تنبيه سئل موسي بن جعفر (ع) عن معني قول رسول الله صلي الله عليه و آله الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه فقال الشقي من علم الله و هو في بطن امه انه سيعمل اعمال الاشقياء و السعيد من علم الله و هو في بطن امه انه سيعمل اعمال السعداء قيل له فما معني قوله عليه السلام اعملوا فكل ميسّر لما خلق له فقال ان الله عز و جل خلق الجن و الانس ليعبدوه و ذلك قوله عز و جل و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون فيسّر كلا لما خلق له فالويل لمن استحب العمٰي علي الهدي . اقول قد بيّن و اوضح عليه السلام ان السعادة و الشقاوة ليستا في رحم الام الظاهرية و لكن الله سبحانه يعلم بكل شئ قبل وجوده و بعده فان الاشياء برُمّتها معلومة لله قبل ان تكون مشاءة مخلوقة قال الله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا قال الامام عليه السلام في معناه كان شيئا و لم‌يكن مقدرا مذكورا فهو سبحانه يعلم بعلمه الازلي كل شئ في مقامه و حدّه علي ما ينبغي لازله [ص 179] و لايعتريه الزوال و لايعرضه تغيّر الاحوال و علمه بها قبل كون الاشياء كعلمه بها بعد كونها و قد مرّ سابقا بيان العلم بوجه شافٍ و طرز كاف و ان احببت الاطلاع عليه فراجع فالله سبحانه يطلع علي زيد قبل كونه في صلب ابيه و قبل كونه في رحم امّه و يعلم سعادته و شقاوته و حالاته و ما يعرض عليه الي آخر عمره و حشره و نشره فالسعيد سعيد في علم الله قبل كونه و ان لم‌يسعد و هو يعلم انه سيسعد و هكذا و قد خبط من زعم ان الله لايعلم الشئ قبل وجوده في الزمان بالتشخص فان ذلك قول من لم‌يطلع علي حقيقة علمه سبحانه و اما قوله عليه السلام في شرح : كل ميسّر لما خلق له ، فبيان لصلاحية كل احد لعبادة الله سبحانه فان الله سبحانه خلق جميع الخلق للعبادة كما اشعر بذلك في محكم كتابه و كلهم يقوون علي العبادة فانها ليست الا مما هو من شان الانسان فكل ميسر للعبادة فافهم ذلك و اتقنه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان السعادة و الشقاوة اختيارية فان المجبور من كان له اقتضاء خاص من صورته التي هي عليها فيقهرها قاهر علي صورة غير ما هو عليه مع انه لم‌يكن في قوته ذلك و اما اذا كان شئ صالحا للتصور بشيئين او اشياء و صوّره المصوِّر بصورة منها فلايكون ذلك جبرا مثال ذلك التراب مثلا فانه يصلح للفخار و اللبنة فاذا صاغه المصوِّر علي صورة منهما لايكون ذلك جبرا بل هو امر بين امرين فافهم ، هذا و الايمان و الكفر و السعادة و الشقاوة بعد التكليف و العقل و الله سبحانه يهدي العبد و يضلّه باختياره عن عمد و شعور فاذا شاء السعيد ان يرجع شقيا يمكنه ذلك و ان شاء الشقي ان يرجع سعيدا يمكنه ذلك و ليستا الا كساير صفات الانسان من علمه و جهله و قيامه و قعوده فتدبر و لما اتينا علي مجمل من امر السعادة و الشقاوة لا علينا ان نذكر شطرا من امر الاستطاعة .

فصل - قد اختلف مذاهب الناس في امر الاستطاعة فبعضهم ذهب الي ان العبد [ص 180] يستطيع علي شئ مطلقا و كل فعله منه و بعض زعم انه لا استطاعة له مطلقا اقول ان ذلك ايضا متفرع علي ما بيّناه سابقا و نزيد بيانا علي ما مضي ان الله سبحانه واحد في ذاته و صفاته و افعاله و لا شريك له فيها و من اشرك به في واحدة منها لم‌يعرفه و اشار الي غيره و قد كان قبل الكون و الامكان و الآن علي ما كان و لايغيّره الدهور و الازمان و تجلي اول ما تجلي بلا كيف لمشيته بنفسها اي خلقها في مقام وجودها و حدّ شهودها و هي فعله المطلق و النور المشرق و الضياء اللامع و الشعاع الساطع قد اشرق من صبح الازل و لاح علي هياكل التوحيد و مظاهر التفريد اي الاكوان آثاره و سطع منها انواره بل هي انواره و هو المنير المؤثر لجميعها و هو بمنزلة الفعل المطلق منك و الخلق كصفاتك و اعمالك فان جميعها آثار فعلك المطلق و ظهوراته و قد اختلفت بحسب القوابل المختلفة و ما امرنا الا واحدة فقيامك بنفسه اثر فعلك و استقامته و اعوجاجه ايضا اثر فعلك و مشيك اثر فعلك و بطؤه و سرعته ايضا اثر فعلك و الاثر قائم بمؤثره قيام صدور فهل يمكن او يعقل او يجوز ان يقال ان قيامك او بعض صفاته قائم بنفسه من دون فعلك ان هذا الا اختلاق فانه ليس لك صفة مطلقا الا بفعلك و كذلك الامر في المقام و لله المثل الاعلي فان جميع الملك آثار فعله سبحانه و ليس الا الله و نوره و فعله و جميع الاشياء قائمة بمشية الله و ان من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اجل و اذن و كتاب فانت بنفسك اثر مشيته و فعلك ايضا اثر مشيته و عوارض فعلك ايضا اثر مشيته و جميع الاشياء بقضاء الله و من اعجب العجاب قول من يقول بعدم مخلوقية الفعل اي فعل العباد و تأويلهم ما ورد من الاخبار الدالة علي ان كل شئ بقضاء الله ان القضاء بمعني الاعلام و ذلك بانهم لم‌يعرفوا ربهم فهم لامره منكرون و لكن الحق ان كل شئ مخلوق لله و مع ذلك لايلزم جبر ابدا و بالجملة [ص 181] فجميع الاشياء و ما يتعلق بها كلها مخلوقة لله بفعله فان قلت ان العبد مستقل باستطاعته علي العمل اخطأت فان الاثر بنفسه لايستطيع علي شئ و ان قلت انه شريك لمشية الله سبحانه فقد احلت لان الاثر بنفسه لايقوم مع مؤثره حتي يشاركه في امره و ان قلت انه لايستطيع علي شئ فقد احلت فان الخلق آثار مشية الله و المشية تستطيع علي كل شئ فانها امكان كل شئ بالامكان الفعلي و الاشياء جميعها ايضا امكانات فان الاثر يشابه صفة مؤثره لا محالة الاتري الي انوار السراج انها جميعها ضيئة مثل السراج ملوّنة بلونه حارة مثله و كذلك الامر في الاشياء و لذا تري ان جميعها قادرة متحركة حيّة فاعلة و هكذا بحسب قربها و بعدها من المشية و مع ذلك لايستقل شئ منها باستطاعته بل استطاعته قائمة بمشية الله كما ان وجوده قائم بمشية الله و اعلم ان الاستطاعة بمعني الطاقة و هي القوة علي العمل و الله قد جعل لكل انسان قوة علي العمل ثم كلفه دون طاقته و لاينبغي نسبة الاستطاعة الي الله كما فعل النصاري حيث قالوا هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء فانها قوة و الله منزه عنها بل هو القادر بالفعل و لذا قال الامام عليه السلام ليس الاستطاعة من ديني و دين آبائي و انا اتبرك بذكر حديثين شريفين في المقام ليظهر معناها و ما يجوز منها و ما لايجوز ففي العوالم من كتاب لابي‌عبدالله عليه السلام الي عبدالرحيم القصير كتبه علي يدي عبدالملك بن اعين و سألت رحمك الله عن الاستطاعة للفعل فان الله عز و جل خلق العبد و جعل له الآلة و الصحة و هي القوة التي يكون العبد بها متحركا مستطيعا للفعل و لا متحرك الا و هو يريد الفعل و هي صفة مضافة الي الشهوة التي هي خلق الله عز و جل مراتبه في الانسان فاذا تحرّكت الشهوة في الانسان اشتهي الشئ و اراده فمن ثَمّ قيل للانسان مريد فاذا اراد الفعل و فعل كان مع الاستطاعة و الحركة فمن ثم قيل للعبد مستطيع متحرك فاذا كان الانسان ساكنا غير مريد للفعل و كان معه الآلة و هي القوة و الصحة [ص 182] اللتان بهما تكون حركات الانسان و فعله كان سكونه لعلة سكون الشهوة فقيل ساكن فوصف بالسكون فاذا اشتهي الانسان و تحركت شهوته التي ركبت فيه اشتهي الفعل و تحرّك لقوة المركبة فيه و استعمل الآلة التي يفعل بها الفعل فيكون الفعل منه عند ما يتحرّك و اكتسبه فقيل فاعل و متحرك و مكتسب و مستطيع اولاتري ان جميع ذلك صفات يوصف بها الانسان و فيه مرّ اميرالمؤمنين عليه السلام بجماعة بالكوفة و هم يختصمون في القدر فقال لمتكلمهم بالله تستطيع ام مع الله ام من دون الله تستطيع فلم‌يدر ما يرد عليه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام ان زعمت انك بالله تستطيع فليس اليك من الامر شئ و ان زعمت انك مع الله تستطيع فقد زعمت انك شريك معه في ملكه و ان زعمت انك من دون الله تستطيع فقد ادعيت الربوبية من دون الله تعالي فقال يا اميرالمؤمنين لا بل بالله استطيع فقال اما انك لو قلت غير هذا لضربت عنقك ، و في هذين الحديثين الشريفين كفاية و بلاغ عن جميع الاشكالات .

فصل - لما ان فرغنا من بيان كليات ما يتعلق بتوحيد الافعال ناسب ان نذكر شطرا من امر البداء فانه ايضا من امهات المسائل و لا شك ان الله سبحانه يبدو له في امور بل بدا له في امور عظيمة كالامامة و غيرها و ماعبد الله بشئ مثل الاقرار بالبداء و لا بدّ لتنقيح البيان من ذكر مقدمات :

الاولي - قد ظهر مما مرّ سابقا ان الله سبحانه ذات احدية قديمة لايعتريه تغيّر الاحوال و لايعترضه الحدوث و الزوال و لايجري عليه شئ مما اجراه في خلقه و لايغيّره عما هو عليه شئ من ارادته بل هو هو وحده احدي ابدي سرمدي فلايبدو له في ذاته شئ ابدا بل لايشاء في ذاته بالمشية الاولية شيئا فضلا من ان تتغيّر مشيته علي خلاف ما زعم الزاعمون ان ارادته ذاتية ثم ان الله سبحانه تجلي الي علمه الازلي الكينوني و هو اللوح عند الله و قد احاط [ص 183] بجميع ما كان و ما هو كاين من الامكانات و الاكوان و قد ثبت في علمه هذا ما شاء و اراد و بدا له او لم‌يبد له و ليس هنا محل البداء بوجه فانه لايضل ربي و لاينسي ثم خلق بعلمه هذا مشيته كما مرّ سابقا و هي واحدة واحدية المعني سرمدية لاتتغير و لاتتبدل و لاتتخصص بل هي صرف امكان الاشياء اي الامكان الفعلي و في الامكان غير المكوّن المعيّن لايحتمل حدوث شئ خاص فضلا من تغييره هذا و هي سرمدية و جميع السرمد نقطة واحدة لايمضي عليه الاوقات و لايعتريه الحالات فكيف يعرضه البداوات بل هو فعل مطلق صرف بحت بات انظر الي فعلك الذي هو آية فعل الله فيك هل هو الا فعل مطلق غير مقيّد بانواع افعالك و شؤنها و بعد ما تجلي في اعضائك و مشاعرك حدث ضرب و نصر و اكرم و علم و فهم و غير ذلك و في مراتب التجليات يمكن تبدل الضرب بالاكرام و النصر بالاهانة و اما في مقام الفعل فالكل فعلك و هو امكان الجميع فلايتغير عما هو عليه الا بحسب التجلي فيما تجلي به لا غير و كذلك الكلام في نفس الامكان الجائز الذي هو بمنزلة المداد للاشياء التي هي بمنزلة الحروف و الكلمات للكتاب الكوني فانه بنفسه امكان صرف و ليس له اختصاص بخلق دون خلق و صلوح بحت فلا تعيّن له باحد دون احد فافهم ذلك فانه دقيق و بالتدقيق فيه حقيق و قد اخذ الله منه بقلمه الاول و كتب حروف الكاينات فلا بداء في المقام من حيث نفسه ايضا الا بالنظر الذي سيجيء بيانه فان البداء في مقام التعينات ثم ان الاشياء في درجاتها و مقاماتها بعضها مما خرج من تحت القضاء و امضي فذلك ايضا مما امضي و لا بداء في وجوده فان زيدا بعد ما خلق صار موجودا و لايمكن ان لايكون موجودا بعد الوجود و ان كان يمكن حصول البداء فيما يتعلق به من بقائه و دوامه و ساير اعراضه و كل ما وجد منها ايضا لا بداء في وجوده بل يحصل البداء لله تعالي في ابقائه فمعني البداء في امثال ذلك بعد الوجود ازالتها و ابقاؤها لا عدم ايجادها .

[ص 184] الثانية - روي عن ابي‌الحسن الاول عليه السلام لايكون شئ في السموات و الارض الا بسبعة بقضاء و قدر و ارادة و مشية و كتاب و اجل و اذن فمن قال غير هذا فقد كذب علي الله او ردّ علي الله و سئل العالم عليه السلام كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدّر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء فالعلم متقدم المشية و المشية ثانية و الارادة ثالثة و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المنشأ قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و قياما و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دبّ و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء الحديث ، بيّن عليه السلام في هذا الحديث الشريف ان البداء قبل الامضاء و اما بعد الامضاء فلا بداء و قد ظهر لك مما بيّنا ايضا ان البداء فيما يمكن فيه وجود الشئ و اما المشية فهي صرف صلوح الفعل و هي الذكر الاول و لاتختص بشئ دون شئ حتي يقال انه بدا لله في كذا و كذا فيها فما معني ما روي و كذلك لا شك في وحدانية المشية فما معني اربعية الفعل و سبعيته اذ روي في الابداع و المشية و الارادة ان الفاظها متعددة و معناها واحد و لا بدّ من تفصيل في الجملة لتبيين ذلك فاقول ان المشية بنفسها واحدة و يدل علي ذلك اخبار كثيرة و هي امكان لكل شئ مادتها الامكان الفعلي لكل الاشياء و صورتها الامكان الراجح الانفعالي لجميع الاشياء و لا بد لتمام خلق المشية من فعل [ص 185] و انفعال و ابان عن ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فلها حيث فعل و انفعال و لما كانت بتمامها الذكر الاول و هو الامكان و الصلوح فاعلاها الامكان الفعلي و اسفلها الامكان الانفعالي ففي مقام ذاتها ليس شئ سوي نفسها و هي هي و قد تجلت في ظهوراتها و فيها تعددت مراتبها و اوليٰها سميت بالمشية و الثانية بالارادة و الثالثة بالقدر و الرابعة بالقضاء و هو مقترن بالامضاء و قد مرّ سابقا بعض الاشارة و ازيدك ايضاحا للبيان ان جميع هذا الملك تفاصيل مشيته و شؤنها و قد تجلت حتي ملأت اصقاع الغيب و الشهادة و لا شك انها مركبة من غيب و شهادة و فعل و انفعال ففعليتها التي هي غيبها ظهرت في اعالي الملك اي غيبه و انفعالها ظهر في الاسافل اي شهادته و لذا صار الغيب يد التقدير في ايجاد الشهاديات و الشهادة مقام الايتمار و الانفعال و كليات مراتب الغيب اربع الفؤاد و العقل و الروح و النفس و مراتب الشهادة بازائها اي هي ظواهر الغيوب فانه لا غيب الا بالشهادة فبازاء الفؤاد الطبيعة و هكذا الي الجسم فالمشية بعد ما ظهرت بالفؤاد ظهرت بالذكر الاول و الهمة فانه مقام الامكان الصرف و الارض الجرز و لا ذكر لشئ من الاكوان و الاعيان فيه الا بالصلوح و الاجمال فهو في غاية الاجمال و لذلك لم‌يغير جلوة المشية عما هي عليه و بعد ما ظهرت في العقل تعيّنت في الجملة بالمعنوية لانها لون العقل فصارت اقرب الي التعيّن و الامضاء فصارت مقام العزم و العزم بعد الهمّة مسلما و هو الثبوت علي الشئ و اتمام علي المشية و ظهورها في الروح صار تفصيله اكثر و هو البرزخ بين القضاء و الارادة و هو مقام القدر اي الهندسة و تقدير الشئ من طوله و عرضه و غير ذلك و المقام الرابع مقام ظهورها في النفس و هي مقام تمام الشئ و ابرامه و به يكون الامضاء فيتم بهذه الاربعة خلق غيب الشئ و يكمل و لا شك ان ظهور المشية في كل مرتبة دنيا بواسطة علياها و لذلك قال [ص 186] عليه السلام ان الارادة مخلوقة بالمشية و القدر بالارادة و القضاء بالقدر ، فاربعية مراتب المشية في هذه المقامات لا في نفسها كما انك في نفسك تهمّ علي فعل شئ و لا اختلاف في همّك بوجه و لكن بعد ما ظهر همك في مشاعرك البرزخية يظهر بالعزيمة و بعد ما ظهر في حسّك يظهر بالهندسة فتتصور شئون فعلك و جهاته فتخرجه من الباطن الي الظهور فتدبر ثم لا شك ان الظهور تمام البطون و الظاهر عنوان الباطن فالمراتب الغيبية ظهورها في عرصات الشهاديات اذ هي انفعالاتها و انيّاتها فالفؤاد ظاهر في الطبيعة و لا بدّ منها له لتمامه و كماله و الطبيعة ايضا مقام المشية في الشهادة اذ هي متعلقه و لذا يقال ان الطبيعة يد الله في خلق الاشياء و حاملها جبرئيل حامل الخلق و العقل ظهوره في المادة فان العقل هو الماء الاول الغيبي و المادة الماء الاول الشهادي كما ان الطبيعة مقام الياقوتة نظر الله اليها بنظر الهيبة فذابت و المادة مقام ذوبان الطبيعة و غيبها العقل مظهر الارادة فالمادة ايضا مظهر الارادة في عالم الشهادة اذ هي متعلقها و هي منها كالدخان من الشعلة و كذلك المثال مقام ظهور الروح البرزخ بين بحر المعني العقلي و الصورة النفسية و الروح مقام ظهور الهندسة و هي في الشهادة في عرصة المثال و لذا نقول ان هنا حصل الصور التفصيلية و الجسم ظهور النفس و هي مقام ظهور القضاء و بعد ما خرج الشئ من تحت هذه المراتب الي الجسم صار ممضي و لايحتمل بعد فيه البداء و لكن في ساير المراتب يحتمل البداء ثم اعلم ان كل شئ فيه معني كل شئ و ليس شئ الا بهذه الاربعة و الثلثة من متمماتها كما سيأتي الاشارة اليها ففي كل عالم من هذه العوالم ظهر مراتب المشية كاملة فعلها و انفعالها و ذلك ان لكل عالم من الدرّة الي الذرّة سماوات و ارض كما قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و سماواتها في كل عرصة ظهور فعلية المشية و ارضوها ظهور انفعالها فسماوات عالم العقل ظهور مظاهر الفعل [ص 187] فظهر في عرشه بالمشية و في فلك البروج بالارادة و في فلك المنازل بالقدر و في افلاكه بالقضاء و العناصر الاربعة انفعالاتها و هكذا الامر في جميع العوالم حتي انتهي الي عالم الاجسام فمراتب الفعل في سماواتها و الانفعال في عناصرها فافهم هذه القاعدة الشريفة حتي تقف علي المراد ان شاء الله .

الثالثة - اعلم ان الاصل في الفعل هذه الاربعة و اما الاذن فهو مع جميعها فان الفعل من المشية لايجري الي الارادة الا باذن من الله فاذا شاء و اذن يكون الارادة بالمشية و الا فلا و اذا اراد يجري بارادته القدر باذن من الله و كذلك يجري به القضاء باذن من الله فان الاذن مع الجميع في كل حال و لايؤمن بذلك الا من فتح الله عين بصيرته و اما الاجل و الكتاب فانهما من شئون القدر فان القدر هو تقدير كل اموره و الاجل تعيين مدّة بقاء الشئ و ذلك من لوازم الهندسة او من القضاء او من كليهما فان الصانع اذا صنع السرير ربما يصنعه بحيث يدوم الي شهر او سنة و كذلك تقدير الاجزاء ربما يصنع الالواح و المسامير و العضادات بحيث يدوم الي سنة او شهر او غير ذلك و اما الكتاب فهو تقديرات المقدّر مما يجري عليه طول دهره و ذلك ايضا متعلق بالقدر و القضاء و بها يتم خلق الشئ و يمضي و لولاها لماقام شئ في ملك الله عز و جل .

فاذا عرفت هذه المقدمات فاعلم ان ما لم‌يخرج الي عرصة الكون الذي هو الامضاء يحتمل تغيّره و تبدله و تقدمه و تأخره و امثّل لك مثالا ان صورة اللبنة في قوة الطين و حركة الملبِّن و ما لم‌تخرج من قوتهما هي في الامكان بجميع ما يتعلق بها فيمكن ان تستخرج و يمكن عدمها و تقدمها و تأخرها و غير ذلك و لكن اذا خرجت الي الفعلية فلا بداء اذ امضيت و لايتعقل فيما كان ان لايكون نعم بحسب مادّتها تصلح لغيرها فيمكن ان يمحي صورة اللبنية و يثبت غيرها و لايمحي الا ما يكون و لايثبت الا ما لم‌يكن و يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و كذلك الامر في جميع ملك الله فكل ما لم‌يخرج [ص 188] الي الامضاء يمكن البداء فيه و لكن ذلك في مقام مظاهر الفعل لا بالنسبة الي نفسه فان نفسه بنفسه ممضي و لا ذكر لشئ فيه الا بالصلوح و ليس شئ فيه اقرب من شئ حتي يحتمل البداء فان كل ما يخلق به يكون في اول خلقه و اما بحسب المظاهر فربما يقرب شئ و يبعد و يبدو و انا اضرب لك مثلا من الظاهر فاعلم ان السموات محالّ مشية الله كما مرّ و الله سبحانه يخلق ما يشاء بها و هذه النجوم ايادي تقديره و ذلك معني ما روي ان الله يوحي ما يشاء الي روح القدس و الروح يلقيه الي النجوم فتجري بمشية الله و بمزاجاتها و نظراتها يختلف انواع تقديرات الله و يخلق بها انواع الكثرات و لو لم‌تكن الا صورة واحدة لماخلق الا نوع واحد من الخلق و القرانات الفلكية نسبتها الي المواليد مختلفة فرب قران يكون ظاهر المشية في صنع شئ و رب قران يكون ظاهر الارادة و ظاهر القدر و ظاهر القضاء بل قران واحد ربما يكون بالنسبة الي شئ مشية و بالنسبة الي شئ آخر ارادة و هكذا مثلا قران العطارد و المشتري نوعا يكون سبب حدوث الرياح و اختلاف الهواء فهو بالنسبة الي حدوث الرياح قضاء قريب من الامضاء اذا لم‌يمنع مانع و بالنسبة الي برد الهواء بسبب هبوب الرياح قدر و بالنسبة الي انعقاد الرطوبة في بدنك و حدوث الزكام ارادة و بالنسبة الي حدوث الحمي فيك من الزكام مشية و قس علي ذلك ساير الاحكام و لكنك ما لم‌تحم يحتمل البداء و كذلك ما لم‌يبرد الهواء و لم‌يحدث الزكام يحتمل البداء بسبب الموانع الخارجية بل ما لم‌يمض مطلقا يحتمل البداء و لو حين القضاء و لذلك امروا صلوات الله عليهم بالدعاء قبل حلول البلاء بل ينبغي ذلك قبل القضاء فان بعد القضاء قلّ ما يبدو لله في الشئ فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الانبياء و الائمة صلوات الله عليهم ربما كانوا ينظرون الي مقام المشية و الارادة و القدر و القضاء و يخبرون عن شئ و كان يبدو لله فيه و ذلك لانهم لم‌يكونوا ينظرون [ص 189] الي جهة البداء و ربما كان يقدّم وعدهم و يؤخر كما في قوله تعالي الم غلبت الروم في ادني الارض و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين و اخّره الله من بضع سنين الي سنوات و اشعر بذلك ايضا في قوله لله الامر الآية ، و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام لولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة يمحو الله ما يشاء و يثبت الآية ، و لذلك قال عليه السلام نحن لانوقِّت و قال كذب الوقّاتون و لايخص ذلك بالظهور بل كلما لم‌يخرج بعد من الامكان لله فيه المشية فلايجوز التوقيت مطلقا .

تنبيه - اعلم ان البداء مخصوص بما دون المشية اذ هو فيما يمكن و يتعلق به المشية و اما العلم الازلي فلا بداء فيه بوجه بل ثبت فيه جميع ما يشاء الله و يقدّره و يمضيه او لايمضيه و يبدو له فيه و لايخفي علي الله خافية و لايعزب عن علمه مثقال ذرة و وسع كرسيه السماوات و الارض و من زعم ان الله يبدو له في علمه فقد اخطأ و اقرّ بالنقص و البداء من علمه و هل يبدو له الا فيما علمه و هذا اللوح هو اللوح المحفوظ و ام الكتاب التي عند الله و لايطلع عليها احد الا الله حتي آل‌محمد صلوات الله عليهم في مقام المعاني و الابواب و الامامة و القطبية و هم دايما واقفون تحت هذا العلم في مقام الاستزادة و قد قال الله تعالي قل رب زدني علما و قالوا صلوات الله عليهم لو لم‌نزدد لنفد ما عندنا و قال الله تعالي لقد انزلنا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و ذلك مقام نفس الله التي قال عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك مجملا هذا اللوح كتاب احصي فيه كل شئ من المشية فما دونها و علمه مخصوص بالله و ذلك قوله عليه السلام ما معناه ان لله علمين علما مكنونا مخزونا عنده لايعلمه احد سواه و علما علمه انبياءه و رسله و نحن نعلمه انتهي ، و ينزل من علمه ذلك بوحي خاص الي آل‌محمد بقدر ما يشاء و بالجملة حقيقة هذه المسألة من [ص 190] السر المكنون و لم‌يؤذن لنا في كشفه و من رزقه الله فهمه يلقيه اليه من اشارات كلامي و غيره لايعرفه و اما من المشية الي التراب فظهر علومها علي ما ذكرنا و اعلم ان لوح المحو و الاثبات مقام المركبات و لايمكن محو و اثبات في غير مقام التركيب و لما كان ظهور المراتب الغيبية في الشهادة و ظهور الشهاديات في عرصة الاجسام علي ما اشرت اليه سابقا و سأنبّه عليه في علم النشأتين ان شاء الله فيكون عرصة المحو و الاثبات هذا العالم فيمحو الله ما يشاء و يثبت ما يشاء و يؤخر ما يشاء و يقدم ما يشاء و يؤتي الملك من يشاء و ينزعه ممن يشاء و يعزّ من يشاء و يذلّ من يشاء و يحيي و يميت و هو علي كل شئ قدير و لايخرج شئ من تحت قدرته و سلطانه و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و كل شئ سواك قام بامرك فافهم ثبّتك الله بالقول الثابت في الدنيا و الآخرة .

المقام الرابع

في توحيد العبادة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه هو المعبود بالحق و لا معبود سواه اذ لا رب عداه و حقيقة هذه المسألة من المسائل المستصعبة و قلّ من وقف علي حقيقتها و لذلك قلّ من عرف ربه و عبده حق عبادته فمنهم من كفر به من حيث لايعلم و منهم من اشرك به و منهم من صدّ عنه و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و النمرقة الوسطي هم الذين عبدوه حق عبادته و عرفوه حق معرفته و انا اسأل الله لي و للمؤمنين ان يجعلنا من العابدين الموحدين و اعلم ان مجمل هذا الكلام مسلّم انه المعبود لا غير و ما سواه باطل مضمحل ماخلا وجهه الكريم و لكن معرفته مشكلة و انا اريد ان اكشف حقيقة هذه المسألة بحول الله و قوته .

[ص 191] فصل - اعلم ان المعبود الحقيقي هو الاحد جل شأنه الذي احاط بكل شئ و لايحيط به شئ فان المعبود الذي يطاع و العبد هو العامل بمقتضي العبودية اي الايتمار بامر المعبود و الطاعة له و العبادة هي العمل بمقتضاها و اذا كان الله احدا محيطا بجميع ما سواه فلا موجود سواه حتي يكون معبودا و ما عبدوه من الاصنام ان هو الا اسماء بلا معني اذ المعني بالاسم هو الشئ الموجود القائم و لا موجود سوي الله جل شأنه الا و هو قائم بامره و لا باقي غيره فلايستحق العبادة غيره و قد انزل الله في بيان ذلك آيات كل منها بحار من العلم للعالمين قال الله عز و جل مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا و ان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ، ان الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ و هو العزيز الحكيم ، و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون ، انظر الي الاسرار و الحكم التي ادرجها الله في هذه الآيات الكريمة فاولا قال مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء ، فبيّن انهم ليسوا باولياء في الواقع الخارج و لكنهم اتخذوهم اولياء بظنونهم الكاسدة كمثل العنكبوت الخ ، و في ذلك وجوه من الحكم منها ان بيت العنكبوت من فضلة بدنه و هؤلاء ايضا اخذوا اولياء من فضول الملك لا اصوله او من فضول حقايقهم فان الله قد جعل حقيقة كل شئ آيته و هم تركوها و اخذوا من دون الله اندادا و كذلك يكون ولايتهم من خيالات عابديهم و الخيال فضل بدن الانسان و هم عبدوا خيالاتهم لا الواقع الخارج و وجه آخر تشبيه الاولياء المكذوبين بانهم كبيت العنكبوت فانه اوهن من كل شئ و لا بقاء له و لا ثبات و لو تمثّل المعدوم في ملك الله بشئ لتمثل باوهن الاشياء و لذا جعله مثلا و وجه آخر ان بيت العنكبوت مأوي الشيطان و قد باض و فرخ في صدور اوليائهم و شركائهم ليردوهم عن الهدي ثم قال تعالي ان الله يعلم الخ ، و في ذلك وجوه منها التهديد و هو اشد تهديد و ذلك مثل قوله و اتخذوا [ص 192] من دون الله اندادا لعلهم ينصرون الي ان قال فلايحزنك قولهم انا نعلم ما يسرّون و ما يعلنون اي نجزيهم لعلمنا بحالهم و منها انه تعالي قال ان الله عالم بما يدعون اي محيط به فهو اولي به فهو الولي كما قال الله هو الولي فكيف يعبدون من ليس له الولاية المطلقة فافهم فكم من خبايا في زوايا اخفيتها عن الشيطان و امليتها علي ملائكة الرحمن فان عرفتها فاشكر الله علي ما افهمتك و ان لم‌تعرفها فارجو الثواب من الله و قال انما تعبدون من دون الله اوثانا و تخلقون افكا ان الذين تعبدون من دون الله لايملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق و اعبدوه و اشكروا له اليه ترجعون ، انظر كيف بين حال الاوثان بقوله تخلقون افكا اي تفتعلون افكا اذ لا وجود لهم و لايملكون رزقكم و الرزق عام يشمل جميع الامداد الشرعية و الكونية الظاهرية و الباطنية و مالكها هو الله الذي هو الولي المطلق و الوجود الحق و الاسترزاق في الواقع هو عبادة الله فتأمل حتي تعرف هذا البيان المجمل و لاينبغي طلب الرزق الا ممن يكون مالكه و قال اذ قال لابيه و قومه ماذا تعبدون ءافكا آلهة دون الله تريدون فبين ان ارادة غير الله ليس الا لمحض الافك و قال قال اتعبدون ما تنحتون و الله خلقكم و ما تعملون يعني انتم تصنعون آلهة و تعبدونها هذا شئ عجاب مع انكم و مصنوعكم مخلوقون لله و قال لقد جئتمونا فرادٰي كما خلقناكم اول مرّة و تركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم و مانري معكم شفعاءكم الذين زعمتم انهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم و ضلّ عنكم ما كنتم تزعمون و قال ام لهم شركاء فليأتوا بشركائهم ان كانوا صادقين يوم يكشف عن ساق و يدعون الي السجود فلايستطيعون و قال قل اروني الذين الحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم و غير ذلك من الآيات الدالة علي المراد كثيرة و لايخفي اسرارها علي الموقنين فالله سبحانه هو الرب الذي احاط بجميع الملك و العباد و المعبودين و عباداتهم [ص 193] و اعمالهم و هو الذي امرهم في الكون و الشرع و لا امر لغيره و اليه يرجع الامر كله اذ له الخلق و الامر فلاينبغي العبادة الا له تعالي و جميع ما سواه حكاة انواره و نقلة آثاره في جميع ما لهم و بهم و منهم و فيهم فكيف يجوز عبادتهم مع انه لايؤل اليهم شئ من الامور فافهم فقد بيّنت لك حقيقة المسألة بحول الله و قوته .

فصل - اعلم ان العبادة قسمان كونية و شرعية فانها بمعني الايتمار و الاطاعة فاذا كان الامر في الكون بلسان حملته فالايتمار به عبادة كونية و ان كان في الشرع هكذا فالعبادة شرعية فاما في الكون فالله سبحانه كان قبل الكان ثمّ احبّ ان يعرف بالتجلي في الامكان و الاكوان فامرهم بلسان مشيته و امره ايضا نفس مشيته من دون قول كما قال عليه السلام فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و كان امره ذلك متعلقا بالتكوّن لا غير و ذلك قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و قد اطاعه و عبده في امره هذا كل كون و عين و امكان و لم‌يتخلف عنه تعالي شئ و هو اجل من ان يأمر فلايطاع و بهذا النظر جميع الخلق مؤمنون و لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و قد سجد له سواد الليل و بياض النهار اذ صار محيطا بكل شئ فقهر و غلب امره كل شئ و لا امر لشئ سواه معه و لم‌يشركه احد في امره فلم‌يشركوا بعبادته احدا و كذلك اطاعوه في ساير الاوامر الكونية الصادرة من محالّ مشيته الاتري انه بحرارة الشمس يتسخن كل شئ و بالريح ينفعل كل شئ و ظهور هذا الامر يختلف بحسب القوابل فكل يأتمر بحسب قابليته و الكل مطيعون لامره منقادون لقوله و لايسبق احد مشيته و كذلك اطاعه كل شئ في توحيده بلسان حاله اذ ليس شئ في الارض و لا في السماء الا و هو يوحّد الله سبحانه بفطرته التي فطره عليها و ذلك ان الله سبحانه خلقه لمعرفته و هي غاية الايجاد [ص 194] و القادر المختار الذي ذل كل شئ له و قهر كل شئ اذا فعل فعلا لغاية لا بدّ من ظهورها و العاجز او الذي لا اختيار له ربما يفعل فعلا لغاية و لاتظهر الغاية لضعف الفاعل و الله منزّه عن ذلك هذا و العلة الفاعلية هي هي العلة الغائية صعودا و الفاعل الذي هو يد الله في صنع الاشياء محيط بكل شئ و ظاهر في كل شئ أولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك و قد ثبت في الحكمة ان العلة فوق معلولها دايما و لو مدّت يدها عنه لفني عن آخره مع انك قد عرفت انها العلة الغائية صعودا فالغاية ظاهرة في كل شئ فكل شئ حاكٍ لنور الله عارف به موحّد له و ذلك قوله تعالي يسبّح لله ما في السموات و ما في الارض و بالجملة ففي الكون جميع الخلق مطيعون عابدون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون .

فصل - في العبادة الشرعية ، اعلم انه بعد ما عمر الديار بذكر الجبار و شاء الله ان يكمل قوابل خلقه باستخراج ما لهم من القوي ارسل اليهم رسلا مبشرين و منذرين و هم نفس لسانه الكوني الذي امر به اولا بالتكون غاية الامر انه ظهر بالنفوس الانسية في تلك العرصة لمصالح ملكية كما ان ما يريد استخراجه من القوي هو الخلق الاول المخلوقون به و لو ارسل اليهم غيره لماكان يفيد ارسال الرسل فائدة لان الشئ لاينفعل كاملا الا بعلته التامة الاولية و ما تري من انفعال المعلولات من علل غير عللها الاولية فذلك من باب ان العلة الكلية التي هي علة العلل ثابتة فوق المعلولات و ان كانت مختلفة المراتب و العلل التي دونها هي اياديها فاذا فعلت فعلا بعلّة و رفعت تقدر علي التصرف فيه بعلّة اخري و لذا تري انه يبقي معلولات بعد عللها المتصلة و لو لم‌تكن علة العلل ثابتة لماقام عمود و مااخضر عود و اذا اراد الله سبحانه اظهار امر بالكمال بحيث لاينقص في جهة من الجهات فلا بدّ من اظهار نفس العلة الكاملة فلذا اظهر امره الكوني الاولي الذي هو قاهر علي كل شئ في [ص 195] لباس البشر و ذلك قوله تعالي انزلنا اليك روحا من امرنا و الروح هو شعاع الامر و جلوته في قالبه صلي الله عليه و آله اذ لايتصور نزول الامر بنفسه فتدبر و بعد ما نزل في هذا اللباس امرهم من غير بتّ عليهم بل امرهم و ابقي لهم اختيارا و اختيارهم بقدر حكايتهم من الامر الاول كونا فان الاختيار الواقعي ليس الا لله سبحانه و مشيته مختارة لانها نوره و شعاعه و كل احد يختار في امره بقدر حكايته للمشية و لذلك يكون الانسان اختياره اكثر من كل شئ لان تعلّق مشية الله به اكثر فاذا كانت باقية علي الصرافة الاولية تكون محبوبة لله مطيعة له كما قال الله تعالي ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و من تغيّرت فيه بحسب قابليته المنكوسة تبقي علي اختيارها و لكنها تختار الباطل و من هذا البيان يظهر لك اسرار كثيرة و مرّ سابقا في بيان السعادة و الشقاوة و الجبر و التفويض بعض اسرار ذلك و بالجملة في هذه العرصة قام الانبياء و الاولياء بامر الله و بلّغوا ما انزل اليهم من امر ربهم فاطاع من اطاع و كفر من كفر و في هذا المقام وجد كفر و ايمان و شرك و اسلام فجميع ذلك بالنسبة الي الداعين و اما بالنسبة الي الله سبحانه فالكل مطيعون لامره منقادون له و لايكفرون به و العبادة المحبوبة لله سبحانه هي العبادة الشرعية و بها يتقربون و في الدرجات العاليات يتنعمون و اما العبادات الكونية فهي سبب التقرب بقدر خروج الاكوان من قابلية الامكان و ذلك منتهي حظّهم بل ذلك جنّتهم فان الامكان عدم و العدم اشدّ عذاب و الله سبحانه يخيّر اهل النار بين عذاب النار و الفناء الابدي فيختارون العذاب علي الفناء بل عذاب اهل النار ليس الا بنضج جلودهم بل جميع الاوجاع و العذاب الدنيوية ايضا بالفقدان كما لايخفي علي المتأمل فنفس وجود الاكوان جنتهم و ذلك جزاء ايتمارهم بامر كُن و في الشرع امروا بالايمان اي امر الله روح الايمان المستجن في القوابل بالوجود علي نحو الاختيار بلسان النبي و امره ذلك الاوامر الشرعية [ص 196] فكل من اطاع امره ذلك خرج روحه من قوته و من عصي لم‌يخرج من قوته الروح فصار مخالفا و الشرع يوافق الكون بحسبه و يجب علي كل احد ان يوحد الله في عباداته الشرعية و الموحّد من اطاع الرسول صلي الله عليه و آله و خلفاءه و المشرك من خالفهم .

فصل - اعلم ان الاكوان كلها دواعي يدعون الي انفسهم بحسب فعليتهم لان الاكوان مظاهر كينونة الله جل و عز و كل ذي فعلية بقدر فعليته آيتها و شعاعها و لا شك ان جميع الاثر للكينونة فالمظاهر بقدر حكايتها مؤثرة و يعبّر عن تأثيرها بالدعوة نعم القوابل الانسانية ربما تكون دعوتها باللسان و ذلك ايضا تأثيرهم الا ان سبيل ظهور اثرهم السنتهم بالنطق و ساير بدنهم ايضا بخلاف الباقي فان آثارهم من سبل ابدانهم التي هي ظواهر ارواحهم فاذا كانت الكينونات من الكاينات العليينية و الفعليات الكاملة تكون محبوبة لله لقربها من مشيته التي هي محبوبة و اذا كانت من الكاينات السجينية و الفعليات الناقصة تكون مبغوضة لله لبعدها عن المشية و لا معني للقرب و البعد الا ذلك فالكاينات العليينية دواعي الحق لانها تدعو الي مرضات الله جل شانه و الدواعي السجينية تدعو الي مساخط الله و نقول ان الناطق من لسان القوابل الطيبة في الشرع هو الله جل شأنه لقربها من الله و الناطق من لسان غيرها الشيطان مع ان الكل اتوه طائعين في الكون فان الشيطان قبل ظهور شرع آدم علي نبينا و آله و عليه السلام كان من العابدين و بعد ظهوره لم‌يبطل عبادته ذلك بل الآن علي ما كان كما في ساير الاكوان و لكنه عصي في طاعة آدم و ضلّ و اضلّ و بالجملة فالناطق ان كان من المقربين فالمصغي اليه و متّبعه عابد لله و ان كان من المبعدين فالمصغي اليه و متّبعه عابد للشيطان و ذلك قوله عليه السلام من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، و ان عرفت ذلك تعرف وجها من [ص 197] وجوه قوله عليه السلام بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله فتدبر .

فصل - اعلم ان الله سبحانه احد بذاته كما مرّ في مواضع و الاحد بذاته طوي باحديته غيره من الاسماء و الصفات و غيرها طي الامتناع فلايعدّ معه شئ غيره و حيث هو ليس الا هو لا حاسّ و لا محسوس و لا شاهد و لا مشهود و ينقطع دونه جميع الاشارات و يبطل جميع التعبيرات و يجلّ عن الاسماء و الصفات فمن العابد و المعبود و من الساجد و المسجود فان الاسماء ان كانت لها معانٍ فهي حقة و الا فهي كلمات مهملة فهل يكون المعني هو الذات فهي هي و ليس شئ سواها و لاينسب اليها شئ فان كانت ربا فهي رب اذلامربوب و ان كانت معبودة فهي معبودة اذ لا عابد فكيف تعبدها مع انه لا ذكر لك معها و ان قلت ان معانيها غير الذات فالمطلوب ثابت الا ان الكلام في معرفة حقيقة ذلك هذا و قد ثبت في الحكمة ان المشتقات من مبدء واحد في الظاهر و الباطن في درجة واحدة فان الضرب مبدأ يشتق منه الضارب و المضروب و غيرهما من المشتقات و كذلك الامر في المعني فزيد الضارب مثلا و عمرو المضروب من مادة واحدة و الا لماوقع فعله عليه فافهم ذلك فانه دقيق و كذلك الامر في جميع المراتب الغيبية و من ذلك العابد و المعبود و العارف و المعروف فلا بد و ان يكونا من عرض واحد فان القديم جل شانه لايكون معبودا للحادث كيف و المعبود لا بدّ و ان يكون معروفا و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام اول عبادة الله معرفته و قال لم‌اعبد ربا لم‌اره ، و محال ان يعرف ذات الاحد جل شأنه فانه لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فلا بدّ علي ذلك من ان يكون المعبود من الآيات و العلامات و لا شك ايضا ان الخلق لايكون معبودا و قد كفر بالله من عبد غيره و من هذين الاشكالين يلزم الحيرة و لايكشف الحقيقة الا ببركة حكمة مشايخنا (اع) .

[ص 198] فصل - اعلم ان الله سبحانه بذاته بعيد عن حدّ ادراك الخلايق فان الادوات تحدّ انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و الله سبحانه فوق جميعها بما لايتناهي و لذلك اختار لنفسه مظاهر في الكون و الشرع يتمكن الخلق من ادراكهم و اخذ الاوامر الكونية و الشرعية عنهم و سيجيء بعد ان شاء الله في النبوة و الامامة بيان ذلك علي ما ينبغي فاما في الكون فجعل الاكوان بحسب شأنها و فعليتها محال مشيته و السن ارادته فيؤدون الي الخلق اوامره و نواهيه الكونية المتعلقة باكوان الخلق و لما كانوا برُمّتهم آياته و مقاماته و علاماته صار طاعتهم طاعته و عبادتهم عبادته و لولاهم لماظهر امر الله و ماسطع نوره و ماعرفه احد من خلقه فالسماء مثلا مظهر امر الله سبحانه باقبال العقل من البُعد الابعد الذي سار اليه في نزوله الي القرب الاقرب و هو يؤدي عن الله سبحانه امره ذلك فكل من اطاعه يعدّ مطيعا لله و قد مرّ سابقا الاشارة اليه و كذلك في الشرع خلق لنفسه اولياء جعل طاعتهم طاعته بظهوره لهم فيهم منهم فكل من اطاعهم اطاع الله و هم الانبياء و الاوصياء صلوات الله عليهم فهم اَلسنة ارادة الله سبحانه و اعلم ان الشارع اسم الله و صفته كما ان المكوِّن اسمه و صفته و قد ظهر اسمه المكون في الاكوان بحسب حكايتهم للكون و اسمه الشارع في جماعة مخصوصين فاطاعتهم اطاعة الشارع و لما صاروا بانفسهم مطيعين لله بحيث صاروا بانفسهم فانية في جنب الله باقية به دعوا باسمه الشارع بل بساير اسمائه تعالي كما قال عليه السلام نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها و في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء ، فالحجج صلوات الله عليهم صاروا اسماءه و ذلك شأن كل فان في جنب المفني فيه اذ يصير منبأ عنه لا عن نفسه و الاسم ما انبأ عن المسمي فاذا افني نفسه احد في جنب الشيطان يصير اسمه و اذا صار احد فانيا في جنب الرحمن يصير اسمه بل نفسه [ص 199] كما في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن و قال انا الذات انا ذات الذوات للذات ، فاذا صار بهذه المنزلة يصير كل معاملة معه معاملة مع الله بل يصير الله ناطقا من لسانه ناظرا من عينه باطشا من يده بل يصير نفس بصره و سمعه و يده و لسانه كما قال انما يتقرب اليَّ العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت بصره الذي يبصر به و سمعه الذي يسمع به و يده التي يبطش بها و في رواية قال و رجله التي يمشي بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته ، فكل من امتثل اوامر الشارعين و من روي عنهم و قام في مقامهم يعدّ عابدا لله سبحانه و كل من خالفهم يصير مخالفا فمن كفر بهم كافر و من اشرك بهم احدا من قوالب الشياطين مشرك و الخالص في مودّتهم و طاعتهم موحّد قال الله تعالي من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال قل ان كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ، و قال اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في صفة النبي صلي الله عليه و آله اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثّله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار و عنهم عليهم السلام بنا عبد الله و لولانا ماعرف الله و عنهم عليهم السلام بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعبد الله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ايها الناس انيبوا الي شيعتي و التزموا بيعتي و قال عليه السلام سلمان باب الله في الارض معرفته ايمان و انكاره كفر ، بالجملة قد صار من الضروريات ان اطاعة الانبياء و الحجج اطاعة الله و كل عارف يعرف ان معرفتهم معرفة الله .

فصل - روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال من عبد الله بالوهم ان يكون صورة او جسما فقد كفر و من عبد الاسم دون المعني فقد عبد غير الله و من عبد المعني دون الاسم فقد دلّ علي غايب و من عبد الاسم و المعني [ص 200] فقد اشرك و عبد اثنين و من عبد المعني بوقوع الاسم عليه فعقد به قلبه و نطق به لسانه في سرّ امره و علانيته فذلك ديني و دين آبائي و سأل هشام اباعبدالله عليه السلام عن اسماء الله و اشتقاقها ، الله مما هو مشتق قال فقال لي يا هشام الله مشتق من اله و الاله يقتضي مألوها و الاسم غير المسمّي فمن عبد الاسم دون المعني فقد كفر و لم‌يعبد شيئا و من عبد الاسم و المعني فقد كفر و عبد اثنين و من عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد الخبر ، اعلم ان مراده عليه السلام من العبادة بالوهم ان يكون صورة او جسما كما عمل عليه عامة الخلق اذ يزعمون ربهم شخصا كمثل خلقه و يتوهمون انه في مكان كالسماء او فوقه فيخاطبونه بالمخاطبات و من فعل ذلك عن علم فقد كفر بل من اعتقد انه تعالي بذاته موصوف بصفاته فزعم ان ذاته محدودة بالمعبودية فقد كفر لانه تعالي احد و لايحدّ بالعابد و المعبود بل الكل نوره و اما عبادة الاسم دون المعني به فعبادة غير الله و هو كفر فان الاسم اسم اذا كان حاكيا عن المسمي كالشعلة في حكايتها عن النار الغيبية و لايكون ذلك الا بعد الفناء التام في المسمي فاذا صار فانيا هكذا لايري بالاسمية فما يراه العبد و يعرفه بوصف غير وصف المسمي لايكون اسما و عبادته كفر و من هذا الباب نرد علي الصوفية الملاحدة اذ يقولون بتصوّر صور مراشدهم في القلب و تخاطبهم بما يخصّ بالله سبحانه فنقول لهم اما اولا فهؤلاء الفساق هياكل الشيطان فلايجوز مخاطبتهم بما يليق بالرحمن و ثانيا اذا عرفت انه مرشدك فهو لايكون اسما و علي فرض كونه من اسماء الله و صفاته كالانبياء و الاولياء فاذا عرفته بالشخصية خرجت عن ملاحظة الاسم فان الاسم اسم اذا لم‌ير و لم‌يعرف الا بظهور المسمّي فانت حينئذ عبدت غير الله و كذلك يبطل هذا الحديث الشريف عمل من ظنّ ان في العبادات ينبغي التوجه الي الانبياء و الائمة فان النبوة و الامامة صفة المخلوق و الانبياء ليسوا بنبوتهم اسماء الله و لايجوز التوجه اليهم فافهم [ص 201] فانه دقيق و لولا خوفي من فرعون و ملأه لكشفت عن المسألة حتي تعرف حقها و لكن الكتمان في الصدور اولي من تحمل مشاقّ الامور و قوله عليه السلام من عبد المعني الخ ، ذلك لان ظهور المعني في الاسم لا محالة فاما في الكون فجميع الملك اسماء و صفات و اما في الشرع فاختار الله لنفسه اسماء الكمال و الجمال و الجلال و لايليق به غيرها فظهوره في المنزلتين في اسمائه لا غير و في غيرها لا ظهور له كما تري في نفسك اذ هي آيته ان ظهورها في بدنك لا غيره من الابدان فمن دعاك في غير بدنك لم‌يجدك ابدا الا في الصلوح و القوة و من دعاك من غير بدن دعا من لم‌يدركه و قد احال علي غايب و علي فرض كونك درّاكا سامعا لدعوته لايكاد يجدك كمن يدعو ميتا آدميا علي قبره فانه و ان كان يسمع دعاءه الا انه اي الداعي لايدركه و الآثار مترتبة علي الادراك لا علي الالفاظ فافهم فانه دقيق فمن دعاه من غير سبيل اسمائه فكأنه لم‌يعبد شيئا و لاينتفع به في آخرته و ان اجزأه في ظاهر الشرع و هذه عبادة اكثر الفقهاء القشريين الذين لم‌يعرفوا ربهم و لكنهم اصلحوا ظواهر اعمالهم و من هذا الباب نقول ان الذين لم‌يعرفوا ابواب الائمة و ماشاهدوهم يكون زياراتهم و اعمالهم كلها ظاهرية و لاتفيد لهم كثير فائدة لانهم لم‌يعرفوا امامهم الا بما توهّموه و لايعرف المعني الغيبي الا بما ظهر في اسمه نعم ربما يتفضلون صلوات الله عليهم ببعض الفيوض من الابواب المفتوحة اليهم من اسمائهم و صفاتهم و ذلك فضل منهم لا انهم يستحقون ذلك اذا اتوا البيت من غير بابه و ليس البر ان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها و بالجملة فهذه العبادة ايضا خطاء و ليس عبادة و قوله من عبد الاسم الخ ، فاعلم ان من فرّق بين الاسم و المعني و عبدهما معا فقد اخطأ و دعا مع الله الها آخر و ذلك في الظاهر و اما في الحقيقة فالاسم اذا عدّ مع المسمي لايكون اسما كما مر و المعني لايظهر الا من [ص 202] الاسم فهو اذا وجد الاسم و المعني اثنين فلم‌يجد الاسم و لم‌يجد المعني و عبد خلقين لا انه عبد الله و غيره فان الله سبحانه لايعدّ مع غيره و ليس من له شريك هو الله و يشعر بذلك قوله عليه السلام عبد اثنين ، فانه لايريد من ذلك الله و اسمه فان ذلك كفر و لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة اذ يلزم من ذلك كونه في عرض المعدودات و لكنه مراده عليه السلام انه عبد اثنين هما غير الله اذ ليس اسما و لا معني بلا اسم فافهم فانه دقيق و بالتدقيق فيه حقيق و قوله من عبد المعني الخ ، فذلك ان تنظر الي الاسم كاشفا سبحة الاسمية بان تشاهد منه المسمّي لا غير مع انه بنفسه ايضا هكذا لانه لاينبئ الا عن مسماه ففعلك يصير حقا لمطابقته لجعل الله كما انك تنظر الي الشعلة و تري النار فذلك ايقاع الاسم علي المعني فتقول بلسانك يا الله و تعتقد في ضميرك المعني به و هو الذي تحيّر فيه الخلايق كما تقول بلسانك زيد و تعتقد في ضميرك شخصه فافهم و اغتنم و اما قوله عليه السلام في حديث هشام من عبد المعني دون الاسم فذاك التوحيد ، فذلك لان النظر الي الاسم ليس لاجل نفسه بل لظهور المعني فالنظر اليه نظر الي المعني و عبادته عبادة المعني و هو يوقع العابد علي معناه البتة و اعلم ان مشاهدة الحقيقة من الاسماء شأن حقيقتك و لايصل اليها غيرها فلا بدّ للمشاعر الظاهرة و الباطنة من ذكر الله باسمائه و صفاته اذ هي تجلياته فيها بحسبها و لكل مرتبة اسم خاص بها و لكن الحقيقة تعرف منها المعني و لما كنت انت تلك الحقيقة و بدنك و مشاعرك آلات عبادتك تكون انت عابدا لله لانك مدرك المعني و الاسماء و الصفات اسباب الوصول و مظاهر النور و قمص الظهور فتذكرها بآلات عبادتك فلايقال انت عبدت الاسم كما انك تريد زيدا و تدرك نفسه بنفسك و تذكر اسمه بلسانك و تصوّر هيئته اي هيئة بدنه في خيالك و يقال انت اردت نفس زيد و لكن مشاعرك اسباب ادراكه فتطلب قمص ظهوره فافهم فقد والله اسقيتك ماءا غدقا و لاتري [ص 203] حقيقة المسألة اوضح من ذلك في كتاب .