فصل - و لهم صلوات الله عليهم صفات من حيث الربوبية لا بد من فعليتها فيهم فمنها كونهم مؤثرين في جميع الخلق اذ حقيقة النبوة مؤثرة جميع الملك اما الانوار فظاهر انها من نورهم و اما الظلمات فكلها من ظل نورهم و لايخرج شئ من تحت سلطانهم حتي انهم لو ارادوا تبديل السماء بالارض لكانوا قادرين علي ذلك باذن الله و قد مرّ سابقا بيان ذلك في الجملة و يأتي بعد ان شاء الله في فضايل الائمة صلوات الله عليهم ما فيه كفاية و بلاغ و منها كونهم مستجاب الدعوة فان ذلك ايضا فرع كونهم مؤثرين فان جميع امر الله يجري من ايديهم باذنه فاذا دعوا ربهم في امر من الامور يستجاب لهم لا محالة غاية الامر انهم ربما يدعون و لايتصرفون بامر خاص فيجري الامر علي طبيعة الملك بتأثيرهم فربما يمدّ في الاستجابة زمانا كما كان في دعاء نوح عليه السلام و ربما يريدون اجراء الامر بالمعجز فلا تأخير فيه و انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فافهم ذلك و اما ما كان من دعاء يونس عليه السلام و تغيّره بدعاء الامة فليس ذلك لعدم استجابة دعائه او تصرّف الغير في فعله بل اجاب الله له دعاءه و بعد ما توسّل الامة به و تابوا و دعوا الله مخلصين له الدين اجاب الله لهم فصرف عنهم البلاء فلميكن صرف البلاء ايضا الا من يونس فافهم و اما ما تري في كتاب الله من عدم قبول استغفار ابرهيم لابيه آزر اي عمّه فليس ذلك لعدم استجابة دعائه و كذلك في استغفار النبي لامته و عدم غفران الله او دعائه لرفع الاختلاف بعده بين الامة و عدم قبوله كما في الخبر فان امثال هذه الدعوة ليس دعاء حتم بل الدعاء قسمان قسم يدعو النبي و يريد استجابته فيجيب الله له دعاءه اذ لايخلف الله الميعاد و قسم يدعو بمعني عرض حاجته مع رضائه بقضاء الله و ميله ان يكون الامر [ص 281] هكذا لانه مما يحبه الله و لكن لايشاؤه فليس ذلك لعدم استجابة دعائه فتدبر و استغفاره و استغفار ابرهيم لميكن الا لعفوهما عن الامة تكريما لله و تعظيما له و عدم قبول الله لميكن الا لتكريم النبي صلي الله عليه و آله و بالجملة فدعاء نبي الله يستجاب بداهة من غير نكير و كذلك لهم علم فوق علم الرعية فانه لايمكن ان يكون نبيا مع جهله بما يعلمه الامة و ان كان بعضهم اعلم من بعض كما في كتابه تعالي تلك الرسل فضّلنا بعضهم علي بعض منهم من كلّم الله و رفع بعضهم درجات الآية ، و ما في الكتاب من نسبة الجهل اليهم كما في قصة موسي و خضر و قصة سليمان و نملة و امثال ذلك فمن المتشابهات و ينبغي ردّها الي المحكمات فانه كيف يتعقل ان يكون سليمان جاهلا بما علمه نملة ام كيف يتصوّر ان يكون موسي مع انه من اولي العزم جاهلا بما علمه خضر مع انه في زمانه من امته اذ لميكن خضر صاحب شريعة فكان من امة موسي بالبداهة اذ لميكن في زمانه شرع آخر فجهل الانبياء له وجه و هو انهم صلوات الله عليهم علموا كل شئ في مقام حقيقتهم لايكادون يجهلون و لايفقدون و لكن في مقام شخصيتهم لايبقي لهم الاحاطة الحقيقية و ذلك شأن كل فرد بالنسبة الي مطلقه فان الجسم مثلا مطلق محيط بجميع الاجسام التي دونه و لكن بعد ما تجلي الي جسم جزئي من الاجسام لايبقي له هذه الاحاطة في هذا الفرد فهو محيط في مقامه بجميع الجزئيات و لكن في هذا الجزئي لا بدّ له من النظر الي كل ما يريد علمه فاذا نظر الي شئ من الاجسام علمه و اذا لميتوجه الي حيث جهله فجهله لعدم توجهه و كذلك حال موسي فانه كان حين توجهه الي ما امر به غافلا عما كان خضر مأمورا به و كذلك خضر عليهما السلام كان غافلا عما امر به موسي و كانا غافلين عما امر به الصياد و لميكن ذلك الا لتوجههم الي جهة اخري نعم خضر لكونه في الدرجة السافلة لميكن عالما بجميع علم موسي بل كان فيما كان يعلمه [ص 282] ايضا مستمدا من موسي و اما تعلم سليمان من النملة فبمعني نظره الي هذا العلم حين نظره اليها لا ان النملة كانت عالمة بذلك و لميكن سليمان عالما فافهم فالقاعدة الكلية في هذه المسألة انهم علماء الا انهم في مقام الشخصية ربما يغفلون عن جهة و منها انهم يملكون الاسم الاعظم و حقيقة الاسم الاعظم من المشكلات فانه في الحقيقة ليس حروفا و لكنه مقام من المقامات و الانبياء بقدر ما يملكون من هذا المقام يقال انهم ملكوا الاسم الاعظم و هو مقام ربوبيتهم صلوات الله عليهم فبقدر ربوبيتهم يجدون الاسم الاعظم و قد عبّروا صلوات الله عليهم عن حقيقته بكلمة تامة لها ثلث و سبعون حرفا و ذلك انه ظاهر في ملكه تعالي و قد تعلق به و به خلق الملك و مراتب الخلق من اسفله الي اعلاه عشرة اما المقام الاعلي فهو مقام ظهور المسمي و هو حقيقة الاسم و في غاية الاتحاد و الثاني و الثالث في غاية الاجمال فعبّر عنها بالثلاث لعدم الكثرة فيها و السبعة الباقية مقام تفصيل الاجمال فلكل واحدة عشرة مقامات من الارض الي العرش تمام العشرة و كل منها حرف اذ ليس كلمة تامة فعبّر عليه السلام عن كل واحدة بحرف فقال حروف اسم الاعظم ثلث و سبعون حرفا واحدة منها مخصوصة بالله و هو مقام الاسم الاعلي الذي علمه عند الله تعالي اذ هو مقام نفس المشية و باعث الارادة و الشمس التي تضيء تحت بحر الامكان و لايعلمها الا الله تعالي و الباقي و هي اثنان و سبعون مجموعة عند الخاتم صلي الله عليه و آله اذ هو العالم بكل شئ و اما ساير الانبياء فلكل منهم حرف او حروف بحسب شأنهم فعند آدم علي نبينا و آله و عليه السلام خمسة و عشرون حرفا و عند نوح عليه السلام بهذا القدر او ثمانية علي روايتين و عند ابرهيم عليه السلام ثمانية احرف او ستة احرف علي روايتين و عند موسي اربعة احرف و عند عيسي حرفان و كان منها حرف عند صاحب سليمان فاتي بسرير بلقيس في اقل من ان يرتد اليه طرفه و روي ان الله اعطي آدم اثنين و سبعين حرفا و يتوارثها [ص 283] الانبياء و لكل وجه و بالجملة جميع الحروف الا واحدة اليوم عند مولانا صاحبالزمان (ع) و يحتمل ان يكون الاركان اربعتهم حاملين لها و ان لميكن واحد واحد منهم جامعا لها و جميع ما سمعت من الانبياء سلام الله عليهم من المعجزات و الآثار الغريبة كلها بقوة هذه الاسماء التي هي رتب و مقامات لهم و اما سرّ زيادة الحروف التي عند آدم علي ما عند ابرهيم و موسي و عيسي او عندهم و عند نوح فله وجوه من الحكمة بيّناها في مباحثاتنا منها انه كان مبدأ و قد بعث حين لميكن انسان بل لميكن البلاد معمورة و الارض مدبرة و قد بعث لاصلاح الملك و الخلق فاعطاه الله سبحانه من الحروف اكثر من الباقين و كذلك نوح علي ان يكون صاحب خمسة و عشرين فانه الآدم الثاني مع انه يستحقها لعلو مقامه اذ هو شيخ الانبياء سلام الله عليهم و اما الباقون فبعثوا حين انتظام الملك بالنسبة و اصلاح العباد و عمارة البلاد فلميكونوا يحتاجون الي اكثر مما اعطاهم الله جل و عز ، هذا في ظاهر القول و اما في الحقيقة فان اولي العزم في مقام حقايقهم يملكون اكثر من غير اولي العزم من حروف الاسم الاعظم و لكن في الدنيا يتصرفون بها بقدر مسيس الحاجة اليها فاذا احتاجوا الي حرف يظهرونه و يتصرفون به و اذا احتاجوا الي حرفين يتصرفون بهما و هكذا و بقدر ما يظهرون منها ينسب اليهم و ان ملكوا اكثر من ذلك كما ان كلا منهم يقدر علي معجزات لاتعدّ و لاتحصي و لكنهم اظهروا بعضها بقدر حاجة الخلق اليه و ذلك امر بيّن مسلّم و بذلك يجمع بين الحديثين المختلفين فيما كان عند شيخ الانبياء من الحروف فانه عند البعث قبل الغرق ربما كان يعمل بثمانية و بعد خراب الدنيا و هلاك الخلق ربما كان يعمل بخمسة و عشرين فافهم ذلك و اتقنه ثم اعلم ان للانبياء فضايل كثيرة و لما كان بناؤنا علي الاختصار و الاجمال تركنا تفصيلها و قد بيّن ابي الاستاذ اعلي الله مقامه فضايلهم اكثر من ذلك و الحوالة علي كتابيه الكبيرين [ص 284] فطرة السليمة و ارشاد العوام اعلي الله نورهما و زاد في فيضهما .
في اثبات النبوة الخاصة و ذلك من المسايل الصعبة و اغلب الناس لميقفوا علي دليل مورث لليقين بها الا بعض الادلة العادية التي لاتسمن و لاتغني من جوع حتي ان بعضا قال كما في المحكي عنه انه لايثبت النبوة الخاصة بالادلة العقلية لانها من الامور الجزئية و شأن العقل الناقص درك الامور الكلية نعم قد جمع الهمداني في كتابه مفتاح النبوة بعض الادلة القريبة من الادلة العقلية و احسن و اجاد و لكنها مع ذلك ناقصة لاتورث اليقين القطعي في الانسان بحيث لايدخل في قلبه شك و شبهة من الشيطان و لكن الله تعالي قد منّ علينا معاشر الشيخية في هذا الجزء من الزمان ببركة مشايخنا اعلام الدهر و نواميس العصر اعلي الله لهم المقام و حشرهم الله مع الائمة عليهم آلاف السلام بادلة عقلية واضحة نيّرة يحصل بها اليقين بنبوته (ص) بل لنا ادلة كشفية يكشف بها عن حق المسألة و لما كان المسألة عمدة بل عليها بناء الدين و قوام الشرع المبين لا بد لنا من ذكر ادلة في المقام و اعلم ان ابي (اع) بيّن ادلة عقلية اثبت بها نبوته باسمه و رسمه و نسبه و انا اشير الي ما ذكر بالاجمال لانه لا بدّ من ذكرها و ازيد ادلة اخري في مطالب و فصول و لما قال الله تعالي لنبيه ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن نذكر من كل سنخ ادلة علي ذلك ان شاء الله .
في اثبات نبوة محمد صلي الله عليه و آله بدليل المجادلة بالتي هي احسن و فيه فصول :
فصل - قد مرّ سابقا في المقام الاول لزوم وجود الانبياء في الملك و عدم خلوّه منهم بادلة عقلية كثيرة و لايبقي لعاقل شك بعد ذلك فانه لو خلي الملك [ص 285] عن نبي او حجة قائم من عند الله بوصاية نبي لساخ الارض و فسد السماء و ان ابيت ذلك لضعف عقلك لاتنكر فساد نوع الاناسي و بطلان امرهم و نغص عيشهم فان مدارهم بوجود السايس العالم الماهر و السلطان القاهر فلو خلي الزمان عن وجوده لآلوا الي الفساد كما كانوا اول مرّة و ان قال قائل انا نري اهل الافرنج مثلا و بلاد الشرك يعيشون بغير نبي و وصي و شرع و امرهم في غاية الاعتدال و نهاية الانتظام اقول ان عيشهم و انتظام امرهم ببركة ما حفظوه من الانبياء من الشرايع و الاحكام و استنبطوه من شريعة نبينا من المسلمين ، هذا و نقول ان انتظام الامور ليس هذا الذي تدعونه بل لميبق فيهم الا صرف امور ظاهرية و انتظامات بدنية و لكن فسد دينهم و شرعهم و لاتكاد تجد فيهم ما كان يوجد في السابقين من الترقيات الي ارفع الدرجات و الوصول الي السموات نعم بلادهم معمورة في الظاهر بحسب بعض الصنايع اليدية التي هي من شأن الحيوانية و ذلك ايضا ببركة ما بقي في ايديهم من شرع موسي و عيسي و ما اقتبسوه من نبينا صلي الله عليه و آله هذا و النصاري يقرّون بان عيسي حافظ لهم و هو من ورائهم و ان كانوا قائلين بموته و بالجملة فشرط انتظام امر الخلق علي الحقيقة وجود الحجج و الانبياء و الله سبحانه لايخلّ بهذه الحكمة فان داعي بعث نبي او قيام وصي في زمان من الخلق موجود دايما و من الله سبحانه العطاء بحسب الدواعي اليس اصل بعث الانبياء لاحتياجهم الي نبي و اليس احتياجهم لنقصهم و قلّة عقلهم و عدم اطلاعهم علي مرضات الله و مسخطه و ذلك دايما فيهم موجود فلا بد من وجود نبي فيهم دايما او من يقوم مقام النبي و هو وصيه المعصوم بعصمة الله المحفوظ بحفظ الله و ذلك مسلّم لا شك فيه و لا ريب يعتريه فاذا عرفت ذلك اقول لا شك و لا ريب ان الانبياء صلوات الله عليهم بعثوا تتري الي زمان عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام و ماتوا كلهم الا اربعة و هم ايضا قد غابوا و اما المخالفون فلايقرّون بحيوة [ص 286] الاربعة ايضا فيما اظن و عدم اقرارهم برفع عيسي و عدم قتله مسلّم و بعد عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام قام الحواريون الي زمان قليل و غابوا بعد ذلك و لميكونوا معروفين الا لرجال و علي ما هو المقرر الثابت عند المسلمين ان التورية و الانجيل رفعا و ليسا في ايدي اليهود و النصاري و اما ساير الصحف السماوية و شرايع الانبياء الماضين فلايشكّ احد في رفعها و لا وصي لهم ايضا في الدنيا بالبداهة و كذلك اليوم ليس لعيسي و موسي وصي عالم في مثل يوشع و شمعون الصفا و اقرانهما بين اليهود و النصاري بلا شك الا علماء جهلة لايعرفون الهر من البر و لميبق من شرعهم في ايديهم شئ الا بقدر الكحل في العين و علماؤهم لايطلعون علي احكامهم فضلا من جهّالهم و علي قولنا ليس في ايديهم كتاب ربهم و علي قولهم ايضا فقد الكتاب الاصل و الموجود منها من تصانيف علمائهم و علي فرض حقيّتها لاتغني من جميع شرايعهم مع انا نجدها مشحونة ببعض الاخبار العجيبة التي لايشك العقل السليم في كذبها كشرب الانبياء الخمور و غناء داود نعوذ بالله و تغنّيه بالمزمار و ما نسب الي لوط فان النبي اعز و اجل من ذلك و هو معصوم بلا شك فهذه الاخبار التي درجت في هذه الكتب تدل علي انها ليست من عند الله و علي فرض كونها من عند الله لا شك و لا ريب ان الكتاب وحده لايجزي عن جميع ما يحتاج اليه الامة بل لايغني من شئ الا بوجود حافظ فان الكتاب وحده لو كان كافيا لكان يكفي عن وجود النبي نفسه فلمَ لمينزل الله كتابا الي الناس و يأمرهم فيه باطاعته و العمل به فحسبك دليلا علي لزوم وجود الانبياء ان الله قرن كتبهم و شرايعهم بوجودهم فبنفس هذا الدليل نقول يلزم ان يكون للنبي وصي بعده يشرح كتابه و يفصّل آياته و يبيّن شرعه و لذا استمر الامر علي ذلك الي زمان عيسي و اما بعده فاقول ان كان الناس مأمورين يومنا هذا باتباع شرع موسي او شرع عيسي فمن الوصي الحافظ لدينهما و حامل علمهما و اين الكتاب [ص 287] و الشرع فلا بدّ لك ان تقول باحد القولين اِما ان تدعي بقاء الشرع و الكتاب و الوصي او تقول ان الملك لايحتاج الي نبي و وصي فبعد ما رأينا ان نبوة الانبياء انقطعت و شرايعهم ارتفعت و اوصياءهم لميأتوا و قام محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله و اتي بشرع و كتاب و احكام و قام من بعده اوصياؤه واحدا بعد واحد و اظهروا دينه و بيّنوا فرايضه و سننه و احكامه الي ان غاب وصيه بحسب الظاهر و لكنه نصب بعده خلفاء كما كان بعد عيسي الي زمان نبينا و بعد موسي الي زمان عيسي و احكموا يوما فيوما شرعه و دينه و هو باق الي يومنا هذا و انهدم من بين ساير الملل آثار شرعهم و دينهم عرفنا ان نبي الله هو نبينا يومنا هذا فانه لو لميكن هو النبي كان يلزم علي الله تعالي اظهار نبي آخر فافهم و تدبر و ان ابيت ما قلت هل تأبي ان مذهبا من المذاهب و ملة من الملل ليس امر شرعهم و علمائهم بانتظام الاسلام و لايأبي ذلك الا جاهل مكابر فانا نطلع علي جميع البلدان و مذاهبهم و سيرهم فان فساد امر الباقين ظاهر بيّن و الكلام في اليهود و النصاري و هم بانفسهم لميبقوا علي دينهم و لميعتمدوا الي ركن وثيق و قد تفرقوا ايضا علي اقوال و فرق و لا جامع بينهم و اما في الاسلام فنري بينهم علماء صلحاء نقباء نجباء و يظهر منهم الآثار و يتلألأ منهم الانوار و لو لميكن الحق معهم لميظهر منهم ما كان يظهر من الاوصياء الاخيار و الحجج الكبار بل من اعجب العجاب انا نري امر الشرع اظهر و ابين و احكم من زمان وجود النبي صلي الله عليه و آله فمن ذلك اعرف انه لو كان لله حق في خلقه و له دين لكان هو الاسلام دين محمد (ص) و الا فلا .
فصل - نقول لاهل الاديان من اليهود و النصاري و المجوس لا شك ان الانبياء الماضين اخبروا بمجيء محمد صلي الله عليه و آله و ان في التورية و الانجيل و الزبور و كتاب المجوس ذكره موجود و قد اجمعوا علي ذلك و قد قام الضرورة بحيث لايشكّ في ذلك عاقل ان رجلا قام [ص 288] من العرب من حيث وعد الانبياء في صفة قالوا و في التورية و الانجيل موجودة الآن و ادعي النبوة فان ذلك مما لايجهله اريب و لايشك فيه لبيب فانصف من نفسك اذا ابتلينا بامر هكذا كيف نعرف صدقه من كذبه لا شك في ان صدق كل شئ و كذبه يعرف بآثاره فالانبياء يعرفون بآثار النبوة فلا بد من تصديق من ادعي النبوة في زمان يجوز فيه اتيان الانبياء و اتي بما اتي به ساير الانبياء فانا صدّقنا بنبوة موسي لما اتي من الآيات البينات و ما جمع له من العلامات و صدقنا بنبوة عيسي لذلك و كذلك صدقنا بنبوة غيرهم ايضا لذلك و لا شكّ ان محمدا صلي الله عليه و آله اظهر معجزات كثيرة و اتي بآيات عديدة طبق آيات ساير الانبياء مع ما كان له من صفات الانبياء كما قال ماكنت بدعا من الرسل و لا شكّ ان جماعة من اهل الملل من احبارهم و رهبانهم صدّقوه و آمنوا به مع انهم اعلم بالتورية و الانجيل من اللاحقين كعبدالله بن سلام و نظرائه فان قال قايل من اين نعلم صدق اتيانه بالمعجزات فلعلها مكذوبة اقول من حيث تعرف صدق اتيان غيره بمعجزات مع انك لمتشاهدهم بعينك و بناء العالم علي تصديق اخبار المخبرين بل في زمان الانبياء كان بناء الناس علي ذلك فان كل نبي كان يبعث في بلد و مقام مخصوص و منه ينتشر خبره و لميكونوا يشهدوه جميع الخلق فان موسي كان نبيا و شرعه كان عاما و كان يجب علي جميع اهل الارض اتباع شرعه و لميسافروا برُمّتهم اليه و لميشهدوا معجزته بل آمنوا بصرف الاخبار و كذلك الامر في يومنا هذا اتانا اخبار كثيرة بلغت حدّ التواتر ان نبينا صلي الله عليه و آله اتي بالمعجزات البينات فكما يصدقون اهل هذا الزمان نبوة موسي باخبار الثقات انه اتي بالمعجزات يجب عليهم التصديق بنبوة محمد صلي الله عليه و آله لذلك و ان ابيت الا المشاهدة اقول ان حجتنا هي الحجة الواضحة و الحمد لله ان كان معجزات ساير الانبياء معجزات فانية اذ فنيت باعراضهم عنها و موتهم اتي [ص 289] محمد صلي الله عليه و آله بانواع المعجزات فمنها ما كانت مثل معجزات ساير الانبياء اتي بها حينا مّا كشق القمر و انطاق الحصي و الشمس و غير ذلك و لميبق بعد ساعة الاتيان منها الا خبرها و منها ما كانت باقية الي زمان و لميبق الي زماننا و لكن كتابه معجزة دايمة باقية و هو الآن موجود و ان قال قايل انا لانعرف وجه كونه معجزة و لايقوم ذلك لنا دليلا اقول هل الاخبار بالغيب معجزة ام لا ، لا شكّ في ذلك فانه كان من معجزة عيسي عليه السلام و كتابنا مشحون باخبار عديدة بالغيب ظاهرة بيّنة كقوله الم غلبت الروم الخ ، و ظهر صدق حكمه بعد تسع سنين و اخباره بغلبة الاسلام و قوته و ضعف اليهود يوما فيوما و امثال ذلك و كذلك اخباره (ص) بالمغيبات موجودة بل اخبار اوصيائه صلوات الله عليهم بالمغيبات موجودة في الكتب و قد ظهر صدق خبرهم فايّ دليل ادل علي صدق نبوته من ذلك .
فصل - دليل النبوة المعجز علي ما هو الظاهر البيّن و قد كان الامم الماضية يقرّون بنبوة الانبياء بالمعجزات و قد قام نبينا مدعيا للنبوة بضرورة جميع الناس و جعل معجزته قرآنه كما جعل موسي معجزته في عصاه و يده و عيسي احياء الاموات و ابراء الاكمه و الابرص و الاخبار عما ادّخروه و اكلوه و هكذا و قد منّ الله علي نبينا بابقاء معجزته دايما الي يوم يبعثون و كان له ساير المعجزات ايضا الا ان الاصل ذلك كما في ساير الانبياء فاذا عرفت ذلك اقول ان كتابه موجود الآن و قد تحدّي فيه و قال لئن اجتمعت الانس و الجن علي ان يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله و لو كان بعضهم لبعض ظهيرا و قال ام يقولون افتريٰه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين فان لميستجيبوا لكم فاعلموا انما انزل بعلم الله و ان لا اله الا هو فهل انتم مسلمون و قال ام يقولون افتريٰه قل فأتوا بسورة مثله و ادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم [ص 290] صادقين انظر الي تحديه في كتابه و في الماضين سمعوا ذلك و اجتهدوا حتي انه صار بعضهم لبعض ظهيرا و لميقدروا علي الاتيان بمثل آيات منه و هو الآن موجود بين ايدينا فكل من يدعي انه لايكون معجزة فليأت بمثله و ان لميقدر فليقر بانه ليس من كلام البشر بل اقول جميع العلماء ان اجتمعوا لايقدرون علي الاتيان بمثله و ان الاعاجم و اهل الافرنج و الترك ان لميعرفوا وجه الاعجاز بحسب الفصاحة و البلاغة و ساير ما يتعلق بالعربية يتمكنون من تصديق العارف بذلك فليجمعوا جماعة من اهل اللسان من غير اهل العدوان حتي يأتوا بمثله فان اقرّوا بالعجز كما اقرّ السابقون فليقرّوا بنبوته صلي الله عليه و آله و ما اجهل جماعة قاموا في آخر الزمان و كتبوا بايديهم مزخرفات سمّوها بالبيان و نسبوها الي الله الرحمن و هم يعرفون بطلان قولهم و سخافة رأيهم كما اقرّ بذلك جماعة منهم و ان لميعرف ذلك الجهال و بالجملة اقول لو كان يقدر احد علي الاتيان بمثله او مثل آيات منه لاتي و انتشر خبره و اثبت في التواريخ و الكتب فانه امر عظيم و العادة تحكم بعدم التهاون بمثله كيف و قد اثبتوا اصغر من ذلك من اخبار الماضين بل اثبتوا خلاف ذلك مما قاله الناس من الآيات المكذوبة و يضحك منها الثكلي و من اعجب العجاب ان القرآن كتاب علم و احاديث حكمة و قد ثبت بضرورة جميع اهل الملل ان نبينا صلي الله عليه و آله كان اميّا و اذا اتي الامي بكتاب او اثارة من علم لعلمنا بالضرورة انه فوق البشر و ليس ذلك الا بنزول الوحي من عند الله او بحديث من السماء و ذلك شأن الانبياء و الحجج لا غير .
في دليل الموعظة علي نبوته (ص) و فيه فصول :
فصل - اعلم انه لا شكّ في عدل الله و لطفه فاذا اتمّ لعباده الحجة بشئ يؤاخذهم بتركها و الا فلا و ذلك من الضروريات عند المليين و كلامنا في المقام [ص 291] معهم فاقول لا شك ان الانبياء الماضين مضوا و لميبق منهم وصي و شرع تام كامل ينفعنا و ما بقي من شرعهم ايضا لاينفعنا بلا وصي حاكم من عندهم فاذا لميكن الخاتم الذي بعث نبيا للزم الاقرار بان العباد غير مكلفين لعدم وجود حجة بينهم فاذا ثبت ذلك نقول اذا قبلنا نبوة محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله نكون مصابا محفوظا من عقاب الله باليقين فانه لايخلو من احتمالين اِما يكون نبيا او لا ، فعلي الاول اصبنا في طاعته و علي الثاني لايعاقبنا الله بذلك لانه لميرسل الينا حجة و الانبياء الماضون ليسوا حججا لنا فان اهل كل زمان يحتاجون الي حجة لانفسهم لما مرّ سابقا من الادلة و الله لايعاقب احدا الا بعد اتمام الحجة عليه و اما اذا لمنصدقه و لمنؤمن به فيحتمل ان يعاقبنا الله فالاولي التسليم له و هذا طرف السلامة .
فصل - جري عادة الله في الامم السالفة بانه اظهر امر انبيائه و نصرهم و ايّدهم و ابطل امر اعدائهم كما فعل بفرعون ذي الاوتاد و ثمود الذين جابوا الصخر بالواد و قوم نوح لما كذبوا الرسل و نري محمد بن عبدالله (ص) قام بهذا الامر و عامل الله معه مثل ما عامل مع انبيائه و عامل مع مكذبيه بمثل ما عامل مع مكذبي ساير الانبياء فاظهر امره و شرعه و دينه و قوي اركانه و شيّد بنيانه و اعلي سلطانه و انار برهانه و ذلك يدل علي ان الله رضي عنه و صدّقه فطريق السلامة الاخذ بهذا الطريق و هو اولي بالاتباع من غيره فافهم .
فصل - لا شكّ في نبوة عيسي للنصاري و موسي لليهود فاقول لهم ان موسي و عيسي اتوا في كتابيهما بخبر محمد (ص) و هما معصومان ببداهتنا و بداهتكم و لايغريان بالباطل ببداهتنا و بداهتكم و هما الآن مطلعان علي حالنا و حالكم و الله من ورائهما محيط رقيب و الله يري و هما يريان ان محمدا صلي الله عليه و آله قام و نسخ شرعهما و حكمهما و مع ذلك [ص 292] صبرا علي ذلك و لميرسلا من يقيم دينهما و يبطل امره و كذلك الله ربنا فهل تقولون انهما صبرا علي ابطال دين الله الذي وكله اليهما او تقولون عجزا عن ذلك او تقولون ارسلا من يحفظ الدين و جواب كل واحد ظاهر فانهم لايقدرون علي الاقرار بواحد من الشقوق و ان قال قايل منهم لمَ لميرسلوا الينا واحدا ان نصدق به مع رأفتهم و رحمتهم اقول لا حاجة الي ذلك بعد ما اخذوا بانفسهم الميثاق من بنياسرائيل لمحمد و اوصيائه صلوات الله عليهم و قيام محمد بالعلامات التي ذكروها في التورية مع ان الاحبار و الرهبان صدقوا به اغلبهم و اوصياء عيسي الذين كانوا في زمانه صدقوا بنبوته فاذا ثبت ذلك بالمجادلة اقول فطريق السلامة الاخذ بقول محمد و اتباعه و اذا سألنا ربنا و موسي و عيسي عن ذلك نقول انت يا ربنا اذنت لنا و عرفنا ذلك بانك لمتبطل امره فافهم هذا الدليل البديع الجديد من اقسام المواعظ القشرية .
في دليل الحكمة للنبوة الخاصة و قد مرّ في المقدمة انه مخصوص باهل الفؤاد و فيه فصول :
فصل - اعلم ان الله عز و جل كان في جلال قدسه متوحّدا في ربوبيته متفردا و لميكن له شريك في كمال من كمالاته و لا صفة من صفاته فاول ما تجلي تجلي باول مخلوق له به فيه منه و قد بيّنا ذلك مفصلا في غير المقام و لانريد هنا الا محض الاشارة اذ لسنا بصدد التفصيل و كان اول تجليه سبحانه كاملا في جميع صفاته اذ كان اثر الكامل و اثر الكامل كامل و قد سبق في وجوده جميع الخلق و له اثر و كمال لا محالة و اثره نوره فسطع من وجهه نور كما سطع نوره من وجه الله سبحانه و هذا النور المقدس هو نور الانبياء صلي الله عليهم ثم سطع من وجوه الانبياء ايضا انوار و خلق منها الاناسي او الطيبون منهم و كذلك دار الامر بذلك الي ان انتهي في قوس النزول الي الارض [ص 293] التي هي في آخر القوس ثم في الاقبال الي الله تعالي سبق في الظهور كل ما كان متأخرا فاول المقامات في الظهور في الدنيا مقام الجماد ثم من بعد وصوله الي درجة الكمال يظهر عليه النبات ثم من بعد وصوله الي مقام الكمال و درجة الاعتدال يظهر عليه الحيوان و كذلك بعد ما وصل الحيوان الي درجة الكمال يظهر عليه الانسان و كل ذلك بعد ختم دورتهم و سيرهم في تمام فسحتهم فان للجماد فسحة وجود اذا بلغ اعلاها يظهر عليه النباتية فمنهم من بلغ و صار جمادية النبات و منهم من سقط في ساير الدرجات و المراتب فلذلك بعد تولد المرتبة العلياء يوجد ايضا من مواليد الدرجة السفلي و تحت ذلك اسرار جمّة و حكم كثيرة ثم بعد ما بلغ الانسان اشدّه و استوٰي و بلغ اعلي مراتب فسحة وجوده يتعلق به نور مؤثره فيصير نبيا و لكن لايبلغ جميعهم هذه المرتبة فمنهم من يقف في الادني و يصير امة و منهم من يصعد و يصير نبيا و بعد ما كمل النبي في نبوته و سار في جميع درجات النبوة و رأي من آيات ربه الكبري فوقف من ربه في قاب قوسين او ادني صار مظهر نور الخاتم و محل بروزه فيتجلي صلي الله عليه و آله فيه و لكن لايبلغ جميع الانبياء هذه الدرجة و يبلغ منهم واحد او ما شاء الله في العوالم المختلفة هذه المرتبة و في الدنيا لميبلغ هذا المقام الا واحد فبعد كمال الانبياء في درجاتهم و مقامهم لا بدّ من ظهور الخاتم صلي الله عليه و آله و قد ظهر بعد ختام النبوة و لو لميظهر لماانقطع ظهور الانبياء و دعوتهم و لما رأينا انقطاعهم عرفنا انه ختم امرهم و ظهر السرّ الاعظم ثم ان سأل سائل عن سرّ عدم تولد الانبياء من بعد الخاتم كما يتولد من ساير الاسناخ اقول ان ذلك لحكم اخر و ما كل ما يعلم يقال و ما كل ما يقال حان وقته و ما كل ما حان وقته حضر اهله و لكل كلمة مع صاحبها مقام .
فصل - اعلم ان الله سبحانه حكيم و الحكيم لايعبث و لايلغو و قد وقفنا [ص 294] علي حكمته من وجوه منها انتظام خلقه و ترتّب اجزاء ملكه بعضها علي بعض فخلقه الخلق ليس الا لفائدة مهمّة قد بيّنها في كتابه و قال و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون ، و في القدسي قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و المعرفة وجدان المعروف و ذلك لايمكن الا بظهوره لهم في مقامهم و حدّهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة و تشهد له المرائي لا بمحاضرة لمتحط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها انتهي ، فهو سبحانه لما خلقهم لمعرفته و عبادته تجلي لهم ليقتدروا علي النظر اليه و معرفته و ذلك في كل عالم بحسبه و تجليه الدال عليه في جميع العوالم هو الخاتم صلي الله عليه و آله اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار فهو صلي الله عليه و آله في كل عالم من العوالم و مقام من المقامات تجلي لعباد الله ليعرفوه و يعبدوه و لو لميظهر لماعبد الله مطلقا حتي ان الانبياء و الاولياء و ساير الحجج لا بدّ لهم من معرفة هذه الوجهة العظيمة و التوجه الي هذه القبلة الشريفة ثم ان ظهوره صلي الله عليه و آله في كل عالم بعد استعداد القوابل و كمال الاركان و قوة المشاعر و ذلك لايمكن الا بتكميل المكملين و هم الانبياء فلا بدّ و ان يظهروا اولا في كل عالم لتكميل القابليات ليظهر بعدهم اشرف الآيات و في هذا العالم ايضا ظهر اولا ساير الانبياء ثم ظهر الخاتم من بعدهم فافهم ذلك و اتقنه .
فصل - قد اتفق جميع المسلمين علي ان الخاتم اول الخلق و سلّم لذلك المليّون من حيث لايعلمون اذ يعترفون بانّ الانبياء سلام الله عليهم اشرف الخلق و يقرّون بانه اشرف من جميع الانبياء الا الذين كفروا منهم كالذين قالوا بالوهية عيسي و اذا كان اشرف من الاشرفين فهو اول الخلايق اجمعين [ص 295] و ان لميقرّ واحد فرضا بخاتم نقول لا شك ان للخلق اولا و الاولية في غير الزمان ليست كالاولية الدنياوية فان الاول فيها في عرض الثاني و الثالث و لكن الاول الدهري و السرمدي سابق في الطول و كل مقدّم في الطول فوق من هو تحته علي الحقيقة و اذا كان مؤثرا لكل من دونه فيكون محيطا بهم واقفا عليهم و الخاتم صلي الله عليه و آله محيط بجميع من دونه بالمؤثرية في الكون و جميع الخلق آثاره فان كل خلق ان كان من النوريين يكون اثر نفسه و ان كان من الظلمانيين فهو اثر ظله فهو الظاهر في الكل لان المؤثر اظهر في آثاره منها و اولي بها منها و اوجد في مكانها منها الاتري الي الجسم المطلق بالنسبة الي افراده هل تري في الاجسام العلوية و السفلية و الفلكية و العنصرية شيئا سوي الجسم فلا ظهور الا للجسم و لا وجود الا له و لا حكم و لا اثر الا له فتبارك من جعل الجسم محيطا بهذه المنزلة و اذا كان الامر في الجسم الذي هو اخس مراتب الخلق هكذا فما ظنك باول الخلق الذي هو اقرب الخلق من الله بل هو مقامه و علامته و لا شكّ ان العلامة لاتكون علامة الا اذا وجد فيه من ذي العلامة اثر او آثار و لما اطلق الامام عليه السلام في صفة الائمة لفظ العلامات و الآيات عرفنا انهم علامات الله من كل حيث فيجب ان يكونوا في جميع الآثار و الصفات علامته لا من حيث واحد و لا شك ان النبي (ص) يثبت له هذه الصفة بل اكثر و هو افضل من آله في جميع الصفات و ذلك ثابت في محله فهو صلي الله عليه و آله اشرف العلامات لله تعالي ففيه من احديته تعالي بقدر دلالته عليه تعالي بالاحدية و ذلك قوله عليه السلام في محمد و آله بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، فالله سبحانه اظهر لنا احديته و بساطته و طيّه للاشياء باول خلقه فجميع ما تري في الملك ظهورات آلمحمد سلام الله عليهم و آياته و جميع الابدان في الملك مرايا ظهور نورهم و جميع الحجج اعضاؤهم و جوارحهم و جميع اوليائهم السنتهم و في [ص 296] الشرع نقول ان الخاتم مؤثر الانبياء و جميع النورانيين آثاره و آثار آثاره و هو الظاهر من الانبياء بل اقول ان النبي الحقيقي الواقعي هو الخاتم بايّ معني كان فانه اِما من النبأ بمعني الخبر فهو النبي اي المنبئ او من النَّبْوَة بمعني الرفعة فهو النبي اي الرفيع و هو المخبر عن الذات و المرتفع عن كل الآيات و كل نبي صار نبيا بسبب حكاية نوره و رفيعا لكونه مظهرا لنوره فهو اول الانبياء و آخرهم و اول الحجج و آخرهم و اول كل خير و آخره و ينبأك عن كل ذلك قوله تعالي و تقلّبك في الساجدين و الانبياء هم الساجدون و قال عليه السلام الا و انا نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و قال عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و قال خليفته انا الاول انا الآخر انا الباطن انا الظاهر و قال انا الآمل و المأمول ، فاذا كان الامر هكذا فهو الظاهر من الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و الحجج المكرمين و المؤمنين الممتحنين فارني غير محمد (ص) حتي اثبت لك وجوده و نبوته و لا غير له و لا لوصيه فهو الكل و وصيه الجل فماذا اقول في من جميع الانبياء وجوهه و آياته و نسبة الكل اليه نسبة الاثر الي المؤثر بلا تفاوت نعم بدنه الشريف من بين الآثار كان احكي لكمالاته و ان كان نسبة الجميع واحدة بالنسبة الي ذاته فافهم ذلك و اتقنه بقي الكلام في ظهور اشرف الابدان انه هل ظهر ام لا ، لا شكّ في انه ظهر بدن ادعي المحمدية العظمٰي و ماكان بدعا من ساير الابدان الماضية و ثبت بالتواتر انه ادّعي مثل ادعائهم و اتي بمثل ما اتوا فلا مكذّب له كما لا مكذّب للعرش ان ادعي الجسمية فافهم هذا الدليل الشريف الذي جددت به نحو الادلة و اظهرت من بواطن الحكمة .
في اثبات نبوته بشخصه و اسمه و حسبه و ما يخصّه و قد تكفّل [ص 297] ابي الاستاد انار الله برهانه و اعلي الله مقامه لتمييز الاسم و النسب و الكنية و البلد و دار الهجرة و لميسبق بمثله و انا ازيد علي ما ذكره بعض الخصوصيات ليظهر الامر علي العارف بالحكمة ان شاء الله ففيه فصول :
فصل - نريد ان نعرف من العقل زمان ظهور الخاتم ببدنه الخاص ، قد ثبت في الحكمة ان امر الله في المولود الكبير و الوسيط و الصغير واحد بلا تفاوت الا في بعض الجزئيات التي هي من خاصة الرتبة و الا فالنوع واحد ففي المولود الصغير الذي هو الانسان نري ان الله سبحانه يخلقه في ستة اطوار و هي التي بينها في كتابه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم كسوة اللحم ثم انشاء خلق آخر و لا بدّ له من سيره في هذه الاطوار حتي يكمل بدنه و يصلح للعيش في الدنيا و ورد في بعض الاخبار من الائمة الاطهار سلام الله عليهم ان مدة تقلّبه في كل طور من تلك الاطوار اربعون يوما و يجوز الاستدلال علي ذلك بقوله تعالي و واعدنا موسي ثلثين ليلة و اتممناها بعشر فتمّ ميقات ربه اربعين ليلة فايام الكمال اربعون و لايتيسر بغير ذلك لان بها يتمّ مراتب القابلية و المقبول فالاخبار الدالة علي الاربعين موافقة للكتاب و ورد انه في عشرين و هو يطابق اقوال الطبيعيين و حكم التجارب و المشاهدة ان مدّة تقلب الاطوار اقلها ستة ايام و اكثرها تسعة و لكن الاول اوفق بالكتاب و السنّة و عمل اصحاب السلوك و يمكن لنا الجمع بينها بانه يتغير صورة النطفة في ستة ايام و تنتضج في عشرين و تكمل في اربعين او نقول ان المراد من الاربعين ايام الشأن و من العشرين تمام التدبير اولا و آخرا و ليس هنا محل تحقيقه و الا فقد رأينا بالعيان ان الطفل الساقط بعد اربعين يوما تامّ الخلقة سيّما اذا كان ذكرا و يكون تمام صورة الولد علي الستة شهرا و علي التسعة خمسة و اربعين يوما و قد جرت التجارب بان ما كان مدّة تمام الصورة يكون حركته في ضعفها و تولده في ثلثة امثال مدّة الحركة فاذا تمّ خلقه في شهر يتحرك في [ص 298] شهرين و يتولد في ستة اشهر و الانسان يتحرك غالبا في الشهر الرابع و ما تمّ خلقه في اكثر المدّة يتولد في تسعة اشهر و علي اقلّ المدّة يدور في ستة اشهر فاذا كمل المولود ستة اشهر و دخل في السابع و تولد يعيش و اما بقاؤه في الرحم الي تسعة اشهر في الغالب فلانتضاجه و قوته و الا فهو في الشهر السابع كامل تامّ و ربما يتولدون و يعيشون فانه شهر القمر و الحيوة و القوة و القدرة و اما في الثامن فلايكاد يعيش لانه يربيه فيه الزحل و هو كوكب الموت فاذا تولد المولود فيه يموت و اما في التاسع فيربيه المشتري كوكب الروح فيعيش كاملا لولا المانع و بالجملة بعد تمام ستة اشهر يعيش الولد لولا مانع خارجي كما كان في يحيي و مولانا ابيعبدالله الحسين عليهما السلام و قد قال الله تعالي و حمله و فصاله ثلثون شهرا و قال و الوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتمّ الرضاعة فاذا كان اتمام الرضاعة حولين فمدّة الحمل ستة اشهر كاملا و قد ورد في تأويل الآية ان الرضاعة احد و عشرون شهرا و لكن ذلك اقل مدة الرضاع و اقل منه اجبار بالولد و ذلك علي حساب ان يكون مدة الحمل تسعة اشهر ثم انه يختلف حال المواليد بحسب قوتها و ضعفها و كليتها و جزئيتها و كمالها و نقصها و لذلك يختلف مدة تقلبها في الاطوار فالهرّة مثلا تتولد في سبعين يوما و الشاة في ستة اشهر و هكذا فاذا عرفت ذلك فاعلم ان مولود الملك ايضا امره هكذا في الكون الشرعي و الشرع الكوني و كلامنا في الكون الشرعي فاوّل انعقاد نطفة مولود الانسانية في زمان بعث آدم علي نبينا و آله و عليه السلام و في زمان نوح عليه السلام انقلب علقة و في زمان ابرهيم صار مضغة و في زمان موسي تولد فيها العظام و كسي عليه اللحم بحرارة وجود الانبياء الذين كانوا بينه و بين عيسي و بعد ما تمّ خلق الصورة تعلق الروح الحيواني بالعالم في زمن عيسي عليه السلام و لذا صار حكمه باطنيا بالنسبة الي شرع موسي و كان شرعه ظاهريا و تمّ المولود [ص 299] الكامل الي زمان الخاتم (ص) فتولد الانسان الشرعي و لما كان الامر في كل عالم بحسبه و التربية بحسب وضعه يتغيّر طول مدة سير المولود الكلي في الاطوار و يتفاوت الاتري انك اذا اردت تغيير طبع شخص يتيسر لك ذلك بادني تدبير في ايام قلايل و لكن اذا اردت تكميل جماعة و تغيير طبعهم يطول المدّة لا محالة و هكذا الامر في الملك فيطول مدّة تغيير النطفة الي العلقة و هكذا بل اعراض الملك تمنع من جري الامر علي السير الطبيعي فربما يقدّم امر و يؤخّر فان نوح عليه السلام بعد ما غرق قومه جدّد الامر لا محالة و لذلك طال الامر من اول امره الي زمان ابرهيم و ذلك لانه ربّٰي جماعة فهلكوا و ماتوا فقام فيهم مدّة مديدة حتي خلق الله له جماعة ثانية فربّاهم و لذا كان طول المدّة من زمان ولادة آدم الي ولادة نوح اثنين و اربعين سنة و ستمائة و الف سنة منها ثلثون و تسعمائة سنة زمان حياته و قد عاش الي اثني و تسعين و خمسمائة و الفين علي قول و في كتاب الله تعالي انه دعا الف سنة الا خمسين عاما و كان بينه و بين ابرهيم زمانا قليلا فان ابرهيم تولد في ثلثة و عشرين و ثلثمائة من الالف الرابع و لميكن بينه و بين موسي مدة فانه تولد في اوائل المائة الثامنة من هذا الالف و بالجملة تغيّر المدة بحسب الاوقات بحسب الاعراض فاذا عرفت ذلك فاعلم ان القواعد الحكمية حاكمة بانه لايقل زمان تربية نوع طفل الملك من ستةآلاف سنة مقام كل شهر من اقل مدة حمل المولود الصغير الف سنة و ذلك بملاحظة ان مراتب الخلق عشرة من المسمّي الي الجسم و لكل مرتبة عشر مراتب من الجماد الي اعلي المقامات و هي هذه الجمادية و المعدنية و النباتية الحيوانية و الملكية و الجنية و الانسانية و النبوة و الامامة و الخاتمية و لكل واحد يثبت من العرش الي التراب فمن ضرب هذه العشرات يحصل الف مرتبة في كل طور من الاطوار مدّة تربية كل طور بسير شمس النبوة في فلك الامر و الولاية سنة و سير قمر الولاية اثنيعشر دورة و اسرار [ص 300] ذلك كثيرة و لذلك قرّر لكل نبي اثناعشر وصيا عدد البروج و الشهور فتمام بقاء كل مولود في رحم الاوصياء و الاولياء ستة اشهر فبعث الخاتم الذي هو صاحب شرع الوليد بعد ستة اشهر كل شهر الف سنة او نقول ان مدة حمله تسعة اشهر كاملا بل شئ اقل كما هو العادة في اغلب الاطفال و ذلك بان نقول بان لكل مولود مأة مراتب من الجمادية الي الاعلي و من الجسم الي اول السلسلة و لكل مقام منها ثلٰث كيان و اربع كيفيات فهي سبعة و الحاصل من ضربها فيها سبعمائة سنة و يربي كل مرتبة بدوران كل فلك من الافلاك و الكرسي و العرش فهي تسعة عدد اكثر ايام مدّة التقلب و من ضرب التسعة في سبعمائة يحصل ستةآلاف سنة بزيادة ثلثمائة و قد تولد المولود قبل كمالها بسنوات فبعث النبي في المائة الثانية من الالف السابع فبحكم القواعد الحكمية المضبوطة يجب ان يكون بعث خاتم بعد تمام ستةآلاف .
فصل - قد ثبت في الحكمة ان قلب الارض مكة و قد دحيت الارض من تحتها كما دحي ساير اعضاء المولود من تحت قلبه فان القلب اول ما يحيي بل اول ما يخلق من البدن علي قول و آخر ما يموت و كذلك الامر في الارض فان مكة موضع مجتمع الزبد يوم خلق علي الماء و دحيت الارض من تحته ثمّ لا شكّ ان الخاتم اول ما خلق الله و هو قلب الكل و وسطهم و يدور عليه جميع الدواير و يستمد منه جميع الخلق اذ هو اول مخلوق بالمشية و اول مستمدّ منها و جميع الخلق يحتاجون الي المشية في الفيوض و الامداد التي يجريها الله بها و اول ما خلق الله هو الواسطة بينها و بين ساير الخلق فالكل يدور عليه للاستمداد و هو يدور عليهم للامداد و هذا شأن القلب و القطب و لاتزعم ان ذلك منتهي شأن الخاتم بل القطبية آخر الدرجات له و له فوقها مقامات و لسنا بصدد التفصيل و مرادنا الاجمال لئلايطول بنا المقال فاذا عرفت هاتين المقدمتين فاعلم ان الامر في العالمين واحد بلا اختلاف [ص 301] و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت لان الخالق واحد و قد خلق بمشية واحدة من امكان واحد بلا كيف فمن اين يأتي الخلاف فافهم ذلك فاني اجملت الكلام و لكنه في الحقيقة كلام مبسوط في عبارة مجملة قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة ففي الانسان نري ان روحه الذي هو قلبه و وسطه و منه كل حياته و فيضه يتولد اولا في القلب اللحماني و لكن منه لايجري حكمه في جميع البدن الا بالاجمال و يحصل منه فيه حركة القبض و البسط لا غير و لكن بعد ما جري الدم منه الي الدماغ ينتشر امره و حكمه و ارادته من الدماغ الي ساير الاعضاء و كذلك الامر في مجموع الملك بهذا المنوال فالخاتم الذي هو قلب الكل و وسط الكل ينبغي ان يكون ظهوره في مكة التي هي ام القري و قلبها و وسطها ثم يهاجر منها الي المدينة التي هي بمنزلة الدماغ للارض و شمالية مكة و جهة المِرّة السوداء و ماارسل الله من رسول الا و هو صاحب مِرّة سوداء صافية و ادلة هذا المطلب الشريف عندنا كثيرة و لكنا نقتصر علي الاجمال .
فصل - ان ابي الاستاد اعلي الله مقامه قد بيّن حق القول مفصلا في حكمة اسمائه الشريفة و كُناه فلا حاجة الي بسط القول فيها و لكن بقدر عدم خلوّ كتابنا عنها نذكر بعض الوجوه فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية كما ذكرنا مكررا و قد كان وحده كما هو الآن و لا شريك له و لا شبيه و احب ان يعرف مع انه لميكن معه حاسّ و لا محسوس فخلق ما خلق للمعرفة كما قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، و لميكن يمكن معرفته في غيبه الا بتجليه لهم و ذلك ثابت مبرهن و لا شك ان اول التجليات علي صفة المتجلي من جميع الجهات فهو الاحد الوصفي للاحد الذاتي و هو نقطة البيان و لايفيد ذلك الا لنفسه فتجلي لهم ثانيا به في اول خلقه اذ هو اولي بان يكون مجلاه من غيره هذا و هو الحجاب الاعظم فكيف يتيسر التجلي لغيره من غير سبيله فتجلّي به له فيه و منه لجميع خلقه و بعد ما تجلّي الرب الاحد [ص 302] جل شأنه اليه اشتعل بنور الله الاحد جل شأنه فحصل في مقام التجلي جهتان جهة الي الرب الاحد جل شأنه و جهة الي نفسه و جهته الي نفسه لا محالة مركبة من اربعين جزءا ، ثلثون جزءا من مقامات القابلية و عشرة من مراتب المقبول كما شرحنا و بيّنا ذلك مفصلا في غير المقام فصار المجلي الاعظم و الاسم الاجل الاكرم حاكيا للاحدية و حاويا لمقامات العبودية و لما كان في عرصة الحقيقة الاسماء مناسبة للمسميات انزل الله له في هذه العرصة اسما مركبا من المقامين فالاحد اسم للنور فيه و الميم اسم لمراتبه فهو احمد و لكنه في سماوات عرصة الخلق حيث لميلحقه كثير عرض و بعد ما نزل من السماء الي الارض ابدل الالف ايضا بالميم و شدّ ميم الوسط و ذلك ان الالف آية الله و مقام الوحدة و فيه ستّ صفات من صفات الله جل شأنه الوحدة و الاولية و الاستواء و كونه مع كل شئ و عدم شئ آخر معه و انقطاعها عن كل شئ و كون معناها الالفة و بعد ما بَعُدَ هذا التجلي عن الفلك الذي هو مقام الوحدة و البساطة قلب الفه ميما فانه ظاهر الالف و مقام تغلّظه فان الالف حرف الغيب و اللاهوت و الميم حرف الحيوان بقواعد اهل الجفر و حرف الملك كما في الخبر و ظهوره بين المتكثرات فيه لا محالة مع انه اذا ظهر يظهر في تمام مراتب القابلية و المقبول فان مراتب القابلية ثلثون و مراتب المقبول عشرة فالمجموع اربعون و استنطاقه ميم و ضعف ميم الوسط فيذكر الآخر في اللفظ و لايكتب و ذلك لان كل شئ مركب من مادة و صورة هما غيبه و شهادته و ربوبيته و عبوديته ففي السماوات هما في غاية البساطة و الوحدة فلايري و لايذكر الا واحد و اما في الارض فيكثر التفصيل فيفصل بين الغيب و الشهادة كما بين الروح و الجسد فلايري في الخارج روح غير الجسد بل هما كأنهما واحد و لكن في التقرير يميز بينهما فلذلك ضعف الميم فصار الاسم محمد فسار في السماء و الارض و رجع الي الآثار فاكتسي الانوار و اقتبس نار التوحيد [ص 303] من جميع الاشجار فرجع الي ربه عودا كما اتي به منه بدءا حتي يكون البدأ علي العود و لما اكتسب في عوده تفاصيل اخر لخص لها الواو الدال باول قواه علي الايام الستة التي خلق الله الملك فيها و بباطن قواه علي المراتب الاربععشرة المكتسبة في القوابل المطهرة و ذلك سرّ من الاسرار فسمّي في العود علي منبر الوسيلة محمودا و هذا الواو هو بعينه واو يكون لا غير و منه يتشقق جميع الاشياء هكذا : واو الف لام فاء ميم و هكذا ، هذا بملاحظة علم الحروف و الاسماء و اما بملاحظة المعني اقول بعد ما اراد الله ان يعرف تجلي بحمده و ثنائه فان الحمد اول الصفات و اخصّها كما قال في كتابه سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و لذلك صار تحية اهل الجنة فيها سلاما و يدخلونها بسلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين فانهم اولا يزورون المرسلين من الانبياء و المحدّثين كما قال الله تعالي و ماارسلنا من رسول و لا نبي و لا محدّث علي قراءة اهل البيت و بالاستشفاع بهم يزورون نبيهم و ذلك قوله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة ، و قوله عليه السلام اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله و قال عليه السلام النظر الي الله النظر الي نبيه ، فهنالك يقولون الحمد لله رب العالمين فالحمد اصل الصفات و اولها و لذا صار سورة الحمد ام الكتاب و هو عند الله تعالي و جميع الصفات الكمالية مجموعة هنا و هو تمام شكر الله تعالي و لذا ورد ان من قال الحمد لله حمده بتمام الشكر و اعلم ان الحمد ظاهر الاحد و الاحد الظاهر فباطنه الكينونة الاحدية و ظاهره الحمد و قد ابدل الالف بالميم لذلك و ظاهره بيان الشكل المثلث و باطنه المربع و بالجملة اسراره كثيرة و مرادنا الاختصار و ابي الاستاذ اعلي الله مقامه و انار برهانه تكفّل لبيان بعض اسراره العجيبة و ان شئت فراجع فاوّل ما خلق الله حمده و قد حمد الله بذلك نفسه اي اثني به نفسه فعرف [ص 304] به و به حمده الخلايق جميعا اذ لولاه لميعرف احد حمد ربه كما في الخبر ما معناه ان الملائكة زعموا انا منعمون فقلنا الحمد لله رب العالمين ، فالحامد من اتصف بالحمد اي عرفه و اتصل بولايته و الكافر من لميعرفه فتدبر فعلي ذلك هو احمد اي نفس هذا الحمد صار سبب حمد الحامدين فان باب الافعال يستعمل لهذا المعني كثيرا و لما صار هذا الفعل علما له صار غير منصرف اذ لاينصرف بتمام الحركات لعلوّ شانه .
و وجه آخر ان الله ارسل حمده الي جميع العالم فلما ارسله الي اهل السموات تجلي لهم به ليظهر منه نوره الكينوني الذي هو بيانه فظهر الفه لعدم مانع من ظهوره فدعي في السماء باحمد و بالجملة لما كان هو سبب حمد الحامدين سمي احمد ثم ان الحامدين لميعرفوا ربهم الا فيه و به فانه معني ربهم و ظاهره كما قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه ، فلميحمدوا ربهم الا فيه فهو المحمود من حيث نورانيته كما ان في مقام المعرفة العارف يعرفه بالنورانية لا غير فان الله سبحانه لايعرف و كيف يعرف او يوصف من كنهه تفريق بينه و بين خلقه فلميعرف احد سواه و لميحمد احد سواه غاية الامر ان ذلك من حيث النورانية يعني انه بتمامه في هذا المقام نور ربه فهو في الملأ الاعلي محمود لجميع الخلق بل هو محمود الله اذ حمده و وصفه بالثناء الجميل لخلقه في الكتاب التكويني و التشريعي و هو محمود لنفسه اذ لميعرف من ربه سوي نفسه فحمد نفسه التي هي رب العالمين و ذلك تأويل قوله تعالي الحمد لله رب العالمين اي نفس محمد صلي الله عليه و آله فهو محمود الله و خلقه في جميع العرصات الغيبية و لما نزل في الدنيا حمدوه اهل الدنيا ثانيا فصار محمدا اي حمدوه حمدا بعد حمد فهو محمود في الدنيا و الآخرة و الغيب و الشهادة و اللفظ الدالّ علي ذلك محمد و روي فيما سأله اليهودي عن وجه تسميته بمحمد و احمد فقال صلي الله عليه و آله اما محمد فانّي محمود في الارض و اما احمد فاني محمود في السماء الحديث ، فلما ثبت ان اول ما خلق الله ينبغي ان يكون مسمّي [ص 305] بهذه الاسماء في الحكمة فاعلم ان بدنه الشريف في الدنيا ينبغي ان يكون غير ملوّث بالاعراض المغيّرة للاسماء و الصفات فانه ان غيّره الاعراض لمابقي علي الاعتدال و ماصار حاكيا كاملا لنور اول ما خلق الله و ان لميغيّر بدنه الاعراض فاسمه الغيبي صادق علي بدنه الشهادي فان الله لايغيّر ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و اما ساير الناس غير الانبياء و الكليين فيغيّر ابدانهم بالاعراض فربما يكون ارواحهم في الغيب مسمّاة باسم فيتغيّر اسماؤهم في الدنيا بالاعراض و يدل علي ذلك الاخبار الواردة في الخلط و اللطخ فرُبّ حسَن يسمّي قبيحا و رب قبيح يسمي حسنا و لذا تري ان المؤمنين و الكفار يتسمون باسماء متماثلة و اما الانبياء و المرسلون و الحجج المطهرون فليس امرهم هكذا الاتري الي ما ورد في سرّ اسم داود انه سمي بذلك لانه داوٰي جرحه بوُدّ و هكذا الامر في غيره فلذلك لا بدّ و ان يكون اسم الخاتم في الدنيا ايضا هذه الاسماء فافهم ذلك و قد بيّنت بعض الاسرار هنا مما كتمه ابي (اع) في بيانه و ذكره بالاشارة .