فصل - اعلم ان المعبود هو الله جل شأنه و لكن الخلق لايصلون اليه و لايقدرون علي خدمته مع انه لا خدمة له و مراده تعالي من امره بالعبادة انتفاع الخلق لا غير و امرهم و نهاهم بحسب صلاح وجودهم و الغاية ترجع اليهم و لذلك جعل الله لهم جهات عبادة من خلقه و امرهم بالتوجه اليها للعبادة و الخدمة و هي ما تنفعهم من الخلق بحسب حالهم بل ربما جعل اعداءه جهات الخدمة و العبادة في المعاملات معهم من الجهاد و غيره بحسب صلاح الزمان و بعد ما عرف العبد معبوده يجب عليه التوجه الي جهة خدمته و ليكن نظره حين التوجه اليها الي ربه لا الي الجهة فان الجهة مخلوقة و لاتكون ربا و من العبادات الصلوات و الدعوات و صارت واجبة علي الانسان و يجب علي الانسان عبادة ربه بادائها علي وجوهها و توجهه الي ربّه فيها و لكن الخلق لم‌يكونوا يقدرون علي ذلك لانهم ذووا جهات و المحدود لايقدر علي التوجه الي من هو خارج عن كل جهة فلذا اختار لاهل الارض بيتا من مادة العناصر و سرّ اختياره من الجمادات انها ساكنة لاتتحرك و باقية مدي الدهر لاتزول فلو كان الوجهة انسانا او حيوانا ربما كان ينتقل من دار الي دار و من جهة الي جهة و الناس كانوا غافلين فربما كانوا يتوجهون الي غير جهته مع ان له بحسب الطبع اجلا قليلا و بعد موته يبقي الناس بلا وجهة و لم‌يكن يكمل ذلك بالتبادل اي قيام قبلة في مقام قبلة اذ يلازم ذلك في امر الصلوة من المحظور ما لايحصي و كذلك النباتات آجالها قليلة و تفني بسرعة فلذلك اختار الله بيته من الجمادات مع ما في الاقبال اليها و التواضع لها نحو انكسار و خضوع للبشر و لذلك وجوه اُخر و كذلك اختار في السماء لاهلها الضراح و اختار في الارض لجماعة قبل الاسلام بيت المقدس و اختار لحملة العرش العرش فيجب علي اهل كل عرصة التوجه الي وجهتهم و صرح بذلك في كتابه حيث قال و لكل وجهة [ص 204] هو مولّٖيها و كذلك اختار لاهل ساير العوالم بيوتا و هي البيوت التي اشعر بها في كتابه حيث قال في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه و امر في مقام آخر بجعلها قبلة حيث قال اجعلوا بيوتكم قبلة و هي البيوت النورية منها عرشية و منها كرسية و منها سماوية بل يحتمل قويا ان يكون منها من اعالي الهواء و من كرة النار و لايعرف ذلك الا اهل الاسرار و سرّ ذلك في سطوع الانوار في آناء الليل و اطراف النهار من كل سماء بواسطة جميع ما فيه الي ان يقع النور علي الديار مع ان الله لايكلف نفسا الا ما آتاها نعم يشترط الصعود من درجة التراب الكثيف و ذلك لايكون الا بعد الحيوة في الجملة اي حيوة القلب و مهاجرة ارض الموت فافهم فانه دقيق و لست بصدد بسط هذه المسايل في هذه الرسالة فان وضعها لبيان الكليات و اذا اردت زيادة البيان فراجع الي سائر رسائلي في ذلك بل في الفطرة السليمة و طريق النجاة من رسائل ابي (اع) كفاية و بلاغ و الي هنا اختم المقالة الاولي اذ اتيت علي ما هو المقصود اذ لااريد الا بيان الكليات و لااتعرض في هذه الرسالة للجزئيات .

المقالة الثانية

في النبوة و فيها مقامان :

المقام الاول

في النبوة العامة و ما يتعلق بها من المسايل الكلية مما يجب علي الانسان الاعتقاد بها و لااتعرض للجزئيات اذ يطول بي المقال و عمدة مرادي ذكر المسايل الالهية بالمعني الاعم مما هو غير المعارف اذ مشايخنا اعلي الله مقامهم بسطوا القول فيها بما لا مزيد عليه و رتّبت هذا المقام علي مطالب :

المطلب الاول - في اثبات لزوم وجود الانبياء بانواع الادلة بقدر ما يقتضيه هذه العجالة و قد اقام ابي اعلي الله مقامه علي ذلك ادلة ظاهرية و باطنية [ص 205] في الفطرة السليمة و ارشاد العوام الذي هو في الحقيقة ارشاد الحكماء الراسخين و لا حاجة الي اعادتها في هذه الينابيع فان التكرار يوجب الملال فانا اذكر نحوا آخر من البرهان لتضاعف منافع الخُلّان و انبساط قلوبهم بزيادة الايقان و حفظهم من خطوات الشيطان و شبهات ابناء الزمان فلا بد من ذكر فصول محتوية علي اصول من الادلة المعينة علي الوصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه احد كما مرّ سابقا و الاحد جل شأنه كامل بالفعل فان الناقص لايكون احدا فان كل ناقص محدود بالفقدان فانه يملك شيئا و يفقد شيئا فيصير متعينا بما يملكه فلايكون احدا و اما الذي يجمع جميع الكمالات بما لايتناهي فهو الاحد الذي لايتناهي و لا بد و ان يكون كمالاته جميعها بالفعل فان القوة لاتكون كمالا اذ هي الفقدان و العدم ، هذا و القوة شأن الامكان و الامكان محتاج حادث و تعالي عن ذلك الغني القديم فلا بد لك من الاقرار بكماله تعالي و كمالاته غير ذاته اذ الكمال اثر الاتري ان اول الكمال الحركة الايجادية و هي غير الذات فما دونها غيرها بطريق اولي فكماله خلقه .

و بنحو آخر من برهان المجادلة نقول ان الكمال عين ذاته من جميع الجهات او غيرها و لو من جهة فان كان عينها من جميع الجهات فهو هي فاين الكمال و لا شئ الا الذات و ان قلت انه غيرها و لو من جهة فهو خلقها و لايجمع معها بالادلة التي مرّت سابقا هذا و قولي من جهة مداراة و الا فالله سبحانه بريء من الجهات جميعها و الخلق صاحب الجهات بكله فالخلق غيره بكل جهات نفسه فكماله خلقه فانواع خلقه التي هي شئون كمالاته لا بدّ و ان تكون غير متناهية فانها لو كانت متناهية لدلت علي تناهي الاحد الاتري ان افراد المياه كلها ماء و مصوّرة بصورة البرودة و الرطوبة و بذلك تستدل علي ان المطلق الاعلي جوهر بارد رطب اذ لو كان غير محدود بالبرودة و الرطوبة لماصار افراده [ص 206] مقصورة علي ذلك كما ان افراد العنصر المطلق اي الجسم الطبيعي الذي هو دون الافلاك غير مقصورة علي مزاج واحد لانه فوق جميعها و كذلك باختلاف الافراد في كل مقام نستدل علي حدّ احاطة مطلقها و احديته الاضافية فالله سبحانه الذي هو الاحد الحقيقي و لا احد سواه و المحيط الحقيقي و لا محيط غيره و اللانهاية الاولية كيف يحدّ خلقه فلا بد و ان يكون كمالاته التي هي آثاره غير متناهية لتدل علي رب خالق كامل مطلق فاذا عرفت ذلك اقول هل يكون الخلق الكامل الجامع للصفات الكمالية من كمال الكامل المطلق ام لا ، لااراك تنكر ذلك بل هو اولي بالدلالة علي الكامل من النواقص فالكامل الذي لا نهاية لكماله اذا لم‌يخلق خلقا كاملا هكذا كان نقص كماله فلا بد من وجوده و بوجه آخر من الموعظة نقول ان عدم خلق الكاملين من كمال الخالق او من نقصه لا شك ان عدم خلق مثلهم نقص و الله سبحانه لايفعل ما يدلّ علي نقصه .

فصل - ان الله ذو الفضل العظيم و المنّ القديم و الفضل العظيم فضل لايساويه فضل فاضل فانظر بنظر الانصاف هل يكون فضل علي العباد اعظم من ان يخلق الله جماعة يجعلهم ابوابه و صراطه و بهم يكمل عباده و يفتح عليهم ابواب نعمته و غير ذلك مما يترتب علي وجود الانبياء من الآثار لا شك ان ذلك الفضل من الله كما قال في محكم كتابه هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكّٖيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و ان كانوا من قبل لفي ضلال مبين و آخرين منهم لمايلحقوا بهم و هو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم فصاحب الفضل العظيم لايخلّ بهذا الفضل البتة و لايمنعه و بوجه آخر نقول فضل الاحد لايتناهي فلا بد من ظهور فضله بما لايتناهي و لو لم‌يخلق ما هو من اعظم الفضايل لكان نقصا في الفضل و هو تعالي منزه عن ذلك .

[ص 207] فصل - ان الله عز و جل حكيم و قد بيّن ابي اعلي الله مقامه نتيجة حكمته تعالي و انا اذكرها مجملا لعدم خلو كتابي عنها فاقول ان الله حكيم و الحكيم لايعبث و لايلهو و لايلعب فلم‌يخلق الخلق عبثا ، ربنا ماخلقت هذا باطلا بل قال و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون اي ليعرفون ، فالعلة الغائية معرفته و توحيده و ذلك في قوة العباد لا فعليتهم كما هو مشهود و وجه ذلك انه تعالي خلقهم من غاية البعد الابعد ليسافروا في سيرهم اليه في جميع الديار و يشاهدوا كل الانوار و غاية البعد ظاهر الامكان و في قوته جميع الاكوان و الله خلقهم منه للوصول الي اعلي درجة العرفان و ذلك لايمكن لهم بانفسهم لنقص الفقدان فان العادم للشئ لايصير باعثه و ذلك ظاهر لمن كان له عينان و لو كان يمكن ذلك لكان يمكن ان يكوّن الشخص نفسه و ذلك ممتنع اذ فاقد الوجود لايكون موجدا افهم ذلك فانه قاعدة كلية تجري في مواضع كثيرة فلا بدّ في الحكمة من وجود مكملين كاملين في صفة المعرفة و التوحيد و لا شك ان المكمل لشئ لايكون مكملا اذا كان محتاجا فيه الي المتكملين فانهم فاقدون له و هو واجد فلا بد و ان يكون المكمل في صفة المعرفة غنيا عن جميع الخلق عالما بنفسه و لا شك انه النبي فان غير الانبياء لايكون بهذه الصفة فلايجوز في الحكمة الاخلال بوجود اشخاص هكذا و نقول ايضا من هذا الباب ان الاناسي مخلوقون لغاية و لحصول الغاية لا بدّ من تمدنهم فانهم لو تفرّقوا في الاطراف في البراري و الفلوات و رؤس الجبال الشامخات و الجحور و المغارات لماحصل هذه الغاية العظيمة منهم بل لم‌يكونوا متمكنين من ذلك لكثرة حوايجهم فان ساير الحيوانات ليس لهم حاجة الي غير ربهم و ان الله خلق لهم ما يكتفون به في عيشهم بخلاف الانسان فانه في جميع اموره يحتاج الي غيره من صغره الي موته و كل واحد منهم بنفسه لايقدر علي سدّ جميع حوايجه و رفع مهماته فلا بدّ من اجتماعهم في القري [ص 208] و البلدان لرفع الحوائج و انجاح المطالب و لاجل ذلك خلقهم الحكيم مختلفي الطبايع ليذهب كل الي سبيل و يكسب امرا خاصا بطبعه و يرفع حاجة من ابناء جنسه و لو لم‌يجعل ذلك من طبعهم لمااحكموه بل لايكادون ينجحون طلبة كما تري عيانا في الاعمال الشرعية الخارجة من حدّ الطبيعة مع ما سمعوا من عواقبها انه لايقبل اليها الا المؤمنون و اما الامور الطبيعية سواءا كانت من الشريعة او غيرها تريها مروجة مرغوبة فيها و كذلك اذا كان طبايعهم متّحدة لطلب جميعهم امرا واحدا و اختل النظام و فسد الامور بلا كلام فلا بد من اختلافها و مع اختلافها يكثر النزاع بينهم كما لايخفي علي العاقل و فسد امر التمدن و في ذلك بوارهم فلا بد ان يجعل الحكيم الذي لم‌يخلّ في جزئي من الجزئيات بينهم رئيسا حاكما عليهم حتي يرفع من بينهم التشاجر و النزاع و يضع كل شئ موضعه و كذلك لا بدّ و ان يكون هذا الحاكم خارجا من حدّ الطبايع اذ لو كان مقهورا مثلهم للطبايع لصار كاحدهم و لا بد من وجود حاكم له فهو من الافلاك لا من العناصر و فوقهم لا من جنسهم و كذلك لا بد من علمه و حكمته فان الجاهل لايقدر علي الحكومة و غير الحكيم لايعرف السياسة و وضع كل شئ موضعه و اصلاح امر الناس و لا بدّ و ان يكون عالما علي الضماير مطلعا علي السراير فان الجاهل كيف يقدر علي الحكومة بالحق الاتري الي الحكام و السلاطين الجهلة لعدم اطلاعهم علي البواطن ينصبون في المحلات و الشوارع عيونا ليخبرونهم عن حالات رعيتهم و مع ذلك يشتبه عليهم امور كثيرة كما لايخفي و لكن الحاكم بالحق يطلع علي الغيوب و يقف علي المحاسن و العيوب و كذلك لو كان بنفسه عاصيا مثل الرعية لماصار امين الله في ارضه و ماقدر علي الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ماوصل الي مقام الفعلية فان نقص جميع الخلق عصيانهم و لو كانوا برُمّتهم متقين لصاروا كاملين فالحاكم الكامل معصوم مسلما حتي ان السلاطين الجبابرة [ص 209] لايختارون للحكومة المغصوبة من كان متجاهرا بالفسق فلاتغفل فالحاكم معصوم لا محالة غاية الامر ان الحاكم الكلي معصوم كلي و الجزئي معصوم جزئي و كذلك لايجوز ان يكون ساهيا اذ يحتمل مع جواز سهوه ان يسهو في الاحكام و حفظ الانام و من جمع هذه الشروط يكون نبيا فمن الحكمة نصب الانبياء بين الناس فافهم .

فصل - ان الله سبحانه عادل و العادل لايجور و لايظلم و قد خلق خلقا متكثرا في انواع شتّي و جعل لكل شئ اثرا خاصا فمنها شفاء و منها مهلك و منها داء و منها دواء و كذلك جعل للاعمال آثارا و للاشخاص آثارا فلهم مصالح و مفاسد و ذلك من الامور المسلّمة التي لاينكرها عاقل و لست بصدد بيانها و لكني اريد الاستنتاج منها و ان ابيت الا الدليل مع انها من المسلّمات بل المشهودات فراجع الي ما ذكرناه في توحيد العبادة من تأثيرات الاكوان ، الحاصل ان الله سبحانه جعل آثارا مختلفة و لايعلمها الا هو و خلق خلقا ناقصين جاهلين في غاية البعد و لايعلمون آثار الاشياء و مصالحها و مفاسدها و ربما يستعملون ما يضرّهم فيهلكهم و يعملون ما لاينفعهم و لا سبيل لهم الي علم ذلك بوجهٍ من الوجوه اذ لايعرفونه بانفسهم و لايدركون ربّهم حتي يتعلموا منه فانصف من نفسك و اجعلها حكما أمن العدل ان يتركهم سدي فيهلكون او ينصب لهم عالما بالصلاح و الفساد و الخير و الشرّ فيعلّمهم و يوقفهم لا شك ان الثاني موافق للعدل و الله سبحانه لايخلّ بذلك نعم ليس من العدل ان يجبرهم علي طاعته و لم‌يفعل ذلك بل جعل لهم الخيار و علّمهم طريق السلامة بوجود الانبياء الاطهار .

فصل - ان الله سبحانه قادر مطلق و القادر المطلق يفعل ما يشاء بقدرته و لااريد من هذه القدرة الذات فان الذات منزّهة عن الآليّة و السببية و لذا [ص 210] نهوا صلوات الله عليهم عن ان يقال انه خلق بالقدرة بل المراد القدرة الوصفية و هذه القدرة لاتتناهي و نستدل علي قدرته بهذا الخلق العظيم و وجود القادرين و امثال ذلك و القادر المطلق يقدر علي خلق منظم موافق للحكمة مسلّما و يقدر علي غير ذلك و اذا كان القادر حكيما هل يخلق الخلق بما يوافق الحكمة اولي او خلافه لا شك ان الاول اولي و هو لايترك الاولي مع انا نجد انه عاب علي انبيائه بترك الاولي و لا شك انه لاينتظم امر الملك الا بوجود حاكم سايس فالقادر الحكيم لايخلّ بهذه الحكمة و كذلك نقول بوجه آخر انه خلق الخلق للمعرفة بلا شك و لا سبيل لهم الي معرفته الا بما اريٰهم من آياته فانصف من نفسك هل يريهم آية جميع صفاته يكون اسهل و اهنأ و ابلغ الي المعرفة ام لا ، لا شك في الاول فنصب بيننا آيات لصفاته مطلقا و هم الانبياء و الاولياء و من صفاته قدرته و اراناها في انبيائه بما خصّهم به بين خلقه و لولا وجودهم لماعرفناها كاملة .

فصل - اعلم ان الله سبحانه احد و الاحد لاينسب اليه شئ و لاينسب الي شئ و لايتصل بشئ و لايتصل به شئ كما بيّناه سابقا في توحيد الذات فان جميع النسب و الاضافات مما يليق بالخلق المركب الحادث و الله احد و منزّه عن ذلك فان النسبة يلازم وجودها وجود منسوب و منسوب اليه و هي من عرض واحد لا محالة فان الاعلي لاينسب الي اسفله و بالعكس و اما اذا كانا من عرض واحد فيحصل النسبة بينهما و ذلك امر مشهود يعرفه كل احد و الله سبحانه ذات احدية و لايقوم معها احد من الخلق فكيف يتصور انتساب الخلق اليها فكل نسبة ينقطع هنالك و تفسخت دونها النعوت و بطلت الاوصاف برُمّتها فعلي ذلك لايحصل بين الله و بين خلقه علاقة السببية و المسببية و العليّة و المعلولية مع انها من اشدّ العلايق فانه قد ثبت في الحكمة ان السبب اعلي درجة مسببه و العلة اعلي درجة معلوله و الله سبحانه اعلي من جميع خلقه [ص 211] فلايكون سبب شئ من خلقه و قد كذب من زعم ان الله سبحانه علّة الخلق و ان روي لفظ يقرب من هذا من الانبياء صلوات الله عليهم اِما يكون افتراءا عليهم او يكون له وجه غير ظاهره اذ قد ثبت بضرورة جميع الاديان ان الله منزّه عن صفات جميع خلقه و لايعتريه ما يخصهم فهو تعالي لايفعل شيئا بذاته اذ ذاته تعالي لاتكون علة و سببا مع انهما من المتضايفات و تعالي عنها خالق البريات قال عليه السلام ما معناه ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب فجعل لكل شئ سببا و لكل سبب بابا و لكل باب مفتاحا و مفتاح جميع الابواب عندنا ، انتهي حاصل الخبر و تلك الاسباب هي محال مشيته التي هي السبب الاعظم و العلة الاولي في الملك و تري الاسباب علانية فبالشمس يسخّن و بالقمر يبرّد و بالنجوم يظهر ما يتعلق بكل واحد من الامور و بالسموات مطلقا يربّي عامة المواليد و قد غفل عن ذلك جماعة و منعوا تأثير النجوم زعما منهم ان ذلك شرك بالله و لكني اقول ان اقرّ الانسان باستقلالها بالتأثير اشرك بالله و لكن ان قال انها ايادي صنعه و محالّ فعله و مظاهر امره لايضره ذلك بل هو الحقّ لا غير و لاينكر ظهور الآثار منها الا مُكابر اذ هو امر مشهود و بالجملة فنري علانية ان الله قد جعل لخلق كل شئ سببا و علة ظاهرة بيّنة لولاها لماخلق هذا الشئ ابدا و اذا نظرت الي ذلك و عرفته بالعيان انصف من نفسك هل يكون الامر في جميع الملك بنسق واحد ام لا فان قلت ان الامر في الكل ليس علي نسق واحد ، يلزمك انكار النقل و العقل اما النقل فصريح كلام الله لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و قوله ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و اما العقل المستنير بالنقل ان جميع الملك آثار مشية الله و هي واحدة لا اختلاف فيها فجميع آثارها هكذا و لذلك انواع اُخر من الادلة لست هنا بصدد تفصيل ذلك و ان قلت ان الكل بنسق و وضع واحد ، يلزمك الاقرار بانّ امر الله جارٍ [ص 212] هكذا في جميع الامور الكونية و الشرعية فكما ان كونك لايتم الا بوجود سبب كوني كذلك شرعك يحتاج الي سبب شرعي فان فاقد الشئ لايوجده بنفسه فلا بد و ان يكون في كلتي النشأتين مكمّلون كاملون في الصفة الملحوظة هذا و لايتصوّر ان يكون الشخص مكمّل نفسه في الانسانية الشرعية كما انه لايكون مكمل نفسه في الانسانية الكونية فلا بد من وجود اشخاص كاملين في هذه الصفة حتي يخرجوا ما استجنّ في الصدور و استكمن في القوي من غرايب الامور فافهم .

فصل - اعلم ان الله سبحانه واحد متفرد زايدا علي ساير كمالاته و لا شك ان الخلق آثاره غاية الامر ان ذاته منزهة عن المؤثرية و المؤثر اسمه الاعظم اي الكينونة لا من حيث نفسها بل في مشيته فتدبر و ليس هنا محل بسط الكلام فيه و سيجيء بيانه في مقامه ان شاء الله و لا شك ان الاثر علي صفة المؤثر فلا بدّ و ان يظهر انواره و صفاته في خلقه و ذلك قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و كأين من آية في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و ادلة ذلك في الاخبار و الآثار كثيرة لاتحصي و قد ارانا جميع آياته في ملكه يعني ارانا آثار صفاته في ملكه الاتري انك تستدل علي حكمته بما تري من آثارها و علي قدرته بما تري من آثارها و هكذا تستدل علي جميع صفاته بالملك بل اراك جميعها في نفسك و لكن الناس اكثرهم لايعقلون و لذلك اطلق القول نبيه صلي الله عليه و آله و قال من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ففيك آية جميع صفاته بحسبك و لولا ذلك لماامرك بمعرفته من نفسك فافهم هذا الكلام المجمل و ما تري من الآثار المترتبة علي الاذكار ليس الا بسبب تكمّلها فيك بالمداومة عليها و لو لم‌تكن في قوتك لماتكمّلت بالذكر و يأتي بيان ذلك في مسألة التكميل و بالجملة فمن اسمائه الاحد و قد جعل [ص 213] جلوته في مجموع الملك و في نفسك اما آية الاحد في الملك فالوجود المقيد و فيك نفسك و ذاتك و كذلك اراك آية الواحدية فيك و في الملك اما في الملك فالعقل الذي هو وسط الكل و الحاكي عن وحدة ربّه اذ لا شريك له و كذلك جعل فيك عقلا هو القطب و المركز و الواحد الذي يرجع اليه جميع مشاعرك و اعضائك و كذلك جعل في كل عالم آية الاحدية و الواحدية و ذلك سرّ لايعرفه الجاهل و العالم يري انه لا مفرّ منه ففي كل عالم حقه آية الاحد فيه و عرشه آية الواحد و كذلك في ظاهر بدنك اراك آية ذلك فالروح آية الاحد لاحاطته بجميع البدن و اللحم الصنوبري الذي هو قلبك آية الواحد لا لنفسه بل لظهور العقل فيه و كذلك في عالم الاناسي برُمّتهم لا بدّ من ذلك فان مجموع الاناسي حكمهم حكم انسان واحد لادلة كثيرة مرّ الاشارة الي بعضها ففي الاناسي ايضا آيات للاسماء و الصفات و يشعر بذلك قوله تعالي و في انفسكم افلاتبصرون فلا بدّ و ان يكون فيهم آية للاحد جلّ شأنه به يعرفون الاحد و آية للواحد و آية الاحد هو الخاتم المحيط بالكل و آية الواحد ساير الانبياء و المرسلين او آية الاحد اولوا العزم من الرسل و آية الواحد ساير الانبياء او مرسلوهم و لكل وجه و من قال بعدم لزوم وجود الانبياء انكر كون الاثر جامعا لصفة مؤثره فافهم و كذلك من لوازم وحدته اتّساق امر الخلق و انتظامه و لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ، فلا بدّ و ان يكون في الخلق جميع ما يحتاج اليه في بقائه و انتظامه حتي يدلّ علي ربّ واحد ففيه السبب و المسبب و العلة و المعلول و الفاعل و المفعول و القابل و المقبول و الكامل و المتكمل و من العلل العظيمة الانبياء سلام الله عليهم فلو اخلّ الحكيم بوجودهم يلزم عدم انتظام امر الملك و عدم كماله و تشتته و تفرّقه فدلّ علي آلهة متعددة فان الفساد دليل التعدد و الصلاح دليل الوحدة .

[ص 214] فصل - قد ثبت بالادلة القطعية ان الله لطيف صاحب اللطف و قد اطنب الكلاميون القول فيه و قالوا ما قالوا بآرائهم الكاسدة و عقولهم الناقصة و لا بد لنا من بيانه في المقام لاناطة اغلب المسايل عليه في الحكمة و الاصول فاقول ان اللطف بحسب اصطلاحهم ما يقرّب العبد الي الطاعة و يبعده عن المعصية بحيث لايؤدي الي الالجاء و لعلّ من هذا الباب قوله عليه السلام في خبر لا جبر و لا تفويض قيل فماذا قال لطف من ربك بين ذلك ، و قد قالوا انه اِما يكون من فعل الله او من فعل المكلف فمن الله تهيئة الاسباب و من الخلق طلب الخير ثم اختلفوا في وجوبه علي الله و عدمه فعن المعتزليين و بعض من الشيعة انه واجب عليه و عن الاشاعرة و جماعة من الشيعة انه لايجب عليه ، دليل من عثرت علي قوله من الاولين ان اللطف يحصل به غرض المكلف فيكون واجبا و الا لزم نقض الغرض ، بيان الملازمة ان المكلِّف اذا علم ان المكلَّف لايطيع الا باللطف فلو كلفه من دونه كان ناقضا لغرضه كمن دعا غيره الي طعامه و هو يعلم انه لايجيب الا ان يستعمل معه نوعا من التأدب فاذا لم‌يفعل الداعي ذلك النوع من التأدب كان ناقضا لغرضه و استدل الاشاعرة بان اللطف انما يجب اذا خلا عن جهات القبح لان جهة المصلحة لاتكفي في الوجوب ما لم‌ينتف جهات المفسدة فلم لايجوز ان يكون اللطف الذي يوجبونه مشتملا علي جهة قبح لايعلمونه فلايكون واجبا و بالجملة بياناتهم الناقصة كثيرة و كلها ناشئة من عدم معرفتهم بالله فاقول قد ثبت مما سبق ان الله ذات احدية و الاحد منزّه عن كل حدّ فان الحدّ نهاية لا محالة فان كل محدود متناهٍ بما هو خارج عن حدّه و كل متناهٍ متنقص و كل متنقص قابل للزيادة و الله القديم منزّه عن ذلك فانه من خواص الحادث فتدبر و لا شك ان وجوب شئ له حدّ اذ يمتنع معه خلافه فلايكاد يصدر منه خلافه ، هذا و نقول ان اللطف بالمعني المصطلح هل يكون صورته تعالي او يكون صفة فعله فان قلت [ص 215] انه صورة ذاته فقد اقررت بان ذاته فعل فله فاعل غيره و الفعل صفة و لا بدّ لها من موصوف و الله لايكون صفة و ان قلت انه صفة فعله اقول انك لاتقرّ بوجوب الفعل عليه فكيف تقرّ بوجوب عرضه هذا و وجوبه هل يكون بذاته او بايجاب الله فان قلت بالاول اقول هل هو الله او غيره فان قلت انه هو اقول فلاينسب الي خلقه اذ هو احد كساير صفاته الذاتية و ان قلت انه غيره فاقررت بتعدد القدماء و ان قلت بالثاني اقول فلايجب علي نفسه اذ هو اوجبه لحكمة و ان شاء غيره و بالجملة لايجب علي ذات الاحد شئ بل هو قادر مطلق و غني مطلق يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته حتي في السؤال الشيطاني ان الله يقدر علي ان يدخل السماء بكبره في البيضة بصغرها نقول ان قدرة الله لاتتناهي و لاتحدّ بشئ و لكنه لا بد في حدوث الاشياء من قابلية و هذا مما لايكون و ان قيل فكيف الامر في الخلق الاول مع عدم القابليات اقول ان القابليات و ان لم‌تكن قبل الفعل الا انها مع الفعل كما مرّ في مسألة الجبر و التفويض فمنه الفعل و من القابل الانفعال فلايفعل الا بحسب انفعاله و ان قيل ان الانفعال ايضا من فعله اقول بلي و لكنه اظهره من القابل فظهر منه علي حسبه فتدبر و ان قيل هل يقدر في مثل المقام علي رفع المانع اقول المانع كبر السماء و صغر البيضة و هو قادر علي رفعهما و لكنه بذاته غني و منزّه عن الاقتضاء فلايفتقر الي فعل و لايقتضي شيئا بذاته ابدا و السماء مع صورة الكبر لايقتضي الصغر و كذلك البيضة فهذا مما لايكون لنقص القابل لا الفاعل و بالجملة فالله قادر مطلق و غني مطلق و لايحدّ ابدا بوجوب شئ عليه اذ هو قيد و قد خلق الخلق لظهور كماله و سطوع نور جماله و دلالته عليه سبحانه فلا بدّ و ان يكون الخلق علي اكمل الوجوه و اتمّها ليدلّ علي كماله كما مرّ سابقا فيجب للخلق في الخلق اشياء لا لله سبحانه فانه لايكون مقيّدا بشئ حتي بوجود الخلق اذ يمتنع معه ذكر كل شئ و لكن [ص 216] للخلق يجب اشياء و امثّل لك مثالا و لله المثل الاعلي فاقول انك باختيارك تنحت بابا لا بان تكون مقهورا عليه بمعني انك ان شئت تنحته و ان شئت لاتنحته و لكن في كون الباب بابا يجب عضادات و الواح و مسامير و يجب تركيب بعضها علي بعض حتي يحصل الباب فاذا قلت ان الواجب في الباب هذا ليس معناه انه واجب عليك فانك فاعل مختار فافهم و كذلك الله ربّنا و فوق ذلك فلايجب عليه شئ حتي كونه ذا مشية و ارادة و كذب من زعم انه يلزمه الخلق فانه لايلزمه شئ و قد خلق باختياره خلقا للغاية الملحوظة و هي المعرفة و الفوز بالنعم و هكذا ساير الفوايد و في خلق الخلق و كمالهم و ظهور الغاية منهم يجب امور منها اللطف اذ لولاه لماعرف احد سبيل الوصول الي الغاية بل لايكادون يعرفون شيئا مطلقا بل بناء الكون و الشرع علي اللطف فليس اللطف واجبا علي الله و لكن لخلق الخلق فيهم يجب اللطف و من اعظم اللطف وجود الانبياء و الحجج في كل الازمان و الله سبحانه لم‌يخلّ به اذ قوام خلقه بذلك اذ الخلق بانفسهم لايقدرون علي الاخذ عن الله اذ خلقهم بحسب قابليتهم لا بحسب نفسه و القضاء بحسب الاقتضاء ففيهم ناقصون جاهلون عاجزون بل كلهم هكذا في بدء امرهم اذ خلقهم من التراب اذ ساير مراتب البسايط و الغيوب لم‌يقتض استخراج خلق متكثر منه و الله سبحانه بذاته لايقتضي شيئا و التراب كان صالحا مقتضيا لذلك فخلق خلقه المتكثر منه فالخلق في اول امرهم ناقصون لا محالة و لايقفون مع غلبة النباتية و الحيوانية عليهم موقف النفس القدسية الالهية حتي يقتدروا علي استماع الوحي من الله تعالي فلا بدّ من وجود كاملين في الملك حتي يطلعوا بالوحي علي جهات الحسن و القبح فيعلموا الخلق و هذا من لطف الله علي خلقه و من ذلك اعرف حقيقة الامر في كل مقام فانه ثبت لك ان اللطف واجب في قوام الخلق و بعض قالوا انه واجب علي الله فانصف هل يجوز في اللطف ان يغيب الحجج بالكلية و ينقطع [ص 217] السبل اليهم بالمرة و يسدّ باب العلم بالصلاح و الفساد بالمرة ام لا ، لا شك ان الاول خلاف اللطف بالمرّة بل من اللطف وجود حجة في الملك و فتح باب العلم بالصلاح و الفساد و الله سبحانه لايخلّ بذلك البتة و ما نقول ان الامام وجوده لطف و غيبته لطف آخر لانريد من ذلك غيبته و سدّ الابواب اليه و انقطاع الحجج بل غيبته بشخصه لطف مع وجود حججه في الخلق و فتح باب العلم بالاحكام و الا لبطل النظام و لم‌يحصل المرام و بقي الخلق كالانعام .

فصل - لو بنيت علي اثبات المطلب بكل اسم من اسماء الله جل شأنه لطال بي الكلام مع ان مرادي الاختصار فاختم هذا النحو من الاستدلال بهذا البيان الكلي و يستخرج منه جميع المطالب بل يظهر من ذلك اسرار كثيرة من اسرار آل‌محمد عليهم السلام فاعلم ان الله سبحانه كان قبل الاكوان و الامكان بلا نهاية كما هو بعدها بلا نهاية كاملا بالفعل لا كما يزعمه الزاعمون ان كمالاته التي هي غيره في ذاته مفصلة او مجملة فان ذلك شرك بالله و قد مرّ بطلانه سابقا بل ذاته سبحانه ذات كاملة بذاتها غنية عما سواها و كمالاتها الوصفية ثابتة في مقاماتها و هو تعالي عالم بجميعها بالعلم الازلي الذي لا انقطاع له و احاط بكلها و سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره و هذا العلم فوق المشية كما مرّ سابقا اذ هو تعالي قد علمها و شاءها علي ما علم و خلقها علي ما شاء و كلها مخلوقة له تعالي اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و قد خلق اول ما خلق اسماءه و صفاته اذ هي ما تنبئ عنه تعالي و لا شك ان اشرف خلقه ينبئ عنه لقربه من مشيته تعالي و المشية هي النبأ العظيم الذي لم‌يختلفوا فيه اذ كل اتوها طائعين و بعد ما اكمل خلق الاسماء و الصفات اراد تكميل الادوار و عمارة الاكوار بها اذ هي الاسباب التي اشار اليها في كتابه و طمع فرعون الانية و العبودية الوصول اليها و لم‌يبلغ مراده و اتبع ذوالقرنين واحدا منها اذ لم‌يكن نبيا و لا شك ان التكميل الكامل [ص 218] لايحصل الا بنزول نفس المكمل الي المتكمل اذ لا بد من اتصاله به حتي يضعف بقوته ضدّه و يستخرج منه مثله و لايحصل ذلك الا بالمناسبة الاتري ان الاجسام لايتكملون بالارواح الا بعد نزولها اليها فان النبات لايخرج منه الحيوانية الا اذا اتصل ببدن حيوان او نزل اشعة الافلاك في الاجسام المتناسبة اليه و الا فلايكاد يكمل بغير ذلك فلذلك امر الله الاسماء بالنزول الي الآثار في قوالب مثلها و ينبئك عن ذلك قول سيدالشهداء عليه آلاف التحية و الثناء و روحي له الفداء امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار فارجعني اليك منها مصون السرّ عن النظر اليها الخ ، فنزلت الي كل عالم حتي انتهت الي ذلك العالم و كملت المطلقات علي غاية الكمال الملحوظة فيها ثم سارت راجعة في الصعود و كملت في القوالب الشخصية مراتب الشخصيات كاملة حتي رجعت الي حيث بدأت و من تلك المنازل منزل الاناسي فلا بدّ فيها من ظهور الاسماء و الصفات لها بلباسها و الله سبحانه لم‌يخلّ بهذه الحكمة العظيمة فجعل لاسمائه و صفاته مجالي بل قوالب تحكيها و يتكمل بها جميع الخلق و كذلك تقدير العزيز الحكيم و هم الانبياء و الاولياء سلام الله عليهم .

فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات يمتنع ادراكها اذ لايدرك المشاعر الا ما تحويه و الله سبحانه لايصير محويا و لايحتويه احد من خلقه و هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و مع ذلك خلق الخلق لمعرفته و العلم به و السير اليه اذ مراده من الخلق ظهور اسمائه و صفاته فيهم و هم مع ذلك محجوبون عن ادراكه تعالي باقون في جهالتهم و نقصانهم محتجبون بحجب انياتهم فمن الحكمة ان يظهر لهم في مجالي من سنخهم ليعرفوه فيها و بها و منها لا اني احتم عليه نعوذ بالله بان ذلك واجب عليه بل ابيّن حكمة صنعه انه صنع هكذا فلاتغفل فتجلي الله سبحانه في انبيائه و رسله و حججه لهم [ص 219] فالانبياء بظواهرهم عباد امثال الناس و ببواطنهم آياته و علاماته كما قال الله في محكم كتابه قل انما انا بشر مثلكم يوحي اليَّ انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا اي انا بشر في الظاهر و اوحي اليَّ بجعل الالوهية في سريرتي و قد هتك الستر لغلبة السرّ و جذب الاحدية لصفة التوحيد ، فمن كان يرجو لقاء ربه اي البعث و في يوم البعث يزورون ربهم لظهور باطن النبي في الجملة منه لا علي نحو الكمال لعدم طاقة الخلق ، فليعمل الي آخر اي لايشرك بالانبياء و الاولياء و ليعبد الله بولايتهم و بالجملة حاصل الكلام ان الله سبحانه ظهر لخلقه بهم و لولا ذلك لماتمكّن احد من الخلق من معرفته و ان قال قائل لمَ لم‌يظهر بذاته و لم‌ينزل الينا مع قدرته اقول لا معني لظهور الذات الا ذلك فان الظهور غير الذات و كلما هو غيرها خلقها فظهرت بظهورها و اسم الظهور النبي و الولي فلا محيص عن الاقرار بذلك و يكفي هذا القدر من البرهان الحكمي فان الناس قلّ ما يقنعون به .

فصل - قال الله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فلما اتيت علي دليل الحكمة اريد ان استدل عليه بالموعظة و المجادلة ، فاقول اجعل عقلك الذي جعله الله حجته فيك لتعرف حجته الظاهرة به حكما و احكم به فان دليل الموعظة لايعرف الا بالعقل هل وجود رجال علماء حكماء كاملين معصومين اولي و احسن و اكمل او عَدَم وجودهم ، لا شك ان الاول احسن و اكمل و الله سبحانه هل يترك الاولي و الاكمل مع قدرته عليه من غير باعث لا شك انه لايترك ذلك لانه نقص في الحكمة فجعل في ملكه رجالا هكذا لا محالة و بوجه آخر من الموعظة نقول لمنكري النبوة انا او اياكم لعلي هدي او في ضلال مبين و لا شك ان الانبياء ان كانوا صادقين في ادعائهم لنجا مصدقوهم مسلما و هلك الباقون و ان كانوا كاذبين نعوذ [ص 220] بالله لكنا جميعا علي السواء اذ ذهبتم الي جهة و ذهبنا الي جهة و الله سبحانه علي قولكم لم‌يرسل نبيا لينذرنا فلايعذبنا بفعالنا و هذا نوع استدلال مستنبط من الكتاب و السنة و يليق علي منكري النبوة رأسا و اما الذين يقرّون بلزوم وجود نبي و يتمسكون باهل الباطل فنقول لهم افمن يهدي الي الحق احق ان يتبع امن لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون .

فصل - في دليل المجادلة و اقتصر فيه علي حديث ارويه عن هشام بن الحكم قال سأل الزنديق الذي اتي اباعبدالله عليه السلام فقال من اين اثبتت انبياء و رسلا قال ابوعبدالله عليه السلام انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق و كان ذلك الصانع حكيما لم‌يجز ان يشاهده خلقه و لا يلامسوه و لا يباشرهم و لا يباشروه و يحاجّهم و يحاجّوه فثبت ان له سفراء في خلقه يعبّرون عنه الي خلقه و عباده و يدلونهم علي مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم في خلقه و ثبت عند ذلك انه له معبّرين و هم الانبياء و صفوته من خلقه حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس في احوالهم علي مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة ثم ثبت ذلك في كل دهر و زمان ما اتت به الرسل و الانبياء من الدلايل و البراهين لكيلاتخلو ارض الله من حجة يكون معه علم يدلّ علي صدق مقالته و جواز عدالته و هذا الحديث الشريف يكفي عن ادلة كثيرة و ان كان بناء الناس علي عدم الاستدلال بالكتاب و السنة في اثبات التوحيد و النبوة لانهما من الاصول التي ينبغي اثباتها بالادلة العقلية و الكتاب و السنة حجتان بعد العلم بحجية النبي و لكنا قد ثبت لنا و الحمد لله حجيتهم و صدقهم و كثرة استدلالنا عليها لتكميل العقول و ارتياض النفوس فلذلك نستدل عليهما بهما مع ان المراد من دليل العقل ما يعرفه العقل السليم و يتيقن به و لا شك ان كلماتهم صلوات [ص 221] الله عليهم ناشئة من العقل الكلي المستنير بنور الله و ان لم‌يعرف ذلك الا الاقلون هذا و في هذه الاخبار استدلال منهم بالادلة العقلية فبروايتها لفظا و معني ملكنا النشأتين العقل و النقل و تركنا ما عليه بناء القشريين من الادلة التي هي مثال الفوم و القثاء و البقل .

المطلب الثاني

في بيان درجات الانبياء و عددهم و ما يتعلق بذلك بقدر مسيس الحاجة اليه و فيه فصول :

فصل - اعلم ان للانبياء درجات مختلفة بحسب حكايتهم للمبدأ و ان كانوا مشتركين في بعض الصفات كما ان افراد الاناسي مختلفون بحسب مراتبهم و ان كانوا مشاركين فيما يخص بالانسان و ذلك ان لكل شئ صورة مقومة بها هو هو و لو تغيّرت او نقص منها شئ او زاد عليها شئ لتغير الشئ عن ذاتيته كالعشرة مثلا فانها عشرة بهذه الاجزاء الخاصة فلو تغيّرت بالزيادة و النقصان لماكانت عشرة و كذلك الامر في جميع الاشياء جنسا كان او نوعا او شخصا اذا تغيّر مقومة الشئ تغيّر عما هو عليه فالماء ماء بالصورة المائية و هي البرودة و الرطوبة و الماء الخاص ماء خاص بهذه الخصوصية و الجسم جسم بصورته الخاصة التي هي فصله و نعبّر عن المقومة بالنفس و الاشياء هي هي بنفوسها و ذلك امر واضح فالاشياء باقية ببقاء نفوسها و لكن لها متممات اي كمالات و ظهورات دونها سواء كانت من آثارها او غيرها تظهر فيها و هي متغيرة متبدلة و لايتغير بتغيرها المقومة ابدا مثال ذلك ان زيدا له صورة هو بها هو و هي صورته الذاتية التي بها يمتاز عن غيره و هي باقية ثابتة لاتتغير و لو تغيرت علي فرض المحال لماكان زيد زيدا و هي ما تراه دايما و تعرفه به و له متممات من صفاته و اخلاقه و بدنه و غير ذلك من اعراضه العامة الداخلة و الخارجة [ص 222] و هو يتقلب فيها دايما و هي متغيرة متبدلة و زيد ثابت في جميع حالاتها اذ ليس قوامه بمتمماته بل هي اعراض تقمصها لمصالح في ايام و كذلك الانسان المطلق له صورة مقوّمة يكون انسانا بها و هي فصله عن غيره من انواع الحيوان علي اصطلاح و لكن علي اصطلاحنا لايشارك الانسان ساير الحيوانات في جنس الحيوان و لكن المراد محض تمثيل في المقام فالانسان بصورته يكون انسانا و لو تغيّر عن صورته لماكان انسانا و له افراد هي متمماته كل منها واقف في حدّ و مقام و هو بتمامه ظاهر في كل فرد فرد منها و لو تغيّر صورته الذاتية في فرد بزيادة او نقصان او تبدل جوهر الي غيره لماصدق علي هذا الفرد الانسان و نحن نري انه يصدق عليه اسم الانسان فلا بد من ان نقول ان الفصل ثابت في جميع الافراد و لكن خواصها مختلفة و اعراضها متفاوتة و اختلاف الدرجات باختلاف حكايتهم للكمالات و وقوفهم في انواع الدرجات بنسبة بعضهم الي بعض انظر الي العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و غيرها من افراد الجسم فان الجسم ثابت في كلها بصورته التي هي ما به هو هو الاتري انك تقول في حدّه انه جوهر قابل و كل افراده جوهر قابل نعم هي في حكاية الكمالات لاختلاف الدرجات مختلفة فبعضها سماء و بعضها ارض و بعضها نبات و بعضها جماد و لكن الكل جسم فالاختلاف في مقام نسبة بعضها الي بعض لا بالنسبة الي الجسم المطلق فانه مادة نوعية بصورتها و المادة النوعية و صورتها نسبتها الي الاشخاص بالسواء و كذلك الامر في الانبياء فان للنبوة صورة نوعية و هي فصلها و لا بدّ من ثبوتها في جميع الافراد اذ لو لم‌تظهر في واحد منهم لماثبت له اسم النبوة و الكل نبي نعم لهم درجات بنسبة بعضهم الي بعض فمنهم في مقام عرش عالمهم و منهم في الفرش فالعرش مقام نبوّة الخاتم صلي الله عليه و آله و الكرسي مقام اولي العزم من الرسل و الافلاك مقام الرسل و الارض مقام غيرهم من الانبياء و لكن هناك نكتة دقيقة احبّ الاشارة [ص 223] اليها و هي انّا نقول ان الصورة الانسانية مثلا صورة كاملة و نقول في وصفها انها عالمة ذاكرة فاكرة عاقلة حكيمة نَزِهة نبيهة و كذلك نقول في النبوة انها النفس القدسية الالهية و نصفها بما نصفها من الكمال و نسلب النقص عنها بالمرّة و لا شك ان كمالاتها و كمالات نفس الانسان ذاتية و نري في افرادهما بل في افراد ساير المطلقات ايضا انها ربما تكون فاقدة لاكثر كمالات مطلقاتها و مع ذلك يصدق عليها اساميها و هذه مسألة صعبة فاعلم ان المطلق علي ما عرفت مقام المادة و الصورة النوعيتين و مقام النوع مقام الامكان و لا تعيّن فيه لشئ من كمالات الاشخاص التي دونها بل هي قوتها اي صلوح الظهور و التصور بها الاتري الي الجسم المطلق فانك تقول انه مطلق لكل الافراد ظاهر بجميعها و تقول في حدّه انه جوهر قابل و القابلية هي الصلوح و القوة لا الفعلية فهو قوة جميع الكمالات الجسمية و ما سمعته منّا انه واجد لكمالات ما دونه نريد انه واجدها في ذاته بالابهام و في مقام وجودها بالخصوصية بل الكمالات الخاصة في مقام الافراد و هي خارجة عن ذات الجسم و اذا كان تعريف الجسم انه جوهر قابل فهو المتصور بالكامل و الناقص و اللطيف و الكثيف اذ هو قابل للتصوّر بكلها فاذا تصوّر بصورة التراب يكون الترابية احدي جلواته و هو ظاهر فيها بصورته و هو الجوهر القابل و اذا كان ذلك صورته فلايضرّه الظهور في السماء و الارض و هو هو فيهما و الارض من حيث ارضيتها فاقدة للسماء و من حيث جسميتها قابلة لها و هي جسم بقبولها و كذلك في الانسان المطلق فان كمالات الانسان في قوته لا فعليته الاتري ان الامام عليه السلام قال في تعريفه ان له خمس قوي و خاصيتان و القوة غير الفعلية و الخاصيتان مترتبتان علي خروج القوي و ما لم‌تخرج لاتبرزان و لم‌يسمّهما عليه السلام باسم القوة لانهما نتيجتا هذه القوي و ليستا امرا زايدا علي القوي بل هما ثمرة القوي بعد الفعلية و بالجملة فالعلم و الحلم و الفكر [ص 224] و الذكر و النباهة قوي الانسان فالانسان جوهر قابل لها كما ان الجسم جوهر قابل لاعراضه فليس من شرط صدق اسم الانسانية علي الفرد كمال العلم و الذكر بل اذا صار قابلا لذلك يسمّي انسانا و هذا مذهب آل‌محمد عليهم السلام و لذا نقول ان جميع بني آدم يحشرون في زمرة الاناسي حتي الاطفال و المجانين فان المناط القابلية و امتياز الانسان من الحيوان بقابليته بل الامر هكذا في الحيوان فان الحيوان جوهر قابل للسمع و البصر و الذوق و الشم و اللمس و لذلك تسمّي الاعمي بالولادة حيوانا و لو كان من صورته فعلية البصر لماسمّي حيوانا بل من الحيوانات من يفقد مشعرا او اكثر في خلقته بل ربما لايكون له الا اللمس و مع ذلك تسمّيه حيوانا فالمناط في ذلك ظهور النوع بصورته النوعية و هي القوة اي قوة الاشخاص و كذلك الامر في الانبياء صلوات الله عليهم فان النبوة المطلقة لها مادة هي نور اول ما خلق الله صلي الله عليه و آله و صورة كاملة نورانية و هي الروحانية المطلقة و النفسانية الكلية الالهية و لها خمس قوي بقاء في فناء و نعيم في شقاء و عزّ في ذلّ و صبر في بلاء و فقر في غناء و لها خاصيتان هما نتيجة الكل و هما الرضا و التسليم و هذه في نفس هذه النفس بالقوة كالسمع و البصر و الذوق و الشمّ و اللمس في الحيوان المطلق و هذه الصورة المقدسة و القوي ثابتة لجميع الانبياء سلام الله عليهم و لكن اختلافهم بحسب فعلية هذه القوي في قوابلهم الشخصية و لكن هنا مسألة اخري يجب التنبيه عليها و هي ان القوة قوتان قوة ميتة و هي صرف الصلوح و قوة حيّة ثابتة و هي فعلية مبهمة مطلقة مثال الاول صورة التثليث و التربيع بالنسبة الي الشمعة فان الشمعة فاقدة لفعلية التثليث و التربيع و هما في قوتها اي تصلح للتصور بهما فاذا تصوّرت بهما يصيران فعلية لها و لكن القوة الحية ليست هكذا بل تسمي قوة بالنسبة الي الشخصيات و الا فهي في نفسها فعلية و هي كالروح الحيواني مثلا في ادراكه فانه بنفسه درّاك مطلق و دراكيته بالفعل [ص 225] و لكن خصوص السمع و البصر مثلا في قوته يعني ان الدرّاك المطلق اذا نظر في العين و منها يري فخصوصية الرؤية لاتكون بالفعل مشخصة الا في العين و لكن الدراكية ايضا له بالفعل و هي حقيقة الرؤية فافهم و كذلك الامر في قوي المشية فانها و ان كانت قوة للكمالات الخاصة الا انها كاملة مطلقة و لها حقيقة جميع الكمالات و لذا نقول ان المشية يثبت لها جميع الكمالات بالفعل فتدبر فان ذلك مسألة شريفة دقيقة و من هذا الباب تصف الانسان بالسميع و البصير و الذائق و الشامّ و اللامس و العالم و الحكيم و الذاكر و الحليم و النبيه في حال اتصافه بها و غيره و من هذا الباب نقول ان الله بصير اذ لا مبصر و سميع اذ لا مسموع و عليم اذ لا معلوم و بالجملة نرجع الي ما كنا بصدده فالانبياء برُمّتهم يملكون النفس الكلية و لذا يسمون انبياء و لجميعهم هذه القوي ثابتة و التفاوت فيهم بحسب الفعلية الخاصة فمنهم وقفوا في مقام الكلية و الاحاطة و منهم وقفوا دون ذلك باختلاف الدرجات كما في الاناسي فان اختلاف الدرجات بحسب العلم و ساير الصفات .

فصل - اعلم ان للانبياء مقامات كثيرة كلياتها ترجع الي ثلثة منهم اولوا العزم من الرسل و منهم الرسل و منهم الانبياء و لكن جزئياتها كثيرة و ان لم‌تكن بكثرة الاناسي و ذلك ان الله سبحانه احد و لم‌يصدر منه اولا الا الواحد و هو مشيته و هي و ان لم‌تبلغ درجة البساطة المطلقة لان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته و لكنها في غاية الوحدة و البساطة التي تجوز في الخلق لانها نور اشرق من صبح الازل و فعل مطلق و مبدء الخلق فلاينبغي فيها الكثرة ثم من بعدها مقام ساير الانوار و درجات الخلق و كلما كان اقرب منها يكون اشبه بها و كلما كان ابعد يكون اقلّ شباهة كما تري في نور السراج فكلما يكون اقرب من السراج يكون اضوء و انور و كلما يكون ابعد يكون اظلم فمبادي الاكوان اوحد و اكمل و اقوي و ادوم و اباعدها انقص علي [ص 226] حسب درجاتهم و تفاوت منازلهم و تكثرهم اكثر فاول ما خلق الله بعد المشية في غاية الوحدة و لذا نقول ان حقائق آل‌محمد سلام الله عليهم في غاية الوحدة و كلهم واحد و كمالهم واحد بل مظاهرهم ايضا في غاية الوحدة و المناسبة لا اختلاف بينهم و لذلك يملك آخرهم ما يملك اولهم و كلهم نور واحد و روح واحد ثم دونهم في هذه الصفة الانبياء فليسوا بكثرة الاناسي و لا بوحدة الائمة و لذا تري بعضهم يخالف بعضهم في الصفات و الكمالات و يختلف درجاتهم في الدنيا و الآخرة و لذا يتفاوت جهات خدمتهم في الملك فبعضهم يؤمر بالظاهر كما في موسي و بعضهم يؤمر بالباطن كما في خضر علي نبينا و آله و عليهم السلام و لكن ائمتنا صلوات الله عليهم كل منهم مأمور بجميع الجهات و كلهم حجج الله علي اهل الارض و السماء و الف‌الف عالم ثم دون الانبياء مقام الاناسي فكثرتهم ازيد من الانبياء و اقل من الجن و فيهم ايضا كاملوهم دائما اقل و المؤمن قليل المؤمن اقل من الكبريت الاحمر و لذا لايتجاوز في عصر من الاعصار عدد النقباء اثني‌عشر او ثلثين و عدد النجباء سبعين او مأة و اما ساير الناس فعددهم آلاف الوف و كذلك من بعدهم عدد الجن اكثر ثم الملئكة فان الله لم‌يخلق خلقا اكثر من الملائكة كما في الخبر و المراد اما ان اصحاب الشعور منهم عددهم اكثر و اما ان الملائكة بالمعني الاعم عددهم اكثر من الكل فان الملئكة باحد المعاني تشمل ما سوي الشياطين و عددهم اكثر منهم بمرّات او غير الجامعين و الجامعون اقل قليل و الا فبالقواعد الحكمية عدد الحيوانات اكثر من الملئكة بالمعني الاخص و عدد النباتات اكثر من الحيوانات و الجمادات اكثر من الكل فتدبر و ليس لي الآن اقبال الي بسط الكلام في هذه المسألة لقلّة محصولها فعدد الانبياء اقلّ من جميع الاناسي ففي كل زمان ينحصر عددهم في جماعة مخصوصين و في زماننا ينحصر باربعة و هم الاركان صلوات الله عليهم ظاهرا ثم في الانبياء [ص 227] ايضا اكملهم اقلّهم كما في الاناسي فان اولي العزم لم‌يتجاوزوا خمسة و خرج كل منهم في زمان و مضي ازمنة كثيرة من بعده حتي بعث من في مقامه او اعلي او اسفل الي ان انتهي الي الخاتم و ختم به البعث ثم من بعدهم الرسل و عددهم ثلثمائة و ثلثة‌عشر رجلا بعدد اصحاب بدر ثم من بعدهم الانبياء عددهم اكثر من الكل .

فصل - في بيان مقاماتهم صلوات الله عليهم ، اعلم ان الله سبحانه اول ما خلق خلق العقل و هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو القلم الذي نبت في حافة بحر صاد و هو بحر تحت عرش الله و ذلك قوله تعالي ص و القرآن ذي الذكر و قوله تعالي و كان عرشه علي الماء و هو عين النون الذي ذكره تعالي في قوله ن و القلم و ما يسطرون او غيره و الانظار مختلفة و التعبيرات متفاوتة و هذا العقل المبارك هو اول صادر من مشية الله و هو منها بمنزلة الشعلة من النار و بعد ما اشتعل بنور المشية صدر منه نور و هو الروح المطلق و يعبّر عن ذلك بنزوله و ادباره و الا فهو بذاته لم‌ينزل من مقامه كما سنبيّنه في مقامه ان شاء الله و هذا الروح هو الروح الملكوتي و به حيوة جميع ملك الله و قوامه و هو البرزخ بين النفوس الصورية و العقل المعنوي و السفير منه اليها و هو بمنزلة المردنجي الحاكي عن الشعلة لمن وراءه او النور الساطع منها عليه و هو اشبه كل شئ بالعقل الا ان له اختصاصا مّا ، ثم سطع منه نور و لما كان هذا النور ابعد من العقل صار حدوده اكثر من العقل و الروح فصار نفسا كلية و هي مقام اول التعينات و كلما صار ابعد من المبدء صار اقلّ مطاوعة لامر العالي فصار شعوره اقل حتي انتهي به الي هذا التراب المشهود فخرّ العقل هنا ساجدا و لم‌يبق لنفسه حيوةً و لا قواما في جنب نور الله و لاتزعم ان بين كلامنا انه اشرق الي ما دونه لا انه ادبر بنفسه و بين قولنا انه خرّ ساجدا هنا تعارضا فان لكل وجها و اهل العلم لايجدون تعارضا [ص 228] ثم ناداه الله من التراب بامر اَقْبِلْ كما خلقه اولا من الامكان الاول بامر كُنْ و قد يعبّر عن كُنْ ايضا باقبل كما في حديث ان الله قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل ، فالامر الاول متعلق بوجوده و ذلك اقباله من الامكان بعد ما كان ثابتا قائما بالعلم فانه ادبر من هذا المقام و صار فعلياته بالقوة و مات في الامكان ثم خلق منه و ذلك ما نقول ان الله علم ثم شاء ثم اراد ثم قدّر ثم قضي ، فبعد ما اقبل اراد الله ان يريه ملكوته فامره بالادبار ثانيا لاستكمال ما علمه منه فنزل حتي مات ثانيا في التراب فان الظاهر عنوان الباطن و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ثم امره بالاقبال ثانيا كما اقبل اولا فصعد صاعدا ما صعد من عرصة التراب و تكمل حتي خرج من قوته ظاهر الفلك اي الطبيعة الخامسة الواقعة علي العناصر فان الافلاك طبيعة خامسة فصار حينئذ نباتا ثم وصل اليه النداء ثانيا و هو نداء مستمر يسمعه طالبوه و غفل عنه من لايكون طالبا للترقي الي الدرجات فاطاع امر الآمر و تلطف بنفس هذا النداء مرّة ثانية و القي منه الفضول و الاعراض فخرج من كمونه باطن فلك القمر اي مثاليته التي هي نفس الحيوة القمرية فصار حيوانا درّاكا متحركا بالارادة ثم وصل اليه النداء مرة اخري و اصغي اليه كرّة بعد اولي فخرج منه ارواح ساير الافلاك متدرجا لا مرّة واحدة فصار حيوانا ناطقا كاملا في حيوانيته بل حصل له ساير المشاعر ايضا و صار مولودا مثاليا لخروج المشاعر البرزخية من كمونه ثم وصل اليه النداء فخرج من كمونه النفس الانسانية و اما الجن و الملائكة فهم من اطراف الوجود و ان كان يجوز ان يقال انهم قبل الانسانية يخرج من كمونهم الملكية و الجنية و من هذا الباب ورد ان الاكراد قوم من الجن و لكن لطرفيتهم لايعتني بذكرهم ثم ان لاصحاب النفوس الانسانية اختلافا فان كان ظهور النفس فيهم ضعيفا و لم‌يبلغ حدّ الكمال و بروز الصفات الانسانية كاملة يعدّون [ص 229] انسانا جزئيا كالاناسي الجزئيين و هم الذين حصل لهم فكر و روية و علوم و ذكرٌ مّا بحسب شأنهم و درجتهم فاذا كمل فيهم النفس يكونون كُمّلين و تفاصيل درجاتهم و مقاماتهم ستجيء بعد ان شاء الله ثم لما وصل اليه النداء ثانيا اقبل اقبالا حتي وصل الي مقام الروح الملكوتي و اعلم ان من غاية البعد الذي هو الجماد لم‌يقبل الا بعض اجزائه الصالحة و الغلائظ باقية في مقامها ثم من النبات ايضا لم‌يبلغ جميع اجزائه الحيوانية بل له طوافي و رواسب و بقي الراسب و صعد الطافي و هكذا في كل مقام سقط جماعة و ان كان اصل المراد الوصول الي درجة العقل حتي يكون العود علي البدأ و لكن الله سبحانه لايظلم احدا و يفعل بهم بحسب قوابلهم فمن كان قابليته ضعيفة بقي في الدرجة السافلة و صعد القوي و بلسان آخر نقول ان القبضة المتخذة من التراب ان كان رطوبة انفعالها كثيرة تطاوع فعل الفاعل في كل الاحوال و الدرجات و تأتمر بامر الآمر و تصعد حتي تبلغ منتهي الكمال و من كان رطوبته قليلة يقف اذا يبست فمنهم من يبست في رطوبته النباتية فوقف هنا و منهم من طاوعت الي الحيوانية و يبست هنا و هكذا ففي كل درجة و مقام وقف جماعة و لم‌يصعدوا و لذا اختلف مدارج الخلق و بالجملة بعد ما وصل الي الروح يفتق له مشاعر روحانية ملكوتية و الواصلون اليها مختلفون فمنهم من لم‌يبلغ درجة الكمال يعني لم‌يغلب عليه الروحانية حتي يقهر ساير مراتبه بالمرّة و يصير الحكم و الاثر للروح بالمرة فلانسانيته مقتضيات يجول فيها و لكن له روح ملكوتي اذا غفل عن انسانيته و توجه اليه يظهر فيه حكم الروح و ذلك كمن صار صاحب الخيال و لكن لم‌يغلب عليه بحيث يقتدر علي التخيل في كل حين لغلبة الحيوانية عليه فاذا نام مثلا يغفل عن الظاهر فيري في المنام و منهم من يكون اعلي من هذه المرتبة و ربما يتخيل في يقظته و لكن لايري عالم المثال مكشوفا ضيئا كالدنيا و منهم من يري ضيئا في يقظته كاصحاب الرياضات فانهم كلما ارادوا [ص 230] ان يتفكروا يتيسر لهم ذلك و كذلك حال الانبياء سلام الله عليهم فمن لم‌يغلب عليه الروحانية لايقدر علي النظر بعين روحه في اليقظة ابدا و لكن اذا نام و غفل عن انسانيته يري الملئكة النازلين عليه بالوحي و يسمي هذه الجماعة بالانبياء و ربما يسمعون الصوت ايضا في يقظتهم كصوت السلسلة و يحتمل ان يكون سماع الصوت مقاما آخر فوق الاول او دونه و لكل وجه و اذا غلب عليهم الروحانية حتي اشتعل دخان انسانيتهم بنور النبوة يرون في اليقظة و النوم و يسمعون الصوت و في بعض الاخبار عدّوا منهم اهل النكت في القلب و النقر في الاذن و هو ادون من الرؤية او هو من السماع و منهم من صعد من هذه المقامات و بلغ من خلوصه و خرق حجاب انيته مقام الكلية فاشتعل بالروحانية الكاملة فصار اشبه الخلق بالائمة عليهم السلام و هو مقام اولي العزم و هم الذين لم‌يغفلوا عن الله طرفة عين و لم‌يعصوا كعصيان آدم و شأنهم ارفع من ان يذكر و اعلم ان المراد من الملئكة المذكورين حملة الوحي من الله بوحي تأسيسي او تأكيدي و الا فنوع الملائكة مكشوفون للانبياء دائما و لايعقل عدم رؤيتهم لهم اذ الملئكة خلقوا من آثارهم بل ربما يرونهم من هو ادون منهم كما ورد في اخبار منها ما رواه اسحق بن عمار ما معناه انه رأي جماعة يصلون عند قبر الحسين عليه السلام و لم‌يعرفهم و سأل الصادق عليه السلام عنهم فقال هم جماعة من الملئكة مرّوا بالحسين (ع) يوم عاشورا و لم‌ينصروه فامرهم الله بالنزول الي قبره و وقوفهم هنا شعثا غبرا و كذلك بعض الاصحاب غيره شاهدوا الملئكة او علامتهم و بالجملة فالانبياء صلوات الله عليهم كانوا يرون الملئكة بلا شبهة بل الملئكة كانوا يستفيضون منهم الفيوض و الامداد فانهم سكنة السموات و الارضين و الانبياء فوق الملكوت بل اقول ان الملئكة خدّام شيعة آل‌محمد عليهم السلام فكيف لايظهرون للانبياء و هم مؤثروا الشيعة لااقول ان كل الشيعة يرونهم بل اقول انهم خدّامهم كما في الخبر [ص 231] ان الملئكة لخدامنا و خدام شيعتنا و ليس شرط الخدمة رؤية المخدوم للخادم الا بمعجزة الامام كما مرّ او بنحو آخر و الله اعلم به نعم عند ظهور الامام عليه السلام يرونهم معاينة بل ربما يرونهم ساير الناس كما يرونهم في عالم المثال و حين الموت و في القبر ، الحاصل فالملئكة يرافقون الانبياء و يعاشرونهم و لكنه لاينزل الملئكة عليهم بوحي خاص في اليقظة بل نوم كنوم ابرهيم او الهام من الله كما ورد في الخبر .