وصل - ان شئت ان تعرف ربك فانظر الي هذا الكلام الذي ارويه عن شيخي القمقام و سيدي العلام ابي اعلم علماء الايام و فخر الانام اعلي الله له المقام ، قال بعد ما نبّه بارادته انه يريد تعريف ربه تدبر في سكين و مسمار مثلا و تفكر هل هما من حديد ام لا و الحديد معدوم من ملك الله او موجود فيه و ان كان موجودا هل هو السكين فما المسمار او هو المسمار فما السكين او هما جميعا و هما اثنان يقينا او شئ فوقهما احدي فان كان شيئا فوقهما احديا فتفكر فيه و في الذهب او ساير المعادن و تعرف المعدني فاذا عرفت المعدني مثلا تفكر فيه و في الجبل مثلا و تعرف الجسم الطبيعي فاذا وجدته تفكر فيه و في السماء و تعرف الجسم المطلق و هكذا تفكر في كل شئ مع قسيمه و تعرف المطلق الظاهر بهما الي ان تصل الي اول المطلقات الذي هو الوجود المقيد بالاطلاق اي بشرط لا ثم تعرف اللابشرط اي الآية المعبّر عنها بالوجود الحق و هو الاحد البسيط الظاهر به و باطلاقه و كلما عرضك في نظرك و سيرك اضافة او ربط او صفة او اشارة خفية او توهم امحه بملاحظة الظاهر الاعلي حتي لم‌يبق لك شئ مما يمكن [ص 51] ان يميز او يشار اليه و تجد مع ذلك طمطاما لايساحل و يما لايساجل و ذاتا احدية لاتثني و لاتجزأ و لاتوصف و لايشار اليها و لاينسب اليها و لاتنسب الي شئ و لايرتبط بها شئ و لاترتبط بشئ و لايشبهها شئ و لاتشبه شيئا و هكذا تجده كما نعتت لايخالفه حرفا فح ينكشف لك سبحات الجلال من غير اشارة و يمحي الموهوم و يصحي المعلوم و تجذب الاحدية صفة التوحيد و يهتك الستر لغلبة السرّ فان وصلت الي مقام لم‌تر شيئا غيره فقد وصلت اليه و الا فانت مغمور في تلاطم امواج يم الاوصاف و تراكم سحايب مكفهرات الاتصاف محجوب بحجب الميز و الظهورات مطرود بأسهم الحدود و الاشارات كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار ، سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق أولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد يعني موجود في غيبتك و حضرتك ، الا انهم في مرية من لقاء ربهم ، الا انه بكل شئ محيط ، متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك ، الي آخر كلامه علا مقامه و لعمري لو ضربت آباط الابل دهرا لاتري اوضح و اجمع من هذه العبارات و ان عرفتها تعرف جميع ما يقال في التوحيد و الا فلا و يكفي هذا القدر من البيانات في توحيد الذات و كلما اكثرنا من البيان نقع في الصفات و لذا امرنا بالامساك اذا انتهي الكلام الي الله .

المقام الثاني

في توحيد الصفات و شرح ما يلزم من الآيات و العلامات و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الصفة ربما تستعمل بمعني النعت و هو الوصف بما فيه من حسن و يقال الصفة انما هي بالحال المنتقلة و النعت بما كان في خلق او خلق و هي عند النحويين النعت و هو اسم الفاعل و المفعول و ما يرجع اليهما و الصفة ايضا و الاسم سواء هذا في اللغة و اما في اصطلاح العامة يومنا هذا الصفة اعمّ من الاوصاف الجميلة و القبيحة و في اصطلاح المتكلمين كما في المحكي [ص 52] عنهم الوصف كلام الواصف و الصفة هي المعني القائم بذات الموصوف انتهي ، و المراد من صفاته تعالي كمالاته و الاسم منها كما قال مولانا الرضا عليه السلام الاسم صفة لموصوف ، و حقيقة اثبات الصفات له سبحانه من المسائل الصعبة و لما كان مرادنا اثبات المسائل الكلية لا بد لنا من بيانها فاعلم ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد لايوصف بشئ اذ الوصف كائنا ما كان غير الذات البحت و ان كان كمالا و غير الذات لايجتمع معه ابدا ، كذب العادلون بالله و ضلّوا ضلالا مبينا ، فالاحد بنفسه هو هو منزه عن كل صفة حتي تنزهه ليس صفة له و لكنه بيان عن حقيقة الاحدية و محض تعبير للتفهيم و قد كان سبحانه قبل ان يكون كان كما يكون الآن فكونه بانه هو هو لا بكون كالاكوان و قبليته غير محدودة بالسبق اذ هو من الامكان بل هي عين البعدية اذ ليست بالزمان و الحاصل انها تعبير عن احاطته بجميع الاوان كقولنا انه في كل مكان اذ لايحويه مكان و لكنه محيط بكل ما يكون و كان و ليس معه شئ بوجه من الوجوه لا في الخارج و لا في الاذهان تعالي ربّنا و تقدس و استغفره من سوء البيان و قد احاط سبحانه بانواره التي صدرت منه لا بصدور و استضاءت لا كاستضاءة شعاع من ذي نور بل بلا كيفية مما يتكيف به الخلايق فانه لايجري مما منها علي الخالق قال مولانا الرضا عليه سلام الله لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال ان السراج يضيء فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به و ليست لانواره تعالي مبدأ و منتهي بمعني انه لا اول لها و لا آخر و لم‌يكن وقت من الاوقات و لا دهر من الدهور و لم‌تكن موجودة فاوجدت بعد نعوذ بالله بل هي ابدية ازلية قديمة لا بقدم الذات بل بمعني دوام وجود الصفات فان من المحال ان يكون منير بلا نور جل و علا عن ذلك لااقول انه من طبعه وجود الانوار جلّ عن ذلك فان الطبع بمعني الصورة و الصورة [ص 53] بالمادة و هو تعالي عن ذلك و سبحان ربك رب العزة عما يصفون بل الانوار خلقه بلا كيف اذ الكيف عرض من الاعراض و الله سبحانه لايعرضه كيف و فعله ايضا ذات و لايعرضها كيف بل لايسأل عما يفعل مطلقا اذ وجوه السؤالات تنحصر في الاعراض و هو تعالي منزه عن كلها و لايجري شئ منها علي فعله اذ هو سابق علي جميعها و بالجملة فهذه الانوار دائمة و لانعرف من حدوثها الا ان الله سبحانه قد احاط بها و اعدمها بوجوده فلايري فيها سواه و لايسمع منها غير صوته و معني الاحاطة كون وجوداتها برُمّتها له تعالي فافهم ذلك ، فمنتهي حظنا من معرفة حدوث الصفات اي هذه الانوار انها نور منير و قدرة قدير و الله سبحانه يحكي لنفسه بنفسه عن نفسه و هذه تحكي بربها لربها عن ربها و هذه الانوار صفات الله جل شأنه و هي منبثة من اعلي الملك الي اسفله بل كل شئ من حيث الآئية وصف لله فان جميع الملك من حيث الملكية ملك و من حيث الآئية وصف و اما سرّ انتسابها الي الله سبحانه فعلم مشكل جدّا و انا اشير الي ذلك بانا نجدها منطوية تحت احدية الاحد جل شأنه فنعرف انها له و الا فلا نسبة في الخارج و لا في الذهن و قد عرفت ان الاعراض التسعة لايجري شئ منها علي الله و منها الملك و الاضافة و هو منزه عن جميع ما يجوز للخلق .

فصل - اعلم ان بعض القشريين قسموا الموجودات الي ذات و صفة فقالوا في تعريفها انه كلما يكون جوهرا و قائما بنفسه ذات و كلما يكون عرضا و قائما بغيره وصف و كل لفظ يدل علي الذات بلا اعتبار صفة من الصفات يسمّي بالاسم كرجل و زيد و كل لفظ يدل علي الذات باعتبار اتصافها بصفة من الصفات يسمّي صفة و قسموا الصفة يعني صفة الله الي سلبية و ثبوتية و قالوا ان له صفات سلبية يعني صفات يعتبر في مفهومها السلب و هي امور يمتنع نسبتها الي الله جل شأنه و يجب سلبها عنه تعالي و اثبتوا له تعالي صفات ثبوتية و ارادوا منها [ص 54] ما يجب اتصافه تعالي بها و قالوا ان كل لفظ يدل علي الصفة بدون ملاحظة الذات بالنسبة الي الله يسمي صفة كالعلم و القدرة و لاتسمي هذه الالفاظ بالنسبة الي الغير صفة بل معانيها صفات في مقابلة الذات و كل لفظ يدل علي الذات باعتبار الصفة يعني ما كان يسمّي بالنسبة الي غير الله تعالي صفة بالنسبة اليه يسمّي اسما كالعالم و القادر و نحوهما ، قال الآخوند رحمه الله الصفة اما ايجابية ثبوتية و اما سلبية تقديسية و قد عبّر الكتاب عن هاتين بقوله تبارك اسم ربك ذي الجلال و الاكرام فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير و صفة الاكرام ما تكرمت ذاته بها و تجملت و الاولي سلوب عن النقايص و الاعدام و جميعها يرجع الي سلب واحد هو سلب الامكان عنه تعالي و الثانية تنقسم الي حقيقية كالعلم و الحيوة و اضافية كالخالقية و الرازقية و التقدم و العلية و جميع الحقيقيات يرجع الي وجوب الوجود اعني الوجود المتأكد و جميع الاضافيات ترجع الي اضافة واحدة هي اضافة القيومية و بعض منهم قد قسمها الي حقيقية محضة و حقيقية ذات اضافة و اضافية محضة فالاولي ما لا اضافة فيها لا في المفهوم و لا في الظاهر لا باللازمية و لا بالملزومية كالحيوة و العلم اي علم الذات بالذات و محبتها بها و الثانية ما تكون صاحبة الاضافة و ان لم‌تكن اضافة يعني يلزمها اضافة كالقدرة و العلم بغير الذات و الثالثة نفس الاضافات كالخالقية و الرازقية و المبدعية و امثالها و قسموها ايضا الي اللطفية و القهرية كالمغفرة و الانتقام و قسموها ايضا الي تنزيهية و تشبيهية فالاولي ما ليس مثله فيما سواه او يكون آيتها في القدسيين كالوحدة و البساطة و الثانية ما يري آيته في الماديات كالسميع و البصير و صفات الجلال و الجمال ظاهرة و عدّوا صفات الجمال التي هي الثبوتية ثمانية و هي الحي و القادر و العالم و المريد و المتكلم و المدرك و القديم و الصادق و السلبية سبعة و هي المركب و الجسم و المحلية للحوادث و المرئي بالبصر و الشريك و المعاني و الاحوال و هما واحد و الحاجة ، هذا غاية تحقيقهم [ص 55] في توصيف الله تعالي و تري ان مرجع الاثباتات و اغلب التقسيمات الي الكثرة و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و هو سبحانه احد لاتقع الاوهام له علي صفة و لاتعقد القلوب منه علي كيفية و لاتناله التجزية و التبعيض و من وصفه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه و من ثنّاه فقد جزّاه و من جزّاه فقد جهله و من جهله فقد اشار اليه و من اشار اليه فقد حدّه و من حدّه فقد عدّه و تعالي الله عما يصفون .

فصل - في بيان الحق في المقام ، اعلم ان الله ذات احدية و الاحد امتناع جميع الخلق و كلما يقع عليه اسم شئ او صفة مخلوق و ما عبّرت الالسن عنه او عملت الايدي فيه جميعه مخلوق و الله غاية من غاياه و المغيي غير الغاية و الغاية موصوفة و كل موصوف مصنوع و صانع الاشياء غير موصوف بحدّ مسمّي لم‌يتكوّن فتعرف كينونته بصنع غيره و لم‌يتناه الي غاية الا كانت غيره و لايزل من فهم هذا الحكم ابدا و من زعم انه يعرف الله بحجاب او بصورة او بمثال فهو مشرك لان الحجاب و المثال و الصورة غيره و انما هو واحد موحد و لايجري عليه شئ مما اجراه فهو منزه عن جميع ما يعقل او يوهم واحدا كان او متكثرا و توصيفه بالصفات تجليه لها بها و تنزيهه عنها امتناعه عنها بها فاذا سلبنا عنه صفات ليس للسلوب في ذاته مصداق سلبي مطلق او مقيد بل هو تعالي احدي المعني و نعبّر عن ذلك مرّة بسلب ما لايليق بالاحد و ما قال الآخوند ان مرجع جميع السلوب الي سلب واحد الي آخر ، ان كان يريد ان معني سلب الامكان في ذاته فخطاء و ان اراد ان بسلب الامكان يسلب عنه الصفات السلبية فلايخص ذلك بالسلوب المعروفة بل جميع ما يجوز في الحادث يمتنع من الازل و منها ساير الصفات المذكورة و كمال التوحيد نفي جميع الصفات عنه و بالجملة لست بصدد بيان مفاسد الاقوال فان العمر اعز من ذكر القيل [ص 56] و القال هذا و لاتزعم انك اذا سلبت عنه صفة يكون ذلك صفة سلبية له فذاته موصوفة بسلب صفة عنه فان ذلك خطاء و الاحد منزّه عن ذلك و ان غيوره تحديد لما سواه فان معني قولك انه ليس بجسم يعني ان الجسم محدود و كل محدود متنقص لا انك وصفت الذات بالسلب ففي نفس الامر هو صفة للجسم لكونه مسلوبا عن صفات القديم الفعلية فضلا من الصفات الذاتية فالنفي صفة المنفي و اما الصفات الثبوتية فهي علي الحق كمالات و انوار في عرصة الخلق و لها مواقع منها و كلها ينسب اليه و لا نسبة بمعني طيّه لها لا انها في ذاته تعالي و من باب تفهيم العوام ربما يتكلم الحكيم علي قدر فهمهم و يثبت له صفات ذاتية كما قال الامام علي بن موسي الرضا عليهما السلام في حديث قل للعباسي يكفّ عن الكلام في التوحيد و غيره و يكلم الناس بما يعرفون و يكفّ عما ينكرون و اذا سألوك عن التوحيد فقل كما قال الله عز و جل قل هو الله احد الله الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد و اذا سألوك عن الكيفية فقل كما قال الله عز و جل ليس كمثله شئ و اذا سألوك عن السمع فقل كما قال الله عز و جل و هو السميع العليم كلّم الناس بما يعرفون و عنه عليه السلام اسماؤه تعبير و افعاله تفهيم ، و مشايخي اعلي الله مقامهم رووا صفاته تفهيم و علي ايّ حال المرجع واحد و هو ان ذاته تعالي منزهة عن جميع الصفات و تعبير الحكيم لتفهيم الناس و يتدارك قوله كما فعل الامام ابوعبدالله عليه السلام قال لم‌يزل الله جل و عز ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور و سمع مولانا الرضا عليه السلام يقول لم‌يزل الله تبارك و تعالي عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا فقيل له يا ابن رسول الله ان قوما يقولون انه عز و جل لم‌يزل عالما بعلم و قادرا بقدرة و حيّا بحيوة و قديما بقدم و سميعا بسمع و بصيرا ببصر فقال عليه السلام من قال بذلك و دان به فقد اتخذ [ص 57] مع الله آلهة اخري و ليس من ولايتنا علي شئ ثم قال عليه السلام لم‌يزل الله عز و جل عالما قادرا حيا قديما سميعا بصيرا لذاته تعالي عما يقول المشركون و المشبهون علوا كبيرا انتهي ، فذاته تعالي منزهة عن الصفات و لفهم الناس وصفوها بهذه الكمالات و لكن كشفوا النقاب عن وجه المسألة بقولهم ان معني جميع الاسماء مع تفاوتها هو الله تعالي فالعالم هو الله و القادر هو هو و الحي هو هو و كذلك ساير الصفات و ليس معني ذلك ان الذات متعددة نعوذ بالله بل هي واحدة احدية و من وصف الله بالتعدد فغيره وصف و من عرفه بالتثليث و التسديس و التربيع فغيره عرف و من عرفه بالاحدية و وصفه و عرفه بها وقف علي الحق فمع ان معاني هذه الصفات هو الله جل شأنه هو واحد نعم التعبيرات مختلفة في حروف هجائها و كيفية تراكيبها و مفاهيمها و لكن المعني بالكل هو الاحد و ليس اختلافها و تعددها باختلاف حيوث و جهات تلاحظ في ذاته بل الكل من حيث احديته التي هي عين وجوده جل شأنه نعم ظهوراته متكثرة بلا نهاية و التعدد في عرصة الصفات لايدل علي تعدد الذات بل هي خلقه و تكثّر الخلق يدل علي احدية الخالق لا اثنينيته و قد اراك الله آية ذلك في نفسك فان جميع ما تحتاج اليه من امر التوحيد ينبغي لك ان تراجع في معرفته فيها الاتري انه صلي الله عليه و آله قد اطلق القول و قال من عرف نفسه فقد عرف ربه ، انظر بذاتك الي ذاتك تراها احدية بالاضافة الي ما دونها لا اختلاف فيها و هي عين وجودك و وجودك عينها و قد تبرأت عن جميع الصفات فانها لاتوصف في ذاتها بصفة من الصفات و لاتحدّ بحد من الحدود مع انك تصفها بصفات مختلفة هي في مقام ظهوراتها مختلفة في اللفظ و المفهوم و المعني فان المعني بجميعها و ان كنت انت لا غير و انت واحد و لكن في عرصة ظهوراتك مواقعها متفاوتة فان حيوتك بروحك و علمك بعالمتك و عقلك بعاقلتك كما ان مشيك برجليك و بطشك بيديك فتوصف بهذه الصفات المختلفة في هذه [ص 58] العرصة و معانيها متفاوتة اذ ظهوراتك في مواقعها متفاوتة و اما ان وصفنا ذاتك بهذه الصفات فلاتلاحظ فيها الحيوث و الجهات فان ذاتك كلها حيث واحد و جهة واحدة بلا اختلاف فهي حية بعين ما به موجودة ، موجودة بعين ما به عالمة ، انظر في ذاتك تجد ذلك علانية و تلك آية ربك جل شأنه و كذلك هو بلا تشبيه اذ ليس كمثله شئ فان ما في ذاتك نسبي يعني هي تكون هكذا بالنسبة الي ظهوراتها و اما هي في نفسها فظهور لما فوقها و نسبتها الي ساير ما في عرضها كنسبة ظهوراتك بعضها الي بعض فافهم و تدبر و اعلم ان ما ذكرته فيما اذا اردت اثبات صفات للذات و اقول ما قلت لمحض المداراة و الا فاقول ان جميع الصفات تثبت له تعالي في عرصة المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان التي قد اشار اليها مولانا صاحب‌الزمان و الا فذات الله تعالي اجلّ من ان توصف بصفة او تعلم بعلامة بل لاتوجد في ذاته تعالي مباديها و معانيها بوجه من الوجوه التي زبرها الحكماء و المتكلمون بل لاتنسب في الحقيقة اليه تعالي بوجه من الوجوه و ما تري من النسب في الظاهر فمن باب ما يري من نوره سبحانه المعبّر عنه بالظهور و قد اراك آية ذلك في الآفاق و الانفس انظر الي الجسم اللابشرط فانه نور الله جل شأنه في هذا الملك و قد تنزّه عن صفات جميع ظهوراته اذ هو مطلق عن جميع قيودها فلايوصف بصفة شئ منها لا بالنفي و لا بالاثبات اذ جميع صفاتها حدود و قيود و هو مرتفع عن جميعها و من وصفه بها لم‌يعرفه فهو لايوصف بالعرشية و لا بالكرسية و لا بالشمسية و لا بالقمرية و لا بما يخصّها من صفاتها و افعالها اذ جميعها لازمة الحدود المعينة لاتجاوزها بل لاتصل الي موادّها القريبة منها فكيف تلحق بالمطلق المؤثر لها فالجسم لايكون عرشا و لا ارضا و لا رفيعا في مثل العرش و لا وضيعا في مثل الارض و لكن مع هذا القدس و التنزه ينسب اليه العرشية و ما لها و الارضية و ما يخصها فالعرش جسم و الجسم محيط رفيع فيه و الارض جسم و الجسم بسيط فيها و ذلك [ص 59] من باب مشاهدة الظاهر بظهوره في المظهر و هي و ان كانت متعددة في المخبر الا انها واحدة في الواقع فانت اذا نظرت الي العرش بالعين الجسماني الذي اودع فيك و شاهدت جسمانيته التي هي ظهور الجسم تصفه به فيه و تنزهه بذاته عنه و كذلك ذاتك منزهة عن قيامك و قعودك و لذلك نقول انك لاتقوم بذاتك و لاتقعد اذ لايعرضها شئ غيرها و لكن القيام و القعود و غيرها صفات تتعلق بمحالها و تنسب الي الذات بسبب ظهورها فيها فمرجع جميع الصفات هي ظاهرك و ظاهر الجسم و اذا كان الامر في هاتين الآيتين هكذا فكذلك الامر في صفات الله و وجه انتسابها اليه تعالي فذاته تعالي منزهة عن كل صفة و للصفات محالّ و مواقع و ذاته تعالي لاتتحد بها و لاتنفصل عنها بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و بظهورها منها بلا كيف تنسب اليها و بامتناعها منها تسلب عنها فعلي ما ذكرناه و بيّنّاه لا وجه لتخصيص بعض الصفات بالثبوتية او السلبية فان جميع الصفات تسلب عنه تعالي و قد قال الله تعالي سبحان الله عما يصفون و قال سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قال اميرالمؤمنين عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الحديث ، ثم انا نقول لهم لمَ خصصتم الصفات الثبوتية بما ذكرتم و السلبية بما عددتم و الاحسن لي ان ابيّن قول مولاي و سيدي في المقام فان الرواية عنه اقرب من المرام و اذكر لقوله فصلا مخصوصا .

فصل - قال اعلي الله مقامه : قد شاع و ذاع حتي ملأ الاصقاع ان لله سبحانه صفات ثبوتية و صفات سلبية فاتبع الخلف منهم السلف من غير ان يتفكروا في المسألة و يعضّوا عليها بضرس قاطع و علّموا الصبيان في المكاتب و النساء علي المناصب و جعلوها من بديهيات المذهب و نشأوا عليها تقليدا من غير رويّة فاحببت ان اذكر هنا ما لعل الله يزيل به تلك الشبهات العامية عن [ص 60] اذهانهم و يردهم الي الحق الذي نزل به الكتب و جاء به الرسل صلوات الله عليهم اجمعين اعلم انهم قد ذكروا ان لله سبحانه صفات ثبوتية بعد استقرارهم علي ان الصفات عين الذات و قالوا هي القادر و العالم و الحي و المريد و المدرك و القديم و المتكلم و الصادق فعنونوا هذه الصفات و تكلموا فيها بما لا مزيد عليه و نحن نسألهم ان المراد بهذه الصفات الصفات الذاتية او الفعلية فان كان المراد الصفات الذاتية فلمَ تعدّون فيها المريد و المدرك و المتكلم فانها بنصوص الكتاب و السنة و صريح العقل القاطع من صفات الفعل هب لمَ تركتم ساير الصفات الذاتية التي قد وصف الله نفسه بها في كتابه و وصفه حججه في سنّتهم و يشهد العقل القاطع بانها من صفات الذات كالسميع و البصير و السلطان و الولي و الرب و الغالب و القاهر و امثال ذلك مما لايجوز عن الله سبحانه نفيه بحال من الاحوال و هو الفارق بين صفات الذات و صفات الافعال عند آل‌محمد عليهم السلام و ان كان المراد الصفات الفعلية فلمَ عددتم فيها القادر و العالم و الحي فانها من صفات الذات بالاتفاق هب لمَ اقتصرتم علي هذه المذكورات و صفات الفعل خارجة عن حد الاحصاء كالخالق الرازق المحيي المميت المنعم المنتقم الي غير ذلك مما ورد به الكتاب و السنة و ان اردتم الكليات فكان العالم القادر يكفيان فان العالم القادر حي ليس بميت و القادر مريد مدرك متكلم صادق بل كان يكفي عن جميع ذلك القديم فان القديم ما يجوز فيه يجب و لايكون القديم الا الجامع لجميع الكمالات فما المخصص لذكر هذه الصفات و ان اردتم ذكر ما وقع التشاجر فيه فاعظم ما وقع التشاجر فيه العدل و تركتموه و لا نزاع في قدمه و قدرته و ذكرتموه و ان اردتم ذكر الجزئيات فهي اكثر من ان تحصٰي و ان اردتم الاسماء الحسني التي هي اشرف الاسماء فهي تسعة و تسعون و ان اردتم كليات صفات الذات و صفات الافعال فلمَ ذكرتم المدرك و المتكلم و الصادق و الحي فما الذي عنيتم بهذه الاسماء دون غيرها هل من مجيب يجيبني و هل من رادّ يردني [ص 61] و هل من معترض يعترض عليَّ فتدبر رحمك الله و اخلع عن رقبتك ربقة التقليد و انظر في المسألة ببصر حديد و تفكر فيها برأي سديد انّ في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد ثم ذكروا ان صفات اخر تُسلب عن الله سبحانه و هي المركب و الجسم و المرئي و المحل و الشريك و المعنوية و ان يكون له خالق فتفكر فيما سلبوه عن الله سبحانه و خصّوه بالذكر هل هي كليات ما يسلب عن الله او جزئياته فان كانت هي الكليات فكان يكتفي بالمركب فان ما سوي الاحد مثني و لايجري عليه التثنية لانه احد و ان ارادوا كليات العوالم فلمَ لم‌يسلبوا عنه كلية الحقائق و الصور المجردة عن المادة و الصورة و الكلية الطبيعية و المادية و المقدارية و ان ارادوا الجزئيات فما يسلب عن الله سبحانه بقدر ذرّات الموجودات اذ لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه فيسلب عنه جميع ما كان و ما يكون الي يوم القيمة ليس كمثله شئ و هو السميع البصير ، فاين ساير ما يسلب عن الله سبحانه .

فصل - ما اغفل من قسّم الصفات الي تنزيهية و تشبيهية فنقول لهم هل تريدون من الصفات التشبيهية الصفات الذاتية فيلزم من ذلك كون الخلق شبيها بالخالق نعوذ بالله من قبح الزلل و به نستعين و ان اردتم منها الصفات الفعلية فيلزم مثل الاول مع انه يلزم ان يكون الله مشاركا لخلقه و خلقه مشاركا معه في معني من المعاني و يلزم ان يكون الرب في عرض خلقه و خلقه في عرضه و ان اردتم اتصاف الخلق بآية مااتصف به الخالق فلايلزم من ذلك التشبيه و يلزم من ذلك علي فرض صدق اسم التشبيه كون جميع الصفات تشبيهية نعوذ بالله فان آية الجميع تري في الخلق باختلاف درجاتهم الاتري ان القدس و التنزّه ظاهران من المطلقات و المجردات و مع ذلك لم‌يسمّوهما تشبيهية و من العجب تجويزهم وجود الصفات التنزيهية في القدسيين مع انهم مخلوقون و يستشم من هذا التحقيق بعض الروايح القبيحة ان كان لك شامّة و اما نحن فنقول ان الله [ص 62] سبحانه بذاته لايسمّي باسم و لايوصف بوصف و لايجري عليه شئ مطلقا بل هو هو وحده وحده و اما اسماؤه و صفاته فقد اختارها الله لنفسه لعلل و معانٍ لايجري شئ منها علي خلقه و ان رأيت اسما من الاسماء يسمّي به الخلق ليس ذلك بسبب معني يشرك فيه الخلق و الخالق نعوذ بالله فالله سميع و انت سميع و ليس سميعيتك في معني سميعيته بل هو تعالي سميع بمعني اطلاعه علي المسموعات من مواقع سميعيته و انت سميع بمعني قرع الاجسام المتكملة بالاصوات لعصبة اذنك و تهيأ روحك البخاري بهيئة الصوت كساير الاجسام و بينهما فرق كثير فلست شريكه الا في محض الاسم الظاهر و ذلك لايكون سبب المشابهة انظر الي ما افاد مولانا ابوالحسن الرضا عليه السلام في حديث قال روحي فداه : ثم وصف نفسه تبارك و تعالي باسماء دعا الخلق اذ خلقهم و تعبدهم و ابتلاهم الي ان يدعوه بها فسمّي نفسه سميعا بصيرا قادرا قاهرا حيّا قيّوما ظاهرا باطنا لطيفا خبيرا قويا عزيزا حكيما عليما و ما اشبه هذه الاسماء فلما رأي ذلك من اسمائه الغالون المكذبون و قد سمعونا نحدّث عن الله انه لا شئ مثله و لا شئ من الخلق في حاله قالوا اخبرونا اذ زعمتم انه لا مثل لله و لا شبه له كيف شاركتموه في اسمائه الحسني فتسميتم بجميعها فان في ذلك دليلا علي انكم مثله في حالاته كلها او في بعضها دون بعض اذ قد جمعتكم الاسماء الطيبة قيل لهم ان الله تبارك و تعالي الزم العباد اسماءا من اسمائه علي اختلاف المعاني و ذلك كما يجمع الاسم الواحد معنيين مختلفين و الدليل علي ذلك قول الناس الجايز عندهم السايغ و هو الذي خاطب الله عز و جل به الخلق فكلّمهم بما يعقلون ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيّعوا و قد يقال للرجل كلب و حمار و ثور و سكرة و علقمة و اسد كل ذلك علي خلافه لانه لم‌تقع الاسماء علي معانيها التي كانت بنيت عليها لان الانسان ليس باَسد و لا كلب فافهم ذلك رحمك الله انتهي ، انظر كيف بيّن عليه السلام و شرح [ص 63] المطلب فظهر من ذلك ان اصل معني سمعنا غير سمعه و معني بصرنا غير بصره فاين التشبيه نعوذ بالله و لكن جميع هذه الاخبار و البيانات لمحض المداراة و لما ان استعدّ الزمان في الجملة نقول ان الاحد منزّه عن كل حدّ فلايقوم في مقام و يحيط بجميع خلقه بلا كلام ذواتهم و صفاتهم كينوناتهم و امكاناتهم عللهم و معلولاتهم فانه كما ينفي عنه الاين ينفي عنه متي و كذلك الكيف و الوضع و الجهة و غير ذلك من الاعراض و الجواهر و اذ كان خارجا عن الحدود فيكون محيطا بها و معني الاحاطة احديته مطلقا في ذاته و صفاته و افعاله و معني ذلك انه لا ذات لغيره و لا صفة و لا فعل انظر فيك ،

دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر

و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر

في ملك بدنك انت الذات و لا ذات لغيرك اعرف ذلك فانه من المعضلات و لايظهر الا بعد كشف السبحات و لا موصوف غيرك و ان تعددت مواقع الصفات افهم المعميات فان الاحدية جذبت الكل لغلبة التوحيد و هتكت الستر لغلبة سرّ التفريد و لا فاعل في وجودك غيرك و الكل آلات و ادوات فانصف في نفسك هل يشرك الذات الاداة او هل يشبه المنظرة العين في المحسوسات ايهات ايهات من‌ذا الذي يعرف هذه المقامات قال مولانا رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله عز و جل عند لسان كل قايل و يد كل باسط ، فهذا القائل لايستطيع ان يقول الا ما شاء الله و هذا الباسط لايستطيع ان يبسط يده الا بما شاء الله و قال مولانا الصادق عليه السلام لايدرك مخلوق شيئا الا بالله و لاتدرك معرفة الله الا بالله و الله خلو من خلقه و خلقه خلو منه انتهي ، و يكفي هذا البيان لمن له عينان .

فصل - ما قالوا في تثليث الصفات غير سديد مع انهم بنوا اقوالهم علي مذاهبهم و بناؤنا علي صرف التقليد عن ساداتنا فاقول ان الله ذات احدية لاتوصف [ص 64] بصفة قولا فصلا و صفاته و اسماؤه مخلوقاته و ظواهره في ملكه و هذه قاعدة كلية احفظها في كل مقام و اذ كانت في ملكه فلها اربع مراتب كلية اوليها لاتعدّ من الصفات و الثلثة منها فان مقامات مواقع الصفات كونا و شرعا اربعة : الاول مقام الذات الظاهرة و هي جهة الآثار الي المؤثر و عينه فيها و نفسها التي بها تعرف ربها اذا كشفت عن سبحات انيتها بعدم الالتفات اليها كما فطرت عليها يوم خلقها و العجب من الخلق اذ تركوا الفطرة و زعموها مشكلة و تمسّكوا بما هو خلاف الخلقة و جعلوها طبيعة و لا لوم لهم اذ سلكنا مسلكهم يوم جهلنا فان الامر عظيم و الخطب جسيم و الخطر جليل و الناجي قليل و الحمد لله الذي هدانا الي سواء السبيل و بالجملة للمؤثر آية في الآثار و نور يظهر منها بلا غبار من غير حاجة الي مظهر من الاغيار اذ لم‌يغب عنها حتي تحتاج الي دليل منها و غير النور كله ظلمة فاذا لم‌يدل بنفسه عليه كيف يدل عليه ظلمة عميت عين لاتراه مع انه هو العلي حيث ما يبتغي يوجد و من لم‌يجده لم‌يعرفه و الا فهو موجود اذ هو غير محدود اذ هو ظاهر الرب الودود و كينونته التي هي اصل الكون و الوجود انظر اذا احتجت الي المثال لما ابتليت به من اسوء الاحوال بفقدك ربك المتعال الي السراج المشتعل عندك بالنار الغيبية فان ظاهره انوار ظاهرة علي الادخنة العنصرية متكثرة بالحدود العرضية و غيبه نار جوهرية فاذا صعدت حدّ الدخان المتخذ من عناصر الزمان تري الآثار تتلألأ بخفقان كما شاهد من روحه سيد الانس و الجان و ذلك شأن كل اثر بالنسبة الي مؤثره عند اهل العيان لا الجاهل مثل الحيوان و اذا دققت النظر و ادمت الفكر و غضضت البصر عن اثرية الاثر لم‌تر الا النار و هي هي الاصل عيانا و وجدانا و ان لم‌تكن هي هي في الكلية و الاحاطة و كذلك الامر في المقام فان جميع الخلق آثار و نور الله فيها كينونة الجبّار الظاهرة منها بهتك الاستار و محو كل موهوم في النظر و الاخبار و هذه لاتسمّي باسم و لاتوصف بوصف [ص 65] اذ هي وصف الله و الله غير موصوف فهو غير موصوف قال ابوعبدالله عليه السلام في صفته تعالي توحّد بالربوبية و وصف نفسه بغير محدودية ، و الثلثة الاخر في مقام الاثر اذ له ثلث مقامات مبدأ و منتهي و وسط اما المبدأ فهو جهة تنزهه اذ هي مبدأ صدوره من المؤثر و الثاني مقام اتصافه بالكمال و حكاية الجلال و الثالث مقام تعلّقه بالاسفل و فعله فيه كما تري في السراج فان له مقام نارية اي كونه اثرا للنار ففي هذا المقام ليس الا الحرارة و اليبوسة الظاهرة من الشعلة و هي ما به تسمّي نارا و مقام مبدأ تفصيل و ذلك مقام انيته من دون الاضافة الي شئ آخر ففي هذا المقام يوصف بكمالاته المتصلة به من لونه و صفائه و خراطته مثلا و شدّة ضوئه و قلّته و امثال ذلك و دون ذلك مقام اتصاله بغيره و في هذا المقام يظهر له كمالات اضافية كاحراقه و تسخينه و استضاءته لغيره و بلسان آخر نقول ان الشئ له نور من مطلقه و هو حقّه و مقام من انيّته و ماهيته و هي مقام موصوفيته بصفته و له اعلي و هو مقام بشرط لا فيه بالنسبة و اسفل هو مقام قيوده و في هذا المقام له مقامان مقام نفسه من دون الاضافة و مقامه بالاضافة اما المقام الاول فليس من الاثر بل هو بيان المؤثر و آيته من دون ملاحظة الآئية و الثاني مقام الآية و الثالث مقام نفس الاثر و الرابع مقام تعلقه بغيره و عمله فيه و في كل مقام من المقامات الثلثة له صفات الاول مقام الحقيقة فله صفات حقيقية و هي صفات القدس و دونه مقام الكمال و اول التفصيل و له من الصفات الكمالية كالعلم و الحلم و السمع و البصر و اسفله مقام التعلق بالغير و له من الصفات الصفات الفعلية و قد بيّن مولانا ابوعبدالله عليه السلام هذه المقامات و قال ان الله تبارك و تعالي خلق اسما بالحروف غير منعوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ منفي عنه الاقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حسّ كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامّة علي اربعة اجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر فاظهر منها ثلثة اسماء لفاقة الخلق اليها [ص 66] و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة التي اظهرت فالظاهر هو الله تبارك و تعالي و في نسخة الله و تبارك و تعالي الحديث ، و قد عبّر عليه السلام عن هذه المراتب المذكورة بهذه الاسماء و ذكر عليه السلام ان جميع الاسماء الحسني تشتق من هذه الثلثة ثمّ اِعْلم ان حامل هذه الاربعة من خلقه عز و جل و ظهرت فيها و في الكون اريتك آيتها و في الشرع تظهر في آل‌محمد عليهم السلام اذ هم اشرف الخلق و اقربهم من الله سبحانه و الاقرب اولي بصفة الله جل شأنه من الابعد و قد ظهرت فيهم علي حسب مراتبهم التي سنبيّنها بعد ان شاء الله تعالي ثم ما في ساير الخلق من الصفات و الاسماء كلها نشأت من شعاع نورهم و رشحات فيوضهم فانهم اصل كل خير و من فروعهم كل برّ و من البرّ توحيد الذات و توحيد الافعال و الصفات و جميع الاعمال و العبادات و حامل الرشحات من خلق من شعاع نورهم فانهم في عالم الاناسي مرايا ظهورهم .

فصل - اعلم ان اسماء الله سبحانه مبادي جميع الخلق فان جميع ما تراه من خلقه من اعلي مراتبه الي اسفلها خلقت باسباب و علل اذ ابي الله سبحانه ان يجري الاشياء الا بالاسباب و قد جعل لكل شئ سببا و لكل سبب شرحا و بابا و شرحه و بابه عند آل‌محمد عليهم السلام بل هم السبب كما قال عليه السلام فما من شئ منّا الا و انتم له السبب و اليه السبيل ، و وجه ذلك ان الله سبحانه ذات احدية و الاحد لايصدر منه شئ و لايتعلق به شئ و لايتعلق بشئ لامتناع جميع ما سواه معه و لايضاف الي شئ و لايضاف اليه شئ فلايجري عليه شئ من الامور الاضافية مطلقا و منها العلّية و المعلولية و السببية و المسببية و سيجيء بعد في الامور العامة بيان العلّة و السبب و تقف علي كونهما من الامور الاضافية فالعلّة لاتكون علّة الا بالنسبة الي المعلول و المعلول لايكون معلولا الا بالنسبة الي العلة و كذلك السبب و الله سبحانه اجلّ و اعلي من ذلك [ص 67] و قد خبط من قال انه علّة العلل فان علة العلل ايضا علة و اعلم ان السبب له معان في اللغة و الاصطلاح منها ما يتوصل به الي غيره و الحبل و ما يكون وجوب الشئ موقوفا عليه كالوقت للصلوة و الشرط ما يتوقف وجود الشئ عليه كالوضوء للصلوة و قيل السبب ما يلزم من عدمه العدم و من وجوده الوجود بالنظر الي ذاته كالزوال فان الشرع وضعه سببا لوجود الظهر و الشرط ما يلزم من عدمه العدم و لايلزم من وجوده الوجود و النحويون لايفرقون بين السبب و الشرط و العلة و عند اهل الشرع يشترك السبب و العلة في ترتّب المسبب و المعلول عليهما و يفترقان من وجهين احدهما ان السبب ما يحصل الشئ عنده لا به و العلة ما يحصل به و الثاني ان المعلول يتأثر عن علته بلا واسطة بينهما و لا شرط يتوقف الحكم علي وجوده و السبب انما يفضي الي الحكم بواسطة او وسايط و ما يفضي الي شئ ان كان افضاؤه دائما سمّي علّة و السبب و العلّة يطلقان علي معني واحد عند الحكماء و هو ما يحتاج اليه شئ آخر و كذا المسبب و المعلول فانهما يطلقان عندهم علي ما يحتاج الي شئ آخر كذا قيل و علي ايّ معني كانا لاينبغيان لله سبحانه فانه الخالق لا من شئ و لايكون علة ابدا و ان العرفاء يقولون ان المعلول تنزّل العلّة و عندنا هذا كلام حق لا علي معني ما يقولون فانهم قالوا ذلك مع اثبات العلية لله و نحن نقول انه خالق العلل فان العلة اذا تنزلت الي المعلول او صارت باعثة لوجوده بايّ معني يلزمها الحدوث لا محالة فبالاول بسبب التغيّر و بالثاني بسبب الاضافة و السبب اذا كان بمعناها فحكمه حكمها و ان كان بساير المعاني فهو اخس منها مع انه يلزم من ذلك وجود معلول غيره معه تعالي و تعالي ساحة الاحد عن ذلك بل لايذكر معه شئ بنفي و لا اثبات و لا شك ان الاشياء لاتقوم الا بعلل و العلّة التي هي الفاعلة للاشياء لا شك انها اسم الله جل و عزّ فانه هو الفاعل الخالق لا غير و العلّة الغائية هي اول الكاينات و مبدأ الموجودات و هي لقربها من نور الله تنبأ عنه تعالي و المنبئ الحقيقي [ص 68] ليس سواه و جميع الخلق خلقوا لاجله و هو الاسم الاجل الاعلي بل العلة الغائية في الحقيقة هي الفاعلية عودا و الفاعلية هي الغائية بدءا و اما الله سبحانه فهو غاية الغايات و المغيي غير الغاية و العلة المادية و الصورية من حيث الآئية لله تعالي اسماء له تعالي و من حيث الانية معلولات و علي ايّ حال جميعها اسماء لله تعالي فاسماء الله مبادي العلل و جميع الخلق مخلوقون بها و هي ايادي التقدير و اسباب التدبير و بها معاش العباد و عمارة البلاد و من عرفها قدر علي التصرف فيما يشاء كما يشاء و بها كانوا يتصرفون الانبياء و الاولياء و لكن لايكفي في ذلك محض العلم بها فانها ربما يعلمها الناس و مع ذلك لايقدرون علي عمل و لكن المراد التخلق بها و لايصل الي هذا المقام الا قليل و سيجيء ذكرهم و فضلهم بعد ذلك .

فصل - قد عرفت مما مضي انهم يعدّون من الصفات الذاتية التكلم و الارادة و الصدق و ذلك خطاء محض اما في الارادة فدعاهم الي القول بوحدتها مع الذات وهم وهموه و هو ان تخصيص بعض الممكنات بالايجاد في وقت يدل علي ارادته و ليست زايدة علي الداعي و الا لزم التسلسل او تعدّد القدماء و لعمرك اقبح كل شئ ان يترك الانسان ضرورة الاسلام و قول حجة الله المنّان و انبيائه سادات الانس و الجان لوهم هو اوهن من بيت العنكبوت مع انه من اوهن البيوت اذ علي فرض كون الارادة الداعي او غيره أيعجز الله سبحانه عن خلقه بنفسه حتي يلزم من ذلك التسلسل اين قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ، و علي فرض كون الارادة هي العزيمة نقول انها مخلوقة بالمشية و علي فرض كونها عين المشية نقول انها مخلوقة بنفسها و سيأتي الكلام في حقيقتها في مقامها و مرادنا في المقام محض اقامة البرهان علي بطلان قول من زعم انها هي الذات القديمة فاقول هي هي الذات من جميع الحيوث و الجهات او غيرها من حيث و جهة فان قلت انها هي الذات القديمة من كل جهة [ص 69] فاقول لم لاتقول ان الله خلق خلقه بالذات و تقول انه خلقهم بالارادة و كيف تفرق بينها و بين السمع و البصر و العلم فان قلت انها عينها فلم لاتقول بالسمع خلق الاشياء و بالبصر خلقوا و اخترت لفظ الارادة فان لم‌تكن في اختلاف المباني دلالة علي اختلاف المعاني لصارت لغوا ثم يلزم من ذلك كونها عين القدرة و تري ان الله يقدر علي اشياء لم‌يردها و يلزم من ذلك كونها عين العلم و في علمه اشياء لم‌تخلق بعد و لو كان ارادته عين علمه لكانت موجودة و لو كانت عين ذاته لكانت قديمة و لا شك ان المراد مع الارادة دائما اذ هو مفعول حقيقي و هو للفعل كالمصدر لايفارقه فلا بدّ و ان يكون الخلق المتكثر قدماء و نحن نشاهد الحدوث علانية ثم انا نقول هل الارادة هي المريد و المراد او غيرهما فان كانت هي المريد و المراد لزم ان يكون المريد بنفسه خالق نفسه و ان كان الارادة متحدة مع المريد لزم كون الذات فعلا و مع ذلك تقترن بخلقها للارتباط اللازم بين الارادة و المراد كما عرفت سابقا و ان كانت مخالفة معه فمن هو خلق او خالق فوقها او تحتها فان كان فوقها فهل هو الله و الارادة غيره و خلقه ام غير هذا القسم و ان كان تحتها فكيف يتصور ذلك مع ان الارادة فعل المريد و الفعل لايسبق الفاعل و ان قلت ان المراد عين الارادة مع كونها عين الذات ، لزم القول بوحدة الوجود تعالي عن ذلك الرب المعبود و ان كانت هي المراد مع ان الذات غيرهما لزم ما عابوه علي ضرار و اصحابه اذ قالوا ان الارادة تأكل و تشرب و تنكح و تلد و تزني و تشرب الخمر و نقول ايضا ان في الصفات الذاتية كالعلم و السمع و البصر تقول علم نفسه اذ لا معلوم غيره و سمع نفسه و ابصر نفسه فهل تقول اراد نفسه ام لا ، لا شك انك لاتقول ذلك و ان قلت اخطأت و احتال بعض في معناها و قال ان الارادة من الله بمعني الحب و الاشتياق فعلي ذلك يصح ان تقول احب نفسه و لكن ما تقول في تعلقها بالغير فمرّة يشتاق الي شئ و مرّة لايشتاق قال الله يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر [ص 70] فهل هاتان الارادتان واحدة او مختلفتان لا شك في اختلافهما فانصف من نفسك هل يجوز ورود حالتين مختلفتين علي الذات لا شك ان ذلك صفة الحدوث لا القديم و ان قلت ان الاختلاف في المتعلق اقول كيف يتعلق الذات المنيعة بغيرها و هذا قول لا عن شعور و قد احتال بعض لامثال هذه الايرادات اجوبة و يكفي في ابطال جميعها حديث مولاي ابي‌الحسن الرضا عليه السلام مع سليمان المروزي بحضرة المأمون و قد رويناه في الكتاب المبين و ان شئت فاطلبه منه او الاحتجاج و انا اقول لك قاعدة كلية و منها يعرف جواب جميع ايراداتهم فاقول ان الارادة هي الفعل او الطلب و الاختيار و هو ميل الذات الي مطلوبها و الفعل ما انبأ عن حركة المسمي فهو كمال المسمي لا محالة كما لايخفي فهل الارادة التي يقولون انها عين الذات هي الفعل فذلك مما لايعقل و كيف يكون الفعل خالقا فانه كله مخلوق و ان ارادوا الميل في الذات فكيف يعقل ذلك مع ان الميل حالة طارية عارضة و الميول المختلفة حالات و ان ارادوا معني آخر غير الفعل و الميل فما هو هل هو الذات من كل جهة فالارادة اسم من اسماء الذات و لا بد في خلق المخلوقات من فعل البتة فانه لايكون مفعول الا بفعل و قد احتال بعض لتصحيح كلامه انها نفس العلم و باختلاف المتعلق يختلف الاسم كالسمع و البصر و القدرة فان جميعها العلم و باختلاف معلوماتها اختلف اساميها اقول ان العلم الذي قال هل اراد الذات او غيرها فان اراد غيرها فلم يحترز عن الكثرة و ان اراد العلم الذاتي فما الذي اراد من تعلق الذات بالمفاعيل فان التعلق من الاضافات و الله سبحانه احد لايضاف الي شئ و لايضاف اليه شئ و العلم الذاتي لايتعلق بشئ و السمع الذاتي لايتعلق بشئ و بالجملة لا اقبال لي الي تفصيل خرافاتهم و الا لاوضحت لك شرك موحديهم و عرفائهم فضلا من مشائيهم و متكلميهم اين هذه الخرافات من حكمة آل‌محمد عليهم السلام قال الرضا عليه السلام المشية و الارادة من صفات [ص 71] الافعال فمن زعم ان الله لم‌يزل مريدا شائيا فليس بموحد بالجملة فالارادة من صفات الافعال كما هو صريح قول آل‌محمد عليهم السلام و اذا كانت من صفات الافعال فالمريد ايضا منها كالخالق و الرازق فان الصفة لاتثبت للموصوف الا بعد ثبوت مبدء اشتقاقها و الله سبحانه لايثبت له في ذاته شئ غيرها فلايوصف بصفة في ذاته و لكنه تجلي في مبادي الصفات فاتصف لها فيها فبعد ما تجلي في الخلق سمي خالقا و بعد ما تجلي في الرزق سمي رازقا و كذلك بعد ما تجلي في الارادة سمي مريدا و ارادته احداثه بخلاف ارادة الخلق فانها ضميرهم و ما يبدو لهم و لو كان بذاته مريدا لماصدق له يريد و لايريد بل يلزم من ذلك عدم اختياره و كل ما احتالوا في الجواب عن ذلك كلها كبيت العنكبوت و لكنه بذاته منزّه عن جميع ذلك و يظهر في الارادة و عدمها و لايلزم من ذلك له كثرة اذ لايظهر بذاته بل نفسها ظهوره و لو كان بذاته مريدا لماكان يصدق عليه انه غير مريد مع ما يلزم من اتصافه بفعله في ذاته لما مرّ و اقول لك بوجه آخر ان الانسان لا بد له ان يتكلم بما يعقل فان المتكلم بما لايعقل سفيه و انت لاتعقل الذات حتي تتكلم فيها و تتفكر و الادلة الجدلية لاتوصل اليها فالواجب النظر في آياته و علاماته حتي تعرف شيئا و تري في نفسك التي هي اكبر حجة الله عندك ان ذاتك غير المريد و الارادة بل ارادتك ميلك الي الاشياء في ضميرك و طلبك للاشياء و هو فعلك و انت مرّة تريد و مرّة لاتريد و ذاتك لاتكون ملوّنة بالمريدية و الا لماظهرت بعدم الارادة فاعرف من ذلك ربك و نزهه عما يليق بك فقل لانه لايهم و لايتفكر لا ميل له و لا ضمير و لكنه احدث اشياء بفعله و لفعله ايضا مظهر و لكنه لا خيال له بل خلقه مظهر فعله و اعرف صحة نظرك من قول امامك فان قوله من الوحي من عند الله العارف بنفسه قال مولانا الصادق (ع) اما الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم من الفعل بعد ذلك و اما ارادة الله احداثه لا غير لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكر فافهم [ص 72] و اما الكلام و المتكلم فزعموا انه بذاته متكلم و كلامه عين ذاته و يكذّبهم صريح القرآن و اخبار الائمة عليهم السلام و دليل العقل القاطع و هم قد استدلوا علي قدم الكلام بادلة مجتثة زائلة كعموم القدرة غفلة عن ان عموم القدرة لايكون باعثا لقدم الحوادث و الا للزم قدم كل حادث و كهذا القياس الذي رتّبه الشيطان علي افواههم ان كلامه صفة له و كلما هو صفة له فهو قديم و كبري هذا القياس باطل يردّه الكتاب و السنة قال الله تعالي الله خالق كل شئ و في اخبار متكثرة ان الاسماء و الصفات حوادث و الكلام حادث و المتكلم غير الذات حتي ان السايل سأل مولانا الصادق عليه السلام عن المتكلم انه لم‌يزل متكلما فقال عليه السلام كان الله و لا متكلم و تري صريح القرآن انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فرتّب قول كن علي الارادة و الارادة مخلوقة بنص هذه الآية ايضا فانه قال امره اذا اراد و الهاء يرجع اليه و اراد فعله و الفعل حادث و كذلك قال و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك و لو كان القرآن قديما كيف يذهب به مع انه لا بدأ له و قال او يحدث لهم ذكرا و قال و مايأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه و هم يلعبون ، و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول لم‌يزل الله جل اسمه عالما بذاته و لا معلوم و لم‌يزل قادرا بذاته و لا مقدور قيل له جعلت فداك فلم‌يزل متكلما قال الكلام محدث كان الله عز و جل و ليس بمتكلم ثم احدث الكلام ، و امثال ذلك من الاخبار كثيرة رويناها في كتاب المبين و مولانا ابوالحسن الرضا عليه السلام استدل لابي‌قرّة علي حدوث الكلام في حديث طويل شريف و من العجب انهم يقولون ان الله متكلم مستدلا بان الانبياء و الرسل قالوا ذلك و لايرجعون اليهم في حقيقة كلامه و بالجملة اقول في ذلك اولا بطريق المجادلة بالتي هي احسن ان الكلام ما هو هل هو نفس الذات فمَن المتكلم هل المتكلم هو الكلام فان ذلك قول لايصدر من انسان ان كان من اولي الافهام فانه لا شك ان الكلام [ص 73] صفة قائمة بالمتكلم و كيف يصير الصفة نفس الموصوف و ان قلت انه المتكلم و كلامه غيره فهو خلقه و ان قلت انه الكلام و المتكلم غيره فيلزم ان يكون فوقه غيره و ان قلت ان الكلام قديم معه لزم تعدد القدماء و ان قلت انه حادث معه لزم كون الحادث مع القديم فماذا تقول اختر لنفسك ما يحلو . و بلسان آخر نقول ان ذاته ثابتة قائمة ابدية و لو كان بنفسه متكلما للزم دوام الكلام و تري انه فرع قوله علي ارادته في قوله ثم انا نقول ماذا تريدون من الكلام هل هو المعني المعروف منه و هو الحروف و الكلمات كما عليه جماعات او يكون معني نفساني كما عليه ابوالحسن الاشعري فان كان الاول فكيف يتصوّر انه ذات الله مع ما تشاهد من اختلاف الصور و الهيئات التي ليست في الواقع الا كساير المركبات و يلزم من ذلك تكثّر الذات ثم اقول لهم ماذا هي هل ما كتب علي الدفاتر فهي حروف منقوشة بالمداد و ليست هي رب العباد بل خطوط كتبها المخلوق او المراد منها الكلام المنطوق فهو هواء متقطع يخرج من هذه الشقوق فكيف يقال انه الله ، تعالي عن ذلك علوا كبيرا و ان كان الثاني فاقول ان المعاني عين الذات او غيرها فان كانت عينها فكيف تظهر في المباني مع ان المعني في اللفظ كالروح في الجسد و ان كانت غيرها فكيف تجمع معها و ذلك محال قديمة كانت او حادثة و الملا صدرا (ره) مع انه ردّ علي هذه الجماعة قولهم اشار في مطاوي كلماته الي ان الكلام هو الذات و قد وقع فيما فرّ منه و في كلامه في كتبه اضطراب غريب و هو من مثله عجيب و صرح بعض تلامذته ايضا بذلك و اوّلَ الاخبار مع انه يخالف صحيح الاعتبار و بالجملة و بدليل الحكمة نقول ان الله سبحانه كان و لم‌يكن معه شئ بوجه من الوجوه منزها عن جميع ما يجري علي خلقه فتجلي اول ما تجلي بمشيته بلا حركة احدثها و لا رويّة اجالها و لا فكر يستأنس فيها بل بلا كيف فخلقها بنفسها و هي امره سبحانه المعبّر عنه بكن كما قال الصادق عليه السلام لا كاف و لا نون و انما اراد فكان او كما قال و في اخبار اخر ما يدل علي ذلك [ص 74] صريحا فنفس هذه المشية هي الامر الفعلي و ذلك قوله له الخلق و الامر و قد يصدق علي الخلق ايضا الامر و لكنه مفعولي و ذلك قوله تعالي و كان امر الله مفعولا و قد خلق سبحانه بامره خلقه في مقامات وجوداتهم و خلقه جميعهم كلماته بحسب شأنهم و درجاتهم و مجموع الملك كتابه و الخلق الجامع ايضا كتابه و لذلك قال بكلمة منه اسمه المسيح و كذلك قال هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا الكتاب الناطق ، فافهم فمشية الله كلامه و خلقه ايضا كلامه و هذه كلمات كونية باختلاف درجاتهم فمنهم امريون و منهم فؤاديون و منهم عقليون و هكذا الي عالم الاجسام و من باب ان الظاهر عنوان الباطن و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا نقول ان عالم الاجسام بمنزلة الكلمات المعبّرة عن المعاني فهذه الفاظ و الغيوب معانٍ و هي في خزاين الرب و ان من شئ الا عندنا خزائنه ثم ان لله كتبا شرعية و هي الكتب المنزلة علي الانبياء و اشرفها القرآن بل هو حقيقتها و الباقي ظهوراته و قد خلقها الله بمشيته في افئدة انبيائه علي ما ينبغي للفؤاد و انزلها منه الي عقلهم و منه الي نفسهم و منها الي مشاعرهم الي ان نزلت في هذه العرصة بصورة الحروف و الكلمات و ما يقال ان الكتاب اصله في عالم الامر و نزل في العوالم الغيبية و الشهادية الي ان وصل الي هذا العالم عالم الالفاظ ان ارادوا منه مثل ما قلنا فصحيح و ان ارادوا كونه في ذات الله تعالي فخطاء و كذلك ان ارادوا كون الكلام في عالم الفؤاد بهذه الهيئات من حروف هجائها و تركيبها كان خطاءا و لكن اذا اريد انه في الفؤاد علي الحروف النورانية و الاوضاع الفؤادية كان حقا و نزول الحروف و الكلمات من الخزائن العاليات من البديهيات و تصوّرها في الخيالات حين المكاشفات او التخيل من الامور الواضحات الاتري انك تتصور او تري في منامك ان فلانا جاء و قال هكذا و قلت في الجواب هكذا و ليس [ص 75] في الظاهر حروف و كلمات ابدا و ليست هي الا حروف خيالية و كذلك في ساير العوالم حروف و كلمات بحسبها و ان في عالم الذر عاهد الله الخلائق و سائلهم و جعل لهم ما اذا سئلوا اجابوا فقال الست بربكم قالوا بلي و لم‌يكن هناك هواء يتقطع بصور الحروف و الكلمات و لا لسان لحماني و لا شق فم مثل الدنيا بل جعل لهم ما اذا سئلوا اجابوا و هو اعلم بكيفيته و كذلك نداء الرب جل شأنه لم‌يكن بهذه الصور المشهودة فهذا النداء و الجواب علي حسب ما ينبغي لاهل الذر و كذلك الكلمات العقلية معنوية و المعنويات ليست مصوّرة بصور النفسانيات بل صورها معنوية و كذلك الفؤاديات نور صرف بحت كنفس الفؤاد و ليست زائدة علي نفس الفؤاد بل هي هو كما ان المعرفة الفؤادية هي نفس الفؤاد و علمه نفسه كذلك كلامه نفسه فقول الشاعر :