ان الكلام لفي الفؤاد و انّما جعل اللسان علي الفؤاد دليلا

كلام صحيح بهذا المعني لا بالمعني الذي زعموه و ذلك في كلام المخلوقين و لذا ورد ان كلامهم صفتهم ، ففي كل مقام من مقامات وجودهم يتصفون بصفة كلامهم و اما الله سبحانه فجميع صفته فعله و ليس الا الله و فعله فكلامه فعله و اما الصدق فاعلم انه تابع للكلام و الله سبحانه اصدق الصادقين و لكن صدقه مع كلامه و كلامه خلقه الاتري ان قبل التكلم لا معني لاتصاف الشخص بالصدق و الكذب فاذا تكلم و صار كلامه مطابقا للواقع الخارج او الذهن صار صدقا و الا لكان كذبا و الصادق و الكاذب من يتصف بصفة الصدق و الكذب بعد تكلمه لا الذات من حيث هي هي فلا فرق بين الصادق و الكاتب مثلا فان الكاتب ذات ظهرت بالكتب و الصادق ذات ظهرت بالصدق و كذلك ربنا و فوق ذلك فان ذاته غير محدودة بحدّ الصدق و لاتزعم انه اذا لم‌يك صادقا فكاذب نعوذ بالله من غضب الله فانه فوق جميع الحدود و بلسان اهل الجدل نقول ان نقيض الصادق لاصادق و هو اعم من الكاذب فلايلزم ان يكون اللاصادق كاذبا كما ان نقيض الكاذب اعم من [ص 76] الصادق و بالجملة التكلم بلساننا احلي و احسن هو تعالي فوق الحدود و لايلزم من تنزهه عن حدّ اتصافه بحدّ فان ذلك شأن المواد المخلوقة في عرصة الحدود لا من هو منزه عن جميعها و سيأتيك في تلو البيانات الآتية ما تعرف منه حقيقة ذلك ثم انك بعد ما عرفت ما ذكرناه سابقا من تنزهه في ذاته و ان جميع الصفات الذاتية عين الذات و ليس لها مفهوم غيرها لانحتاج الي بيان ساير الصفات الذاتية و شرحها كما فعلوا و اما ساير صفات الله فغير محدودة نعم لا بد لنا من التكلم في العلم لان للناس فيه عقايد فاسدة و آراء كاسدة لا بد من بيان الحق علي نحو الكلية .

فصل - في علمه سبحانه و هو مسألة عويصة طال ما تكلم فيها ذووا علوم غزيرة و اولوا افهام غريزة و لم‌يبلغوا منتهاها و لم‌يعرفوا مبدأها بل ربما زلّت فيها الاقدام و طغت الاقلام و تحيّر فيها الاعلام و قد منح الله سبحانه مشايخنا فهمها و منّ عليهم بعلمها و انا اسأل الله تعالي ان يجعلني من اهل الفهم و يرزقني علمها و يثبت قدمي حتي لااكون من الضالين و يحفظ لساني و قلمي حتي لااكون من المذيعين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و لا بد من ذكر مباحث في هذا الفصل لبيان المراد علي ما ينبغي :

الاول - اعلم ان الناس في مسألة علم الله ذهبوا الي مذاهب سبعة علي ما عدّها الآخوند (ره) : احدها القول بارتسام صور الممكنات في ذاته و حصولها فيها حصولا ذهنيا علي الوجه الكلي و هو مذهب اتباع المشائين و منهم الشيخان ابونصر و ابوعلي و كثير من المتأخرين الثاني القول بكون وجود صور الاشياء في الخارج سواءا كانت مجردات او ماديات مركبات او بسايط مناطا لعالميته تعالي بها و هو مذهب شيخ اتباع الرواقية شهاب‌الدين و الطوسي و من حذا حذوهم الثالث القول باتحاده تعالي مع الصور المعقولة و هو المنسوب الي [ص 77] فرفوريوس مقدم المشائين الرابع ما ذهب اليه افلاطن الالهي من اثبات الصور المفارقة و المثل العقلية و انها علوم الهية بها يعلم الله الموجودات كلها الخامس مذهب القائلين بثبوت المعدومات الممكنة قبل وجودها فعلم الباري تعالي عندهم بثبوت هذه الممكنات في الازل و يقرب من هذا ما ذهب اليه الصوفية لانهم قائلون بثبوت الاشياء قبل وجودها ثبوتا علميا لا عينيا و هذا القول للمعتزلة السادس مذهب القائلين بان ذاته تعالي علم اجمالي بجميع الممكنات فاذا علم ذاته علم بعلم واحد كل الاشياء و هو قول اكثر المتأخرين قالوا للواجب تعالي علمان بالاشياء علم اجمالي مقدم عليها و علم تفصيلي مقارن لها السابع القول بان ذاته علم تفصيلي بالمعلول الاول و اجمالي بما سواه و ذات المعلول الاول علم تفصيلي بالمعلول الثاني و اجمالي بما سواه و هكذا الي اواخر الموجودات .

اما المذهب الاول فقد نشأ من القياس بالمخلوق بحسب معرفتهم فيه ايضا لا علي ما هو الواقع فان المخلوق ايضا لايحصل في ذاته شئ من المكتسبات و ذهنه غيره و لكن اكثرهم لايعلمون و يكفي في ردّه انه يلزم من ذلك كون الذات محلا للحوادث و يلزم من ذلك عروض التغيّر و التبدل علي ذاته و ذلك صفة الحادث و القول الثاني ان ارادوا منه المُثُل الافلاطونية بمعني ان الصور الخارجية قائمة بذواتها منفصلة عنه و عن الاشياء اي المعلومات فهو باطل بارادة العلم القديم لان القديم لايكون خارجا عن الذات و لا صورا متغايرة و لو ارادوا العلم الحادث كان صحيحا و لكن النقص فيما يلزم من قولهم من ان العلم غير المعلوم و القول الثالث فيه ما فيه مع ان الآخوند (ره) عظمه و قبله فان فيه اولا اتحاد العاقل و المعقول و ثانيا لزوم كون غير الذات معه و ثالثا جهله بغير المعقولات و القول الرابع منسوب الي افلاطن علي ما نقل عنه من كون علمه صورا منفصلة عن ذاته و عن الاشياء و هي المُثُل بضم الميم [ص 78] و الثاء اي مثل الاشياء فهي قديمة بها علم الاشياء الحادثة فلايكون جاهلا لقدمها و منفصلة عنه فلايكون مركبا منها و من الاشياء فلايتصل القديم و الحادث قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و نقل كثير من العلماء ان افلاطون اجلّ قدرا من ان يريد هذا المعني المعروف و انما يريد بالقدم القدم الامكاني و كأنه اشار الي علمه الامكاني الذي لايحيطون بشئ منه الا بما شاء كونه من الممكنات و انه جعلها في العنصر الاول انها في الكتاب الاول الذي هو خزانة الاكوان او الامكان و هي منفصلة عن ذاته لانها من جملة مخلوقاته و منفصلة عن خلقه لانه خلقها و جعلها علة لمن هو دونها و علي هذا التوجيه يكون الكلام صحيحا و ان اريد به العلم الازلي الذي يحكم اهل التوحيد بانه عين ذات الله سبحانه فهو باطل لان الحكم عليه بالانفصال عن الذات مع قدمه موجب لتعدد القدماء و بالانفصال عن الاشياء تثليث للقسمة بان يكون شئ ثالث لا خالق و لا مخلوق و ليس علي حد الركن من الجملة الواحدة كما قال الصادق عليه السلام لحمران بن اعين في العلم من كماله كيدك منك انتهي ، لان اليد غير منفصلة و القول الخامس قول ناقص ان ارادوا المعني الحق و القول التام ما سنقوله و ان ارادوا الباطل من وجوه يحتمل في قولهم فيرد عليهم ما يرد علي السابقين و القول السادس و هو ان ذاته علم اجمالي واحد و به علم الاشياء قبل وجودها مجملا و يعلمها بتفصيلها مقارنا لتحققها و بعضهم جعل ذاته علما اجماليا بالكل و بعضهم قال انها علم تفصيلي بالمعلول الاول و اجمالي بما سواه يرد عليهما ايضا ما يرد من وجوه فان ذكر الحادث في القديم بالاجمال و التفصيل محال و القول به شرك بالله المتعال مع ما يرد عليه من ساير الايرادات و القول السابع و هو ان ذاته علم تفصيلي بالمعلول الاول اجمالي بما سواه و ذات المعلول الاول علم تفصيلي بالثاني و هكذا يرد عليه ما يرد علي ما مضي [ص 79] و اكثر هذه الآراء نشأت من عدم المعرفة بالله و قياسه بخالقه و اعجب من ذلك انهم زعموا علمه ذاته ثم تكلموا في كيفية العلم فيا لهم الويلات هل الكيفية الا ما يقال في جواب كيف هو و الكيف عرض يعرض المواد الخلقية و الذات تجلّ عن ذلك و لايجري علي الله شئ من ذلك و كيف يكيّف بالكيف من هو خالق الكيف و كيف يأيّن بالاين من هو خالق الاين و كيف يصير الفعل و المفعول حدّ الذات سبحانه و تعالي عما يصفون فان كان مرادكم العلم الذاتي فينبغي لكم السكوت عنه لان التكلم فيها اما يكون لغوا او كفرا فانها لاتعرف و انما تحدّ الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و كلما ميّزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم و ان كان المراد العلم الخلقي فهو يعلم كلما خلق و لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و بالجملة جميع الفساد ينشأ من الاعراض عن اهل بيت جعل الله علمه في بيوتهم نعم جميع الملك جهل الا موضع العلم و ليس العلم الا ما خرج من بيوتهم و قد منّ الله علي مبدئنا و رأسنا الشيخ الاوحد و السناد الامجد الشيخ احمد اعلي الله مقامه و انار برهانه بان جعله من المشايعين لساداته و حملة علومهم و جامعي رسومهم صلوات الله عليهم جعلنا الله من متّبعيه و انار قلوبنا بمعرفة علومه و حكمه .

الثاني - في ذكر بعض اصول و مقدمات مما يبتني عليه فهم مسألة العلم :

اصل - اعلم ان الواجب علي المؤمن الممتحن بعد العلم بان له صانعا و من عنده حججا ان يتبعهم في جميع الامور و لايتخلف عنهم و من تخلف عنهم و عما ثبت من عندهم بضرورة و نحوها قدر شبر عمدا هو كافر بالله عز و جل و لايجوز تأويل اخبارهم بالآراء و ان كان لها وجوه لاتحصي و اذا اوّل حديث بما ثبت من عندهم لايجوز ترك ظاهره و اخطأ من زعم جواز تأويل الاخبار الي [ص 80] ما عرفه العقول الناقصة من المسائل الحكمية و قد ثبت بالكتاب و السنة و ضرورة المسلمين ان الله سبحانه عالم بجميع الاشياء كائنة ما كانت بالغة ما بلغت قبل وجودها و حين وجودها و بعد وجودها و علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها بلا تفاوت و هو سبحانه لم‌يزل عالما بما كوّن و علمه سابق علي الاشياء قديما و لا نهاية لعلمه و كذلك ثبت بجميع ما ذكرناه ان الله سبحانه ذات احدية و علمه سبحانه ليس غير ذاته و من قال انه عالم بعلم في ذاته قد اخطأ و من قال ان علمه نفس المعلوم و معلومه في ذاته خلقه قد اخطأ و من فصّل ايضا بين علمه و معلومه قد اخطأ و من قال انه جاهل بخلقه ايضا قد اخطأ و من هاتين المسألتين نشأ الاشكال و كثر الاقوال فانه في ذاته عالم و علمه نفس معلومه و مع ذلك ليس ذاته محلا للحوادث و الخلق ايضا ليسوا قدماء و ليس هو سبحانه في محل الحوادث و ان عرفت هذه المسألة من الحكمة فانت من الحكماء و علي اهل الفهم السلام و كذلك ثبت بالضرورة ان الخلق يمتنعون في ذات الاحد فانه لا ذكر لهم في ذاته لا بنفي و لا باثبات فان النفي ايضا شئ و الذكر النفيي ذكر الصلوح و الاجمال و هو في مادة المواد و الذكر الاثباتي هو الذكر العيني و هو في مقام الاعيان و الاعيان لاتتجاوز عرصة التعيّن ابدا و الصلوح لايتجاوز مقام القوة و الازل لاينزل نعم القوة تذكر بالفعلية في مقام العين و العين يذكر بالقوة في مقام الامكان و الجميع بالازلية في العلم لا بنحو آخر فافهم ثم اعلم ان مقتضي الادلة ان الله سبحانه بعلمه الازلي يعلم جميع خلقه فانك لو قلت في جماعة المسلمين ان الله لايعلم قبل مشيته ان زيدا كيف يكون ليسفهوك و لو قلت ان علم الله بزيد حادث لاخرجوك عن المسلمين و الآيات تساعدهم و الاخبار تؤيّدهم و لايمكن مخالفتهم و لو قلت بغير ذلك ايضا لكنت من الخاطئين و مع ذلك لو قلت ان هذا الخلق المتكثر في الازل لكنت من الهالكين .

[ص 81] اصل - اعلم ان الاحد جل شأنه خارج عن حدّ التعبير و البيان و لايدرك بمشاعر الانسان اذ كل مدرك محدود و كل محدود متجزٍ و كل متجزٍ قابل للزيادة و النقصان و من هو هكذا حادث عند العارف بالبرهان و تعالي عن ذلك القديم المنان و جميع ما تعبّر عنه مما ادركته و لذا يقال ما طرق سمعك يمكنك الوصول اليه ، فلا تعبير عن الاحد جل شأنه اذ لايدرك و جميع ما نقوله من باب التنزيه و التقديس و تنزيهه ليس بدرك كيف هو اذ لا كيف له و لكن بعد ما قصر افهامنا و كل البابنا و عجز مداركنا عن معرفته نزهناه و ان قلت فبم تثبته اقول اثبتناه لانا وجدنا ان كلما ندركه اثر و ان كان بعض عن بعض اكبر و قد آمنّا بما علمنا ان كل اثر له مؤثر الاتري الي قوله تعالي حكاية عن ابرهيم في قصته لما رأي كوكبا قال هذا ربي و لما رأي افوله و انطواءه تحت مؤثر و رأي بزوغ القمر رجع منه و قال بربوبيته و لما رأي منه ما رأي من الاول انكره و رجع الي الشمس لانها اكبر و لما افلت و رأي اثريتها و فاقتها و ما يلزمها من صفات الحدوث و المربوبية رجع الي الواحد القهار مع انه لم‌يره و كذلك رؤية القلوب بحقايق الايمان و الا فهو منزه عن رؤية العيون بمشاهدة العيان و هذا هو الحق المأخوذ عن ائمة البيان و كذلك نحن كل ما ادركناه وجدنا اثريته و دلجته تعالي بين ايدينا فعرفنا ان لنا ربا قال الصادق عليه السلام انت لما عجزت حواسك عن ادراك الله انكرته و انا لما عجزت حواسي عن ادراك الله صدقت به ، بالجملة نثبته و لانعقله بما تجلي لنا بنا و التجلي يعرف كونه تجليا و ان لم‌يعرف المتجلي فافهم و بعد ما عرفت ذلك فاعلم انا لانتكلم في ذاته و كلما نقوله من قول فذلك في مقام يجوز لنا التكلم فيه و من باب التنزيهات ان الاحد فرد صمد بكل اعتبار فليس له حيوث و اعتبارات فهو كله حيث واحد و لا حيث و شئ واحد بحقيقة الشيئية و لا شئ معه غيره جمالا كان او جلالا فان قلنا انه عالم بذاته يكون علمه نفس ذاته بكل اعتبار و كل [ص 82] جهة و بعلمه ذلك علم ذاته لا غير و معلوميتها عين علمه اذ علمه معلومه و ذاته و معلومه ايضا علمه و ذاته علمه و معلومه بلا فرق و جميع ذلك نفس وجوده فليس علمه غير كونه هو و جميع الحوادث برُمّتهم يمتنعون في ذاته و ذاته علمه فكلهم يمتنعون في ذاته و لايدرك لعلمه ذلك كيفية و لم‌ينفع التفكر فيه الا تحيّرا و بُعدا و من تكلم فيه خسر و خاب و لم‌يحصل له شئ سوي العذاب و اعلم ان اثبات العلم بالاشياء في الذات لايكون الا كذبا و علمه سبحانه صدق فهو عالم لا بعلم زايد علي الذات بامتناع الموجودات فافهم و قد كرّرت الكلام حتي تقف علي الحق نعم بعد ما خلق الخلق وقع العلم منه علي المعلوم يعني علمه الفعلي لا ذاته فان ذاته لاتقع علي الخلق بل الذات تعالي في مقام الذات ابدا ازلا العلم ذاته و لا معلوم و في مقام الخلق مع الخلق وقع العلم منه علي المعلوم و سيجيء بعد شرح ذلك ان شاء الله .

اصل - اعلم ان الله سبحانه كان قبل الكان و لم‌يكن معه شئ مما كان و قد تجلي سبحانه بعلمه الازلي لمشيته فخلقها به و علي طبقه و هذا العلم من كماله كيدك منك لايكون ذاتا و لا خلقا و لا برزخا بين الله و خلقه اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما بل هو نفس الله الباقية و كينونته الدائمة و كينونة الله لايصدق عليها الخلقية بل هي حق الله و جمع الله و اسم الله و كماله مجمل القول كيدك منك و هو مبدء فعل الله و اصله و يد الله في خلقه و نفسه و لذا تري ان الامام عليه السلام مرّة قال بالعلم خلقت المشية و مرّة قال خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فللمشية حيث علم هو الكينونة و حيث انية هو حيث معلومية المشية بالعلم الذي هو نفسه فعلمها سبحانه بعلمه الازلي علي ما هي من الفعلية في مقام الفعل و هو مقام السرمد ثمّ خلق سبحانه بهذه المشية التي هي الفعل الارض الجرز و هي امكان جميع الاشياء و هي اثر مشية الله و هي الوجود الجايز و الاثر علي طبق المؤثر و مقامه [ص 83] ايضا السرمد بملاحظة او دهر الدهور بملاحظة و له ايضا حيثان بالاثرية فله مقام نفس و وجود هو كونه و حيثه الي العلم الذي هو نفس المشية و مقام انيّة هي القيد المطلق و هي ماهيته و حيثه الي انية المشية التي هي حيث الفعل و لما كان فعله من حيث القابل صار انفعالا و الانفعال ايضا فعل الا انه قائم بفاعل الفعل صدورا و بالمنفعل ظهورا فافهم ثم ادار الله سماء مشيته علي هذه الارض و خلق منها الدهريات شيئا بعد شئ في دهورها و ثبت لها ما لمؤثرها من الظاهر و الباطن و الحدود و الصفات علي ما ينبغي علي نحو الدهرية اللائقة بها فلكل منها حيث مشية و امكان و غيب و شهادة و ازلية علي حسبها ثم خلق الله بها الشهاديات في عرصة المثال و الدنيا علي ما ينبغي لها في مقامها و حدّها و جعل لها جميع ما في مباديها و لايمكن غير ذلك و هو من المحال الا ان الاذكار في كل مرتبة علي ما ينبغي لها لا كما هي عليه في مقاماتها نعم اذا كشفت عما يلزم في كل مرتبة لوقفت علي عينه بلا كلام .

اصل - اعلم ان كل عال متعال عن حدود ما دونه محيط بها بحسب علوّه و مرادنا من العلو العلو الحقيقي لا النسبي كعلو السماء علي الارض فان العالي بالنسبة ليس علوه بذاته بل هو بذاته في عرض الداني و اما العالي بالذات فليس من عرض الداني و اذ لم‌يكن من عرضه فلايحدّ بحدوده فيحيط به لا محالة فان كان العالي دهريا يحيط بجميع ما دونه باحاطة الدهريات و جميع الزمانيات التي دونه منطوية تحته و هو شاهد لها عالم بها و لما كان بنفسه دهريا يكون علمه بها دهريا كالحديد مثلا بالنسبة الي ما يصنع منه فانه محيط بها عالم بقضّها و قضيضها بالعلم الدهري و دهر الدهور محيط بجميع ما دونه من الدهريات و الزمانيات و ليس للدهر وقت زماني فلايتصوّر فيه الماضي و المستقبل و الحال فلايكون لعلمه ايضا وقت فجميع المواضي و المستقبلات في محضره و ان كان العالي سرمديا يحيط بجميع الدهريات و الزمانيات بالسرمدية و يعلمها بالعلم [ص 84] السرمدي فان كل محاط اذا نسب الي المحيط يثبت له صفة المحيط لا المحاط فزمانية الزمانيات بنسبة بعضها الي بعض لا بنسبة الكل الي الدهر فان الكل دهري و دهرية الدهريات في نسبة بعض الي بعض لا بالنسبة الي السرمد فان بالنسبة الي السرمد جميع الدهر سرمدي بل جميع الزمان سرمدي فافهم فالسرمدي عالم بجميع ما دونه بالعلم السرمدي و الازل جل شأنه احاط بالكل بازليته و ليس لشئ بالنسبة اليه سرمدية و دهرية و زمانية فانها نسب خلقية و هو يجلّ عن جميع ما يجوز في الخلق فالكل محاطه ازلا ابدا فانه لايتصوّر ان لايكون محيطا بشئ الآن فيحيط به بعد ذلك فان ذلك يورث التغيّر و الزوال و لايجري عليه ذلك فهو عالم بالعلم الاحاطي الازلي بجميعها و لايخفي عليه خافية و ان كان بعضها بالنسبة الي بعض سرمديا و بعضها دهريا فافهم و امثل لك مثالا ان صفاتك بعضها زمانية و بعضها برزخية و بعضها دهرية و لكن ذاتك سرمدية و فوق جميعها و محيطة بكلها و ليس لشئ منها بالنسبة اليها زمانية و برزخية و دهرية بل الكل بالنسبة اليها سرمدية فافهم و لاجل ذلك نقول ان الله سبحانه عالم بجميع خلقه ابدا ازلا و علمه كماله و لايفقده و اعلم ان لكل منها علمين علما بنفسه و علما بما هو دونه فاما علمه بنفسه فبحسبه و اما علمه بما دونه فبما منه فيه علي حسبه فالدهر مثلا علمه بنفسه علم دهري اجمالي و علمه بالزمانيات بما فيها من الدهرية فهو يحيط بجميع الزمانيات و يعلمها علي ذلك و كذلك الامر في الباقي فافهم و اتبرك بذكر بعض الاخبار حتي تقف علي مرادك بلا غبار سئل ابوالحسن علي بن موسي الرضا عليه آلاف التحية و الثناء أيعلم الله الشئ الذي لم‌يكن ان لو كان كيف كان يكون او لايعلم الا ما يكون فقال ان الله تعالي هو العالم بالاشياء قبل كون الاشياء قال عز و جل انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و قال لاهل النار و لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون فقد علم عز و جل انه لو ردّوهم لعادوا لما نهوا عنه [ص 85] و قال للملئكة لما قالت أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال اني اعلم ما لاتعلمون فلم‌يزل الله عز و جل علمه سابق للاشياء قديما قبل ان يخلقها فتبارك و تعالي علوا كبيرا خلق الاشياء و علمه بها سابق لها كما شاء كذلك لم‌يزل ربنا عليما سميعا انتهي ، انظر الي تصريحه عليه السلام بقدم علمه بالاشياء و ان الاعمال تستنسخ من لوح العلم و ان كان تفسير المفسرين علي العكس و سئل ابوعبدالله عليه السلام هل يكون اليوم شئ لم‌يكن في علم الله عز و جل قال لا بل كان في علمه قبل ان ينشئ السموات و الارض و سئل عن الله تبارك و تعالي أكان يعلم المكان قبل ان يخلق المكان ام علمه عند ما خلقه و بعد ما خلقه فقال تعالي الله بل لم‌يزل عالما بالمكان قبل تكوينه كعلمه به بعد ما كوّنه و كذلك علمه بجميع الاشياء كعلمه بالمكان و سئل هل يكون اليوم شئ لم‌يكن في علم الله بالامس قال لا ، من قال هذا فاخزاه الله قلت ارأيت ما كان و ما هو كاين الي يوم القيمة اليس في علم الله قال بلي قبل ان يخلق الخلق و في تفسير القمي في تفسير قوله تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا قال كان في العلم و لم‌يكن في الذكر انتهي ، اقول و المراد من الذكر هنا الذكر بالمشائية و من هذا الباب ما ورد ايضا في تأويله كان شيئا و لم‌يكن مذكورا ، و بالجملة ثبت بضرورة الاسلام ان الله سبحانه عالم بجميع الاشياء قبل ان يخلقهم و هذا هو العلم الازلي الذي هو من كماله لا ذاته تعالي فافهم و لاتغلط .

اصل - ما لم‌تعرف حقيقة الاوعية و الازل لاتكاد تقف علي المراد و تفصيل ذلك يأتي بعد في الامور العامة ان شاء الله و لكن في المقام نشير الي المرام فاقول ان الاوعية هي الزمان و الدهر و السرمد و هي اوقات الخلق من الاعلي الي الاسفل و الازل هو الازل جل شأنه خالق الاشياء لا من شئ فالزمان هو نسبة صفة الي صفة و الدهر نسبة الصفات الي الذات و السرمد نسبة [ص 86] الذات الي نفسها يعني ملاحظة نفسها و هذه المقامات ثابتة لكل شئ بالنسبة انظر الي السيف و الرُّمح و المسحاة و المعول و ساير ما يصاغ من الحديد و انسب بعضها الي بعض بحسب اوضاعها و قراناتها و ساير ما لها و منها و كذلك انظر الي الصور المقترنة بالمواد الدنيوية منها ففي هذا النظر تري لبقاء النسب و الصور علي المواد و فيها مدّة فهذه المدة تسمي بالزمان و لهذه الصور نسبة الي الحديد الساري فيها المتجلي منها بنسبة واحدة فاذا نظرت اليها بهذا النظر يعني وجدت الحديد متجليا فيها تري نسبة جميعها اليه علي السواء و جميعها في محضره دائما و لظهوره فيها و حضورها لديه امتداد يسمّي بالدهر و هذا النظر نظر واقعي في الاشياء لا انه محض وجدان بل هو وجودي و لاينافي ذلك ثبوت الزمانية لها فان زمانيتها ايضا بهذه النسبة دهرية ثم ان نظرت الي نفس الحديد من حيث هو حديد من دون ملاحظة ما يصاغ منه و لا نسبتها اليه تراه بنفسه ثابتا في مقامه و لايمضي عليه وقت زماني اذ هو امتداد اعراض الصفات و هي بانفسها لاتذكر في نفس الحديد فضلا من نسبها و امتدادها و لا وقت دهري اذ هو نسبة الصفات الي الذات و نسبتها اليها بل هو نفسه و له مدة بقاء في حدّه يعبّر عنها بالسرمد و ليست هي خارجة عن ذاته بل هي هي لغاية اتحاد الذاتيات فسرمدية الحديد بسرمديته محيطة بجميع الدهر المخصوص به و زمانياته و دهريته محيطة بزمانياته و اعلم ان هذه المراتب ثابتة للسيف وحده بالنسبة و للرمح هكذا و لساير ما يصنع منه هكذا و كذلك لنفس الحديد بالنسبة الي ما في عرضه و فوقه بل لجميع الملك هذه الحالات المذكورة ثابتة و لكن الامر في جميع الملك حقيقي و في اجزائه نسبي فسرمدية الملك المشية و دهريته من العقل الي اعلي المثال و زمانيته من العرش الي التراب و اما الازل فهو ذات الله الظاهرة و تسميته بالازل محض تعبير فلما قالوا ان الخلق موقتون باوقات سرمدية و دهرية و زمانية كل بحسبه قالوا انه تعالي ازلي ابدي [ص 87] و ازله عين ابده و ابده عين ازله لا ان وقته غيره بل لا وقت له و هو موقّت الوقت بلا وقت و مكيّف الكيف بلا كيف و هو تعالي بازليته محيط بجميع السرمديات و الدهريات و الزمانيات و لايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء و يحيط بجميع الاشياء قبل وجودها و بعد وجودها و حين وجودها علم شهود و عيان و علمه بجميعها علم احاطة و هو سبحانه يعلم كل شئ في مقام وجوده و حدّ شهوده بهذا العلم و هذا علم دايم ابدي ازلي و نسبة جميع الاشياء اليه سبحانه شرع سواء و له علم خلقي يعلم خلقه ايضا علي ما ينبغي فافهم هذا الاصل و اتقنه و سيجيء متمم البيان ان شاء الله .

اصل - اعلم ان العلم من كل احد في الحقيقة نفس المعلوم و هذا مطلب شريف تمامه سيظهر لك مما سيأتي ان شاء الله و لكن ما يتعلق بالمقام ان العلم لا بد و ان يكون متعلقا بالمعلوم واقعا عليه مطابقا له من جميع الحيوث و الجهات فان كان بينهما بينونة من جهة من الجهات لصار العلم كذبا و لو كان العلم من جهة من الجهات غير المعلوم لصار من هذا الحيث مخالفا للواقع و جهلا و كذبا و الله يعلم بكل شئ علي ما هو عليه و ان قلت ان علمه كعلمنا اشباح منتزعة اقول اما اولا فلا شك ان الشبح غير ذي الشبح و هو صفته و نحن ننتزع من الاشياء اشباحا نعلمها اعني هي علومنا بالاشياء في مشاعرنا و لانعلم ذوات الاشياء في الخارج و لذا تري انك جاهل بنفس زيد و ساير اشباحه بعد ما علمت شبحه الخاص الملقي في مشاعرك حين المواجهة نعم انت تعرف من زيد ما وقع منه في خيالك من الشبح الخاص و ما فارقك انت لاتطلع عليه ابدا بل ربما مات و انت لاتطلع عليه فليس زيد و ساير اشباحه معلومك و الا للزم تخلف العلم عن المعلوم و لكن علمه ما هو عندك منه و هو معك اينما كنت فتدبر و اذا عرفت ذلك فبيّنْ مرادك من الشبح الذي هو علم الله أهو عين ذي الشبح من جميع الجهات فهو هو و ان كان غيره فهو لايكون معلوما لله سبحانه ثم تدبّر ثانيا [ص 88] ان الاشباح تأتيك في مشاعرك و انت تدركها بها فيها فهل تثبت لله سبحانه خيالا مثل خيالك و تزعمه منفصلا عنه فيقع اشباح الاشياء في خياله فذلك كفر بالله اذ هو تشبيه و يلزمه التعطيل ايضا و ان قلت ان الاشباح تقع في ذات الله كما هو رأي بعض فيلزم من ذلك حلول الاشياء في الذات فتكون محل الكثرات و ذلك انكار للاحدية و لا فرق بين ذلك و ان يقال بالاعيان الثابتة و ان قلت انها تقع في خزينة من الخزائن كحضرة العلم التي يزعمها الصوفية اقول اولا هل يعلمها الله في حضرة العلم بذاته او بعلم غيرها او بنفسها فان قلت انه يعلمها بذاته فنرد بالكلام الاول عليك اذ يلزم من ذلك ان يعلم بذاته الحدوث فيها و ان قلت انه يعلم بعلم غيرها نرد عليك بما اثبتناه اولا مما يلزم من تخلف المعلوم عن العلم و ان قلت انه يعلمها بها اقول نحن نسلّم كون الامثلة في خزينة من خزائن الله و هي علومه في هذا المقام و لكن ما تقول في نفوسها هي معلومة ام لا فان قلت انها معلومة بها يلزم عليك الاقرار بجهله سبحانه بغير الامثلة فتدبر و انصف و ان اراد القائلون بهذه الاقوال وجوها حقة و عبّروا عنها بهذه العبارات لعدم اطلاعهم علي مداليل الالفاظ فهم اعرف بمرادهم و نحن متّبعون للحق مصدقون له و لا غرض لنا نفسانيا مع احد و لكن نردّ علي هذه العبارات فانها لاتليق بالله كما ان الله سبحانه ردّ علي النصاري قولهم ان المسيح ابن الله مع انهم لم‌يريدوا نسبة الولادة اليه و هو اعرف بمرادهم ، الحاصل فلايوافق الاخبار و صحيح الاعتبار الا ان تقول ان الاشياء بانفسها علوم الله تعالي فالمعلوم عين العلم و الله يعلم الاشياء من كل جهة فهي من كل جهة معلوم الله سبحانه و اذا كان الشئ من كل جهة علم الله فهو بنفسه معلوم لا محالة قال مولانا اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين الحمد لله الذي اعجز الاوهام ان تنال الا وجوده و حجب العقول عن ان تتخيّل ذاته في امتناعها من الشبه و الشكل بل هو الذي لم‌يتفاوت في ذاته و لم‌يتبعض بتجزية العدد في كماله فارق الاشياء [ص 89] لا علي اختلاف الاماكن و تمكّن منها لا علي الممازجة و علمها لا باداةٍ لايكون العلم الا بها و ليس بينه و بين معلومه علم غيره الخطبة ، انظر الي صراحة قوله عليه السلام في اثبات المدعي و نفي جميع ما سواه من الاقوال الباطلة فعلمه تعالي نفس معلومه لا غيره فاذا كان نفس المعلوم فيعلم الازل ازليا و السرمد سرمديا و الدهر دهريا و الزمان زمانيا فان في الازل لايذكر الحدث بل يمتنع منه و في الحدث لايذكر الازل بل هو باين عن الحدث و الحدث باين منه بينونة صفة و هي اشد من بينونة العزلة بمراتب فاذا عرفت هذه المقدمات و حفظتها ازيدك مطلبا آخر لله و في سبيله .

اصل - خير الكلام ما قاله العارف بمراد الامام عليه السلام و هو ما قال ابي العلام اعلي الله له المقام و انا كلما تجسست في خلال الكلمات و قلبت العبارات ظهرا لبطن في شقوق الملاحظات ماوجدت احسن و اجمع من هذه الدرر المنثورات فاخترتها و نقلتها بعينها لك ان عرفتها قال حشره الله مع آل‌محمد عليهم السلام بعد ما بيّن علم الله سبحانه علي الظاهر في شرح الحديث الشريف علمه بها قبل كونها الخ ، ليعرفه كل احد و اما باطن القول فيه ان الخلق له اعتباران اعتبار هو هو و يسمي بذلك خلقا زيدا و عمرا و بكرا و ( هو ظ ) في هذا الاعتبار اثر المشية و اعتبار معلومية لله سبحانه و هذا الاعتبار اعلي من الاعتبار الاول بدرجة فانك تلاحظ مذكوريته عند العالي و تري ذكر الذاكر و الذاكر عليه و هو بهذا الاعتبار متعلق العلم و العلم قبل المشية اذ بالعلم خلقت المشية و شاء كما علم فالاشياء اعتبار كونها معلومة فوق اعتبار كونها مخلوقة كما ان اعتبار كونها مشاءة فوق اعتبار كونها مرادة و اعتبار كونها آية فوق اعتبار كونها هي هي فالاشياء كانت معلومة لله سبحانه قبل ان تكون مخلوقة بلا شك كما كانت مشاءة قبل ان تكون مرادة قال الرضا عليه السلام ليونس أوتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول قال [ص 90] أوتدري ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاء و قال الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة الخبر ، و روي في قوله هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا قال بلي كان مذكورا في العلم ، فتدبر في هذا المعني الشريف و اعرف منه معني قوله عليه السلام فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المشاء قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و وقتا و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات الخبر ، و هو بحر من العلم متلاطم فالشئ يكون معلوما بالعلم كائنا بالمشية متعينا بالارادة قائما بالقدر مفصلا بالقضاء مبرما بالامضاء فالله سبحانه عالم بالمعلومات قبل كونها كما يكون عالما بها بعد كونها بلا تفاوت فان الشئ كما اذا عيّن لم‌يخرج عن الكائنية كذلك اذا خلق كونا لم‌يخرج عن المعلومية ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان علمه سبحانه بخلقه عين خلقه لا عين ذاته و عين ذاته عالم ابدا ازلا بخلقه في خلقه كلا في حدّه و مكانه و وقته كما يأتي ان شاء الله ، تم كلامه علا مقامه و هو في الواقع تحت كلام ساداته و فوق كلام غيره و لا حاجة الي شرحه فانه سهل ممتنع و لايزيد من الشرح الا اشكالا و اعضالا .

اصل - حان حين الاستنتاج من المقدمات بعد وضوح المنهاج فاصغ الي ما اقول حتي تفوز بالمأمول ، اعلم ان الله سبحانه بذاته الاحدية عالم و لا معلوم سواه لا بعلم عداه فهو اذ ذاك عالم و علم و معلوم و جميع ذلك ذاته و اعني من علمه حضوره لنفسه لا علم كعلم خلقه فان المعلمة لنفي الخلاف و هو هو و قد علم سبحانه بالعلم الازلي الذي هو ذاته سبحانه الظاهرة يعني الكينونة المعلومات بقضّها و قضيضها علي ما ينبغي له في ازله الذي هو عين ابده لا كما ينبغي لها في حدوثها و قد علم سبحانه بعلمه الازلي خلقه قبل تعلق المشية بها فكيف يتصوّر تعلقه بازليته بالحادث تعالي عن ذلك لا بان يكون الخلق [ص 91] المتكثر في الكينونة نعوذ بالله فان الكينونة هي هي حق الله جل شأنه و ازله و هو في الواقع الوجود الحق للملك و ليس في الوجود الحق ذكر المقيدات بنفي و لا اثبات بل هو حقها و ذاتها و وجودها فكيف يتصوّر ان يعلم سبحانه ما ليس في مقام في هذا المقام و هذا علم كذب بل في نفس الكينونة معلومه نفسها و لا غير و هو علم احدي ابدي ازلي و لكن الكينونة محيطة بجميع الاشياء قبل المشية و الارادة و كلها حاضرة عندها ازلا و ابدا و ان شئت ان تعرف حقيقة ذلك فانظر الي ذاتك التي هي حقك و آية الحق المطلق فيك هل يذكر فيها من صفاتك شئ و لكنها محيطة بجميع صفاتك و كلها حاضرة لديها لاتمضي عليها الاوقات بالنسبة اليها و كذلك الامر بالنسبة الي الكينونة فهي محيطة بجميع الاشياء و كلها في محضرها و لايخفي عنها خافية في الارض و لا في السموات و لايمضي عليها الاوقات و لا علي الاشياء بالنسبة اليها فهي العالمة بجميعها في اماكن وجوداتها ابدا ازلا و قد خلقها الله بحسب علمه ذلك و ان عرفت المقدمات تقتدر علي فهم هذه النتيجة بما فيها من اللطيفة و الا فلا و نفوسها معلوماتها و هذا هو الكتاب الحفيظ عند الله سبحانه و اللوح المحفوظ و العلم الذي لايحيط به احد الا الله و امر نبيه ان يستزيد منه و يستنسخ منه جميع الاعمال و الافعال و الامام المبين الذي احصي فيه جميع ما في العالمين و الكتاب الذي جمع فيه كل ما في المبدء و المآب و العلم القديم الازلي و الشمس التي في قعر بحر القدر لايطلع عليها الا الواحد الصمد فمن تطلع عليه فقد كفر و لم‌يزد الا بعدا و حرم و تحيّر ثم لهذا الكتاب اوراق و سور بنسبة بعضها الي بعض و يختلف درجات العلم و حالاته في هذا النظر فورق منه ورق الفعل و الذكر الاول و العزيمة و الهندسة و الابرام و الله يعلمها علي ما هي عليه فلايعلم الاعيان في هذه المرتبة الا كذكر المشتق في المبدأ ثمّ ورق الامكان و هو مقام الصلوح و القوة و الله يعلم فيه امكان الاشياء يعني [ص 92] يعلمها ممكنة و هذا مقام قوله عليه السلام في شرح هل اتي علي الانسان الآية ، كان شيئا و لم‌يكن مذكورا ، يعني شيئا ممكنا فان الامكان شئ مبهم مطلق و لم‌يكن مذكورا بالتشخص كما انه في مقام العلم الاعلي لم‌يكن مقدرا و لا معلوما بالحدوث علي ما في حديث آخر فافهم فان لكل تفسير مقاما و اهلا و لا اختلاف في اخبارهم ثم بعد ذلك ورق الجبروت و قد علم الله فيه الاشياء بالمعنوية ثم بعد ذلك مقام الملكوت و هما من الدهر و كذلك بعده الطبيعة و المثال و الجسم المطلق و في هذه العرصات علم الاشياء علي ما ذكرت و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و كذلك في عرصة الدنيا علم الزمانيات بتفاصيلها كلا في مقامه و حدّه و ليس بينه و بين الاشياء في علمه واسطة و لايوصف علمه منه باين بل هو عالم بالجميع بعلم واحد هكذا فبالعلم الازلي يعلم جميع الاشياء قبل خلقها و بعد خلقها بلا تفاوت و بالعلم الامكاني علم امكانها و بالعلم الكوني كونها و بالعلم العيني عينها و لايعلم شيئا الا في مقامه و حدّه اذ العلم نفس المعلوم و كل معلوم له مقام لايجاوزه ابدا و اذا وقفت علي هذه البيانات الشريفة وقفت علي حقيقة العلم بقدر ما يمكنك الوصول اليه و اري ان ازيّن هذه الرسالة بعبارة شيخنا و عمادنا و سنادنا اعلي الله مقامه في العلم و لعمرك لو ضربت آباط الابل دهرا و شرقت و غربت لاتجد بعد اخبار آل‌محمد عليهم السلام كلاما اجمع و املح و احسن و ابطن و اعلي و احلي منها في العلم و ان عرفت ما ذكرته بعلمي الناقص في هذا المقام تعرف بعض ما عرفناه من عبارته الشريفة و الا فلا و افرد لها ايضا اصلا .

اصل - نبت من فرع من فروع الزيتونة قال اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه :

بسم الله الرحمن الرحيم ، قال العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحسائي في بيان ما يمكن العبارة عنه من صفة تعلق علم الله بالمعلومات من حيث هي [ص 93] معلومات اذ بدون تلك الحيثية ● لا سبيل للممكن اليه و تلك الصفة صفة رسم لا صفة قدم فان القديم يتعالي عن الحدوث بكل اعتبار و العبارات تعبير و تفهيم و ان كان ذلك النظر بعين منه فان ذلك النظر و تلك العين من المعاني و هي فينا من المعاني السفلٰي و هي من المعاني العليا كالشعاع من المنير و تلك العليا هي التعيّن الاول و هو اول مظاهر الذات فافهم اعلم ان الله سبحانه علم المعلومات بعلمه الذي هو ذاته اذ لا شئ غيره بما يمكن في ذواتها و ما يمتنع في رتبة الامكان و هو اذ ذاك عالم و لا معلوم و علمه بها كينونة الذات علي ما هي عليه مما له لذاته بلا اختلاف و لا تكثّر و هو الربوبية اذلامربوب فاقتضت ذواتها بما هي مذكورة به في كل رتبة من مراتب الوجوب و الجواز من الازل الي الحدث الي الابد الذي هو ذلك الازل ما يمكن لها و يمتنع في [ص 94] الامكان في كل رتبة بحسبها من صفة الكينونة التي هي ربوبية تلك الاقتضاءات و تلك الصفة هي نور الكينونة و ظلّها و تلك الاقتضاءات هي سؤال المعلومات ما لها من تلك الصفة التي هي نور الكينونة فحكم لها ثانيا حين سألها بسؤالها بما سألته في كل رتبة بما لها فيها و هذا الحكم هو تلك الصفة التي هي ظل الكينونة و هو الربوبية اذمربوب و بها قام كل مربوب في كل رتبة بحسبها و تلك المعلومات بكل اعتبار لا شئ الا انها لا شئ في الازل بمعني الامتناع الا بما هي شئ في الحدوث بمعني الامكان في الامكان و اما في الامكان فهي شئ بما شاء كما شاء يعني انها شئ بذلك الحكم و هو ظل الكينونة فاعطاها بحكمه و مشيته ما سألته من الوجود و امكن فيها ما اقتضته من الامكان و ان لم‌تقتضه في الوجود فما لم‌تقتض وجوده في الوجود تقتضي وجوده في الامكان و هاتان [ص 95] الرتبتان اقتضاء ما يمكن لها من تلك الصفة المذكورة لانه اذا شاء اقتضت ما في الوجود في الامكان و ما في الامكان في الوجود لان ذلك هو ما لها من تلك الصفة التي هي المشية التي بها الاقتضاء و ذلك حكم الاختيار الربوبي فلم‌تقتض الا ما شاء لان مشيته هي الربوبية اذمربوب و هي صفة الربوبية اذلامربوب كما مرّ و لم‌يشأ الا ما اقتضته من مشيته و تلازمهما في التحقق الظهوري و تقدّم المشية علي الاقتضاء ذاتا كمثل تلازم الفعل و الانفعال في التحقق الظهوري كالكسر و الانكسار ذاتا و ان تساوقا في التحقق الظهوري و تلك الربوبية اذلامربوب التي هي الكينونة كما مرّ علمه بمخلوقاته اولا و صفتها التي هي ظل الكينونة و ظل الربوبية اذلامربوب علمه بمخلوقاته ثانيا قال تعالي اشارة الي الرتبتين و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فما شاء من علمه يحيطون بشئ [ص 96] منه كما شاء فافهم و هذا العلم الذي لايحيطون بشئ منه اي الكينونة هو من علمه بذاته الذي هو ذاته كيدك منك كما في رواية حمران بن اعين عن ابي‌جعفر عليه السلام و كما في رواية هشام بن الحكم عن ابي‌عبدالله عليه السلام و له المثل الاعلي في السموات و الارض و هو العزيز الحكيم سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه .

فصل - اعلم ان الله سبحانه قديم ازلي ابدي في ذاته تعالي و ليس الازل و الابد علي ما يزعمه الجهال انهما ما مضي عليه و ما بقي من عمره نعوذ بالله و لا القديم بمعني الباقي في الازمنة الطويلة فان جميع ذلك من صفات الحادث و الله سبحانه خالق الاوقات و لايمضي عليه شئ منها و قد عرفت سابقا ان الزمان [ص 97] امتداد نسب الصفات و الدهر امتداد نسبتها الي الذات و السرمد امتداد نفس الذات و الله سبحانه خالق الذوات و الصفات فكيف يجري عليه الاوقات فان جميعها بفعله صارت موجودات و الفعل مبدء وجود جميع المفعولات و لايذكر شئ منها قبل مبدئها و الله عز و جل خالق جميع المبادي و المشتقات فلا ذكر للوقت و الموقت به في ذاته و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و ان ابيت الا الجدل اقول لئلاتبقي مرتطما في الوحل و تنجو من الشبهات المهلكة ببركة الله عز و جل ان الوقت الموهوم عين ذاته الاجل او غيرها و لا ثالث بحكم العقل الاول فان قلت بالاول فلا شئ غير الذات و ان قلت بالثاني فهل هو قديم او حادث مثل المخلوقات فان قلت بالاول يلزم تعدد القدماء و ان قلت بالثاني اضحكت من كلامك الثكلي اذ يمتنع اتصاف نفس القديم بالحدوث و ان قلت انه لايكون حادثا و لكن الذات قديمة بهذا القدم اقول [ص 98] الذات مع عدم ملاحظة هذا القدم حادثة او قديمة لاتقدر علي ان تقول انها قديمة اذ قدمها غيرها علي زعمك و لاتقدر علي ان تقول انها حادثة نعوذ بالله من غضب الله فلا شك ان قدمه عين ذاته و ازله و ابده ايضا عين ذاته بل اذا استعمل السرمد له هو ايضا عين ذاته نعم ربما تستعمل هذه الاوصاف في غير مقام الذات الاحدية و يراد منها الاوصاف فيوصف العلم الاول الذي هو الكينونة بالازلية و الابدية و هي ايضا عين الكينونة و العلم و بالجملة فان وصف بها الذات الاحدية جل شأنها يراد منها عين الذات كالعلم و غيره و معني القديم المتقدم للاشياء كلها و قيل ان معناه الموجود لم‌يزل و عن الحسين بن خالد عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام انه قال اعلم علّمك الله الخير ان الله تبارك و تعالي قديم و القدم صفة دلت العاقل علي انه لا شئ قبله و لا شئ معه في ديمومته فقد بان لنا باقرار العامة معجزة الصفة انه لا شئ قبل الله و لا شئ مع الله [ص 99] في بقائه و بطل قول من زعم انه كان قبله او كان معه شئ و ذلك انه لو كان معه شئ في بقائه لم‌يجز ان يكون خالقا له لانه لم‌يزل معه فكيف يكون خالقا لمن لم‌يزل معه و لو كان قبله شئ كان الاول ذلك الشئ لا هذا و كان الاول اولي بان يكون خالقا للثاني ثم وصف نفسه تبارك و تعالي باسماء اذ خلقهم و تعبدهم و ابتلاهم الي ان يدعوه بها الحديث ، فظهر معني القدم من هذا الحديث الشريف و كذلك يظهر منه معني الازل و الابد و الدائم و الباقي فان جميع ذلك من باب واحد بل الاول و الآخر فانه تعالي لايرد عليه التغيّر و التبدل و لايعرضه الاختلاف و التحول و هو باق بربوبيته دائما هذا علي المعني الظاهر الذي يعرفه كل احد و اما حقيقة ذلك علي وجه الحكمة انه تعالي في ذاته احد كما مرّ و يأتي و الاحد المطلق جل شأنه لايحدّ بحدّ مطلقا بوجه من الوجوه من حيث من الحيوث فلا سابق له حتي ينتهي اليه بالمسبوقية و لا لاحق له حتي ينتهي اليه بسابقية و ليس احد معه حتي ينتهي اليه في العرضية بل هو تعالي احاط بوجوده بما كان في الاكوان و ما لم‌يكن مما هو في بحر قدره بالامكان سبق العدم وجوده و الكون شهوده و هو معكم اينما كنتم و هو كما قال هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم يعني هو مع كل شئ من جميع جهاته و قال قل هو الله احد الله الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد ، فمعني قوله انه احد ، انه لا احد سواه و لا شئ عداه و قوله الصمد يعني السيد المصمود اليه او غير محدود في نفسه فان كل اجوف محدود في نفسه و كل اجوف يحتاج الي المدد و الرزق و كل اجوف يمكن ان يمتلي و يستفرغ و هو منزه عن جميع ذلك قوله لم‌يلد اي لايحد بالاصلية لشئ و لم‌يولد اي لايحد بالفرعية و لم‌يكن له كفوا احد اي ليس في عرضه غيره ينسب اليه هو احد من جميع الحيوث و الجهات و الاحد هكذا قديم و سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره و كل محدود من [ص 100] حيث من الحيوث مفقود في غير مقام وجوده و فاقد لما لم‌يصف به فكل معلول فاقد للعلية و كل علة فاقدة للمعلولية و كل اول فاقد الآخرية و كل آخر فاقد للاولية و هو تعالي لايفقد شيئا منها فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

فصل - في حقيقة اتصافه سبحانه بالصفات و الافعال المختلفة ، اعلم انه تعالي احد و الاحد منزّه عن كل اختلاف كما مرّ سابقا و يأتي و لايجري عليه شئ مما هو غير ذاته جل شأنه و قد خلق ما خلق بمشيته و جعل لكل منها صفة او صفات علي حسب صفاء القوابل و غلظها بحسب فعلياتها فان الصفات هي الكمالات المترتبة علي الاشياء بحسب فعليتها فان الاشراق و الاحراق و التفتيت و التصعيد مثلا صفات النار المترتبة علي حرارتها و يبوستها و هكذا ساير الموجودات و كل مادة اصفي و الطف فعليتها اوسع و الصفات المترتبة عليها اكثر و هذه الصفات آثارها و هي مؤثراتها فمن الخلق فاعل و منها مفعول و منها علة و منها معلول و منها سبب و منها مسبب و هكذا فالخلق منشأ هذه الصفات المختلفة و الله من ورائهم محيط فهو اولي بوجوداتها منها فهو اولي بصفاتها منها واقعا حقيقة و ليس ذلك من باب التعارفات الرسمية فان اكثرها كذب و لكنها اولوية حقيقية و نسبتها الي الخلق كنسبة الاعمال الي الايادي فان الله تعالي قال ويل لهم مما كتبت ايديهم و قال و لاتخطه بيمينك مع ان الكتب شأن الروح و هو الكاتب و لذا قال ويل لهم و لم‌يقل ويل لايديهم مع ان الروح لو لم‌يكن له يد لم‌يكن يكتب شيئا و يكسب شيئا و مع ذلك الروح كاسب و كاتب و كذلك نسب الي نفسه افعال عباده و ربما نسبها اليهم فقال مرّة الله يتوفي الانفس حين موتها و قال قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و قال تتوفاهم الملائكة و قال مرّة و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني و تنفخ فيها فتكون طيرا باذني و يقول الله خالق كل شئ و لا شك انه لايخلق احد غير الله و كذلك نسب اليه افعال عباده و نفاها عنهم فقال و مارميت [ص 101] اذ رميت و لكن الله رمي و لم‌تقتلوهم و لكن الله قتلهم و كذلك اسرافيل نافخ الارواح و هو المحيي تعالي و ميكائيل رازق العباد و هو الرزاق ذو القوة المتين و قس علي ذلك ساير الصفات فجميع الصفات الظاهرة في خلقه له و هم مواقعها و الله سبحانه صاحب الصفات نعم في الكون يرجع اليه جميع الصفات الظاهرة في الخلق بل نفوس الخلايق صفاته غاية الامر ان بعض الصفات موصوفة و بعضها اوصاف و هو تعالي المعني بجميعها و اما في الشرع فلاينسب اليه الا بعض هذه الصفات و لاينسب اليه كلها الا ان بالنسبة الي ذاته هكذا فان ذاته تعالي منزهة عن جميع ذلك و لكنه تعالي في التجلي الاجل الاعلي المسمّي بالمكوّن يوصف بجميع ما في الكون فان كل كائن يدل علي المكوّن و باسمه الشارع ينسب اليه ما يخصه من ظهوراته فان للشارع آثارا هي صفاته الشرعية و للمكوّن آثارا هي صفاته و الله من ورائهم محيط ففي الشرع لاينسب اليه الا بعض الصفات كما لايصطفي الا بعض العباد و في الكون جميعها مصطفون اخيار و كل اتوه طائعين و يسبح له ما في السموات و ما في الارض و ان قلت انا نجد في الكون ايضا من الصفات ما لاينسب اليه تعالي كالمفعولات و ما لايليق به من مختصات القابليات اقول اما اولا فذلك في الشرع الوجودي لا الوجود الكوني و سيأتي الفرق بينهما في المبدأ و المعاد ان شاء الله و اما في الكون الصرف فلا اختلاف في الاشياء و جميعها ظهوره تعالي و آيته و لكن كلامنا يجري ايضا في الشرع الوجودي بملاحظة فانا ذكرنا الصفات المختلفة في الفعليات و نسبناها الي خالق البريات و نقول فيها ان الصفات التي ننفيها عن الله تعالي هي المخلوقية و الانفعال و امثال ذلك مما لايليق بالله فنقول انها مخصوصة بالقوابل من حيث طبايعها التي هي علي خلاف كينونة الله و لكن اذا نظرت اليها من حيث ارواحها التي هي من روح الله سبحانه تري جميعها صفاتها لله و فهم حقيقة ذلك مشكل و ابيّن لك ذلك في التمثيل اقول ان الفعل [ص 102] اثر الفاعل الصادر منه و هو صفته لا محالة و هذا الفعل يظهر في بدن الفاعل بالفعلية علي الصرافة الاولية و بعد ما تعدّٰي منه يتعلق بالمفعول به و يظهر فيه بالانفعال كالكسر و الانكسار فان الكسر فعل ذاتك و قد ظهر في بدنك و تعدي منه بقوته و كمالاته و تعلق بمفعول به الذي هو الكأس فانكسر و هذا الكسر الظاهر في بدنك فعلك و لم‌يغيّره قابلية البدن عن صرافة الفعلية الا بقدر ما خصصه في الجملة و بعد ما تجاوز من بدنك تعلق بالكأس فانكسر اي قبل كسرك لا غير فالظاهر منه ايضا فعلك و انت فاعله في الواقع و ما يقال ان الكسر فاعل الانكسار يعني القابل اي المنكسر لا انه موجد الانكسار بل الموجد انت افهم ذلك فانه دقيق ففي الكأس صفتك و هي الكسر تظهر بالانكسار بل انت تظهر من الكأس ايضا الاتري انا نجد من الكأس الكاسر و لو لم‌يكن فيه عكسه لم‌يدل عليه فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الكأس له حيثان حيث ارتباطه بك و اتصاله بيدك و حيث نفسه و للفعل الظاهر منه ايضا حيثان حيث اثرية لك و هي حقيقة الفعل و اصله و حيث قبوله له اي حكايته له فالحيث الاول صفتك و آيتك و ينسب اليك اذ هو فعلك و حيث حكايته هي حيث عبوديته فاذا نظرت الي الانكسار و رأيت روحه و اصله و مأخذه تقول انه كسر و هو صفتك و اثرك و اذا نظرت الي طبع الانكسار وجدت ما يخصّه من القبول يعني هو قابل صفتك و كذلك الامر في هذا الملك فان الله هو الرازق مثلا و عباده مرزوقون و مرزوقيتهم ليس الا من جهة ارتزاقهم من رزق الله تعالي فللمرزوق حيثان حيث رزق و حيث ارتزاق اما الرزق فهو صفة الله و اما الارتزاق فهو قبول صفة الله و كذلك الامر في الخلق و غير ذلك فما لايليق بالله هو حيث قبول الخلق لحكاية صفاته و ما يليق به هو انفس الصفات و وجه آخر ابطن من ذلك ان مقام القابل حيث تعيّن النور و قميص الظهور فان ضاربية الضارب مركبة من فاعل هو نور الفعل المطلق و قابل هو تعيّن الضرب فالفاعل و القابل معا يسمّي ضاربا و هو صفة الشخص [ص 103] و كذلك الامر في صفات الله فافهم ذلك و اغتنم و اعلم ان نفوس الصفات معاني الله تعالي و مواقعها ابواب الله فان الباب من يحكي صفة ذي الباب و الذي هو يجمع جميع الابواب و يحكي كل المعاني هو الامام المبين فاذا نظرت في الملك الكوني تقول ان مجموع الملك امام مبين و اذا نظرت الي الاشخاص الجامعين فالائمة الطيبون هم الائمة المبيّنون و الله من ورائهم محيط و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و بالجملة فالصفات الظاهرة في الخلق كلها من حيث هي صفات الله جل شأنه و سبب اختلافها و تعدّدها ظهورها من الخلق و الا فلا اختلاف من عند الله و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و اعلم ان الصفات الظاهرة من الخلق منشأ آثار مختلفة و من عرف حقايقها يقتدر علي تأثيرات عجيبة و بعد الائمة الاطهار و الانبياء الاخيار صلوات الله عليهم لايعلمها الا النقباء و النجباء الكاملون و لذلك يؤثرون في الملك و كليات الصفات تبلغ سبعة و عشرين بعدد كليات مراتب الملك فمن العقل يظهر اسمه البديع و من النفس الباعث و من الطبع الباطن و من جوهر الهباء الآخر و من شكل الكل الظاهر و من الجسم الحكيم و من العرش المحيط و من الكرسي الشكور و من فلك البروج الغني و من فلك المنازل المقتدر و من الزحل الربّ و من المشتري العليم و من المريخ القاهر و من الشمس النور و من الزهرة المصوّر و من العطارد المحصي و من القمر المبين و من النار القابض و من الهواء الحي و من الماء المحيي و من التراب المميت و من الجماد و المعدن العزيز و من النبات الرزّاق و من الحيوان المذلّ و من الملك القوي و من الجن اللطيف و من الانسان الجامع ، فهذه اسماء كلية من عرف مواقعها بلغ قرار المعرفة و من اطلع عليها علي الواقع يتصرف بها فيما يشاء و هي اصول جميع الصفات فان مواقعها مجموع عرصة الاكوان و ساير الصفات التسعة و تسعين بل غيرها من الاسماء و الصفات تظهر من جزئيات الاكوان فان مجموع [ص 104] الانسان مثلا يحكي اسم الجامع و كل فرد من افراد الاناسي لهم اسماء و صفات هي صفاته تعالي و هكذا فافهم ذلك فانه اصل من اصول الحكمة .