فصل - في ذكر بعض الاخبار في مقاماتهم و خواص رتبهم ، عن بريد عن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله عليهما السلام في قوله و ماارسلنا قبلك من رسول و لا نبي و لا محدّث قلت جعلت فداك ليس هذه قراءتنا فما الرسول و ما النبي و المحدّث قال الرسول الذي يظهر له الملك فيكلّمه و النبي يري في المنام و ربما اجتمعت النبوة و الرسالة لواحد و المحدّث الذي يسمع الصوت و لايري الصورة قال قلت اصلحك الله كيف يعلم ان الذي رأي في المنام هو الحق و انه من الملك قال يوقع علم ذلك حتي يعرفه و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الرسول و عن النبي و عن المحدّث فقال الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربّه يقول يأمرك كذا و كذا و الرسول يكون نبيا مع الرسالة و النبي لايعاين الملك ينزل عليه النبأ علي قلبه فيكون كالمُغمٰي عليه فيري في منامه قلت فما علمه ان الذي يري في منامه حق قال يبينه الله حتي يعلم ان ذلك حق و لايعاين الملك و المحدّث الذي يسمع الصوت و لايري شاهدا و قيل ذكر المحدّث عند ابي‌عبدالله عليه السلام فقال انه يسمع الصوت و لايري الشخص فقيل له اصلحك الله كيف يعلم انه كلام الملك قال انه يعطي السكينة و الوقار حتي يعلم انه كلام الملك و سمع ابوجعفر عليه السلام يقول ان الله اتّخذ ابرهيم عليه السلام عبدا قبل ان يتخذه نبيا و اتخذه نبيا قبل ان يتخذه رسولا و اتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا و اتخذه خليلا قبل ان يتخذه [ص 232] اماما فلما جمع له هذه الاشياء و قبض بيده قال له يا ابرهيم اني جاعلك للناس اماما فمن عظمها في عين ابرهيم قال يا رب و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال الانبياء علي خمسة انواع منهم من يسمع الصوت مثل صوت السلسلة فيعلم ما عني به و منهم من ينبأ في منامه مثل يوسف و ابرهيم عليهما السلام و منهم من يعاين و منهم من ينكت في قلبه و يوقر في اذنه و عنهما عليهما السلام قال الانبياء و المرسلون علي اربع طبقات فنبي منبأ في نفسه لايعدو غيرها و نبي يري في النوم و يسمع الصوت و لايعاين في اليقظة و لم‌يبعث الي احد و عليه امام مثل ما كان ابرهيم علي لوط و نبي يري في منامه و يسمع الصوت و يعاين الملك و قد ارسل الي طائفة قلّوا او كثروا كما قال الله ليونس فارسلناه الي مائة‌الف او يزيدون قال يزيدون ثلثين‌الفا و نبي يري في نومه و يسمع الصوت و يعاين في اليقظة و هو امام مثل اولي العزم و قد كان ابرهيم نبيا و ليس بامام حتي قال الله تعالي اني جاعلك للناس اماما قال و من ذريتي بانه يكون في ولده كلهم قال لاينال عهدي الظالمين اي من عبد صنما او وثنا و عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما قال عهدنا اليه في محمد و الائمة من بعده فترك و لم‌يكن له عزم فيهم انهم هكذا و انما سمّي اولوا العزم اولي العزم لانهم عهد اليهم في محمد و الاوصياء من بعده و المهدي و سيرته فاجمع عزمهم ان ذلك كذلك و الاقرار به و قال الرضا عليه السلام انما سمّي اولوا العزم اولي العزم لانهم كانوا اصحاب العزايم و الشرايع و ذلك ان كل نبي كان بعد نوح عليه السلام كان علي شريعته و منهاجه و تابعا لكتابه الي زمان ابرهيم الخليل عليه السلام و كل نبي كان في ايام ابرهيم و بعده كان علي شريعة ابرهيم و منهاجه و تابعا لكتابه الي زمن موسي عليه السلام و كل نبي في زمن موسي عليه السلام و بعده كان علي شريعة موسي و منهاجه و تابعا لكتابه الي ايام [ص 233] عيسي عليه السلام و كل نبي كان في ايام عيسي عليه السلام و بعده كان علي منهاج عيسي عليه السلام و شريعته و تابعا لكتابه الي زمن نبينا محمد صلي الله عليه و آله فهؤلاء الخمسة اولوا العزم و هم افضل الانبياء و الرسل عليهم السلام و شريعة محمد صلي الله عليه و آله لاتنسخ الي يوم القيمة و لا نبي بعده فمن ادعي نبوة بعد نبينا او اتي بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكل من سمع ذلك منه انتهي ، و هذه الاخبار بعضها من الاخبار الصعبة و لا علينا ان نحلّ الاشكال في بعضها علي نحو الاجمال و الاختصار و لا قوة الا بالله .

فصل - من الاحاديث الصعبة ما ورد في معني اولي العزم و غيرهم انه عليه السلام قال في تفسير الآية و عهدنا الي آدم الي آخر الآية عهدنا اليه في محمد و علي الخ ، فيلزم من ذلك تهاون الانبياء بامر الولاية مع انه من اعظم الامور و كيف يتصور ذلك في شأنهم مع انهم صلوات الله عليهم من اثر الائمة و الاثر لايكاد يتخلف عن مؤثره ابدا و لايخفي عليه امره الاتري الي السراج و نوره فهل يتصوّر ان لايكون نور السراج مشايعا متّبعا له في حال من الاحوال حاشا كيف و اصل نوره و وجوده منه في الحقيقة و نفس الامر و كذلك الامر في الانبياء فانهم من نور آل‌محمد سلام الله عليهم و لايتصوّر تخلفهم عنهم هذا و تري علانية في الشيعة جماعة اذا عرض عليهم امر الولاية يقبلونه من غير مهلة فورا مع انهم في جميع احوالهم فرع الانبياء سلام الله عليهم بضرورة المسلمين اقول و من الله التوفيق ان هذا العرض و عدم الاقبال ليس في الشرع التكليفي فان الانبياء هم الذين عاهدوا اممهم في امر الولاية و لكن ذلك في اكوانهم كما في معصية آدم عليه السلام فانه لم‌يعص ربه في الشرع فانه معصوم مطهر و لكنه عصي في الكون و ذلك ان الله خلقهم من نور آل‌محمد سلام الله عليهم كما مرّ سابقا و وقعت الانوار في درجات مختلفة بحسب القرب و البعد كما ان نور الشمس ينبثّ من مقام قرب الشمس الي غاية [ص 234] البعد الابعد في درجات متفاوتة مختلفة فمنها في غاية القرب الاقرب و منها في غاية البعد الابعد و بينهما مراتب لعدم الطفرة فما كان في غاية القرب يكون اشبه بها و ما كان في غاية البعد يكون شباهته اقل و ذلك امر ظاهر كذلك الامر في الانبياء فبعضهم وقعوا في غاية القرب من آل‌محمد سلام الله عليهم فصاروا علي صفتهم من دون اختلاف بينهم و بينهم الا في العبودية و الولاية الكلية و الا فمن جميع الجهات يكون النور علي صفة منيره و لذلك احاطوا بجميع ما دونهم و علموا علم ما كان و اما ما ورد في عدم علمهم بما يكون ففيه اسرار ليس هنا محل بيانه و يحتمل ان نشير اليه في الجملة بعد ان شاء الله و هؤلاء الانوار لايكادون يغفلون عن مؤثرهم طرفة عين لانهم غير مقيدين بقيد يمنعهم عن النظر اليهم صلوات الله عليهم فان الغفلة عن المؤثر ليس الا لوجود القيود المانعة و الا فهو المتجلي في حقيقة الاثر بنحو الاحاطة الاحدية هذا و غفلته عن مؤثره غفلة عن نفسه كما ان تذكره له تذكره لنفسه فمن انهمك في القيد ينسي نفسه و من لا قيد له لاينسي نفسه ابدا فهم في جميع الحالات متذكرون لمؤثرهم فلايكادون يتخلفون عنهم ابدا و لو في جزئي من الجزئيات و يعبّر عن ذلك بعدم التأني في امر الولاية و عزمهم عليه و اما الادنون فلم‌يبقوا علي الصرافة الاولية فلايثبت لهم الاحاطة الكلية فاذا نظروا الي جهة ربما يغفلون عن جهة و ربما يغفلون عن المؤثر الحقيقي لنقصان قابليتهم و ان لم‌يشتغلوا بما يخالفه ايضا لعصمتهم و يعبّر عن هذا البعد بالعصيان و عدم العزم و ذلك عصيان وجودي كوني و سيأتي في بيان عصمتهم ايضا زيادة بيان فاولوا العزم من صار فانيا في جنب الولاية الكلية بحيث لم‌يبق لهم انيّة و غيرهم من لم‌يكن بهذه الدرجة فافهم و تدبر ان شاء الله و من المشكلات ايضا اثبات الامامة لبعض دون بعض فاعلم ان الامام في اللغة من يؤتمّ به و من ذلك امام الجمعة و الجماعة قال في المعيار و الامام القرآن و النبي و كل خليفة [ص 235] من خلفائه الاثني‌عشر (ع) و العالم المقتدي به و قيّم الامر المصلح له و قايد الجند و من يؤتم به في الصلوة فاذا علمت ذلك فاعلم ان الامامة لها معان متفاوتة بحسب الدرجات فقد تعم بحيث تشمل كل من يقتدي به مطلقا في الحق و الباطل فيقال ائمة الحق و ائمة الضلال و ذلك قوله ائمة يدعون الي النار و ائمة يهدون بامرنا و يوم ندعو كل اناس بامامهم و قد تخصّ باهل الحق و تشمل جميع السابقين الذين يرمق آثارهم و يتبع اعمالهم و اقوالهم و معناها في مثل المقام محض كون الشخص متبوعا و لو في امر من الامور و قد تخصص ايضا بمعني اخص فلايسمّي كل متبوع اماما بل من كان جامعا لصفات الكمال متبوعا في كل الاحوال يسمّي اماما كما في حديث همام في صفة المؤمن انه خصّ الجامع لهذه الصفات باسم الامامة دون غيره و بهذا المعني يخصّ اسم الامام بعد الائمة الاطياب بجميع الانبياء و كاملي الشيعة و لذلك يسمّي حجة كل زمان بامامه و قال عليه السلام من مات و لم‌يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ، و قد تخصص الامامة بمن كان معصوما في جميع الاعمال و لايخطي و لايسهو و هذه امامة فوق امامة الباقين و تخصّ بالانبياء سلام الله عليهم فان غيرهم من الكاملين و ان بلغوا مبلغ الامامة بالمعني الاعم الا انهم لايكونون معصومين من السهو و النسيان فهم ائمة فيما لم‌يسهوا فيه و لم‌ينسوه لا مطلقا و لكن الانبياء لايعرضهم ذلك و لكنهم ايضا لايكونون ائمة في جميع الامور الجزئية و الكلية اذ ربما يفقدون كمالا و يتركون الاولي مع انهم لايكونون ائمة لجميع الناس فرب نبي يكون اماما بالنسبة الي جماعة و مأموما لغيره فان الرسل ائمة علي الانبياء و فضّل الله النبيين بعضهم علي بعض فبهذه الملاحظة يخصّ الامامة بالرسل و لذلك سمّي الله يعقوب و اسحق اماما و لكنهم ايضا دون درجة اولي العزم و لايكونون ائمة علي جميع الانبياء و المرسلين فالامامة الكلية فيهم مخصوصة باولي العزم منهم و هذه هي [ص 236] الامامة التي مقامها فوق الرسالة و طلب ابرهيم هذه الامامة لبعض ذريته و قال الله لاينال عهدي الظالمين ثم فوق ذلك امامة تخصّ بالائمة الاثني‌عشر و الخاتم صلوات الله عليهم و هذه امامة عامة خاصة لاتليق الا بمن اشهده الله خلق السموات و الارض كما في قوله تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و هم الامة الوسط الذين قال الله فيهم و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و هذه امامة حقيقية يعني يكونون قدوة في الكون و الشرع لجميع الخلق و ائمة علي جميعهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة العوالم الغيبية و حال اهلها انه لا حجة لهم سواي و كذلك هم ائمة للقلم و اللوح و لجميع ذرات الوجود من الغيب و الشهود و ائمة لجميع الانبياء و المرسلين فهذه الامامة مخصوصة بهم لاتليق بسواهم فتدبر و من المشكلات صفة المحدث فان الظاهر المشهود لعامة الناس ان المراد من المحدث في هذه الاخبار هم الائمة صلوات الله عليهم و ورد بهذا المعني ايضا اخبار انهم محدّثون و في بعض الاخبار ان رتبة المحدّث دون درجة الانبياء و لايستقيم علي ذلك ان يكون ذلك من مقاماتهم اذ هم افضل من الانبياء و الرسل سوي الخاتم صلي الله عليه و آله و في بعض الاخبار وصفوا بعض كبار الشيعة بالمحدّثية كما ورد في صفة سلمان انه كان محدّثا قيل مَن يحدّثه قال امامه و في رواية ملك كريم و في رواية ان لكل زمان محدّثا انتهي ، اقول انه لا بد من ذلك فان حجة الله هي الحجة البالغة و لا بدّ في كل زمان من وجود من كان مطلعا علي مرضات الله و مسخطه و لايطلع احد عليها الا بوحي من عنده او بحديث و الوحي مخصوص بالانبياء و الحديث بالاولياء لاتقل انه يكفي الكتاب و السنة عن الحديث الغيبي فان علم الكتاب و السنة عندهم و لايطلع علي مكنون سرّهم سواهم فلا بدّ من سفير بينهم و بين الخلق و سيجيء بعد بيان ذلك ان شاء الله و علي ان يكون [ص 237] المحدّثيّة من مقامات الشيعة نقول توصيفهم نفسهم بالمحدّث لاينافي ذلك فانهم واجدون لكمالات من دونهم لا محالة كما يوصفون بالانسانية مثلا او نقول انه يحدّثهم ربهم و هم يحدّثون شيعتهم و الفرق بين المقامين ظاهر .

فصل - اعلم ان الاخبار في عدد الانبياء مختلفة ففي حديث عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله بعث اربعة‌آلاف نبي و كان لهم اربعة‌آلاف وصي و ثمانية‌آلاف سبط الحديث ، و قال في مقام آخر بعثت علي اثر ثمانية‌آلاف نبي منهم اربعة‌آلاف من بني‌اسرائيل و في رواية عن الرضا عن آبائه (ع) قال قال النبي صلي الله عليه و آله خلق الله عز و جل مائة‌الف نبي و اربعة و عشرين‌الف نبي انا اكرمهم علي الله و لا فخر و خلق الله عز و جل مائة‌الف وصي و اربعة و عشرين‌الف وصي فعليٌّ اكرمهم علي الله و افضلهم و عن ابي‌عبدالله (ع) قال لصفوان يا صفوان هل تدري كم بعث الله من نبي قال قلت ماادري قال بعث الله مائة‌الف نبي و اربعة و اربعين‌الف نبي و مثلهم اوصياء بصدق الحديث و اداء الامانة و الزهد في الدنيا و مابعث الله نبيا خيرا من محمد (ص) و لا وصيا خيرا من وصيه و قيل لرسول الله (ص) يا رسول الله كم النبيون قال مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف نبي قيل كم المرسلون منهم قال ثلثمائة و ثلثة‌عشر جما غفيرا قيل من كان اول الانبياء قال آدم قيل و ماكان من الانبياء مرسلا قال نعم خلقه الله بيده و نفخ فيه من روحه ثم قال اربعة من الانبياء سريانيون آدم و شيث و اخنوخ و هو ادريس عليه السلام و هو اول من خطّ بالقلم و نوح و اربعة من العرب هود و صالح و شعيب و نبيك محمد (ص) و اول نبي من بني‌اسرائيل موسي و آخرهم عيسي و ستمائة نبي قيل يا رسول الله كم انزل الله من كتاب قال مائة كتاب و اربعة كتب انزل الله تعالي علي شيث عليه السلام خمسين صحيفة و علي ادريس ثلثين صحيفة و علي ابرهيم [ص 238] عشرين صحيفة و انزل التورية و الانجيل و الزبور و الفرقان انتهي ، و المشهور من عددهم انهم مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الفا و بهذا العدد لهم اوصياء بل هو كالمجمع عليه بين الشيعة و قال الصدوق عليه الرحمة ان ذلك اعتقادنا و يحتمل ان يكون ما ورد في اقلّ من هذا العدد عدد كبرائهم مع ان اثبات الاقل لاينافي الاكثر و اما حديث صفوان فيحتمل فيه التصحيف و لم‌اقف علي قول بهذا العدد و علي ايّ حال لانحتاج الي تحقيق في المقام بعد ما وضع الله عنا معرفتهم باشخاصهم و عددهم كما في الخبر و يكفينا الاقرار بنوعهم نعم يجب الاقرار بالذين ذكر الله اسماءهم في كتابه للزوم الاعتقاد بما نزل به الكتاب و كذلك يجب معرفة الاركان كما في حديث الخيط قال عليه السلام أوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا ، و يظهر من هذا الحديث ان معرفة ادون من النجباء لا مدخل له في الايمان و في حديث آخر في المعرفة عدّ عليه السلام غيرهم ايضا و سيجيء بعد ان شاء الله بيان ذلك و لما كان معرفة الاركان خامس شروط الايمان لا علينا ان نذكر فصلا خاصا في فضلهم و وصفهم .

فصل - قد ثبت بالادلة القطعية ان اربعة من الانبياء احياء لم‌يموتوا و هم عيسي و ادريس و الياس و خضر عليهم السلام و الانبياء و ان كان جميعهم احياء عند ربهم يرزقون و قد ورد في المؤمن انه حيّ في الدارين و لكن ساير الانبياء علي الظاهر تركوا اجسادهم الدنيوية و هؤلاء الاربعة لم‌يتركوا ابدانهم في الظاهر و اختفوا فاما الثلثة فرفعهم الله اليه و اما خضر فخفي ببدنه و المرفوعون ايضا سايرون في الدنيا و كانا خضر و الياس يأتيان النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام و يحضران الموسم كل سنة و يلتقيان كما في الاخبار و ما نزل في القرآن في عيسي اني متوفيك و رافعك اليَّ [ص 239] فلايلزم ان يكون قبل ذلك بل يحتمل ان يكون اخبارا عن زمان موته او يكون التوفي بمعني الرفع الي السماء و مثله في القرآن موجود الاتري الي قوله تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت و يرسل الاخري و النايم يرفع بروحه الي السماء مع حيوته فلايلزم ان يكون بالموت و كذلك في عيسي ماقتلوه و ماصلبوه بل رفعه الله اليه و عبّر عن ذلك بالتوفي و بالجملة بعد ما قام ضرورة الشيعة بل الاسلام بحيوة هؤلاء لايبقي شكّ لمؤمن فيها و قد روي في الخصال عن احدهما عليهما السلام قال لاتخلو الارض من المؤمنين و لايكونون اقل من اربعة و ذلك ان الفسطاط لايقوم الا باربعة اطناب و العمود في وسطه انتهي ، و القراين تدل علي ان المراد من الاربعة هم الاركان فانهم الذين يقوم بهم فسطاط العالم و الامام عليه السلام هو العمود و القطب الذي منه نشو كل شئ و لا علينا ان نبيّن شطرا من حكم اربعية الاركان فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية منزهة عن التركيب لما مرّ سابقا في التوحيد و قد تجلي اول ما تجلي بمشيته جل شأنه بنفسها كما قال عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و هي مقام الفعل و اول الظهور و عرشه الذي كان علي الماء و استوي برحمانيته عليه فصار العرش غيبا في ذاته و هي في غاية الوحدة و البساطة الاولية التي تمكن في الخلق و لكنها لاتخلو من تركيب فان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قايما بذاته و قال الله في كتابه و من كل شئ خلقنا زوجين فلا بدّ من تركيب فيها و ينبأ عن ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، فثَمَّ نفس و مشية و النفس حيثها الي الله خالقها و يد الفاعل فيها و المشية هي حيث الانيّة و العبودية و الامكان و الفقدان و لا شك ان بينهما بونا بعيدا فما من الله نور صرف و فعلية محضة و كمال صرف و لذا قد يعبّر عنه بالعلم و قال عليه السلام بالعلم خلقت المشية و لايتصوّر في علمه تعالي [ص 240] نقص ، هذا و ان لم‌يكن نفس المشية حقيقة العلم و لكنها علميتها لله و علميتها آية العلم الازلي فهي علي صفته لا محالة و في جميع ذلك حيث الانية بخلافها فلايكادان يأتلفان الا برابطين حكَمين و ذلك قوله تعالي ان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من اهله و حكما من اهلها ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما و قال مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان و قد قال عليه السلام في معني البرزخ امر بين امرين فله حيث الي الاعلي و حيث الي الاسفل فهما شيئان فالحيث الي الاعلي حكم من اهله و الحيث الي الاسفل حكم من اهلها هذا و الحيث الاول لقربه من الاعلي في غاية الحرارة فان الحرارة ما يحرق الشئ و يفتّت اجزاءه و يبيد تركيبه و يلطف رطوبته و يصعدها فيقطع اوصاله كما هو مشهود و ما من الله هكذا اماسمعت ما رواه المجلسي ان لله سبعين‌الف حجابا لو كشفت لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ، فما من الله حار مسلّما و مع حرارته يابس اذ جمد تحت امر الله لايخالفه و جفّ علي ما وضعه الله عليه و يبس تحت احاطته فحيث فعل المشية اي نفسها حار يابس و حيث انيّتها بارد لبعده عن المبدأ فان اصل الحرارة من نور الذات و البرودة من العبودية فكلما بعد من نور الذات يغلب عليه البرد و اليبس ايضا لقلّة رطوبة مطاوعته فان النار العليا و ان قلنا انها يابسة الا ان يبسها لكثرة مطاوعتها لا لجفافها و لكن جهة الانية قليلة المطاوعة و يكفي في قلّة مطاوعتها عدم خروج جميع كمالات الكينونة في فعليتها فهي باردة يابسة و قد ثبت في الفلسفة التي هي مرآة الحكماء ان يابسين لايكادان يأتلفان و يتركبان ابدا مع ان بينهما منافرة تامّة و البرد يفرّ من الحرّ دائما و بالعكس فلا بدّ بينهما من رطوبة لثبوت التركيب و الازدواج و الرطوبة بنفسها لاتقوم فلا بدّ من ان تضمّ مع الحرارة او البرودة فانهما من الفاعل و الرطوبة و اليبوسة من القابل و القابل بلا فاعل لايقوم و بالعكس فان كانت [ص 241] الرطوبة البرزخية مع البرودة لاتناسب النار فان البارد الرطب رطوبته مائية تقتضي التسفل و القرب من التراب بل اذا قرب منه النار فان كانت غالبة يبطل حكمها بالتفريق و التبخير كما تشاهد بل بينهما عداوة تامة و النار مع التراب اوفق لمقام اليبوسة و ان صار الماء غالبا يبطل حكم النار لاجل ذلك و ان كانت الرطوبة مع الحرارة تصير مصادقة للنار منافرة مع التراب بالكلية و لذا يقال في الرمل ان النقطة النارية منافرة مع المائية و لها مصادقة مع الهوائية و مسالمة مع الترابية بل يقال ان النار تطلب الهواء الذي يليها و الهواء الماء و الماء التراب و كذلك يقال الهواء منافر مع التراب بالكلية فان الهواء حارّ و التراب بارد و هو رطب و هو يابس فكيف يتركبان فلا بدّ في الحكمة من وجود رطوبتين و ذلك ما يقال في الفلسفة ماء من رطوبتين فافهم فلا بد من وجود حكَم رطب من العالي الذكر و حكَم رطب من اهل الانثي و الاول حارّ و الثاني بارد و لايكون برد البارد بقدر برد التراب و لا حرارة الحار بقدر حرارة النار فالماء بسبب برده يمازج التراب فيعده للتركيب و برطوبته يميل الي الهواء فيمتزج معه و كذلك الهواء بحرارته يميل الي النار و يجعلها صالحة للتركيب و برطوبته يميل الي الماء فبسبب ذلك يحصل الخلط و المزج فينعقد الذوائب في الجوامد و تنحل الجوامد في الذوائب كما يقال في الفلسفة نار حايلة و ارض سايلة و ماء جامد و هواء راكد فيحصل المولود من هذه الاربعة و لذلك يقال ان كل شئ مربع الكيفية و بالجملة يعبّر عن هذه المراتب الاربع في الاخبار بالمشية و الارادة و القدر و القضاء و قد يعبّر عنها بسرّ السّرّ و سرّ مستسر و سرّ مقنع بالسرّ و سرّ لايفيده الا سرّ و قد يعبّر مشايخنا عن هذه المراتب في عالم الامر بالباطن و الباطن من حيث البطون و الظاهر و الظاهر من حيث الظهور و لما كان بناء مشية الله التي هي علّة الكاينات و سبب الموجودات علي هذه الاربع يكون بناء جميع الخلق علي ذلك لان [ص 242] الكل آثار مشية الله و الاثر يشابه صفة مؤثره لا محالة هذا و كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه فيجري فيه ما ذكرنا في المشية بلا تفاوت و لذا يكون بناء الجميع علي الاربع فاصول الايمان اربعة و كلمات التوحيد اربع و التسبيحات اربعة و مراتب التوحيد من حيث الظهور اربع و الذات فوقها محيطة بها و اكابر الانبياء اربعة شيخ الانبياء و خليلهم و كليمهم و روحهم و نبينا بمنزلة الذات فيهم و اركان العرش اربعة و اركان بيت المعمور اربعة و اركان الكعبة البيت الحرام اربعة و حملة العرش اربعة و اكابر الملائكة اربعة و العناصر اربعة و الاخلاط في الانسان اربعة و كليات الارواح اربعة و الجهات اربع و هكذا بناء جميع الملك علي الاربع و لذا صار قوام الملك بالاربع الخلق و الرزق و الموت و الحيوة و العوالم الغيبية اربعة و الشهادية اربعة و قوله تعالي و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية اشارة الي ذلك فاربعة من الاولين حاملوا عرش الغيب و اربعة من الآخرين حاملوا عرش الشهادة و لذلك صار مقامات الائمة اربعة البيان و المعاني و الابواب و الامامة فلذلك يكون عدد الاركان ايضا اربعة و جميع هذه الاربعات له خامس يكون بمنزلة الطبيعة الخامسة في الاربعة و للاركان ايضا خامس و هو الامام عليه السلام و هو خامس الاربعة فافهم ذلك ان شاء الله ، هذا في الظاهر و اما في الباطن فنقول ان جميع ما في الغيب من المشية فما دونها بل اعلاها لا بدّ من ظهورها في الاسفل و ذلك امر ثابت في محله فان الظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة و كليات الحكمة ما لم‌تكن تامّة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم ، فلا بدّ من ظهور الغيوب في الشهادة لتمامها و كمالها و قد قدّر الله سبحانه ذلك و اراك آيته فيك الاتري ان الله سبحانه جعل لك عقلا معنويا و هو قلبك و وسطك كما قال عليه السلام العقل وسط الكل و جعل له فيك آية في الظاهر لظهوره في بدنك الجسماني [ص 243] و لولاها لماظهر فيك العقل و هو قلبك اللحماني و كذلك جعل لك نفسا غيبية و اظهرها في صدرك و كذلك جعل لك مشاعر برزخية و اظهرها في بطون الدماغ و هكذا الامر في الدنيا و لولا الشهادة لماكاد يظهر الغيب بل اثبتنا في المباحثات و بعض الرسائل ان وجود الروح فوق بدنه الدنياوي لا قبل و لا بعد فقبل ان يتولد المولود في الدنيا لا ذكر له في الخزائن العالية الا علي نحو الابهام و كذلك وجودها بوجود البسايط الكلية و لولاها لماوجد غيب و لا شهادة و قد قال عليه السلام الغيب ما لم‌يكن و الشهادة ما قد كان فلا روح الا بالبدن و الروح في البدن كالمعني في اللفظ و لولا لفظ لماكان معني .

فاذا عرفت ذلك فاعلم انه لا بدّ في الملك من وجود قطب كلي لحكاية الذات الظاهرة التي هي العلم و نفس المشية و هو الامام الاعظم و العماد الاقوم به يظهر نور الازل و وجه الحق لم‌يزل و وجود اركان اربعة لحكاية اركان المشية و هي المشية و الارادة و القدر و القضاء و لولاهم لماظهرت فلايكاد يخلق شئ لعدم وجود محالّ المشية و اوكار الارادة و اكمام القدر و اماكن القضاء فانه لا بدّ للفعل من حامل و حامله فاعله و الفاعل في الظاهر مشتق من الفعل و لكنه يدلّ علي ذات الفاعل الظاهرة في الفعل و كذلك الامر في الاركان و ان كانوا مخلوقين بمشية الله جل شانه الا انهم يدلون علي الذات و منهم يظهر جميع اسرار الوجود و بهم يعبد المعبود و ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليهم و كل ما يشاء الله سبحانه يحرّك من بواطنهم ما اكمنه في قلوبهم من مشيته و اجراه بهم و اما الامام عليه السلام فهو فوق الذكر و فوق معرفة الخلق و لكنه استوي برحمانية الله علي عرش الاركان فصار عرش وجودهم غيبا في ذاته فلم‌يبق انيّة لهم فصاروا ادلّاء علي مرضات الامام و بهم يحفظ الله العباد و يسوس البلاد و لجزئيتهم بالنسبة الي الامام وكّل الله كل واحد منهم بجهة خاصة من خلقه و يخدمه فوج خاص من ملئكته فعيسي علي نبينا و آله و عليه السلام [ص 244] موكل بالخلق و يخدمه جبرئيل مع افواج من الملئكة و هو يد الخالق و محل المشية و روح من امر الله و كلمته التي القاها الي مريم الامكان فخلق به ما كان من غير اب سابق و لا ابن لاحق اذ شأنه اجل من النسب لما ملك من جليل الحسب و قد اظهر الله علي يديه الخلق فكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فيصير طيرا باذن الله و يبرئ الاكمه و الابرص و يحيي الموتي باذن الله و كان ينبئهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم ، الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و ذلك شان جميع اولي العزم من الرسل كما تري في طير ابرهيم و عصي موسي و بالجملة فعيسي حامل الخلق يعني انه من تجليه و الركن الاسفل الايسر من اركان العرش و النور الاحمر الذي منه احمرّت الحمرة و العنصر الناري في الاسطقسات و الحرارة و اليبوسة في الطبايع و الصبغ و الفتي الشرقي في المولود الوسيط و الركن العراقي في الكعبة و الايسر المؤخر في الضراح و المشرق من الجهات و الصفراء من الاخلاط و الصبا من الرياح باعتبار و الدبور باعتبار و يخدمه جبرئيل مع اعوانه الثلثة و خدّامه التسعين في العوالم الثلثة و هرمس عليه السلام حامل الحيوة يعني انها من تجليه و الركن الايمن المؤخر من اركان العرش و النور الاصفر و العنصر الهوائي و الحرارة و الرطوبة في الطبايع و الدهن و الاصفر الشرقي في المولود الهرمسي و الركن اليماني في الكعبة و الايمن المؤخر في الضراح و الجنوب من الجهات و من الرياح و يخدمه اسرافيل مع اعوانه الثلثة و خدّامه الثلثين و الياس عليه السلام الغايب من الناس حامل لركن الرزق يعني انه من تجليه و الركن الايمن الاعلي في العرش و النور الابيض في اركانه و العنصر المائي في الاسطقسات و البرودة و الرطوبة في الطبايع و البلغم في الاخلاط و الفتاة الغربية في المولود الوسيط و الركن الغربي في الكعبة و الايمن المقدم في الضراح و المغرب من الجهات [ص 245] و الصبا او الدبور من الرياح و يخدمه ميكائيل مع اعوانه الثلثة و خدّامه الثلثين في العوالم الثلثة و الخضر عليه السلام حامل ركن الموت في الملك يعني انه من تجليه و الركن الايسر الاعلي من العرش و النور الاخضر و العنصر الترابي و البرودة و اليبوسة و السوداء و الشمال و الارض المقدسة في المولود الوسيط و الركن الشامي من الكعبة و الايسر المقدم في الضراح و الشمال من الرياح و هكذا الامر في ساير المناسبات في كل و يظهر الامر علي الاريب بادني تأمل و خلاصة المراد ان جميع الملك بيد هؤلاء الاربعة و اعلم انه لا اختلاف بينهم في الواقع بل هم في غاية الاتحاد الممكن في مقامهم و كأنهم روح واحد في قوالب اربعة و ما لاولهم يثبت لآخرهم في الجملة و لكن من باب انهم ليسوا مثل امامهم في الاحاطة لم‌يؤمر جميعهم بجميع امور الملك و الامام وحده حاكم علي الكل و اعلم ان النقباء بمنزلة الايادي لهم في اجراء الامور و يخدمونهم و يحتمل قويا ان يكون عددهم اثني‌عشر لان يخدم كل واحد من الاركان ثلثة منهم فيوكل الي كل واحد جهة من الجهات و حيثا من الحيوث لايشاركه فيه غيره لان وحدة الناطق قاعدة كلية جارية في جميع الملك و بوحدته يستدل علي وحدة الرب فكل واحد فرد في جهة خدمته و يخدمه جماعة من النجباء و هم اعوانه و يجوز ان يقال ان الحاكم علي الاركان ايضا عيسي عليه السلام و الثلثة خدّامه و يخدم كلا من الثلثة ثلثة او اربعة من النقباء و يشهد بذلك ما ورد ان عيسي وزير الحجة عليه السلام زمان ظهوره و لايقال ان ساير الانبياء في منزلته مع انهم معه لا محالة فهم ايادي عيسي في وزارته فافهم و اغتنم و لاينافي ذلك ما نقول ان ناطق النقباء ايضا واحد فان لهم قطبا يدورون حوله مع ان جهات خدمتهم متعددة و الواحد فوارة الفيوض لهم فتدبر و ليس هنا محل اقامة البرهان لذلك و بالجملة فالاركان عددهم اربعة و هم قايمون دايمون لايموتون الي يوم ينفخ في الصور [ص 246] و لكن النقباء و النجباء يبدلون و لذلك سمّوا بالابدال .

فصل - لايرد علينا فيما قلنا ان قوام الملك بوجود الاركان انه مضي ازمنة و دهور لم‌يكونوا في الملك فكيف يقال ان قوام الملك بوجودهم و كذلك الامام و النقباء و النجباء فانه لا شك في عدم وجودهم في الظاهر قبل آدم و كذلك في ازمنة غالب الانبياء بل في زماننا ليسوا في الظاهر و ان كانوا في الباطن ، اقول ان لذلك اجوبة منها ان وجودهم في زمان من الازمنة يكفي عن جميعها اذ الزمان بمنزلة بحر متلاطم تيّاره متراكم زخّاره فاذا وقع في وسطه مثلا صخرة و حدث منها موج يؤثر في جميع اطرافه و كذلك اذا قام في الزمان قايم يؤثر في جميعه الاتري الي ما ورد ان حمرة السماء في الغدوة و العشي من اثر شهادة ابي‌عبدالله عليه السلام مع انها كانت قبلها بلا شك و كذلك تري ان النبي (ص) اثّر في آبائه الاكرمين و صاروا برُمّتهم مؤمنين و كذلك في الاركان و غيرهم من الذين يقال ان وجودهم شرط بقاء العالم و قوام بني آدم و ساير الوجوه كثيرة اشير الي بعضها في ساير المقامات ان شاء الله .

المطلب الثالث

في بعض كليات فضائلهم مما يجب الاعتقاد به و فيه مناقب :

المنقبة الاولي

في عصمتهم و فيها فصول :

فصل - مما يجب الاعتقاد به من فضايلهم عصمتهم صلوات الله عليهم فانه لا شك و لا ريب انهم معصومون عن العصيان و السهو و الخطاء و النسيان بل قام بذلك الضرورة و خلاف الشاذ شاذ و لكن لما كان بناؤنا علي بيان الحقايق ابيّن في المقام حقيقة المسألة و كتب الاصحاب مشحونة ببيان الظواهر و ان شئت فراجع فاعلم ان الله سبحانه و تعالي خلق اول ما خلق من الامكان العقل و هو احبّ الخلق اليه اذ كان اشبه الاشياء بمشيته و لذلك يكون فعالا في [ص 247] الملك مؤثرا فيه عالما به و هو قلم قدرة الله يكتب به ما كان و ما يكون و هو نور لا ظلام فيه الا بقدر استمساك وجوده و هو انيته التي بها قوامه و هي مع كونها ظلمة لايثبت لها حكم الظلمة لاشتعالها بتمامها بالنور الاتري ان الشعلة مثلا يقال انها مركبة من نور و ظلمة و لكن ظلمتها بتمامها مشتعلة بالنور بحيث لم‌يبق لها سواد فليس الا النور و قد بيّن الله تعالي ذلك في قوله يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فهذه النفس الطيبة اي الانية النيرة صارت من العقل و اخته و علي طبعه و قد بيّن ذلك العقل الناطق صلي الله عليه و آله قيل له ألك شيطان قال بلي و لكن اسلم ، فان شيطانه انيته و هي مسلمة مؤمنة فللعقل الاول نقطة من الظلمة نيّرة و اصلها و عمودها في اسفل سافلين و لها في هذه المرتبة نقطة من النور بقدر استمساك وجودها و قد يمثّل لذلك بمثلثين متداخلين يكون رأس مخروط كل واحد عند قاعدة الآخر و بهذا الحساب يتفاوت النور و الظلمة من الاسفل الي الاعلي ، فالعقل الذي هو مبدأ النور لايكاد يخالف امر الله في جزئي و لا كلي بل صورته في الحقيقة محبوبة لله و قد امر الناس باتباعه مطلقا و ذلك تأويل قوله ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و الظلمة التي هي مبدأ الشرور جميع عملها مخالف لرضا الله فان الله لما خلقها قال لها اقبلي فادبرت بسرّ اختيارها الذي جعله الله فيها من شعاع مشيته و قال لها ادبري فاقبلت و روي انه قال للجهل و هو هذه الظلمة ادبر فادبر فقال اقبل فلم‌يقبل و لكل وجه فجميع فعلها علي خلاف رضا الله سبحانه في القليل و الكثير و ان كان بصورة الخير كما قال عليه السلام لايبالي الناصب صلي ام زني صام ام سرق انتهي ، لان جميع فعله علي خلاف ما امر الله فان الصلوة المأمور بها صلوة باطنها الولاية كما قال عليه السلام من اقام الصلوة فقد اقام ولايتي ، و صلوة الناصب علي خلاف ذلك فان باطنها البراءة فالعقل [ص 248] الاول لايعصي ابدا و الظلمة التي هي الجهل لاتطيع ابدا و ذلك امر بيّن و الخلق المركبون منهما عملهم علي حسب نورهم و ظلمتهم و عقلهم و جهلهم و يأتي بيان ذلك في مباحث الوجود و الماهية ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الله عز و جل لايبعث نبيا الا كامل العقل كما قال الله تعالي في كتابه أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع أمن لايهدي الا ان يهدي ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ماقسم الله للعباد شيئا افضل من العقل فنوم العاقل افضل من سهر الجاهل و افطار العاقل افضل من صوم الجاهل و اقامة العاقل افضل من شخوص الجاهل و لابعث الله رسولا و لا نبيا حتي يستكمل العقل و يكون عقله افضل من عقول امته الخبر ، و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث جنود العقل و لايجتمع هذه الخصال كلها من اجناد العقل الا في نبي او وصي نبي او مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان و اما ساير ذلك من موالينا فان احدهم لايخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتي يستكمل و ينقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الانبياء و الاوصياء و انما يدرك ذلك بمعرفة العقل و جنوده وفّقنا الله و ايّاكم لطاعته و مرضاته انتهي ، فالنبي عقله افضل من جميع امته و الا فلايكون حجة عليهم فان الشارع هو العقل لا محالة و هو الروح الذي يؤيّد الانبياء و يسددهم و هو الاب السماوي الذي كان يذكره عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام و زعم الجهّال ان مراده هو الله فاذا صار النبي كامل العقل يبطل فيه حكم النفس الامارة فلايكاد يتبعها في شئ من الاشياء فيصير مطيعا في جميع حاله نعم لهم درجات في مقامهم بنسبة بعضهم الي بعض و ان كانوا مشاركين في نوع العصمة فاول الانبياء الذي هو خاتمهم لايخالف امر الله بوجه من الوجوه لا في مقامات الربوبية و لا في مقامات العبودية و سيأتي ان شاء الله ذكر بعض فضايله صلي الله عليه و آله بعد و اما السايرون فهم في درجات دونه و ربما يتركون الاولي في بعض المقامات [ص 249] و ذلك لانه لم‌يظهر فيهم حقيقة العقل بكليتها فانهم واقفون في مقام الروح الملكوتي الذي هو اول تنزلات العقل فالخاتم و الائمة عليهم السلام لايكادون يتركون الاولي في جزئي و لا كلي غيبي او شهادي و اما الانبياء الذين يتركون الاولي فاما يكون تركهم له قبل بعثتهم او بعدها ايضا ففي حديث جوّز عليه السلام لهم الصغاير قبل البعثة و المراد منها ترك الاولي لا محالة لا المعصية التي هي من شأن الرعية و في اخبار اخر اطلق القول في ذلك لا بلفظ ترك الاولي بل بلفظ التأني و التأمل في قبول الولاية كما في اخبار الميثاق و الذي يحكم به الادلة الحكمية ان النبي مع وجود روح القدس فيه لايكاد يعصي ابدا و ذلك من المحال و لكن الكلام فيما قبل التعلق او حين قبضه و لا بد لنا من بيان سبب العصيان في الجملة حتي يظهر الامر في ذلك فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد في ذات نفسه لايميل الي شئ و لايقتضي شيئا اذ نقول انه لايكون مركبا و هو احد فليس معه غيره بوجه من الوجوه فهذا الميل و الاقتضاء المفروض هل يكون عين ذاته تعالي او غيرها فان كان عينها فهي هي و ان كان غيرها فيلزم من ذلك تركيبها من نفسه و اقتضاء خارج عنها و كل مركب حادث هذا و الاقتضاء لايكون الا مع فرض مناسبة بينه و بين ما يقتضيه و المناسبة لاتفرض الا فيما اذا كان له وجه نسبة و هو غير ذاته لا محالة مع انه يلزم من ذلك ان يكون شبيها بخلقه و يعدّ معه غيره و بالجملة جميع ذلك صفة الحادث و الله ذات قديمة نسبته الي جميع خلقه بالسواء و فيما مرّ في التوحيد كفاية و بلاغ فراجع فهو تعالي بذاته لايعطي احدا شيئا بميله و ارادته الخاصة و لكن القوابل اَلسنة داعية تدعو الله بلسان حالها و قولها ما تقتضيه و سؤالهم باذنه و اذنه هو الاجابة غاية الامر ان قبل السؤال يسمّي اذنا للسؤال و بعده يسمّي اجابة و السؤال و الجواب كلاهما بمشيته و لايسبق احد مشيته تعالي و لايؤمن بذلك الا اهلُ المعرفة الكاملة فكل قابلية اقتضت [ص 250] الصعود يصعدها الله و كل قابلية اقتضت النزول ينزلها الله تعالي و ذلك قوله تعالي ادعوني استجب لكم و قوله مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فما لم‌يقتض قابلية من القوابل الحيوانية لايجعلها الله حيوانا من قِبَل نفسه و ما لم‌يقتض قابلية الانسانية لايجعلها الله انسانا و هكذا الامر في النبوة و الامامة و الخاتمية فالعطاء علي حسب القابلية و ذلك ما يقال ان الارواح علي صفة الابدان فانه ما لم‌يكن البدن جاذبا لروح الاسد لايعطيه الله روح الاسد و ما لم‌يكن البدن صالحا لروح الانسان لايجعله الله انسانا و من هذا الباب يستدلون اهل القيافة بظواهر الابدان علي الارواح و من هذا الباب اهل السيميا يسخرون النجوم بالاتصاف بما يخصّها في ظواهر ابدانهم و لذلك امروا الانبياء صلوات الله عليهم في كل حال باصلاح القوابل حتي في مظانّ البلايا الفادحة و لم‌يأمروا بالتدبير في التقدير اذ ليس ذلك الا شأن العزيز الخبير مع انه من عنده امر مطلق و لذا يحتمل البداء اذ يمكن قلب القوابل دايما و بالجملة فما لم‌يكن القابلية صالحة للنبوة لايجعلها الله نبيا و مرادنا من هذا الصلوح القوة القريبة لا البعيدة فان في القوة البعيدة كل احد صالح لها بل كل حجر يصلح لها و لكن اخراجها منها يستدعي توجها خاصا من المكمل و الله سبحانه لايقتضي ذلك و صلوح النبوة لايكون الا لمن كان معتدلا في طبعه من نطفته الي آخر يومه فان روح القدس روح معتدل من جميع الجهات فانه علي طبق مشية الله جل و عز و لايخالف امر الله في شئ و امر الله الاولي الحقيقي الاعتدال الذي هو ظاهر التوحيد و سرّ التفريد فلايظهر الا في المعتدل الكامل و لايكون ذلك الا فيما اذا اعتدل من بدأ امره فان النطفة من بدئها اذا كانت منحرفة يصير العلقة ايضا منحرفة و كذلك المضغة و العظام و اللحم جميعها ينحرف عن الاعتدال و اذا صارت النباتية منحرفة لايكاد يتعلق بها الحيوانية المعتدلة ابدا فان الابدان جواذب الارواح بل اقول لا بد و ان يكون اصل [ص 251] هذه النطفة ايضا معتدلا في صلب الاب و ترائب الام بل لا بدّ و ان يكون معتدلا في الغذاء الذي اكلاه فان ذلك امر طبيعي محسوس لايكاد يشك فيه الحكيم بل العاقل الاتري ان الاب مثلا ان كان مبتلي بمرض مزمن يرثه منه ولده غالبا الا ما شذّ و ندر و ذلك ايضا بسبب عرض خارجي الاتري ان الطوايف غالبا مشابهون في حالاتهم و اعمارهم و خصالهم حتي ان ذلك يؤثر في بلوغهم و حيض نسائهم و نفاسها و ليس ذلك الا لاثر طبع الآباء و الامهات في النطف اذ ليست الا بعض البدن و جزئه و لذا يكون ولد الشخص جزؤه و هذا سرّ ان الولد يرث والديه بل ذلك ايضا سرّ وراثة القرابة اذ مرجعهم الي اصل واحد غاية الامر ان الاقرب اولي فلا بد و ان يكون اب النبي معتدلا ايضا غاية الامر ان اعتداله بحسب اقتضاء النطفة بل ربما يقال انه محفوظ ما دام كون نطفة النبي في صلبه و بالجملة فاذا اعتدل نباتية البدن يعتدل حيوانيته فيعتدل انسانيته ايضا اذ اعتدالها بحسب اعتدال البدن بل من شدّة الاعتدال يتعلق به الشعور في بطن امه كما في قصصهم و ما كان من امر يحيي حين كان في بطن امه معروف فليس حال جنينهم كساير الاجنة و لا وليدهم و لا رضيعهم فاذا كان انسانيتهم بهذا الاعتدال فكيف يتصوّر فيهم العصيان مع ان العصيان من الفطرة المبدلة و اما الفطرة المستقيمة فجميع عملها علي حسب رضا الله بل غير الانبياء اذا اعتدلوا لايعصون الله اذ جميع الطاعة ما يوافق الصورة الانسانية المعتدلة و جميع المعصية من الشيطانية المنحرفة فاذا صار الشخص انسانا معتدلا في غاية الكمال لايعصي ربه ابدا و قد غفل عن ذلك بعض من الذين لم‌يعضّوا علي العلم بضرس قاطع فقسموا الامور قسمين قسما مما يخصّ النبوة و قسما مما يخصّ البشرية فجوزوا السهو و النسيان فيما يخصّ البشرية للانبياء بل للخاتم نعوذ بالله و لم‌يجوزوهما فيما يخص النبوة فاقول ان السهو و النسيان ليسا من مختصات النفس الانسانية فان النفس الانسانية دهرية و الدهريات محيطة بالامور [ص 252] الجزئية التي دونها و ما تري من السهو و الخطاء و النسيان في الاناسي فمن حيوانيتهم و نباتيتهم الاتري ان في الجنة لايسهون و لاينسون بل في القبر و القيامة ايضا فيتذكرون جميع اعمالهم بل نفس الكافر تتذكر جميع ما مضي منها و لاتسهو ابدا و جميع النفوس بالساهرة و تأويل الساهرة انهم لايغفلون و لكن الغفلات من الحيوانية فانها لجزئيتها اذا توجهت الي جهة تغفل عن جهة و من النباتية فاذا غلب عليها الرطوبة تنسي و تسهو و لذا يعالج الناسي بالادوية و لو كان نفسه ناسية لمانفعها العلاج فالبشر ان كان غير كامل في الانسانية يغلب عليه العصيان و السهو و الخطاء و اذا صار كاملا فيها يقلّ سهوه و نسيانه مسلما بل اذا غلب عليه الكمال لايكاد يسهو بعد و لاينسي و لكن لايبلغ هذه الدرجة من الكمال الا الانبياء صلوات الله عليهم فان الانسانية ما لم‌تبلغ في عالمها عرشها لايتعلق بها روح النبوة و اذا بلغت مقام العرش يتعلق بالشخص روح جامع لايكاد يسهو بعد ابدا و ذلك امر مسلّم فان السهو من غلبة الجهتية علي الشخص و اما اذا غلب عليه الاطلاق لايرد عليه السهو نعم في مقام التشخص لايكادون يقدرون علي النظر الي جميع الجهات و الحيوث بنظر واحد و ليس ذلك من باب جهلهم او سهوهم او نسيانهم فانها في مقام زوال الصورة عن المشعر و قيل في الفرق بين السهو و النسيان السهو زوال الصورة المعقولة عن الجوهر العاقل و ارتسامها في الحافظة لها و النسيان زوالها عنهما معا اقول هذا الفرق المذكور لايجري علي القواعد الحقّة لجهات ستظهر لك في الامور العامة ان شاء الله و الحق ان الفرق بينهما ان في مقام النسيان يعلم الانسان مراده و يمحي عن الخيال صورته لحيلولة الرطوبات المانعة للحكاية عن النفس فيعلم الانسان انه نسي و الجهل هو فقد الشئ في النفس ايضا و السهو فيما اذا علم النفس في نفسها و غفلت عن معلومها لباعث من الاسفل بحيث لايلتفت الي ان مراده غير ما يقول مثال ذلك انك اِما لاتعرف زيدا باسمه و لا بهيئته فذلك [ص 253] هو الجهل و اما تعلم في نفسك و يمحي عن خيالك و انت تعلم انك كنت تعلمه فذلك النسيان علي ما يظهر من الخبر و اما اذا غفلت عما كنت تعلمه و تصورته بغير صورته و سمّيته بغير اسمه و تزعم ان ذلك هو الحق فذلك السهو و اما اذا ذكّرك احد ربما تتذكر و لايلزم ان لاتتذكر كما زعموا و اما الشك فهو في حال الترديد بين شيئين لايترجح احدهما عندك فاذا ترجح احد فهو الظن و الطرف الآخر الوهم ، هذا ما يظهر من وضع استعمال الالفاظ في لغة الفصحاء و جميع ذلك من نقص الانسانية بسبب غلبة الرطوبات الفاسدة علي مشاعر الانسان و المشعر المعتدل لايجري عليه شئ من ذلك فاذا تعمد مثلا احد في النظر الي جهة و ترك النظر الي جهة لايسمي ذلك ناسيا و لا ساهيا بالمعني المعروف نعم ربما يستعمل اللفظان بوجه آخر مثلا يقال سها عنه اي تغافل عنه و ذلك لايكون الا عن عمد او يقال نسيه اي تركه و لايكون الترك الا عن عمد فاذا رأيت في كتاب الله لفظا من هذه الالفاظ بالنسبة الي الانبياء او في الاخبار بالنسبة اليهم و الي الائمة ليس الا من هذا الباب لا الوجوه المعروفة فقوله تعالي في صاحب موسي اني نسيت الحوت ليس النسيان الا بمعني الترك الاتري ان الله نسب الي نفسه النسيان فقال نسوا الله فنسيهم و الله سبحانه لايضل و لاينسي فالنسيان في المقام بمعني الترك لا غير و من هذا الباب ما نسبوا الي انفسهم في الاخبار و بالجملة فلايتمشي علي الانبياء السهو و النسيان مع انه ورد انه مابعث الله نبيا الا ذو مرّة سوداء صافية ، و من كان ذا مرة سوداء صافية لايكاد ينسي ابدا فتدبر و قد اجملت القول في المقام الا اني بيّنت بيانا كليا .

فصل - ان لي بيانا كليا شريفا في العصمة ينكشف به اكثر المعضلات و يتّضح به اكثر المبهمات ، فاعلم ان الله سبحانه خلق انبياءه و رسله علي صورة محبته لا غير فرضيهم اولياء و اصطفاهم لغيبه و ارتضاهم لحكمه و امره و جعل [ص 254] صورتهم نفس صفته و امر غيرهم بمتابعته فيهم اي باتباع صورهم اذ المراد من الخلق بروز صفات الله جل شانه فيهم و هم صفاته جل شأنه و المطيع من اتبعهم و العاصي من خالفهم و لا طاعة لله الا في طاعتهم و لا عصيان الا في مخالفتهم و هم نفس صفة الله فكيف يتعقل فيهم العصيان فافهم ذلك و امثّل لك مثالا لتوضيح المطلب فاقول ان السراج نيّر بذاته اي بالنار الظاهرة فيه و هي ذاته لا غير و جميع الاجسام الغليظة مظلمة و ينبغي لها اكتساب النور من السراج اذ هي فاقدة له فكل ما توجه منها الي السراج يتنوّر و ما لم‌يتوجه اليه لا نور له فمن لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور ، فالنيّر من كان مقبلا اليه و المظلم من كان مدبرا عن وجهه و اما نفس السراج فلايتصور ظلمته من نفسه فان ذاته نيّرة و كذلك الامر في الانبياء فانهم بانفسهم مستضيئون بنور الله جل شأنه و نفس صورتهم المطاعية فكيف يتصوّر في ذاتهم عدم المطاعية و اصل العاصي و المطيع في مقام الرعية فالمطيع من اتبعهم و اقتبس من نورهم و العاصي من خالفهم و لم‌يقتبس من نورهم فما اجهل من شك في عصمتهم و كذلك نقول ان ذاتهم الذكر فكيف يتصوّر في من ذاته الذكر النسيان بل اقول ان ذات انسانيتهم كاملة في قواها و من قواها الذكر و حيوانيتهم لاتغلب علي انسانيتهم حتي يتمشي فيهم النسيان فذات انسانيتهم متذكرة عالمة حليمة متفكرة نبيهة بالفعل دايما و حيوانيتهم لاتؤثر فيهم الا بقدر ظهور انسانيتهم عليها و لذا ورد في شأن الانبياء انه ينام اعينهم و لاينام قلوبهم بخلاف ساير الخلق فان قلوبهم ايضا تنام الاتري انك لاتملك نفسك في حال نومك و لكنهم في حال نومهم لايفقدون الاختيار ابدا و شرح ذلك طويل و ليس هنا محل ذكره .

تنبيه - ان قلت اذا كانوا معصومين بذواتهم فلم ينسبون الي انفسهم العصيان و يسألون ربهم الغفران كما في قول يونس عليه السلام لا اله الا انت [ص 255] سبحانك اني كنت من الظالمين و غير ذلك من الآيات في استغفارهم و عصيانهم اقول للجواب وجوه منها ان ما ذكرت فيهم بالنسبة الي ذواتهم و هم معصومون بعصمة الله في مقامهم و اما بالنسبة الي الدرجات العالية فهم غير معصومين فالانبياء بالنسبة الي الائمة الاطياب مقصّرون و ان كانوا في انفسهم معصومين فان السراج نيّر في ذاته بلا شك و لكنه بالنسبة الي المشعل مظلم و المشعل بالنسبة الي الشمس مظلم و هكذا الامر فيهم فان حسنات الابرار سيئات المقربين فاذا قال المشعل رب اني مظلم يعني بالنسبة الي الشمس ثم هل يكون المشعل مثلا معاقبا لقصوره ام لا ، اقول اما بالعقاب الشرعي فلا لان العقاب الشرعي مترتب علي التكليف الشرعي و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و لم‌يؤت نفسا الا ما كان في درجتها لا غير و اما العقاب الكوني فنعم و هو نفس تنزله عن الدرجة العالية و ان قلت فلم يستغفرون الله مع انهم غير مكلفين بما هو خارج عن درجتهم اقول بهذا الاستغفار يترقون و يبلغون مقام القرب و ذلك تكليفهم الاتري الي نفسك انك حين وقوفك في الدرجة الاولي من مدارج الايمان لاتكون مكلفا بما يخصّ اهل الدرجة الثانية و لاتعاقب بترك عمل ينبغي لهم و لكنك مكلف بالعبادة و الاستغفار في مقامك و باستغفارك تصعد الي الدرجة الثانية ثم تكلّف بما هو من شأنهم الاتري انه ورد في ابي‌ذر انه لو علم ما في قلب سلمان لكفّره و مع ذلك لايعدّ ابوذر الا من المؤمنين لانه ليس من شأنه معرفة ما علم سلمان اذ علم سلمان علم محمد و علي صلي الله عليهما و آلهما و لايطيق ذلك احد سوي من كان من اهل البيت الاتري الي ما ينسب الي مولينا سيد الساجدين :