فصل - من المسائل الصعبة المستصعبة مسألة الجبر و التفويض و الامر بين الامرين سيما في تكوين الاشياء و في التشريع اسهل و قد اختلفت افهام الناس في ذلك و لا بد في معرفة حقيقة المسألة من مقدمات اذكرها في مسايل :

الاولي - قال الصادق عليه السلام في حديث من زعم ان الله يفعل افعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر و من زعم ان الله عز و جل فوّض امر الخلق و الرزق الي حججه عليهم السلام فقد قال بالتفويض فالقائل بالجبر كافر و القائل بالتفويض مشرك فقيل له يا ابن رسول الله فما امر بين امرين فقال وجود السبيل الي اتيان ما امروا به و ترك ما نهوا فقيل له فهل لله عز و جل مشية و ارادة في ذلك فقال اما الطاعات فارادة الله و مشيته فيها الامر بها و الرضا لها و المعاونة عليها و ارادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط [ص 154] لها و الخذلان عليها قيل فلله عز و جل فيها القضاء قال نعم ما من فعل يفعله العباد من خير و شرّ الا و لله فيه قضاء قيل فما معني هذا القضاء قال الحكم عليهم بما يستحقونه علي افعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة و في رواية عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام الجبر هو الكره فالله تبارك و تعالي لم‌يكره علي معصيته و انما الجبر ان يجبر الرجل علي ما يكره و علي ما لايشتهي كالرجل يغلب علي ان يضرب او يقطع يده او يأخذ ماله او يغصب علي حرمته او من كانت له قوة و منعة فقهر و اما من اتي الي امر طائعا محبّا له يعطي عليه ماله لينال شهوته فليس ذلك بجبر له انما الجبر من اكره عليه او اغضب حتي فعل ما لايريد و لايشتهيه الحديث ، و سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن القضاء و القدر فقال لاتقولوا وكّلهم الله الي انفسهم فتوهنوه و لاتقولوا اجبرهم علي المعاصي فتظلموه و لكن قولوا الخير بتوفيق الله و الشرّ بخذلان الله و كل سابق في علم الله انتهي ، حاصل الاخبار ان الجبر ان تقول ان الله اجبرهم و اكرههم علي المعصية و التفويض ان تقول ان الله وكّل امرهم اليهم و يفعلون ما يشاؤن بقدرتهم بل امر بين امرين و ليس الامر بين امرين شئ مركب من الجبر و التفويض فيثبت بذلك كلا النقصين بل الامر بين الامرين شئ ثالث غيرهما اوسع مما بين السماء و الارض و هو الاختيار و الاستطاعة الثابتة لهم بمشية الله فان قلت ان الكل بمشية الله من دون استطاعتهم فقد قلت بالجبر و ان قلت ان الكل باستطاعتهم فقد قلت بالتفويض و ان قلت ان استطاعتهم بتقدير الله و مشيته و ارادته و لا حول و لا قوة الا بالله فقد قلت حقا فاذا عرفت معناها فاعلم ان الادلة علي بطلان الجبر و التفويض و اثبات الامر بين الامرين كثيرة و انا اريد بيان حقيقة المسألة علي ما استنبطته من اخبارهم صلوات الله عليهم .

الثانية - اعلم ان اصل باعث الاشكال و كثرة القيل و القال في هذه المسألة [ص 155] عدم اطلاع الباحثين علي سرّ بدء الخلق و لو علم الناس كيفية البدأ و لا كيفية له لمااختلفوا و لو كشف الغطاء مااختلف اثنان فاعلم ان الله سبحانه احد كما ذكرنا مرارا و الاحد بذاته لايذكر معه غيره بنفي و لا اثبات فان النفي هو الصلوح و القوة و الاثبات هو سبب الكثرة و الاختلاف و الله منزّه عن كليهما فهو هو وحده لا شريك له واحد احد فرد صمد و لايوصف بصفة كائنة ما كانت بالغة ما بلغت اذ الصفة تشهد بنفسها باقترانها بالموصوف و الموصوف يشهد ايضا بذلك فان الصفة غير الموصوف و باقترانها به صارت صفته و الموصوف غير الصفة و صار موصوفا بسبب تلبسه بها و الاحد جل شأنه لايعدّ معه شئ غيره حتي يوصف به فان غيره خلقه كائنا ما كان اذ حق و خلق لا ثالث غيرهما بينهما و كل ما هو غير الحق خلق فلايعدّ معه حتي يوصف به و ذكر الصفات الذاتية محض مداراة و الا فكمال التوحيد نفي جميع الصفات عنه حتي الفاعلية و الخالقية و الرازقية فان جميعها صفات افعال لاتثبت الا بعد تلبس الموصوف بالفعل و انت تعلم ان الفعل ينبأ عن حركة المسمي و الله سبحانه لايكون متحركا فان المتحرك حادث مسلما و بحركة الافلاك نستدل علي حدوثها فاذا جاز الحركة علي الله يثبت له الحدوث و الله قديم فلايكون متحركا و كلما يجوز في الحدث يمتنع معناه من الازل جل شأنه فللفعل فاعل و للاسم مسمّي و للصفة موصوف و الله قديم بسيط احدي لايحدّ بشئ منها فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين ، فاذ لم‌يوصف جل شانه بالصفات مطلقا و لم‌يحدّ بالافعال فكيف يوصف سبحانه و تعالي بالجبر فان نفس الجبر يمتنع معه و كيف يوصف بالتفويض مع ان اصله يمتنع معه تعالي عن جميع ذلك علوا كبيرا و اما في مقام الكينونة فنقول انها مظهر الاحدية و ان الاحد جل شأنه يمتنع معه ذكر جميع ما سواه كونا و امكانا فانك [ص 156] قد عرفت سابقا ان الاحد لايوصف بحد مطلقا فاذ لا حدّ له مطلقا فلايحدّ بالاشياء مطلقا فلايعدّ معه شئ من الاشياء مع انه تعالي لايحد بالمكان مطلقا اذ هو مأيّن الاين كما انه لايحد بالكيف اذ هو مكيّف الكيف فاذ لا مكان له تعالي فلا معني لقول ان الخلق في مكان الاحد ممتنعون و كذلك ساير ما يتكلم فيه و يسأل عنه كله لايليق به فهو المحيط بجميع امكنتهم و اوقاتهم و جهاتهم و حدودهم و حيوثهم فلا غير له مطلقا و لو في امكنة وجودهم فهو هو وحده فحيث هو لا خلق مطلقا فمَن الجابر و مَن المجبور و من المفوِّض و من المفوَّض اليه افهم و قد بيّن ابي العلامة اعلي الله مقامه نحو هذه المقدمة في كتابه المبارك المسمي بالفطرة السليمة بوجه احسن و اجمل فراجع و ما بيّنته في هذه العجالة يظهر لك حقيقته ان شاء الله .

الثالثة - و قد نعبّر عن هذا المقام بالعلم الازلي الذاتي و نقول ان الله سبحانه قد علم بهذا العلم اي العلم الكينوني الازلي جميع خلقه علي ما هم عليه بما يليق بهذا العلم الذي احاط بكل شئ و وسع كل شئ و لايضل ربي و لاينسي و هذا هو المقام الذي قال الامام عليه السلام ما معناه ان الله قد علم كل شئ قبل خلقه ان لو كان كيف كان يكون و علمه اصدق من كل شئ فخلقه علي حسب علمه به فلو سأل سائل لمَ خلقتني هكذا و لم‌اك شيئا مذكورا يقول علمت انك لو كنت كيف تكون فخلقتك علي ما علمتك ، و معرفة هذه المسألة صعبة مستصعبة و اذا عرفت حقيقة ما مضي في العلم تعرفها و بالجملة هذا مقام علم الله فيه به جميع الاشياء قبل تكوينها و يعلمها به بعد تكوينها و وسع كرسي علمه السموات و الارض و ما بينهما و ما تحت الثري و هو بكل شئ عليم فلم‌يظلم احدا بسبق علمه بشئ غيره عليه و لم‌يظلمهم بمحو اسمهم عن لوح علمه بل يعلم جميع الاشياء بالسواء من المبدء الي المنتهي و بهذا العلم يكونون و لو لم‌يعلمهم كيف كان يأمرهم بامر كن [ص 157] و كيف يريد شيئا مع عدم علمه به و كيف كان فاعل كن نفس فاعل يكون فافهم ذلك و لاتكن من الذين يزعمون ان الله لايعلم الاكوان الا في مقام وجودها و زمان وجودها و بعدها و قبلها لايعلمها الا بالاجمال فانهم صغّروا ربهم بذلك و نسبوه الي الجهل نعوذ بالله بل علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها بلا فرق فان عرفت حقيقته بحيث لم‌تشرك به و لم‌تقل بما يقول به وحدة الوجوديين فاشكر الله علي ما رزقك من الفهم و الا فاسلم تسلم و لاتتكلم فيما لست اهله .

يا باري القوس بريا لست تحسنه لاتفسدنها و اعط القوس باريها

و كذلك نقول انه لم‌يعلم شيئا بما ليس عليه فلو علم هكذا لكان جبرا بل علم كل احد علي ما هو عليه من نفسه و ذاته و صفته و ذلك من عين العدل و كذلك لم‌يفوّض علمه ذلك الي احد فانه لايحيط بعلمه ذلك سواه اذ لايحيط بنفس الكينونة سواه و قد قال و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء اي ما تعلق به المشية و العلم الكينوني قبل المشية فلم‌يوكّل الي احد و لم‌يفوّض الي احد حتي ان آل‌محمد سلام الله عليهم لايعلمون هذا العلم بوجهٍ مّا و ان قلت كيف تسلب عنهم هذا العلم في مقام بيانهم مع ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكوّنين اقول فهم نفس علمه و معلومه و الله عالم بهم و نفس العلم من حيث نفسه لايكون عالما فانك اذا علمت شبح زيد مثلا لايكون الشبح عالما بل انت عالم و الشبح معلومك الذي هو علمك بملاحظة فافهم و لايجوز افشاء السر اكثر من ذلك و لو كان غير هذا الزمان لماتكفلت هذا القدر من البيان ايضا .

الرابعة - اذا عرفت ما بيناه سابقا في عدله تعالي في مشيته لايبقي لك اشكال في عدم الجبر فيها و لكن من باب تمام البيان نقول ان الله سبحانه خلق [ص 158] المشية بنفسها كما في الخبر لا بمشية سابقة و لا ارادة قائمة سواها فانها سابقة علي كل مخلوق و بها خلق جميع الاشياء فكيف تخلق بمخلوق سابق عليها و لا مخلوق و الله سبحانه بنفسه لايكون سبب خلقها و علتها فانه تعالي احد و الاحد باحديته طوي كل علة و معلول و لايرتبط بشئ خاص حتي يصير سبب شئ و لايصدر منه شئ حتي يكون علته بل العلل بانت منه كالمعلولات و قد تجلي بكلها بالسواء و قد مرّ سابقا اشارة الي عدم كونه علة و قد كذب من زعم ان الله سبحانه كالسراج و سطع منه خلقه كالانوار و الخلق من خاصيته و قائمون بوجوده لا ايجاده و قيامه لا اقامته فان الخلق بارادته و مشيته ان شاء خلقهم و ان لم‌يشأ لم‌يخلقهم فانه احد و الاحد لايحدّه خاصة و لايلازمه شئ و بالجملة اذا لم‌يكن علة مشيته فالمشية مخلوقة بنفسها و ان قلت فلمَ تقول انها مشيته و خلقه اقول عرفنا ذلك مما دلّنا عليه كونها له و دلّنا علي ذلك احاطة الاحد بها و بيان ذلك من الاسرار و ان عرفت الاشارات المندرجة في هذه الينابيع التي اجراها الله من قلبي علي قلمي ببركة الغوث الاعظم تعرف حقيقة ذلك ثم معرفة حقيقة كون المشية مخلوقة بنفسها ايضا من المشكلات و سيأتي شرحه في علم البدأ ان شاء الله و مرادي هنا محض الاشارة فاعلم ان المشية مركبة من حيثين نفس و هي العلم و الوجود و جهة الرب و انيّة و هي الماهية و جهة الطبع و عرفنا ذلك بما رأينا في آثارها فانك قد عرفت مما مضي علي نحو الاجمال في توحيد الذات في بيان بساطة الله جل شأنه ان بالافراد تستدل علي مطلقها فانا ننظر الي الاجسام الجزئية و نري كلها مركبة من مادة و صورة و نري انا اذا سلبنا عنها الصور بطل الجسم و اذا سلبنا عنها المواد ايضا بطل الجسم فان الصورة بلا مادة مثال و ظل و المادة بلا صورة شبح و ظل و الجسم مركب من مادة و صورة اذ هو جوهر قابل فالجوهر بلا قابلية لايكون جسما اذ يصدق علي الصور الخالية عن القوة و الاستعداد ايضا [ص 159] و القابلية بلا جوهر صرف عرض لايقوم و هو محض مثال فالجسم جسم مع بقاء التركيب فلما رأينا ذلك في الاجسام الجزئية عرفنا ان مطلقها هكذا غاية الامر انه فوق الاعراض الخاصة فصورته مطلق العرض فافهم فانه بيان شريف قلَّ من التفت اليه و كذلك بعد ما نظرت الي المشاءات التي جميعها افراد المشية ان كنت عارفا تري جميعها وجودات مقيدة فان سلبت عنها القيد يبقي الوجود البحت و هو العلم الذي فوق المشية و المشائية و ان رأيت القيد فقط فهو وصف و عرض لايقوم الا علي جوهر و بلسان آخر نقول انه صورة و تحققها بالمادة فان الشئ قايم بمادته و صورته قيام ركن لولاهما لبطل الشئ بالمرّة و الصورة قايمة بالمادة قيام تحقق و كذلك المادة فالمشاء مشاء بمادته و صورته و اذا رأينا ذلك عرفنا ان المشية لها وجود لا محالة و قيد هو صورتها غاية الامر انها فوق القيود الجزئية فقيدها الاطلاق فقلنا انها وجود مقيد بالاطلاق فافهم و هذا معني التزييل الفؤادي الذي قالوه مشايخنا و يلوكونه الناس بين لحييهم بلا معرفة فللمشية وجود و هو وجودها و علم الله بها كما في الافراد فان وجود كل احد هو العلم الازلي به و به خلقها الله كما خلق كل موجود بوجوده فالكل مخلوق بنفسه و المشية مخلوقة بنفسها و مخلوقيتها اطلاقها فالمراد من كونها مخلوقة بنفسها ان اطلاقها ثابت بوجودها و كلها لله و اذا كانت مخلوقة بنفسها فهي هي هكذا ثابتة قائمة لله و لم‌يخلقها الله من العدم حتي يمكن ان يتصور عدمها و وجودها بعده فتفطن و انصف من‌ذا اجبر و ظلم المشية الثابتة القائمة السرمدية حاشا ان يكون الامر هكذا و لاتزعم ان حاصل هذه البيانات المتشابهة ان المشية لاتكون مخلوقة لله حاشا ان يكون الامر هكذا و لو زعمت هكذا ماوقفت علي مرادي و لكني اقول ان الله خلقها بنفسها في مقام وجودها و هي حادثة محتاجة و لكنها خلق هكذا فاذا كان فعلها و انفعالها بنفسها فالكل بميلها لا غير فلايفرض الجبر في مثل المقام و ان قلت يلزم من ذلك التفويض [ص 160] اقول التفويض فعل المفوِّض و لا فعل لله غير تلك المشية فاين التفويض مع ان المشية فانية في جنب نور الله و الله اولي بها فلايفرض التفويض بل امر بين امرين و كذلك هذه المشية محيطة بجميع المشاءات و ظهر نورها في كل شئ بحسب قابليتها علي ما سيجيء .

الخامسة - اعلم ان اول مخلوق بعد المشية بها الامكان الجايز و هو من مشية الله سبحانه كالدخان من النار فلولا الدخان لماظهرت و لولاها لماحصل بل هو من المشية بمنزلة المصدر من الفعل فانه مشتق من المشية و جميع الاشياء مخلوقة منه بل اذا دققت النظر فيه تري انه حيث انفعال المشية و لذا نقول ان المشية هي الامكان الفعلي و هذا الامكان هو المفعولي و المفعول الحقيقي هو انيّة الفعل و عبوديته فعلي ذلك لاينفصل عن المشية بل حكمه ما قلنا في المشية و في الانفعال المحض لايفرض الجبر و علي فرض كونه غير المشية نقول انه نورها و النور عند منيره مخلوق بنفسه و برهان ذلك علي التفصيل يظهر بعد ان شاء الله و اجماله ان النور علي صفة منيره فان كان المنير مخلوقا بنفسه يكون النور ايضا مخلوقا بنفسه .

و بوجه آخر نقول ان الشئ لايكون منيرا الا بسبب انارته و انارته فعله و هو نفس اثره فلا فعل للمنير غير نفس النور حتي يخلق به و لا عمل له سواه و لذا يكون معه ما دام كونه منيرا فهو موجود بنفسه يعني اوجده المنير بنفسه لا بايجاد سوي نفسه و هذا الامر جار من الدرة الي الذرة فكل اثر عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و مؤثرية المؤثر نفس الاثر كما ان انيته نفس الاثرية فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الامكان الاول اي الوجود المقيد و الارض الجرز في جنب مشية الله مخلوق بنفسه و نفسه هذا الوجود المشهود منه و هو فيه آية الوجود الموصوف بالاطلاق في المشية و مقيديته مقام مخلوقيته و هي آية اطلاق المشية فاذا كان مخلوقا بنفسه فهو بنفسه الفاعل و بنفسه المنفعل و نفسه [ص 161] لاتجبر نفسه البتة بل تفعل علي حسب ارادته و تنفعل علي حسب ارادته و ليس ذلك بالتفويض اذ ليس هذا الوجود المذكور الا آية الكينونة فيه و لم‌يخلق الا به فكيف يتصوّر التفويض بل امر بين امرين فافهم .

السادسة - ثم خلق الله الاكوان و الاعيان من هذا الامكان بلا جبر و لا تفويض و معرفة حقيقة هذه المسألة من الامور الصعبة و لكن اعرني لبّك حتي تقف علي المراد بحول الله و بركة الحجة و اعلم ان حقيقة هذه المسألة من اسرار آل‌محمد عليهم السلام و ان ابي العلامة اعلي الله مقامه بيّن بعض اسرارها لان الناس اتوه جاهلين و غافلين فدخل المدينة علي حين غفلة من اهلها و هتك قليلا من الاستار و كشف عن بعض الاسرار و عرفوا ببركته بعض المطالب و خرجوا عن حد الجاهلية و اغلبهم اليوم عارفون ببعض الاسرار مع انهم لم‌يقفوا حدّ التسليم و لم‌يفوزوا بحدّ اليقين مع ان الشيطان غلب علي بعضهم و جلس وراء اسماعهم و اعينهم للاستراق فكلما تفوّه الانسان بسرّ من الاسرار يبادرون الي الانكار و يطلعون الاغيار علي مكنونات صدور الاخيار مع انه ينبغي ان تغطي عن الانظار و لاادري هل يحسدون الناس علي ما آتاهم الله من فضله او يجحدون بها و استيقنتها انفسهم ظلما و عتوّا او كانوا منكرين قبل ذلك و ظهر احقادهم اليوم و بالجملة صار الامر الي ما صار و رجعوا قهقري الي الجاهلية الجهلاء و لذا لايقتدر الانسان علي الكشف عن اكثر المسائل كما كشف ابي مع ان ما بيّنه كان كافيا و لكن هؤلاء صرفوا الناس عن النظر اليها معتذرا بانها من المتشابهات و بالجملة فمع ما انا فيه لااتمكن من بيان المسألة واضحا نيّرا و لكني لاابخل عن الاشارة فاقول ان الله سبحانه احد علي ما مرّ سابقا و الاحد غني مطلق لايفرض له الفقر و الحاجة بوجه من الوجوه فان الفقر من الفقدان و الوجود الذاتي فعلية صرفة و الفقدان صفة الامكان و هو خالق الامكان و اذ لايكون محتاجا و لا فاقدا [ص 162] فلايقتضي شيئا مع ان الاقتضاء صفة الحدوث فانه لايكون الا بعد القضاء و هو فعل القبول فلا بدّ من وجود قاضٍ بقضائه قبله و ذلك محال و الله هو القاضي و وجه آخر ان الاقتضاء من الميل و الميل لايحصل الا للحادث و وجه آخر ان الاقتضاء من صفات الاضافة لايحصل الا بوجود شئ آخر فانه لا معني له بغير ذلك و لايعدّ مع الله غيره حتي يقتضيه بل هو هو و غيره ممتنع معه و لا معني لان يقال انه اقتضي نفسه و القول بذلك خطاء و من اثبت لذاته سبحانه ميلا و ارادة لم‌يعرفه ثم انا نقول ان الاقتضاء صفة و الصفة عرض لا محالة فهل تقول انه من كل جهة ذات الاحد فهو اقتضاء مطلق فيلزمك الاقرار بانه عرض فلا بد من جوهر يقوم به غيره و هذا قول لايتفوه به عاقل فهو تعالي بنفسه لايقتضي خلق شئ و لايقتضي عدم خلق بل لايقتضي سلب صفة عنه مطلقا و ان ما نقول تعبير عما في الضمير و الا فهو سبحانه فوق معاني جميع الالفاظ المركبة كما انه فوق جميع خلقه و كذلك مشيته سبحانه فوق جميع الاقتضاءات الكونية اذ هي مقام نفي جميعها بل هي فعل مطلق و الفعل المطلق لايقتضي الا مفعولا مطلقا هو نفس مفعوليته لفاعله الاتري الي فعلك المطلق الصادر منك فانه لايقتضي الرضا و لا الغضب و لا الحب و لا البغض و لا الحلم و لا شيئا آخر مطلقا و بعد ما ظهر في القابلية البدنية ظهر بانواع الافعال و كذلك الامر في الآفاق انظر الي الشمس فان لها نورا واحدا علي لونها و صفتها و لايقتضي لونا غير ما هو عليه و لكنه بعد ما اشرق علي الزجاجات المتلونة ظهر من ورائها علي الوانها و كذلك الامر في مشية الله فانها فعل مطلق اذ هو مبدأ جميع الخلق و المبدأ واحد لا محالة و الاقتضاء لا شك انه صفة المقتضي فالمقتضي المطلق الواحد لايقتضي الا امرا مطلقا فلايقتضي المشية الاكوان المختلفة فبالنسبة اليها نقول انه لا اقتضاء لها مطلقا و كذلك الامكان بحر سيّال متشاكل و جميع الاكوان و الاعيان في قوته [ص 163] و صلوحه و القوة عدم صرف فان معناها انه يمكن ان يتصور بصور مختلفة و لكن نفسه امكان لا فعلية فلايقتضي الا امرا مبهما مطلقا فالاكوان المختلفة و الاعيان الثابتة في اماكن وجوداتها لم‌تخلق الا باقتضاء انفسها و دعائها باَلسنة قوابلها و السنة القوابل و دعواتها و اقتضاءاتها ليست الا صرف انفعالها بفعل الله سبحانه اذ لايتصور وجودها قبل الايجاد حتي تقتضي الايجاد بل هي مخلوقة بايجاد الله سبحانه و لكن انوجادها مقترن بايجاد الله و وجودها حاصل من هذا الفعل و الانفعال فهي من مشية الله كالمفعول المطلق لا المفعول به و مثال الخلق الكسر و الانكسار فان الكسر لايظهر الا بالانكسار و الانكسار لايوجد الا بالكسر فلا بدّ من وجودهما حتي يتم وجود كسرك و ظهوره بل لولا الانكسار لماكان الكسر كسرا بل هو فعل مطلق و صار كسرا بانكسار الكأس فافهم و الاسماء المختلفة للفعل جميعها بحسب الانفعالات فانك اذا ضربت احدا بالخشب فقَبلَ ضربك اي صار مضروبا يقال ضربت و الا يقال حركت الخشب ان قَبلَ الحركة و تحرك و الا يقال اردت تحريكه و لم‌يتحرك ثم اذا وقع خشبك علي زيد و انكسر يده يقال كسرتها و ان انخدش يده يقال خدشت و ان انجرحت يقال جرحت و ان مات زيد بذلك يقال قتلته و الكل واحد من عندك و اختلف في الظهور و هكذا الامر في المقام و الفرق ان لك مفعولا به يظهر فعلك عليه بهذه الصور و نفس المفعول به مفعول حقيقي للمشية فافهم فانه مشكل و ان قلت لمَ صار مفعولها متعددا مختلفا مع وحدتها اقول حصل الاختلاف بحسب القرب و البعد من المشية فان المشية مطلقة و نورها ينفذ من غاية القرب الي ما لايتناهي بلا كيف فكلما كان في غاية القرب منها يكون اوحد و ما كان في غاية البعد صار متشققا حتي بلغ بكثرة عالم الاجسام و بعد ما بلغ الكثرة مبلغ السموات و الارض سهل الخطب في وجه تكثر الخلق علي النهج المقرر في مقامه و بالجملة فالتشقق و الاختلاف لغلبة برد [ص 164] البعد و الا فاصل شعاع المشية واحد لا اختلاف فيه و ان شئت زيادة البيان فترقب حتي يأتيك بعد ان شاء الله و بالجملة فكل الخلق مخلوقون بفعل و انفعال و لايتصور الفعل بلا انفعال و لا الانفعال بلا فعل فاين الجبر و التفويض فان الجبر فعل بلا انفعال و انت عرفت انه لايمكن ذلك مع ان الله سبحانه بنفسه لايقتضي امرا و الفعل بلا انفعال ليس الا من اقتضاء الفاعل و ميله بخصوصه الي شئ و الله لايقتضي شيئا هكذا فكيف يفعل شيئا بلا انفعال ، هذا و نقول ان اصل الفعل بلا انفعال محال من المخلوق كان او الخالق فالجبر امر محال ممتنع بالمرّة و قد اشتبه الامر علي الناس حيث يتفكرون اليوم بحسب اختيارهم اني لو كنت كفلان كان احسن و لايعلم كيفية خلقه فيزعم ان الله جعله هكذا بلا انفعال منه فيقول انه اجبرني نعوذ بالله و لو عرف انه خلق بفعل الله و انفعال منه لمااتهمه بذلك فافهم فانه مشكل و كذلك التفويض ان يكون انفعال بلا فعل فانه بمعني توكيل الامر الي الخلق و ليس من الخلق الا القبول و الانفعال و القبول و الانفعال من غير فعل ممتنع فالجبر و التفويض كلاهما ممتنعان و لكن امر بين امرين و هو الفعل و الانفعال و الامر و الايتمار و النهي و الانتهاء و كذب من اخذ شيئا من الجبر و شيئا من التفويض فان القول بكل واحد منهما كفر بالله و المركب من كفرين لايكون ايمانا فتدبر .

و بوجه آخر ابطن من ذلك نقول ان الله سبحانه قد جعل علة كل شئ نفسه بمعني ان لمشيته سبحانه رؤسا بعدد خلق الله و رؤس المشية سرمدية لاتتصوّر حدوثها بالحدوث الدهري و الزماني فلم‌يمض وقت من الاوقات الزمانية و الدهرية لم‌تكن هذه الرؤس و ليس حدوثها الا كحدوث نفس المشية فانها جميعها فروع شجرة المشية و هي الشجرة المباركة الزيتونة و العلة اذا كانت قائمة لا بد من وجود معلولها معها قال الامام عليه السلام لاتكون الارادة الا و المراد معها ، فكما ان بوجود المشية المطلقة يقوم مجموع [ص 165] الملك دائما كذلك بوجود رؤسها تقوم معلولاتها في اماكن وجوداتها دائما فكل شئ مخلوق بنفسه و ثابت في مقامه دائما و اذا كان مخلوقا بنفسه فالفعل و الانفعال كلاهما بحسب طبعه و لايلزم ان لايكون الشئ مخلوقا لله بذلك فان حاصل الكلام ان حيث اعلاه فعل الله الخاص به فالله الخالق له بفعله المتعلق به فتدبر فاين الجبر و اين التفويض و لكن الاشكال و الداء العضال في ان الناس يزعمون جميع الملك هذه الدنيا و مقام الخلق هذه الارض و وقتهم الزمان و التركيب منحصرا في التراكيب الدنيوية و يرون انهم لم‌يكونوا في زمان فتركب اجزاؤ بدنهم في زمان و يزعمون ان عدم الجبر كون الشئ باطلاعهم و ارادتهم في خيالاتهم و يزعمون انهم لم‌يكونوا قبل هذا التركيب فلم‌يطلعوا بخيالهم علي خلقهم و لم‌يخيّروا امرا بارادتهم فيقولون ان الله قد ظلمنا و جبرنا نعوذ بالله و الله سبحانه اعزّ من ذلك .

فصل - لما ذكرت بقاء الخلق و ثباته في مقام وجوده احببت ان ابسط هذا البيان حتي يظهر سرّه بالعيان فاجمع لبّك لعلك تعرفه ان كتب لك فاعلم انه قد ثبت بضرورة الاسلام و صريح كلمات امراء الكلام عليهم افضل السلام ان الله تعالي كامل بالفعل ليس في كماله مثل خلقه اذ الخلق لايملكون جميع كمالاتهم دائما بالفعل بل لكل خلق كمال بالفعل و قوي بحسبه فان جميع ما سوي الاحد الواجب ممكن راجحا كان او جايزا فله قوّة بحسبه حتي ان المشية السرمدية تستفيض دائما من ربها و الفيوض الآتية كلها في قوتها غاية الامر ان الله يعطيها من نفسها و اوقاتها واحدة لا ان آتيها غير ماضيها و مرّ سابقا بيان ذلك بقدر اقتضاء هذه العجالة و اما الاحد جل شأنه فهو الواجب بكله الاحد بكله و الوجود بكله فلايفرض له قوة فهو كامل في جميع ما له بالفعل و لا شك و لا ريب ان كماله خلقه فان ذلك ايضا ثابت بضرورة اهل الحق و ان جماعة امة النبي اهل الحق و ضرورتهم متّبعة لا رأي [ص 166] كل مصنّف و هوي كل مؤلّف و فتوي كل مفتٍ فان من لم‌يتبع الحق خارج عن دين الحق و عن جماعة الحقيين فاذا قال قائل ان كمال الله ذاته و صفته ذاته فذلك قول صوفي لايعتني به الا ان يقال انه كامل بالذات و كماله الذاتي ذاته كساير الصفات الذاتية و اما كماله الآئي و الوصفي فخلقه لا محالة و كل احد يعرف ان كمال الكامل غيره فانه فضل نوره و لا شك ايضا ان جميع خلق الله كماله و ذلك ايضا مما لا شك فيه فان كلها شئون الكينونة و ظهوراتها و آياتها و لذلك قيل انه ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و في الخبر ليس الا الله و فعله و في الدعاء لايري فيه نور الا نورك ، فجميع الخلق نوره و نوره كماله .

و بوجه آخر نقول انهم معلومه و معلومه نفس علمه بلا شك و قد قال عليه السلام ان علمه كماله فالخلق كماله و الله سبحانه كامل احد و الاحد الكامل لايفقد كمالا يترقبه و لاينتظر جمالا يفقده فهو واجد جميعها ابدا ازلا في مقامها اذ لا شك ان الخلق لايكون في رتبة ذات الاحد فهو يجدها في مقامها العالي في علوّه و الداني في دنوّه فهو صاحب المشية و واجدها في مقامها و لاينتظر حدوث المشية لنفسه و كذلك واجد للامكان في مقامه و لايفقد كمال الامكان حيث هو ابدا و كذلك واجد للاكوان في مقامها كلا في حدّه و رتبته و قد جفّ القلم بما كان و ما يكون و هذا الامر الذي ذكرت دائم ابد فافرض ان الاكوان ثابتة في مقامها دائما علي ما هي عليه و الامكان فوقها علي الامكانية دائما و المشية فوقها و الكينونة محيطة بها و الاحد محيط بها دائما و في التمثيل و لله المثل الاعلي نقول ان السراج المشتعل معه انواره ما دام بقائه و اذا فني السراج يفني الانوار و الا فلا و اذا كان السراج قديما دائما فانواره قديمة الا ان السراج بالفرض قديم ذاتي و الانوار قديمة وصفية و القديم الوصفي مخلوق حادث لافتقاره في وجوده الي غيره فان كل قائم بغيره حادث و كل قائم في سواه معلول و ان قلت فما معني الخلق و التقدير اقول [ص 167] ذلك محض التعبير عما عرفه الضمير فانه لما استضاء لنا قلنا اضاء لنا فافهم و قد مرّ سابقا بعض حديث عمران فراجع حتي تقف علي بعض الاسرار فاذا عرفت ذلك فاعلم ان كل قابلية ثابتة في مقامها و حدّها و هي تسأل الاحد بلسان الحال الوجود فيفيض عليها من مشيته الوجود بقدر استعدادها فكيف يتصور في هذه الاحوال الجبر او التفويض فافهم و ان قلت كيف بالتراكيب الزمانية و انا نجد حدوثها و تجددها اقول ذلك بالنسبة الينا و نحن نسبح في بحر الزمان و نجد كل آن امرا جديدا و الا فهي بالنسبة الي الله و لا نسبة ثابتة قائمة و لا ماضي له و لا غابر و هو الآن يطلع علي ما يكون و كان و ما يأتي حاضر لديه كما مضي و يحكي نور ربه و الله يفيض عليه و لكنا لنقصاننا لانطلع عليها الا بقدر ما شاهدناه و ليس ان الزمان يمضي علينا بل هو ثابت في مقام وجوده و لكنا نمضي فيه و كذلك الدهر لايمضي علينا بل نحن نتدرج في مقاماته فنرفع درجة بعد درجة و هذا من الامر الذي لايؤمن به الا مؤمن ممتحن و معرفة حقيقته في غاية الصعوبة و اسأل الله ان يلهمني حقها و يوفّقني علي درجه في هذه الرسالة .

فصل - لما اتينا علي ما اردنا بيانه من امر الجبر و التفويض في الاكوان ناسب ان نذكر سرّ الاختيار و الاحسن ان اروي الكلام عن ابي العلامة اعلي الله مقامه فان له كلاما في حقيقة الاختيار يكشف به جلّ المعضلات قال في رسالته المسماة بلب اللباب : اعلم ان المختار لايكون مختارا الا ان يكون ذاته خارجة عن جهتي الاختيار صالحة للتجلي بهما و هذا هو الاختيار الفعلي او صالحة للتصور بهما و هو الاختيار الانفعالي و لايفرق بينهما الا قليل فالمختار الفعلي له قوة التجلي فهو امكان التجلي باحد شقّي الاختيار و الامكان الفعلي و اما شقّا الاختيار فهما فعليان خاليان عن القوة و الاستعداد الشخصي في عرصتهما و ان كان لهما الاستعداد النوعي و اما المختار الانفعالي فله قوة [ص 168] التصور بكلا وجهي الاختيار فهي الامكان الانفعالي المقيد و امكان الانخلاق و التصور فايهما اورد عليه ليس بالذي لم‌يكن صالحا له و لم‌يرض به و لم‌يتصور و لم‌يقبل و لم‌يمل و ليس بالذي اجبر علي ما ليس فيه و ما لم‌يكن صالحا له و هذا هو معني اختيار الاشياء في ذواتها لا انهم كانوا ثم ترددوا بين الامرين فاختاروا احدهما فانهم لم‌يكونوا و بهذا الاختيار يوجدون فاختيار الكاين احد الامرين هو الاختيار الفعلي كاختيار زيد القيام علي القعود فالله الاحد المستوي نسبته الي كل شئ و لا نسبة مختار باختيار ذاتي و اختياره عين ذاته الاحدية ثم تجلي بالوجود المطلق و الامكان الراجح المستوي نسبته الي كل شئ بحيث ليس شئ اولي به من شئ فجعله اختياره الفعلي لما يشاء و قدرته الفعلية علي ما يشاء ثم خلق به الوجود الجايز و الامكان الجايز المستوي نسبته الي جميع الصور الصالح لقبول كل صورة ثم اكمن مشيته و اختياره الفعلي فيه و القي مثالها في هويته فاجتمع فيه القوة الفعلية و القوة المفعولية و قد انصبغ القوة الفعلية بصبغه فيه كما ينصبغ المثال في المرآة فتقوي كل صورة كامنة فيه بذلك المثال الواقع فيها المصبوغ بصبغها الذي هو فيها كالروح في الجسد و خرجت من القوة الي الفعلية و تقوي تلك القوي مع عدم تعيّنها في بادي نظرك بذلك المثال الملقي في هويتها فلاجل ان كمال الكامل يقتضي ان يكون ما في الامكان في الكون و ما في الكون في الامكان و لايعقل ان يكون الاحد الموجود الغير المتناهي بلا كمال و لايعقل ترقبه لكمال و زيادة كماله و نقيصته و الذي ليس له بعض الكمالات ناقص قابل للزيادة و النقصان حادث و الذي ليس له كمال انقص و الله سبحانه كامل لا نقص فيه و لا نهاية فتلك الفعليات في محالّها ثابتة ابدا ليس انه خلق قوة بلا تعيّن فمكثت ثم اخرجت منها بل ذلك تعبير عن ترتّب الايجاد و مراتب الذوات فتلك الفعليات فعليات في محالها ابدا قوي في امكانها ابدا و تلك الفعليات ابدان ارواحها المثل [ص 169] الملقاة في هوياتها المنصبغة في مرآتها و ليست تلك المثل الا هي من حيث الاعلي و قد خلقت بها فهي مخلوقة بنفسها في محالّها و ايّ اختيار اعظم من هذا و اكمل حيث جعل الله نفس المفعول يدا له في احداث نفسه فلاجل ذلك صارت البسايط بعد قبولها صورها مضطرة فيما اختارته و لا مقوي لساير القوي الكامنة فيها فلاتخرج من العدم الي الوجود و صارت ملكية لاجل ذلك فافهم ذلك ، اقول حاصل كلامه اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه ان الاختيار الواقعي لايحصل لشئ الا لمن كان خارجا عن الحدود فان من كان محدودا كيف يختار في نفسه مع ان نفسه نفس ذلك الحد و هو مضطر في ذلك الحد فان التثليث مع صورة التثليث كيف يكون مختارا في اختيار غيره فانه بنفسه تثليث و لايملك غير ذاته و اما اذا كان بريئا عن الحد الخاص فهو مختار اي يختار ما يشاء ففي الحقيقة المختار هو الله تعالي لانه خارج عن جميع الحدود واحد محيط بكلها ثم جميع من دونه اختياره نسبي فاول الموجود الوجود المطلق و هو مشية الله و فعل مطلق لايخصّ مفعولا دون مفعول بل يصلح لخلق كل شئ به فهو مختار بالنسبة الي المفاعيل و ان كان مضطرا بالنسبة الي خالقه فانه مقيّد بالصلوح فلايقدر علي اختيار الحقية و الله هو الحق و لاتقولوا علي الله غير الحق ، فالمشية بالنسبة الي الله ملك لا اختيار لها و لكنها بالنسبة الي المفاعيل مختارة باختيار فعلي و كذلك الامكان مختار باختيار انفعالي و ان كان مضطرا بالامكانية و يصلح للتصور بجميع الصور المتضادة بل يصلح للمناقضات و يريد اعلي الله مقامه من قوله ثم تجلي بالوجود المطلق و الامكان الراجح الي آخر ان الامكان الجايز منبث في جميع الاكوان لا انه منفصل عنها و قد تصور بصور الاكوان فافرض الامكان كمقدار مداد كتب به الكتاب فجميع المداد في الحروف المنقوشة لا انه بمعزل عنها و المداد المطلق نسبته الي جميع الحروف [ص 170] بالسواء يعني انه في ضمن كل واحد منها و فرقه مع المداد المذكور انه لم‌يتقطع بل هو بجميعه في كل حرف و ما تقطع في الحروف ظهوره لا نفسه فتدبر و كذلك الامكان الراجح الذي هو المشية قد تعلّق بالجايز و لاينفصل عنه كالنار الظاهرة في الدخان و ليس منفصلا عنه ابدا و كذلك الامكان الجايز ايضا لايكون منفصلا عن الاكوان و الاكوان ثابتة في مقامها دائما و هي مخلوقة من الامكان ففي الامكان جميعها قوة و هو يختار في التصور بكل صورة و اما نفس الكون من حيث الكون فلا اختيار له بل هو ملك من ملائكة الله و لكنه مختار بالنسبة الي العين ، مثال ذلك ان البحر من حيث مائيته يختار التصور بصورة البحر و النهر و غيرهما و لكن صورة البحرية مضطرة في البحرية و لا حجة لها علي الله لم جعلتني بحرا لان الله جعله في قوة الماء و قد تصور الماء بصورة البحر باختياره و كذلك البحر بالنسبة الي الامواج مختار و كذلك الامواج بالنسبة الي الصور المختلفة مختارة و الماء في ضمن البحر و البحر في ضمن الامواج فافهم هداك الله الي سواء الصراط فكل شئ في مادته النوعية مختار بالنسبة الي الاشخاص و في المادة الشخصية مختار بالنسبة الي الاعراض و الصفات و هكذا ينتهي الامر الي منتهي الشخصيات و هو ملك في غاية ضعف الاختيار و اذا كان الامر هكذا فاين الجبر و لم‌يفعل الله بعباده ما لاينفعلون به و اين التفويض مع ان الله هو الولي و هو من ورائهم محيط .

فصل - و لما اتينا علي بيان الامر بين الامرين في التكوين ناسب ان نذكر سرّه في التشريع حتي يظهر بطلان الجبر و التفويض في جميع المقامات فاعلم ان الله سبحانه خلق بمشيته اول ما خلق العقل كما ورد عن النبي صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله العقل و في خبر انه اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و بعد ما اكمل خلقه امره بالادبار فادبر الي الروح [ص 171] و منه الي النفس و منها الي الطبع و منه الي المادة و منها الي المثال و منه الي الجسم و معني ادباره تصوره بظله بصورة الاسفل ثم نزل من الجسم الذي هو سابع اَلبسته الي العرش و منه الي الكرسي و منه الي الافلاك حتي انتهي بها جميعا الي التراب و ماتت كلها حتي صارت عظاما رميمة فامره الله ثانيا بلسان الافلاك التي هي محال مشيته بالاقبال و لما كان شاعرا في الجملة بقدر احساس امر الآمر الكوني احسّ بامر الله سبحانه فنادي ملبيا مقبلا و اول قدمه المعدنية فلما صار معدنا صار فيه المعدنية بالفعل و ساير المراتب في قوته ثم وصل اليه نداء اقبل ثانيا فصعد قدما آخر و صار نباتا ثم صعد ثالثا و صار حيوانا علي التفصيل الذي سيجيء بيانه بعد ان شاء الله ثم سار قدما و صار انسانا كونيا اي الحيوان الناطق و جميع هذه الصور في قوة العناصر و تصلح لجميعها و كل ما فعل السماء فيها انفعلت من دون كره لانها في قوتها ثم ان الانسان الكوني بمنزلة الامكان للصور الشرعية الواردة عليها فانه يمكن ان يكون مؤمنا و كافرا هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن ، فان اتصف بصفة الايمان يكون مؤمنا و ان اتصف بصفة الكفر يكون كافرا و بعد ما تمّ قابليته تجلي الله له بمشيته من الشارعين صلوات الله عليهم كما تجلي بمشيته من الافلاك و المشية واحدة لا اختلاف فيها قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة و بعد ما ظهرت من القوالب الكونية سميت مشية كونية و بعد ما تجلت من القوابل الشرعية سميت مشية شرعية لا ان المشية اثنتان و امر المشية الكونية القاء شعلاتها و امر المشية الشرعية اشراقاتها و يعبّر عن الاول بكُن و يعبّر عن الثاني بصَلِّ و صُمْ و امثالهما فبعد ما استعد الانسان الكوني للاستفاضة منها يقبل اليها فيتنور بنورها و يستضيء بضيائها علي حسب اقباله و جميع الصور الشرعية في قوته من اسفل المقامات الي اعلاها و تظهر فيه بحسب قبوله و اذا انكر امر الآمر الشرعي و لم‌يقبله يظطلم بظلمة الكفر و هو قابل لكليهما [ص 172] و الآمر الشرعي في امره كالآمر الكوني فان الآمر الكوني لا خصوصية له بشئ دون شئ بل فعله يجري في كل شئ و امره يتعلق بكل شئ و كذلك الآمر الشرعي امره يتعلق بكل شئ انا ارسلناك كافة للناس فكل من ائتمر بامره يستفيض بفيضه و من كفر فان الله غني عن العالمين و الشارع لايظلم احدا في قبول امره فانه آمر و الخلق قابل فافهم ذلك و ان قلت ان القبول و الردّ كله بمشية الله و لايسبق احد مشية الله فاي لوم علي من انكر و اي مدح علي من اقرّ اقول بلي كل شئ بمشية الله و لا فاعل سواه و هو يهدي من يشاء و يضل من يشاء و لايلزم من ذلك الجبر بوجه فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول اعلم ان مشية الله علي ما عرفت سابقا واحدة و هي امكان فعلي فليس فيها تعلّق خاص بامر من الامور و الناس يزعمون ربّهم كشخص من الاشخاص و ارادته ضميره فيقدر ما يشاء بارادة خاصة منه باقتضائه فينسب اليه انه شاء هكذا و هكذا و الامر بعكس ذلك فانه بذاته لايخص شيئا و لايقتضي شيئا و فعله ايضا مطلق و لايخص شيئا و قد تعلّق بالمفاعيل و انصبغ بصبغها فهو الذي وفقك علي فعل مطلق فان ذهبت الي الايمان تذهب بتوفيقه و ان ذهبت الي الكفر تذهب بمشيته و هي خذلانه و انما مثلنا كمن جلس سفينة و خيّره ربانيها في المسير الي طريق نجات و طريق هلاك فاختار طريق الهلاك فسار بها اليه و ليس ذلك الا باختياره و ان كان هو عاجزا عن التصرف في السفينة و اجرائها علي الاستقامة و غيرها فافهم فالمشية المتعلقة بمن اهتدي هادية له و المشية المتعلقة بمن ضلّ مضلّة فهو يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و هو يضل من ضل و من يهدي من اضل الله و كذلك النبي المنذر المبشر ينذر و يبشر و يهدي بمشية الله المنصبغة فيه فالله الهادي و انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء فتدبر حتي تقف علي المراد ان شاء الله و من ذلك اعرف ان لله مشيتين مشية محبوبة و مشية مبغوضة و المشية المبغوضة تسمي بخذلان الله [ص 173] و ربما نقول ان الايمان من فعل الله و امره و الكفر ليس من فعله و امره و مرادنا ان امر الله الشرعي ليس امر كفر او انه بنفسه لايكون امر كفر بل هو امر رشاد و لكن في بطن القابلية انصبغ بصبغ الكفر فعن المفضل عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لا جبر و لا تفويض و لكن امر بين امرين قال قلت ما امر بين امرين قال مثل ذلك مثل رجل رأيته علي معصيته فنهيته فلم‌ينته فتركته ففعل تلك المعصية فليس حيث لم‌يقبل منك فتركته كنت انت الذي امرته بالمعصية و عن الرضا عليه السلام و قد ذكر عنده الجبر و التفويض فقال الااعطيكم في هذا اصلا لايختلفون ( لاتختلفون ظ ) فيه و لاتخاصمون احدا الا كسرتموه قالوا ان رأيت ذلك فقال ان الله عز و جل لم‌يطع باكراه و لم‌يعص بغلبة و لم‌يهمل العباد في ملكه هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فان ائتمر العباد بطاعته لم‌يكن الله عنها صادّا و لا منها مانعا و ان ائتمروا بمعصيته فشاء ان يحول بينهم و بين ذلك فعل و ان لم‌يحل و فعلوه فليس هو الذي ادخلهم فيه ثم قال عليه السلام من تضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه ، و في هذين الحديثين كفاية و بلاغ ، فحاصل الكلام ان الله سبحانه خلق الخلق و وفقهم بتقديره علي كل صفة و الشارع صلوات الله عليه امرهم و نهاهم فمن آمن به و صدّقه صار مستحقا للنعيم و ذلك بمشية الله و محبته و رضاه و من لم‌يصدق به صار مخالفا و ذلك بمشية الله و سخطه و غضبه و اما ما ورد ان الخير لله و منه و الشر من نفس الانسان فبيانه يقتضي رسم فصل خاص .

فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق مشيته علي ما عرفت سابقا و ركبها من قبضتين لا بمعني انهما اثنتان بل هما في غاية الاتصال في المنظر و هما قبضتا انيتها التي هي علي خلاف كينونة الله و روحانيتها التي هي ظهور كينونة الله و آيته فيها فانيتها طبيعتها و روحانيتها نفسها التي خلقها الله [ص 174] بها الاتري انه يقال ان المشية هي الوجود المطلق فوجودها حيث الكينونة و اطلاقها حيث الطبيعة و الصورة فانه حدّها و صورتها و هي علي خلاف كينونته عز و جل اذ الكينونة منزهة عن الاطلاق و التقييد و صورة المشية الاطلاق فلما كان الوجود حيث كينونة الله يكون نورا و خيرا و لما كان انيتها علي خلاف الكينونة تكون ظلمة غاية الامر ان ظلمة المشية علي حسبها فانا لانريد من الظلمة في جميع المقامات الكفر و الفسق نعوذ بالله بل صرف القيد عندنا ظلمة مخالفة للاحدية ثم لا شك ان الكينونة لله و لذا نقول كينونة الله لا كينونة غيره اذ ليس لنفس الكينونة جهة ظلمة بالمرّة فكلها لله و في الله و من الله و الي الله فلاتحكي الا عن الله و كلما يصدر منها ينسب الي الله و اما الاطلاق فهو مقام العدم و الفقدان و الامكان و لاينسب الي الله و ان كان عبدا مخلوقا و رقّا مرزوقا فجميع ما منه من صفات الفقدان راجع اليه لا الي الله الاتري انك تصف ربك بصفات وجودها فتقول هو ثابت قيوم كاين مكوّن و لاتصفه بصفة اطلاقها فلاتقول انه عادم مبهم كلي صالح افهم ذلك فانك لاتجد هذه المسألة بهذا الوضوح في كتاب و اما ما يقال ان المشية مطلقا اسم الله و فعله و آيته فذلك بملاحظة ان وجودها لايفارق اطلاقها و هي الصورة الحاصلة من تركيب الوجود و الاطلاق و لو فارق وجودها علي فرض المحال اطلاقها لصار الاطلاق ممتنعا صرفا و لما كان الامر هكذا يقال انها فعل الله مع انها في غاية البساطة كما اشرنا اليه فكان حكم تركيبها زايلا و وجودها عين ماهيتها و بالعكس ثم ان الله سبحانه خلق جميع ما خلق من شعاع مشيته المركبة و لا شك ان النور علي صفة المنير فجميع الكاينات ركبت من نور و ظلمة و وجود و ماهية لان المنير هكذا فلها وجودات نشوها من وجود المشية و ماهيات نشوها من ماهيتها غاية الامر ان القوابل الكونية حكت هاتين المرتبتين علي ما ينبغي للاكوان من الخصوصيات ففي كل كون وجود علي حسبه و هو [ص 175] آية نفس المشية و العلم و ماهية علي حسبه و هو آية الاطلاق و الاطلاق في القابلية المخصصة مقيد لا محالة و ان كان له ايضا اطلاق بالنسبة و لكنه بالنسبة الي اطلاق المشية مقيد و لذلك قلنا ان الاكوان وجودات مقيدة و كذلك الامر يجري في الاعيان و قد يعبّر عن هذين بالنور و الظلمة فالنور حيثه اي الموجود الي الكينونة و ظلمته حيثه الي نفسه و هي طبيعته و هو روحه و في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فجميع ما هو صفة كمال و خير و بركة من وجودات الاشياء و جميع ما هو صفة شرّ و فقدان من الماهية و الوجود لله فكلما منه لله و الماهية علي خلاف كينونة الله فجميع فعلها ايضا راجع اليها افهم ذلك مع ان الكل بمشية الله و العبد لايملك من نفسه شيئا و امثّل لك مثالا و هو ان الشعلة المرئية مركبة من نارية و دخان فجميع نورها و شعاعها و حرارتها من النار و جميع ظلمتها و غلظتها من الدخان فما من النار نازل من عندها و ما من الدخان صاعد منه الي نارية الشعلة مع ان اصل نارية الشعلة من النار الغيبية و الدخان بما فيه حاصل من حرارة النار فلولاها لماحصل دخان و ان لم‌يحصل دخان كيف يصدر منه فعل و كذلك رؤية الدخان بالنار و مشاهدة فعله ايضا بواسطة ضوء النار فافهم فلذلك يقول عليه السلام في الدعاء خيرك الينا نازل و شرّنا اليك صاعد و اما بملاحظة ان الكل بتقدير العزيز الخبير يقول طوبي لمن اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر ، فتدبر فانه مشكل و لما اتينا علي هذا البيان الشريف لا علينا ان نبين حقيقة حصول الشقاوة و السعادة ايضا فان معرفة هذه المسألة ايضا في غاية الاشكال .

فصل - اعلم ان الاخبار في المقام مختلفة فمنها ما يدل علي ان الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه و منها ما يدل علي ان السعادة و [ص 176] الشقاوة بعد التكليف لا قبله و منها ما يدل علي انهما من عالم الذر فاعلم ان السعيد في الواقع و الحقيقة من سعد باتباع النبي صلي الله عليه و آله و الشقي من شقي بمخالفته و لاتتعلقان بذوات الاشخاص قال الله تعالي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و قال حكاية عن ابرهيم عليه السلام من تبعني فانه مني و قال فمنهم شقي و سعيد فاما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق و اما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها و لا بد لنا من بيان هذه المسألة بطريق الايجاز و الاختصار حتي يقف الناظر علي الحق ، فاعلم ان الله سبحانه اذا اراد خلق عبد يجري الاسباب حتي يدخل نطفة ابيه في رحم امه فيخلق الانسان في الرحم من نطفة امشاج علي الوضع المعلوم المذكور في مقامه نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم يكسي العظام لحما ثم ينشأه خلقا آخر فتبارك الله احسن الخالقين و في جميع الحالات هو خلق صالح للخير و الشر و السعادة و الشقاوة ثم يكون وليدا و رضيعا و فطيما و دارجا ● و خماسيا ● و مثغورا ● و مثغرا ● و مترعرعا ● و ناشئا ● و مراهقا و يافعا ● و ما لم‌يبلغ الحلم لايجري عليه حكم السعادة و الشقاوة بالذات و ان جري عليه حكم والديه و لكنه اذا مات في بعض هذه الاحوال لايحشر كافرا و لا مؤمنا و في القيمة يكلف بالدخول في نار الفلق و لو كان مصوّرا بصورة الكفر و الايمان كان كالبالغين هذا و نري ان الانبياء يبشرون و ينذرون و يحمدون علي الايمان و يلومون علي الكفر و لو كان الطفل في رحم امه متصورا بالسعادة و الشقاوة لصار التبشير و الانذار لغوا و الحمد و اللوم عبثا ، هذا و الايمان و الكفر صفة الفعل فما لم‌يعمل الانسان لايسمي عاملا فان كان عمله ايمانا يسمي مؤمنا و ان كان كفرا يسمي كافرا و لا عمل في الرحم و العمل ايضا لا بد و ان يكون عن عقل [ص 177] فان الله سبحانه لايخاطب سواه و لايكلف عداه و الحيوان لايكون عمله مناط الكفر و الايمان فما لم‌يتعلق به العقل لايسمي مؤمنا و لا كافرا و ذلك مما قام به ضرورة الاسلام فليس المراد من الام في قوله عليه السلام السعيد من سعد في بطن امه الخ ، الام الدنياوية و ان قلت ان المراد من ذلك قابلية الجنين فان من خلق للسعادة يسمي سعيدا و من خلق للشقاوة يسمي شقيا و كل ميسر لما خلق له اقول لا شك ان الامر لو كان هكذا لمادعا الانبياء من عرفوا انه خلق للشقاوة و لم‌يكن لهم و لا لله حجة عليه اذ خلقه الله هكذا و لم‌يك شيئا و بالدليل الكشفي العياني نقول ان السعادة هي صفة السعداء و هي الايمان و الايمان هو التصديق و الاقرار بما جاء به الانبياء سلام الله عليهم و الشقاوة خلاف ذلك و الطفل في رحم الام بل بعد الولادة لم‌يتصف بهما و هما في قوته لا محالة فان كل شئ فيه معني كل شئ و نطفته خلقت من هذا التراب الذي يصلح لكل شئ فصورة السعادة التي هي صفة عليين في كمونها و كذلك الشقاوة بل جميع الصفات و السمات في قوتها نعم القوة ربما تكون قريبة و ربما تكون بعيدة و لكن بالقوة القريبة ايضا لاتوصف الشئ بفعليتها الاتري الي الدخان فان النار في قوته القريبة و الماء في قوته البعيدة و هو لايوصف بهما مطلقا لان ما هو منه بالفعل الدخانية و كذلك حال النطفة و ان كانت قريبة بالسعادة لجهات الا انها لاتوصف بها فلايجوز ان يقال لاجل القوة انها سعيدة او شقية كما ان زيدا لايوصف بالكاتبية بمحض القوة الا بعد تحصيل ملكتها فليس معني السعادة في بطن الام ذلك ايضا و لكن معني ذلك علي الحقيقة يقتضي بيانا خاصا فاعلم ان الوالدين اثنان والد البدن الكوني و والد الانسان الشرعي و كذلك الوالدة و الكفر و الايمان و السعادة و الشقاوة من صفات الشرع و لاتتعلق بالكون بلي في مقام الكون سعادة و شقاوة بحسبه فان السعيد الكوني من كان بشرا سويّا و شقيه بالعكس و اما [ص 178] السعيد و الشقي الشرعيان فمن سعد او شقي بالولادة الشرعية لا غير فبعد ما تمّ البدن الكوني الذي هو بمنزلة القابلية للانسان الشرعي يحضنه الاب و الام الشرعيان فيكلفه الاب الشرعي بالقاء نوره عليه فيتنور بنوره و يتصور بصورة الايمان و الكفر في رحم الولاية و فيها يختلف الصور كما قال صلي الله عليه و آله لا اختلاف في الله و لا فيَّ و لكن الاختلاف فيك يا علي ، و قال الله تعالي يصوركم في الارحام كيف يشاء فالسعيد من تصور بالسعادة في بطن ام الولاية و الشقي من شقي في بطن ام الولاية لا غير فافهم قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله خلق خلقه جميعا مسلمين امرهم و نهاهم و الكفر اسم يلحق الفعل حين يفعله العبد و لم‌يخلق الله العبد حين خلقه كافرا انه انما كفر من بعد ان بلغ وقتا لزمته الحجة من الله فعرض عليه الحق فجحده فبانكاره الحق صار كافرا الحديث ، و اما بيان ذلك علي التفصيل فله مقام غير هذا المقام .