف يشير الي موصوفه فانت اذا قطعت النظر عن الوصفية لاتجد الا الموصوف و ذلك هو معرفة الموصوف قبل صفته و هي المعرفة بالنورانية قال عليه السلام يا سلمان و يا جندب ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية ، فاذا نظرت الي النور مع عدم مشاهدة النورانية تجد المنير لا محالة ففي الواقع الخارج هو نور مخلوق و في وجدانك منير الاتري ان هذه الشعلة المرئية المشهودة دخان مكلس محمي و ليس هو نار غيبية و انت بنفسك دبرته و اخذته من الدهن و النار لاتكون مصنوعة لك و ليست في عالم الدخان بل هي غيب ممتنع لايدرك و لكنك مع ذلك تنظر الي الدخان المشتعل مع قطع النظر عن الدخانية و لاتلتفت الي السراج و الدهن و الفتيلة و غيرها مما يخصّ الترابية و المائية و الهوائية و تجد نارا ظاهرة باهرة علي الحقيقة فتقول ليست الا النار و هي هي و ان كان ما في الخارج دخان مشتعل فافهم و هذه رؤية وجدانية و معرفة ايمانية قلبية و من هذا الباب قال مولانا الصادق عليه السلام لابيبصير الست تراه في ساعتك ففرح بذلك ابوبصير و قال اروي هذا الحديث قال لا لان الناس لايعرفون و رؤية القلب غير رؤية البصر و قيل لامير المؤمنين عليه السلام ارأيت ربك قال لماعبد ربا لماره و قال لمتره العيون بمشاهدة العيان [ص 424] و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، و هذه رؤية القلب و لاتزعم ان ما رأيته بهذا الوجه غير المقصود و وجدانك خالف الواقع فان ذلك مما لايقوله العاقل فان الشعلة نار حقيقة و تفعل فعل النار و يظهر منها اثرها ألست تري انها تحرق و تجفف و تضيء و تنفذ و غير ذلك من صفات النار و ليس شئ من ذلك شأن الدخان غاية الامر انك اذا نظرت الي الدخانية تري ان الدخان قد اشعل و ذلك قوله عليه السلام ان لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو و هو هو و نحن نحن ، يعني فيما هو هو و نحن نحن هو نحن و نحن هو فافهم ذلك و امثل لك مثالا آخر انك اذا كتبت علي قرطاس بالمداد الله القديم يكون ما كتبته مخلوقا حادثا بلا شبهة و لايشك في ذلك احد و لكن اذا قرأته تقرأ الله القديم و اذا عرفته تعرفه بذلك بل اذا قلت انه غيره لكذبت مع انه مخلوق حادث و كذلك الامر في آلمحمد سلام الله عليهم و شيعتهم الخالصين فان الله سبحانه قد ظهر لهم باول تجلياته و اعظم اسمائه و صفاته كما قال عليه السلام في العالم العلوي تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، و بعد ما تجلي لهم ظهر نوره الاكرم و اسمه الاعظم فيهم فانت اذا نظرت الي كتاب وجودهم و لوح نفسهم تجد الاسم الاعظم فتقول انه الله و مع ذلك كله هم مخلوقون فتصفهم حينئذ بما يليق بالله سبحانه لا غير و لذلك تقوم بحضرة اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين و تقول السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و تقول في زيارته السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، فافهم ذلك و ان علمت ان الصفة تشابه الموصوف و لاتخالفه و اقررت بانهم اول صفات الله تعالي فلا بد من الاقرار بكونهم مشابهين له و ان قلت اذا كان الامر هكذا لزم الخلاف اذ ثبت انه ليس كمثله شئ و هو خالق و هم مخلوقون و اذا عرفته بهم بايّ وجه كان عرفته بصفة مخالفه اي عرفت الخالق بالمخلوق اقول مماثلة الصفة [ص 425] للذات مما لميقل به احد فان المماثلة ليست الا في صفة و صفة و الفرض انهم اول الصفات و ليس للذات صفة اخري غير هذه الذات الشريفة و جميع ما عبرته الالسن او عرفته القلوب تقع عليها فكيف يفرض مطابقتها مع الذات بل هي مطابقة مع نفسها و تدل علي نفسها و هي هي الدلالة علي الله فافهم لا انها موصلة الي الذات و هي هي معرفة الذات لا انها معرفة لغيرها و وجه آخر نقول ان الصفة مشابهة مع الموصوف لا الذات فان الذات لاتكون موصوفة و الموصوف هو اعلي درجة الصفة و مقترنة بها فان الذات موصوفة في الصفة و بالصفة لا في نفسها و لا شك ان الصفة توافق موصوفها و لا كلام في ذلك فمعرفة آلمحمد معرفة الله علي المطابقة التامة الكاملة بلا شك و لذا تقرأ في زيارتهم من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و من اعتصم بهم فقد اعتصم بالله و في زيارة اخري السلام علي محالّ معرفة الله ، و لا بدّ لنا من بيان مطلب شريف و سرّ لطيف في فصل آخر حتي تقف به علي مطالب كثيرة شريفة ان شاء الله .
فصل - اعلم ان المراتب الغيبية كلها في كمون هذا التراب فانه تنزل جميع العوالم الغيبية و بعد ما وصلت الي هذا التراب اتاها امر الله تعالي بالاقبال بلسان الافلاك التي هي تراجمة وحي الله و ظهور الكون الراجح الذي هو فعل الله فسارع الي قبول امر الله و اول قدم اقبل اليه تعالي ان خرج من كمونه ساير العناصر اي الماء و الهواء و النار غير ممتزجة علي الحقيقة و ان كانت مركبة في الجملة و قد حصل لها صورة وحدة مّا و هي النفس الجمادية و هي الصورة الواحدة المجتمعة و ان جماعة من الناس يزعمون ان الجماد و النبات لا نفس لهما و قد اخطأوا في ذلك فان النفس هي صورة الشئ الواحدة و هي ثابتة لكل مركب و هي يد الله في تركيب كل شئ و قد شاهدنا علامة النفس علانية في الاحجار الغاسقة فانا وجدنا احجارا علي هيئة عروق الصفر و اللوز بل ربما يكون احجار علي صورة قرنفل و فلفل و الاشجار و غيرها و عندي حجر [ص 426] في صورة القرع و ما يري في العقيق المسمي بالشجر عبرة لاولي الالباب فان لميكن لها نفس تربيها بهذه الصور فمنذا الذي يربيها هكذا فلا شك في نفسانيتها غاية الامر ان اجزاءها غير منتضجة و عناصرها غليظة فلاتحكي اكثر من ذلك من الغيب و التراب و الماء لايحكيان من النفس الغيبية بهذا القدر ايضا فاذا حصل التركيب و الاعتدال بهذا الحد يظهر علي المركب نفس الجماد و يظهر منها آثارها فاذا حصل الانتضاج و الاعتدال اكثر من ذلك و خرج جميع ما فيه من آثار العناصر يصعد المركب من هذه العرصة و يحكي النفس المعدنية و النفس المعدنية في غاية الشباهة بالنبات و لكنها برزخ بين النبات و الجماد ثم اذا صعد من هذه المرتبة و صار المعدنية و الجمادية فيه في غاية الاعتدال و الكمال و لطف اركانه بحيث صار حكم البعض حكم الكل يتعلق به النفس النباتية يعني يصير هذا البدن مرآة لظهورها او دخانا يشتعل بنورها و لما كان الاجزاء اللطيفة القابلة للاشتعال بنور النبات غير قائمة من غير مركب لشدّة لطافتها فلا بدّ لوقايتها من بدن معدني جمادي يحفظها و بلسان آخر نقول ان اجزاء المركب جميعها لاتبلغ حدّ الاشتعال فلها عكر يبقي في الاسفل و يرسب و لطيف يطفو كما تري في نفس التراب فان الشمس اذا اشرقت عليه لايتبخر جميعه و لايصعد و لكن اجزاءه اللطيفة تتصاعد و اجزاءه الكثيفة تبقي فالراسب يكون بدنا للطافي و الطافي يشتعل بنور الغيب و لارتباطه بالاسفل و تعلقه به يظهر اثره ايضا في الاسفل و بالجملة اذا صار بعض اجزاء المعدن لطيفة معتدلة تشتعل بالنبات فالنفس النباتية المطلقة التي في غيب التراب تتعلق بهذه الاجزاء اللطيفة و تتعين فيها و جميع ما تري من التعين كله من هذا البدن فهيٰهنا يوجد عنب و مشمش و خوخ صفر و حمر و بيض و حلو و حامض و هكذا لا في نفس النبات و لا في التراب و لا في السماء و اما ما سمعت من قوله تعالي ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم فلايدلّ علي وجود [ص 427] خصوصيات النبات في الاعالي بل يدلّ علي وجودها كيف ما كان و لا شك في ذلك كما سيجيء بعد في علم المبدأ ان شاء الله فمقام اختصاص النبات في هذا البدن العنصري و كل شئ هو هو بصورته و بذلك نطق السنّة و علي ذلك اجمع المسلمون فالعنب عنب بصورته و صورته في هذا المقام لا محالة و فوق ذلك ليس الا النبات المطلق و اعلم ان النبات المطلق لا وجود له في الخارج الدنياوي بل وجوده في الخارج الدهري و الدهر برُمّته في قوة هذا الملك و لايخرج من القوة باطلاقه و لكن يخرج ظهوراته بالشخصية و جميع الشخصية من تلك المواد كما تري ان النار المطلقة باطلاقها لاتظهر في الدنيا نعم لكل منها اي الدهريات مقام معلوم عند الله ثم اعلم ان النفس النباتية هي اللطيفة الصافية التي نفذت في جميع النبات لا الصورة الجمادية الاتري انها تبقي و تذهب النباتية اذا قطعت فلاتري فيها جاذبة و دافعة و ماسكة و هاضمة و لو كان هذه الصورة المشهودة نباتيتها للزم بقاء هذه القوي فيها بعد القطع ثم انّ من النباتات من اجابت دعوة الحق و اقبلت الي الله باقدام الامتثال فصفيت و لطفت حتي صارت بخارية فتعلقت بها الروح الحيواني من الافلاك لا بان ينزل من السماء شئ او تتقطع منه قطعة بل اخرج الروح الحيواني بواسطة دوران الافلاك من قوة تلك القبضات فان الله سبحانه جعل كل شئ في كل شئ ففي الارض اجزاء فلكية و في الفلك اجزاء ترابية و يمكن تلطيف اجزاء التراب و استخراج الفلكية منها و ذلك مسلّم لا شك فيه و ليس هنا محل بيانه فبعد ما دار الفلك و القي شعلاته علي هذا المركب و لطف اجزاؤه و تفلكت صارت حيوانا و اعلم ان جميع الاجزاء لاتتلطف لا محالة بل بعضها يبقي في حدّ الغلظة و الكثافة و بعضها يصعد و بين الصاعد و الهابط مناسبة و ارتباط فيصير الهابط بدنا و الصاعد روحا و الاعلي حيوانا و الاسفل جمادا و الوسط نباتا ثم اذا اعتدل الحيوانية و صفي بسبب تأثير الافلاك العالية فيها و تعديل عناصرها خرج من كمونها الانسانية [ص 428] الكونية يعني ما فيها من ساير الافلاك فان الحيوان في الواقع ليس له الا فلك القمر و ما تري من آثار ساير الافلاك فيه كلها ظلي و اما الانسان الكوني فيخرج من كمونه الزهرة و العطارد و الشمس و المريخ و المشتري و الزحل فيصير صاحب الافلاك السبعة بالفعل فيدرك الصور و المعاني و يتفكر و يريد و اما الحيوان فليس له الا ادراك ما يجده بمشاعره الظاهرة حال المواجهة و ليس له ارادة و مشية اذ هي شأن ساير المشاعر ثم اذا لطفت هذه الافلاك بتعديل الشارع و تربيته و اعتدلت يصير انسانا شرعيا علي التفصيل المذكور في مقامه ثم اذا صفيت هذه الافلاك و لطفت يخرج من كمونها الكرسي فيصير نبيا ثم اذا لطف الكرسي و نعم و صفي يخرج من كمونه العرش فيصير خاتما وليا او نبيا و اذا لطف العرش و صفي بتعديل مراكبه و تصفيتها يتعلق به الوجود الجائز المطلق اي فؤاد الملك و ذاته فيصير صاحب علم احاطة و عيان و هو مطلع علي الحقايق واقف علي الدقايق ينظر بنور من ربه و يدرك بنور فيصير مدخله و مخرجه نورا و يكون في حكاية الفؤاد مثل ساير المراتب لحكاية غيره فكما ان البدن الجمادي و النباتي بعد اشتعاله بالحيوانية يكون حيوانا و يسمي باسم الحيوان و يظهر منه اثره و الحيوان يسمي انسانا و الانسان نبيا و النبي خاتما كذلك في هذا المقام بعد الاشتعال بنور الفؤاد يصير فؤاد الملك و نوره و جوهره فيكون عارفا بربه علي الحقيقة ثم اذا صعد الفؤاد الظاهر فيه و لطف بالرياضات و المجاهدات حتي بلغ الغاية في الصفاء و اللطافة يظهر منه الكون الراجح اي المشية فيصير محلا لمشية الله و ممكنا لارادته و موقعا لقدره و قضائه فاذا شاء الله ما يشاء يظهره من باطنه و قلبه في عرصة الايجاد و انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فان بدنه للمشية بمنزلة الدخان للنار الغيبية و قد تعلق به النار و اظهرت منه آثارها و افعالها ثم اذا صفيت مرتبة اخري و لطفت و اعتدلت يظهر منها علم الله تعالي الذي به خلق المشية ثم اذا [ص 429] لطفت مرة اخري يظهر منها مقام لا اسم له و لا شبه و ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا المعني الذي لايقع علي اسم و لا شبه ، و هكذا يترقي المولود و يصعد في هذه الدرجات و لايبلغ غاية الغايات و نهاية النهايات فافهم و تدبر و اعلم ان الترقية موقوفة في جميع هذه المراتب علي تصفية الظاهر و تعديل العناصر فانها اذا صفيت تصير نباتا و اذا صارت اصفي تصير حيوانا و اذا صارت اصفي تصير انسانا و هكذا ففي كل مرتبة و مقام يحتاج الي تعديلها و بتعديلها يعتدل جميع المدارج و المقامات اذ هي مرآة لظهور كلها و الكل يستخرج من كمونها و لايمكن تعديل ساير المراتب بغيرها و كذب من زعم انه يصفي الباطن بغير تصفية الظاهر و مراعاة الشريعة فان السالك في جميع المراتب يحتاج الي الشرع المتر ان الانبياء في ترقياتهم لميتركوا الشرايع و الخاتم مع هذه المنزلة الرفيعة و الدرجة العلية في ترقياته استعان بشريعته و لميتركها فان ذلك امر ظاهر بيّن لاينكره عاقل و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و بالجملة هذا سبيل ظهور المراتب و الفعليات في القوابل و اعلم ان من لميخرج من كمونه ما سمعت من المراتب هو قوة لها لا فعلية فلايسمّي باسم غير فعليته فان النبات لميخرج من كمونه الحيوانية فلايدعي باسمها و لايظهر منه اثرها و ان كانت في قوته فان محض القوة لايدلّ علي كمال و كذلك الامر في المراتب العالية و الناس يزعمون ان الوجود فعلية في كل احد و لايصير قوة و علي ذلك لو ادعي احد الوجود في اسفل المراتب يكون صادقا و ذلك كذب علي الله و الله سبحانه ينكرهم في كلامه و النبي يلعنهم و الوجه العلمي و البيان الحكمي في ابطال قولهم ان الوجود الظاهر في النبات نباتي و في الحيوان حيواني و تعالي وجود الحق عن ذلك و لكن اذا صعد عن جميع المراتب و لطف و خرق جميع حجب الانية يصير مظهر النور الوجود الحق فالمقبل اليه حينئذ مقبل الي الله و المدبر عنه مدبر عن الله و اما الذين اهبطوا و انكبوا فاولياؤهم [ص 430] الطاغوت و المقبل اليهم مقبل اليه لا الي الله فافهم فاذا عرفت هذه المقدمة الشريفة تعرف وجه اختصاص البيان ببعض دون بعض و لا بدّ من معرفة اصحاب البيان للوصول الي فيوض الرحمن و يكفيك ان شاء الله ما بينت و اوضحت في هذه المقدمة الشريفة و ازيدك فصلا آخر تقف علي اسرار اخري من فضائلهم و مناقبهم .