اصل - اعلم ان الله سبحانه حكيم بلا شبهة لما نري من آثار حكمته فانك اذا رأيت مقدار ساعة معتدلة في الغاية و نظرت فيه بتدبّر و وجدت جميع الفلكات مصوغة علي ما ينبغي و موضوعة في حدّها و مقامها و كل فنر و فاندول و مسمار و ملوي فيه علي ما ينبغي و يدور كل يوم في غاية الاعتدال تقول ان صانعه حكيم و ان لمتره و لمتعرفه بل انت تعرفه بمحض انك تري دورانه [ص 330] في كل يوم و ليلة بالاعتدال فضلا من ساير الحكم الملحوظة فيه و كذلك بعد ما نظرت في هذا الفلك الدوّار و النجم السيّار و الكرسي الكُبّار مع ما فيه من منازل و بروج مركوزة فيه و لاتري له من فروج و ساير ما فيها من الآثار العجيبة و القرانات الغريبة التي يتحيّر الالباب و تبحر العقول في درك جزء من جزئيات صنعته و ما تري في هذا الهواء المتراكم الزخّار من انواع الحكم و التدابير التي لايبلغها افهام الاخيار فضلا من ساير اولي الايدي و الابصار و ما بينها من انواع الطيور المختلفة بالوان مختلفة و هيئات غير مؤتلفة و صفات متشتتة فابيض و احمر و اصفر و اخضر و مركب من الوان و كبير و صغير ذو صفيف و دفيف و غيرها مما لو عدّها الحكيم لرجع تائها متحيرا و هو حسير و كذلك في خلق الارض في هذا المزاج و اللون و الوضع الحكيم مع ما فيه من جبال راسيات و معادن عجيبات و النباتات و الحيوانات و الاناسي التي خلقها من اعجب العجاب لتيقنت بحكمته تعالي من غير شبهة و من لميتيقن بذلك لايكون الا لضعف علمه و قصر نظره او لعدم يقينه بنفس الصانع و اما من كان عارفا به لايكاد يشكّ في هذا الامر العظيم و الخطب الجسيم فاذا عرفت حكمته تعالي اقول هل يتصوّر في حكيم هكذا ان يكون فعله لغوا و عبثا ، ما هكذا الظن به تعالي و لايصدر منه فعل هكذا و هذا صنع العابث اللاغي فضلا من انه تعالي احد و الاحد بنفسه لايقتضي فعل شئ ابدا اذ لا اقتضاء له كما مرّ و سيجيء فجميع ما يفعله بعباده ليس الا بحسب اقتضاء المقتضيات و هي لاتقتضي خلاف الحكمة فان الحكمة وضع الشئ في موضعه و اللغو ما هو بخلاف ذلك فلا مقتضي في الملك لللغو اي لايقتضي وجوده مكانا فالله لايفعل بعباده اللغو بل لما كان فعله بمقتضي القوي القريبة فلايفعل بهم الا الاصلح بحالهم و شأنهم فجميع فعله موافق للحكمة بلا شبهة و لا كلام و ذلك مما لايشتبه علي احد من الخلق .
[ص 331] اصل - بعد ما ثبت انه لميخلق الخلق الا لفائدة نقول ان غاية الغايات و منتهي الفوايد المعرفة و الوصول الي اعلي الدرجة و سائر الفوايد الملحوظة كلها موصل اليها مثلا نقول خلق الله الشمس لفوايد منها ان يخلق بحرارتها النبات من الارض و خلق النبات لان يكون غذاءا للحيوان و خلق الحيوان لينتفع به الانسان لان يتقوي علي العمل و يسعي في سلامة نفسه ليكون عاملا في ارض الله و يعرف حكم انواع الخلق ليزيد فكره و يقوي مشاعره ليزيد عقله ليزيد عبادته ليخرج من قوته فؤاده ليعرف ربه و يصل الي جوار قربه ثم لا فائدة لذلك غير نفسه لانه غاية الغايات و فائدة الفوائد و لما كان هو المنتهي نقول مطلقا انه الفائدة الكلية ثم لا شك ان الحكيم لايلاحظ الا غاية يمكن الوصول اليها و اسباب الوصول اليها ايضا في ملكه مجتمعة و لو كان غير ذلك لخرج عن حاصل الحكمة هذا و هو حكيم قادر يري الغاية و يقدر علي ان يخلق خلقا يصل اليها و لميخالف اياها بقدرته و حكمته فالخلق يقدرون علي الوصول الي هذا المقام الخطير من غير نكير غاية الامر انه لايحصل لهم الا من بابه و ربما يسلك الجهّال في سبيل من غير الباب الذي جعله الله فلايصلون اليه و يزعمون انه لايمكن الوصول الي المطلب و قد ابي الله الوصول من غير الباب و لايسبق مشية الخلق مشيته و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و اما اذا دخلت اليه من بابه لوصلت الي مرادك .
اصل - من اعظم الاسباب للوصول الي الغاية العلم بكيفية السلوك فان الانسان ما لميعلم ذلك لايقدر علي السلوك الي ربه و لا شك ان الخلق خلقوا من غاية البعد الابعد و ان نزلوا من القرب الاقرب و لميكن يمكن غير ذلك فان الخلق المتكثر منشأه من غاية البعد و غايةُ القرب مقام الاتحاد و الانبساط و لذلك نقول نزلوا متوحدا و صعدوا متكثرا و ان اردت ان تعرف ذلك فانظر [ص 332] في النبات فان الله سبحانه هو الزارع للنبات بنص القرآن و قد انزله من سماء مشيته الي هذه الارض في صورة واحدة و هيئة متحدة و هي المطر المشهود المرئي فاخرج من بعد ذلك من الارض الوانا مختلفة من الثمار و الاشجار و الازهار و الاوراد و غيرها فافهم ذلك و سيجيء بعد في السلسلة الطولية بسط هذه المسألة فمعدن الاختلاف الاسفل و خلق الله الخلق منه كما تري و لا شك ان التراب الذي هو امّ جميع الخلق ميت لا حيوة فيه و جاهل لا علم له و لا عقل و بعد ما ترقي الي عرصة النبات لايزيد الا حيوة نباتية و يحصل له الادراك بقدر ذلك و بعد ما ترقي الي الحيوان يزيد حيوانية و ادراكا بقدرها ثم لايصعد بهذه الاسباب الموجودة فوق ذلك اذ لا بدّ من ان يكون المكمل كاملا في صفة حتي يخرجها من قوة المتكمل و ليس في هذه السموات الظاهرة فعلية سوي الحيوانية و ما سمعت من قولنا ان الحيوة مخصوصة بفلك القمر و ساير الافلاك فعليات ساير المشاعر و الكرسي فعلية نفس الانسان نريد من ذلك غيوبها لا ظواهرها فانها في الظاهر حيوانات سايرة فلا بدّ من وجود مكمّل لاستخراج ساير المستجنات في القوابل و ليس ذلك الا الحجج و الانبياء اذ هم اصحاب الفعليات الكاملة اعني ان من كان صاحب فعلية كاملة حقة هو الحجة و يجب علي الناقصين الرجوع اليه للاشتعال بنوره و فعليته و لو لميفعلوا لبقوا كالبهايم هايمين كما تري في الناس المعرضين عن حجج الله صلوات الله عليهم ثم ان درجات المكملين مختلفة فمنهم من لا فعلية له سوي الانسانية و منهم من صعد من هذه الدرجة و المرتبة الي عالم الارواح الملكوتية فصار نبيا و منهم من صعد الي العقل فصار اماما و خاتما و هكذا و هم المكملون للقوابل الناقصة و الارواح الراقدة في قبور ابدان الناس و اذا بلغهم اصوات الدعاة يحشرون منها حفاة عراة مجيبة دعوة الداع و بغير ذلك لايمكن تكميل القوابل الميتة .
اصل - قد عرفت مما مضي سابقا ان الله ذات احدية و الاحد لاينتهي [ص 333] الي شئ و لايحدّ بشئ فان كل محدود محدود بغيره مما في عرضه و كل من هو هكذا يحاط لغيره لا محالة و ربنا فوق كل شئ و لايحيط به شئ و هو الذي احاط بكل شئ علما فلا بدّ و ان يكون ظهوراته و آياته غير متناهية الي آية غيره و لا معدودة فان دليله آياته فاذا انتهت الي غيرها لدلّت علي رب محدود متناهٍ الاتري انك لمتجد الماء المطلق و لكنك بعد ما وجدت افراده متناهية الي افراد التراب عرفت ان نفسه متناهية الي التراب المطلق و كذلك من جميع حالات المياه المقيدة تستدل علي حالات الماء المطلق و لاتزعم من تمثيلي ذلك ان الله سبحانه مطلق و الخلق افراده و لكنه تعالي لايكون مقيّدا بقيد الاطلاق و التقييد بل امره اعظم من ذلك فلكونه تعالي احدا ظهوراته و آياته غير متناهية و كذلك نقول ان الاحد لايتناهي ظهوراته في العداد ايضا فلا بدّ و ان يكون انواع ظهوراته متكثرة فانه ان كان ظهور الواحد الجامع من سنخ واحد لا شك انه يدل علي كونه مصوّرا بهذه الصورة اذ لو كان صورته فوقها لكان افراده متضادّة الاتري الي الماء الذي ذكرناه في التمثيل انا لما وجدنا كلما ظهر فيه الماء جسما باردا رطبا و لميظهر في غيره عرفنا ان ذلك صورته اذ لو كان فوق الطبايع الخاصة لظهر في اخواته ايضا و لكن العنصر الكلي لكونه فوقها ظهر في جميعها و لكنه لميظهر في السموات و اما الجسم المطلق فلكونه فوق جميع الافلاك و العناصر و ظاهرا في جميعها عرفنا انه لايكون مصوّرا بصورة واحدة منها فهو لايكون محدودا بالسماوية و الارضية فبالمضادة بين الاجسام الجزئية عرفنا انه لا خصوصية له منها فاذا كان الامر هكذا في آياته تعالي فكيف الامر فيه تعالي و لذلك قال عليه السلام بمضادّته بين الاشياء عرف ان لا ضدّ له ، فآيات الاحد جل شانه و تعالي غير متناهية في العداد فلا بدّ و ان يكون في خلقه من اسناخ مختلفة و انواع متشتتة بل لا بدّ و ان يكون من كل سنخ اثنان و ذلك قوله تعالي و من كل شئ خلقنا [ص 334] زوجين و قال ثمانية ازواج من الضأن اثنين و من المعز اثنين قل آلذكرين حرم ام الانثيين اما اشتملت عليه ارحام الانثيين نبئوني بعلم ان كنتم صادقين و من الابل اثنين و من البقر اثنين الآية ، و ذلك لانه لو كان كلها من سنخ الذكر لدل علي ذكوريته و لو كان الكل من سنخ الاناث لدل علي انوثيته بل لميرض الا انه خلق الوحشي و الاهلي حتي يدل علي خروجه من كل حدّ بل جعل صور الافراد مختلفة متضادة ايضا لتدل علي احديته و بالجملة ليس المراد بسط هذه المسألة و لكني اردت ان لايخلو كتابي من بيانها فنرجع الي ما كنا بصدده فاقول لو كان الملك محتويا علي الحق من غير باطل لدل علي كونه محدودا بالحق و لو كان محتويا علي الباطل لدل علي كونه محدودا به مع انه منزه عن كل صورة فلا بد و ان يكون في الملك حقا و باطلا و نورا و ظلمة ثم ان لذلك جهات اخري و حيوثا اشرنا الي بعضها في غير المقام فهو الذي خلق النور و الظلمة و الخير و الشر و كل شئ و لايكون محدودا بشئ .
اصل - اعلم ان الله عادل و من عدله ان لايظلم احدا و لايجبرهم فلو خلق خلقه بحيث لايقدرون علي اكتساب الحق او الباطل للزم من ذلك اجبارهم فان العبد لايملك الا ما ملّكه الله سبحانه فان خلقه علي صورة الحق لايقدر علي اكتساب الباطل و بالعكس بل لو جعل واحدا منهما اغلب فيه مع وجود ضدّه للزم من ذلك جبرهم اذ الخلق يشتاق بطبعه الي ما هو الغالب فيه و يصعب عليه الاتصاف بغيره فلذلك خلقهم بصورة الامكان فقبل الدعوة لايكون احد مؤمنا و لا كافرا بل هو شخص قابل للهداية و عدمها فزيد يوم ولد مثلا يمكن ان يكون مؤمنا و كافرا و عالما و جاهلا و كاملا و ناقصا و مشية الله ايضا تعينه و تساعده في جميع الاحوال فسبحانه و تعالي ما احكم خلقه و اتقن صنعه و لكن الكل في قوة العبد فلايملك بالفعل شيئا منها و هو بنفسه لايقدر [ص 335] علي اخراج شئ منها من القوة الي الفعلية فلا بدّ في الحكمة و العدل ان يجمع اسباب الجميع في الملك و من اعظم الاسباب وجود المكمل فلا بدّ و ان يكون مكمل للحق و مكمل للباطل اعني حجة من عند الله يهدي الي الرشد و حجة من الشيطان يغوي الي الهلاكة و العبد يكون مختارا بمشية الله المختارة المساعدة له في طلبهما و لو كان الامر بخلاف ذلك للزم الجبر فلذلك جعل الله في ملكه داعِيَيْن امامين امام حق و امام باطل دايما الي يوم يستخرج جميع مستجنات الصدور فاذا ختم العمل يهلك الباطل لاجتثاثه و يقوم الحق لبقائه و ثباته و ذلك من القضاء المحتوم الذي لايغيّر اذ ذلك مقتضي عدله و لايتغيّر عدل الله سبحانه ابدا .
اصل - كما انه يجب ان يكون داعيان قائمان في ملك الله يجب ان يكونا معروفين يعرفهما كل مكلف بصفتهما و لو لميكن الامر هكذا لماتم الحجة و ان الله سبحانه صاحب الحجة التامة الكاملة كما قال في كتابه لله الحجة البالغة و قال اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قال قد تبين الرشد من الغي و لا شك ان الحق و الباطل خارجان من الامور البدنية فانهما من الامور النفسانية و لايمكن التوصل اليها الا بالادلة فان الامور الظاهرية مكشوفة محسوسة بالحواس ملموسة بالاخماس و يدركها جميع الناس فان الذكورة تعرف من الانوثة بالعين و اللمس و الناس لايحتاجون في معرفتهما الي دليل غير نفسهما و كذلك السواد من البياض و الوجاهة من القباحة و هكذا نعم من فقد مشعر شئ ربما يستدل عليه بالادلة فان من ليس له عين مثلا يستدل علي طلوع الصبح بصوت الديك و اذان المؤذنين و امثال ذلك من انواع البراهين الخارجة و الداخلة و اما من كان له عين فاذا تبيّن له الخيط الابيض من الخيط الاسود يعرف ان الصبح طالع و اهل الكشف دايما مهديّون و اهل الدليل غالبا ضالّون [ص 336] لايعرفون و اما الصفات النفسانية فامور خفية لاتظهر لاهل الاسماع و العيون الا ان يكون الانسان من اهل النفس فيعرفها و اما اهل المشاعر الظاهرة فاستدلالهم عليها بالادلة الخارجية المدركة بها و لذا لاتكاد تعرف حسن الخلق الا بما تراه من حالات الشخص من ظاهر بدنه و كذلك لاتعرف سوء الخلق الا بما تشاهده من حالاته و هكذا العلم و الذكر و الفكر و ساير الصفات النفسانية و منها الحقيّة و البطلان و النبوة و الامامة و الوصاية و النقابة و النجابة فان كل واحدة منها تعرف من ضدّها بالصفات و العلامات الظاهرة فاطلب في جميع هذه الموارد الدليل حتي تهتدي الي سواء السبيل و لذلك قال الله تعالي قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين .
اصل - مقتضي عدل الله سبحانه ان يجعل صفات كل مدعٍ بالباطل شبيهة بقرينه من الحق فان كان الشخص مدعيا للنبوة بالباطل لا بدّ و ان يأتي بصفات باطلة شبيهة بصفات الانبياء في الجملة و كذلك ان ادعي الامامة بالباطل و هكذا و لكن ذلك في الفتنة الكبري و البلية العظمي و اما اذا لميرد الله ذلك فربما يدعي النبوة من لايعلم الهر من البر كما ادعي السامري الربوبية لبقرته المصنوعة من زينة القوم و لكن ربما يدعي احد النبوة بالباطل و يأتي بسحر عظيم كما فعل مسيلمة او يدعي الامامة و يسند اليه بعض خوارق العادات بل ادعي فرعون الربوبية و ظهر منه التأثير في النيل .
و وجه آخر ان الله سبحانه جعل الداعين بالباطل لان يقبل اليهم الناس الذين خلقوا للباطل و لو كان اهل الباطل في الدنيا موصوفين بما يليق بهم من الجهل و الحماقة و العجز و الفسوق و العصيان و غيرها لمابقي لاحد عذر يتمسك به في الاقتداء بهم بل لميكونوا يقتدرون علي ذلك لان للناس حوائج كثيرة لا بدّ من وجود مَن يقضيها لهم و لو كان اهل الباطل علي ما يليق بهم من العجز لماقدروا علي الرجوع اليهم و كانوا يأتون اهل الحق طوعا او كرها كما تري انه اذا غلب الحق يوما [ص 337] يقبلون الناس اليه و لو بالنفاق و بذلك لايحصل مراد الله فانه يريد ان يميز الخبيث من الطيب و اتمام الحجة فلذلك قدّر الله ان يكون اهل الباطل مشابهين لاهل الحق في الجملة و لذا تري فيهم زهّادا عبّادا مرتاضين علماء و لكنهم مع ذلك اهل الباطل و ليس زهدهم و عبادتهم الا لغير وجه الله و رياضتهم اما للرياء و السمعة او محض الوصول الي بعض الدركات من جهة الباطل فان في مقابلة كل سماء ارضا و مقابل كل جنة نارا الا الجنة الثامنة فانها لا مقابل لها لانها فوق الاضداد و ان جميع ما في عرض الاضداد له قرين من انيته لا محالة و لذلك قال عليه السلام انما سمّيت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق ، و قال لمفضل في علامات ظهور الامام عليه السلام ما معناه انه يقوم اعلام كلها تشبه الحق ه ، فلاجل ذلك لايطمئن نفس الانسان باغلب البراهين فان المعجزة مثلا في الصورة الظاهرة تشبه السحر كما كان في سحرة فرعون و موسي و كذلك سحر ساير السحرة و كذلك في العلم بالنسبة الي العلماء مثلا فربما يأتي المدعي بالباطل بعلوم باطلة تبحر منها العقول و يعجز عن الاتيان بمثلها الفحول كما تري في مميتالدين ابنعربي فانه لايقدر علي الاتيان بمثل ما اتي من العلوم من طريق الحق الا النجيب الكامل فكيف يمكن الاستدلال بهذه الامور الظاهرة علي الحق مع هذه الفتنة العمياء نعم من تراكم الادلة ربما يحصل القطع للانسان بحقيّة احد و لكن لايقدر علي دركها كل احد كما اثبتنا نبوة شخص الخاتم بالادلة القطعية و بعد تراكمها لايشك العاقل في نبوته و لكن بواحدة واحدة من الادلة كيف يطمئن القلب و يسكن النفس فانا اثبتنا مثلا بالادلة ان الخاتم اسمه محمد صلي الله عليه و آله و لايلزم من ذلك ان كل محمد خاتم اذ ربما يشاركه في اسمه غيره من اهل الباطل بل ربما يشاركه في اسم ابيه و امه و لكن لايمكن ان يقوم احد يجمع جميع الصفات المختصّة بالخاتم و يكون اسمه محمدا و احمد و محمودا و اسم ابيه عبدالله و اسم امّه آمنة و جدّه [ص 338] عبدالمطلب و هاشما و عمه اباطالب و ابن عمه و وصيه و زوج ابنته و ابي ذريته عليّا و يكون من العرب و يقوم من مكة و يهاجر الي المدينة و يدعي النبوة و يأتي علي وفق دعواه من العلوم و المعجزات و ينزل عليه الكتاب و لايكون خاتما و لكن تراكم هذه الادلة لايحصل الا عند آحاد الناس في ازمنة طويلة و لا شك انه اذا قام النبي او الامام او حجة من الحجج و اظهر دعوته و اتي ببينته يجب علي خاص الامة و عامها التسليم له و الاقرار بنبوته و القبول منه و لذا نقول لا عذر لاحد من الناس في الاقرار بحجية كل حجة اظهر امره هكذا و الوقوف بعد بالاعذار غير المشروعة حرام و نري اناسا يسمعون دعوة رجل الي الامام و يظهر امره و يقيم حجته و مع ذلك يتوقفون في امره بمحض الخيالات الناشية من الماليخوليا مثل انه ربما يكون جاهلا و يظهر العلم او يكون فاسقا و يظهر الزهد فالواجب علينا التوقف في امره حتي يتراكم الادلة فانه ربما لايتراكم الادلة لاحد بل سبيل اليقين امر آخر اسهل و اهنأ من جميع ذلك و ان كنت عارفا بالسيرة تعرف شاهد ما ذكرنا في ان الخاتم صلي الله عليه و آله بعد ما قام بالامر قال اني رسول الله ثم اتي بمعجزته يعني القرآن و ساير ما اتي من المعجزات لميكن الا محض التفضل و الا لميكن واجبا عليه الاتيان بغير القرآن ثم من آمن به سمّاه مؤمنا و من لميؤمن به اِما قتله او حكم عليه بحكم خاص و نجّسه و اذلّه و لو كان الصبر الي تراكم الادلة جايزا لصبر عليهم لا محالة و كذلك الحال في جميع الحجج بل الامر اسهل و اهنأ فان النبي اثبت حقيّته بالاعجاز ثم نص علي خلفائه سلام الله عليهم فهم لايحتاجون في اثبات حقيّتهم الي برهان غير نص النبي و جميع ما يطفح منهم من الآثار العجيبة لميكن الا محض تفضّل علي الناس او لانها من لوازم الامامة فان السراج اذا استخلف سراجا يكون له نور لا محالة نعم ربما كانوا يحتاجون الي المعجزات للذين لميروا النبي و لميحصل لهم اليقين بنبوته [ص 339] بالاخبار و الا فامر الوصاية في حدّ نفسه يثبت باثبات النبوة و كذلك الامر في حججهم و خلفائهم من شيعتهم فانهم لايحتاجون في اثبات امرهم الي برهان سوي ان الحجة امرنا بالرجوع اليهم نعم لتمييز الصادق منهم من الكاذب وصف الامام اهل الحق منهم و الباطل فكل من وجدناه موصوفا بما وصف الامام من علامات الحق نقبل منه بلا عذر كما نصّ لنا عليهم بهذا اللفظ و قال لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرّنا و نحملهم اياه اليهم و بالجملة طال المقال لتذكير الرجال في الجملة بقدر ما يقتضيه الحال و الا فليس هذا المقام محل بسط هذه المسألة و مرادنا محض بيان ان الصفات مشابهة في الجملة و ان لميكن بينها مشابهة تامة فان السراب يشبه الماء في بريقه و لمعانه و العطشان البعيد يشتبه عليه الامر فلا بد من فارق بتّي فوري يحصل به القطع بحقية اهل الحق و ذلك لان الله هو المعلم و لايعلم احد الحق من الباطل سواه و هو يهدي السبيل و يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و قال لنبيه صلي الله عليه و آله انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء فلا بدّ في الحكمة ان يدل عبده الي الحق و قد ورد اخبار كثيرة في ان المعرفة من صنع الله و لايعرف احد شيئا الا بالله فلا بد من ان يوضح السبيل و يهدي الي الرشد فانا نري ان العالم الشيعي الحق يبيّن العلوم و يقف علي الرسوم و يعبد الله تعالي و العالم السني ايضا هكذا في الصورة الظاهرة فبمحض العلم و العبادة لانهتدي الي الحق و كذلك في الاكبرين نبينا صلي الله عليه و آله قام بالنبوة و تفل في البئر فنبع ماؤه و مسيلمة لعنه الله ادعاها و تفل في البئر فغار ماؤه و لا فرق بين النبع و الغور في كونهما خارق عادة بمحض التفل و ان كان النبع في نفسه اشرف و السحرة القوا حبالهم و عصيّهم فاذا يخيّل اليه من سحرهم انها تسعي و موسي القي عصاه فاذا هي حيّة تسعي و بحسب الظاهر لو لميكن غلبة موسي عليه السلام [ص 340] لميكن فرق في رؤية الناس و ان كان في الواقع امر السحرة محض التخييل و سحر اعين الناس و امر موسي واقعا كما هو ظاهر من صورة الآية و الله سبحانه قد ابي ان يري الحق باطلا و الباطل حقا و لو فعل هكذا لمااتّضح حجته و لمابقي له حجة علي عباده اذ هم لايعرفون من قبل انفسهم فتدبر في مطاوي هذه الكلمات حتي تعرف المخرج من هذه البلية العظمي و الداهية الكبري و انه ينحصر امرك في ان تقول ان الله اتمّ الحجة بايضاح المحجة او تقول انه رضي منا في معرفة الحق بادلة ظنية لاتسمن و لاتغني من جوع او تقول انه تعالي لميرد منا شيئا و خلقنا لنأكل و نشرب و نلهو و نلعب و نتبع من شئنا فاختر لنفسك ما تحلو فانه لايحصل اليقين يومئذ بحقية الخاتم و غيره بمحض هذه الادلة المعروفة فردا فردا فانك ان قلت ان موسي ضرب بعصاه الحجر فانبجست منه اثنتاعشرة عينا يقول المدعي ان فرعون لعنه الله اجري النيل بعد ما انقطع ماؤه و ان قلت ان الخاتم مثلا انطق الحصي يقول ان اهل الافرنج بالشعبذة يظهرون نظائر ذلك و هكذا كل هذه الادلة ادلة عادية لاتوصل الانسان الي اليقين الا بما منحنا الله سبحانه بفضله و جوده فنقول ان الله جعل لاهل الحق علامة و لاهل الباطل علامة و ان كانتا شبيهتين في الجملة و لكنه يسدد اهل الحق و يؤيّدهم و يخذل اهل الباطل و يدحضهم .
اصل - نتبرك اولا بذكر آيات تدل علي تسديد الله جل شأنه الحق و اهله و خذلانه الباطل و اهله و ان الله لايخلف الميعاد ، قال الله تعالي انه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة و مأواه النار و ما للظالمين من انصار فاذا لمينصر الله المرء و لا رسله و لا ملئكته و لا احد من اوليائه يخذل ، و قال تعالي و من اظلم ممن افتري علي الله كذبا او كذّب بآياته انه لايفلح الظالمون فاذا لميفلح المفتري و صار ظالما بذلك يفتضح و يظهر بطلان امره مسلما ، و قال سبحانه يريد الله ان يحق الحق بكلماته و يقطع دابر [ص 341] الكافرين ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون ، و قد ورد في تأويل هذه الآية انه يريد ان يفعل ذلك و لميفعل بعد و لميرد الامام (ع) منه ان الله لميحق الحق فان الله يحق الحق دائما و لكن اراد ان احقاق اليوم باتمام حجته و انارة برهانه و ابطال الباطل بادحاض حجته و سيأتي يوم يقطع دابرهم اي نسلهم فلاتري في الارض غير المؤمن و حينئذ يحق الحق كاملا و انما يريد ان يفعل ذلك و لمايفعل ، و قال كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم و شهدوا ان الرسول حق و جاءهم البينات و الله لايهدي القوم الظالمين اولئك جزاؤهم ان عليهم لعنة الله و الملائكة و الناس اجمعين خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب و لا هم ينظرون فاذا لميهدهم و اضلهم و لعنهم و طردهم كيف يشتبه امرهم فان الملعون علي لسان الله و الملائكة و الناس يظهر جميع قبائحه و لايختفي امره ابدا ، و قال سبحانه أجعلتم سقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله و اليوم الآخر و جاهد في سبيل الله لايستوون عند الله و الله لايهدي القوم الظالمين و الاستدلال بها مثل الآية السابقة ، و قال سبحانه أتقولون علي الله ما لاتعلمون قل ان الذين يفترون علي الله الكذب لايفلحون متاع في الدنيا ثم الينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون فمن افتري علي الله لايفلح ابدا فلايشتبه امره نعم يعيش في الدنيا الدنية اياما ثم يدخل نار جهنم ، و قال تعالي فلما القوا قال موسي ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و يحقّ الله الحق بكلماته و لو كره المجرمون فقد صرّح تعالي انه سيبطل السحر و لايصلح عمل المفسدين ابدا و يحقّ الحق و يثبته و ذلك ميعاده فانت اذا رأيت ثبوت امر احد و بطلان امر معانديه فاعرف من ذلك بطلان المعاندين لان الله لميصلح امرهم ، و قال تعالي ذلك ليعلم اني لماخنه بالغيب و ان الله لايهدي كيد الخائنين و ذلك استدلال يوسف علي [ص 342] برائته من الخيانة فقال اني لو كنت خائنا ماكان الله ليهديني و يفلح حجتي بانطاق الصبي و اراءة الآيات و اقرار النسوة و اقرار زليخا علي نفسها فهذه اسباب الهداية و ثواب المهتدين و الهداية الي طريق السلامة ثم اعلم ان الهداية امر مطلق شامل للامور الدنيوية و الاخروية فاما الهداية في الدين فان يهدي الله احدا الي دينه الحق الذي ارتضاه لعباده المؤمنين و يعينه و ينصره علي طلب الحق و الهداية في العلم ان يهدي الانسان الي العلم الحق و يهديه الي سواء السبيل و يكشف له عن المبهمات و يحلّ له المعضلات و الهداية في الدنيا ايصاله الي اسباب الثبات و النجاة و الدوام و العزة و الخير بالحجة و الهداية في الآخرة الظفر بالجنة و لقاء الله و الآيات السابقة و الآتية تدل علي عموم الهداية فالله سبحانه يهدي المصلح بجميع انواع الهداية ، و قال الله تعالي ان الذين لايؤمنون بآيات الله لايهديهم الله و لهم عذاب اليم انما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله و اولئك هم الكاذبون فبعد ما عرفت معاني الهداية تعرف ان الذين لايؤمنون بآيات الله لايهديهم الله و لهم عذاب اليم فلايثبت امرهم و لايقيم عوجهم و لايقويهم و لايعينهم و لايدخلهم الجنة و هكذا ، و قال سبحانه و الق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ان ما صنعوا كيد ساحر و لايفلح الساحر حيث اتي فالساحر مطلقا لايفلح حيث اتي و الساحر مطلق يعم النمّام لانه (ع) قال اكبر السحر النميمة فلايكاد ينجو الساحر لانه لا فلاح له ابدا ، و قال سبحانه ان الذين يحادّون الله و رسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم و قد انزلنا آيات بينات و للكافرين عذاب مهين فكل من حادّ الله و رسوله مخزي و كل من ادعي بالباطل من المحادين لا محالة فاذا رأيت احدا يدعي بحضرة الله و لميخزِه فاعلم ان ذلك المدعي علي الحق بحسب عدته و لو كان باطلا لأخزاه علي حسب وعده و ليس اخزاؤه في كل مقام بقتله و انفصام عمره بل يكفي ادحاض حجته و اظهار بطلانه [ص 343] بايّ نحو امكن ، و قال و من اظلم ممن افتري علي الله الكذب و هو يدعي الي الاسلام و الله لايهدي القوم الظالمين يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون و هو ظاهر في ان الله سبحانه يتم نوره اي يكمله يوما فيوما و يظهره و المفتري اظلم من كل احد و قد قال هنا و مرّ سابقا ان الله لايهدي القوم الظالمين فكيف بالاظلمين ، و قال قل جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وجه الاستدلال ان الباطل مطلقا لايقاوم الحق فبمحض طلوع شمس الحق يزهق ليل الباطل ، و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون وجه الاستدلال انه لا بدّ و ان يدمغ الحق الباطل و يهلكه بقوة برهانه و غلبة حجته و لايتبين الحق عن الباطل و الرشد من الغي و لايقوم لله حجة الا بذلك ، و قال تعالي و جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فاخذتهم فكيف كان عقاب ، و ان قيل ان ذلك اخبار عن صنعه بهم و بايّ دليل تجري الحكم في كل مقام اقول الاتري قوله تعالي فكيف كان عقاب فيظهر من ذلك ان عقابه تعالي لمن يجادل بالباطل لادحاض الحق ، هذا و قد قال تعالي سنة الله التي قد خلت من قبل و لنتجد لسنة الله تبديلا و لنتجد لسنة الله تحويلا ، و قال و ما امرنا الا واحدة فلايتغيّر حكم ذلك بحكم الآية ، و قال سبحانه و لو تقوّل علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من احد عنه حاجزين و ذلك في الحقيقة استدلال النبي صلي الله عليه و آله علي حقيّته و يدل ذلك علي انه لميتقول علي الله و كان صادقا و لو تقوّل لاخذ بيمينه بتضعيف برهانه و اظهار بطلانه و اخذ وتينه و كل مَن هذا شانه يفعل به الرب هكذا هذا و نري ان انبياء الله في استدلالهم استدلوا بمشاهدة الله دعوتهم و لايريدون من ذلك محض رؤيته اذ ربما كان مسلما عند بعض المخالفين و لا محض عقابه في الآخرة فانه لايفيد فائدة في الدنيا فانهم كانوا يدعون الناس [ص 344] الي انفسهم في الدنيا و العاقل لايدعو الناس الي نفسه بدليل اني لو كذبت ليعذبني في الآخرة اذ ربما يقول ذلك الكاذبون ايضا و لايفيد فائدة و لكن مرادهم من الاستدلال بعلمه و مشاهدته انه يري و يظهر بطلاننا اذا كنا من المبطلين فعلم الله سبحانه بحال الداعين و المدعوين شاهد صدق و دليل محكم قال الله سبحانه و اسرّوا النجوي الذين ظلموا هل هذا الا بشر مثلكم أفتأتون السحر و انتم تبصرون قال ربي يعلم القول في السماء و الارض و هو السميع العليم فابان صلي الله عليه و آله ان الله يعلم قولي و هو سميع به عليم فلو علم انه سحر كان عليه ابطاله و ازهاقه و مع ذلك تهديد لهم انكم اذا اسررتم و تناجيتم بالاثم لئلايطلع عليه المؤمنون يعلمه الله فيعذبكم بذلك ، و قال كفي بالله شهيدا بيني و بينكم انه كان بعباده خبيرا بصيرا و من يهدِ الله فهو المهتدي و من يضلل فلنتجد لهم اولياء من دونه فاستشهد علي حقيّته بشهادة الله و رؤيته لهم ، و قال حكاية عن رسل عيسي و القوم قالوا ما انتم الا بشر مثلنا و ماانزل الرحمن من شئ ان انتم الا تكذبون قالوا ربنا يعلم انا اليكم لمرسلون فاستدلوا علي حقيّتهم و صدق دعواهم بعلم الله سبحانه فبعد هذه الآيات لايبقي شك في ان الله يسدد اهل الحق و يدحض اهل الباطل .
اصل - في سرد بعض الاخبار الواردة في المضمار و لايضرّنا الاستدلال بها في مثل المقام بعد ثبوت امامة الائمة صلوات الله عليهم ببركتهم في غير المقام و لايلزم من ذلك دور و اعلم ان الاخبار الدالة علي تسديد اهل الحق كثيرة متواترة في انواع مختلفة و كذلك الاخبار الواردة في ابطال الباطل و انا اذكر من كل نوع بعضا روي في اكمال الدين عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال ابي الله ان يعرّف باطلا حقا ابي الله ان يجعل الحق في قلب المؤمن باطلا لا شك فيه و ابي الله ان يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقا لا شك فيه و لو لميجعل هذا هكذا ماعرف حق من باطل ، اقول بعد ما ابي الله فلايطمئن قلب [ص 345] المؤمن بالباطل و لايكاد يعرف الحق باطلا و كذلك الكافر لايكاد يتيقن بباطله و لكن ذلك في بدأ امرهم قبل ان يطبع علي قلوبهم و لكن اذا طبع علي قلوبهم و زاغوا بغلبة الاغراض و الامراض و غيرتهم الاعراض يشتبه عليهم الامر و عنه في قول الله عز و جل و اعلموا ان الله يحول بين المرء و قلبه قال يحول بينه و بين ان يعلم ان الباطل حق و عنه قال لايستيقن القلب ان الحق باطل ابدا و لايستيقن ان الباطل حق ابدا ، و هذا ايضا حكم بتّي و ذلك نوع من تسديد الله سبحانه انك اذا رأيت ان قلبك لايسكن ببطلان احد و تتزلزل فيه دايما مع خلو قلبك عن العرض و المرض و عدم ثبوت برهان من عند الله علي بطلانه فاعرف انه حق من عند الله و من هذا القبيل ورد غير ما رويناه ايضا و نحن نروي بعضا من كل نوع و سمع عليه السلام يقول ان مما اعان الله علي الكذّابين النسيان انتهي ، فالحمد لله علي هذه النعمة و بعد ذلك كيف يشتبه امر الكاذب بالصادق و ذلك امر مجرب ان الكاذب لايكاد يتّحد قولاه فانت اذا سألته اليوم عن مسألة يجيب بجواب كذب و اذا سألته غدا عنها بعينها يجيب بخلاف قوله و اما الصادق فقوله دايما مأخوذ من اصل و لايتكلم الا من عند ربه فقوله دايما واحد و عنه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال ان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا فما وافق كتاب الله فخذوا به و ما خالف كتاب الله فدعوه و قال ابوعبدالله عليه السلام خبر تدريه خير من عشر ترويه ان لكل حق حقيقة و لكل صواب نورا و عنه انه قال للزنديق الذي سأله من اين اثبتت الانبياء و الرسل قال انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا متعاليا عنا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا لميجز ان يشاهده خلقه و لايلامسوه فيباشرهم و يباشرونه و يحاجّهم و يحاجّونه ثبت ان له سفراء في خلقه يعبّرون عنه الي خلقه و عباده و يدلونهم علي مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه جل و عز [ص 346] و هم الانبياء و صفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس علي مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب في شئ من احوالهم مؤيدين عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر و زمان فما اتت به الرسل و الانبياء من الدلايل و البراهين لكيلايخلو ارض الله من حجة يكون معه علم يدل علي صدق مقالته و جواز عدالته ، انظر الي كلامه عليه السلام فانه جعل من علامة الرسول كونه مؤدبا بالحكمة مؤيدا بها فالنبي لايخالف الحكمة في مورد من الموارد و جميع امره و فعله و حالاته موافق للحكمة و كذلك يقول حجة يكون معه علم الخ ، فالرسول الحق له علامة يعرف بها و لايشتبه امره ابدا و قيل له جعلنا الله فداك قوله تعالي و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم قال يا بامحمد خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله يخبره و يسدده و هو مع الائمة عليهم السلام يخبرهم و يسددهم ، اقول بهذا المعني اخبار متواترة فاذا كان النبي مؤيدا بروح القدس لايكاد يشتبه امره بغيره و كذلك ورد اخبار في انه كان مع الانبياء و الاولياء و ينطق من لسانهم فلايشتبه امر الحق ابدا و عن ابيجعفر عليه السلام ان روح القدس لاتلهو و لاتلعب فلايشتبه امر اللاعب و اللاهي به و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول لبعض اصحاب قيس الماصر ان الله عز و جل ادّب نبيه فاحسن تأديبه فلما اكمل له الادب قال و انك لعلي خلق عظيم ثم فوّض اليه امر الدين و الامة ليسوس عباده فقال عز و جل ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهيٰكم عنه فانتهوا و ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان مسددا موفقا مؤيدا بروح القدس لايزل و لايخطي في شئ مما يسوس به الخلق فتأدب بآداب الله و عنه قال و ماعلم رسول الله صلي الله عليه و آله ان جبرئيل من قبل الله عز و جل الا بالتوفيق [ص 347] انتهي ، فاذا رأيت احدا يدعو الي الله و يوفّقه الله و يمدّه باقامة حجته و انارة برهانه و ترقيته في العلم و الحكمة فاعلم انه من عند الله و لو كان من عند غير الله لابطل امره و لميوفقه و من تفسير الامام عليه السلام في ضمن قوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك الآية ، في محاجّة رسول الله صلي الله عليه و آله لليهود يا اخوة اليهود ان الدعاوي يتساوي فيها المحقون و المبطلون و لكن حجج الله و دلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين و تبيّن عن حقائق المحقين و رسول الله محمد لايغتنم جهلكم و لايكلفكم التسليم له بغير حجة و لكن يقيم عليكم الحجة التي لايمكنكم دفاعها و لاتطيقون الامتناع من موجبها الي ان قال : فهذا رب العالمين قد وعدني ان يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم و يزيد في بصائر المؤمنين منكم قالوا قد انصفتنا يا محمد فان وفيت بما وعدت من نفسك من الانصاف و الا فانت اول راجع من دعواك النبوة الحديث ، انظر كيف استدل صلي الله عليه و آله علي حقيته بالتسديد و التقرير من الله تعالي و رضي بذلك اليهود و كذلك يجب علي كل احد ان يرضي عن انبياء الله بتصديق الله و كفي به حاكما و نصيرا و عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام في خبر يذكر فيه الائمة و هم المعصومون المطهرون الذين لايذنبون و لايعصون فهم المؤيّدون الموفّقون المسددون بهم يرزق الله عباده و بهم يعمر بلاده و بهم ينزل القطر من السماء الحديث ، و قيل للرضا عليه السلام ان في سواد الكوفة قوما يزعمون ان النبي لميقع عليه السهو في صلوته فقال كذبوا لعنهم الله ان الذي لايسهو هو الله الذي لا اله الا هو قيل قلت يا ابن رسول الله و فيهم قوم يزعمون ان الحسين بن علي لميقتل و انه القي شبهه علي حنظلة بن اسعد الشامي و انه رفع الي السماء كما رفع عيسي بن مريم و يحتجون بهذه الآية و لنيجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا فقال كذبوا عليهم غضب الله و لعنته فكفروا بتكذيبهم [ص 348] النبي اخباره بان الحسين بن علي سيقتل والله لقد قتل الحسين و قتل من كان خيرا من الحسين اميرالمؤمنين و الحسن بن علي و ما منا الا مقتول و انا والله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني اعرف ذلك بعهد معهود اليَّ من رسول الله اخبر به جبرئيل عن رب العالمين و اما قول الله عز و جل و لنيجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا فانه يقول و لنيجعل الله لكافر علي مؤمن حجة و لقد اخبر الله عن كفار قتلوا النبيين بغير الحق و مع قتلهم اياهم لميجعل الله لهم علي انبيائه سبيلا علي طريق الحجة ، فظهر من هذا الحديث الشريف ان التسديد و التأييد باقامة الحجة و ان لايغلب باطل علي الحق في البرهان لا المال و الاولاد و العمر و السلطنة بل يصير اهل الحق في يد اهل الباطل مقهورين مظلومين مقتولين و مع ذلك هم منصورون بظهور حجتهم و حقيّة علمهم و عملهم فلاتغفل و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و اري جماعة يستدلون علي ابطال حق ذي حق بموته و فقره و بلائه و لا دلالة في شئ من ذلك علي بطلانه بل اهل الحق دايما مبتلون و البلاء هدية الله اليهم و لميكن نبي و لا وصي الا و هو مبتلي بنحو بلاء و اشدّ الناس بلاءا نبينا و ائمتنا و لميكن ذلك الا لتقربهم من الله و لكن الشأن في قوة برهانهم و عزّة اسمائهم انظر الي شريعة نبينا صلي الله عليه و آله انها تتقوي يوما فيوما و يتضعف غيرها حتي ان اعداءه يصدقون بحقيّة احكامه مع انه كان مظلوما و اولياؤه كانوا مغصوبين مظلومين و جميع الرواة عنهم كانوا في هذا الحال و مع ذلك بلغ امرهم الي اعنان السماء و ان شئت ان تعرف مثل ذلك علانية انظر الي احمد بن زينالدين اعلي الله مقامه في اعلي عليين انه قام لنشر فضايل ساداته و اعلان حكمتهم و اسرار علومهم بلا ناصر و لا معين و لا قرابة و لا عوين و لا مال و لا سلطان و لا سيف له سوي حق البرهان و لميصدّقه الا جماعة قليلة من المؤمنين و انكره الاكثرون و المنكرون كانوا افواجا و لهم جميع اسباب القوة في الدنيا من الجاه و المال [ص 349] و الاولاد و القبايل و كان بعضهم مجتهدين اولي فتاوي و احكام و قد جمعوا و عزموا علي ابطال امره بانواع الاقسام حتي انهم تمسّكوا باهل السنة و الجماعة لذلك و مع ذلك نصره الله و اعزّ جنده و هزم الاحزاب وحده فاظهر امره و ادحض حجة اعدائه و قطع دابرهم و لميبق منهم عالم مطاع و لا كتاب معمول به و لا مرشد مرتاض و لا حلقة من مردتهم و لا برهان يفيد لاحد شيئا و اظهر يوما فيوما بطلان قول علمائهم و اغراض مقلديهم و اعلي يوما فيوما اسمه و اوضح حقيّته حتي صار اعداؤه مادحيه يومنا هذا ، و الفضل ما شهدت به الاعداء ، و بالجملة فهذا معني التسديد لا ما زعمه الناس و كذلك اليوم انظر الي حال الناس فاخرج من بينهم كل من لايصلح للعلم الحق طائفة بعد طائفة حتي ينحصر الامر لك في طلبة العلم فاخرج منهم كل من عاداه و خالفه اذ ثبت لك حقيته و بطلان معانديه فينحصر الامر في الطلاب من احبائه فاخرج منهم من لايصلح لان يعدّ من العلماء فلايبقي لك الا اناس معدودن فانظر فيهم فكل من وجدته بنفسه مذبذبا حيرانا لايقف علي قول و رأي و لايظهر الله منه علما كافيا و برهانا قاطعا فاخرجه من الحلقة و كذلك اخرج منها كل من تكلم بما ظهر لك بطلانه من الكتاب و السنة و ضرورة المذهب و خالف مراد شيخنا و لميقف علي علمه و هكذا تعرف حال كل احد حتي تقف علي من يتبع شيخه حذو النعل بالنعل و القُذّة بالقُذّة و يظهر العلم و الحكمة و يري منه آثار التوفيق ساعة بعد ساعة و آثار الزيادة و الترقية في العلم و الحلم و الزهد و الورع يوما فيوما و انفصام حجج مخالفيه يوما فيوما و خوف الناس منه و ارتعاش الناس من سطوته فذلك هو الحق من ربك و معرفته للقلوب السليمة اسهل من شرب جرعة من الماء اذا دخلت من بابه و بالجملة كان مرادنا رواية الاخبار علي نهج الاختصار و اخبار الباب اكثر من ان تحصي فثبت و الحمد لله بالكتاب و السنة ان اهل الحق مسددون مؤيّدون .
[ص 350] اصل - اذا عرفت بالبرهان ان الله تعالي يسدد الحق و اهله فاعرف حقيّة نبينا و صدق دعواه بتسديد الله ايّاه و الاشارة الي وجه تسدده و تأيّده لتنبيه الغافلين و ايقاظ الراقدين انه صلي الله عليه و آله قام بامره في فترة من الرسل و طول هجعة من الامم و الناس بين يهود و نصاري و مجوس و عبدة الاوثان و الاحجار و الاشجار و البهائم و كفّار غافلين لايقرّون باله و كلهم مع ذلك جاهلون غافلون و لايطلب احد منهم دينا الا اقل قليل منهم و كانوا معاندين للحق و اهله و انت تري آيتهم في يومك هذا ان الناس بطبعهم معاندون للحق مرافقون لجميع الخلق و لو لميكونوا علي منهاجهم كما تري علانية جماعات من الذين تسمّوا بمسلمين و تلبسوا بلباس المؤمنين مختلفين في الآراء و العقايد منازعين في الامور حتي انك لو كشفت عن ضمائرهم لرأيت بعضهم اعداء بعض و مع ذلك كلهم مجتمعون في عداوة الحق فاذا ذكرت عندهم الحق و اهله يتفقون مع عداوتهم و منازعتهم و مخالفتهم علي اطفاء نور الحق فتحسبهم من شدة اتفاقهم علي ذلك جميعا مع ان قلوبهم شتّٰي فاذا كان هذا حالهم بعد تربية الاسلام و دخولهم بحسب الظاهر في حوزة اهل الايمان فما ظنك بحال جماعة لميشاهدوا نبيا و لميروا وليا و عاشوا كالبهائم حياري تائهين و تقلدوا لآبائهم و اتبعوا آراءهم حتي ان عداوة جماعة منهم للحق كان في حدّ كانوا يتجسسون عن النبي في صغره ليقتلوه لما اخبرهم اهل الكتاب و الكهنة بكونه نبيا هذا قبل بعثته فما ظنك بحاله بعد بعثته فعاش بين جماعة هكذا و هو يتيم وحيد فريد لا اب له و لا ام و لا اخ و لا اخت و لا ناصر و لا معين و جميع اعمامه و اقربائه من قريش و بنيهاشم كانوا اعداءه الا ابوطالب و بعض ولده و حمزة و خديجة و الباقون دايما كانوا بصدد قتله و اذيته بل رجموه مرّة بالاحجار و شتموه كرّات و عدّوه مجنونا و حبسوه في بعض جبال مكة و منعوا عنه الطعام و الشراب و كانوا يمنعون الناس عن ملاقاته و استماع قوله و هكذا آذوه بانواع الاذي [ص 351] فانصف في نفسك في حال هكذا هل جري العادة بحياة الانسان فضلا من علوّ اسمه و ظهور امره لا شك في انه لو لميكن ما كان لميبق حيا بل كان ينبغي ان يموت من الجوع و العطش فضلا من سائر الصدمات مع انه صلي الله عليه و آله كان في حال الفقر و الفاقة بحيث لميكن له مال بقدر ان يصرف في معاشه او اهبة سفره في هجرته و مع ذلك كله انظر كيف نصره الله و اعزّه و اعلي اسمه و اذلّ عدوه فقتل كبار اعدائه بيده و جعلهم عبيده و اماءه خرج من مكة فردا و رجع يوم فتح مكة في حال فرّ الاكابر من خوفه كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة و علا سلطانه بحيث لميبق في الارض سلطان الا ذلّ له الا اقل قليل و فتح له البلاد و سخر له العباد و قد جعل بنات السلاطين اماءا لادني رجل من امته و قد جعل الكتاب الذي كانوا يعدّونه سحرا حرزا يحترز به السلاطين العظام و شرعه فوق جميع الاحكام ، انظر الي آثار تسديد الله و تأييده انه هكذا ينصر عبده فمن ذلك اعرف انه الحق من عنده تعالي و كذلك بهذه القاعدة السديدة تعرف حقيّة كل من يدعي امرا فان رأيت ان الله نصره فاعرف انه الحق و اعلم انه لايلزم تسديد الباقين بهذه القاعدة و قد مرّ سابقا ان التسديد الشايع الجاري في جميع المسددين تسديد دليلهم و برهانهم و لكن النبي لكونه مبدءا و صاحب شريعة لو لميتسلّط علي الخلق و لميركب علي اعناقهم لميكن يظهر امره و ينتشر حكمه هذا و لو قتل باسيافهم لماقام للاسلام عمود و مااخضر له عود اذ لميكن نبي بعده يبعث فيظهر تمام شرعه مع انه لميجرِ عادة الله بان يقتل اولوا العزم من الرسل بسيوف الاعداء و كانوا مسلطين علي الناس قاهرين غالبين فلذلك لميرضَ له الا هذا النحو من التسديد و اما من بعده فيكفي التسديد باقامة البراهين البيّنة فاذا قام شخص و اتي علي مدعاه برهانا قاطعا يصدق و لو قطعه اعداؤه اربا اربا و لو لميقدر علي اظهار امره كما كان في الانبياء الماضين و الاوصياء فاياك اياك ان يشتبه عليك امر و تنكر حقا [ص 352] بقلّة المصدقين فيمكن ان يقوم احد مدعيا لامر مع البرهان و لميصدقه الا واحد ثم يقتل باسوأ قتل فانه مسدّد مؤيّد لا محالة و قد قتل الناس من انبياء بنياسرائيل من اول الفجر الي طلوع الشمس سبعين نبيا ثم جلسوا في اسواقهم و باعوا و اشتروا و لميبالوا بما صنعوا من الفعل القبيح و لميكشط السماء و لميخسف الارض فان عادة الله جرت بمظلومية اهل الحق و بالجملة هذا الامر ظاهر بيّن و لكني اري المشبهين يوسوسون في صدور الناس بامثال هذه الشبهات و لذلك بسطت القول في الجملة لرفع الاشتباه و يكفي هذا القدر من البيان في النبوة ان شاء الله .
و اما فضائل الخاتم صلي الله عليه و آله فهي اكثر من ان تعدّ و تحصي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و لكني في هذه الينابيع اتبرك بذكر بعضها مع فضائل الائمة عليهم السلام في مقام واحد بعد الامامة و ذكرت من فضائل الانبياء سلام الله عليهم سابقا بعضها و يشاركهم الخاتم صلي الله عليه و آله فيها بل هو اصلها و منشأها و مبدؤها فان العصمة اصلها له و فرعها في ساير الانبياء و المعجزة اصلها له اذ هو مؤثر الكل و فرعها للباقين و كذلك ساير الفضائل و سيجيء ان شاء الله بيان ذلك مفصلا بعد ذلك و لا قوة الا بالله العلي العظيم و اما المعراج و ان كان بنفسه مسألة معضلة و معرفتها صعبة مستصعبة و ينبغي ذكرها في مثل المقام و لكن لما كان مرادي ذكر الكليات التي تتفرع عليها ساير المسائل اقتصرت عليها و تركت بيانها و ارجو من الله سبحانه ان يعرف الطالب من الكليات المندرجة في هذه الرسالة الشريفة جميع المسائل في الفضائل و غيرها ان كان من اهل الخبرة و البصيرة .
في الامامة و فيها مقامات :
في اثبات الامامة و هي في يومنا هذا امر ثابت لايحتاج الي دليل و برهان و لكن من باب التيمن و التبرك بذكرها نتبرك بذكر بعض الادلة ان شاء الله و ان احببت تفصيل الادلة فراجع كتب مولاي و سيدي ابي العلامة اعلي الله له المقام كالفطرة السليمة و ارشاد العوام و في هذا المقام فصول :
فصل - اعلم ان وجه الحاجة الي السايس امر ثابت قائم دائم ايا كان فان كان وجه الحاجة كون الناس مدني الطبع مختلف المزاج لعمارة المدينة بذلك و بسبب اختلافهم يكثر حاجتهم الي السايس لمنعهم عن الشقاق و النفاق و امرهم بالاتفاق فذلك امر دائم لايزول فان الخلق من يوم خلقوا مدنيوا الطبع مختلفوا المزاج الي يوم يحشرون و لو كان امرهم بخلاف ذلك يوما لزال اجتماعهم و تفرقوا في الارض و الجبال مثل البهائم و الحشرات و ماحصل منهم الغاية المنظورة فلا بد من اجتماعهم دايما و لايكاد يتفق طبايعهم يوما مّا لحكم كثيرة منها انهم من عرصة التفصيل و الاختلاف و هي العناصر المختلفة غير المؤتلفة و قد قبض الله منها لخلقهم قبضات مختلفة لان اياديه سبحانه في قبضها مختلفة اذ هي شعلات هذه النجوم و هي مختلفة بحسب القرانات و المزاجات كما لايخفي بل انواع اختلافاتهم متشتتة حتي ان اهل الاعصار يختلف امزجتهم و حالاتهم فيكثر بذلك بينهم التنازع و قد مرّ سابقا في النبوة شطر من حكم ذلك فلا بدّ في حكمة الله عز و جل ان ينصب بينهم حاكما معصوما مطهرا خارجا من حدّ الطبايع عالما بالمضارّ و المنافع و الا لماحصل الغاية و مابقي الخلق سالمين فانهم باختلاف طبايعهم كان يفني بعضهم بعضا و يهلك بعضهم بعضا فان الصفراوي يعادي البلغمي و يهلكه و البلغمي يعادي الصفراوي و يهلكه كما تري ان النار تعادي [ص 354] الماء و مهما سلّطت عليه ابادته و غيّرته و افسدته و كذلك الهواء لو سلّط علي واحدة منهما و كذلك الامر في التراب فالمولود الحاصل منها امره هكذا فان كل شئ يحبّ مجانسه و يتقوي به و يبغض مخالفه و يتضعف به فيسعي في افنائه دائما الا ان يمنعه مانع فلا بدّ من وجود حكم بينهم يحفظهم من ذلك و هو حجة الله عليهم فالحاجة ماسّة الي وجود حجة لله دائما و ذلك مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و غير ذلك من الادلة الظاهرية علي لزوم وجودهم في جميع الازمنة كثيرة و لكن الزمان تغيّر و الخلق ترقوا و لايقنعون بالادلة الظاهرية فلا بد من ذكر بعض الادلة الحكمية الغيبية الالهية النبوية علي ذلك فاصغِ لما اقول حتي تفوز بالمأمول .