فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات غايبة عن الانظار عالية عن رؤية الابصار فانه تعالي فوق كل شئ بلا نهاية فلاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار و ذلك امر ثابت في جميع القرون فان احدا لايعرف ربه و لو في القيامة و لاتزعم ان الخلق يستغنون عن معرفة الله يوما او يقتدرون علي دركه و معرفته يوما فانه تعالي لايكاد يجانسهم يوما مّا ابدا فلايدركونه يوما و يحتاجون الي معرفته لانها العلة الغائية كما مرّ سابقا فلا بدّ من مرآة له تعالي في كل عصر و زمان حتي تحكي عنه و تدل الخلق اليه ففي الازمنة السابقة بعث الانبياء متوالية و بعد الخاتم لايقتضي الحكمة بعث الرسل فقام اوصياؤه للدلالة علي الله فلو لميقم امام من عند الله بعد الخاتم يحكي عن الله لفسد نظام الملك و ماحصل المعرفة التامة الكاملة به تعالي لعدم وصول الناس الي الذات و عدم تنزل الذات اليهم فتدبر في ذلك .
فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات احدية لاتثنّي و لاتجزّي فتكون مركّبة فان كل مركب حادث زائل و هو تعالي قديم جل شأنه و قد تجلّي بامر واحد [ص 355] و هو و ان كان مركبا في الواقع الا انه مركب بتركيب لاينافي الوحدة و البساطة و ذلك قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة فامره تعالي واحد و الامر الواحد لا اختلاف فيه و كذلك الامر المفعولي الصادر منه ايضا واحد لانه ظهوره فلا اختلاف فيه ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فظاهره مع باطنه و باطنه مع ظاهره و كل واحد منهما وفق صاحبه و الظاهر عنوان الباطن و الغيب اصل الشهادة و قال عليه السلام الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور كليات الحكمة ما لمتكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فجميع ما هو ثابت في الغيب لا بد له من عنوان في عالم الشهادة و جميع ما هو ثابت في الشهادة لا بد له من اصل في الغيب فاذا رأينا شيئا في هذا العالم نستدل به علي الغيب و الا فلا و ذلك امر مسلّم بديهي الا ان درك حقيقته لايخلو من صعوبة فاذا رأينا في الملك ابدانا حيوانية نستدل بها علي الروح الحيواني الغيبي و اذا رأينا ابدانا انسانية نستدل بها علي الروح الانساني الكلي و ان لميكن في جزء من اجزاء هذا الملك بدن يحكي عنه لايستدل عليه لا محالة و كذلك الامر في ابدان الحجج صلوات الله عليهم بالنسبة الي اسماء الله و صفاته فان بوجود الحجج نستدل علي وجود اسماء الله و صفاته بالفعل و ان قلت ان القوابل الكونية كالسماء و الكرسي و العرش تحكي عنها اقول انها قوابل مفردة و غاية حكايتها عن اسماء جزئية و لاتحكي عن الاسم الجامع مع ان كل واحد منها مبهم في حدّه و لايحكي الا بالابهام فلا بدّ من وجود حجة جامع مركب من جميع القبضات حتي يصلح لحكاية الاسم الجامع متعينا و لو لميكن هذا الوجود لبقي الاسم المبارك في قوة الملك كما انه لو لميكن قابلية الدخان لماخرج النار الغيبية من كمون الاشياء و بقيت في قوتها و ان حكي بعض الاشياء نورا و بعضها حركة ضعيفة و بعضها حرارة بلا نور و لكن حقيقتها تبقي مختفية حتي تظهر قابلية مستعدة لحكاية جميعها و كذلك الامر في الاسم الجامع [ص 356] فانه لايظهر في غير القابلية الجامعة و ساير القوابل تحكي جهاته و حيوثه و بعض ظهوراته ثم لا شك ان حاجة الخلق الي الاسم الجامع دائمة فانه الذي به قامت السموات و الارضون و خلقت الخلايق اجمعون فان جميع الاسماء الجزئية شؤنه و اياديه و لا عمل لها بدونه كما ان صفاتك الجزئية جارية بفعلك المطلق فلايمكن ان لايكون الاسم الجامع بالفعل و يكمل الخلق فان هذا شئ محال فلا بدّ و ان يكون حامله ثابتا قائما دائما و هو الحجة من الله بل اقول ان ساير الحجج لايحملون الا ظاهره و الحامل الحقيقي له آلمحمد سلام الله عليهم فلا بدّ و ان يكون واحد منهم دائما قائما في هذا الملك غاية الامر ان وضع الملك يتفاوت يوما فيوما و في كل يوم يقتضي ظهورهم بوضع خاص و لباس مخصوص بل ربما يقتضي زمان من الازمنة خفاؤهم اياما و تأثيرهم من وراء الحجب و ذلك بحسب مصلحة الملك و الخفاء لاينافي الوجود الفعلي فافهم ذلك و تدبر .
فصل - اعلم ان امر الله سبحانه واحد في جميع ملكه كما ذكرنا و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت ، فجميع ما في الانسان الصغير في الانسان الكبير بلا فرق و ان ابيت الا الدليل القشري الطبيعي اقول ان الانسان ولد هذا العالم الكبير و قد خلق بين السماء و الارض و السماء ابوه و الارض امه و لذا اشتهر في الالسنة و الافواه الآباء العلوية و الامهات السفلية و بعد ما قدّر الله خلق انسان او شئ يلقي شعلات الكواكب في رحم الارض او رحم انسان و الامر فيهما واحد فيستخرج بها ما استجنّ في قابلية الارض من مثلها علي تفصيل سيجيء في علم البدأ ان شاء الله و لا شك انها لاتخرج من مكمنها الا ما هو بالفعل فيها و ذلك امر مسلّم ان المكمل لايكمل الا مثله فعلي ذلك جميع ما في الملك ينبغي ان يكون في الانسان اذا بلغ حدّ الكمال و لذلك نقول انه قد جمع جميع ما في هذا العالم حتي الجبال [ص 357] و القلال و الاشجار و الانهار لانه ولد الملك و الولد يشبه والديه و لو نوعا فنحن بعد ما نظرنا في الانسان الصغير رأينا ان الله سبحانه قد جعل له قلبا و اعضاءا و جوارح و جعل القلب حاكما علي جميع الاعضاء و جميع الاعضاء دائرة عليه مستمدة منه و هو ممدّ للكل و منه حياتها و بقاؤها و هو اول حي منها و آخر ميت و لايكاد ينتظم ملك البدن بدونه و هو المدرك من كل المشاعر و المصلح لجميعها الاتري انه اذا خلج في رجلك شوك تجعل رجلك الاخري اسطوانة لها و تنصبها عليها و تقوس ظهرك و تفتح عينك و تصل بين اصبعيك لاخذ الشوكة و ان لمتقدر علي ذلك تستعين بآلة اخري انظر منذا يجمع بين الاعضاء المختلفة و يجعل بعضها معين بعض سوي القلب و ان قلت ان نفس الاعضاء تفعل هكذا اقول ان كانت انفسها فاعلة لذلك فلمَ لاتفعل هكذا حين نومك و توفي روحك و حين غفلتك عن البدن فانا نري انك حين غفلتك ربما تضرب يدك علي عينك و لاترضي بفعالك فيظهر من ذلك ان القلب هو الجامع لها المؤلف بينها و هو الذي يعينها علي ذلك و يصلحها و كذلك الامر في هذا الملك اذا رأيت ان اجزاءها تعين بعضها بعضا و ينتفع بعضها من بعض و يدور بعضها علي بعض و يصلح بعضها بعضا فاعرف من ذلك ان للملك قلبا هو الذي يأمر و ينهي و يصلح و الا فالاعضاء المختلفة كيف تعين بعضها بعضا و تصلح بعضها بعضا و ان ذلك امر ظاهر بيّن و انا استدل في المقام ايضا بنحو استدلال هشام ان البدن الانساني بهذا الصغر لايصلح الا بالقلب و هو الحاكم عليه و الملك العظيم بهذا العظم كيف يصلح بلا قلب فان الملك العظيم اولي بذلك من الملك الصغير .
فصل - اعلم ان النبي صلي الله عليه و آله بعث لان يكون آية التعريف و التعرّف و لولاه لماعرف الله جل شأنه اذ هو القائم مقام الله في الاداء و لا شك انه صلي الله عليه و آله ايضا فوق مشاعر الخلق لانه اول الخلق حيث [ص 358] لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا ملك و لا جن و جميع الخلق انواره بل صنايع يده فلايكادون يعرفونه ابدا فلايحصل الفائدة التي خلقه الله لها و هي المعرفة كما اشرت فلا بدّ و ان يجعل الله بينه و بين الخلق بابا حتي يعرفوه و يتمكنوا من الوصول اليه و التمسك بحبله و الاعتصام به و الانتفاع منه فلذا جعل وصيّه بابه و صراطه و ذلك قوله صلي الله عليه و آله في الحديث المتواتر انا مدينة العلم و علي بابها و كذلك قال انا مدينة الحكمة و علي بابها ، فلا بدّ من الدخول اليها من الباب و من اراد غير ذلك لايكاد يصل اليه ابدا قال الله تعالي في محكم كتابه و أتوا البيوت من ابوابها فمحمد صلي الله عليه و آله باب الله و لكنه غيب ممتنع لايدرك و الامام بابه و صراطه و هو من حيث اعلاه متصل بالنبي و من حيث اسفله متصل بالخلق فالخلق يهتدون به الي النبي الذي هو المراد و المقصود و القائم مقام الله و لكونه قائما مقام الله يكون المقصود بالذات هو هو و الامام سبيله و لايكاد يسبقه افئدة الخلايق و لو بكشف السبحات و لايعرفون غيره و لو بطي المراحل الي خالق البريات اذ هو غاية الغايات و نهاية النهايات فافهم الاشارات في ضمن العبارات فلا بد من وجود الامام في حياة النبي و بعده دائما و محال ان ينطق النبي بدونه و لذلك لميبعث بالنبوة الا بعد ظهور الولي عليه السلام و لولاه لمانطق ابدا اذ لميكن ثمرة لدعوته لان الناس لميكونوا يعرفونه هذا و قد مرّ سابقا ان الولي نفس النبي و النبي عقله و العقل مادة و النفس صورة و ظهور المادة جميعها بواسطة الصورة و لولاها لماعرف المادة اذ هي جوهرة سائلة غير محدودة و التعريف و التعرّف ينحصر في الحدّ و الصورة و لذا يقال تعرف الاشياء باضدادها و المادة السايلة لا ضدّ لها و لذا لا اختلاف فيها و ذلك قوله (ص) لا اختلاف في الله و لا فيَّ و لكن الاختلاف فيك يا علي ، فالذات بريئة عن الاختلافات لانها احدية و النبي (ص) ايضا فوق الحدود لانه معنوي لايقع عليه اسم و لا شبه فالاختلافات كلها [ص 359] في مقام النفس التي قال الله تعالي فيها عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ، و قال علي عليه السلام اي نبأ لله اعظم مني ، فافهم فظهر لك من هذا الدليل الشريف ان الولي وجوده لازم مع النبي و بعده في جميع الاحوال .
فصل - لما صار الاصل و العماد في المعرفة الولي و هو باب الي النبي صلي الله عليه و آله فلا بدّ من وجود ولي دايم له في الملك بعد ظهوره سواءا كان النبي بنفسه ظاهرا ام لا لان ظهوره و غيبته علي السواء بالنسبة الي الولي اذ هو يطلع عليه بل هو موصول به و يستمد منه و لكن الخلق محرومون عن دركه و لكن وجود الولي امر لازم في الملك الي يوم ينفخ في الصور و لو اخلّ الله سبحانه بهذه الحكمة لماعرف بعد و صار الخلقة لغوا و لذا جعل اوصياءه متعددين هذا و كان يمكن ان يكون له وصي واحد ثابت قايم حي دايم و لكن مرّ سابقا الاشارة الي ذلك في الجملة و سيجيء ان شئون الوصاية اثناعشر و لا بد من ان يحملها اثناعشر بل كان اوصياء جميع اولي العزم بهذا العدد الشريف و لذا نصّ عليه الله في كتابه بقوله ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلاتظلموا فيهن انفسكم و لو كان مراده تعالي شهور السنة لمااصرّ عليها بهذا الحد و ماجعلها دينا قيّما فان امر الشهور و السنوات اهون من ذلك عند الله الاتري انه تعالي لميبيّن امر الاسابيع و الايام بهذا النحو بل في السنة ايام متبركة لميذكرها الله في ظاهر كتابه و لو كان امر عدد الشهور بهذه العظمة لكان امر ايامها و لياليها ايضا عظيما و كان الاحري ذكرها و الاصرار عليها و مع ذلك نري انه تعالي بيّن امر الشهر بهذا الابرام و لميذكر من اجزائها شيئا فعرفنا من ذلك ان المراد من هذه الشهور غير شهور السنة بل المراد منها غير الظاهر و صريح الاخبار ان المراد منها الائمة صلوات الله عليهم و كذلك يقول في بنياسرائيل بعثنا منهم اثنيعشر [ص 360] نقيبا و بعد ما ضممنا هذه الآيات الي آيات اخر عرفنا ان امر الله في جميع الاعصار واحد و قد قال تعالي لنتجد لسنة الله تبديلا و قال و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر او هو اقرب فالاوصياء في جميع الاعصار بهذا العدد لا محالة و كذلك اوصياء نبينا اثناعشر بل يدلّ علي ذلك قوله ماكنت بدعا من الرسل فليس وضعه وضع بديع فوجود هذا العدد من الاوصياء يدل علي ان عدد السابقين ايضا كان هكذا و اما ساير الانبياء فكانوا من الاوصياء سلام الله عليهم كعلماء امة النبي (ص) من اوصيائه كما في الخبر المعروف علماء امتي كانبياء بنياسرائيل و ليس مراده (ص) ان شأن العلماء شأن الانبياء و لكن المراد انهم رواة من الاوصياء مثلهم و بالجملة فلا بدّ من تعدد الاوصياء في الحكمة و اقيم علي ذلك دليلا آخر بوجه آخر .
فصل - قد عرفت مما بيّناه من البيانات في هذه المقالة و مما مرّ في النبوة و التوحيد ان الله سبحانه لميرسل انبياءه و لمينصب حججه الا لمعرفته فالائمة صلوات الله عليهم منصوبون للدلالة علي الله سبحانه و هداية الخلق اليه و لا شك و لا ريب ان الدلالة الواقعية علي المطابقة لاتحصل الا لنفس صفة الشئ و الا فما هو غيرها لايدلّ عليه و لذا نقول ان الدلالة في الواقع للشبح المنفصل عن الشبح المتصل و هو الدليل لا غير ● و بعد ما وقع شبحه في اللفظ دلّ اللفظ [ص 361] عليه بهذا العكس فالدلالة في اللفظ هي الشبح المنفصل عما في القلب في اللفظ و لكن علماء القشر لميعرفوا حقيقة ذلك و عرفوها بانها كون الشئ بحيث يلزم من العلم به العلم بشئ آخر و بالجملة فالدليل الحقيقي هو الوصف و هو الآية فالدليل الي الله سبحانه لايكون الا صفته و اسمه و لما كان غاية نصب الحجج علي ما ذكرنا الدلالة الي الله بذاته و وحدته سبحانه جعلهم بحيث يدلون علي ذلك من صفاتهم و افعالهم و حالاتهم و غير ذلك و ذلك مسلّم فيهم صلوات الله عليهم و سيجيء بعد ذلك اشارة الي ذلك و مما نريد في المقام بيانه انا نري ان الله سبحانه عبّر عن توحيده جل شأنه باثنيعشر حرفا في كتابه و هي لا اله الا الله و لا شكّ ان المباني تدلّ علي المعاني سيّما في الفاظ كتاب الله سبحانه و اخبار الانبياء اذ هي خالية عن الاعراض فكل لفظ من الفاظهم يطابق المعني و يناسبه لا محالة بخلاف الفاظ ساير الناس اذ ربما يتلفظون بما لايناسب المعني و لذا تري ان الائمة صلوات الله عليهم يستدلون بحروف كتاب الله علي معاني غيبية و كذلك يستدلون من الاخبار بكلمة كلمة فبعد ما وجدنا ان حروف التوحيد اثناعشر عرفنا ان الدال علي توحيده سبحانه هذا العدد لا اقل من ذلك و لا اكثر و لو كان اكثر من ذلك لبيّن حرفا آخر لا محالة و هي عدد هو الدال علي هويته بحروفه و صورته الجامعة المركبة و كذلك وجدنا انه تعالي ركّب للدلالة علي توحيده ثلثة احرف مرجعها الي اثنتين اللام و الالف و الهاء ، و الهاء في الحقيقة هو الالف الاتري انه جعل زبر الهمزة التي هي الالف المتحركة مع ان البناء علي ان يجعل زبر كل حرف سميّه فالظاهر من هذا الوضع ان الهاء اسم الالف مع انه تفصيله في المقامات الخمسة و يشهد بذلك قرب مخرجه مع الالف المتحركة و اما الالف الساكنة فلا مخرج لها ليدلّ علي ان الاحد جل شانه منزّه عن الحدود و الامكنة و الجهات و بالجملة فرجوع حروف التوحيد الي الالف و اللام و الالف حرف النبوة و اللام حرف الولاية كما مرّ سابقا فاذا [ص 362] عرفت بعض اسرار كلمة التوحيد فاعلم ان آلمحمد صلوات الله عليهم كلمات انسية و مثل ذلك موجود في كتاب الله الاتري الي قوله بكلمة منه اسمه المسيح فهم كلمات الله و قد عرفت ان الله سبحانه اظهرها و نطق بها للدلالة عليه و علي توحيده فالقي فيها شبح وحدته لا محالة و نوره حتي دلّوا علي احديته سبحانه و قد عرفت ان ظهور توحيده في اثنيعشر و لذلك جعل حروف كلمة التوحيد اثنيعشر فعددهم اثناعشر لذلك فهم كلمات توحيد الله و ذلك قوله عليه السلام و حروف لا اله الا الله في الرقوم المسطرات و قال بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، و قد مرّ سابقا بعض حكم ذلك و من ضمّ بعضها الي بعض يظهر له ان شاء الله حكم كثيرة .
فصل - قد مرّ سابقا ان داعي وجود الحجة المعصوم في الارض امر دايم لاينقطع سواءا كان من الدواعي الظاهرية او الباطنية فان قلت وجه لزوم وجودهم جهل الخلق بالحلال و الحرام و احكام الملك العلّام و فاقتهم الي سايس يحفظ البلاد و يسوس العباد فان ذلك امر دايم لاينقطع ابدا و ان قلت وجه الحاجة وجود الواسطة بين الخلق و بين الله تعالي ليكونوا بابه و صراطه و سبيله اقول ان داعي ذلك موجود دايما و كذلك كل ما عددته من الحكم كلها امر دايم لاينقطع فوجود الحجة ايضا امر دايم لاينقطع و ليس لاحد ان يقول ان الخلق يستغنون عنه يوما مّا و لذا ورد في اخبار متعددة ان الارض لو خلت من الحجة لساخت مع انه كان فيها حجة في زمان و الحجة القايمة في زمان لايرفع حاجة اهل زمان آخر فتسيخ الارض و يهلك الخلق بفقده فكيف يخلّ الله سبحانه بهذه الحكمة العظيمة و كذلك نقول حكمة دوام وجود الحجة تحكم بلزوم اتصال الحجج سلام الله عليهم و عدم الطفرة بينهم فلايمكن ان ينقطع الحجة يوما و ما سمعت ان بين عيسي و نبينا صلي الله عليه و آله كان زمان الطفرة ليس المراد انه لميكن في هذا الزمان حجة قايم بل المراد انه لميكن انبياء معروفون مشهودون [ص 363] و لكن كان لله حجج متوالون يحفظون شرع عيسي و كذلك بين آدم و ادريس لميقطع حجج الله بل كانوا مختفين لمصلحة الخلق فان بناء الظهور و الخفاء علي حسب صلاح الملك و ربما سمع بعض الناس من مشايخنا حكمة اولية و ثانوية و انه ربما يحكم بوجود شئ في الحكمة الاولية و تغيّرها في الحكمة الثانوية فزعموا ان وجود الحجة ايضا من ذلك و ليس الامر كما زعموه فان قوام الحقايق في الحكم الاول ان كان بوجود الحجة فكيف يبقي العرض بغير وجوده الاتري ان قوام الانسان بحقيقته بالقلب و قوام بدنه العرضي ايضا بالقلب و قد جعل الله لبدنه العرضي قلبا عرضيا نعم العرض اقتضي عدم ظهور القلب في عرصته علي ما ينبغي له بل ظهر بالبدن العرضي و لو لميظهر له بوجه لمات و فسد فاعرف حقيقة كلام الحكماء و لاتكن من الغافلين نعم ظهور الحجة علانية بين الناس بان يكون معروفا مشهودا لكل احد ربما لايحصل لمصالح و لكن لايرفع تدبيره عنهم و ليس خفاؤه الا بعدم معروفيته بالصفة لا بوجه آخر كما ورد في غيبة الامام انه يطأ فرشهم و لايعرفونه فافهم فان ذلك امر دقيق لايحتمله الا ملك مقرب او مؤمن ممتحن و هذا من حديثهم الصعب المستصعب و ربما يزعم الزاعم ان الامام في غيبته ليس في الدنيا ابدا بل هو في عالم المثال و ربما يستدلون علي مرادهم بما رأوه في كتب مشايخنا انه في هورقليا و لميعرفوا مرادهم و ان اردت ان تعرف الحق فاصغ لما اقول ان لكلام مشايخنا محكما كمحكم الاخبار و متشابها كمتشابهها و لا بدّ لكل حكيم من محكم و متشابه فانه لاينحل الاسرار الا بالعبارات المتشابهة و الدستور في المتشابهات الردّ الي المحكمات و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و قد ثبت بضرورة الشيعة ان الامام حي و هو في الدنيا و لايشكّ في ذلك الا جاهل مرتاب و قد صرّح مشايخنا في مواطن كثيرة كتبا و لسانا ان مذهبنا ما عليه عامة الناس لا غير و لا شك ان عامة الناس يدينون ببقائه في الدنيا مع بدنه العرضي المولود من امه نرجس فكلما يخالف [ص 364] ذلك باطل فقولهم انه في هورقليا متشابه و لاينافي هذا القول و حلّه منوط بحلّ معني هورقليا فانك اذا عرفت معناه تعرف كونه في هورقليا و اعلم ان هورقليا هو الجزيرة الخضراء و هي شمراخ و طيبة او يكون طيبة منزل في جبل شمراخ و هو في الجزيرة الخضراء و ليس كونه هنا منافيا لوجوده في جميع الملك كما كان الامر هكذا في حال ظهورهم فانهم كانوا بابدانهم في مواطنهم العرضية او موضع خاص من الارض و مع ذلك كانوا محيطين بالدنيا مطلعين عليها شاهدين و كانوا يظهرون لمن شاؤا في ابدان عرضية و كذلك الامر يومنا هذا بلا فرق و يكفي هذا القدر من بيان هذه المسألة و فيه الاشارات لاهله و بالجملة فالاحكام الثانوية لاتقتضي انقطاع الحجج بل افتتاح الخلق كان بالحجة و اختتامهم به ايضا و لايرتفع الحجة من الارض ابدا و ما ورد من ارتفاعهم قبل نفخ الصور باربعين يوما لايراد منه ارتفاع وجودهم فانهم احاطوا بجميع الملك و المحيط لايصعد و لاينزل و لكن المراد ارتفاع التدبير فانهم يوكلون الخلق حينئذ الي انفسهم ليموتوا كما ان الروح حين الموت يرفع نظره و تدبيره عن البدن و يتوجه الي الدماغ فاذا عرفت ذلك فاعلم انه لايمكن الفصل بين الحجتين ابدا فان غير الحجة كائنا من كان محجوج و المحجوج لايقوم مقام الحجة فكلما مات حجة او غاب لا بدّ من قيام حجة بلا فصل بعده و من قال بجواز الفصل قال بجواز الطفرة و قد عرفت انه محال فان معني الفصل كون زمان بلا حجة و لو كان قليلا و قد عرفت بطلان ذلك و بالجملة الادلة القايمة علي وجود الحجج لاتنحصر بل جميع ذرّات الوجود تدلّ علي ذلك و ان اردت احصاءها لطال بي المقال فاقتصر بما ذكرته .
في الامامة الخاصة و قد صار الامر في ثبوت امامة الاثنيعشر (ص) كالشمس في رابعة النهار و قد تكفّل الاصحاب لاثباتها بانواع الادلة و البراهين [ص 365] و لسنا بصدد ايضاح ما اوضحوه و تكرير ما بيّنوه و لكن محض عدم خلوّ كتابنا عن ذلك ايضا نبيّن بعض الادلة الظاهرية و الباطنية في المقام و ارجو من الله ان يلهمني بعض البراهين البديعة لذلك ان شاء الله ففيه فصول :
فصل - من الامور البينة ان من عرف وجه حاجة الخلق الي الامام و حكمة نصبه للانام لايكاد يشتبه عليه امر الامامة و لايجعلها لغير اهلها فان الله سبحانه وضع الامام في الخلق لفايدة مهمّة لايقدر علي ابرازها و اظهارها غير الامام و غيره يحتاج اليه و لايرفع حاجة نفسه و غيره و من شك في عدم صلاحية الغاصبين لحق الائمة عليهم السلام لعله من قلة معرفته و عدم اطلاعه علي اسرار ذلك فاقول اعلم ان الله سبحانه كان قبل الكون و الامكان و لميكن معه شئ مما كان فاوّل ما خلق ان خلق مشيته الكاملة الجامعة لجميع الكمالات الحاوية لكل الفضائل علي نحو البساطة و الكلية و خلق بها العقل علي طبق مشيته و مقتضي محبته فقال له ماخلقت خلقا احبّ اليَّ منك و لااكملتك الا في مَن احبّ ، و ليس ذلك الا لكونه طبق مشيته التي هي محبته و بعد ما اكمل خلقه امره بالادبار الي منتهي الخلق لملاحظة الانوار و مشاهدة الآثار فقال له ادبر فادبر بمقتضي الامر المفيد للوجوب و التكرار الي غاية الآثار التي ليس بعدها درجة و لا دونها مرتبة و هي مقام التراب الميت الذي لا حيوة له و لا شعور و لما وصل الي هنا في الادبار ناداه ربه ان اقبل اليَّ فشرع في الاقبال من طريق الادبار الا انه نزل مطلقا و صعد مقيّدا لسيره في العرصتين و ملاحظة الدورتين و وقوفه علي الطتنجين و نظره في المغربين و المشرقين و لا شك انه في كل عالم نزل تلبّس بلباس اهل هذا العالم و اتّصف بصفتهم و ترك صفته و بقيت في القوة و من هذا الباب ما تري في التراب من الموت و الجهل و النقص و عدم القدرة مع انه تنزّل العقل فهو في مقامه هذا بنفسه لايقدر علي الصعود و الخروج من قوة التراب فان المراتب العالية في قوته و القوة عدم صرف و في العدم لاترجّح و لا اقتضاء وجود [ص 366] الا بوجود مكمّل مرجّح و هو الفاعل المكمل فكل ما وجد في الملك مكمّل لصفة من الصفات التي فيه يخرجها الله من قوته بذلك و الا فلايكاد يخرج شئ من العدم ابدا فبحركة السموات و دورانها علي الارض يخرج من كمونها ما استجنّ فيها مما هو بالفعل في السموات و هي النباتية و الحيوانية و لااريد من الحيوانية محض الحيوة البهيمية و السبعية مثلا بل المراد الانسانية الكونية ايضا فانها من الحيوانية فبالافلاك يكمل القوي و المشاعر ايضا و لكن الانسانية الشرعية لاتخرج من جميع القوابل بهذه الافلاك و لذلك اختار الله في ملكه حججا اولي فعلية في صفة العقل الذي يريد الله اخراجه من كمون الارض ليكملوا القوابل و يخرجوا من بطونها ما فيها من مستجنات الفضايل فلا بدّ و ان يكون الحجج صاحبي العقول الكاملة و الا لماقدروا علي تكميل غيرهم و ذلك امر بديهي لا شك فيه فان الحرّ اذا لميبلغ حدّ الكمال لايسخّن البارد بل يصير مغلوبا له ان كان غالبا عليه و مكافئا ان كان مثله فلا بدّ من كمال الشئ في فعليته حتي يؤثر في غيره فلايجتبي الله سبحانه لتكميل العقول المستجنّة و الارواح الميتة و القوي الراقدة الا ذوي عقول كاملة و ارواح ثابتة فاذا ثبت لك هذا المطلب ببرهان الحكمة فانصف ان بعد رسول الله صلي الله عليه و آله هل كان عليّ اعقل الناس و اكملهم و اجمعهم لكمالات رسول الله او غيره من الثلثة الذين خالفوا ، لااظن احدا من العامة و الخاصة ان ينكر فضل اميرالمؤمنين عليه السلام علي غيره بل جميعهم مقرّون بذلك بل قال ابن ابيالحديد الحمد لله الذي قدّم المفضول علي الفاضل و ان عمر كان يقول لولا علي لهلك عمر و ان ابابكر كان يقول اقيلوني اقيلوني فان فيكم من هو اولي منّي بالخلافة و بالجملة من الامور الضرورية التي لايشك احد فيها ان عليا كان اعقلهم و اعلمهم و اقضاهم و اسبقهم اسلاما و ايمانا فهو اولي بان يكون مكمّلا بل لميدّعِ احد لابيبكر و عمر علما و لو كان يحتمل في ابيبكر علم و عقل لكانوا [ص 367] يستدلون بهما علي اولويته بالخلافة ، هذا و العامة عقلاؤهم لاينكرون اولوية اميرالمؤمنين بهذا الامر و لكنهم يقولون انه طوي عن الخلافة كشحا لفراغه للعبادة و ما رأي من الصلاح فاقرارهم باولويته لازم عليهم و ادعاؤهم انه ترك الخلافة عن رضا منه ادعاء لميثبت فلا شك ان بعد نبي الله سبحانه اولي الخلق بالولاية و الهداية اميرالمؤمنين لانه كان صاحب الفعلية في الامر الذي اراد الله من خلقه و لما كان مرادنا بيان الحقايق تركنا ذكر اقرار العامة و رواياتهم في فضله و كماله صلي الله عليه و قد تكفّل الاصحاب لبيان ذلك ثم ثبت بضرورة جميع المسلمين فضل الحسنين عليهما السلام من طرق الروايات و الدرايات و لميدع احد حتي من اعدائهم فضلا لغيرهم عليهم فهم المكملون لما ثبت ان المكمل هو الافضل الاسبق و كذلك فضل ساير الائمة الاطهار ظاهر كالشمس في رابعة النهار .
فصل - ان الامامة و الولاية صفة خفيّة لاتدرك بالابصار كما ذكرنا في النبوة فانها من الصفات النفسانية و لا بدّ من استنباطها من اسباب خارجية كنصّ من عالم بذلك او ظهور آثار مخصوصة الاتري انك برؤية زيد مثلا لاتعرف انه من العرب الا ان ينصّ عالم به علي عربيته او يتكلم بلحن العرب فتعرف انه منهم و كذلك لاتعرف زيدا بنفسه بمحض رؤيته الا ان يقول عارف به انه زيد او يظهر منه الآثار الخاصة بزيد و كذلك الامر في الامام فان الامامة ليست صفة ظاهرة علي الوجوه بل هي امر خفي فاذا نصّ رسول او امام معلوم الامامة علي امامة رجل فهو و الا فان ظهر منه الآثار المحكمة المختصة بالامامة فالتعويل عليها و الا فليس لاحد من الامة ان يعتقد بامامة احد من الخلق اذ هم لايعرفون و ان التعريف من الله و ليس للناس من الامر شئ في ذلك و الامر في واحدهم و الوفهم بالسواء فان جميعهم جاهلون بهذا الامر فاذا اجتمعوا برأيهم ايضا علي رجل انه امام لايقبل منهم اذ آحادهم لايعرفون الامام و كذلك جماعتهم [ص 368] فان اجتماع الجهّال و كثرة عددهم في رأي ليس دليل حقيّته فان ما كان مناط البطلان في واحد منهم يكون في جميعهم كما ان جميع البشر الجاهلين بصفة الجن لو اجمعوا علي قول واحد في حدّ الجن لايقبل ذلك منهم فان جميعهم يقولون عن رأيهم و لميقفوا علي حدّ الجن فرأيهم عليل و قولهم باطل و ان هم الا يظنّون و اما العالم بصفته بالمشاهدة او الرواية عن عالم صادق فقوله صحيح و رأيه متّبع و ان قيل ما تقول في قول رسول الله صلي الله عليه و آله لاتجتمع امتي علي ضلالة فاذا اجتمعوا علي شئ يكون حقا مطلقا اقول انه دليل علي عدم ارتفاع الحق من الامة لانه قد ثبت في الحكمة ان الحق لايرتفع من العالم و ساير الامم خرجوا من الحق بانكارهم لرسالته فانحصر اهل الحق في امته و هم جماعتهم لايجتمعون علي ضلالة اذ بذلك يلزم رفع الحق بالمرّة او ثبوته لغيرهم و كلاهما باطلان و لكن لايدل ذلك علي ان آراءهم حق فان آراء آحادهم فاسدة و من اجتماع آراء فاسدة لاينتج الحق لا محالة فلاتغفل فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامة بانفسهم لايعرفون الامام ابدا اذ ليسوا بانفسهم ائمة و لاينزل عليهم وحي من الله و لايطلعون علي الغيب و جميعهم في ذلك شركاء واحدهم و اكثرهم و جميعهم فلا بدّ و ان يكون امامهم منصوصا عليه بنصّ خاص من رسول الله صلي الله عليه و آله او يثبت امامته بظهور آثار الامامة منه و بغير ذلك لايثبت الحق سواءا اجتمعوا او تفرقوا فان اجتماعهم اجتماع جهّال و افتراقهم افتراق جهّال و حديث رسول الله صلي الله عليه و آله يدل علي عدم ارتفاع الامام الحق بالمرّة و اجتماع الامة علي امام ضلالة لا علي ان اجماعهم بنفسه دليل شئ فان ذلك امر مسلّم مشهود ان من اتفاق جاهلين لايتولد علم حق بل كلاهما باطلان و لو كان اجماع هؤلاء الجهّال الاقشاب دليل شئ لكان اتفاقهم علي عدم نبوّة الخاتم صلي الله عليه و آله دليلا مع ان جمعيتهم اكثر ، هذا و نقول علي فرض تسليم حقيّة اتفاق الامة قال رسول الله صلي الله عليه و آله جماعة امتي [ص 369] اهل الحق و ان قلّوا ، فليس مراده من الامة جميعهم و علي فرض ان نقول بقولهم ان مراده جميع الامة في الحديث اقول ان جميع الامة لميجمعوا علي خلافة ابيبكر بل بعضهم حضر في سقيفة و بعضهم لميكونوا هنا و بعضهم كانوا في اطراف البلاد و لميجمع جميعهم علي خلافته و حصل الاستقلال في خلافته يوما فيوما و لميكن البيعة بتراضٍ عن جميعهم و من كان عارفا بالسيرة يعلم ان اغلبهم تبايعوا خوفا و علي فرض ان نقول ببيعة جميع المتبايعين عن تراضٍ لميكن ذلك في وقت واحد بل كان تدريجيا و الاجماع التدريجي لايكون حقا اذ يرجع الكلام الي حقيّته قبل حصول الاجماع فان خلافة ابيبكر قبل حصول الاجماع هل كانت حقا ام لا فان كانت حقا فدليلها ماذا و ان كانت باطلا فاتفاق الناس حصل علي باطل ، هذا و علي فرض تسليم جميع ما يقال اقول لا شك ان عليا و الحسن و الحسين سلام الله عليهم و فاطمة عليها السلام و جماعة من الاصحاب لميتبايعوا مسلّما اولا و كان بيعتهم آخرا ايضا كرها فلميحصل اجماع و بالجملة جميع ما نقول محض مداراة و الا فاجماع الجهّال لايكون مناط شئ ابدا فان جميعهم جهال و آحادهم جهال و قول رسول الله صلي الله عليه و آله ان دل علي الاجماع يدل علي جميعهم و منهم الامام علي الحق اذ هو اول الامة و اصلهم و هو لايكون علي باطل بالبداهة فباجماع الناس لايعرف الحق ابدا فلا بدّ من نصّ رسول الله صلي الله عليه و آله علي وصيه و كذلك نصّ كل وصي في الملك علي وصي بعده شخصا او نوعا و لا بدّ من ظهور الآثار منهم اذا لميكن نص و لكن كلامنا هذا محض المداراة و الا فالنصوص قائمة و الآثار موجودة و الحمد لله فانظر بنظر الانصاف دون الاعتساف هل نصّ رسول الله صلي الله عليه و آله علي احد من الامة سوي علي عليه السلام لااظنّ احدا من الناس يقول انه نصّ علي احد غير اميرالمؤمنين عليه السلام و كذلك لميظهر الآثار و العلامات من غيره فان سألت الناس [ص 370] برُمّتهم حرّهم و عبدهم و ذكرهم و انثاهم و صغيرهم و كبيرهم من كان بعد رسول الله صلي الله عليه و آله صاحب المعجزات و الدلالات و الآيات البينات ليقولن علي بن ابيطالب عليه السلام و لان سألتهم من كان اولي بالولاية ليقولن علي بن ابيطالب عليه السلام و بذلك يتم الكلام فان المنكر بنفسه اذا اقرّ بالمدعي فلا سبيل له الي الانكار و كذلك امر النص و الادلة في ساير الائمة عليهم السلام اوضح من الشمس في رابعة النهار .
فصل - نصوص النبي صلي الله عليه و آله علي امامة الائمة صلوات الله عليهم اكثر من ان تعدّ و الخصم مقرّ ببعضها و لكن نريد بحول الله و قوته ان نبيّن هذا الامر العظيم من كتاب الله سبحانه فاعلم ان المجمع عليه بين جميع المسلمين يومنا هذا كتاب الله فان الخاصة و العامة جميعهم يقرّون به و قد قام ضرورة الاسلام بحجيته فانه حجة الله بيننا و سبيلنا الي السماء و لا محيص لاحد من الاقرار به فاذا ثبت امر بالكتاب المستطاب ليس لاحد ان ينكره و قد تكفّل ابي العلامة و استاذي الفهامة لاستخراج هذه المسألة المعضلة من كتاب الله عز و جل بما استدل به من بعض الآيات فاقول ثبت لنا من كتاب الله سبحانه انه لا بدّ من وجود الحجة بين الناس دائما و لايهلك الله احدا الا باقامة الحجة عليه قال الله تعالي و ماكان ربك مهلك القري حتي يبعث في امها رسولا يتلو عليهم آياتنا و ماكنا مهلكي القري الا و اهلها ظالمون و قال لله الحجة البالغة و الحجة البالغة لا شك انها لاتقوم بمحض قيام حجة يوما مّا و خلوّ الارض بعده عنه و كذلك قال و ان من امة الا خلا فيها نذير فلا بدّ من ان يبعث النذير الي جميع الامم و قال يوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك شهيدا علي هؤلاء فعرفنا من ذلك ان كل امة من الامم لهم شهيد و الخاتم شهيد الشاهدين و قال و يوم نبعث من كل امة شهيدا ثم لايؤذن للذين كفروا و لا هم يستعتبون و امثالها عديدة فعرفنا من هذه الآيات الكريمة [ص 371] انه لا بدّ من وجود حجة شهيد لله في كل عصر و زمان و لو لميكن الامر هكذا للزم العبث او الظلم و الله سبحانه نفي عن نفسه الظلم في آيات و اثبت لنفسه الحكمة في آيات فلايظلم عبيده ابدا و لا حجة لاحد من الخلق علي الله سبحانه بل له الحجة عليهم دائما ثم انا نظرنا في الامة فرأينا جماعة يدعون ان رسول الله (ص) هو الحجة و من بعده كتاب الله و احاديثه حجة فنظرنا في ذلك ايضا الي كتابه انه قال انما انت منذر و لكل قوم هاد فعرفنا ان في الخلق هداة من بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و رأينا انه يقول مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و قوله و الراسخون ان كان كلاما مستأنفا ينحصر علم الكتاب بالله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به و لا بدّ حينئذ من مفسّر من عنده و هو الهادي و ان كان عطفا علي الله فهم يعلمون تأويل الكتاب و الله لا غير فبكلا الاحتمالين ينحصر الامر بهم اي الذين يعلمون فبصريح الكتاب لايقوم الكتاب حجة الا بوجود مفسّر و هو العالم به و قال الله هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون فهم لايستوون عند الله مسلّما فالعالم حجة علي الجاهل و الهداة هم العلماء المهديون لا محالة لقوله أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون فثبت بهذا الدليل القطعي البتي ان الهادي من كان مهتديا و بعد رسول الله صلي الله عليه و آله هداة مهديون بالبداهة و يجب علي جميع الناس ان يتبعوهم و هم المؤمنون الذين قال الله و من يتبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولي ثم اردنا ان نعرف صفة الهداة المهتدين من كتاب الله فرأينا انه قال و الله لايهدي القوم الكافرين و كذلك قال و الله لايهدي القوم الفاسقين و قال ان الله لايهدي من هو كاذب كفّار و قال ان الله لايهدي من هو مسرف كذّاب و قال ان الله لايهدي كيد الخائنين و قال فان الله لايهدي من يضلّ و اذا نظرت في هذه الآيات و غيرها مما في معناها تعرف صفة من هداه الله فانك تري انه نفي [ص 372] هدايته عن الكاذبين و الظالمين و الخائنين و الفاسقين و من عمومها تعرف ان غير المعصوم لايكون مهتديا فان كل من هو غير المعصوم ظالم و ان لميظلم الا نفسه فانه يشمله اسم الظالم و كذلك الخائن و الفاسق امرهما ظاهر فهم غير مهتدين و قد قال تعالي الذين آمنوا و لميلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن و هم مهتدون فغيرهم لايكون مهتديا و من يهدي من اضلّ الله و من لايكون مهتديا لايكون هاديا لقوله تعالي ان الله لايهدي من يضلّ فكيف يهدي الي الله و قد اضلّه و قال قل أندعو من دون الله ما لاينفعنا و لايضرنا و نردّ علي اعقابنا بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران له اصحاب يدعونه الي الهدي ائتنا قل ان هدي الله هو الهدي و امرنا لنسلم لرب العالمين فمن هداه الله لايتبع الشيطان و لايتحير في دينه ابدا و هو اولي بان يكون هاديا من غيره و قال أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي ثم بعد ما نظرنا في كتاب الله وجدنا انه جعل الهدي صفة الانبياء و جعلهم ائمة للناس و قال و نجيناه و لوطا الي الارض التي باركنا فيها للعالمين و وهبنا له اسحق و يعقوب نافلة و كلا جعلنا صالحين و جعلناهم ائمة يهدون بامرنا و اوحينا اليهم فعل الخيرات و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة و كانوا لنا عابدين فهذا صفة الهادين و هم الائمة و قال و لقد آتينا موسي الكتاب فلاتكن في مرية من لقائه و جعلناه هدي لبنياسرائيل و جعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون فظهر من هذه الآية ان هذه الائمة الهداة هم الصابرون الموقنون و قال و وهبنا له اسحق و يعقوب كلا هدينا و نوحا هدينا من قبل و من ذريته داود و سليمان و ايوب و يوسف و موسي و هرون و كذلك نجزي المحسنين و زكريا و يحيي و عيسي و الياس كل من الصالحين و اسمعيل و اليسع و يونس و لوطا و كلّا فضلنا علي العالمين و من آبائهم و ذرياتهم و اخوانهم و اجتبيناهم و هديناهم الي صراط مستقيم ذلك هدي الله يهدي به من يشاء من عباده [ص 373] و لو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون اولئك الذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين اولئك الذين هدي الله فبهديٰهم اقتده قل لااسئلكم عليه اجرا ان هو الا ذكري للعالمين فظهر من هذه الآيات الكريمات ان الهداة من سنخ انبياء الله و هم المجتبون و يجب الاقتداء بهم و بالجملة بعد ذلك راجعنا كتاب الله فوجدنا انه خصّ الامامة بجماعة موصوفين بصفات خاصة و قال و اذ ابتلٰي ابرهيم ربّه بكلمات فاتمهنّ قال اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين فظهر من هذه الآية ان الامامة مخصوصة بجماعة خاصة لا كل احد و هم المهتدون الهادون المجتبون لا غير فظهر من هذه الآيات الكريمات ان الامامة مخصوصة بالمعصومين و غيرهم لايليق بذلك فانه ظهر لك انها شأن الانبياء و الاوصياء لا غير و اذا نظرت في هذه الامة وجدت ان احدا لميدع العصمة لاحد الا لهذه الجماعة المخصوصين حتي ان العامة لميدعوا العصمة لائمتهم الداعين الي النار و ائمتنا صلي الله عليهم بانفسهم ادعوا العصمة لانفسهم و سددهم الله علي ذلك ثم بعد ما نظرنا في كتاب الله رأينا انه تعالي اجاب دعاء ابرهيم عليه السلام فجعل منهم ائمة يهدون الي الله تعالي حيث يقول آتينا آل ابرهيم الكتاب و الحكمة و هم من الاميين الذين قال الله هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكّٖيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة فهؤلاء من الاميين و لا شك ان جميعهم لميكونوا مسلمين و ان كانوا من آل ابرهيم و قد قال و من ذريّتنا امة مسلمة لك فهذه الصفة مخصوصة بجماعة عيّنهم في الآية قال ربنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريّتنا امة مسلمة لك و ارنا مناسكنا و تبْ علينا انك انت التواب الرحيم ربّنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و يزكّٖيهم انك انت العزيز الحكيم و من يرغب عن ملّة ابرهيم الا من [ص 374] سفه نفسه و لقد اصطفيناه في الدنيا و انه في الآخرة لمن الصالحين اذ قال له ربّه اسلم قال اسلمت لرب العالمين و وصّي بها ابرهيم بنيه و يعقوب يا بنيّ ان الله اصطفي لكم الدين فلاتموتن الا و انتم مسلمون فظهر من هذه الآية الكريمة ان هذه الجماعة الذين خصّهم الله بالكتاب و الحكمة ليسوا جميع الاميين و لا كل العرب بل هم طائفة بعث الله فيهم رسولا فهؤلاء ليسوا من بنياسرائيل لان الآية في دعاء ابرهيم و اسمعيل فهم من آل اسمعيل و لا من ساير العرب لانهم ليسوا من المجتبين الذين آتاهم الكتاب و الحكمة كما مرّ في الآية السابقة فانك قد عرفت ان الكتاب و الحكمة مخصوصان بالصالحين المجتبين و المجتبون هم الانبياء كما صرّح الله بذلك في مواضع من كتابه فمن الاميين من ذرية ابرهيم جماعة مخصوصون بهذه النعمة و هم الذين بعث الله فيهم الرسول و قد ظهر لك مما بيّناه سابقا من الذكر الحكيم ان الكتاب و الحكمة مخصوصان بالهداة و هم المعصومون و هم ائمة و ظهر هنا ايضا ان الرسول منهم فبعد ما نظرنا في كتاب الله وجدنا انه تعالي قال انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا و قد ثبت باجماع الناس ان الآية مخصوصة باهل البيت و نزل في اهل الكساء فهم المعصومون الطاهرون المطهرون و الرسول مبعوث فيهم لا غير فهم ائمة يهدون بامر الله و وجدنا رسول الله صلي الله عليه و آله نص عليهم لا غير بالامامة و نزل من عند الله تعالي قل لااسألكم عليه اجرا الا المودة في القربي و قال و آتِ ذا القربي حقه فغير اهل الكساء من ساير الذرية داخل في الآية ايضا و هم من اهل البيت لان الله امر بمودتهم و ايتائهم حقهم و خرج غير الاثنيعشر منهم بالاجماع و لانهم ليسوا مطهرين معصومين فليسوا ائمة و الائمة هم الجماعة المخصوصون فافهم و قرّ به عينا فان ذلك مما منّ الله به علينا دون ساير الناس و اما عددهم فقد ظهر مما ذكرنا سابقا و سنة [ص 375] الله جارية لاتتخلف فهم اثناعشر لا محالة ثم اردنا ان نعرف من كتاب الله اول خلفائه من الائمة عليهم السلام فوجدناه يقول انما وليّكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون و قد ثبت بالاجماع ان مقيم الصلوة و مؤتي الزكوة حال الركوع هو علي عليه السلام فهو الولي و نزل يوم نصب عليا بالخلافة اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قد قال قبل ذلك بلّغ ما انزل اليك من ربك و ان لمتفعل فمابلّغت رسالته و قال رسول الله في معناه بلّغ ما انزل اليك في عليّ ، او كانت الآية في نزولها هكذا و سرق الناس اسمه منها فالامر مخصوص به و قال ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله و لايرغبوا بانفسهم عن نفسه و نفس رسول الله علي عليه السلام بنص آية المباهلة حيث قال و انفسنا و انفسكم فحرام علي الناس ان يتخلفوا عن رسول الله و يرغبوا عن نفسه هذا و تري علانية ان الله انزل هذا صراط عليّ مستقيم علي كون عليّ اسما و لكن الناس قرأوا محض العداوة علي المعروف مع انه لايستقيم المعني الا بكلفة كما لايخفي علي العاقل ثم ان الامامة بعده ثابتة في ذريته لقوله تعالي و الذين آمنوا و اتبعتهم ذريتهم بايمان الحقنا بهم ذريتهم و ماالتناهم من عملهم من شئ كل امرئ بما كسب رهين و لا شك ان عليا عليه السلام اول المؤمنين و اذا كان هاديا للامة بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و امامهم و وليهم يكون ذريته ملحقين به في مقامه و لولا ساير الآيات و النص و ما نزل في ولد نوح انه ليس من اهلك لثبت بهذه الآية الامامة لجميع الذرية و لكن خرج من خرج منهم بالدليل فانه مرّ من دعاء ابرهيم و اسمعيل من ذريتنا امة مسلمة لك فبعضهم ملحقون بهم لا كلهم بنصّ الآية و البعض هم المتبعون له و للنبي علي الحقيقة لقول ابرهيم من تبعني فانه مني و التابع الحقيقي هو المعصوم و آية التطهير [ص 376] مخصوص ببعض الذرية لا جميعهم فبعض ذرية علي ملحقون به لا كلهم و لا شك ان بينهم لميثبت صفات الهداة الا للائمة صلوات الله عليهم فانهم الصادقون و الله سبحانه لايهدي الكاذبين و الصادقون في زمان رسول الله (ص) هم علي و فاطمة و الحسنان عليهم السلام بنص آية المباهلة اذ قال فنجعل لعنة الله علي الكاذبين فاهل الصدق الواقعي بلا ارتياب هم الذين دعاهم للمباهلة و هم هم مسلّما فهم المهديون و كذلك نزل آية التطهير اولا فيهم فهم الذين هداهم الله و اجتباهم و اصطفاهم و امرنا في كتابه بان نكون مع الصادقين و قال بهداهم اقتده فهم الائمة لا محالة فبعد علي عليه السلام الامامة في ولده و لا شك ان الحسن (ع) اولي بالامامة بعد علي عليه السلام لقول الله اولوا الارحام بعضهم اولي ببعض و قوله السابقون السابقون اولئك المقربون فالحسن اول الائمة بعد ابيه ثم يثبت بعده للحسين عليه السلام و هكذا من بعده في ذريته الي القائم عليهم السلام و اما عدم ثبوته في ولد الحسن عليه السلام بعده فلسبق الحسين عليه السلام عليهم و السابقون السابقون اولئك المقربون و اولويته بقربه من رسول الله صلي الله عليه و آله و من بعده لمينتقل الي ولد الحسن لقوله تعالي و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا و وليه بعده اولاده ، هذا و من الباقر عليه السلام الي آخر الائمة كلهم من ذرية الحسنين عليهما السلام لان ام الباقر عليه السلام بنت الحسن عليه السلام و اما فضل الائمة علي فاطمة عليها السلام مع انها من اهل البيت فلقوله تعالي الرجال قوامون علي النساء و قوله فضّل الله المجاهدين علي القاعدين درجة و بوجه آخر نقول ان الله تعالي يقول فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا ففي كل امة شهيد و في هذه الامة مسلّما شهيد و لما كان من يوم بعث النبي الي يوم القيمة شرعه دائما و لا بدّ من وجود شهيد في كل امة فلا بدّ من تعدد الشهداء في امته و كل احد لايليق بالشهادة [ص 377] بل هي شأن المعصوم المطهر عن جميع الذنوب و قد قال الله تعالي في المعاملات الظاهرية و اشهدوا ذوي عدل منكم فكيف يرضي بشهادة غير العادل في هذا الامر العظيم و الخطب الجسيم مع ان جميع امر القيامة يرجع الي شهادة الاشهاد و قد عظّم الله القيامة بقوله يوم يقوم الاشهاد فالشهيد من كان معصوما مطهرا عالما حكيما و قال الله في ذم طائفة مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متّخذ المضلين عضدا فمن اشهده الله هو الهادي و غيره ضالّ فهو مضلّ و بالجملة فلا بدّ في الامة من شهيد و هو العدل المعصوم لما ذكرنا و لقوله و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و الامة الوسط هم العدول المعصومون لا شرقيون و لا غربيون و هم في هذه الامة من آل ابرهيم لقوله تعالي و جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم و ماجعل عليكم في الدين من حرج ملّة ابيكم ابرهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس فاقيموا الصلوة و آتوا الزكوة و اعتصموا بالله هو موليٰكم فنعم المولي و نعم النصير و لا شك ان المراد من هذه المسلمين و المخاطب بهذه الآية غير عامة الناس و قرائن ذلك في نفس الآية و في غيرها موجودة منها قوله جاهدوا في الله حق جهاده فان غير المعصوم لايقدر علي ذلك و الله سبحانه يقول لايكلف الله نفسا الا وسعها و ذلك فوق طاقة الناس الاتري في قوله اتقوا الله حق تقاته ان الله نسخه بقوله اتقوا الله ما استطعتم فالناس مكلفون بالجهاد في سبيله بقدر استطاعتهم و آلمحمد مكلفون بحق المجاهدة و هكذا قوله ليكون الرسول الي آخر تري في قوله نبعث من كل امة شهيدا الي آخر و في هذه الآية ان الرسول شاهد الشهداء و الشهداء هم الامة الوسط و الهادون لا المضلّون و كذلك قال اجتباكم و ذلك مخصوص بالانبياء و قد عدّهم الله في عداد انبيائه قال ثم اجتباه ربه فتاب عليه و قال [ص 378] اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم و ممن حملنا مع نوح و من ذريّة ابرهيم و اسرائيل و ممن هدينا و اجتبينا اذا تتلي عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجدا و بكيّا و قال ايضا بعد ذكر جماعة من الانبياء و ذرياتهم و اجتبيناهم و هديناهم و قال في يوسف كذلك يجتبيك ربك و يعلّمك من تأويل الاحاديث و لا شك ان الله لايعدّ الامة الذين يعصون ربهم و لايطيعونه مثل الانبياء و لايجتبي الا المصطفين الاخيار قال ابرهيم من تبعني فانه مني فهؤلاء المجتبون هم الذين قال الله بعد ذكر الانبياء و من آبائهم و ذرياتهم و اخوانهم و اجتبيناهم و هديناهم الي صراط مستقيم فظهر من ذلك ان المراد غير ساير الائمة فالاسلام المذكور غير اسلام ساير الناس بل هو صبغة الله و دينه و دعا ابرهيم و اسمعيل ان يجعل الله بعض ذريتهما امة مسلمة و قال الله عز و جل قل ان صلوتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت و انا اول المسلمين و لا شك انه ليس في عداد الامة و قال الله قد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم و هذه الانفس انفس المسلمين الذين هو اولهم و بالجملة قال في هذه الآية ايضا هو موليٰكم و لا شك ان الله اولي بالمعصوم و الا للزم ان ينسب اليه السيئات ايضا و تري انه نسب جميعها الي الشيطان و قال صريحا في آية اخري الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات و قال ذلك بان الله مولي الذين آمنوا و ان الكافرين لا مولي لهم و قال في مقام آخر فاليوم لايؤخذ منكم فدية و لا من الذين كفروا مأويٰكم النار هو موليٰكم و بئس المصير و لا شك ان المؤمن الحقيقي هو المعصوم و عليّ اميرهم فقوله هو موليٰكم شاهد علي ان المخاطب غير العاصين و كذلك قوله نعم النصير قال الله ان تنصروا الله ينصركم و الناصر الحقيقي هو المعصوم و بالجملة فهؤلاء المسلمون هم [ص 379] شاهدون و هم الامة الوسط و هم ولد ابرهيم و رسول الله اولهم لقوله انا اول المسلمين و لا شك انه اول الائمة و قد مرّ سابقا ان الكتاب و الحكمة في ذرية ابرهيم و قال الله ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا و المصطفون هم المعصومون و هم بنص القرآن ذرية رسول الله فهم الداعون الي كتاب الله و وارثه فهم ائمة الناس يدعون الي ما انزل الرسول به و هو الكتاب و الحكمة و بالجملة مرادي محض القاء الكليات و الا فيمكن الاستدلال علي امامتهم بآيات كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و كذلك يمكن الاستدلال ببواطن القرآن علي اشخاصهم سلام الله عليهم و لكن مرادي الاستدلال بالظواهر مع الاختصار فاقتصرت بما ذكرت و قد استدل ابي الاستاذ (اع) علي ذلك بآيات اخر في كتابه الشريف المسمّي بالفطرة السليمة و ان شئت فراجع .