فصل - قد ذكرنا انه يجب ان يكون الامام صاحب الآثار و العلامات فان الامامة هي امانة الله التي قال في كتابه انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا و الامام عضد الله الذي قال في كتابه مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا فالامام الذي هو الشهيد علي كل شئ عضد الله جل شأنه و لا شك ان عضده اقوي من كل شئ و قادر علي كل شئ و كذلك قال الله تعالي في صفة الامام و كل شئ احصيناه في امام مبين و تأويل الامام بالكتاب خلاف ظاهره و تفسيره بظاهر معناه اولي بالحجية و الاستدلال فنقول ان الله تعالي قال في صفة الامام ان كل شئ احصي فيه فعلي ذلك لايفرط فيه من شئ من الامور الكونية و الشرعية و الغيبية و الشهادية و الجبروتية و الملكوتية و الملكية و اقول علي نحو المجادلة ان الله يقول و كل شئ احصيناه في امام مبين فهل السموات شئ ام لا ، لا شك في انها شئ فاحصاها الله فيهم و السموات مؤثرة فاعلة فاذا كانت في الامام فلا بدّ [ص 380] من ان يظهر منه آثارها و منها الروح الملكوتي و به حيوة جميع الملك و حركته فلا بدّ و ان يكون حركة جميع الخلق بوجوده كما قال عليه السلام بكم تحرّكت المتحركات و سكنت السواكن ، و كذلك منها القلم فانه شئ و جميع الخلق مخلوق بالقلم بلا شك و كذلك المشية شئ و الارادة شئ و القدر و القضاء شئ فالله احصٰي جميعها في امام مبين فاذا كان الامام محل المشية و الارادة و كُمّ القدر و القضاء و عين القلم فلا بد من ان يكون صاحب الآثار فان المشية بلا اثر محال فان الشمس بلا نور و السراج بلا حرارة امر غير معقول فبنصّ القرآن لا بدّ و ان يكون حامل امانة الله الذي هو الامام صاحب المعجزات و خوارق العادات و كذا قال في كتابه هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و انت تعلم ان القرآن لايتكلم فالمراد منه الكتاب الناطق و هو الانسان لا محالة و قد قال الله في صفته الرحمن علّم القرآن خلق الانسان علّمه البيان فهو الكتاب الناطق لا محالة و الانسان هو حامل الامانة و هو الامام فهو الناطق علي الاطلاق بالحق فمن آثار الامام النطق بالحق و كذلك مرّ سابقا و في المقام انهم الشهداء و انت تعرف بعقلك ان عرفت ان الشهادة لاتستقيم بالنظر الظاهري و الخيالي فان الامام شاهد الكل كما ان النبي شاهد الكل بنصّ القرآن و بالنظر الظاهر لايري الا ما يواجهه الشخص و بالخيال لايتصور الا الصور الشخصية الظاهرية و ما يدرك بالحواس الظاهرة فلا بدّ من ان يكون الشهادة الدائمة بوجه آخر و لا شك انه شاهد لجميع الحوادث في جميع الآنات و الا لماصدق الشهادة لكل شئ فلا بدّ و ان يكون ذلك بالاحاطة و بغيرها لايستقيم المعني و كذلك عرفت في الفصل السابق ان الله سبحانه اذهب عن الامام الرجس فلايعصي الله ما امره مطلقا و يفعل ما يؤمر كائنا ما كان و اقول لمن يدعي الامامة انّا نغضّ عن ساير آثار الامامة مما ذكرها الله في بواطن القرآن و لكن يجب عليك الاتيان بهذه العلامات الظاهرة من العلم [ص 381] و النطق بالحق و المعجزات و غيرها مما نصّ الله عليها في ظاهر القرآن فان علامة الصدق البرهان قال الله تعالي قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فالصادق معه برهانه فمن ادعي الامامة بالصدق معه برهانه لا محالة فتدبر .

فصل - قد بيّنا سابقا دليل التسديد و هو قرّة عين كل ضرير و يحصل به اليقين للعالم الخبير و ازيدك بيانا آخر منه هنا يكشف به حقيقته ان شاء الله فاجمع لُبّك حتي تقف علي المراد فاعلم ان الله سبحانه كان قبل خلقه في قدس جلاله و نزه جماله كاملا لاينتظر لنفسه حدوث كمال و لم‌يزد من خلقه الخلق شيئا من صفات الجمال و سمات الجلال بل كان واجدا لكل كمال بالفعل من غير شائبة نقص في ذاته و ذلك من المطالب المشكلة التي لاتنحل الا بفهم حقيقة الاحدية و من عرفها لايشكّ بعد في كماله سبحانه و لما اراد خلق الخلق خلق اولا نفس تلك الارادة بنفسها من غير سبب و لا علّة و لا غاية و لا كيف اذ جميع الخلق مسبوق بارادته و ليس قبلها شئ و لا لاشئ بل لا قبل لها في الحقيقة و هي دائرة علي نفسها في نفسها و المخلوق بالنفس كامل لا محالة اذ النقصان الفقدان و هو لايجري فيمن اقتضي الوجود بنفسه بحيث لم‌يحتج في وجوده الي مرجّح غيره مع ان جميع ما تري في الخلق كله قائم بارادة الله و ليست الا آثارها و لايتصور ان يصدر من الناقص هذه الكمالات و ما سمعت من كلمات اكابرنا ان المشية قوة لايريدون من هذه القوة العدم فانها لو كانت عدمية لماوجد خلق ابدا لان القوة الصرفة لاتقتضي الوجود و لاتصير علة خروج الممكنات من الامكان بلا مرجّح لتساوي طرفي الممكن و مع ذلك يبقي علي امكانه و لا مرجح اذ الله سبحانه لايقتضي وجود الممكن و لا عدمه و لا غير اذ ما سواه مخلوق بمشيته و الكلام فيها فنفس خلق الخلق دليل فعلية المشية و كمالها و لكن مراد مشايخنا من كونها قوة انها الذكر الاول المطلق و تفاصيلها [ص 382] في مشاءاتها فالمشية ايضا كاملة فيّاضة و هي صفة الله الكامل فلاتغايره و الا لماكانت صفته و قد خلق الله اول ما خلق نورا كاملا فعليا واجدا لجميع الكمالات في غاية القرب و وجه كماله قربه من المنير فان النور كل ما كان اقرب يكون اشبه بصفة منيره و المنير وجود مطلق فالنور ايضا وجود كامل الا انه وصفي و لذا يقال انه مقيّد فهو نور كامل دائم باق حي شاهد و سراج منير و منه يظهر جميع اسماء الله و صفاته و علاماته ثم خلق من ظل هذا النور ظلمة في غاية البعد و هي في جميع الصفات مخالفة للنور لان تمام الوجود لنفس النور فلايبقي لظله وجود من حيث الا بقدر استمساكه و عدم الوجود من كل حيث نقص و فقدان من كل حيث فكل صفة و كمال تثبته للنور ضدّه يثبت للظلمة فهو الحي و هي ميتة و هو الباقي و هي فانية و هو القادر و هي عاجزة و هكذا ، فجميع صفات النقص صفات العدم و من هذا الباب ربما نقول ان الماهية عدمية اذ لا وجود لها و لذلك شبّهها الله بالزبد يذهب جفاء و الشجرة المجتثة التي لا قرار لها و اما ما نورده علي القوم في قولهم ان الماهيات اعدام فمن باب ان مرادهم من الماهية الصورة فنقول ان الصورة وجودية و وجودها وصفي و اما الماهية التي هي الظلمة فلا شك في فنائها و عدميتها قال الله تعالي و ما انت بمسمع من في القبور و قال مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم و تركهم في ظلمات لايبصرون و قال كل شئ فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و لكن العدمية ايضا ليست بالفناء الصرف فانّا ذكرنا ان وجودها من فضل النور و قد بيّن الله ذلك في قوله ذهب الله بنورهم فافهم و بالجملة فمقتضي النور الوجود من كل جهة اذ وجوده حقيقي و مقتضي الظلمة العدم و الامكان من كل جهة فوجودها امكاني و لا فخر فيه و لا ذخر فالوجود لما صار علي صفة الله صار محبوب الله و مقرّبا منه تعالي و خاطبه فقال ماخلقت خلقا هو احبّ اليَّ منك [ص 383] و مااكملتك الا فيمن احبّ ، و خاطب الظلمة بخلاف ذلك ثم خلط بين هذين و خلق منهما خلقا كثيرا علي الاختلاف فصار الغالب علي بعض النور و علي بعض الظلمة و بعض تساوي نوره و ظلمته حتي خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا و بلغ الامر في طرفي المركبات حدّا كأنه صار المولود نورا بسيطا او ظلمة بسيطة فان المخلوق الاول الذي هو اقرب المركبات من النور ضعف فيه الظلمة بحيث لم‌يبق منها الا بقدر ما لا بدّ منه في حياة الشئ و آخر المخلوق الذي هو في غاية البُعد من النور و القرب من الظلمة صار بعكس ذلك فغلب علي الاول حكم النور و ظهر منه آثار ربه و صفاته و علاماته و علي الثاني آثار الظلمة و الجهل فصار الاول داعيا الي ربه بالطبع اي الوحي من عند الله اذ ليس طبعه انيته بل طبعه الربوبية و الثاني داعيا الي الشيطان بالطبع اي الوحي من الشيطان اذ طبعه الشيطنة فصار الاول امام المؤمنين يهدي بامر الله الي صراط الله و الثاني امام الظالمين و الفاسقين و من ائمة الكفر الذين صرّح الله باسمهم في القرآن فالامام بالحق نور و يظهر منه اسماء الله و صفاته و كمالاته قال الله تعالي انا ارسلناك شاهدا و مبشّرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و بعد ما ارسل موسي عليه السلام بالآيات الي فرعون قال اريناه آياتنا كلها فكذّب و ابي و امام الكفر ظلمة و يظهر منه آثارها و ذلك امر بيّن لا شك فيه و لايقدر الظلمة علي اظهار النور و ما يخصّه و ليس للنور اظهار الظلمة و ما يخصّها فجميع ما يصدر من امام الحق خير و نعمة و بركة و مرضاة الله سبحانه و جميع ما يصدر من امام الباطل شرّ و بلاء و خسران و مسخط الله جل شأنه و اذا تراأي الباطل يوما مّا و ظهر بصورة الحق سيظهر الله امره فانّ

ثوب الرياء يشفّ عما تحته و ان التحفتَ به فانك عاري

و ابي الله ان يشبّه امر الباطل بالحق و الحق بالباطل الا ان يظهره و ان ذلك مما لايمكن فانك ان استوقدت نارا من وراء حديدة لايمرّ عليها زمان [ص 384] الا تظهر منها آثارها و اذا جعلت وراءها بردا شديدا يظهر منها آثاره و محال في الحكمة ان يشتبه هذا الامر فافهم ذلك و اتقنه .

فصل - لا شك و لا ريب انه قام في هذه الملة البيضاء بعد نبيها صلي الله عليه و آله جماعة ادعوا الخلافة و الوراثة من رسول الله صلي الله عليه و آله مع انا نعلم باليقين و القطع انه يلزم ان يكون خليفة بعده فان الارض لاتخلو من حجة ابدا و قد قام الخلفاء بالحق و ادعي جماعة الخلافة بالباطل و هم كانوا متضادين منافرين في الصفات فطريق معرفتهم في يومنا هذا النظر في صفاتهم و علاماتهم فان الذوات فوق احساس المخلوقات فلما نظرنا في صفاتهم وجدنا بعضهم موصوفين بصفات اهل الحق و بعضهم موصوفين بصفة اهل الباطل فكل من كان بصفة اهل الحق عددناه من الحق و غيره من اهل الباطل و ذلك مما لا شك فيه و هذا معني تسديد الله و تأييده فان آل‌محمد سلام الله عليهم قاموا بالخلافة و الوراثة و كانوا موصوفين بصفة النبي صلي الله عليه و آله في جميع ما علمناه و سمعناه منه و جماعة قاموا مدعين لهذا الامر و تقمّصوا امر الخلافة و بعد ما تجسسنا في حالاتهم و صفاتهم وجدناهم منافرين لرسول الله صلي الله عليه و آله في الصفات و العلامات و الفرق بينه و بينهم كما بين الليل و النهار فعرفنا من ذلك ان الحق في الائمة الذين قاموا علي صفته و ذلك امر بيّن لايشتبه علي احد و ليس لاحد ان يتصف بجميع صفات النبي رياءا و سمعةً فانه كان نبيا معصوما و غير المعصوم لايقدر علي التشبه بالمعصوم في جميع الامور بل في امر من الامور الجزئية و يكفي هذا القدر في ادلة الامامة .

المقام الثالث

في بعض فضايلهم و صفاتهم و علاماتهم و ذلك بحر ضلّ فيه السوابح ، و لا بدّ في معرفتهم من معرفة صفاتهم و فضلهم و لولاها لماحصلت المعرفة [ص 385] بل جعلوا صلوات الله عليهم من كمال الدين الاقرار بفضائلهم و ورد ان الانكار لفضائلهم هو الكفر ، فلا بدّ من معرفتها و هي و ان كانت لاتعدّ و لاتحصي قال الله تعالي و ان تعدّوا نعمة الله لاتحصوها و قال لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و لكن من باب ان الميسور لايسقط بالمعسور نذكر بعض الكليات علي نهج الاختصار للتيمن و التبرك بذكر فضلهم في هذه العجالة ففي هذا المقام مطالب :

المطلب الاول - في انهم اول ما خلق الله و لايسبقهم شئ و لما كان هذه الفضيلة من امّهات الفضايل و يتفرّع عليها مسايل كثيرة في فضائلهم قدّمناها علي الباقي و لما كان هذا المقام للنبي و لولده اثبت اولا كونه اول الخلق ثم اتبعه بذكر ولده اعلم انه قد اجمع جميع المسلمين علي ان رسول الله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله بحيث قد صار في يومنا هذا من الضروريات فان كل من دخل حوزة الاسلام و المسلمين يعرف انه من ضرورتهم ان النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله بل اقول ان جميع المليين متفقون علي ذلك و ان لم‌يعرفوا شخصه الاتري ان كلهم يقرّون و يعترفون بان محمدا صلي الله عليه و آله خاتم الانبياء و قد اخذ عليهم الانبياء سلام الله عليهم ميثاق ولايته و الاقرار بنبوته غاية الامر ان بعضهم اقرّ بشخصه و بعضهم ينتظر امره انه سيظهر و لكنهم لاينكرون فضله علي جميع الانبياء و لا شك انهم السابقون فهو اسبق السابقين و بالجملة لا شك في انه اول ما خلق الله و قد نطق بذلك كتاب الله جل و عز قال الله تعالي قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين و قد اختلفوا في معني الآية الكريمة و ليس مرادنا بيان اختلافاتهم اذ هي خارجة عما نحن فيه و كلامنا في قوله انا اول العابدين و لا شكّ ان جميع الخلق عبدوه و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و كل [ص 386] اتوه طائعين قال الله تعالي ان كل من في السموات و الارض الا آتي الرحمن عبدا ، و في الدعاء انت اله كل شئ و كل شئ يعبدك و يسبح بحمدك و يسجد لك و منه انتهي كل شئ الي امرك ، فبالكتاب و السنة جميع الخلق عباد له و يعبدونه و قد صرّح في كتابه ان رسول الله اول العابدين فهو اول ما خلق الله و اذا دل صريح الكتاب علي شئ و وافقه الخبر الصحيح مع الاجماع الضروري فالاقرار به ايمان و انكاره كفر و قال الله تعالي قل انني هداني ربي الي صراط مستقيم دينا قيما ملة ابرهيم حنيفا و ماكان من المشركين قل ان صلوتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و انا اول المسلمين و لا شك ان جميع الخلق اسلموا لله كونا كما قال له اسلم من في السموات و الارض ، هذا و ان الدين عند الله الاسلام بحكم الكتاب و لا دين سواه و لا شك ان جميع خلقه دان له بالعبودية فكلهم مسلمون كونا و هو اول المسلمين و كذلك قال تعالي قل اني امرت ان اعبد الله مخلصا له الدين و امرت لان اكون اول المسلمين و لايعارض هذه الآية قول موسي سبحانك تبتُ اليك و انا اول المؤمنين فان مراده اول من آمن من بني‌اسرائيل بانك لاتري علي حذو قول السحرة انا نطمع ان يغفر لنا ربنا خطايانا ان كنا اول المؤمنين يعنون اول من آمن في ذلك المشهد لا اول من آمن من الموجودات و كما يقال ان حمزة سيد الشهداء مع ان اباعبدالله عليه السلام سيد الشهداء فان حمزة سيد شهداء احد و هو عليه السلام سيد شهداء العالم فبينهما فرق كثير و لانقول ذلك برأينا بل بالادلة القطعية فانه لا شك ان ابرهيم خير منه فقوله اول المؤمنين ليس علي عمومه و كذلك نوح خير منه و كذلك نبينا خير منه بالاجماع هذا و قد قال الله تعالي النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم فاذا كان موسي اول المؤمنين فالنبي اولي به منه فهو الاول لا موسي فتدبر و هذه الآية الكريمة ايضا احد الشواهد من كتاب الله عز و جل [ص 387] علي اوليته اذ قال النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم و اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله و انت تعلم ان جميع ما سوي الله مؤمن به و بمشيته سبحانه كونا و الجمع المحلي يفيد العموم و لا مخصص في المقام حتي نقول ان المراد المؤمنون الشرعيون فالمراد جميعهم و النبي اولي بكلهم و اذا كان المراد من المؤمنين الكونيين و الشرعيين فالاولوية ايضا كونية و شرعية لا محض الحكم الشرعي الظاهري كاولوية الاب و السابق الي مكان في المسجد مثلا و امثالهما بل الاولوية التي لاتثبت الا للمحيط بما دونه يعني انه اوجد في مكانه منه و اظهر من وجهه منه و اقدر منه عليه و امثال ذلك . و اما قوله ازواجه امهاتهم ففي الشرع الظاهر ظاهر و اما في الباطن فالمراد من الازواج اولياؤه فانه لا قرين له غيرهم فان الزوجة مخلوقة من نفس الزوج كما قال تعالي خلق لكم من انفسكم ازواجا و حوّا خلقت من ضلع آدم الايسر اي نفسه و لم‌يخلق من نفس رسول الله الا الائمة و فاطمة سلام الله عليهم و ذلك قوله تعالي قد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم و المراد من قوله انفسكم اهل البيت سلام الله عليهم بقرينة قوله بالمؤمنين فانه لو كان المراد من الانفس المؤمنين لماكان الحاجة الي تكراره و كان يكفي بكم رؤف رحيم ، و ان كان المراد من انفسكم جميع الخلق و رأفته مخصوصة بالمؤمنين لزم كونه من انفس الكفار و المنافقين و هو باطل بالعقل و النقل و قد قال تعالي ماكان محمد ابا احد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين و لو كان من انفسهم لكان اباهم بالبداهة اذ ليس المراد نفي الابوة الظاهرة فان ذلك امر ظاهر مع ان نفي الابوة الظاهرة ليس مقدمة لاثبات الرسالة فسياق الكلام يشهد بان المراد نفي الابوة الباطنة و هي تنتفي لعدم كونهم من نفسه و لو كانوا من نفسه لكانوا ولده فان الولد جزء الوالد فالمراد من انفُسكم آل‌محمد سلام الله عليهم هذا علي قراءة الانفس بضم [ص 388] الفاء و قد كانت فاطمة عليها السلام تقرء انفَسكم بفتح الفاء و هي قراءة نفيسة و ان قلت ما تقول علي تأويلك في القراءة الاولي في قوله ما عنتم ، اقول ان الكلام فيه كقوله تعالي عفي الله عنك لم اذنت لهم و كقوله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و مثل ما ورد في الدعوات الكثيرة من اقرارهم بالذنب فان جميع ما نقوله فيها يجري في المقام و يحتمل ان يكون المخاطب بما عنتم غيرهم فان مثل ذلك في كتاب الله كثير و ورد في الاخبار ايضا في تفاسيرهم نظيره ان يكون بعض الآية في رجل و بعضه في رجل آخر و بالجملة فازواج النبي في عالم الحقيقة من كانت من طينته و نفسه و لايشاركه فيها سوي الائمة صلوات الله عليهم كما سيظهر لك بعد ان شاء الله فازواجه اي الائمة امهاتهم اي مبادي الامة و اصولهم فلهم الولاية عليهم فان الام و ان لم‌تكن لها الولاية في الامر في الظاهر في الشرع و لكن لها الولاية في عالم الحقيقة و قد سلب الولاية عن الامهات الظاهرية لنقصان عقولهن فانهن نواقص العقول نواقص الحظوظ نواقص الايمان فلو ثبتت لهن ولاية الاولاد لربما اوقعنهم في المهالك كيف و سلب الله عنهن الاختيار في انفسهن و اموالهن فكيف يثبت لهن الولاية علي غيرهن فبحكم العرض الظاهري سلب الاختيار عنهن مع ان الولد جزؤهن و من فاضل طينتهن و اما الامهات الواقعية فلايجري عليهن هذا الحكم فهن اولي بالمؤمنين و ذلك قوله تعالي انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا و هم الائمة فتدبر و قوله و اولوا الارحام الخ ، اما يكون المراد منهم في الباطن الائمة كما مرّ سابقا في تأويل الآية بهم او يكون المراد منهم الشيعة فانهم اولاد محمد و علي عليهما السلام و المؤمنون اخوة و كل من كان منهم صاحب الامر و الحكم يكون اولي و له الولاية و ذلك قوله تعالي و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و اولئك هم المفلحون و بالجملة ليس مرادي الا محض الاستدلال لا تأويل الآيات و قال الله تعالي يا ايها [ص 389] الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و اتقوا الله ان الله سميع عليم و قوله الذين آمنوا مطلق يشمل جميع المؤمنين من الاولين و الآخرين و قد نهاهم الله عن التقدم بين يدي الله و رسوله و ليس ذلك محض الآداب و الرسوم المتعارفة فانها خلاف الفطرة و الله سبحانه لايأمر الا بمقتضي القوابل و لاينهي الا بمقتضاها فاذا كان رجل يقتضي التقدم بذاته يقدمه الله و اذا كان احد يقتضي التأخر يؤخره و ليس ذلك من غير حكمة فبعد ما رأينا انه تعالي نهي جميع خلقه المؤمنين به كونا و شرعا عن التقدم علي الرسول صلي الله عليه و آله عرفنا انه المقدم بالذات و الا لمانهي عن ذلك و لاتزعم ان هذا الوجه من استدلالاتنا محض كلام فانك اذا نظرت الي اخبار آل‌محمد عليهم السلام تري ان بناءهم في الاستدلال بالاخبار و الآيات علي ذلك و قال الله تعالي تبارك الذي نزّل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و العالمون جمع محلّي يفيد العموم فهو نذير الله في جميعها و النذير اشرف من المنذرين علي المفعول لانه حجة الله عليهم فهو اشرف و افضل منهم لا محالة و يكفي هذا القدر من الآيات في اثبات كونه (ص) اول ما خلق الله .

و اما الاخبار فهي كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و قد ذكرنا اكثرها في الكتاب المبين و اروي في المقام حديثين من باب التبرك و التيمن ففي العوالم عن جابر بن عبدالله قال قلت لرسول الله صلي الله عليه و آله اول شئ خلق الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير ثم اقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحبّ ما شاء الله ثم جعله اقساما فخلق القلم من قسم و اللوح من قسم و الجنة من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله ثم جعله اجزاءا فخلق الملئكة من جزء و الشمس من جزء و القمر و الكواكب من جزء و اقام القسم الرابع في مقام [ص 390] الرجاء ما شاء الله ثم جعله اجزاءا فخلق العقل من جزء و العلم و الحلم من جزء و العصمة و التوفيق من جزء و اقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مأة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي و رسول ثم نفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسها ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين ، فظهر من هذا الحديث الشريف ان محمدا صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله قبل جميع الكاينات و عنه في تفسير قوله تعالي كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نوري ابتدعه من نوره و اشعة من جلال عظمته فاقبل يطوف بالقدرة حتي وصل الي جلال العظمة في ثمانين‌الف سنة ثم سجد لله تعظيما ففتق منه نور علي عليه السلام فكان نوري محيطا بالعظمة و نور عليّ محيطا بالقدرة الحديث ، و هو طويل شريف و يكفي هذان الحديثان الشريفان في المقام فان بناءنا في هذه الرسالة الشريفة علي بيان البواطن و الدقايق .

فصل - اعلم ان آل‌محمد سلام الله عليهم منه بلا شك و لا ريب و ذلك امر بيّن نطق به الكتاب و السنة و الادلة العقلية الكثيرة التي لاتعدّ و لاتحصي اما من الكتاب فقوله تعالي حكاية عن ابرهيم فمن تبعني فانه مني و لا شك انهم صلوات الله عليهم اتبعوه بحقيقة المتابعة بحيث لم‌يخالفوا عنه في صغير الامور و كبيرها اذ كانوا معصومين بنص آية التطهير و اذا كانوا متابعين له علي الحقيقة فهم منه و كذلك مرّ سابقا قوله تعالي الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم الآية ، و لايلحق به الا من كان من جنسه فآله من جنسه لا محالة و الا لم‌يكونوا يلحقون به و قال في ردّ جماعة قالوا ان الملئكة بناته نعوذ بالله و جعلوا له من عباده جزءا فيظهر منه ان الولد جزء الوالد و لا شكّ ان الائمة اولاد النبي حقيقة فهم جزؤه و الجزء حكمه حكم الكل لا محالة [ص 391] و كذلك قال الله تعالي في صفة الذريّة و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و لايمكن ذلك الا بان يكونوا من طينة الآباء و الائمة لكونهم ذرية النبي يلحقون به و يكونون من جنسه و هو اولي بالمؤمنين من انفسهم فهم ايضا اولي بهم و كذلك مرّ في شرح الآية الكريمة في صفة الازواج انهن اولي بالمؤمنين و اولي الارحام بعضهم اولي ببعض و هم الاوليون لكونهم ملحقين بالنبي (ص) و قال الله عز و جل في كتابه انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الآية ، و المؤمنون الذين وصلوا مقام الاولوية آل‌محمد عليهم السلام اولهم اميرهم و هو اميرالمؤمنين عليه و آله السلام فهم اولياء المؤمنين و الولاية لاتثبت الا لاول الخلق و غيره لا ولاية له في الواقع و الحقيقة كما سيظهر لك ان شاء الله في الادلة العقلية و الاخبار الواردة في انهم منه كثيرة ففي الخبر اولنا محمد و اوسطنا محمد و آخرنا محمد و في الزيارة اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و سمع رسول الله صلي الله عليه و آله و هو يخاطب عليا عليه السلام و يقول يا علي ان الله تبارك و تعالي كان و لا شئ معه فخلقني و خلقك روحين من نور جلاله فكنا امام عرش رب العالمين نسبّح الله و نقدسه و نحمده و نهلله ذلك قبل ان يخلق السموات و الارضين فلما اراد ان يخلق آدم خلقني و اياك من طينة واحدة من طينة عليين و عجننا بذلك النور الحديث ، و عن ابي‌جعفر عليه السلام انه قال ان الله سبحانه تفرد في وحدانيته ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ثم خلق من ذلك النور محمدا و عليا و عترته ثم تكلم بكلمة فصارت روحا و اسكنها في ذلك النور و اسكنه في ابداننا فنحن روح الله و كلمته احتجب بنا عن خلقه الحديث ، و ورد اخبار صريحة في ان جميعهم اول ما خلق الله اروي بعضها في المقام قال ابوجعفر عليه السلام لجابر يا جابر كان الله و لا شئ غيره و لا معلوم و لا مجهول فاوّل ما ابتدأ من خلق خلقه ان خلق محمدا و خلقنا اهل البيت [ص 392] معه من نوره و عظمته فاوقفنا اظلة خضراء الحديث ، و قال علي بن الحسين عليهما السلام ان الله عز و جل خلق محمدا و عليا و الائمة الاحدعشر من نور عظمته ارواحا في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق يسبحون الله عز و جل و يقدسونه و هم الائمة الهادية من آل‌محمد صلوات الله عليهم انتهي ، و الاخبار الواردة في ذلك كثيرة روينا بعضها في كتاب المبين و ان شئت فراجع و كونهم من نور واحد و طينة واحدة و اول ما خلق الله من ضروريات الشيعة و لايشك احد في هذه المسألة اجمالا و ان كانوا جاهلين بنتايجها .

فصل - في بيان المسألة من الادلة العقلية الحكمية الالهية ، اعلم ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد امتناع جميع ما سواه معه بالنفي و الاثبات فلا ذكر لشئ معها و لاتزعم من قولنا ذلك ان الاشياء ممتنعة في درجة ذاته كما يتبادر الي ذهن المبتدي من لحن الكلمات فان ذاته تعالي لاتكون واقفة في درجة من الدرجات و لا حدّ من الحدود بل هي محيطة بجميع الاشياء موجودة في جميع اماكن وجوداتها فامتناع الاشياء معها امتناعها في رتبة وجوداتها اذ هي معها قال الله تعالي هو معكم اينما كنتم و ذلك كلام مشكل فاذا كانت الذات امتناع جميع الموجودات فلاينسب اليها شئ منها و لاتتصف بها و لاترتبط و لاتتصل و لاتضاف بنحو من الاضافات بل لاينبغي ان يضاف اليها شئ من الاعراض من ايّ مقولة كان بل هي منزهة عن الجواهر بل لايكون ذات لغيرها اذ هي هي اذ هي وحدها وحدها منزهة عن جميع السمات مقدسة عن كل الصفات و جميع ما يقال او قيل من المدلول و الدليل كلها راجع الي غيرها فللاسماء مسمّيات و للموصوفات صفات و للافعال مفاعيل و للمفاعيل افعال و للخلق ذات و للذات صفات و رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و جميع ما عبّرت عنه الالسن و ادركته المشاعر مخلوق فافهم ذلك فان ذلك قاعدة كلية ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان عرصة الخلق في نفسها لها مبدأ [ص 393] و منتهي و ليس مبدؤها ذات الله و لا منتهاها بل هي محيطة بالمبدء و المنتهي و انا امثّل لك مثالا انك ذات منزهة عن الضرب و لايرد علي ذاتك شئ منه و لاتوصف به بل هو فعل محدث في مقامه و اشتقّ منه مشتقات في عرصته فللمشتقات في عرصتها مبدء و منتهي كلها راجع الي الضرب بدؤها منه و عودها اليه و لايرجع شئ منها الي ذاتك و كذلك الامر في الملك له مبدؤ ملكي و ليس هو من الذات و لا فيها بل هو اصل الملك و مرجع الكل اليه و هو ذات الذوات و اصل الاصول و مبدؤ المبادي و رب الملك و فاعل الافعال و الا فالذات القديمة منزهة عن جميع ذلك الاتري انك تقول في قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ان فاعل كُن و فاعل يكون شئ واحد مستتر فيهما و هو الكاين لا محالة لا الذات البحت بل فاعل اراد ايضا غيبه و هو المريد و هو الذات الظاهرة بالارادة لا الذات الاحدية فانك قد عرفت القاعدة الكلية ان الذات امتناع جميع الاشياء فلايذكر معها شئ مريدا كان او مرادا ، شيئا كان او مشية او مشاءا ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا فمرجع الملك الي رب الملك و هو الرب اذمربوب و هو الذي في السماء اله و في الارض اله لا الذات التي لا سماء معها و لا ارض ، افهم ذلك فانه دقيق فلهذا الملك مبدؤ مرده اليه و هو قبل المشية لا محالة فان المشية فعل و الفعل منوط بفاعل قبله و ان لم‌يوصف بالفاعلية الا فيه و هو الذات المحيطة بالمشية و المشاءات جميعها و هي وصف الله الاجل الاعلي و كماله و العلم الذي قال عليه السلام في صفته انه لا خالق و لا مخلوق بل من كماله و نفسه التي قال في كتابه و يحذركم الله نفسه و بيّنه الامام عليه السلام في حديث و قال يحذركم ان تجعلوا محمدا مصنوعا و ليس المراد من ذلك انه الذات البحت البات بل كما عرفت سابقا فاوّل الخلق و مبدؤ الكل هذه الذات المقدسة و هي في غاية الوحدة و البساطة اذ لايتصور الاثنينية في المبدأ فان مبدء كل متكثر واحد لا محالة و ان ابيت الا الدليل اقول كل ما كان اثنان [ص 394] يسبقهما جامع لهما لا محالة اذ لو لم‌يكن فوقهما جامع لماعدّا اثنين و ذلك امر مسلّم و الجامع فوق الاثنين غير الرب اذلامربوب جل شأنه فهو من الخلق و هو واحد اذ لو كان اثنين للزم ما ذكرنا فتدبر فالذات التي هي مبدؤ الخلق واحدة لا اختلاف فيها و لا تعدد و يثبت لها جميع الكمالات اذ لو كانت فاقدة لكمال للزم عدم وجود هذا الكمال في الملك فان للخلق مبدءا و هي مبدؤ الكل فهي واجدة للكل علي الحقيقة و قد خلق الله جميع ما خلق من نورها و هو الفعل المطلق الذي خلق منه كل شئ بصدوره منه كصدور نور السراج من السراج فان ما من السراج نور واحد لا اختلاف فيه و قد ظهر في القوابل المختلفة و ظهر من كل قابل بلونه و صفته الاتري الي السراج ان له نورا في ذاته و بعد ما اشرق علي المردنجي الاحمر تلوّن النور بلونه ففشا منه نور احمر و بعد ما اشرق بالحمرة المستنبطة من المردنجي علي جدار اخضر يحصل لون آخر مركب من الحمرة و الخضرة و يسطع منه بهذا اللون و هكذا الامر في خلق الخلق من المبدأ الي المنتهي و الكل بفعله تعالي و قد ظهر في المرايا المترتبة المختلفة و حصل له شئون و انوار و الكل من ذلك الفعل و هو الذكر الاول لها اذ منه الفاعل و القابل لا غير و هو اثر الذات الاولي التي هي كينونة الله و نفسه و ذاته الظاهرة فمرجع الجميع اليها و الكل انوارها و شؤنها كما تري فيك ان فعلك اثرك و جميع صفاتك شئون فعلك و الكل آثارك و آياتك و علاماتك منك بدأت و اليك تعود .

فصل - اعلم ان الاثر وجوده لمؤثره و لا بقاء له من نفسه بل جميع وجوده و امره و فعله و اثره للمؤثر بل لايري من الاثر الا المؤثر فانت اذا نظرت الي الاثر لم‌تر منه الا المؤثر كما تري ان اشعة السراج جميعها وجوهه و مظاهره و لايري منها غير نفس السراج و فطرة الخلق جرت بذلك فان جميع الخلق يسمّون انوار السراج بالسراج و انوار الشمس بالشمس و صفات زيد بزيد و افراد [ص 395] كل مطلق باسمه فان ذلك امر جبلي و ليس ذلك الا لانهم لايرون من الافراد الا المطلق المنير فانه اظهر في كل افراده منها و لذلك قال ابوعبدالله الحسين عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك ، و من هذا الباب ما يقال اعرفوا الله بالله فانه اظهر من كل شئ و ليس شئ آخر غيره يدل عليه بل هو دليل نفسه و مظهرها فافهم فانه دقيق فالذات الاولية التي هي المؤثرة للكل هي ظاهرة من جميع الآثار و تري من جميعها و تدعي باسمها من جميعها كما انك تدعو القائم باسم زيد و القاعد باسمه و الراكب باسمه و تحمل الجميع عليه من غير نكير فتقول زيد قائم قاعد راكب نائم مع ان ذاته في ذاتها غير محدودة بشئ منها و مع ذلك تكون كلها و كذلك الامر في الذات الاولية التي هي ذات الذوات و لاتزعم ان مرجع ذلك الي القول بوحدة الوجود او وحدة الموجود نعوذ بالله فان القائلين بوحدة الوجود قالوا ان ذات الاحد تطورت باطوار و بعد ما فنيت الاعراض يرجع الكل الي الاحد القديم جل شانه هذا قائلهم يقول :

و ما الخلق في التمثال الا كثلجة و انت لها الماء الذي هو نابع

و قالوا في هذا المعني ابياتا كثيرة لست بصدد ذكرها و كذلك القائلون بوحدة الموجود قالوا ان جميع الخلق من مادة واحدة و كلامنا غير كلامهم بل كلامنا ان جميع الخلق انوار للكينونة الاولي مع انهم في درجات مختلفة من مواد متفاوتة و الكل يمتنع مع الله تعالي فالفرق بين قولنا و قولهم كالفرق بين الحق و الباطل و الكفر و الايمان و بالجملة فالآثار جميعها ظهورات مؤثرها بل الكل اسماؤه و صفاته فانت اذا نظرت الي الاسماء و دعوت المسمّي بها تكون صادقا البتة و اذا نظرت اليها و دعوتها بمعناها الذي هو المسمّي لكنت صادقا البتة فافهم هذه المقدمة السديدة الشريفة .

فصل - لا شكّ في ان جميع الآثار و الصفات تحكي عن المؤثر فانه حقيقتها [ص 396] و لكن الصفات بعضها لبُعدها عن المؤثر تغيّرت فطرتها الاولية فلاتحكي عن جميع شئون المؤثر علي ما ينبغي و بعضها اقرب فشباهته بالمؤثر اكثر و حكايته لشؤنه و كمالاته اشدّ و ان شئت ان تعرف مثال ذلك علي الحقيقة انظر الي الشمس و انوارها الساطعة فان ما في الهواء نورها و ما في الارض نورها و ما في الصحن بلا حجاب نورها و ما في الاظلال نورها فانه لولا النور لماظهر الظل ابدا فما تري انك تري في الظل و تقرؤ السطور فكل ذلك من نور الشمس لا نفس الظل فان نفسه ظلمة غير مرئية و لا مظهرة للغير و لكن مع ذلك تسمّي النور الظاهر في الصحن بالشمس و النور الظاهر في الظل بلون الظل و لاتسمّيه باسم الشمس و ليس ذلك الا لتغيّر لونه و صفته و كذلك افراد الانسان المطلق جميعهم انواره و انت تسمّي الكل باسم المنير اذا حكي بعض كمالات المؤثر الذاتية و شؤنه و اما اذا كان احد فاقدا لجميع الكمالات الا واحدا علي غاية الضعف كالشباهة الصورية العرضية مثلا لايسمّي بالانسان و لذا تري ان الله اخرج جماعة من حدّ الانسانية و يتفاوت مراتب الانسانية في الافراد بحسب اختلافهم و لذلك نقول ان الانسانية تقبل الاشتداد و الضعف فزيد اكثر انسانية من عمرو و عمرو اقل انسانيته من زيد مع ان الحقائق بانفسها فوق الاشتداد و الضعف بل الوجود بهذا المعني ايضا يقبل الضعف و الاشتداد فان الموجود من حيث وجوده اضعف من الموجود من حيثين فافهم و كذلك الامر في المقام فان الكل آثار للكينونة الاولي و لكن بعضهم في غاية البعد الابعد فلم‌يحكوا منه الا صرف تكوّن و فقدوا سائر الصفات و لذلك لايسمّون باسمها في الشرع و اما من كان حاكيا لكمالاتها و صفاتها يدعي باسمها و لكن بحسب كمالاتها و حكايتها فافهم ذلك فانه دقيق و بالكتمان حقيق و الاثر الكامل هو من كان حاكيا لجميع كمالاتها و صفاتها غير فاقد لشئ منها و اذا بلغ بهذه المنزلة ينسب اليه جميع ما ينسب الي المؤثر و يصل الي المؤثر جميع ما يصل اليه فيوصف [ص 397] بجميع ما وصف به المؤثر و اما ساير الآثار فليس امرهم هكذا الا بعد الغض عن الخصوصيات و ان شئت ان تعرف ذلك علي الحقيقة انظر الي بدنك بالنسبة اليك فانك تقول لجميع بدنك زيد مثلا و ليدك ايضا تقول زيد و نسبة نفسك الي تمام بدنك و بعضه بالسواء و كلاهما يحكيان عنك في نسبة واحدة و انت اذا سميت بدنك باسمك صدقت و اذا سميت بعضك به صدقت و لكن اذا اردت ان تنسب الي بدنك جميع صفاتك كنت صادقا و اما اذا اردت ان تنسب الي يدك جميع ما تنسب الي نفسك ماكنت صادقا الا بعد الغضّ عن خصوصية اليد فافهم ذلك و مثال آخر اقرب من ذلك انك تقول لزيد قائم و قاعد و راكب و فاعل مطلق و تقول لكل واحد منها انه زيد و لكن لاتنسب الي القايم من حيث انه قايم انه قاعد او راكب الا بعد الغض عن الخصوصية و النظر الي زيد فيه و اما الفاعل الذي هو اكبر الصفات فينسب اليه جميع الاسماء و الصفات فتقول انه قائم و قاعد و راكب و غيرها فافهم ذلك و اضبطه فانه قاعدة شريفة .

فصل - اذا عرفت ذلك فاعلم ان النور الاعلي الاول و التجلي الاعظم الاجل هو الخاتم لملك الله و الفاتح و الاول الآخر و الظاهر الباطن و هو حقيقة آل‌محمد سلام الله عليهم و لا مجال لاحد لانكار ذلك بعد ما صرّحوا صلوات الله عليهم في اخبارهم بذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين و قال انا الاول انا الآخر انا الظاهر انا الباطن و انا بكل شئ عليم ، و جميع الخلق آثارهم و انوارهم و اشعتهم صلوات الله عليهم قايمون بهم صادرون منهم ففي الزيارة القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به ارادتكم ، و هم اولي بجميع الوجودات و الماهيات و الصفات و الاسماء و الاعراض و الجواهر منها و بهم ملأ الله سماءه و ارضه حتي ظهر وحدته في ذاته و صفاته و افعاله و عبادته و لكن الخلق لايصلحون للحكاية التامة عنهم و ان [ص 398] كان جميعهم اسماءهم و صفاتهم و يصحّ انتساب الكل اليهم و يدعون بجميعها و قد اشار الله الي ذلك بقوله و تقلبك في الساجدين و غير ذلك من الآيات الصريحة عند اهلها و لكن مع ذلك لاينسب الي كل اسم ما ينسب اليهم صلوات الله عليهم الا بعد الغض عن الخصوصية بالمرّة الاتري ان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول في بعض خطبه انا آدم و نوح و ابرهيم ، فعلي ذلك آدم اسمه و مع ذلك لاينسب الي آدم من حيث الآدمية جميع ما ينسب الي علي (ع) و كذلك مرّة يقول انا النجم و الشمس و القمر و مع ذلك لاينسب الي الشمس و القمر ما ينسب اليه و ليس ذلك الا لان نسبة هذه الاسماء اليه ليست الا كنسبة القائم الي زيد فبعد كشف سبحة الآدمية و النوحية تقول ما تقول في شأنه و اما مع خصوصية الصورة فان آدم و نوحا لمن المرسلين و لهما صفة المرسلين و ان عرفت هذا المطلب الشريف تعرف الامر في التوجهات كلية فانك تتوجه الي الكعبة لانها اسم من اسماء الله تعالي و اذا نظرت الي الكعبة مواجها لصورتها ناظرا اليها لاتقدر ان تناجي ربك فيها فانها ليست الا الكعبة البيت الحرام و لكن بعد الغض عنها تناجي ربك مقبلا اليها و كذلك الامر في جميع ملك الله تعالي فالابدان الجزئية لاتصلح لانتساب جميع ما يليق بالمؤثر اليها و لكن الله تعالي اختار ابدانا كاملة حاكية لجميع شئون اول الكائنات و هي ابدان محمد و آل‌محمد صلوات الله عليهم يبلغ عددهم بحسب الارواح اربعة‌عشر لا خصوصية الابدان الجسمانية اذ ربما كانوا يظهرون في ابدان متعددة كما ظهر اميرالمؤمنين (ع) في ليلة واحدة في اربعين بدنا و كلها كان حاكيا لاول الكاينات فافهم هذه الاسرار حتي تطلع علي مطالب شريفة .

فصل - هذا الذي ذكرنا في اثبات مطلق الاولية لا كونهم اول ما خلق الله اذ عرفت ان مقامهم فوق الفعل و المفعول لااقول انهم غير مخلوقين لله تعالي كلا بل هم مخلوقون و لكن لهم في مقام العلم الازلي موقف خاص بهم هم [ص 399] في ذلك المقام قبل المشية و المشاءات و غيرهم و ان كانوا معلومين بالعلم الازلي الا ان مقامهم دون آل‌محمد عليهم السلام بمنازل كثيرة و لعدم فعليتهم لايثبت لهم مقام من ذلك اذ اثبات المقامات بحسب الفعليات لا غير و بالجملة فآل‌محمد عليهم السلام لهم مقام ثابت قبل المشية و لكن لهم ظهور و مقام في اول الاكوان يصدق عليه اسم اول ما خلق الله منها و ذلك اول المظاهر الكونية و التعينات الجوهرية الكلية و هذا المقام نور المقام الاول و لقد بيّن ذلك روحي فداه بقوله اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، و نور النبي غيره لا محالة و هو من الاكوان و قوله اول ما خلق الله روحي ، فان الروح غير الذات الاتري انك تقول روحي و تريد مرتبة غير ذاتك و هذا النور المقدس عرش استواء حقيقة نبينا و هو غيرها و هو العقل الذي قال اول ما خلق الله العقل ، و هو القلم الذي خلق به ما كان و ما يكون فهذا اول ما خلق الله بالمشية و لهذا ورد في الخبر المشهور اول ما خلق الله القلم ، و كذلك قد يعبّر عنه بالماء لانه مادة كل الخلق و ذلك قوله اول ما خلق الله الماء ، و لا شك ان ظهور المؤثر في المادة فانها يده في اظهار امره الكوني و الشرعي الاتري انه يقال ان الخشب المطلق مؤثر لجميع الاخشاب المنحوتة و هو اولي بها منها في كل الامور و اظهر منها بلا نقاب و لكن يده في الخشب المصور بصورة الباب نفس الخشب الذي هو المادة لتلك الصورة الخاصة و ذلك امر ظاهر بيّن فجميع ما يصل الي الباب مثلا من الخشب اللابشرط يصل اليه بواسطة الخشب بشرط لا و رأسه المتعلق بهذا الباب الخاص و هكذا الامر في العالم الاعلي فالمادة في كل مقام يد المؤثر في الامر و لذا يعبر عن المادة الاولي بالقلم فانه يد الكاتب في كتابته و جميع ما يصدر منه من الخطوط يصدر منه بواسطة القلم فالمادة الاولي بعد الامكان الجايز المطلق هي العقل و هي الماء المخلوق منه كل شئ و هي الحقيقة المحمدية المعروفة في الالسنة و الافواه و لكنها ليست [ص 400] حقيقته في الواقع بل حقيقته نور الكينونة و اعلم ان مشايخي اعلي الله مقامهم لم‌يظهروا هذا الامر العظيم في هذا الحد لغلبة التقية نعم عبّروا عن تلك الحقيقة المباركة بالبيان و هي في الواقع هكذا و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و لكني كشفت القناع في هذه الرسالة عن وجهها في الجملة و كم من خبايا في زوايا و قد جعل الله لكل شئ وقتا و ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و بالجملة فاول ما خلق الله من الاكوان روح الخاتم و نوره و هو من نوع المخلوقين بالمشية و اما العلم فلايكون مخلوقا فان المخلوق مخلوق بالفعل و الفعل مخلوق بالعلم و قد بيّن مولانا الباقر عليه السلام هذا المطلب الشريف لجابر الذي هو مخزن الاسرار قال يا جابر كان الله و لا شئ غيره لا معلوم و لا مجهول فاوّل ما ابتدأ من خلق خلقه ان خلق محمدا و خلقنا اهل البيت معه من نوره و عظمته فاوقفنا اظلة خضراء بين يديه حيث لا سماء و لا ارض و لا مكان و لا ليل و لا نهار و لا شمس و لا قمر يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس ، انظر في مطاوي كلامه عليه السلام كيف بيّن الاسرار حيث بيّن ان وجودهم قبل المعلوم و المجهول فان المعلوم ما يمكن ان يعلم و هو مما دون القدر و المجهول هو القدر الذي لايطلع عليه الا الواحد الصمد و قوله لا شئ غيره ، يعم المشية و المشاء و قوله اول ما ابتدأ الي آخر ، يريد منه المعية الحقيقية اي الوحدة لا المعية التفصيلية فاوقفنا اظلة خضراء يريد منها النفس و ذلك قوله السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن ، و ان النفس خضراء و باقي الخبر ظاهر و اما قوله ابتدأ من خلق خلقه ، له وجوه فاِما يريد انهم اول كل خلق خلقه مع انهم خارجون عنهم او يريد بيان كونهم مربوبين له فان الكينونة لاتكون الها بل هي ذات ظاهرة لله فتدبر و اما كيفية ابتداء ذلك النور فكما قال الصادق عليه السلام في حديث اعلم ان النور لم‌يكن باطنا في الذات فظهر منه و لا ظاهرا [ص 401] منه فبطن فيه بل النور من الذات بلا تبعيض و غايب في غيبه بلا استتار و مشرق عنه بلا انفصال كالشعاع من القرص و النور من الشعاع الخبر ، فمخلوقيته صدوره من الله لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا بكيف من الكيوف و لا بوجه من الوجوه و ان عرفت صدورا هكذا فانت انت .

فصل - اعلم ان العقل الذي ذكرناه هو مبدأ الاكوان و اول الادوار و المبدأ لا اختلاف فيه فانه من مشية الله سبحانه كالمصدر من الفعل و المصدر في غاية الاتحاد بالنسبة الي ساير المشتقات مع انه معنوي لانك قد عرفت انه مادة لجميع الصور و المادة لا اختلاف فيها فلا تعدد في مقام العقل و مثاله فيك صرف شعورك فانه لا تخصص له بعلم دون علم و فهم مسألة دون مسألة و جميع هذه الخصوصيات تظهر في المشاعر فما كان من قبيل المعاني النسبية ففي الواهمة و المعاني الجزئية في العاقلة و ما كان من الصور الجزئية ففي المتخيلة و العالمة و الحس المشترك في كل واحدة منها ما يخصّها و اما نفس الشعور فهو صرف الادراك و الانفعال و مثاله في الملك العرش فان جميع الخصوصيات في الكرسي و الافلاك و لا اختلاف في نفس العرش بل هو اطلس اي عارٍ عن جميع القيود و الخصوصيات و الالوان و الامزجة و غيرها و حركته ايضا حركة بسيطة غير مختلفة بخلاف الكرسي فانه ذو شئون و كثرات من البروج و المنازل و الكواكب المتعددة و لذا يكون منشأ جميع الامور الحادثة المختلفة و الافلاك ايضا هكذا فالعقل لا اختلاف فيه مع انه مبدأ الكل و لكن مع ذلك تفصيله من المشية و الامكان اكثر فيثبت له اقل مراتب الكثرة في عين الوحدة و ذلك ان كل موجود يوجد في ثلثة اكوان كيان روحاني به حيوته و كيان جسداني هو وقاية للروح فانه لا جسد الا بالروح و لا روح الا بجسد ثم لا شك ان الروح بعيد عن الجسد في الوصف و الجسد بعيد عنه فلايلايمان و لايتركبان الا بوجود ثالث برزخ بينهما و هو النفس و ذلك قوله تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان فباي آلاء ربكما تكذبان [ص 402] ثم ان هذه الاكوان كل كون منها مركب من اربعة اجزاء كيفية غاية الامر انها في كل شئ بحسبه ففي عالم المعني بالمعنوية و في عرصة الصورة بالصورية و في الجزئي بالجزئية و في الكلي بالكلية و ذلك ان كل شئ له اعلي و اسفل اعلاه جهته الي ربه و هي في غاية الحرارة لانها يد الفاعل في ايجاده و اسفله جهته الي نفسه و هي في غاية البرودة لبعدها عن المبدأ و هي مقام الطبيعة و الانيّة و كلاهما يابسان لايلتئمان فبينهما حرارة و رطوبة من جانب العالي و برودة و رطوبة من جانب السافل فبهذه الاربعة الاركان يتولد كل مولود و ذلك قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين و الزوجان اربعة بلا شك فيصير تمام المراتب اثناعشر تمامها اجزاء مولود واحد و كلها مخلوقة مع نفس المركب لاتسبقها ثم لها صورة جامعة هي مقام المجموع من حيث المجموع و مقام المزاج الظاهر فيها المتسلط عليها فهذه اربعة‌عشر فمقام العقل تفصيله يبلغ اربعة‌عشر و لكن في غاية الاتصال و الاتحاد فانه لايتصور فيها التكثر لما مرّ فروحه عين نفسه و نفسه عين جسده كالمولود الهرمسي فانه و ان كان من روح و نفس و جسد و ماء و ارض و صبغ و دهن و لكن جميع اجزائه صارت واحدة من دون اختلاف فصار بكله ماءا و بكله هواءا و بكله نارا و بكله ترابا و بكله روحا و نفسا و جسدا و بكله صاعدا و هابطا و ذلك شأن الواحد المعنوي فمن هذا الباب نقول ان العقل واحد بلا اجزاء مع انه مركب في الحقيقة من هذه المراتب و هذه الاربعة‌عشر مقامات المعصومين صلوات الله عليهم فان المزاج المستولي علي الكل هو النبي و الصورة الجامعة هي اميرالمؤمنين عليه السلام و الاثناعشر الائمة مع فاطمة عليها السلام او يكون الصورة الجامعة هي فاطمة عليها السلام و الاجزاء هم الائمة و لايورث ذلك كونها افضل منهم لجهات حكمية ● ليس هنا محل ذكرها ، هذا و بعد ما عرفت [ص 403] وحدتهم في الحقيقة و الواقع لايشتبه عليك الامر فان كلهم نور واحد .