فصل - في ذكر بعض القابه المنصوصة ، اعلم ان الله سبحانه كان في كينونته الازلية مخفيا عن الابصار محجوبا عن الانظار بمعني انه امتنع عنه الاغيار لا بانه احتجب بالاستار فان الحجاب حدّ و هو منزه عن الحد فاحبّ ان يعرف في مقام اول تجليه و نوره الذي هو مشيته تعالي كما قال كنت كنزا مخفيا اي في الكينونة فاحببت ان اعرف اي في المشية فخلقت الخلق لكي اعرف و المشية هي اول ما خلق الله و ثبت ان اول الخلق هو محمد صلي الله عليه و آله فاذا كان هو مقام احببت ان اعرف و به يعرف الله فهو حبيب الله و لا شك انه صلي الله عليه و آله عبد ربه قبل جميع الخلق كما قال لو كان للرحمن ولد فانا اول العابدين و لم‌يعص ربه في امر من الاوامر في عرصة من العرصات فهو العبد [ص 306] الحقيقي فهو عبدالله و ذلك قوله تعالي لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا و لا شك انه النور فانه اول جلوة لله تعالي و اذا طلع يمحو به جميع الظلمات بل يخرّ بطلوعه جبال الانيات و يمحو به الكفر كما في الخبر فهو الماحي و لما كان اول جميع الخلق و منه البدأ يكون فاتحا و لما كان اليه العود و لذا قال انا و الساعة كهاتين و قال الله و حشر لسليمان جنوده ، و قال عليه السلام ان الينا اياب هذا الخلق و علينا حسابهم فهو الخاتم و لما كان هو امر الله في حشر الخلايق فانه المنير للكل و المنير يحشر انواره فهو الحاشر ، و قال صلي الله عليه و آله و انا الحاشر يحشر الناس علي يدي و في رواية علي قدمي و لما كان محيطا بجميع الخلق اولهم و آخرهم و هو الاول و الآخر فهو العاقب او لانه يظهر بعد جميع الانبياء و لا نبي بعده و قال (ص) انا العاقب الذي ليس بعده احد و لما كان هو الموقف في جميع القيمة في فصل القضاء فان اول ما خلق الله هو يده في ذلك سمّي موقفا و لما كان مقفيا لجميع النبيين في ظهوره او في مقامه الاعلي يسمّي مقفيا و لما كان اول الخلق لا خلق قبله يكون مظهر اسم الرحمن المستوي علي العرش فهو رسول الرحمة و لما كان هو صلي الله عليه و آله ماحيا للذنوب لغلبة نوره خصّ الله امته بالتوبة دون ساير الامم كما في دعاء الصحيفة فهو رسول التوبة و لما كان في حقيقته نور الله و في ظاهره مثال النور سمّي في القرآن سراجا منيرا و ضرب به مثلا في قوله الله نور السموات و الارض مثل نوره الآية ، و لما كان اول خلق الله و جميع الخلق اثره يكون شاهدا عليهم و لما كان اول ما خلق الله و خلق في ام الملك اي اول الملك كما يقال ام الرأس و يراد القحف يكون اميّا او يكون اميا لانه بعث في الاميين اي ذريته الذين هم اول ما خلق الله او يكون اميا لانه قصد ربه و ربه [ص 307] قصده او يكون اميا لانه في ظاهره بعث في ام القري او يكون اميا لانه لم‌يتعلم عند الناس بل خلق عالما لا كما زعمه الناس انه لم‌يعرف الخط نعوذ بالله بل كان عارفا بجميع الخطوط و الالسنة كما كان يظهر منه ذلك و لما كان قايما مقام الله في جميع العوالم و الامور يكون قيّما فانه بظاهره قيم و في باطنه قيّوم و لما وطأ علي جميع الكاينات بمعني ان كلها تحت قدمه يكون طه و لما كان سميعا لقول ربه و لايسمع احد صوته سواه و هو يبلغ الي جميع الخلق امر ربه سمّي يس علي ما في الخبر و بمقتضي علم الجفر نقول ان سين ظاهر الالف و نظيرته و هو تمام مراتب الواو الذي هو اشارة الي الالف الغايب عن درك الخلق فهو المسمّي بسين و لذا اشرف تحية للمرسلين في قول الله تعالي سلام علي المرسلين اذ صار مبدأ السلام و هو اصل اسم الله في قوله بسم الله فان اصل الاسماء اوساطها علي الحق و لذا صار قوة بيّنته معه واحدة لعدم الاختلاف فيه و بالجملة القابه اكثر من ان تحصي و اقتصرنا ببعض ما ورد به الآيات و الاخبار الصحيحة و اعلم ان هذه الصفات تثبت لنفسه الشريفة و لكنه لما كان في بدنه صلي الله عليه و آله طاهرا مطهرا خاليا عن الاعراض يجب ان يكون فيه ايضا مدعوا بهذه الاسماء كما يقال لبدنه اول ما خلق الله و الخاتم فافهم ما منّ الله به علينا و انظر بنظر الانصاف هل يبقي شك بعد ذلك في ان محمدا صلي الله عليه و آله المبعوث في العرب هو الخاتم و هذه الاسرار مما لم‌يذكرها ابي اعلي الله مقامه .

فصل - في كناه ، اعلم انه صلي الله عليه و آله السفير بين الله و خلقه و هو الباب و الجناب و به يخلق الله الخلق و يرزقهم كونا و به يؤدّي الي كل خلق ما ينبغي له كونا و كذلك في الشرع به خلق الله ارواحهم و عقولهم و به رزقهم العلم و الايمان و الدين فهو قاسم الارزاق الكونية و الشرعية و قاسم الجنة للمطيعين و النار للعاصين و شاع في العرب انهم يكنون صاحب صفة او ملازم شئ او حامله به فهو ابوالقاسم في مقام اول ما خلق الله و بوجه آخر [ص 308] نقول ان جميع هذه الصفات شأن الولي فان نشو التفاصيل كلية من مقام الولاية فوليه القاسم قاسم الارزاق و قاسم الجنة و النار و لا شك ان وليه من امته و نبي الامة ابوهم و لذا قال انا و علي ابوا هذه الامة ، فهو ابوالقاسم و قد ورد الخبر بالمعنيين و كذلك لكونه اول ما خلق الله و الاول هو المبدء و الاصل يكون ابرهيم خليل الله ابنه في الحقيقة و ان انعكس الامر في الدنيا فصار من ذرية ابرهيم فهو ابو ابرهيم بل ابو جميع الانبياء و لكن بملاحظة ان ابرهيم اشرف الانبياء و المرسلين علي قول ابوه ابو الكل او يكون ابا ابرهيم لانه برّ و هيم فانه احسن الي جميع الخلق بالوجود و الحيوة و عطش للقاء ربه فصار اباابرهيم و نزل عليه جبرئيل بهذه الكنية و لكن لاتخصّ به و لكن ابوالقاسم مع اسمه من مختصاته و لذا نهي ان يسمّي احد بمحمد و يكنّي بابي‌القاسم فان محمدا اباالقاسم هو لا غير و اما ساير كُناه فمما لايخصّه و لم‌يرد بها حديث خاص .

فصل - اعلم ان الخاتم صلي الله عليه و آله في ظهوره في الدنيا لا بدّ و ان يتجلي في بدن طيّب طاهر من جميع الجهات و الحيوث فاول الشروط التي يجب ان يجمعها ان يكون طاهر المولد فان غيره لايصلح لذلك و لا شك في هذه المسئلة بل لا بد و ان يكون نطفته متقلبة في اصلاب و ارحام طيبة طاهرة فانه لا شك في ان النطفة فاضلة طينة الوالدين فاذا كان طينتهما خبيثة يؤثر خبثها في البدن العرضي الاتري ان الامراض تسري في النطفة و حالات الوالدين تظهر في الولد و الشباهة الصورية تشهد بذلك و اذا تأثّر البدن يتشكل الروح فيه بصفته و لذلك ورد في طوائف و قبايل ان المؤمن لايخرج من اصلابهم و ارحامهم و ورد النهي عن مناكحة الاراذل و الاوباش و السَفِلة ، نعم بحكم الاعراض قد تتغيّر الاحكام فيخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و لذلك ايضا حِكَم اُخَر و اما بدن الخاتم فلايعرضه شئ ابدا لانه في غاية الاعتدال فلا بدّ و ان يكون نطفته في اصلاب شامخة و ارحام مطهرة [ص 309] في غاية الشرافة و الخصاصة و لا شك ان الشرك و الكفر يؤثران في البدن كما ان الايمان يؤثر فبواسطة السجدة للاوثان و عبادة الاصنام يتغيّر حال النطفة و المعصوم الحقيقي من جميع الجهات لايربّٰي في صلب هكذا بل يضرّ بحاله العصيان فضلا من الكفر و ذلك امر مسلم بديهي و اما ما تري من خروج المؤمن من الكافر فذلك لان المؤمن لايكون معصوما فله جهة ظلمة و هو من تأثير كفر الكافر فيه و لكن اصله من عليين و هو طاهر مطهر من صلب محمد و علي و كذلك خروج الكافر من المؤمن ليس الا من جهة عرض المؤمن و الحاصل ان ذلك في عالم الخلط و اللطخ فيخرج هذا من هذا و هذا من هذا و اما المعصوم الكلي فليس له عرض خبيث يجتلب من الكافر فتدبر فلايخرج من كافر و لايخرج منه كافر و ما تري في بعض اولاد الائمة (ع) فذلك من قبل الامهات و بالجملة لا بدّ و ان يكون آباؤه صلوات الله عليه و عليهم صاحبي الشرافة الظاهرة و الباطنة و لا بدّ و ان يكونوا من اشرف الخلق كما انه اشرف الخلق فهو من العرب الذين هم اشرف الناس و اعدلهم و اعدل الاقاليم و افضل البلدان كما مرّ و اعلم انه في مقامه الاعلي لايتكلم الا بالعربية لانها افصح الالسنة و لسان الله و لسان الملائكة و بها نزل القرآن و هو عرب لذلك و لانه يعرب عن الله علي نحو الكمال و بدنه الشريف لم‌يتغيّر بالاعراض فصار من العرب العرباء و لما كان اشرف قبائل العرب قريش لا بدّ و ان يكون منهم و لما كان اشرف القريش بنوهاشم فلا بدّ و ان يكون منهم و ذلك امر بيّن لا شك فيه و لا ريب يعتريه فان الذي يكون اشرف الخلق مطلقا لا بدّ و ان يكون بحيث لايقدر احد علي الافتخار عليه حتي ان في جدّاته كان تسع عواتك و لو كان في جدات احد عاتكة واحدة كان يفتخر علي غيره و لذا قال صلي الله عليه و آله انا ابن العواتك .

فصل - اعلم ان جميع ما سوي الله مركب اذ هو الاحد الحقيقي لا غير و هو لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فاول [ص 310] ما خلق الله مركب من وجود و ماهية غاية الامر ان تركيبه بحسبه و الوجود في كل شئ جهة الفناء في جنب الله و الاضمحلال و لذا ليس له انانية و جميع اشارته الي ربه تعالي و به يعرف العبد ربه و يعبده و لايشرك به احدا و الماهية جهة الانية و العبودية و هي علي خلاف كينونة الله و ذلك قوله تعالي في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فله صلي الله عليه و آله هذان الحيثان ثابتان و لولاهما لم‌يكن هو هو و لكن لكونه اول ما خلق الله يكون طبيعته مؤمنة مسلمة كما قال (ص) ما معناه لكل احد شيطان فقيل ألك شيطان قال بلي و لكن اسلم ، فنفسه التي هي طبيعته صارت متصلة بوجوده الذي هو مطيع لله و عبده منورة بنوره كما قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فالوجود فيه عبد الله لانه عبده في كل شئ حتي ظهر منه الربوبية التي هي كنهه و ماهيته لما دخلت في العباد صارت آمنة من عذاب الله و دخلت الجنة في زمرة العباد ثم لايخفي ان الوجود هو الذكر و الماهية انثي و الوجود في كل شئ هو الاب و الماهية هي الام فان الاب مقام السيلان و الام مقام الصورة و من الاب المادة و من الام الصورة و هما في الخلق الاول في غاية الاتحاد و بعد ما امره الله بالنزول الي ساير عوالمه للاداء تفصّل اجزاؤه لزيادة التفصيل فظهر وجوده في العقل و ماهيته في النفس فصار العقل عبد الله و خاطبه بايّاك آمر و اياك انهي و لذا يكون العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و صارت النفس متصلة به و زوجته التي خلقت من ضلعه الايسر و مطيعة له في جميع الاحوال فصارت آمنة فان كل راضية مرضية آمنة و العقل اب و النفس امّ و بعد ما نزل ثانيا في عالم الشهادة ظهر الابوة في المادة و الامومة في المثال و كذلك في الاجسام ظهر العقل في العرش و النفس في الكرسي الي هذا العالم فظهر المادة في الاب و الصورة في الام و لذا يكون مادة البدن [ص 311] جميعها من نطفة الاب فمنها العظام و الاعصاب و امثال ذلك و صورة البدن من الام و منها اللحم و الجلد و امثال ذلك و لذا يكون شباهة الاولاد بالاب في الباطن و بالام في الظاهر و لان الغيب و الشهادة مطابقان و الظاهر عنوان الباطن ما لم‌يغيّره مغيّر خارجي يجب ان يكون اسم ابيه عبدالله و اسم امه آمنة فان من لايكون امره هكذا غيّره المغيّرات و الا فبناء الملك علي ذلك و الي هنا بيّن ابي من اسرار اسم ابيه و امه بوجه من الوجوه و انا ذكرت لك ايضا بهذا الوجه و ازيدك انه يجب ان يكون جدّه شيبة‌الحمد و ابو جده هاشم فان الاب الاعلي الاعلي للولد مقام الذكر الاول و المادة النوعية و الجدّ مقام الصورة النوعية المتخذة من الام العليا و الاب مقام المادة الشخصية و لذا كان صفة النبي ظاهرة من وجه هاشم بغرّة بيضاء و من عبدالمطلب بنور بيّن ظاهر من وجهه و ساير بدنه و من عبدالله كان اظهر و ابين و لما كان الامر هكذا فالجد الاعلي مقام الطينة العليا اي غيب الغيب و قد عرفت انه في اصله قاسم ارزاق الخلايق فجدّه الاعلي هاشم الرزق و الثريد للذين يحجّون بيت الله الظاهري و الباطني ثمّ قد عرفت ان غيب غيبه مقام الحمد لله و قد ظهر الحمد في غيبه الذي هو العقل فالغيب محل ظهور الحمد فهو شيبة الحمد اي جبل الحمد و قد ظهر نوره من العرش في جدّه فسمي شيبة‌الحمد اي جبل الحمد او سمّي شيبة لظهور الشعر الابيض الدال علي الكمال و قوة العقل في رأسه ثم انه ايضا لُقّب بالعبد و لكنه لم‌يوصف بعبدالله كولده بل هو عبدالمطلب و المطلب ايضا اسم من اسماء الله في الحقيقة فانه الذي يطالب العباد بالعمل و يجازيهم فهو عبدالمطلب و في ولده الشريف ظهر سرّ الله فصار عبدالله فافهم هذه الاسرار التي لاتجدها عند ساير الناس و الحمد لله ثم انك قد عرفت ان الوجود مقام الفناء و الاضمحلال فلا بدّ و ان يظهر سرّ ذلك في عبدالله الذي تعيّن فيه صفات النبي فصار ذبيحا و ان فداه الله بذبح عظيم فصار باقيا في فنائه و قد افتخر النبي بذلك [ص 312] و قال انا ابن الذبيحين و الذبيح الآخر اسمعيل و كان امر عبدالله اعجب فان ابرهيم كان يريد ذبح اسمعيل بالوحي و عبدالمطلب اراد ذلك بالالهام و فدي الله اسمعيل بكبش و فدي عبدالله بمائة ابل فتدبر في ذلك .

فصل - اعلم انه صلي الله عليه و آله مظهر سلطان الله و لا قبل له اذ هو اول ما خلق الله و مظهر استيلاء الله و الرحمانية المستوية علي العرش و لم‌يولّ عليه في الف‌الف عالم احد و لا شكّ ان الاب ولي بحكم الله علي اولاده و ذلك حكم شايع فلاينبغي للنبي ان يكون له اب و كذلك الام لها ولاية و حكم علي الاولاد في الحكمة و كذلك اب التربية له حكم و ولاية و لا شك ان الابن في الدنيا لايتولد الا من اب و ام فلذلك ينبغي ان يموت ابوه و امه بعد تولده منهما فيكون يتيما و اما الجدّ الذي له الولاية الغيبية فلايضر ان يكون حافظا لبدن الولد في ايام معدودة فبقي من بعد عبدالله عبدالمطلب في سنوات ثم مات قبل ان يبلغ النبي سن المراهقة و كذلك ابوه الغيبي الذي هو بردة بعد ما ادّي اليه الوصاية مات فورا فالحكمة تقتضي بكونه يتيما من الوالدين و المعلم و لكن من باب ان الطفل بحسب العادة لا بد و ان يكون له مربٍّ و مربّيه في العوالم الغيبية جهة الوجود لا الماهية لا بد و ان يربيه و يحضنه في الدنيا من كان قايما مقام الاب بلا ولاية و هو العمّ فصار مربيه عمه و لما كان جهة الوجود الذي يربيه في العوالم الغيبية الوجود الذي هو ابو نفسه و انيته لا بد و ان يكون مربيه عمه الذي هو ابو وصيه الذي هو نفسه و اعلم انا ذكرنا سابقا ان الوجود زوج الماهية و ذكرنا هنا ان الوجود اب النفس و لا بد من الاشارة الي هذا السرّ لئلايخفي الامر علي من لا علم له فاعلم ان الوجود في الحقيقة هو ذات الشئ و حقيقته و هي فوق الماهية و الماهية مقام ظهوره و نفس الماهية مركبة من مادة و صورة و مادتها جهة الوجود فيها و لذلك اسرار جمّة كثيرة و اما الوجود الذي هو حقيقة الشئ و ذاته فلايقارن الماهية [ص 313] و لايركب معها و هو فوقها و سيأتي بيان هذا السرّ في الامور العامة في بيان صدور الخير و الشر من الانسان فالوجود الذي هو مادة صورة الماهية زوجها و الماهية من ضلعه الايسر و اما الوجود الذي هو ذات الشئ فهو الاصل و المنشأ و المبدأ فهو الاب و لذا سمّي الله في الانجيل روح القدس بالاب السماوي فتدبر و لذا قلنا ان في العالم الظاهر لا بد و ان يقوم مقام الاب العمّ الذي هو ابو نفسه التي هي وصيه كما سيجيء بعد ان شاء الله و لما كان نفس الشئ اشدّ شئ طلبةً له فوصيه طالب له فكنية ابيه ابوطالب و في الظاهر زعموا انهم كنّوه به لمقام طالب ابنه و كذلك هو اول الخلق و المبدأ فرد لا قرين له ففي البدن ايضا لا بدّ من ظهور هذا الحكم فلا اخ له بعد البعث و لا اخت اذ هما جزء الانسان خلقا من مادته ثمّ ان النبي صلي الله عليه و آله خلق لله في جميع مقاماته المتعلقة بنفسه و الخلق يحتاج الي المدد و الرزق ففي مقام ذاته يمدّه الله بنفسه كما خلقه بنفسه و تفصيل هذا الامداد و الاستمداد كثير و في مقام ماهيته مدده من المادة التي هي جهة الوجود و المعنوية و في عرصة الكون جهة فيضه من العقل المعنوي و هكذا في جميع العوالم النازلة مدده من ظهورات العقل و ذلك قوله تعالي انزلنا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و قال تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر و قال عز و جل و ايّدهم بروح منه و ورد اخبار كثيرة في انه مؤيّد بروح القدس مطلقا و لكن في العوالم السافلة يستنزل الرزق من صورة العقل فاصله من العقل و سبيل نزوله من النفس اذ الصورة حدّ المادة و لازمتها و لاتنفكّ عنها ابدا الاتري ان جميع اضائة الشعلة من نارها و لكن لاتظهر الا من صورتها بل يظهر النور بلون الصورة و شكلها فلا بدّ لكل مستضيء ان يستضيء من صورة الشعلة و لا سبيل اليه من غيرها و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و عليّ بابها ، بل نقول ان ظاهر النبوة في الدنيا [ص 314] يستمد من باطن الولاية كما ان الشمس التي هي مظهر العرش تستمد من الكرسي فافهم ذلك و في الامهات الظاهرية ايضا اللبن من الاب و قد ظهر من ثدي الام فلذلك نقول ان رزق بدنه الشريف لا بد و ان يكون ايضا من جانب العقل الظاهر من نفسه و في الدنيا يكون الامر بحسبها لا محالة فاختير لرضاعته امرأة صالحة مؤمنة عاقلة و ظهر سرّ عقلها في اسمها فاسمها حليمة و لم‌يكن لبنها من الاب الظاهري اذ لم‌يكن لبنها الخلقي الا من ثدي واحدة و ببركة يده الشريفة جري من ثديه ( ثديها ظ ) الاخري لبن من الغيب ثم انه صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله و قد ظهر في كل عالم بعرشه ففي مقام ذاته امر جميع الملك بيده و في مظاهره امر كل الملك بيده اذ عرش كل مملكة يد الله في الامر و النهي هذا في الكون و في الشرع في جميع العوالم يكون حاكما شارعا و بيده الامر و النهي و حافظا للناس فهو الراعي لهم فلا بدّ و ان يرعي في طفوليته غنما لتحصيل هذا الكمال لبدنه الشريف و لم‌يبعث نبي الا و امر بذلك و الزرع لاسرار جمّة فافهم هذه النكات التي يحيي بها القلوب و يزيد للانسان يقينا في دينه .

فصل - اعلم انه صلي الله عليه و آله اول الخلق و مبدؤهم كما ذكرنا ذلك هنا و في ساير الرسائل مكررا و لا شك ان المبدأ محل اشتقاق جميع الفروع و هو الفعل و هو مركب من مادة و صورة فان ضَرَبَ مثلا الذي هو مبدؤ جميع الصيغ له مادة و هي حروف اصله و صورة و هي صورة الفعل و المبدأ هو الهيئة المركبة لا الحروف و اخطأ من زعم ان الضاد و الراء و الباء مبدأ فانها حروف لا معني لها و لكن بعد التركيب تصير مبدءا فكلما يشتق من ضَرَبَ يشتق من الضاد و الراء و الباء بواسطة هذه الصورة المشهودة لا غير و لم‌يشتق منه الا المصدر وحده فان الواحد لايصدر منه الا الواحد ● و الاختلافات [ص 315] في مقام آخر و المصدر هو المفعول الحقيقي له و صدوره منه بواسطة صورته لا غير فافهم الاسرار و اضبطها ثم يشتق من المصدر ساير المشتقات و المصدر لكونه مفعوله و صادرا منه يغلب عليه جهة الطبيعة و الاسمية و الوصفية و لذا يصير معمولا للفعل و ان كان عاملا لمسحة الفعل في الاسماء و الصفات و قلبه ساكن يدرك بالسكون بخلاف الفعل فانه خلق ساكن لايدرك بالسكون فالغالب علي المصدر جهة الانوثة فهو بنت الفعل و جميع المشتقات من الفعل صادرة من بنته و حقيقة بنته ايضا مأخوذة من صورته الاولية فهي من نفسه و ايسره و لايشتق منها ايضا شئ الا باشراق نفس الفعل عليها ثانيا و لولا ذلك لماخرج منها شئ فجميع المشتقات من بنته و اشراق نفسه و هذا السرّ سار في جميع ملك الله و لاتزعم انه محض قول و استحسان نعوذ بالله الاتري الي الشمس فانها تشرق و اشراقها فعلها حين الصدور و بعده مصدر مسلما و جميع الانوار تشتق من اشراقه و هكذا قس علي ذلك جميع امر ملك الله فالمخلوق الاول صدر من نفسه التي هي الامكان الراجح خلق هو الامكان الجايز و الامر المفعولي و خلق باشراق الامكان الراجح عليه جميع الاشياء و الامكان الراجح قلبه متحرك و الامكان الجايز قلبه ساكن و هو الامر المفعولي و الاول الامر الفعلي و خلق منهما جميع الاكوان و في الغيب ايضا يكون الامر بهذا المنوال فان العقل ظاهر الفعل و اشتق منه النفس كما قال عليه السلام في [ص 316] تعريف النفس موادها التأييدات العقلية و تولد من النفس جميع المواليد و لم‌يكن ذلك الا باشراق العقل عليها فاذا عرفت هذا المعمي فاعلم ان امر غيب النبي بتمامه لا بدّ و ان يظهر في بدنه لعدم منع الاعراض غاية الامر انه يظهر بحسبه اي بحسب البدن فلا بدّ و ان يكون له بنت هي المشتقة الحقيقية من نفسه الاولية التي هي ولاية النبي كما قال تعالي انما وليكم الله و رسوله و يكون جميع ذريته منها و لكن لايصدر من المصدر شئ الا باشراق الفعل و الا فنفسها ميتة فلا بدّ و ان يظهر الولاية الغيبية في بدن بشري غير بدنه الشريف لعدم امكان مناكحة البنات فينكح بنته الشريفة حتي يحصل منهما الذرية فعلي عليه السلام مسحة الولاية في فاطمة و تأييد العقل و الامكان الراجح و الامر الفعلي المتحرك و لذا قال صلي الله عليه و آله عليّ نفسي ، و الآية صريحة في انه نفسه و اما في فاطمة فقال انها بضعة مني اذ هي مشتقة منه و لايضرّ هذه النفسية المناكحة الجسمانية فان النكاح من الامور البدنية و هذه الاحكام من الحكم الغيبية كما ورد في اخبار كثيرة ان كلهم نور واحد و طينة واحدة و لايلزم من ذلك ان يكون علي مناكح نفسه و ذلك امر ظاهر بيّن و لكن الجهّال المنكرين لفضائلهم ينكرون امثال ذلك و يوردون علينا بايرادات يضحك منها الثكلي و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فنقول ان بهذه القاعدة يلزم ان لايكون له ولد غير فاطمة و لكن لما كان صلي الله عليه و آله في بدنه جامعا لجميع الكمالات و لم‌يرد عليه نقص مع انه في غاية الاعتدال فلايجوز انقطاع نسله بالكلية فان ذلك مرض و يحدث من عدم اعتدال الصلب فلذلك ولد له ولد ذكور و اناث و ماتوا و الباقي له فاطمة الزهراء التي كانت معه من الجنة و عالم الغيب ثم اعلم انا ذكرنا سابقا في سرّ القابه ان منها طه و نزل بذلك الكتاب و اسراره كثيرة اقتصرنا بواحدة منها فعلي الوجه المذكور انه سمّي طه لانه وطأ علي جميع الكاينات كما قال له جبرئيل في [ص 317] ليلة المعراج وطأت موطئا لم‌يطأه احد قبلك ، و هو مقام حق الملك و ليس معه احد غيره و الوطأ لايكون الا بالقدم و القدم جهة اسفل الانسان و نفسه و انيته فالطاء اسم نفس النبي و الهاء المركب معه اسم اعلي درجته و رأسه فانه تثبيت للثابت و علامة مقامات التوحيد و اخر في اللفظ لان في الصعود ينعكس الامر ففي الدنيا بعد ما اشتق منه بنته سميت بالطاء و وجه آخر ان الطاء آخر مقام الآحاد و هو مجمع الكل و مرجع جميع الاعداد كما ان فاطمة اصل جميع الائمة صلوات الله عليهم و مرجع الكل اليها و لذلك جعلها جبرئيل اصلا في حديث الكساء فقال فاطمة و ابوها و بعلها و بنوها ، فسميت طاءا ثم جمع مع الطاء كماله الشهودي و الظهوري فان الفاء كماله الشهودي و الميم و الهاء كماله الظهوري لانه يتفصل في الدنيا المجملات و يظهر الخفيات فسميت فاطمة ، هذا و له وجوه اخر منها انها نفس النبي و نفسه لاتحتاج الي التعلم من غيرها بل لاتحتاج الي الاستفاضة مطلقا فهي فطيم من الامهات فسمّيت فاطمة و منها ان الناس بحب نفس النبي ينجون من العذاب لعدم ادراكهم لغيبه فمحبّوها مفطومة من النار فهي فاطمة فافهم فلا بدّ و ان يكون للنبي بنت واحدة مسماة بفاطمة و ذكرنا حكم القابها في الرسالة القاسانية في شرح الحديث المروي في فضلها يوم القيمة و لا اقبال لي الآن الي بسط القول في امثال ذلك فان الناس لايعتنون بامثال هذه العلوم و اذا لم‌يكن متحفظ للعلم يقلّ اشتياق الانسان الي البيان .

فصل - اعلم ان البدن العنصري من كل احد من اول تولده ليس في حدّ الكمال الذي ينبغي له لان الامر في الدنيا يجري علي العادة الا ان يغيّر بالمعجز و هو لايجري الا في مقام الحاجة بامر الله سبحانه و هو عند الابلاغ و اظهار الامر فان الانبياء الذين هم اصحاب المعجزات لايظهرون معجزتهم لانفسهم بل يجرون في جميع الامور علي عادة الملك الا في مقام الحاجة لاتمام الحجة الا فيما هو من طباعهم و لايتغيّر و ان كان معجزا بالنسبة الي غيرهم كعلمهم [ص 318] و حلمهم و صفاتهم المتعلقة بالنفس الكلية و من الامور التي تجري بالعادة امر ولادتهم و نشوهم و نمائهم و ان كان يظهر منهم بعض المعجزات في بطون الامهات او بعد الولادة فلاتمام الحجة لا غير فاذا كان الامر هكذا يكون نوع ترقيهم كترقي ساير الناس و ان كان الامر فيهم بحسبهم كما تري في حالاتهم الظاهرة في الصغر و الكبر انها مثل ساير الخلق فوليدهم كوليد الناس و رضيعهم كرضيع الناس و خماسيهم كخماسيهم يعني في النوع بالنسبة الي حالهم و ان كانوا في جميع هذه الاسنان اعدل و لذا كان نشوهم و نماؤهم اكثر و ينبأك عن جميع ذلك قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحي اليَّ انما الهكم اله واحد فعلي ذلك نقول ان الله سبحانه جعل في الاطفال رطوبة فاضلة لئلايحترقوا بحرارة الآباء و الامهات فيفسد بنيتهم و لايكمل نماؤهم و لذا تري ابدانهم في غاية النعامة و اللطافة بحسب حالهم كما تري ان النبات في ابتداء تولده و خروجه من الارض له رطوبة زائدة تظهر من لونه و ضخامة ورقه و يكون نماؤه اكثر من كبره لذلك و كذلك حال الاطفال و قد ضرب الله للانسان في بدئه و عوده مثل النبات في مواضع من كتابه فحاله اشبه شئ بالنبات لا محالة و ذلك امر ظاهر بيّناه في مباحثاتنا و بعض رسائلنا و لا اشكال فيه فالطفل لا بد له من رطوبة فاضلة و لذلك يشترطون الفلاسفة في تركيباتهم ان يكون لها رطوبة فاضلة تدوم من اول العمل الي آخره حتي يكمل تركيب المولود و لو يبس المركب قبل الكمال يحترق بحرارة النار و لايقبل التربية و يفسد الاتري الي الخشبة ان كانت رطبة يمكن تدبيرها بايّ نحو تريد و بعد الجفاف اذا اردت تقويمها مثلا تنكسر فلذلك جعل الله رطوبة الطفل كثيرة ، هذا و سرّ ذلك بوجه آخر انه مخلوق من الماء و ربّي في الرحم منبع الرطوبات و غذي من الدم الذي له رطوبة كثيرة و بعد التولد يغذّي باللبن و هو ايضا رطب في الغاية فلذلك يكون الطفل في غاية الرطوبة و لذلك يكثر نزلاته [ص 319] من عينه و خيشومه و فمه و يؤثر في مزاجه حرارة الملك و حرارة الوالدين حتي يشد لحمه و عظمه و يقل رطوباته و لا شك ان الرطوبات الفاضلة الغليظة سبب غلظة الروح البخاري فلايصلح حينئذ لحكاية الروح الانساني و يحجب الابخرة بينه و بين البدن و لذا تري اطفال العامة انهم لايشعرون شيئا بل هم في بدء ولادتهم يكونون اقل شعورا من بعض الحيوانات و لكن ذلك ايضا امر نسبي و ليس جميع الاطفال امرهم بمنزلة واحدة و لكن ذلك حال طفوليته بالنسبة الي كبره و كذلك حال الانبياء و الاولياء في صغرهم بالنسبة الي كبرهم و ان كانوا في الارحام اعقل من جميع الانام فاعرف ذلك و لاتقصر في شأنهم ثم بعد ما فطم الطفل من الرضاع و شدّ لحمه و عظمه و تغذي من الجوامد و تأثر من حرارة الملك و الوالدين و المربين يزيد شعوره يوما فيوما حتي اذا بلغ خمسا و عشرين فيقل رطوباته و يتقوي فيه الحرارة الغريزية و يضعف فيه النباتية لقلة الرطوبة فلايتطول بعد ذلك و لكن ربما يزيد في عرضه ثم من بعد ذلك يزيد عقله بالتجارب حتي اذا بلغ اشدّه و استوي في اربعين سنة و ذلك غاية ترقية العامة و منتهي كمالهم و لايزيدون علي ذلك ثمَّ من بعد الاربعين ينزلون يوما فيوما حتي يبلغوا ارذل العمر في ثمانين او تسعين فلايعلمون بعد علم شيئا و يبلغون الي حدّ الطفولية كما لايخفي و اما الكاملون فذلك فيهم بحسب شأنهم و ربما يضعفون بعد الاربعين في الابدان و يزيد فيهم الايمان و لذا يكونون في جميع الاسنان في حال الشباب كما قال الله تعالي في اصحاب الكهف انهم فتية آمنوا بربهم هذا في الحكمة الطبيعية و بالقواعد المضبوطة عندنا من الحكم الالهية نقول ان الشئ لايكاد يوجد و لايكمل الا بقابل و مقبول فالاول من مقام العبودية و الثاني من الربوبية و هما في كل مولود بحسبه فان الجماد مثلا قابليته مقام عناصره الكمية التي لا بدّ في تركيبه منها و مقبوله النفس الجمادية و النبات قابليته الجمادية و مقبوله [ص 320] النفس النباتية و الحيوان قابليته النباتية و الجمادية و مقبوله النفس الحيوانية و الانسان مقبوله النفس الانسانية و الثلثة قابليته و مجمل القول ان الروح الاعلي الذي هو ذات الشئ هو المقبول و بدنه القابلية و لكنا نقول نوعا ان مراتب القابلية تدور علي ثلثين مرتبة و المقبول علي عشرة و لكن في مقام الجماد و النبات و الحيوان و الانسان الناقصين لم‌تتفصل هذه المراتب كاملة و اما في الانسان الكامل فجميع المراتب متفصّلة علي نحو الكمال و ذلك ظاهر بادني تأمل الاتري ان الجماد ليس فلكيته ظاهرة متفصلة عن الارضية و لكنها في غيبها و قس علي ذلك ساير المراتب و الانسان الذي كمل فيه الي عرش مرتبته كمل فيه جميع المراتب الاربعين و لا شك ان مقام النبوة ايضا مقبول و قابليته المقامات السابقة لما عرفت ان الروح الاعلي مقبول فما لم‌يكمل مراتب القابلية لايظهر روح النبوة فيها علي نحو الكمال بحسب العادة البشرية نعم النبي له مقام في اعلي الخلق قبل ظهوره و بعده و يظهر كل حين باذن ربه من ايّ بدن شاء و كذلك الامام كما صحّ عندنا ان عليا عليه السلام ظهر لفرعون و لسلمان و ظهر بعد موته في مواطن و لكن حكم العادة كمال ظهور هذا الروح بعد كمال المراتب و ذلك لايحصل علي نحو الكمال الا بعد اربعين سنة ففي كل سنة يكمل مرتبة من مراتبه لااقول انه لم‌يكن نبيا قبل اربعين سنة بل كان نبيا في رحم امه بل كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و لكن شرط كمال البدن في حكاية تمام النور ان يعبد الله و يروض نفسه في اربعين سنة و ان قلت علي ذلك بعد اربعين سنة يكمل له النبوة المطلقة لا الخاتمية و هو قد ادعي الخاتمية حين البعثة اقول ان ظهور الخاتمية من النبوة بكمال هذه المراتب الاربعين فاذا بلغت باعتدال بدن الخاتم يتعلق به روح الخاتم مع النبوة المطلقة و ان كان يتغيّر حالته و ترقيته بعد ذلك ايضا الي تمام عمره بل طول الدهر و قد قال الله تعالي قل ربّ زدني علما .

[ص 321] و بوجه آخر نقول ان المولود لايبلغ حدّ الكمال الا بعد اتمام الاسفار الاربعة السفر من الخلق الي الحق و فيه و منه الي الخلق و فيهم و ذلك حصل له (ص) في اربعين سنة يعني في مقام بدنه و بالجملة لهذه الاسرار و لغيرها ينبغي ان يبعث الخاتم بعد اربعين سنة و ان كان قبله نبيا و لم‌يتشرع بشرع احد فحاصل الكلام انه كان نبيا في صلب آبائه بل الف‌الف دهر قبل الدنيا و لكن روّض بدنه الشريف في اربعين لانه سن الكمال ثم انا نقول انه صلي الله عليه و آله في بدنه الشريف يترقي يوما فيوما لا محالة و ذلك مما لاينكره عاقل و ان كان في جميع حالاته اول ما خلق الله و سابقا علي جميع الخلق فانا اذا قلنا ان العرش مثلا يترقي دايما لايلزم من ذلك ان يكون حينا مّا في عرض السموات بل هو دايما في الترقي الي الله تعالي و يترقي الي ما لا نهاية له بلا نهاية فافهم فاني اكرّر هذا القول لئلايشتبه عليك الامر و اعلم ان المتصرف في هذا البدن الشريف هو نفس الخاتم اذ هو الكامل بالفعل لانك عرفت انه مشية الله فاذا تيقنت بذلك فاعلم انه بعد ما بعث بالنبوة لا بدّ و ان يروض نفسه حتي يكمل فيه حقايق الامامة و ان كان اماما من بدء امره الا ان اسرار الامامة تكمل فيه لا محالة و ذلك لايكون الا في عشر سنين لظهور اسرارها في تمام مراتب المقبول السافل الذي هو بمنزلة القابل لهذا المقام ثم من بعد هذا العشر لا بدّ ان يروض نفسه عشر سنين اخر لتكمل مدارج الخاتمية فيه و من بعد ذلك له سنة لتكميل مقام الاسمية و لكون الاسم مقام الوحدة و البساطة و يختصّ امره بالظهور في اعلي مراتبه لايحتاج الي سنوات كثيرة مع ان السير الذي يسيره الخاتم في اعلي درجة الكمال فوق الحد و الحصر ففي سنة يظهر الاسم الاعظم فيه علي نهج الكمال ثم بعد ذلك يحصل له مقام المسمّي ايضا في سنة ثم من بعده يسير في مقام لا اسم له و لا رسم فيبطل انيّته بالمرّة و يفني وجوده بالمرّة و يموت بنفسه و يحيي بالله فلايطيق البدن العنصري بعد ذلك [ص 322] حمل روحه و لايسعه الدنيا فيخرج الي جوار ربه اي الكينونة العليا و هذا السير الجليل و الرياضة الشاقّة يحصل في ثلث و ستين سنة فلا بدّ و ان يكون الخاتم تمام عمره ذلك و لايلزم من ذلك ان لايصدق عليه هذه الاسماء قبل ذلك فان جميع المراتب المذكورة من فسحة وجود الخاتم الاتري ان الانسان من بدء تعلق نفس الانسانية به الي منتهي كماله يسمّي انسانا و هو في جميع هذه الحالات يملك الصورة الانسانية و يصدق عليه العالم الذاكر الفاكر الحليم النبيه الراضي المسلم و لكن مع ذلك هو في بدء امره في الارض و في الآخر في السماء و كذلك النبي من حين كونه في صلب آدم كان نبيا و يملك جميع هذه المراتب فكان آدم يتقرب به الي الله و يوم رحلته ايضا كان هكذا و لكنه سار في جميع هذه المراتب من بدأ امره الي ختمه علي نحو الكمال .

فصل - قد مرّ سابقا بعض الحكم في بعثته في مكة و هجرته الي مدينة و ازيد علي ما مرّ سابقا انه حجة من الله و الحجة لا بدّ له من ان يكمل بدنه اولا لانه اقرب الخلق منه و ما لم‌يكمل بدنه لايقدر علي تكميل غيره بل لايكون حجة الا بعد تكميل بدنه ثم ينبغي له ان يدعو اهل بيته الي الله سبحانه و يكمّلهم لانهم اقرب الخلق بعد بدنه منه و هم اعوانه و اياديه بل ان كان الحجة كاملا في الغاية لا بدّ و ان يكون وصيه معه من اول امره و ينذره قبل اهل بيته الا ان يمنع مانع و اذا منع مانع من ظهوره يكون معه في الغيب لا محالة و اما نبينا فكامل من جميع الجهات فلا بدّ و ان يكون وصيه معه فلينذره اولا ثم ساير اهل بيته ثم يستعين بهم علي ساير اقربائه الاقرب فالاقرب ثم من بعدهم يجب ان ينذر اهل بلده فان من لم‌يصلح اهل بلده لايقدر علي اصلاح غيرهم نعم لما كان الامر في الدعوة و الهداية علي الاختيار عليه ان يدعوهم و لا اكراه في الدين بعد ما تبيّن الرشد من الغي فمن اهل البيت و اهل البلد كل من قبل الهداية يهتدي و من لم‌يقبل فلا عذر له عند [ص 323] الله و اما الحجة فعليه الهداية فلذلك ينبغي ان يقف النبي اول امره في مكة و يدعو الناس علي الترتيب المذكور الي سبيل الله و قد فعل هكذا .

و وجه آخر من البواطن انه قبل اكمال خمسين لا بدّ له من الوقوف في مكة و حومه حول بيت الله لاستكمال المراتب المذكورة سابقا فان جميعها من مقامات العبودية و لاتصلح الا في حرم الله بالاستمداد منه بواسطة بيته و بعد الاستكمال التام يحصل له الانقطاع التام و يصير بنفسه محل جميع الفيوض و لايحتاج بعد الي غير نفسه و في جميع الامور يطوف حول نفسه و يستمد من نفسه بنفسه فلايحتاج بعد الي بيت غير قلبه نعم في بدنه الشريف يحتاج الي الاقبال الي بيت المقدس او الكعبة و لكنه يكفي منه تولي شطره و شطر المسجد و شطر الحرم في ايام الدنيا علي ظاهر الشرع و ان لم‌يكن يحتاج الي ذلك في الواقع بعد الخاتمية كيف و المؤمن الذي خلق من شعاع نوره يكون اشرف من الكعبة فكيف يحتاج الخاتم اليها في الاستمداد نعم قبل استكمال المراتب الخمس لان سيره في مقامات الاحدية الوصفية و الواحدية يمكن ظهور نورها من الكعبة له و لكن بعد ما وصل الي درجة الخاتمية الكاملة الاولية صعد من جميع الحدود و وقف وراء السدود و شاهد عين المعبود في ذاته بلا حجاب و تحت ذلك اسرار كثيرة لايكشف عنها النقاب الا لاولي الالباب و ان قلت ان الائمة ايضا امرهم هكذا اقول بلي و لكنهم لهم ايضا مقامات فوق ذلك و كلامنا في صرف الامامة القطبية و ليس هنا موضع بسط هذه المسألة و ان المراد محض الاشارة الي بعض جهاتها فلهذه الاسرار و غيرها لا بدّ من وقوف خاتم الانبياء صلي الله عليه و آله و عليهم في مكة عشر سنين ثم يخرج منها الي المدينة مهاجرا الي الله و كما انه بعث بعد اربعين لاستكمال المراتب بعث بعد الهجرة بالجهاد و السيف و لم‌يؤمر بذلك قبل الهجرة .

فصل - اعلم ان كتاب كل نبي شرح صورته الشرعية و الكونية و شرعه [ص 324] شرح صورته الشرعية فان الله سبحانه بعد ما خلق نبيه في حدّه و مقامه و عالمه ادّبه و ربّاه فان كان من اولي العزم او في حكمهم ربّاه من عنده بغير واسطة بشر ظاهر آخر غيره و صوّره في احسن صورة و هي احسن التقويم الذي قال الله تعالي في كتابه خلقنا الانسان في احسن تقويم اي اعدله و ان كان ناقصا في حدّه و فرعا لغيره رباه بواسطة اصله و الاصول هم اولوا العزم و صاحبوا الشرايع و من في حكمهم كداود صاحب الزبور و ادريس صاحب الصحف فربّاهم الله في مقامهم و درجتهم و صوّرهم بصورته المحبوبة التي اختارها الله بمشيته المحبوبة و تطوروا بها و الفروع في درجتهم و مقامهم اتصفوا بصفات اصولهم و تخلقوا باخلاقهم غاية الامر انهم امروا من عند الله بلا واسطة بشر ان يتصفوا بصفات اصولهم بخلاف ساير الناس اذ امروا بواسطة بشر و هم كانوا معصومين لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و ساير الرعية لايكونون هكذا ثم بعد ما نزلوا في الدنيا نزلوا بانفسهم و ما يخصّها من الصفات في ابدانهم الشريفة و اظهروا صفتهم بل و نفسهم في كتابهم و شرعهم فكان بدنهم الشريف بيان صورتهم في عرصة الاشخاص و كتابهم بيان صورتهم في عرصة الكلمات و الحروف فاذا عرفت ذلك فاعلم ان كتاب نبينا صلي الله عليه و آله و شرعه صورته الشريفة في عرصة الكلمات و الحروف و الاحكام فصورته الكلامية علي حسب صورته البدنية كما ان كتب ساير الانبياء و صحفهم و شرايعهم علي حسبهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان ساير الانبياء لم‌يكونوا منحصرين في شخص فان عددهم بلغ الي ازيد من مائة‌الف فان كان نوح من اولي العزم كان ابرهيم ايضا من اولي العزم غاية الامر ان نوحا كان اشرف من ابرهيم في بعض الاشياء و لكن نوعهم من عرض واحد كنوع الاناسي فانهم نوعا في عرض واحد و ان كان بعضهم اشرف من بعض و كذلك الامر هنا و اما الواحد الذي هو الفرد و لا شريك له فهو الخاتم صلي الله عليه و آله و هو مظهر توحيد الله تعالي فهو في نفسه فرد واحد و قد اعجز [ص 325] القوم طُرّا عن التشبه به و كذلك الامر في كتابه الذي هو صورته الشريفة لا بدّ و ان يكون معجزا يعني يعجز جميع الخلق عن الاتيان بمثله كما ان كلهم يعجزون عن التشبه به و من‌ذا يقدر علي ذلك و هو اول ما خلق الله و لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و عجز كل الخلق عن ذلك باقرار انفسهم و وجه آخر لانحصار كتابه و عدم اتيان احد بمثله انه مرآة وجهه صلي الله عليه و آله و هو صلي الله عليه و آله كما عرفت مبدأ جميع الخلق و المبدء جامع لجميع كمالات المشتقات ففي كتابه احصي كل شئ و مافرط فيه من شئ و لايقدر احد علي الاتيان بكتاب مثله لان جميع الخلق دونه في الدرجة .

فصل - في بعض اسرار اسم وليّه صلي الله عليه و آله و بعض صفاته ، قد ظهر مما بيّنا سابقا ان كل شئ مركب من قابلية و مقبول لانه لايتم الشئ الا بهما و ذلك مما لا بدّ منه و قد عرفت سابقا ان كليات مراتب القابلية ثلثون و مراتب المقبول عشرة فيتم ميقات الرب في كل شئ في اربعين و ذلك سرّ سار من اول ما خلق الله الي ادني الخلق غاية الامر ان كل شئ يجمعها بحسبه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مراتب القابلية بمنزلة النفس بل هي نفس الشئ و انيته و المقبول مقام ربوبيته و فعليته لله سبحانه و نفس الخلق الاول جهة ولاية الله فيه و ربوبيته جهة نبوته و ذلك لان مقام النبوة مقام الارتفاع عن جميع الخلق و القرب من الخالق فلا تعلّق له بالخلق ابدا و اما مقام نفسه فمقام ارتباطه بالخلق و نسبته اليهم و الولاية هي الاسم المضاف فانه لايكون الولي وليّا لنفسه بل هو ولي بالنسبة الي غيره ممن احاط بهم فليس الذات من حيث ذاتيتها وليّا لاحد اذ لاتنسب الي غيرها و لكن بالنسبة الي من احاطت بهم تكون وليّا فالولاية لاتثبت الا لجهة قابلية النبي صلي الله عليه و آله فنفسه وليّه اي ولاية الله فيه و اما جهة مقبوله ففوق الاسم و الوصف فافهم ذلك ان شاء الله فنفس النبي صلي [ص 326] الله عليه و آله يسمّي باللام لان الاسماء علي حسب المسميات كما ان مجموع القابل و المقبول كانا يسميان بالميم فاللام نفس الميم في الملأ الاعلي ثم انه قد ظهر لك ايضا مما مضي ان اول ما خلق الله مقام المشية و لا شك ان المشية مشية بصورتها لا بمادتها فان مادتها كون صرف اعم من المشية و المشاء كما ان الضاد و الراء و الباء اعم من ضرب الفعلي و المصدري و الفاعل و غيرها و هي حروف سارية في كلها و بعد ما اتصفت بصورة الفعل صار فعلا و ذلك امر بيّن ظاهر ان شاء الله عند اهله و المشية هي امر الله سبحانه الذي قال في كتابه انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فامره الذي هو مشيته كُن و لذا ورد ما معناه انه امر بلا لفظ بل شاء ما شاء ، و الكاف و النون عددهما سبعون فلذلك يكون باطن نفس النبي السبعون كما ان ظاهرها ثلثون و ظهر ذلك في زبره و بينته فصار عدد اللام سبعين بزيادة واحد هو اجمال المقبول فيه و لولاه لماحصل التركيب و المزج كما ثبت في الفلسفة ان حصول الملغمة التامة بين الروح و الجسد لما في الجسد من الروحانية الخفية التي هي سبب اتصال اجزائه و اذا صعدت الروح من الجسد بعد الملغمة تذره ترابا مكلّسا متفتتا لصعود روحانيته مع الروح المضاف اليه بالمناسبة و هذا اشرف اقسام التكليس فلولا ما في الولاية من رايحة النبوة لماحصل بينهما الامتزاج و قد عبّر عن ذلك رسول الله صلي الله عليه و آله بالياء الدالّ علي المتكلم في قوله عليٌّ نفسي ، بل اقول ان تمام الميم في غيب اللام و لذا صار بينته اذ هما متصلان و بيّن ذلك وليّه في قوله ظاهري امامة و وصية اي اللام و باطني غيب ممتنع لايدرك اي الميم و يظهر بعد التكسير و بالجملة فعدد اللام في الظاهر ثلثون و في الباطن احدي و سبعون ثمّ ان اول ما خلق الله نزل نازلا في العوالم السافلة بامر الله الي ان نزل في هذا العالم في عرشه و كرسيه و لما كان هذه العرصة عرصة التشقق و التفصيل تفرّقا في الظاهر الاتري [ص 327] انّ روحك يملك جميع المشاعر علي نحو البساطة و الوحدة فسمعه عين بصره و بصره عين لسانه و هكذا و في مقام البدن حصل بينها التشقق و الاختلاف فظهر السمع في الاذن و البصر في العين و هكذا و ذلك امر بيّن ففي هذا العالم ايضا ظهر المعني في العرش و الصورة في الكرسي فهما مشاركان في الحكاية عن اول الخلق الا ان العرش باب المعني و الكرسي باب الظاهر فهما اخوان في الحكاية عن الغيب اذ هما بابان من ابواب الغيب و قد ظهرا في الافلاك بالشمس و القمر فالشمس صارت مظهر العرش و القمر مظهر الكرسي الا ان نور الشمس ايضا يكون من العرش بواسطة الكرسي فانه الواسطة بينهما و نور القمر من الكرسي بواسطة الشمس فالشمس هي العرش الجزئي في عرصة الافلاك و القمر هو الكرسي الجزئي و هما مظهر النبوة و الولاية في الافلاك و كل واحد ابن عم للآخر و كذلك بعد ما ظهر النور في عرصة الشخصية ظهر في عبدالله الذي هو بمنزلة العرش في العالم اي عالم الاناسي و ابي‌طالب الذي هو بمنزلة الكرسي و قد ظهر منهما شمس النبوة و قمر الولاية و هما ابنا عمّين و لما كان كلاهما فرع النفس الغيبية الكلية الاولية قلنا ان النبي الظاهر يستمد من الولي الباطن و لكن الولي الظاهر يستمد من النبي الظاهر و الولي الباطن من النبي الباطن و بالجملة فالولي في الحقيقة نفس النبي و في الظاهر ابن عمه فسمّي باللام لظهور هذا السرّ الكامل و لما كان عرصة الدنيا عرصة التفصيل و كل ما في الغيب بالاجمال يفصل هنا تفصل اللام بزبره و بينته في طرفيه فاخذ في اول الكلمة العين الدالّ علي الامر و في آخره الياء و هو الالف في الحقيقة فان الالف اذا نزل الي الدنيا يصير ياءا و الياء اذا صعد يصير الفا فوليّ النبي عليٌّ و قد يذكر اللام في القلب و يبدل العين بالواو ليدل علي تمام المراتب الستة فيؤتي في صدره بالواو الدالّ عليها و هو واو يكون و الياء هو ظهور مراتب المقبول فيه فيكون وليا فافهم ذلك و اغتنم و قد اسقيتك ماءا غدقا [ص 328] ثم انك قد عرفت ان الولاية الباطنة حقيقة صورة النبي و النبوة الظاهرة تستمد منها فهي بمنزلة القابلية لها في الظاهر و ان كانت مقبولة في الباطن و في عرصة الظاهر لاتستكمل ايضا الا بكمال القابلية و المقبول و المقبول ظاهر في الولي و منه اذ هذا الملك عرصة التفصيل بخلاف الملك الغيبي فانه عرصة الاتصال فلذلك ينبغي ان يكون ولادة النبي الظاهر قبل الولي الظاهر بثلثين سنة لاستكمال مراتب القابلية و عيشه مع الولي قبل البعثة عشر سنين لاستكمال مراتب المقبول فيبعث النبي و لوليّه عشر سنين ثم لان الولي الظاهر قايم مقام النبي الظاهر لا بد و ان يسير فيما سار و يترقي بقدر ما ترقي غاية الامر انه فرعه في جميع الامور فلا بدّ و ان يكون عمره في الدنيا بقدر عمر النبي فان البقاء في الدنيا ليس الا لاستخراج ما استجنّ في قابلية الانسان و استخلاص روحه و الاستخلاص الكامل يحصل لهم في هذه المدّة و لما كان جميع امورهم الظاهرية يوافق القواعد الكلية لا بدّ و ان يكون جميع هذه الاحكام واقعة فيهم كما مرّ سابقا لعدم منع الاعراض و عدم لحوق الامراض و كذلك نقول ان الولي لما كان بمنزلة النفس له لا بد و ان يكون مخزن علمه و ناصره و معينه في جميع الاحوال و صار الامر هكذا ثم اعلم ان تمام كل شئ و كماله في ثلثة اكوان و اربع كيفيات و يحصل من ضرب الثلاث في الاربع اثناعشر و لا بدّ و ان يتكمل في قوابل الخلق هذه المراتب من الشرع و لما كان الدنيا عرصة التفصيل لايمكن اظهار جميع ما يكمل المراتب من الصفات من واحد و ان كان جامعا لها و تكميل الخلق بيد الولي و النبي منذر و الهادي المكمل هُوَ الولي فلا بدّ و ان يظهر نور الولاية لتكميل القوابل من اثني‌عشر قالبا لاظهار هذا الامر و تكميل القوابل بتأثير الفواعل فصار الاوصياء و الائمة من بعد النبي اثني‌عشر و بالجملة الاسرار في هذه المقامات اكثر من ان تعدّ و تحصٰي و ان مولاي و سيدي ابي الاستاد اعلي الله مقامه قد بيّن اسرار الاولياء [ص 329] و لذلك اجملت القول فيها هذا و ان هذه العلوم مخفية عن الاغيار مستورة بالاستار و طلابها اقل قليل و لذلك اجمال القول فيها احسن مع ان اكثر الناس يزعمون انها استحسانات و لا واقعية لها مع انها من الحكم الاولية الواقعية و قد استدل بامثالها الائمة الاطياب صلوات الله عليهم علي الامور الخفية و تحت ذلك اسرار جمّة كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و نحمد الله الذي وفّقنا علي اثبات نبوة حبيبه بما عجز عنه الاكثرون و لم‌يعرفه الا الاقلّون و له المنّة علينا .

فصل - مما خصّنا الله به بين ساير الخلق دليل التسديد و به نثبت حقيّة كل مدعٍ من بطلانه بوجه سديد و بغير ذلك لايكاد يحصل القطع للانسان و ان القوم اغلب ادلتهم ادلة قشرية لاتسمن و لاتغني من جوع و لاتنفع احدا و لاتطمئن بها النفوس و اما هذا الدليل الشريف فمما يسكن اليه النفس و يطمئن القلب و يستحكم به الايمان و قد صنّف مولاي و سيدي ابي الاستاذ و السيد الاستاذ اعلي الله مقامهما فيه رسايل مخصوصة اضافة علي ما في كتبهم من بيانه متفرقا و قد اوصي ابي الاستاد (اع) بتشييد هذا البرهان اصحابه يوما و اصر حتي اني ماقمت من مجلسه الا عازما علي تصنيف رسالة خاصة فيه و صنّفتها و سمّيتها بالبرهان القاطع و عرضتها عليه و صنّفت من بعده ايضا رسالة في ذلك سمّيتها بعين اليقين مع ما ذكرته في رسائلي متفرقا و بينته في مباحثاتي بالسنة مختلفة و اذكر هنا ايضا منه بقدر الحاجة في اصول :