اني لاكتم من علمي جواهره كيلايري العلم ذو جهل فيفتتنا

لقد تقدّم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

و ربّ جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا [ص 256] 

و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته بل اندمجت علي مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطويّ البعيدة انتهي ، فكيف يطيق مثل هذا العلم ابوذر و اقرانه و مع ذلك لايكلفهم الله بذلك كما قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و لكن اباذر في مقامه يستغفر الله دائما و استغفاره سبب ترقيه و كذلك الامر في الانبياء سلام الله عليهم و منها ان الاستغفار و الدعاء و الاقرار بنفسها عبادة كالصلوة و ليس من شرطها وجود الذنب في الانسان فتدبر و منها و هو ابطن و اعلي و هو ان جميع الخير من الله سبحانه و العبد بنفسه لايملك شيئا و هو دايما واقف موقف السؤال و الله بمرصد الاجابة كما قال ادعوني استجب لكم و هم سلام الله عليهم يسألون ربهم باقرارهم بالذنوب التي هي ما من حيث انفسهم علي حذو قول الشاعر :

اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب

و لكن هذا البيان مخصوص باهل العرفان .

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق جميع خلقه من غاية البعد الابعد من مقام الموت و الفناء و الاضمحلال و هو مقام التراب و في استخراج ما في كمون التراب من آيات الله في الاياب لا بد من التدبير علي نهج الحكمة و الصواب كما هو مقرر في الفلسفة لدي اولي الالباب فلا بد من حلّه و عقده و تصعيده و تصفيته مرتبة بعد مرتبة و درجة بعد درجة حتي يستخرج ما في كمونه و بغير ذلك لايمكن تكميله علي ما ينبغي و يظهر لك سر ذلك اذا نظرت الي خلق النبات و المعدن و غيرهما و لا شك ان ذلك لايحصل الا بتعذيبه بالنار الحلّالة لتحلل اجزاءه فيخرج بذلك غرائبه التي منعته من الوصول الي الدرجة العالية و عقده بعد بما ينبغي و لا شك و لا ريب ان في كل درجة من الدرجات و مرتبة من المراتب يقتضي هذه المادة نوع تربية خاصة و حلّ مخصوص فانك لو عملت في المادة اللطيفة بما يقتضيه المادة الكثيفة لفسدت البتة و لو عملت في المادة [ص 257] الكثيفة بما يناسب اللطيفة لفسدت لا محالة و لذلك دبّروا الحكماء في صنعتهم تدبيرا حكيما و هو انهم يفصلون اولا بين الروح و النفس و الجسد فيدبرون في كل واحد بما يناسبه و بعد ما بلغ كل واحد درجة الكمال يركبون بينها و لذلك قدّر الله الموت لتخليص الاجساد الطيبة الطاهرة الدهرية من الاجساد الدنيوية فيخرج الله الروح و النفس من الجسد فيطهره في القبر و لو سلط الله علي الجسد ما يسلط عليه في القبر مع وجودهما فيه لفسدتا و لكن الرب الحكيم يخرجهما و يحفظهما في مخزنه فيطهر الجسد في القبر ثم يفصل بين الروح و النفس بين النفختين فيطهرهما و بعد ما طهرت الاركان يركب بينهما في الآخرة فيقوم مولودا طيبا طاهرا و كذلك الامر في تربية العباد من الانبياء و الاولياء في سلوكهم فانهم في كل درجة و مقام يقتضون روحا بحسب قابلية ابدانهم فاذا اراد الله سبحانه تصعيدهم من هذه الدرجة يتوفي منهم الروح المتعلق بهم فيشتغل البدن بما يخصه من العصيان و الغفلة فيذكرهم و يقومون بالتوبة و البكاء و الحسرة و المشاق فيتطهر اجسادهم و يتعلق بهم روح اعلي و هذا سرّ القبض و البسط في المؤمنين و الانبياء فان المؤمن مثلا ما دام فيه روح الايمان لايكاد يعصي الله و لكنه واقف في مقامه و لايصعد لعدم اقتضاء جسده مقاما اعلي و لايصير قابلا لذلك الا بان ينحل انحلالا فلا بدّ من ان يخرج منه روح الايمان حتي يعذّب تعذيبا يليق به لانحلاله فاذا اخرج منه الروح يعصي الله لا محالة فان الذي لايعصي روح الايمان فاذا سلب عنه الروح يشتغل بالمعصية فاذا رجع اليه الروح يتذكر فيشتغل بالتوبة و الانابة و يحصل له الخضوع و الانكسار فيترقي درجة و ذلك قوله عليه السلام لايزني الزاني و هو مؤمن ، و اما الانبياء فكذلك اذا اراد الله ترقيتهم يسلب عنهم روح النبوة طرفة عين و لكن لايسلب عنهم روح الايمان فلايعصون الله و لكن يتركون الاولي و قد عبّروا عليهم السلام عن ذلك بان الله وكلهم الي انفسهم [ص 258] و بعد ما رجع اليهم روح النبوة الذي هو روح القدس يشتغلون بالاستغفار و التوبة و نار التوبة و البكاء و الندامة ترقيهم الي درجة اعلي فان بكل توبة و بكاء ينحل اركان البدن و يتطهر و ينعقد بعد فافهم و هذا سرّ ما كان يصدر من الانبياء من ترك الاولي و الا فنفس روح النبوة لايترك الاولي ابدا و هذا السرّ سار في جميع من دخل عرصة التشخص الا ان الامر في كل احد بحسبه حتي ان الامام عليه السلام قال يقبض عنا فلانعلم و يبسط لنا فنعلم ، غاية الامر ان الامر فيهم بحسبهم و اذا سلب عنهم الروح الاعلي لايسلب عنهم روح النبوة العامة التي فيهم فلايعصون الله فيما امرهم و لايتركون الاولي و لكن يقبض عنهم بعض ما يتمنون من الانوار الالهية و الفيوض الصمدانية في طرفة عين و ليس ذلك بان يسلب عنهم مطلقا فانهم الفيّاضون الي من هو ادون منهم فكيف يمكن سلب الفيض عنهم بالكلية و لكن ذلك بالنسبة الي ابدانهم و اما في المقام الاعلي فهم واجدون لجميع الكمالات لايفقدون شيئا منها اذ لو فقدوا كمالا في اعلي درجتهم لسلب عن جميع الملك اذ هم العلة التامة و اذا سلب شئ عن العلة لسلب عن جميع الملك فان السراج مثلا لو فقد لونه لفقد عن جميع الانوار و لكن في مقام ابدانهم ربما يسلب عنهم يعني ان روحهم الاعلي يتوجه الي ربه و يترك البدن و حاله فيعبّر عن هذا الحال بالقبض و من هذا الباب ما روي ان الامام حين يشرب السم ينساه مع انه لا شك انهم لاينسون و لكن يؤمرون بالتوجه الي الاعلي فلايعلمون و ليس ذلك نقص فيهم .

المنقبة الثانية

في معجزتهم و فيها فصول :

فصل - قد بيّنا فيما مضي ان الله سبحانه لطيف عادل فلايظلم عباده و من عدله و لطفه انه لايكلفهم الا بما آتاهم و قد قال في كتابه لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و قال الامام عليه السلام في تفسيره اي عرّفها و لا شك ان المعرفة مطلقا من صنع الله لا من صنع العباد كما ورد في اخبار و الله سبحانه [ص 259] يعرّفهم ثم يكلّفهم و قد ارسل اليهم الانبياء لتعريفهم نفسه و هدايتهم الي سبيله مع انهم كانوا علي صورة البشر فانه ليس من الحكمة ارسال غير البشر الي البشر لانهم لايكادون ينتفعون بغير جنسهم فجعل الرسل من جنسهم فلا بدّ و ان يفضّلهم علي ساير البشر بصفات يمتازون بها عن غيرهم فيعرفونهم بها و منها المعجزات فخصّهم بها ليمتازوا بها عن ساير الناس فقاموا بين الخلق بمعجزات و خوارق عادات لاتمام الحجة و اظهار النعمة و لو لم‌يكن لهم معجزات لماكان يعرفهم الناس لان النبوة ليست علامة في ظواهر الابدان يعرفون بها و ان قلت ان عصمتهم و علمهم كانا يكفيان علامة اقول بلي و لكن معرفة ذلك ليس حظّ كل احد فانهما ايضا ليسا علامة في ظاهر البدن حتي يعرفهما كل احد و لكنهما من الصفات النفسانية يستدل عليهما بدليل مع ان الجاهل لايعرف العالم فمن اين يطلعون الناس الجهال علي علمهم و اما العالم فيكتفي بعلمهم بل يراه معجزة و لذا نقول ان القرآن من حيث ما يحتوي من غرايب العلم ليس معجزة للجهال بل هو معجزة للعلماء و كذلك العصمة معجزة لاهل الفهم لا عامّة الناس و لكن المعجزة امر مشهود محسوس يراه كل احد فان موسي علي نبينا و آله و عليه السلام كان يلقي عصاه و تصير حيّة تسعي و يراها كل عالم و جاهل و يعرف انه فوق درجة ساير الناس اذ لايقدرون علي مثل ذلك فالله سبحانه لكمال لطفه بعباده و رحمته جعل لهم المعجزات و الآيات البينات حتي يهدي من هدي عن بيّنة و يضلّ من ضلّ عن بيّنة .

فصل - في بيان حقيقة الاعجاز بوجه ظاهر ، اعلم ان الله عز و جل خلق ما خلق من عرصة الامكان و حلّاه بحلية الكون من نور كينونته التي هي مؤثر الاكوان فتعيّن كل واحد بما خصّه الله به بحسب قابليته من كمالات كينونته و لذلك نقول ان الصورة كائنة ما كانت اشرف من المادة و قد يعبّر عن ذلك بان الله خلقهم بحسب علمه و لذلك يكون لكل كون اثر في امكانات الاشياء [ص 260] بحسبه فافهم فان ذلك سرّ من الاسرار كتموه العلماء الا عن الاخيار و قد اشرت اليه بقدر ما يقتضيه المقام و اعلم ان لامكانات الاشياء درجات و قد وقفوا فيها بحسب لطافتهم و كثافتهم و حكوا من نور الكينونة بقدرهم و وجدوا من الكمال و الآثار بقدر كونهم فالجماد مادته واقفة في اسفل سافلين و حكت من كمالات الكينونة الجمادية و صار اثرها بحسبها و فقدت ساير الكمالات فهي واجدة لكمالها بالفعل و جميع الآثار العالية عليها في قوتها و المادة النباتية صاعدة عن مقامها بدرجة و لذلك حكت كمالها مع كمال ازيد يخصّها فالنبات واجد لما وجده الجماد و ازيد و يعجز الجماد عن اتيان ما يخصّه و كذلك الحيوان مادته فوق مادتهما فتحكي كمالا فوق كمالهما مع ما لها من كمالهما فيعجز الحيوان النبات و الجماد عن الاتيان بمثل ما وجده فيدعي بين الجمادات و النباتاتِ الفلكيةَ و يستدل بما يخصّ روحه الفلكي و كذلك الانسان يملك روحا اعلي من ارواحها لصفاء مادته و لطافة قابليته فيملك كمالاتها و كمالا ازيد منها و ذلك معجزته بالنسبة اليها فيقول لها انا مولود من سنخكم بظاهري و لكن روحي من الملكوت الاعلي و لذلك يظهر مني آثار الملكوتيين فانا احفظ ما اري و انتم يا حيوانات تنسون و انتم يا نباتات و جمادات لاتدركون و انا اعلم الغيب و انتم لاتعقلون و هكذا يظهر لهم ساير صفاته و هم يعجزون عن الاتيان بمثلها و لكن ساير الاناسي يشاركونه في هذه المعجزات و اما مادة الانبياء فصارت ارفع و اعلي بمرّات و لذلك تعلّق بهم روح من امر الله ففي ظواهرهم يشاركون ساير المواليد الا انهم الطف و اشرف منهم و لكن بواطنهم روح قدسي من امر الله تعالي فيملكون كمالات عجيبة غريبة يفقدونها ساير الاناسي ففعلهم معجز لهم و لكن جميع الانبياء مشاركون في نوع المعجزات و اذا صارت المادة ارفع و اعلي يتعلق بها جميع كمالات الكينونة بل نفسها فتصير حاكية للذات الظاهرة فتحكي [ص 261] جميع كمالات الاكوان بشئ ازيد فتصير صاحب المعجزات بالنسبة الي الانبياء ايضا و ليس وراء عبادان من قرية ، فافهم و تدبر حتي تعرف حقيقة المعجزات فكل من صار صاحب روح اعلي يحكي من كمالات الكينونة اكثر فيصير صاحب المعجز بالنسبة الي من هو دونه .

فصل - اعلم ان النبي لايكون نبيا حتي يتقوي عقله و لا شك ان كل روح يتعلق بالشخص علي الكمال يظهر منه آثاره كما تري ان الروح النباتي بعد ما تعلق بالجماد يظهر منه قوي النبات و كذلك الروح الحيواني بعد ما تعلق بالنبات يظهر منه آثاره و هكذا و ما تري في نوع بني آدم من ضعف آثار الانسانية الا في قليل منهم فذلك لعدم كمالهم في الانسانية فهم في حكم البرازخ مثلا و ان اخرج من كمونهم الانسانية الي يوم القيمة و كذلك الامر في الاعالي فبعد ما تعلّق العقل باحد علي الكمال يظهر منه آثاره البتة و لا شك ان العقل هو القلم الذي كتب الله به حروف الكاينات و هو اول الموجودات و علة جميع ما دونه فاذا كمل في احد يظهر منه آثاره البتة فمن خواصه علمه بالغيب و احاطته بما كان و ما يكون و تأثيره في كل شئ فلا بدّ و ان يكون النبي صاحب هذه الكمالات و ان قلت ان الانبياء يعدّون في السلسلة في مقام الروح فكيف يملكون هذه الفضايل اقول ان الروح برزخ بين العقل و النفس و البرزخ امر بين امرين يري فيه من اثر الاعلي و الاسفل الاتري الي خيالك فانه برزخ بين الدهر و الزمان بل الغالب عليه جهة الزمان و مع ذلك تري فيه اثر الدهر بالعيان الاتري انه يري الحال و الماضي بلا تفاوت و ينظر الي كل الارض في طرفة عين فكيف حال اعالي البرزخ مع قوة الدهرية فيها و كذلك الامر في الروح فانه برزخ بين العقل و النفس فله من آثار العقل و النفس فما فيه من اثر العقل معجزته و هم درجات بعضهم في اعالي عالم الروح متصلون بالعقل و بعضهم في الاواسط و لم‌يظهر لي انهم [ص 262] يكونون في اواخر درجة الروح المتصلة بالنفس ام لا و الاوفق بالقواعد ان يكونوا في هذه الدرجة ايضا و اما حقيقة العقل فلاتكمل الا في آل‌محمد عليهم السلام و لذلك يكون معجزتهم عامة فيأتون بمعجزات جميع الانبياء و اما الانبياء فكانت معجزاتهم خاصة و قد اتي كل واحد من سنخ ما كان شايعا في زمانه فاتي موسي عليه السلام بالعصا و اليد البيضاء لما كان الشايع في زمانه السحر و اتي عيسي باحياء الاموات و ابراء الاكمه و الابرص لما كان الشايع في زمانه الطب و نبينا صلي الله عليه و آله و ان اتي بالقرآن لما كان الشايع في زمانه الفصاحة و لكنه اتي بمعجزات جميع الانبياء ايضا كما لايخفي علي من تتبع في الاخبار بل اتي الائمة الاطهار بمعجزة جميعهم و يكفي هذا القدر من البيان في بيان حقيقة المعجزات و لا بد و ان نعنون فصلا خاصا في بيان الفرق بين المعجز و السحر و الكهانة فان ذلك مسألة عظيمة و لا بدّ من بيان حقيقة كل واحد اولا بقدر ما يقتضيه الحال و لا قوة الا بالله .

فصل - قد اختلفت الاقوال في بيان حقيقة السحر و قال كل في تعريفه شيئا فقيل انه كلام او كتابة يحدث بسببه ضرر علي من عمل له في بدنه او عقله و قال آخر انه كلام او كتابة او عمل يحدث بسببه اثر علي من عمل له في بدنه او عقله او قلبه و ثالث قال بالثاني مع اشتراط المباشرة و رابع بزيادة العقد و الرقي في الجنس و خامس بانه عمل يستفاد منه حصول ملكة نفسانية يقتدر بها علي افعال غريبة و اسباب خفية و سادس باستحداث الخوارق سواءا كان بالتأثير النفساني او الاستعانة بالفلكيات فقط او بتمزيج قوتها بالقوي الارضية او بالاستعانة بالارواح الساذجة و قال سابع بعد الردّ عليهم ان المرجع في ذلك الي العرف و الذي يظهر منه و من التتبع في موارد الاستعمال انه عمل يوجب حدوث امر منوط بسبب خفي لا بمعني ان كل ما يكون كذلك سحر بل بمعني ان السحر كذلك و قال بعض انه اقسام ثمانية [ص 263] الاول سحر الكلدانيين و تفصيل مذاهبهم و اقوالهم لايليق بهذا الكتاب و مجمل قول فرقهم ان المدبر في هذا العالم الكواكب و الساحر عندهم من عرف القوة الثالثة الفعالة من تركيب شعلات النجوم و ما يليق بها و معرفة ما يليق بالعوالم السفلية و يعرف المعدّات ليعدّها و العوائق لينحيها بحسب الطاقة البشرية و القسم الثاني سحر اصحاب الاوهام و النفوس القوية و هو يكون بتجريد النفس عن الشواغل البدنية و عن مخالطة الخلق و امورهم و به يحصل تأثير هنا في جميع ما تريده من الاشياء و توجد صورته في ذهنها و تقتدر بذلك علي الاتيان بما هو خارق العادة و القسم الثالث الاستعانة بالارواح الارضية و هي الجن و هو يحصل بالرقي و الدخن و التجريد و هو المسمّي بالعزايم و عمل تسخير الجن و القسم الرابع التخييلات و الاخذ بالعيون التي لاينكر اغلاطها في رؤية الساكن متحركا و بالعكس و الصغير كبيرا و بالعكس و القسم الخامس الاعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات علي النسب الهندسية تارة و باقسام اخر و القسم السادس الاستعانة بخواص الادوية المزيلة للعقل و القسم السابع تعليق القلب كما انه لو ادعي الساحر الاسم الاعظم و ان الجن يطيعونه و ينقادون له و اذا سمع السامع لضعفه يرعب و يضعف قواه و يتمكن الساحر من فعل ما يشاء و القسم الثامن السعي بالنميمة و قال جماعة في موضوع السحر انه روح في روح كما ان الطلسم روح في جسد و الكيميا جسد في جسد اقول ما ذكروا في تعريفه و اقسامه كلها مخدوشة من جهات لست بصدد ردّها فان مفاسد التعريفات ظاهرة بيّنة للمتأمل و الاقسام المذكورة ايضا هكذا فان اكثرها من باب تأثيرات الاشياء و العلوم و اما الكهانة فهي عند الاكثر علي ما في المحكي عنهم عمل يوجب طاعة بعض الجانّ للشخص و اتباعه بحيث يأتيه بعض الاخبار الغيبية و جميع ذلك اقوال الناس و المتبع عندنا ما ورد عن آل‌محمد عليهم السلام ففي البحار في احتجاج [ص 264] مولانا الصادق عليه السلام مع الزنديق قال الزنديق فمن اين اصل الكهانة و من اين يخبر الناس بما يحدث قال ان الكهانة كانت في الجاهلية في كل حين فترة من الرسل كان الكاهن بمنزلة الحاكم يحتكمون اليه فيما يشتبه عليهم من الامور بينهم فيخبرهم باشياء تحدث و ذلك في وجوهٍ شتّي من فراسة العين و ذكاء القلب و وسوسة النفس و فطنة الروح مع قذف في قلبه لان ما يحدث في الارض من الحوادث الظاهرة فذلك يعلم الشيطان و يؤدّيه الي الكاهن و يخبر بما يحدث في المنازل و الاطراف و اما اخبار السماء فان الشياطين كانت تقعد مقاعد استراق السمع و هي لاتحجب و لاترجم بالنجوم و انما منعت من استراق السمع لئلايقع في الارض سبب يشاكل الوحي من خبر السماء و ليس علي اهل الارض ما جاءهم عن الله لاثبات الحجة و نفي الشبه و كان الشيطان يسترق الكلمة الواحدة من خبر السماء بما يحدث من الله في خلقه فيختطفها ثم يهبط بها في الارض فيقذفها الي الكاهن فاذا قد زاد كلمات من عنده فيختلط الحق بالباطل فما اصاب الكاهن من خبر مما كان يخبر به فهو ما ادّاه اليه شيطانه مما سمعه و ما اخطأ فيه فهو من باطل ما زاد فيه فمذ منعت الشياطين عن استراق السمع انقطعت الكهانة و اليوم انما تؤدي الشياطين الي كُهّانها اخبارا للناس بما للناس بما يتحدثون به و ما يحدثوه و الشياطين تؤدي الي الشياطين ما يحدث في البعد من الحوادث من سارق سرق و من قاتل قتل و غايب غاب و هم بمنزلة الناس ايضا فيهم صدوق و كذوب ، الي ان قال فاخبرني عن السحر ما اصله و كيف يقدر الساحر علي ما يوصف من عجايبه و ما يفعل قال ان السحر علي وجوه شتّي منها بمنزلة الطب كما ان الاطباء وصفوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر احتالوا لكل صحة آفة و لكل عافية عاهة و لكل معني حيلة و نوع منه آخر خطفة و سرعة و مخاريق و خفّة و نوع منه ما يأخذ اولياء الشياطين عنهم قال فمن اين علم الشياطين السحر قال من حيث عرف [ص 265] الاطباء الطب بعضه تجربة و بعضه علاج قال فما تقول في الملكين هاروت و ماروت و ما يقول الناس بانهما يعلّمان الناس السحر قال انهما موضع ابتلاء و موقف فتنة تسبيحهما اليوم لو فعل الانسان كذا و كذا لكان كذا و لو يعالج بكذا و كذا لصار كذا اصناف سحر فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم انما نحن فتنة فلاتأخذوا عنا ما يضرّكم و لاينفعكم قال أفيقدر الساحر ان يجعل الانسان بسحره في صورة الكلب و الحمار او غير ذلك قال هو اعجز من ذلك و اضعف من ان يغيّر خلق الله ان من ابطل ما ركبه الله و صوّره و غيّره فهو شريك لله في خلقه تعالي عن ذلك علوا كبيرا لو قدر الساحر علي ما وصفت لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و الامراض و لنفي البياض عن رأسه و الفقر عن ساحته و ان من اكبر السحر النميمة الحديث ، فظهر من هذا الحديث الشريف سرّ الكهانة و السحر و اما المعجز فهو كرامة الله جل شأنه علي عبده و صاحب المعجز يفعل ما يفعل من امر الله و لايحتمل فيه الخطاء مع ما بين الامرين من عظيم الفرق فاما الكاهن فقد عرفت ان شأنه الاخبار عن الغيوب من طريق النجوم او الفراسة او اخبار شياطينه و الساحر شانه التأثير في الامور العادية من طريق الاسباب كالمعالجات الطبية او بعض الشعبذات او تأثير جزئي من النفس في بعض الامور و الا فهو لايقدر علي تغيير و تبديل في الملك فان غاية تدبيره ان يحتال لسلامة آفة بدواء او بدعاء او بعمل كما هو المعمول عندهم او بشعبذة كخفّة و سرعة في عمل فيسحر اعين الناس كما هو المعمول عند اهل الافرنج و امثال ذلك و الا فلايقدر علي ان يقلب خلقا من صورة الي صورة او يغيّر تقديرا و لو كان شأنه ذلك فلمَ كانت السحرة يجعلون سحرهم سبيل عيشهم و لم‌يكونوا يدبرون لانفسهم ثروة و سلطنة و لمَ لم‌يكونوا يقتلون اعداءهم بسحرهم و بالجملة فالساحر اضعف من هذه التأثيرات في ملك الله و اما صاحب المعجز فهو محل تقدير الله جل شأنه و قد شارك [ص 266] السبع الشداد فصار فعالا في ملك الله في مثل الافلاك بل صار مؤثرا في الافلاك كما لايخفي بعد ما بلغ حدّ الضرورة ان الشمس ردت لسليمان و لامير المؤمنين و نبينا صلي الله عليه و آله شق القمر باصبعه الشريف شقتين و امثال ذلك من تأثيراتهم في الافلاك فاين هذا من السحر و الكهانة و ان كان المعجز ايضا باسباب اذ ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب و لكن اسبابه غير اسباب السحر بل اسبابه اسباب السموات التي اراد فرعون ان يصعد اليها فمنع و الشياطين كانوا يسترقون السمع دونها فمنعوا بعد ظهور نبينا صلي الله عليه و آله و بالجملة فالفرق بينهما كثير بقي الكلام في كيفية ادراك الناس ذلك فان هذا فرق غيبي غير مشهود فمن اين يعلم الناس ذلك اقول يعرف الفرق بالاقتران بساير الصفات فاذا رأيت الشخص موصوفا بالصفات الكمالية متقيا زاهدا عالما عاملا صادقا عابدا ناسكا معرضا عن الدنيا مقبلا الي الآخرة داعيا الي الله جل شأنه كل حين غير غافل عنه فانت تتيقن بكونه من اهل الله فاذا ادعي النبوة و اتي بالمعجز في وقت يجوز بعثة الانبياء فهو من الانبياء و اذا اتي بخارق عادة و لم‌يدع النبوة فهو من الاولياء الذين نصبهم الله في كل قرن فافهم و لايلزم مما ذكرنا ان لايكون المعجز دليلا بل هو دليل بنفسه الا ان معرفة المعجز من السحر يحتاج الي ما ذكرنا لدي الجاهل و اما العالم فلايحتاج الي ذلك ايضا اذ يعلم ان الساحر لايقدر علي فعل المعجز ابدا و السحرة بانفسهم اذا لم‌يكونوا من اهل الاغراض يعرفون ذلك كما كان في سحرة فرعون فانهم عرفوا ان فعل موسي عليه السلام ليس من سنخ فعلهم فآمنوا به و صدقوا بنبوته و دليل آخر يفرق به بين السحر و المعجز و هو تسديد الله جل شأنه و تأييده فان الله سبحانه قال في محكم كتابه في مواضع عديدة ان الساحر لايكاد يغلب ابدا قال الله تعالي لايفلح الساحر حيث اتي و قال قال موسي ما جئتم به السحر ان الله سيبطله ان الله لايصلح عمل المفسدين و قال ايضا في بيان سحرهم و عدم [ص 267] واقعيته سحروا اعين الناس و استرهبوهم و جاؤا بسحر عظيم و قال يخيل اليه من سحرهم انها تسعي انظروا الي الآيتين قد صرّح الله تعالي بانهم سحروا اعين الناس فكان عملهم من قبيل المعالجات اليدية من باب الليميا او كان محض تخييل و ذلك محض تأثير في خيالاتهم او لايكون الا في العين و من باب ادراكهم الباطل تخيّلوا باطلا كما انك تري شيئا علي خلاف ما هو عليه و تخيّله علي ما رأيته فافهم و اما في فعل موسي قال الق ما في يمينك تلقف ما صنعوا فظهر من ذلك ان لقفها امر واقع اذ لم‌يقل يخيّل اليه انها تلقف كما قال في حبالهم و عصيهم و قال في موضع آخر اذا هي حية تسعي و هكذا في يده يقول ادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء و بالجملة المعجز امر واقعي بخلاف بعض اقسام السحر و اما بعض اقسامه فربما يكون واقعا و لكنه من الباب المذكور و الله سبحانه يظهر بطلانه للناس فان الله لايهدي كيد الخائنين فان الساحر لايكون متقيا و لا عالما و لا ناسكا بل هم رجال فسّاق فجّار يبطل الله امرهم في اقل من طرفة عين .

فصل - من المسايل المعضلة كيفية صدور المعجزات من صاحب المعجز و لما كان هذه المسألة من المسايل الصعبة مع انها اصل اصيل في حكمة الفضائل اريد ان اذكرها في المقام و قل من التفت الي حقيقة هذه المسألة الشريفة فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد يمتنع معه ما سواه مما يعدّ فلايتصل بشئ و لايتصل به شئ و لايصدر من شئ و لايصدر منه شئ لم‌يلد و لم‌يولد و لايقترن بشئ و لايقترن به شئ و لم‌يكن له كفوا احد فلايكون بذاته علّة شئ و لا سببا لشئ بل يخلق ما يخلق بمشيته و ارادته و هي من خلقه و قد خلقها بنفسها و كذب من زعم انه علّة كل الاشياء او علّة المعلول الاول كما انه كذب من زعم انه لايريد خلق شئ نعوذ بالله و انما الخلق خلقوا بحسب قابلياتهم فمن صلح للتكون تكوّن من دون خلقه نعوذ بالله بل [ص 268] ان من شئ في السماء و الارض و ما بينهما الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب و من زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر بالله جل شانه فهي اسباب خلق الخلق اذا اجتمعت في خلق شئ يخلق و الا فهو باق في خزانة الامكان لايكاد يخرج ابدا فتدبر فان ذلك قاعدة كلية ثم قد ثبت في الحكمة ان المشية و ساير مراتبها في نفسها كلية مبهمة مطلقة و لذا نقول انها امكان للفعل و لا شك انه يشترط المناسبة التامة بين المعلول و العلّة و السبب و المسبب فلايكاد يخلق المخلوق الخاص بالمشية المبهمة و كذلك هي في اعلي مدارج الامكان لايطلع عليها افئدة الخلق فكيف ينفعل منها الخلق الواقف في اسفل مدارج الخلق مع غاية كثافته و كيف يأتمر من امر المشية مع انه لايقدر علي سماع امرها فلذلك و لغيره من الاسرار و الحِكَم جعل الله سبحانه لمشيته ظهورات في عرصة خلقه باختلاف درجاتهم لحكايتها و ابلاغ امرها ففي كل عالم من العوالم ظهرت المشية و ساير مراتبها في افلاكها و لذا صارت الافلاك في كل عالم سبعة و في هذا العالم ايضا ظهرت في افلاكها و لذا يفعل الله ما يشاء في هذا الملك بقدرته الظاهرة في الافلاك و جميع الآثار ناشئة منها لانها بلطافتها صارت حاكية لفعل الله سبحانه بل لا اثر لشئ الا بقدر فلكيته و لذا يقال ان اثر كل شئ بمزاجه و المزاج ظهور الفلكية في الاشياء فانه الطبع الخامس لكل شئ كما ان الافلاك الطبيعة الخامسة و الاخبار و الآيات الدالة علي ان الافلاك محالّ المشية كثيرة و قد قال الله في كتابه و في السماء رزقكم و ما توعدون و قال و اوحي في كل سماء امرها و كذلك الاخبار مروية في مظانّها فاذا اراد الله خلق جسم من الاجسام من هذه العناصر التي هي ظواهر الامكان يأمر الفلك ان يدور عليها فيلقي شعلاته فيها و يخرج من كمونها ما استجنّ فيها فدار بذلك ما دار و اخرج منها ما اخرج و لما كان المواليد حاصلة من تركيب [ص 269] شعلاتها مع العناصر صارت مركبة من فلكية و عنصرية فاذا غلب عليها جهة العناصر و خفيت الفلكية صارت جمادية و نباتية و اذا صارت العناصر غالبة مع ظهور الفلكية في الجملة صارت حيوانا بحسب اختلاف مراتب الحيوانات الي ان تصل الي الانسانية الكونية و بعد ما ظهر فيها الفلكية تؤثر فيها البتة لان الفلك ظاهر المشية و لكن يختلف تأثيره من المولود بحسب قوته و ضعفه ففي الحيوانات مثلا و الاناسي ما فيها من الافلاك يكون مؤثّرا الا ان في نواقصهم يكون آثارها ناقصة فربما لاتتجاوز ابدانهم كما تري ان الحيوان يحيي بروحه بدنه فيمشي و يهمهم و يريد و يدرك و هكذا و لكنه لايقدر علي التأثير في غيره و كذلك الانسان مثلا اذا ظهر فيه الخيال يؤثر في بدنه في الجملة بقدره فيتخيل و يظهر آثاره في بدنه و لكنه لايقدر علي ان يؤثر في غيره ابدا و هكذا في ساير مراتب الافلاك اذا ظهرت في المولود ناقصة تؤثر بحسبها ناقصا و ذلك امر بيّن و اذا ظهرت كاملة تشتد آثارها لا محالة بقدر كمالها فاذا غلب علي احد روح الحيوة كما يؤثر في بدنه يؤثر في غيره ايضا بقدرها فيحيي غيره و ان لم‌يكن متصلا به في الظاهر و كذلك اذا غلب علي احد الخيال مثلا يؤثر في غيره كما يؤثر في نفسه فيكمل خيالات ساير الخلق ايضا بل ربما يقدر علي التأثير بخياله في الجماد و النبات ايضا و من هذا الباب ما يقال ان الوجودات الذهنية من الكاملين تؤثر في الخارج و هذا مقام خطير و له رياضة عظيمة و قد اري الله خلقه آية ذلك في الجملة انه اذا وقع شئ في الخيال من الطيرة او الرؤيا او غير ذلك يؤثر في الخارج كما يؤثر الفلك بلا فرق فان الفلك جسم دخاني تعلق به روح فعلي و هذا ايضا هكذا و الفرق في العموم و الخصوص و هكذا يجري الامر في ساير المراتب فاذا علمت ذلك فاعلم ان المولود لايصير نبيا حتي اذا بلغ العرش بمعني بروز جميع السموات و الكرسي و العرش من كمونه علي نحو الكمال فاذا خرجت الجميع [ص 270] من قوته هكذا يتعلق به النفس الكلية المتعلقة بالملك اذ لا فرق بينه و بين الملك في القابلية و الاستعداد و ليس المناط في تعلّقها كبر المادة و صغرها بل المناط الصفاء في حدّ تصلح لحكايتها و كذلك الامر في جميع الغيبيات في ظهورها فان الدخان مثلا اذا بلغ من الصفا حدّا صار صالحا لحكاية النار يحكيها كبيرا كان او صغيرا غاية الامر ان الكبير مشعل و الصغير سراج و الا فلا فرق بينهما في حكاية النار و كذلك الامر هنا فان الروح البخاري مثلا اذا بلغ مبلغا صار قابلا لحكاية القمر يحكيه كبيرا كان او صغيرا غاية الامر ان الفلك قمر الدنيا و فلك الانسان و الحيوان روحهما و قمرهما و هكذا الامر في الباقي و اعلم ان المناط في المقام الاعتدال و اللطافة فربما يكون فلك الاشخاص اشدّ تأثيرا من فلك الملك و بالجملة ليس المقام موقع بسط هذه المسألة اكثر فاذا بلغ المولود في الصفاء و اللطافة مبلغ العرش يتعلق به النفس الكلية المتعلقة بمجموع الملك و معها العقل لا محالة لانها مادة النفس لايفارقها فيصير الشخص نبيا و صاحب التأثيرات الكلية النفسانية في هذا المُلْك فان جميع التأثيرات الجارية في المُلْك من الافلاك و هذا الرجل افلاك واقعا فهو مؤثر بل آثاره اقوي بمراتب لاسرار كثيرة ليس هنا محل بسط القول فيها بل هو يؤثر لقوته في الافلاك ايضا و كيف ينكر ذلك من شاهد الآثار الجزئية من الناس فان عين العاين تؤثر و ليس ذلك الا من قوة اثر نفسه بسبب حسده فلانحتاج في بيان كيفية المعجزة الي تأويل فكلما اراده صاحب المعجز يفعله بسمواته و الامر اليه بل يؤثر اذا شاء في الفلك و يديره علي حسب مراده نعم لايغيّرون نوع خلق الله و يفعلون ما يشاؤن من المعجزات باسباب شخصية مهما امكن مثلا اذا اراد الله سبحانه خلق الذهب من ارض يدير عليها الافلاك في سنوات حتي يستخرج من كمونها و صاحب المعجز يقدر علي ادارة الفلك في لمحة بقدر ما يلزم في صنع الذهب لان يجعل التراب ذهبا و لكنه لايفعل ذلك [ص 271] لما يترتب عليه من المفاسد في الملك و لكنه يصنع مثل ذلك بافاضة شخصية من دون واسطة الفلك المحيط و هذا شأنهم في اغلب الامور و لكن نوع تكميلهم واحد مع الخلق الطبيعي و قد لايغيّرون الخلق في الخارج و يؤثرون في النفوس و العيون اذا كان التأثير في الامر الخارجي مضرّا بامر الملك و ليس ذلك من باب السحر و الشعوذة لما عرفت ان الشعوذات محض سرعة و خفة في اليد و السحر اذا كان بتأثير روح في روح جميعه من باب تعلق الشياطين و اما ذلك فبامر من امر الله و سرّ من سر الله و انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ، فافهم ذلك و اتقنه فاني قد كشفت عن حقيقة المعجزة و الحمد لله .

المنقبة الثالثة في ذكر بعض ما يلزم من ساير فضائلهم صلوات الله عليهم و قد بيّن ابي اعلي الله مقامه كليات من فضائلهم في كتابه الشريف و كلامه المنيف الفطرة السليمة الناشئة من الفطرة الالهية و لانحتاج الي تكرارها في المقام الا بقدر الحاجة في الجملة فمن ارادها فليراجع في هذا الكتاب المبارك و لكني اذكر لك وجها آخر من فضائلهم بطرز رشيق و لسان رفيق فاصغ لما اقول ان كنت من سالكي الطريق ففيها فصول يبين فيها اصول ينتفع بها طلّاب الوصول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

فصل - اعلم ان الفضايل هي الصفات الكاملة و الصفات اعم من المثالب و المناقب فان كانت موافقة للمشية المحبوبة تسمّي فضايل و مناقب و محامد و الا فبالعكس ففضائل كل فاضل ظهورات ذاته في عرصة المظاهر و اصلها من الذات فانها هي الكاملة الا ان الكمالات في قوتها اي قوة تجليها لا تطورها و تصوّرها و قد تتجلي في مقام المجالي و المظاهر التي تسمّي بمواقع الصفات بالكمالات المتشخصة المتعينة و قد فصّل بيان ذلك ابي العلامة اعلي الله مقامه في الفطرة السليمة و مرادي هنا محض الاشارة اليها من باب المقدمة فالذات ان صارت كاملة و هي كاملة لا محالة و جمع لها المظاهر و المجالي علي نحو [ص 272] الكمال تتجلي فيها علي ما ينبغي لها و ان لم‌يجمع لها المظاهر يبقي الكمالات في قوتها ابدا و ان شئت الدليل علي ما ذكرنا فاصغ لقول مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في بيان النفوس فانه وصفها بالقوي لا بالفعليات فانه عليه السلام قال للنفس النباتية خمس قوي و كذلك للحيوانية و للانسانية و للقدسية فهي في اصل النفوس التي هي الذوات قوة و اذا جمعت لها الاسباب تتجلي فيها فتظهر بحسبها الاتري الي الحيوان مثلا فانه بصير بالقوة يعني انه يصلح لان يتجلي في البصر فاذا كان له بصر يتجلي اليه بالرؤية و الا فهو درّاك مطلق و كذلك الانسان مثلا فانه يقدر علي ان يتجلي بالفكر فاذا حصل مشعر التفكر يتفكر و الا ففكره يبقي في الامكان و ذاته شاعرة مطلقة و لذا نقول ان العمل و الرياضة و التعلم لاصلاح المشاعر لا لتكمل الذوات فانها كاملة بالخلقة و لاتتغيّر عما هي عليه ابدا فاسع جهدك في تربية المشاعر لحكاية تجلي الذات علي ما تريد و هذه قاعدة كلية في جميع المواليد فان النبات مثلا لنفسه قوة الجذب و الدفع و الامساك و الهضم فاذا كانت عناصره قوية معتدلة تحكي هذه الكمالات علي الكمال و الا فلا فان شئت ان تزيد في جذب نبات كمل ناريته بحرارة خارجة يصير جذبه اكثر و لايتغير النفس النباتية عما هي عليه اذ هي قوة و القوي لاتتغير و من هذا الباب نقول ان زيدا زيد في جميع حالاته من صغره الي كبره مع انه يتجلي في صفات مختلفة و حالات متفاوتة و بالجملة فعلي ذلك دليل الكمال ظهور الآثار من البدن فانه لو لم‌يظهر منه لدل علي عدم كمال المشاعر و عدم صلاحيتها للحكاية و كون نفس الذات كاملة لايفيد شيئا لان كمالها علي ما عرفت فالمدعي للنبوة مثلا ان ظهر آثار ذات النبوة من بدنه بالفعل يعدّ نبيا و الا فلايعدّ نبيا ابدا لان النبي من كان كامل الاركان فكل من ادعي النبوّة انظر اليه فان كان ما يخصّ ذات النبي من الكمالات ظاهرا منه باهرا فصدِّقه بالنبوة و الا فلا .

[ص 273] فصل - اعلم ان لهم صلي الله عليهم نوعين من الفضايل نوعا من حيث عبوديتهم و نوعا من حيث ربوبيتهم فان كل مولود مركب من هذين الحيثين كما ينطق به الاخبار و الآثار غاية الامر ان كل احد له هذان الحيثان بحسبه و في الانبياء كلا الحيثين كاملان بحيث قد خصّهم الله بهما من بين خلقه اما الربوبية فظاهرة و اما العبودية فخصّهم الله بها في مواقع من كتابه و يظهر من ذلك ان لها وجه خصوصية بهم صلوات الله عليهم و سأبيّن وجه الاختصاص بعد ان شاء الله ففي ذواتهم نقول ان الله قد ركّبها من حيث ربوبية و حيث عبودية و لكن الحيثين فيها في غاية التشاكل و الاتحاد فان عرصة الذات عرصة الوحدة و الانبساط و اجزاؤها ليست سابقة عليها اذ هي سرمدية بل اجزاؤها معها و لاتتفرق و لو في النظر و لكن الاختلاف في المخبر و يدرك بالتزييلات الفؤادية و اذ كانت نفس الاجزاء في غاية البساطة و الوحدة فيها فكيف بما يخصّها من الكمال فهو في قوتها سواءا كان من خواص ربوبيتهم او عبوديتهم و بعد ما اراد الله ظهورها و تجليها في القابلية اخذ لها بدنا من شأنين شأن الزمان و شأن الدهر و الدنيا و الآخرة و الغيب و الشهادة و النفس و الطبيعة فركّبه منهما و اظهر الذات منه فتجلت فيه به لا بها كما ان النار الغيبية تجلّت للدخان به لا بها فاظهرت من دهرية البدن صفات ربوبيتها و من زمانيته عبوديتها و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية وجد في العبودية و ما فقد في العبودية اصيب في الربوبية و اعلم ان الغيب لايخلو من العبودية كما ان الشهادة لاتخلو من الربوبية و لكن قوة الربوبية و سلطنتها في الغيب و لذلك ينادي الربّ هنالك لمن الملك اليوم لله الواحد القهار و ذلك فوق الطبيعة و لذا ينادي بذلك بعد نفخ الصور و صعق من في السموات و الارض و في الشهادة سطوة العبودية و مقام الجبابرة و الشياطين الي يوم الوقت المعلوم الذي هو مبدأ الغيب و لايعلمه الا هو فافهم [ص 274] و ذلك في كل احد و كل مقام بحسبه و قد مرّ سابقا اشارةٌ مّا الي ذلك .

فصل - اعلم ان العبودية قسمان شرعية و كونية اما الثانية فهي عامة و ان من شئ في السموات و الارض الا آتي الرحمن عبدا ، و كلهم اتوه طائعين ، و يسبحون له و صفة عبوديتهم انهم اطاعوا امره و لم‌يخالفوا حكمه بل هم معصومون بهذا اللحاظ اذ كلهم ملئكة الرحمن و لم‌يتخلفوا عن مشيته الكونية طرفة عين و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و الله سبحانه اجل و اعز و اسني و ارفع من ان يعصي في الكون اذ قدرته استطالت علي كل شئ و عزته غلبت علي كل شئ و قوته قهرت كل شئ فلايخرج شئ من سلطانه هذا و لم‌يأمرهم جبرا و لم‌يسلب عنهم الاستطاعة كرها بل امرهم اختيارا الاتري الي قوله ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و هو لايظلم احدا و لكن امره سبحانه في الكون امر يقبل اليه كل احد اشتياقا و يطلبه كل موجود عشقا فانما امره اذا اراد شيئا ان يقول له بالاشراق و الافاضة الغيبية كُن فيكون بكمال الاشتياق فان الامكان يشتاق الي التكوّن اشتياق المرأة الي الاولاد و الارض الي النبات مع انه قوة مختارة نسبتها الي شقي الوجود و العدم الكونيين بالسواء و لكنه محب للتكون لانه اثر كينونة الله تعالي فاذا اتاه امر من مشيته يطيعه بحسب طاقته و يخرج منه كل ما كان مستمعا لوحيه تعالي و اما ما كان من القوي فيه ميتة فلاتحيي و ما انت بمسمع من في القبور و ليس حياتها ايضا من الكمال و ذلك ما نقول ان ما كان من الاكوان فيها دلالة علي كمال الله سبحانه اخرجت من القوة و ما كانت منها دالة علي نقص او عدم كمال ماخرجت و لاتخرج ابدا فتدبر و بالجملة ففي الكون جميع الاكوان اتوه طائعين و أتمروا بامره و امتثلوا قوله فانوجدوا علي حسب طبايعهم و لم‌يعصوه ابدا و اما العبودية الاولية في الوجود الثانوي في الظهور فهي العبودية الشرعية و قد تجلّي الله لهم في مشيته الشرعية كما تجلّي [ص 275] لهم اولا في المشية الكونية و ذلك بعد اتمام خلقهم في الذر و اكمال شرايط القبول فيهم و ذلك قوله عليه السلام جعل لهم ما اذا سألهم اجابوا انتهي ، يعني جعل لهم قابلية القبول و الاجابة و عالم الذر فوق هذا العالم طولا لا قبله عرضا فالتكليف في الذر فوق التكليف في الدنيا و قول الله الظاهر من لسان مشيته الشرعية في الذر فوق قول الشارع الظاهر من لسانه في الدنيا و قوله تعالي الست بربكم و محمد نبيكم و عليّ امامكم ، غيب هذه الاحكام و الشرايع طرّا ففي هذه العرصة بعض الناس اجابوا امره و اتبعوا قوله علي الخصوص في المواقع التي امر الله ان يقبل العباد اليه منها و بعضهم اجابوا و اطاعوا نوعا و لم‌يخالفوه اذ هم اقل من ذلك فافهم ذلك فانه نكتة دقيقة و لم‌يكشف عنها القناع الي يومي هذا فان الخلق احقر من ان يخالفوا قول الله تعالي في الشرع و الكون و لكن العصيان في ترك الموقع و الاقبال من غير السبيل و الضلالة للتخلف عن الدليل الاتري ان جميع الخلق طُرّا يقرون برب نوعي و لو في الحال من دون القال حتي البهائم و ذلك ليس الا باطاعة الرب اذ ناداهم بقوله الست بربكم ، غاية الامر ان بعضا اقرّوا به من حيث امرهم فصاروا مؤمنين و بعضاً اقرّوا به من غيره فسمّوا كافرين و قد عبّر الامام عليه السلام عن ذلك ببيانين في حديثين ارويهما عن ابي اعلي الله مقامه عن ابي‌جعفر عليه السلام ان الله عز و جل خلق الخلق فخلق من احب مما احب فكان ما احب ان خلقه من طينة الجنة و خلق من ابغض مما ابغض و كان ما ابغض ان خلقه من طينة من النار ثم بعثهم في الظلال فقيل و ايّ شئ الظلال قال الم‌تر الي ظلك في الشمس شيئا و ليس بشئ ثم بعث منهم النبيين فدعوهم الي الاقرار بالله عز و جل و هو قوله عز و جل و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ثم دعوهم الي الاقرار بالنبيين فاقرّ بعضهم و انكر بعض ثم دعوهم الي ولايتنا فاقر بها والله من احب و انكرها من ابغض و هو قوله جل و عز ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل [ص 276] ثم قال كان التكذيب ثَمَّ و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي قيل معاينة كان هذا قال نعم فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه و لولا ذلك لم‌يدر احد من خالقه و رازقه فمنهم من اقرّ بلسانه في الذر و لم‌يؤمن بقلبه فقال الله و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل انتهي ، فبيّن عليه السلام ان جميعهم اقروا بالربوبية له تعالي و لكنهم لم‌يقرّوا بالانبياء الذين هم مظاهر الرب و السنته الداعية اليه فيهم و لذلك قال ابوعبدالله عليه السلام في حديثه ان بعضهم اقرّوا باللسان و بعضهم بالقلب فان من لم‌يعرف موقع صفة الربوبية بقلبه لايكون مؤمنا فان الايمان ما عقد به القلب و لايعقد الا بشخص اشتعل بنور ربه و من لم‌يكن ايمانه هكذا يكون اقراره بمحض اللسان و لايفيد ذلك شيئا لعدم ثباته فافهم فكل من اقر بالانبياء و الائمة من حيث انهم محال نور الله سبحانه يكون مسلما مؤمنا و من لم‌يقرّ بهم و لكنه اقرّ برب فهو من المقرين باللسان كساير اقسام الحيوان ثم هم مختلفون في معرفته اذ بعضهم اشار الي غايب من دون معرفة شئ و بعضهم اتخذ الهه هواه و بعضهم اتخذ الاصنام و هكذا و كل اقرّوا بالرب و لايقدرون علي التخلف عن نداء الست بربكم ثم في الاقرار بالنبوة و الولاية ايضا يكون الامر هكذا و هذا من السرّ المكنون فانهم و ان انكروا شخص النبي الحق و الولي بالصدق و لكنهم لاينكرون اصله غاية الامر انهم اقرّوا به من حيث لايعرفون و سمّوه من عند انفسهم بما يعرفون و زعموه غير من نصبه الله في عرصة الذّرّ و الا فنوع البشر من طبعه ان يتّخذ لنفسه رئيسا سايسا فالكل اطاعوا ربهم نوعا و لكن الاختلافات اتت في القوابل الشخصية فافهم فكل من اطاعه من حيث امر سمّي عبدا شرعيا و من كان مخالفا لرضاه في عمله و عقيدته اي لم‌يأته من بابه لايسمّي عبدا شرعيا و ان كان عبدا كونيا فان العبد حروف اسمه ثلثة تدل علي باطنه فان الاسماء [ص 277] الحقيقية دلايل الحقايق فعينه علمه بخالقه اي من الوجه الذي ظهر له و الا فذاته اجل من ان يعرف فانه تعالي كما قال عليه السلام تتلقاه الاذهان لا بمشاعرة و تدركه المرائي لا بمعاينة و تدركه الاوهام لا بالاحاطة بل تجلي لها بها و بها امتنع منها ، اي تجلي لها باوهام طيبة من سنخها و امتنع منها بانفسها الخبيثة البعيدة عن الله فعلم العبد بربه من اوليائه و فيهم و بهم لا غير و اما الباء فبونه عن ساير الناس و غيرهم من الاشياء التي عبدوها مدّعوا الحرية و نصبوها لهم ائمة و ابوابا و وسايط و الدال دنوّه من خالقه و ظهر لك انه لايمكن الدنو من الله بذاته فانها منزهة عن المداناة و المباينة و لكن المراد الدنو من وليه و ظاهره و معناه بولايته و الاقرار بفضله و من كان موصوفا بهذه الصفة موسوما بهذه السمة يكون عبد الله علي الحقيقة و لا شك ان احدا من الخلق لم‌يعبد الله بهذه العبادة مثل الانبياء فانهم معصومون لايخالفون الامر الشرعي الظاهر لهم من الله بواسطة الخاتم الظاهر لهم في درجتهم فانه الشارع الحقيقي بل هو النبي الحقيقي المرسل من عند الله لا غير و ساير الانبياء مرسلون من عنده و ينبأون عنه و ذلك تأويل قوله صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام انت مني بمنزلة هٰرون من موسي الا انه لا نبي بعدي ، اي لا نبي غيري و مثل ذلك كثير في اصطلاح اهل اللغة فانهم يقولون ليس بعد فلان فارس مثلا او رجل و يراد منه انه فرد في ذلك و لايماثله غيره في هذه الصفة و هكذا قوله لا نبي بعدي يعني غيري و يشهد بذلك وجود الانبياء معه و بعده و لو كان المراد عدم وجودهم للزم عدم كونهم فانه لا شك في وجود الاركان معه و بعده و ان قلنا ان المراد البعدية بالمعني المعروف للزم تأويل قوله بنحو من انحاء التأويل كأن نقول يريد لا نبي مبعوثا او صاحب شريعة و اما علي الوجه المذكور فالامر ظاهر فانه النبي الحقيقي و ساير الانبياء انبياؤه اذ هم مظاهره و آياته و علاماته و قد اثبتنا ذلك في الكتب التي صنّفناها في الفضايل فهو النبي [ص 278] المبلغ عن الله فقط و قد ادّي الي كل مخلوق امره و حكمه و شرعه و منهاجه و الانبياء سلام الله عليهم اطاعوه في جميع اوامره و نواهيه حتي سمّوا عباد الله سبحانه علي الحقيقة اذ علموا بربهم في الخاتم و بانوا من الخلق و دانوا منه و لذا ذكرهم الله في كتابه باسم العبودية في مواضع فقال في نوح ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا و قال في زكريا كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا و قال حكاية عن عيسي عليه السلام قال اني عبد الله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و قال و اذكر عبدنا داود ذا الايد انه اوّاب و قال و وهبنا لداود سليمان نعم العبد انه اواب اذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد و قال و اذكر عبدنا ايوب اذ نادي ربه اني مسني الشيطان بنصب و عذاب و قال و اذكر عبادنا ابرهيم و اسحق و يعقوب اولي الايدي و الابصار انا اخلصناهم بخالصة ذكري الدار و امثال ذلك من الآيات في شأن الانبياء سلام الله عليهم كثيرة و قد شرّف الله نوع عباده بان لم‌يجعل للشيطان عليهم سلطانا فقال حكاية عن ابليس قال رب بما اغويتني لازيّنن لهم في الارض و لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط عليّ مستقيم ان عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين و ان جهنم لموعدهم اجمعين انظر الي هذه الكرامة التي شرّف الله عباده بها فان الشيطان قال لازينن لهم في الارض و لاغوينهم اجمعين فجعل صنعه تزيين ما في الارض للغاوين و اغواءهم من هذا الحيث و استثني العباد المخلصين فنفي الله سلطانه عن عباده مطلقا بتزيين ما في الارض و غيرها فلايقدر علي التصرف فيهم بوجه من الوجوه و لم‌يصفهم بصفة اشعارا بان العباد هم المخلصون و غيرهم ليسوا عبادا و قد سمّي الله غير العباد بالغاوين و الاستثناء منقطع بملاحظة الشرع لان الغاوين ليسوا من العباد في الشرع و لذا اطلق القول و قال ان عبادي ليس لك الخ ، و لو كان الغاوون منهم [ص 279] لمااطلق لفظ العباد بل كان يصفهم بوصف كما وصف ابليس و قال الا عبادك منهم المخلصين فبنص قول الله تعالي الشيطان لايقدر علي التصرف في ظواهر الانبياء و بواطنهم بوجه فهم عاملون برضا الله سبحانه و عابدون له فكل من ادّعي النبوة لا بدّ و ان يكون موصوفا بصفة العبودية و مجملها ما ذكرنا سابقا من دلالات حروف العبد و جزئياتها لاتعدّ و لاتحصي و انا اشير الي بعضها فلا بدّ و ان يكون ازهد من جميع امته بل من جميع الامم فانه لو لم‌يكن ازهد من جميع الخلق لماصار مقبلا الي الله سبحانه بكله فانه لايكاد يجتمع في قلب احد حب الدنيا و حب الله فانه ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه فاذا رأيت الرجل حريصا في الدنيا فاعرف من ذلك انه لايكون نبيا و ان اتي بخوارق العادات فان الشيطان اذا سلّط علي احد ربما يظهر من يده بعض خوارق العادات و كذلك يكون مرتاضا فان من لم‌يكن مرتاضا لايكاد يعتدل مزاجه شرعا علي ما ينبغي فلايصحّ منهاجه فلايصير قابلا للروح القدسي فلايكاد النبي يشبع من الطعام و لايكاد يكثر من المنام و امثال ذلك مما هو شأن الكاملين مما يطول بذكره الكلام فان الرجل الاكول النوّام لايكون صالحا للعلم فضلا من النبوة و كذلك لا بدّ و ان يكون عابدا ناسكا كما سمعت من الانبياء سلام الله عليهم فان العبد لا بدّ له من العبودية فاذا رأيت الشخص فارغا من العبادة غافلا عن الله فاعرف من ذلك انه لايكون نبيا و كذلك لا بد و ان يكون متذكرا فانه يدعي انه نبأ الله جل شانه و النبأ لايتصور غفلته فلا بد من ان يكون ذاكرا بلسانه و قلبه في كل الاحوال و من نسي ربه فربه ينساه و من نسيه الرب جل شأنه يضلّه و لايهديه فلايكون قابلا لهداية غيره و كذلك لا بدّ و ان يكون موحّدا في جميع حالاته من بدأ عمره الي منتهي اجله فانه لايتصوّر في الانبياء ان يكونوا مشركين حيناً مّا لادلة كثيرة لو بسطنا القول فيها لطال بنا الكلام و جاوزنا حدّ المرام و كذلك يلزمه جمع [ص 280] جميع صفات العبودية و لو عصي ربه لهوٰي و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله لو عصيت لهويت .