فصل - اعلم ان الفعل ما انبأ عن حركة المسمي و الحركة هي اول الكمالات و يقال في تعريفها انها الكمال الاول او الكمال الاول نحو الكمال الثاني و سيجيء بعد في الامور العامة بيانها علي التفصيل و لست بصدد ذكرها الا بما يقتضيه الحال فاقول ان فعل الله سبحانه ليس كفعل خلقه فان فعلهم علي حسبهم و الله سبحانه لا حركة له بذاته اذ لا انتقال له في ذاته بل و لا في صفته فانه احد و الاحد لايتقلب بوجه اذ هو محيط بكل جهة من كل جهة و من كان هذا صفته لاينتقل من حال الي حال و لا من وضع الي وضع و لا من صفة [ص 128] الي صفة و لا من مكان الي مكان بل كل الاشياء بذواتها و صفاتها و جهاتها و افعالها كلها آياته و علاماته و مقاماته و كمالاته و هو ظاهر في جميعها من جميعها فاين الحركة الانتقالية بالذات او بالعرض بل اقول علي الاطلاق اين الكمال الاول نحو الكمال الثاني و لا ثاني اذ الجميع بنسبة واحدة اليه فافهم ان كنت تفهم ،
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فيأخذه عنا
ففعل الله سبحانه ايجاده و صنعه لا غير و هو مشيته و اعلم انه ليس مشيته كمشية خلقه فان مشيتهم ميلهم في ضمايرهم و الله سبحانه لايميل الي شئ لانه احد فانك قد عرفت سابقا ان مسألة الاحد كلية يتفرع عليها اغلب المسايل فانك اذا عرفت الاحد باليقين لايكاد يشتبه عليك شئ من هذه المسائل فالله الاحد البسيط علي صفة عرفت سابقا لا ميل له الي شئ اذ بالميل ينتقل من حال الي حال و تغيّر الاحوال دليل الحدوث و هو ازلي و يمتنع من الازل ما يجوز في الحدث تعالي الله عما يقول المشبهون فمشيته احداثه يعني اول الخلق فافهم و ان عرفت ذلك فاعلم ان هذه المشية التي عرفت هي الوجود المطلق اي بشرط لا و له القاب في اصطلاح الحكماء و ان لميفد معرفتها كثير فائدة و لكنا نذكرها في المقام لتعرف الاصطلاح فمن اسمائها التعيّن الاول بمناسبة انهم سمّوا الوجود الحق باللاتعيّن و هذا المقام اول التعينات و الرحمة الكلية فانها صفة الرحمن و الرحمن علي العرش استوي و العرش هو المشية التي هي صفة الرحمن و قد يسمّي بها الحقيقة المحمدية صلوات الله عليها و الشجرة الكلية سمّيت بها لكثرة فروعها و ذلك مأخوذ من قوله تعالي في آية النور يوقد من شجرة مباركة زيتونة و ربما تطلق علي الحقيقة المحمدية و النفَس الرحماني الاولي فان النفَس بحركة الفاء مبدؤ الحروف و الكلمات و به يقوم جميعها و كذلك الامر في المشية و قد يطلق ايضا علي المعني [ص 129] الثاني و الارادة و الكاف المستديرة علي نفسها سمّوها بالارادة لانها بمعني المشية بملاحظة و اما الكاف فلان امر الله عبّر عنه بكُنْ فالكاف اشارة الي الكون و النون الي العين و الكون اما نفس المشية او اثرها و الارادة اذا كانت بمعني المشية فهي الكاف و الا فهي النون و خزانة الله بين الكاف و النون و هي الواو الذي يظهر في يكون و بالجملة علي اي حال اِما يكون المشية هي الكون و هو كاف او يكون الكون اثر المشية و المشية هي الذكر الاول و اول ذكر الكون الكاف لا محالة فان الظاهر عنوان الباطن و المباني دليل المعاني و هو مستدير علي نفسه لانه مخلوق بنفسه كما سيجيء ان شاء الله و الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر فانها كلمة الله و قد انزجر لها العمق الاكبر اي الامكان فخلق بها منه الاكوان و الابداع و وجهه ظاهر و الحقيقة المحمدية و الولاية المطلقة و الازلية الثانوية و الازلية الاولية التي قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الازلية الثانية و صاحب الازلية الاولية و ذلك في مقام البيان و هو قوله كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، و الازلية الثانوية دون الازل الاول في مقام المعاني و ذلك قوله عليه السلام في الزيارة و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم ، و منها عالم فاحببت ان اعرف و منها المحبة الحقيقية بملاحظة ان ذاته تعالي المحبة الحقيّة و منها حركة بنفسها بملاحظة انها مخلوقة بنفسها و منها الاسم الذي استقرّ في ظله فلايخرج منه الي غيره يعني لايصير مادة لغيره فهو دايما ساكن في مقام الفعل مستقرّ في ظل الله و هو نفسه بمقتضي قوله يمسك الاشياء باظلتها و هو الاسم المكنون المخزون عنده الذي جعله اربعة اجزاء ثلثة ظاهرة و رابعها مخصوص بالله او هو الجزء الرابع المكتوم و منها صبح الازل و ذلك ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة الحقيقة نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد [ص 130] آثاره ، و منها فعل بنفسه و ذلك كالحركة بنفسه و منها عالم الامر من قوله تعالي له الخلق و الامر و كل شئ سواك قام بامرك و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و منها الصادر الاول و منها الغيب الثاني الذي هو الاول اذ الاول لا ثاني له و منها آدم الاول الذي نكح الامكان حواء الاولٰي و خرج من بينهما اي من صلب المشية و ترائب الامكان جميع الاكوان و امثال ذلك من الاسماء و لكل وجه و حكمة اشرت الي بعضها و تركت بعضا طلبا للايجاز و الاختصار .
فصل - اعلم ان البيان المفصل في خلق المشية و صفتها سيجيء في مقالة المبدء و المعاد ان شاء الله و في المقام نريد ذكر ما يتعلق بالتوحيد فاقول ان الله سبحانه احد علي ما عرفت و الاحد هو البسيط الحقيقي اي من ليس له جزء و لو في الذهن و لايجري عليه التركيب و لايقوم في عرض شئ و لايعدّ معه شئ فلايتصور صدور شئ منه كما لايتصور لحوق شئ به و ورود شئ عليه اذ ذلك شأن المركب المتجزي فان صدور المشتقات من المبادي يعني اقتطاعها منها بالفرعية كما يقتطع فروع الشجر من اصله الاتري الي مشتقات الضرب مثلا كالضارب الوصفي و المضروب و ساير الصفات فان كلها شئون الضرب و تطوّراته في عرصة التفصيل و نسبته اليها كنسبة اصل الشجر الي فروعه فانه هو هو الا انه تطور باطوار و تشعّب بشعب فانقطع الفروع بحسب الظاهر منه و ان كانت متصلة في الباطن و كذلك الامر في المصدر و شؤنه و شعبه و تري علانية ان الضرب غير الضارب و المضروب و امثالهما و هو فيها كالمادة في الصور المختلفة و اما ذاتك التي هي الفاعل الحقيقي فهي المتجلية في الجميع علي ما يقتضيه المحل و هي لمتتصور بصورة شئ منها و لمتتطور بطور من اطوارها بل هي باقية بصرافتها في جميع حالاتها و لمينقطع عنها شئ و لمتنقطع عن شئ و لمتتصل بشئ و لميتصل بها شئ بل [ص 131] هي هي في كل حال و كذلك الامر في الله سبحانه و لله المثل الاعلي بل فوق ذلك بلا نهاية فانه احد تعالي و الاحد لايقف في مقام حتي يصدر منه شئ او يلحق به شئ بل يحيط بجميع الاشياء بل لا غير له حتي ينقطع منه او يتصل به فلا معني لصدور المشية منه فلمتصدر منه و لكنه تعالي تجلي بها لها في مقامها بلا حركة و لا روية و لا طبع و لا قسر بل بلا كيف يعني ان المشية في مقامها تجلي الرب بنفسها فهي مخلوقة بنفسها و ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها و هي الخلق الاول و مبدؤ الكل و علة العلل و لما كان خلق جميع الخلق بها و هي مخلوقات مفعولات و كل مفعول موجود بفعل و الفعل فينا ارادتنا و مشيتنا سميت المشية بالمشية لذلك لا ان لله سبحانه مشية كمشية المخلوقين كما في ساير الصفات و ان شئت ان تفرض ذلك في عرصة الظاهر فافرض ان السموات مثلا محالّ المشية لخلق المواليد و الله خالقها بها فهل تكون السموات ضميرا من الله او ما يبدو له او امرا قوليا او غير ذلك حاشا بل هي خلق موجود و رقّ مرزوق قد جعله الله يده في خلق غيره فهو مشيته اي فعله اي مبدأ ساير الموجودات و كذلك الامر في المشية الاولية هي الوجود المطلق المجموعي و النور الاولي و المخلوقة من غير شئ خلقها الله بعلمه قبل المقيدات و بها خلق الموجودات فسمّيت مشية و الا فالله سبحانه لايشاء شيئا بذاته و لايريد شيئا في ذاته و هو هو سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين .
فصل - ما اجهل من زعم ان الارادة ذاتية لله و قد مرّ شطر من الادلة في ابطال قولهم و اقول لهم ثانيا بطرز آخر ان الله سبحانه علي قولكم حق الوجود و علي قولنا لا اسم له و لا رسم فاذا كان سبحانه حقيقة الوجود فهو صرف هست بالفارسية و الارادة صفة فعل و الفعل كيف يكون صرف هست فان قلت انه هي هو فهو هو و ان قلت انها غيره و لو بفرض من الفروض فهي غيره [ص 132] فاحسن الجواب يا قائلا بما يخالف مذهب الائمة الاطياب و ضرورة اهل الحق من الاصحاب و اقول ايضا ان الارادة فعل او ذات فان قلت بالاول فشهدت انه غيرها و ان قلت انها عين الذات يلزم التناقض لانك مقرّ بانها غير الفعل و لا شك ان الارادة هي الفعل فافهم و تمام القول مضي فيما مضي فراجع حتي تعرف ما اخذ من اولي النُّهٰي و ما يُلاك بين اللُّحٰي بصرف الرأي و الهوٰي .
فصل - قد ضلّ و غوي من زعم ان المشية كل الاشياء فان ذلك لايفرض الا اذا فرض ان المشية بسيطة احدية نافذة في الجميع ، فاقول لا شك ان المشية هي الوجود المطلق بشرط لا و بشرط لا بنفسه نفي الاشياء و امكانها فهل يتصور ان الامكان احاط بالاكوان من حيث التعيّن و اعطي الكل اسمه و حده الاتري ان السماء مثلا لايكون وجودا مطلقا بشرط لا اذ هو وجود مقيد بشرط السماوية و الارض هكذا و كذلك جميع المقيدات اعيان ثابتة في اماكنها فكيف تكون امكانا مع انه قوة الاعيان فافهم و تدبر فهي غيرها و هي من الاشياء بمنزلة حركة يدك من الحروف فان الالف لايكون حركة و لكنها موجودة بحركتك نعم نقول ان المشية لها رؤس بعدد الاشياء كما سيأتي في بيان المبدء و هي قد احاطت برؤسها و هذا كلام حق صدق و كل شئ يكون موجودا برأس المشية المخلوق به فجميع الاشياء و الافعال مخلوقة بالمشية و لا حول و لا قوة الا بالله لا ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و تزني نعوذ بالله فافهم و اغتنم و ان قلت ان علي قولك يلزم ان يكون الذات الاحدية نسبتها الي الاشياء هكذا فيجوز ان يقال ان الله اعطي اسمه خلقه و هو اكل و شرب اقول ان الذات امتناع ما سواها و لايعدّ معها شئ بوجه كما مرّ سابقا فراجع .
فصل - قد عرفت مما ذكرنا ان حقيقة المشية هي الوجود بشرط لا و مقامه فوق جميع الاكوان فان الوجود بشرط لا مقام الجمع بعد كسر بعض [ص 133] في بعض بحيث لايبقي لشئ من الاشياء ذكر بالخصوصية و قد عرفت مثاله انه كحركة يدك فان جميع الحروف مذكورة فيها بنحو الاجمال و الوحدة بحيث لايتعيّن و لايتميّز شئ منها عن صاحبه فليس فيها الف غير باء و باء غير الف بل يمكن ان تصاغ بها جميع الحروف فهي الذكر الاول لجميعها فان اول ذكر الحروف الحركة اذ لولاها لماوجدت و لكن قبلها لا ذكر لحرف بوجه من الوجوه و قد يمثّل لها بنفَس الرحمن فانك تري ان بنفَسك يوجد جميع الحروف و هو هواء خارج من ريتك بضغطة و لا تعيّن له و يتعين في مقاطع الفم فجميع ذكر الحروف الملفوظة بعد نفَسك و هو سابق علي كلها و جميع الحروف المنقوشة بعد حركة يدك و هي سابقة علي جميعها و ليس شئ من الحروف قبل الحركة و النفَس بل قوامها بهما و وجودها بهما و لايجري امر احدها عليهما بل لا امر لها معهما اذ هي بحقيقتها بهما و امر الشئ لايجري الا فيما دونه و رأيه لايمضي الا فيما دونه بل اذا كان وجود الشئ بغيره رأيه و امره ايضا به اذ هما فرع وجوده فاذا عرفت المثال فاعلم ان جميع الاكوان و الاعيان بمنزلة الحروف و الكلمات التي نطق بها الله في عرصة الاكوان و هي ايضا الحروف و الكلمات التي كتبها بحركته اي مشيته من مداد الامكان بقلم الايجاد في عرصة التفصيل و لا ذكر لها بالخصوص في المشية و الامكان الذي هو فوق الحروف فذكر جميعها و خواصها و آثارها كلها دون مشية الله و لايسبق عليها سابق بوجه من الوجوه فالكل بمشية الله و هي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و الكل بوجوداتها مقرون بذلك و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله .
في توحيد الافعال و فيه فصول :
[ص 134] فصل - بعد ما ظهر لك حقيقة الفعل فاعلم ان احدا من الاكوان لايقدر علي ان يتصرف في مشية الله اذ هي سابقة علي جميعها و لايفوقها فائق غير الله سبحانه اذ الكل مخلوق بها كما عرفت فان السابق علي المطلق هو الحق فالله الفاعل بهذا الفعل و المريد بهذه الارادة لا غير و من زعم ان احدا من خلقه يقدر علي ان يتصرف في مشيته بوجه من الوجوه فقد اخطأ السبيل و رأيه عليل اذ المقيد وجوده فان في المطلق بل المشية فوق الامكان و لايتجاوزه شئ من الاكوان فكيف يقدر علي التصرف في مشيته فله المشية لا غير و هو واحد فرد فيها و له الخلق و الامر لا غير و منذا الذي يفعل بفعله مع ان الكل بفعله و الاقرار بذلك باللسان و الخيال سهل و لكن معرفته و الايمان به مشكل جدا و كذا الايمان بلوازمه و ان عرفت ما مضي في الفصل الآخر من المطلب الاول لعرفت ذلك باليقين و اذ لميشرك بفعله من خلقه احدا لا شريك له فيه مطلقا اذ عرفت سابقا توحيد ذاته فلايحيط بالمطلق غير الحق و الله هو الحق و لا حق سواه فافهم .
فصل - اعلم ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان و الآن علي ما كان و لايمضي عليه وقت و آن فهو ثابت علي ما كان واحدا احدا فردا صمدا و قد تجلي عز و جل بمشيته فخلقها في مقامها و حدها و لميكن معها شئ غيرها اذ لا غير فانه حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما اما الحق فهو هو و ليس مع مشيته و لا بعدها و لا قبلها بل هو الاحد جل شأنه و اما الخلق فكلهم مخلوقون بالمشية و هي اولهم و بلسان آخر نقول ان جميع الاكوان في قوة المشية فان قلت ان مع المشية شئ كائن فاثبتت الكون قبل وجوده و ان قلت معها شئ ممكن علي الحقيقة فهو هي اذ لو كان ممتازا عنها لماصدق عليها الممكن الحقيقي فافهم فالمشية ليس معها شئ مكوّن ثمّ خلق الله الاشياء في درجتها و رتبتها بها فجميع ما كان مخلوق بالمشية و اذ لا سبب [ص 135] للخلق غيرها فليس شئ بغيرها و لو كان شئ بغيرها لخرج من تحت سلطانها فجميع الاشياء بها و هي لله فالكل مخلوق بها لله فبطل ما كانوا يظنّون ان الماهية غير مجعولة و يأتي تمام البحث فيها في الامور العامة .
فصل - طال ما بحثوا في ان الاشياء هل تستغني من المدد بعد الخلق او هي دايما تحتاج الي مدد من الله سبحانه و ان بالخلق الاول يتم خلق الشئ او هو دايما يحتاج الي خلق جديد و اجاب من اجاب بما يوافق مسلكه و مذهبه و انا ابيّن لك ذلك بما يظهر من الاخبار و صحيح الاعتبار فاعلم ان الله سبحانه هو الكامل بالفعل الدايم في كماله المستغني عن غيره اذ لا غير له و لا فعلية لسواه و قد خلق الخلق بمشيته كما ذكرنا سابقا و هم من مشيته سبحانه كانوار السراج من السراج و المشية من الله بلا كيف و لكنها تحتاج دايما الي فيض جديد من الله اذ الاحد جل شأنه هو الذي احاط بمشيته و لايحيط به شئ و المحاط دايما يحتاج الي فيض جديد من المحيط به و لايستغني عنه طرفة عين ابدا و ذلك واضح لمن نظر في هذه الاوراق من ابتدائها الي هنا فاذا كانت الاشياء جميعها بمشية الله دايما بل هي انوارها و اشعتها و شؤنها فكيف يتصور قيامها بلا مشية يوما افهم ذلك و بلسان آخر نقول ان الشئ يقوم بعلل لولاها لفسد كونه لا محالة علة فاعلية هي يد الله في صنعه و علة مادية بها يتحقق وجود الشئ و علة صورية بها يتحقق ماهية الشئ اما العلة الفاعلية فهي جهتها اي الاكوان الي ربها الذي خلقها و المادية هي جهتها الي مشية الله و الصورية جهتها الي انفسها و انياتها و هي ما دام كونها هي هي تحتاج الي هذه العلل و العلة الغائية هي مهيّجة الفاعل للفعل و هي اصل الكل فهل تقول انها استغنت عن فاعل فكيف يتصوّر العاقل مفعولا بلا فاعل اذ هو اثره و شعاعه او مفعولا بلا مادة و صورة و ان بعدت طرفة عين عن مشية الله سبحانه لفني مادته فتفني صورته اذ لاتتحقق الا بالمادة فلا بد دايما من [ص 136] فيض من الله بمشيته ليقوم وجود المعلولات فهي دايما في خلق جديد مرزوقون برزق جديد يفيض عليهم بفيض جديد و ذلك تأويل قوله تعالي أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد و الناس جاهلون بهذه المقامات لعدم معرفتهم بالله جل و عز فيزعمون صانعا مثل الصنّاع كالبنّاء مثلا و هو يبني ثم يرفع يده عنه و هو يبقي فيزعمون ان الله خلقهم هكذا و حاشا الرب القديم ان يكون بانيا كالبنّاء فان البناء صانع من جنس الخلق و لايخلق شيئا بالتأثير بل يقرّب بعض الآثار مما خلقها الله العزيز الخبير و يوفقه الله تعالي بالتقدير فيكمل بناءا و يحفظه الله و هو علي كل شئ قدير و اذا رفع يده عنه يبقي اذ خالقه رب الارض و السماء و اما هذا الملك من الله لا من شئ و لا بشئ و لا في شئ و لله المثل الاعلي نقول لتقريب الذهن في الجملة ان الخلق من الله كانوار الشمس من الشمس اذ ليست هي من مادة سابقة غير شعاعها و فيضها و لا صورة لها سوي صفتها و هي قايمة بها قيام صدور فدايما يصدر النور من الشمس و دايما يبقي النور و اذا افلت تأفل انوارها و اذا طلعت تطلع معها و كذلك الامر في خلق الله بل فوق ذلك فجميع الخلق آياته و علاماته و آثاره و تحتاج الي مدده دايما و هو يفيض عليهم دايما هذا و الخلق من الله دايما في مبدأ الصدور و لايجري عليهم الزمان بهذا النظر فان الزمان فرد من افراد مجموع الملك يوقّت به الاجسام المقيدة و هذا النظر في النسبة السرمدية و قد مرّ سابقا بيان ذلك مجملا و يأتي فلايمضي عليها في صدورها من امر الله وقت من الاوقات الزمانية بل الدهرية و الوقت السرمدي تمامه وقت واحد و لمحة واحدة الاتري الي قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر فالخلق دايما حين الصدور و مع الصدور و المشية دايما حين الصدور مع الصدور و لذلك تقول انها فعل فانه لا شك ان الفعل فعل حين الصدور و معه و بعده مصدر فان ضرب الفعلي من الضارب حين الضرب ضرب و بعد مضيه لايبقي [ص 137] فعل بل الباقي مصدر و لذا تعبّر عنه بلفظ الماضي و لو كان يمضي علي المشية وقت لماكانت فعلا فهي دايما حين الصدور و ان كان اللفظ المعبّر عنها مصدرا كما ان نفس لفظ الفعل ايضا مصدر يعني انه علي زنة المصدر و هو اسم فافهم .
بيان كشفي - اعلم انا نري اكوانا و اعيانا لاتعد و لاتحصي ثابتة في مقاماتها موجودة في درجاتها محدودة بحدودها و اذا نظرنا اليها هذا الحين قاطعا نظرنا عنها نجد الامكان المتصور بصورها المتهيئ بهيئاتها و هو الامكان الجايز الارض الجرز و معني كونها من الامكان ان الامكان الآن متصور بها و هو مادتها لا انها كانت في الامكان يوما فامكان و لا اكوان ثم خرج من كمونه الاكوان فاكوان و لا امكان او اكوان دوينه فان جميع ذلك من خيالات المبتدي و لكن الفرض ان الامكان الجايز كمثقال مداد تصوّر جميعه بصورة الحروف فجفّ القلم بما كان و ما يكون فالامكان هذه الساعة في الاكوان و ليس فوقها امكان و لا اكوان و كذلك المشية شمس تضيء قعر هذا البحر الطمطام لايطلع عليها الا الخالق العلّام و هو الوجود المطلق بلا كلام و هو مطلق هذه الموجودات و الفعل الظاهر في هذه المفعولات و الارادة المتجلية بهذه المرادات و لاتكون الارادة الا و المراد معها فهي دائما محيطة بها متجلية عليها و الله من ورائهم محيط فانصف يا من كشف له الغطاء ماذا يخرج من الامكان و يجب من الاكوان فما معني ان الشئ ما لميجب لميوجد و ماذا يخرج من تحت قدرة الله الفعلية و مشيته الامرية و كل شئ مأمور مقدّر دايما في كل حين فالشئ قبل وجوده و بعده و حين وجوده دايما تحت مشية الله و قدرته و يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و الاخبار الدالة علي المراد متواترة في المعني فراجع في مظانها حتي تطلع عليها و من زعم ان احدا من الخلق يخرج من تحت مشية الله يوما فقد اخطأ السبيل و لميهتد في زعمه الي دليل فرأيه عليل .
[ص 138] فصل - اعلم ان من تمام توحيد الافعال ان لاتجد لاحد من الخلق فعلا الا لله و قلّ من آمن بهذا الشق من التوحيد و ان كانوا يلوكون بين لحييهم هذا الكلام و اما الشقّ الاول فمما آمن به اكثر الخلق طوعا او كرها و اما هذا الشق فلايؤمن به الا الخصيص و النفوس المرتاضة بالعلوم لاتقنع بصرف الظاهر فلا بدّ لنا من ان نبيّن ذلك حتي يعرف من يعرف فاعلم ان لهذا المطلب بيانات ظاهرية و باطنية اقتصر علي بعضها اما الظاهر فقد عرفت في ما مضي ان جميع الاشياء كائنة بمشية الله سبحانه ايّا كان فعلا او ذاتا فلايخلق احد شيئا الا الله و لايفعل احد شيئا الا بمشيته و حوله و قوته و الله عند لسان عبده و يده فلايقول شيئا الا بمشيته و لايفعل شيئا الا بقوته و لا حول و لا قوة الا بالله فاذا فعل فاعل شيئا يفعله بمشية الله و تقديره لا غير و المقدّر كائن لا غير فاذا اعطاك معطٍ شيئا يكون ذلك بمشية الله و اذا منعك مانع يكون ذلك بمشيته غاية الامر ان الخلق ايادي التقدير و اسباب التدبير و هذا بيان سهل ظاهر و اما البيان الابطن فهو ان مشية الله ظهرت في خلقه و تجلّت بهم فكلهم مرايا للمشية و قوابل تحكيها و جميع ما يصدر منها او بها كلها بمشية الله سبحانه و لولا المشية الفاعلة فيهم لماظهر شئ في الملك و مافعل فاعل و ماسكن و ذلك احد معاني قوله عليه السلام ليس الا الله و فعله ، و قوله و لايدرك مخلوق شيئا الا بالله و بيان ابطن من ذلك و هو مخصوص بمن فتح الله عين بصيرته ان الله سبحانه محيط بجميع خلقه اذ هو احد فلميخل منه شئ و لمينأ عنه شئ و لميفرغ عنه شئ فلايري في جميع ملكه نور سوي نوره اذ صار ظاهرا في كل شئ و ذلك قول الحسين عليه السلام في دعائه يوم العرفة علي ما في بعض النسخ : الهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار الي ان قال : أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك ، و فيه في هذه [ص 139] النسخة : محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار الدعاء ، فهو المحيط الذي لميبق لغيره وجودا و قد كررت لك هذا القول ان الله سبحانه له حق الوجود و حقيقته و هو اعظم آيته فانظر في هذا الملك هل تري غير الوجود شيئا او تقف علي شئ غيره او يبقي اثر لغيره بوجه من الوجوه او حيث من الحيوث لا شك في ان كل شئ يمتنع معه تعالي و لا ذكر لشئ معه بوجه فلا فعل لاحد سواه اذ هو الموجود و غيره مفقود فهو المعطي و هو المانع و هو الآخذ ، قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و تعز من تشاء و تذل من تشاء بيدك الخير انك علي كل شئ قدير و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون مااريد منهم من رزق و مااريد ان يطعمون ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين بل قال في كتابه و يأخذ الصدقات بل ينسب اليه صفة عباده و سؤالهم و معاملاتهم و لمعرفة هذا السرّ مدرك مخصوص فجميع الفعل لله سبحانه و هو احد في فعله بهذا المعني كما انه احد في صفاته و اسمائه اذ لا اسم و لا صفة لغيره و ذلك من اعجب العجاب ان يكون المنزه عن كل اسم و صفة و فعل صاحب كل اسم و صفة و فعل و هذا حقيقة اخراجه عن الحدين حد التعطيل و التشبيه .
فصل - في دقيقة انيقة يرتفع بها الاشكالات و ينسدّ بها باب اغلب السؤالات و وجه الاشكال انا قد بيّنا و شرحنا هنا و في غير المقام ان الله تعالي احد بالذات و الاحد بالذات لاينسب اليه شئ بوجه فكيف ينسب اليه الخلق و المشية سيما اذا كانت المشية بمعني الميل فان الاحد لايميل الي شئ و بساير المعاني ايضا لايصحّ النسبة اذ النسبة بجميع معانيها معدومة بين الممتنع و الموجود و الله هو الباقي الموجود و ما سواه مفقود اي ممتنع بالمرّة فهل هو يشاء بمشية ممتنعة مشاءات ممتنعة او يكون بوجه آخر [ص 140] و ان عرفت ما اذكره يكشف لك علم الباطن ان شاء الله فاعلم ان حقيقة الذات عدم الصفات و ما يقال انها بمعني صاحبة الصفات يصدق في ظاهر اللفظ و اما في الحقيقة لايكون شئ من الصفات مذكورا مع الذات بوجه من الوجوه فلاينسب اليها بوجه لا فعلها و لا مفعولها و لا علتها و لا معلولها و مرجع الكل الي نفس الخلق ، رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و تفسخت دونها النعوت ، فما معني ان الله شاء و اراد و ما معني انه خلق و امر و هو هو و لا غير له و بما ذكرنا سابقا يظهر بعض البيان من باطن الباطن و اما في المقام فنذكر ما شاء الله من امر الباطن فاقول قال مولاي سيدالشهداء روحي و جسمي له الفداء و عليه آلاف التحية و الثناء في الدعاء : اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حرّكت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم و اني لأعلم مما علّمتني مما انت المشكور علي ما منه اريتني و اليه اويتني اللهم و اني مع ذلك كله عائذ بك لائذ بحولك و قوتك راضٍ بحكمك الذي سقته اليَّ في علمك جارٍ بحيث اجريتني قاصد ما اممتني غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني و لا قاصر بجهدي عما اليه ندبتني مسارع لما عرفتني شارع فيما اشرعتني مستبصر ما بصرتني مراع ما ارعيتني فلاتخلني من رعايتك و لاتخرجني من عنايتك و لاتقعدني عن حولك و لاتخرجني عن مقصد انال به ارادتك و اجعل علي البصيرة مدرجي و علي الهداية محجتي و علي الرشاد مسلكي حتي تنيلني و تنيل بي امنيتي و تحلّ بي علي ما به اردتني و له خلقتني و اليه اويتني و اعذ اولياءك من الافتتان بي و فتنهم برحمتك لرحمتك في نقمتك تفتين الاجتباء [ص 141] و الاخلاص بسلوك طريقتي و اتباع منهجي و الحقني بالصالحين من آبائي و ذوي لحمتي انتهي ، ذكرته بتمامه لان ابي اعلي الله مقامه احبّ اشتهاره لجلالة قدره و عظم خطره و في الزيارة المعروفة بزيارة الندبة قد آتاكم الله يا آليس خلافته و علم مجاري امره فيما قضاه و دبّره و رتّبه و اراده في ملكوته فكشف لكم الغطاء و انتم خزنته و شهداؤه و علماؤه و امناؤه و ساسة العباد و اركان البلاد و قضاة الاحكام و ابواب الايمان الي ان قال : و من تقديره منائح العطاء بكم انفاذه محتوما مقرونا فما شئ منه ( منّا نسخة ) الا و انتم له السبب و اليه السبيل الي ان قال : السلام عليك يا صاحب المرئي و المسمع الذي بعين الله مواثيقه و بيد الله عهوده و بقدرة الله سلطانه انت الحليم الذي لاتعجله الغضبة و الكريم الذي لاتبخله الحفيظة و العالم الذي لاتجهله الحمية مجاهدتك في الله ذات مشية الله و مقارعتك في الله ذات انتقام الله و صبرك في الله ذو اناة الله و شكرك لله ذو مزيد الله و رحمته الي ان قال : فالحق ما رضيتموه و الباطل ما سخطتموه و المعروف ما امرتم به و المنكر ما نهيتم عنه و القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتكم و الممحو ما لااستأثرت به سنتكم و في نسخةٍ ما استأثرت به سنتكم فلا اله الا الله وحده لا شريك له الزيارة ، و فيها من عجايب الفضائل ما لايتحمله الا المؤمن الخالص الممتحن فافهم ان كنت تفهم و الاخبار الواردة في هذا المضمار كثيرة و انا اشير الي بعض المسألة حتي تعرف الحقيقة فاعلم ان الله سبحانه بذاته تجلّ عن جميع الاسماء و الصفات رفيع عن كل السمات و لاينسب اليه شئ كما ذكرنا سابقا و لكنه سبحانه اختار لنفسه اولياء فجعل ما ينسب اليهم منسوبا اليه و ذلك ما ورد في تأويل قوله فلما آسفونا انتقمنا منهم قال عليه السلام ان الله لايأسف كاسفنا و لكنه خلق لنفسه اولياء جعل اسفهم اسفه و كذلك بهذا المعني اخبار كثيرة لاتعدّ و لاتحصي و اولياؤه هم الذين اطاعوه [ص 142] في جميع ما امر و نهي و لميعصوه فمن اطاعه في الظاهر و الباطن يفني انيته بالمرّة فيشتعل بكله بنور الله حتي ينوّر الله امامه و وراءه و يمينه و يساره و ظاهره و باطنه فيصير متقلبا في النور فيدخل في نور و يخرج من نور و في نور فيصير الله كله كما في الحديث المروي في كتب معتبرة و اصول صحيحة انما يتقرب اليَّ العبد بالنوافل حتي احبّه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و في روايةٍ و رجله التي يمشي بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته الحديث ، و بعد ما وصل الي هذا المقام الشريف و ملك هذا الشرف المنيف يصير صاحب المشية و مالك الارادة اذ يصير محل نور الكينونة و يفارق عرصة البينونة و لايحول بينه و بين ربه حايل مع انه لايشاء الا ما شاء الله و لايريد الا ما اراد الله ففي القدسي عبدي انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني في ما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيّا لاتموت انا مهما اشاء اكن اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي مهما تشاء تكن ، فافهم و مع ذلك الله خالق كل شئ و لايلزم من ذلك ان يكون الخالق غيره و من زعم ذلك كفر بالله العظيم فان المشية لله و هي لاتقوم الا بحامل و حاملها الشائي بها بامر الله سبحانه و ذلك مقام آلمحمد عليهم السلام ان كنت عارفا بشأنهم و لاتتعجب من ذلك فان اميرالمؤمنين عليه السلام قال كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكوّنين موجودين ازليين ، و اذا كان هذا شأنهم فكيف لايكون القضاء المثبت ما استأثرت به مشيتهم فافهم و اغتنم .
في العدل ، و هو من صفاته سبحانه و لما كان ظهوره في افعاله و اغلب المسائل المتفرعة عليه في مقام الافعال اخّرناه الي هنا و في الحقيقة [ص 143] الافعال ايضا صفات و سلف الاصحاب لما ابتلوا بالجبرية و كانوا معاشرين معهم دائما مختلطين بهم و خافوا علي انفسهم و اولادهم و عوامهم ان يتطرق في قلوبهم شبهات الجبرية لعنهم الله عدّوا العدل بخصوصه في اصول الدين ليرتاض اذهان الناس بالاقرار به كما اختاروا مما جاء به النبي (ص) المعاد لئلايدخل في قلوب الناس الريبة بسبب العقايد الفاسدة المنتشرة في العالم بين الناس في المعاد و الا فلا خصوصية للعدل بين صفات الله بالذكر و يجب علي الناس الاقرار بجميعها و كذلك الاقرار بالمعاد مما جاء به النبي صلي الله عليه و آله فانه يجب الاقرار و التسليم لجميعها و من انكر واحدا منها بعد البيان فقد كفر و لكن كان مرادهم ان يرسخ ذلك في القلوب و لايؤثر فيهم شبهات القوم و في هذا الزمان قد شاع و ذاع ذلك بين العوام بحيث يزعمون ان في العدل و المعاد خصوصية في ذلك و يردون علي الحكماء الراسخين اذا قالوا ان الفضل مثلا مثل العدل و يجب علينا الاقرار به و الصلوة مثل المعاد و يجب علينا الاقرار بوجوبها و نقول لهم اما من طريق الاخبار فلميصل الينا حديث خاص بهذا المعني ان اصول الدين خمسة التوحيد و العدل و النبوة و الولاية و المعاد نعم عدّوا في الاخبار ما يجب علينا الاقرار به مفصلا و مجملا من الاصول و الفروع و لميميّزوا ابدا في لزوم الاقرار بما جاء به النبي (ص) بين المعاد و غيره و لا في صفات الله بين العدل و غيره و اما من الادلة العقلية فنقول لهم ماذا تريدون باصول الدين هل تريدون ما يجب علي الانسان الاقرار به من دون تقليد احد من العلماء و الفقهاء او تريدون غير ذلك لا بد لهم من الاقرار باحدهما و لا شك انهم يقرّون بالاول اذ هو صريح كلامهم و ان لميقرّ به احد منهم فنقول ماذا تريدون هل تريدون ما يجب علي الانسان الاقرار به و انكاره كفر او تريدون من الاصل القاعدة التي يتفرع عليها غيرها فان اقررتم بان الاصول [ص 144] ما يستقل به العقل فاقول لا شك و لا ريب ان الناس بعقلهم لايعرفون العدل و شاهد ذلك ان قليلا من الناس من المسلّمين لآلمحمد (ع) اقرّوا به و منهم كثير لايعرفونه و اقرّوا به عميانا محض التعبد و قليل منهم عرفوا معناه فان كان مما يجوز ان يستقل الانسان بفهمه فجميع الجبرية علي ذلك مصابون اذ نظروا بعقولهم و عرفوا انه نعوذ بالله ظالم لعبيده مع انه يلزم من ذلك العسر و الحرج فان الله اجل من ان يخلق خلقا للمعرفة و هم ناقصون جاهلون مع انه من الضعف خلقهم و علي الوهن بناهم و لا حول لهم الا بقوته و لا علم لهم الا بتعليمه فكيف يوكلهم الي انفسهم في معرفة العدل الذي هو من اصعب المسايل و اصعب منه امر المعاد كيف يعرف الناس ما لميشاهدوا هذا و ايّ خصوصية بالعدل ليكون هكذا مع انك تري انهم لميقولوا في الصفات الذاتية مع شرافتها ذلك و كذلك المعاد و بالجملة يكفيهم في ردّ ذلك ان احدا منهم لميعرف معني العدل و حقيقة المعاد الا من فتح الله عين بصيرته بل نقول انه ليس للعباد الا معرفة صانعٍ مّا و حجة من عنده مجملا ثم بعد ذلك يجب عليهم التسليم و ليس هنا موضع ازيد من ذلك من البيان و اما من قال ان المراد بالاصول ما يجب الاقرار بها ان قال هكذا فيرده وجوب الاقرار بجميع الضروريات و قد عدّوا فروع الدين ايضا ستة و اقرّوا بوجوب الاقرار بها و ان قال قائل ان المراد القاعدة التي يتفرع عليها ساير المسايل الدينية فيخرج بذلك ايضا المعاد و العدل اذ لايتفرع عليهما قاعدة خاصة لاتتفرع علي غيرهما و ان كل صفة من صفات الله اصل فالاولي ان يقال ان الاقرار بجميع صفات الله من اصول الدين و كذلك الاقرار النوعي بجميع ما جاء به النبي (ص) من اصول الدين و لكنا نقول بقاعدة الحكمة المستنبطة من الاخبار ان دين الله الذي هو الاسلام كشجرة لها اصل و فروع و الاصل هو ما ينبت منه الشئ او يتفرع عليه الفروع و لما نظرنا في [ص 145] دين الله الذي شرحه آلمحمد (ص) في الاخبار رأينا ان بعضه كالاصل و بعضه كالفرع و الاحكام المترتبة عليها كانت بهذه المنزلة فان الفرع بنفسه لاينبت الا ان ينبت من اصل و الفرع مدده و اصله منه و الفرع لاييبس بجفافه الشجر و الاصل اذا يبس يفني الشجر بالمرة و هكذا فنظرنا في امر الدين فما كان له حال الاصل سميناه اصلا و ما كان له حال الفرع سميناه فرعا و ببيان آخر - نقول ما كان منه متعلقا بالذوات اعني كانت تكليفات بالنسبة الي ذوات لاصلاح الذوات سميناه اصلا و هو معرفة الله جل و عز و معرفة رسوله صلي الله عليه و آله و معرفة الامام و معرفة الركن الرابع فانها ذوات اوجب الله لعباده معرفتهم و اذا عرفوهم يحصل لهم ذات الايمان فان روح الايمان كالانسان الكوني بلا تفاوت فكما ان للانسان ذاتا و صفات كذلك لروح الايمان ايضا ذاتا و صفات اما ذات الانسان فهي تحصل له بحكاية النفس الكونية المطلقة كذلك نفس الانسان الشرعي تحصل بمعرفة القدسية الالهية فان المعرفة الحقيقية حكاية النور و معرفتها علي الكمال تؤل الي هذه المقامات الاربعة و قد نقتصر بذكر بعضها لانها معا لايفارق بعضها بعضا فذكر البعض ذكر الكل بالجملة فهذه سبب حدوث ذات روح الايمان او نفس ذات روح الايمان علي ما مرّ الاشارة اليه و لا شك ان المعرفة اذا حصلت تنبت منها جميع الفروع كما ان الانسانية الكونية اذا تعلقت يظهر منها جميع صفات الانسان فاصل الدين علي ذلك المعارف و كذلك نقول ان هذه الاربعة اركان الدين و اما الفروع فهي صفات الانسان الشرعي فانها تنبت من الانسانية و تستمد منها فان الصلوة وحدها او الحج او الاقرار بامر خاص مثلا لاينجي الانسان من العذاب و لكن معرفة هذه الاصول منجية للانسان من عذاب اليم الاتري ان الحيوان اذا اتصف بصفة من صفات الانسان لايعدّ بذلك منهم و لايحشر معهم فان النسناس يمشي علي رجلين و يعالج بعض الامور و لايعدّ انسانا و لكن اذا تعلق روح الانسان باحد [ص 146] يسمي انسانا و يحشر معهم و ان لميكن متصفا بصفات الانسان لعجزه كالوليد حتي ان السقط ليجيء محبنطئا علي باب الجنة فيقال له ادخل فيقول لا حتي يدخل ابواي قبلي ، و تري ان السقط لميتصف بصفات الانسانية بوجه من الوجوه و كذلك الامر في المعرفة و ساير الاعمال فالعارف من اهل الجنة و مؤمن و ان عصي و المطيع بلا معرفة كحمار الطاحونة يتعب نفسه و يعمل جهده و لايتحرك من عرصة الطبايع فافهم و هذا سرّ ما قلنا ان بتقطع الفروع لايفني الشجر و بتقطع الاصول يفني الشجر نعم بتقطع الفروع يفني زينته فافهم و بالجملة فبالمعرفة يتولد ذات الايمان و بالفروع يحصل الصفات و يكمل الانسان كمالا يبلغ به درجات و مقامات عاليات خلاصة الكلام ان الاصول هذه الاربعة ثم لا شك ان معرفة الله معرفته بصفاته فان معرفة الذات محال ممتنعة و كذلك معرفة النبي معرفته بالنبوة و يلزمها الاقرار بوجوب طاعته و كذلك ساير الصفات المخصوصة به و كذلك معرفة الامام و الركن الرابع فلا وجه لتعداد العدل بخصوصه من الاصول و ما قلنا قول متين محكم و له وجوه اخري لسنا بصدد التفصيل و علي اي حال لما كان عدله سبحانه من صفات كثر الاختلاف فيها و يتفرع عليها فروع كثيرة و يتبين بمعرفتها مسايل غامضة نذكر في هذا المطلب فصولا ان شاء الله ليتبين حقيقة المسألة .
فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات احدية علي ما مرّ سابقا و الاحد لايثني و لايجزي فليس له جزء و جزء و لا حيث و حيث فان كل مثني و مجزي مركب و كل مركب حادث دون درجة الاحد جل شأنه فهو بنفسه هو و لا غير معه فلايفرض معه نسبة الي شئ باحدي النسب فانها متفرعة علي التركيب اذ لا نسبة الا مع منسوب و منسوب اليه و نسبة لا محالة فلا بد من ان تفرض ذاتا ثم تفرض لها نسبة فان الذات بنفسها لاتكون نسبة فان النسبة صفة عارضية و لا بد من معروض لها فلا بد و ان يكون المنسوب غيرها تقوم [ص 147] به و المنسوبية من متعلقات الاضافة لاتقوم الا بشيئين منسوب و منسوب اليه و لا شك ان المنسوب و المنسوب اليه من عرض واحد فان مع اختلاف العرض لايحصل النسبة هكذا و ان قيل ان النسبة بين العام و الخاص كيف تحصل مع عموم العام و خصوص الخاص و ليسا في عرض واحد اقول انهما ليسا في عرض واحد اي لايجمعهما جنس قريب كفردين متباينين و لكن يجمعهما الامكان الاعلي فانه محال في الحكمة ان يحصل نسبة بين شيئين الا بجامع فالحديد المطلق و السيف و ان لميكونا من مادة خاصة قريبة و لكنهما جميعا ممكن فلذلك تنسب السيف الي الحديد و تقول انه فرده هذا و الخاص مخلوق من حصة من نوعه و صورة و ايّ نسبة انسب من ذلك علي انه مادة نوعية للخاص هذا و النسبة بينهما بملاحظة عموم و خصوص مطلق و اما علي الحقيقة فالمواد العرضية الدنيوية بالنسبة الي الصور الغيبية بينها عموم و خصوص من وجه لامكان تلبس المواد بغيرها و ظهورها علي غير تلك المادة الخاصة ايضا و بالجملة فالنسبة من شرطها وجود الجامع فكيف تفرض مع الله غيره و كيف تنسبه اليه فان جميع ذلك مما يخالف الاحدية و اذ لا نسبة فلا ميل له بوجه الي شئ فان الميل من المناسبة و اذ لميكن مناسبة بين شئ و شئ فلايميل مع ان الميل ايضا عرض و صفة يبدو للشئ بعد ملاحظة شئ فيلزمه تغيّر الحالات و كل متغير حادث و ان قلت ان الميل ذاتي اقول هل تقول انه عينها من كل جهة فهي هي و ان قلت انه غيرها فهي مركبة و نقول ايضا انه اي الاحد مايل الي جهة خاصة بذاته فهو من عرض الجهة الخاصة و لايكون احدا او تقول انه مايل الي كل جهة فان قلت انه مايل الي كل جهة اقول هل يكون في ذاته مايلا الي كل جهة في كل حين فذلك عدم الميل و ان قلت انه يرد عليه الميول في حالات فاقررت بالحدوث بالجملة فالاحد لايميل الي جهة خاصة فهو سبحانه عادل في ذاته بهذا المعني و لاتزعم ان عدالته صفة زائدة نعوذ بالله من غضب الله فانك [ص 148] عرفت مما ذكرنا ان عدالته عين احديته و ان عرفت ذلك تعرف انه فاضل مع عادليته فان جميع الملك من فضل نوره و مع ذلك هو رحيم و سبقت رحمته غضبه و هكذا فانه تعالي احد بذاته و لايعرضه صفات مختلفة متكثرة و الصفات المختلفة من الخلق و هو المتجلي بجميعها و ان كانت اضدادا و ان اثبت لذاته ايضا كمالات تثبت كما ذكرنا فان لها جميع الكمالات و هي هي من دون تكثر و تكسر فافهم فانه دقيق و بالكتمان حقيق .
فصل - ان الله سبحانه كان قبل ان يكون كان احدا علي ما هو الآن و قد احاط جل شأنه بجميع خلقه فليس شئ من الخلق اقرب اليه من شئ و لا احكي لنوره من شئ بل تجلي سبحانه بجميع خلقه علي نحو سواء هو الذي في السماء اله و في الارض اله ، الله نور السموات و الارض ، الرحمن علي العرش استوي يعني علي الملك احتوي و استولي فالله المحيط بالكل و المستولي علي القل و الجل قريب حين بعده بعيد حين قربه و نحن اقرب اليه من حبل الوريد كيف لا و هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم ، فظهوره سبحانه بالنسبة الي خلقه بالسواء و لا جور في ظهوره ابدا الاتري ان الكينونة التي هي نور الله الاول و اسمه الاعظم الاجل ظاهرة في كل الذوات و الصفات بالسواء فذاتك كون و صفاتك ايضا كون و جمعك كون و لذا يقال ان جميع الملك نور الله فلايري فيه نور الا نورك و لايسمع منه صوت الا صوتك ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك و بالجملة فالله سبحانه محيط بكل شئ و منور لكل شئ و غير محجوب عن شئ الا ان يحجبهم الآمال دونك و لايحيق المكر السيئ الا باهله و الا فهو سبحانه لايحتجب عن شئ بوجه من الوجوه فافهم فقد عرّفتك ان عرفت و اوضحت لك ان بصرت .
[ص 149] فصل - اعلم ان الله سبحانه عدل في مشيته لايجور فان المشية هي اول المخلوق خلقها الله بنفسها كلية مطلقة عن جميع القيود و لاتخصّ بشئ دون شئ و لاتتعلق بشئ دون شئ بل هي الوجود المطلق و ذلك شأن الاول ان كنت عارفا بشأن المبادي فان التكثرات جميعها في الايادي و المبدأ الذي هو مقام اجمالها و اول اذكارها لا اختصاص له بشئ دون شئ و برهان ذلك علي نحو الاجمال انها صفة الاحد و واحديته لا بمعني العدد فلايشاركها شئ و لايشابهها شئ و لا كيف لها كما لا كيف لفاعلها بل هي صفة الفاعل فهي لٰاكيفه فافهم و تدبر فتكون محيطة بجميع الاشياء و متعلقة بها فالعرش مخلوق بها و الفرش مخلوق بها و الخير مخلوق بها و الشرّ مخلوق بها و الاعالي مخلوقة بها و الاداني مخلوقة بها و نسبتها الي الكل بالسواء اي نسبتها الي الجميع علي زوايا قائمة و هذا معني العدل و الجور احدي زاويتيه حادة و الاخري منفرجة لميله الي جهة فان الجور بنفسه بمعني الميل و المشية ليس فيها ذكر شئ بالخصوص اذ هي امكان فعلي بالنسبة الي الكل و الامكان لايميل الي جهة و حيث اذ الميل ليس الا بالمناسبة الخاصة و المناسبة الخاصة لاتحصل الا بفعلية مخصوصة و فعلية الامكان صرف الصلوح و الصلوح المطلق ليس له فعلية مخصوصة فتدبر و اذ لميكن له فعلية مخصوصة فلا ميل له الي شئ و جهة بل يتعلق بكل مشاء كائنا ما كان بالغا ما بلغ فمشيته تعالي عادلة اي مستوية و كذلك الامكان الجايز هو الارض الجرز و فعليته محض القابلية يعني يقبل كل امر اتاه من عند المشية بلا كلفة و كان امر الله مفعولا و من جانب المشية انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكلما اراد الله خلق شئ يأمر بمشيته الامكان فيأتمر بما امره من دون اكراه قال الله تعالي ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و سجد له سواد الليل و بياض النهار و مثال المشية [ص 150] و الامكان السماء و الارض فان السماء امكان فعل و يتحرك بحركة مطلقة بالنسبة علي الارض دايما و يشرق عليها باشراق مطلق هكذا و يمكن ان يحيي بهذه الحركة و الاشراق كل شئ و يقوم به كل شئ و الارض تقبل كل امر و تصلح لكل نبات و حيوان و معدن و جماد و بحسب اجتماع الاسباب المخصصة المرجحة ينبت منها الزرع و الزيتون و النخيل و الاعناب و الحيوان و منهم من يمشي علي بطنه و منهم من يمشي علي اربع و منهم من يمشي علي رجلين و كذلك المعادن المنطرقة و غيرها فلاينبغي ان يقال ان هذه الارض لولا المرجحات الخارجية تصلح للشجر اكثر من صلاحيتها للمدر و لفلان اكثر من فلان فهي عدل مستوية لا جور فيها فافهم .
فصل - اعلم ان عدل الله سبحانه جارٍ في جميع ملكه ايضا فان جميع الملك علي نسق العدالة و لا جور و لا انحراف في شئ منها فان معني الجور في المقال ان يجعل شئ اكثر من شئ بلا سبب و شئ اقل و شئ اقوي و شئ اضعف و شئ اكمل و شئ انقص و لايجري ذلك في مجموع الملك لما يأتي و لايتصوّر في اجزائه فانك اذا نظرت الي ملك الله تري كل شئ في حدّه و علي حدّه كاملا في مقامه لا جور فيه و لا حيف بوجه من الوجوه و اما اختلاف المراتب و الحالات فسيظهر لك بعد انه ايضا من جهة القابليات مع انه من العدل الذي لا جور فيه فالارض كاملة في صفة الارضية واقفة في مقام الارضية حاكية للانوار و الارواح بقدر ما يليق بها و لاينبغي لها ان تقول ان الله سبحانه قد جار بي اذ لميمل بها الي جهة غير ما ينبغي لها فافهم فانه دقيق ، توضيح ذلك ان الارض المعتدلة السوي بهذه الصورة و الله سبحانه جعلها هكذا و لميحرفها عما ينبغي لارضية الارض و كذلك السماء المعتدل هكذا و العرش المعتدل هكذا و هكذا الامر في ساير الاشياء حتي المواليد فانها و ان كانت بعضها اعدل من بعض و لكن كل واحدة منها في حد نفسها علي [ص 151] ما ينبغي لها من الاعتدال فزيد في حدّ صورته مع هذه المادة التي له اعتداله هكذا و ان كان مشوّها بالنسبة الي غيره فتدبر فان فهم ذلك دقيق و يرفع بعض الاشكالات الواردة علي المسألة بعد ذلك .
فصل - و كذلك نقول ان الله لميجر علي احد من عباده بان يسلّط عليه غيره فان العادل المطلق لا ظلم في ملكه مطلقا و لا غشم و ما تري من التغلبات او الافعال و الانفعالات في الملك فان جميع ذلك من فعله سبحانه لا ان لاحد غلبة علي احد فانه ليس من العدل الخلقي في التكوين كون احد غالبا علي احد و لذلك لايغلب شئ علي شئ و لايؤثر شئ في شئ بل جميع الفعل لله و المشية له كما مرّ في توحيد الافعال فلايؤثر شئ في شئ الا بالله و لايغلب شئ علي شئ الا الله نعم هو يجري فعله بالاسباب فلايجوز لاحد ان يتعرّض علي ربّه باني مخلوق مثل فلان فلمَ جعلته عليَّ غالبا فانه يقول ان الفعل لي و قد اجريت علي يديه شيئا و اجريت علي يديك شيئا ثم ان فعل الله سبحانه علي حسب حال رعيته و لايفعل بعباده الا الاصلح ، بيان ذلك انك قد عرفت ان الله سبحانه واحد احد و تجلي بتجلٍّ واحد يدل علي واحديته و لو كان متكثرا لمادلّ علي واحديته و ان دلّ علي احديته ثم ان هذا التجلي الواحد قد ظهر بشؤن مختلفة و صور متكثرة جميعها اجزاء نفسه لا انها تفاصيل قائمة بانفسها فان مثال اجزاء هذا الملك اجزاء كاس منكسر فان مجموعها كاس واحد غاية الامر ان اجزاءه متعددة مختلفة و لكل جزء صورة مخصوصة و لكل صورة مزاج مخصوص لا محالة و لكن المجموع اجزاء شخص واحد هو شخص الملك و ذلك قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة و قوله و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فاذا كان من عند الله واحد فلا اختلاف فيه و الملك الواحد دائر علي قطب واحد هو اسم واحديته و لو كان اجزاء الملك متفاوتة لدارت كل طائفة [ص 152] علي قطب مخصوص و الاقطاب وحدات متعددة و الوحدات غير الواحد بل هي معدودة فلو كانت المعدودات اسمه لدلّ علي تعدده و اذا لتفاوتت ذاته و اختلف كنهه فلا جرم الملك واحد و يدور علي قطب واحد هو الرب اذمربوب و الرب الواحد يدلّ علي الرب الاحد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و اعلم ان ابي العلامة اعلي الله مقامه قال في مثل المقام قولا ينبغي ان يكتب بالنور علي وجنة الحور ، قال : لولا اتصال التدبير و انتظام التقدير لدلّ علي آلهة عديدة و لدار علي اقطاب مختلفة و الله سبحانه واحد فتجليه علي نهاية الارتباط و الانتظام و مقتضي الارتباط و الانتظام ان يكون كل جزء جزء من العالم علي نهج الحكمة و الصواب بحيث لو غيّر عما عليه لاختل النظام و فسد القوام و امثّل لك مثلا تعتبر به و لله المثل الاعلي و هو انه لو كسر كاس و تقطعت و تكثرت تجد كل قطعة منها علي هيئتها فلو وصلت بعضها ببعض لوجدتها تتصل و تصير كاسا واحدة ليس فيها تفطر و خلل و لو غير كل قطعة منها عن وضعه لاتجدها تتصل اتصالا بلا فطور و ثلم البتة و فسد الكاس فارتباطها بلا فطور يدل علي انها قطع كاس واحدة و تفصيل اناء واحد و لو نقص عنها قطعة لثلم الكاس و لو زيد فيها قطعة لمتحتج اليها و لمترتبط بالباقي البتة و انت لو نظرت الي اجزاء العالم لوجدت كل شئ منها في موضعه يحتاج اليه في موضعه ان يكون علي ما هو عليه و هذا هو نهج الحكمة و الصواب و الصلاح و السداد و لايجري الخلق الموضوع علي الصلاح الا علي نهج الصلاح و كل شئ منه يده سبحانه في احداث ما يحدث به و يجري منه فلاتجري الامور الا علي الصلاح و لايفعل الله بعباده الا ما فيه الصلاح و هو مقتضي واحديته المتجلية بخلقه فلاتتهم ربك فيما يجري في خلقه من التقدير بسرّ التدبير كما سئل علي عليه السلام عن التوحيد و العدل فقال التوحيد ان لاتتوهمه و العدل ان لاتتهمه ، فلايفعل الله بعباده الا [ص 153] الاصلح و قد روي في القدسي ان من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فاكفّه عنه لئلايدخله عجب فيفسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالفقر و لو اغنيته لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالغني و لو افقرته لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالسقم و لو صححت جسمه لافسده ذلك و ان من عبادي المؤمنين لمن لايصلح ايمانه الا بالصحة و لو اسقمته لافسده ذلك اني ادبّر عبادي بعلمي بقلوبهم فاني عليم خبير انتهي ، فمن عرف سرّ وحدة الخالق و وحدة التجلي و انتظام الملك و اتصال الخلق لميتهم الخالق جل شأنه في قضائه بين خلقه و اذعن بعدله سبحانه في خلق الخلق علي ما خلق ، هذا تمام كلامه اعلي الله مقامه في المقام و فيه كفاية و بلاغ و ليس فوق كلامه كلام فاعرف منه حقيقة اصلحية فعله و بيانه اعلي الله مقامه كاشف لقول امامه الصادق عليه السلام من العدل ان لاتتهمه و من التوحيد ان لاتتوهمه .