قوله عليه السلام و الهوام بتشديد الميم جمع هامة و هي حشرات الارض كالحية و العقرب و النملة و الخنافس و امثال ذلك و بتخفيفها الاسد كما في القاموس و اما الحشرات فهي التي لا نفس لها سائلة فهي المكونة من ظواهر قشور الحيوانات فصارت برزخا بين الحيوان و النبات الا ان الغالب فيها الجهة الحيوانية و لذا جرت عليها احكام الحيوانات من الحركة و المشي و طلب ما يسد فقرها من المآكل و المشارب و ضبطها و حفظها و احكام النباتات من امتزاج روحها بجسمها بحيث اذا قطعت نصفين يبقي كل نصف يتحرك زمانا طويلا كالشجرة اذا قطعت نصفها لاييبس النصف الآخر علي الفور بل ربما لاييبس اصلا كما هو المحسوس الظاهر و لذا جرت الشريعة فيها علي مقتضي ما في النبات و لذا لاتنجس موتاها و لا دمها كما في ساير الحيوانات و النخلة ايضا برزخ بين الحيوانات و النباتات الا ان الغالب عليها الجهة النباتية و فيها عشر خصال من الحيوانية و هي المشهورة و انما ضعفت خلقة تلك الحشرات و مانضجت بنيتها و مااستحكمت قواها و ماجرت دماؤها لضعف الحرارة الغريزية التي بها التلطيف و التنضيج و كثرة الرطوبات الفضلية و الكثافات المانعة عن ظهورها و نشوها و كمالها و تلك الحرارة انما تحصل بزيادة الحركة و السرعة و المبادرة للامتثال لقوله تعالي حين قال الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي و الائمة الاحدعشر من ولده و فاطمة الطاهرة الصديقة اوليائكم فمن سارع في [ص 369] الامتثال و بادر في الجواب قويت حرارته الحاصلة من قوة تلك الحرارة و ازالت الاعراض الغريبة المفسدة الحاصلة من الميولات النفسانية و الشهوات الجسدانية و الالتفاتات الغيرية فاذا تراكمت هذه الاعراض بعضها علي بعض ضعفت الحرارة لكون طبعها مضادة لطبعها فاذا ضعفت الحرارة ضعفت الطبيعة لانها محلها و ينبوعها فاذا ضعفت الطبيعة لمتقدر علي هضم ما يرد علي البدن من الغذاء لان ذلك لايكون الا بالتلطيف و التصعيد و التعفين و التعقيد و التقطير و رد الفضول و لايكون ما ذكرنا الا بالحرارة فاذا ضعفت القوة الهاضمة يمتنع البدن عن الغذاء الزائد و الوارد عليه ( ايضا خ ) يكون فضولا لميتحلل و لميندفع فتكثر البرودة و الرطوبة او اليبوسة فتكون البنية ضعيفة تعجز عن حمل الاثقال و فعل الاعمال و ربما تزيد البرودة الي ان لايبقي للحرارة الضعيفة محل فترتحل و تفسد البنية و تبطل الكينونة و في الحديث اخبرني شيخي و ثقتي اطال الله بقاه عن احدهم عليهم السلام ما معناه ان للمؤمن اربعين جنة فكلما يعصي تكشف جنة حتي تكشف الجنن كلها فتستره الملائكة باجنحتها الي ان يتبذخ ( يبذخ خ ) بالمعصية فيأخذ في بغضنا اهل البيت فهذا هو الهلاك الاعظم و الموت الاكبر و الجثة الظاهرة علي طبق الجثة الباطنة و الحشرات لما ضعفت تلبيتهم لذلك النداء حين سمعوا المنادي من الناحية العليا ضعفت جثتهم و قلت قوتهم و صغرت كينونتهم و كذلك حكمهم حين انكروا اذ لميبلغ انكارها انكار الاقوياء العلماء في الرتبة العليا فمن لبي منها و امنت نبيها و وليها تضمنت نفعا تاما و [ص 370] ما انكر منها تضمن مضرة تامة ثم لما حصل بين الفريقين مزج و اختلاط و الفة و ارتباط اكتسب كل واحد من الآخر ما عليه من المفسدة و المضرة بالعرض فصار النحل يخرج منها ما هو شفاء للناس و قوة للحرارة الغريزية و راحة للقلب و عضد للكبد و حيوة للبدن كله و صارت العقرب يخرج منها سما قاتلا و هكذا قياس باقيها و كذا التي تنفع من جهة و تضر من جهة اخري فاذا استجنت فيها تلك الخواص و استحكم عليها ذلك الاساس فهي من حيث نفسها محكومة عليها مطيعة او عاصية معذبة او منعمة و لكنها من حيث باريها و مبدئها جند من جنوده عز و جل و خزينة من خزائنه يعذب بها من يشاء كما عذب قوم فرعون بالجراد و القمل و الضفادع و ينعم بها من يشاء كما ينعمون بالعسل عن النحل و بالجراد و يتغذون بها و امثالهما من سائر الاجناس و لما كان التعذيب و التنعيم بها موقوفا بارادة الله سبحانه و بعنايته الخاصة صارت هي واقفة بباب اذنه تعالي و لائذة بجناب قدسه لتمتثل امره و تجري حكمه و تظهر ما اودع في كل منها من الخاصية حسب قابليته و اجابتها لداعي ربها فيما اراد الله كما اراد الله كيف ما اراد الله سبحانه و قد دلت عليه الادلة العقلية و النقلية و لما كان الله سبحانه اقتضت حكمته و سبقت مشيته ان يجري الاشياء بالوسائط و ينزل الاحكام الوجودية و الشرعية من الخزائن الغيبية و كان مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام هو صاحب تلك الخزائن و اصل تلك الوسائط لان له الولاية الكبري و الرياسة العظمي صارت الهوام مسخرة منقادة لامره عليه السلام فكانت لاتنفع و لاتضر الا بعناية خاصة و [ص 371] اذن خاص منه عليه السلام في ذلك الشئ و كذلك في جريانها في سائر احوالها و تدبير امورها في مآكلها و مشاربها كالنحل في رياستها و في تدبيرها لاحوال الرعية و في كيفية خدمة الرعية لذلك الرئيس و كالنمل تسعي في اعداد الذخيرة لنفسها لعلمها باحتياجها الي الغذاء في المستقبل و عدم اقتدارها علي تحصيله في ذلك الوقت و انها اذا احست بنداوة المكان فانها تشق الحبة بنصفين لعلمها بان الحبة لو بقيت سالمة و وصلت النداوة اليها لنبت منها و تفسد الحبة عليها اما اذا صارت مشقوقة لمتنبت و انها تشقها في الطول لا في العرض لعلمها بانها تنبت اذا شقت في العرض و اذا وصلت النداوة الي تلك الحبوب ثم طلعت الشمس فانها تخرج تلك الاشياء من جحرها و تضعها حتي تجف و اذا كثرت و ثقل الحب تجمع جماعة لتستعين بها علي نقله بمنزلة جماعة من الناس ينقلون الطعام او غيره بل للنمل في ذلك الجد و التشمير ما ليس للناس مثله ثم لاتتخذ الدبيبة الا في مقام من الارض كيلايغيض ( كيلايفيض خ ) السيل فيغرقها و كالليث الذي تسميه العامة اسد الذباب و ما اعطي من الحيلة و الرفق في معاشه فانك تراه حين يحس بالذباب قد وقع قريبا منه تركه مليا حتي كأنه موات لا حراك به فاذا رأي الذباب قد اطمأن و غفل عنه دب دبيبا دقيقا حتي يكون منه بحيث يناله وثب ثم يثب عليه فيأخذه فاذا اخذه اشتمل عليه بجسمه كله مخافة ان ينجو منه فلايزال قابضا عليه حتي يحس بانه قد ضعف و استرخي ثم يقبل عليه فيفترسه و كالعنكبوت فانه ينسج ذلك النسج فيتخذه شركا و مصيدة للذباب ثم يكمن [ص 372] في جوفه فاذا نشب فيه الذباب اجال ( احال خ ) عليه بلدغه ساعة بعد ساعة فيعيش بذلك منه فذلك يحكي صيد الكلاب و الفهود و هذا يحكي صيد الاشراك و الحبائل و امثالها من هذه الاحوال التي لايحصي فهي في كل تلك الاحوال و اجراء ما فيها من المنافع و المضار تابعة و ذليلة لمولينا اميرالمؤمنين عليه السلام و واقفة بباب اذنه روحي فداه فلاتعلمت هذه العلوم و الامور التي بها تجري في امر معاشه الا منه عليه السلام و هو الذي علم كل شئ ما يقيم به وجوده و يحفظ به غيبه و شهوده فقد علم كل شئ مما علمه الله تعالي و ذلك التعليم انما هو بفاضل ظهوره و شعاع نوره الذي هو عين ذلك الشئ فعلمه به و تعلم منه عليه السلام به فلاتلدغ الحية و لا العقرب و لا غيرهما شيئا من الاشياء الا باذنه الخاص و لاينفع العسل من النحل و لاتأكل النحل من الثمرات و لايلقي الشهد الا بامره عليه السلام و اليه الاشارة في باطن باطن التفسير او في باطنه في قوله تعالي و اوحي ربك اي صاحبك و مربي ظهورك و امتك و شيعتك او مربيك في مقامات تفاصيلك كالملائكة الحفظة بالنسبة اليه صلي الله عليه و آله و ذلك الرب و المربي هو اميرالمؤمنين عليه السلام كما كان الرب المتجلي لموسي علي الجبل رجل من شيعته عليه السلام فافهم الي النحل ان اتخذي من الجبال الآية ، و هو عليه السلام الذي اوحي الي النحل ما اوحي من كيفية اكل الثمرات و اتخاذها البيوت المسدسات و ترتيب احوالها ترتيب السلطان لاحوال الرعية لبيان ان الحلاوة التي فيها شفاء للناس و هي روح الايمان انما تتلقي من المبدأ علي هذا المنهج
[ص 373] و قوله تعالي فاسلكي سبل ربك ذللا و سبيل ( سبل خ ) الرب هو علي عليه السلام و قد امرت النحل ان تسلك في ذلك الاكل سبيل علي عليه السلام اي الطريق الذي جعل عليه السلام لها و الصراط الذي فتقه لها و الحكم الذي اسس و الاصل الذي اصل و البنيان الذي شيد لها و اوصل كل ذلك اليها بسر ذاتها و ابان لها بلسان ذاتها علي هيكل استعدادها و هيئة قابلياتها حال كونها ذليلة له عليه السلام منقادة لامره و نهيه لكونها مسخرة له مملكة اياه او ( و خ ) ان الله سبحانه اوحي اليها بلسانه و هو علي عليه السلام كما اوحي الي موسي في الشجرة الزيتونة التي لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و هي الشجرة العلوية كما قال عليه السلام انا المكلم لموسي في الشجرة و هكذا الحكم في كل الحشرات بل كل الحيوانات في جميع احوالها و اطوارها و سكناتها من انواع الذرات بانواع الهياكل و الهيئات من الذوات و الصفات في كل الحركات و السكنات فلايموت منها شئ و لايضعف و لايفني و لايضمحل الا بتقصيرها في ولايته عليه السلام و مااماتها الا قهره عليه السلام بالله تبارك و تعالي و قد سخرت الهوام له عليه السلام كما سخرت الاشياء لله سبحانه بمعني ان الاشياء مسخرة له تعالي في اماكنها و مقاماتها و قيوميته سبحانه لها انما هي باثر فعله تعالي لا بنفس ذاته فهي تنتهي الي ذلك الاثر لا الي الذات البحت تبارك و تعالي و لما كان الاثر مضمحلا لديه و فانيا عند ظهوره سبحانه نسب اليه تعالي و الا فهو تعالي منزه عن الخلق و عن انتسابه اليهم و ارتباطه بهم سبحان ربك رب العزة عما يصفون [ص 374] و سلام علي المرسلين فالاشياء كلها منتسبة اليه تعالي لكنها منتهية الي عللها و اسبابها و مقوماتها الصدورية و كذلك نسبة تسخير الهوام و سائر الاشياء الي مولينا علي عليه السلام فانها مسخرة لمباديها و عللها و تلك المبادي و العلل ظهور من ظهوراته عليه السلام و رشح من رشحات بحار افضاله و لكن لما كانت تلك الوسائط فانية باطلة و مضمحلة زائلة عند سطوع ظهوره و تشعشع بروز نوره عليه السلام نسبت اليه و الا فهو منزه عن انتهاء الهوام و سائر البهائم اليه عليه السلام فان الهوام و البهائم تستمد من سر الملائكة المستمدين من الجن المستمدين من الانس المستمدين من الانبياء المستمدين من الصديقة الطاهرة المستمدة من الائمة و العترة الطاهرة المستمدين من مولينا و سيدنا اميرالمؤمنين و سيد الوصيين علي محمد و عليه و اولاده و زوجته الصديقة افضل السلام و ازكي التحية و كل رتبة سفلي عند العليا معدومة في رتبتها ما سوي فاطمة عليها السلام مع اولادها و بعلها فاذا كان كذلك فالتسخير للهوام انما هو له عليه السلام بالبهائم و الملائكة كما ان تسخير الاشياء لله تعالي انما هو به و بظهورات افعاله و آثاره عليه الصلوة و السلام و لك ان تجعل التسخير له عليه السلام لكن الذي ظهر للهوام و البهائم اذ كل شئ يعرفه و كل موجود يطلبه و كل لسان يدعوه و كل قلب يضمره و كل عين تراه و قال عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته و قد [ص 375] مر تفصيل هذا الاجمال و تفسير هذا الابهام فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و انما اختار عليه السلام الهوام دون غيرها اشارة الي ما هو بعيد عن الافهام و الاوهام فان الناس ربما يتصورون طاعة الحيوانات من الجن و الانس و الملائكة و سائر البهائم ايضا له لقوة ادراكهم و نورانيتهم و اما حشرات الارض و النباتات و الجمادات فمن جهة عدم قوة ادراكهم لايتصورون كونهم مطيعين له عليه السلام لعدم شعورهم و قوتهم في النهوض فاشار عليه السلام الي ذلك الفرد الخفي ان نسبة الهوام و الطيور الي كنسبة سائر الحيوانات و كلها مسخرة لي منقادة لامري و نهيي او يكون وجه الاختصاص كثرتهم و وفورهم و كونهم اكثر من غيرهم من التي لها نفس سائلة و هذه الهوام قد ملأت وجه الارض و كذلك الهواء المجاور للارض و الماء و تخلق كل ساعة و دقيقة و تتجدد خلقتهم لضعف بنيتها و كونها تتكون من الكثافات و ما هذا شأنه لا حد له كثرة بخلاف سائر الحيوانات و هذه قاعدة مضبوطة كلما هو انضج طبيعة و اصفي بنية اقل وجودا و ظهورا في الذات بالنسبة الي ما هو ليس كذلك و لذا قال عليه السلام كما رواه بعض اصحابنا ان بني آدم بقدر عشر الجن و الجن بقدر عشر حيوان البر و الجميع بقدر عشر الطيور و كلهم بقدر عشر حيوانات البحر الحديث ، فجعل عليه السلام كلما هو ادني اكثر و لا شك ان الحشرات اضعف وجودا و بنية عن كل الحيوانات و قد صرح مولينا الصادق عليه السلام بذلك في حديث المفضل الي ان قال عليه السلام معاشها من ضروب منتشرة في الجو من البعوض و الفراش و اشباه [ص 376] الجراد و اليعاسب و ذلك ان هذه الضروب مبثوثة في الجو لايخلو منها موضع و اعتبر ذلك بانك اذا وضعت سراجا في الليل في سطح او عرصة دار اجتمع عليه من هذا شئ كثير فمن اين يأتي ذلك كله الا من القرب فان قال قائل انه يأتي من الصحاري و البراري قيل له كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد و كيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد اليه مع ان هذه عيانا تتهافت علي السراج من قرب الحديث ، فابان عليه السلام عن كمال جلال قدره و اظهار ان هذه الحشرات مع كثرتها و وفورها و تجددها في كل حين و ان بحيث ملأت الاقطار و الامصار كلها مسخرة له مطيعة لامره و نهيه فلاتطير الا باذنه و لاتقع علي شئ و لاتصيب شيئا الا باذنه عليه السلام كما تقدم فيكون تسخير غيرها من سائر الحيوانات بالطريق الاولي و قد روي انه عليه السلام مر بواد و فيها نمل كثيرة و كان ابوذر الغفاري معه عليه السلام فقال ابوذر عجبا لكثرة ما فيها من النمل جل محصيها قال عليه السلام لاتقل ذلك اني محصيها فعجب ابوذر من ذلك فقال انت تحصيها ( محصيها خ ) فقال عليه السلام اي والله و كم فيها من ذكر او انثي ه ، الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير او يكون وجه الاختصاص انه عليه السلام ذكر فيما قبل ما يشير به الي ان الجن و الانس و الملائكة مسخرة له فقد ذكر الآن الرياح و الهوام و الطير فخص الرياح بالذكر لما ذكرنا من انها الاصل و المبدأ لحقايق الاشياء و ذرات الكائنات ثم ذكر الهوام لانها اول ما يتكون من اثارة الريح للسحاب الحامل للمطر النازل علي الارض في القوس [ص 377] الصعودي بعد القوس النزولي و لذا كثرت اجناسها و انواعها لانها تكونت من ظاهر القشور و من الاوساخ و المواد الغير الناضجة و تتكون بادني سبب و علة بخلاف غيرها من الاجساد و الاجسام القوية المتكونة من المواد الناضجة و الطبايع المؤتلفة و لذا تجد اهل الاعتدال قليلا بل ربما ماوجد الا واحد و هو نبينا صلي الله عليه و آله و لذا كان آخر الانبياء و خاتمهم لانه صفوهم ثم من بعده الاقرب الي الاعتدال الائمة الاثنيعشر عليهم السلام ثم من بعدهم فاطمة عليها السلام و هؤلاء الصفوة كلهم اربعةعشر و اصفاهم و اعدلهم و انضجهم طينة و طوية واحد ثم من بعدهم عليهم السلام الانبياء و لذا كثروا لكونهم قربوا الي القشر و الظاهر و ان كانوا عليهم السلام من الصفوة لكنهم معدودون لكونهم من اللب القليلين بالنسبة الي غيرهم ثم من بعدهم الانسان من الرعية فكثروا و لميدخلوا تحت حصر و عد لكونهم من القشور بالنسبة الي الانبياء عليهم السلام ثم بعدهم الجن كثروا بالنسبة الي الانس و هكذا سائر المراتب ففي القوس الصعودي بعد النزولي اول ما يتكون الاكثف القشري ثم الاشرف اللبي و لهذا ذكر عليه السلام بعد الرياح التي هي العلة و الاصل و المادة مطلقا لكنها حين نزولها الي هذا العالم الجسماني الكثيف فاول ما يظهر منها و المتكون عند اثارتها السحاب بالدخان و البخار الهوام لانها اضعف وجودا من كل المركبات بعد الجمادات و النباتات ثم بعد ذلك اردفها بالطير لانها بعدها اي فوقها ( قوتها خ ) في القوة و الشرف و اللطافة فافهم او يكون المراد من الهوام الحيوانات اي البهائم [ص 378] مطلقا اما مجازا علي مذاق اهل الظاهر او من باب ظاهر الظاهر فتجعله جمع الهائمة اي التحير كما يقال رجل هائم و هيوم اي متحير و علي هذا الوجه يعم البهائم كلها لانها متحيرات لاتعرف من معرفة الله و معرفة الائمة و معرفة العلوم و الاسرار و المعارف و الحقائق و الانوار و سائر الاحوال فتدور في الارض حائرة لايفرق بين الحق و الباطل و الجيد و الردي و الاصل و الفرع و النور و الظلمة و امثالها مما هو مناط حال المستبصر المستقيم المسترشد و المعني في تسخيرها له عليه السلام هو ما اشرنا الي نوعه في الهوام فان الحيوانات انما قويت و استحكمت قواها بالاضافة الي الهوام لعظم مسارعتها و اقبالها و توجهها لامتثالها لقوله تعالي في الخلق الاول الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي و اولاده الطيبون و فاطمة الصديقة اولياؤكم فهم تقدموا في الاجابة فقويت فيهم الحرارة الغريزية فحصل النضج و الاعتدال الاضافي فتقووا فصار لهم القوة علي غيرهم و انما اشرت الي البهائم بضمير المذكر العاقل نظرا الي مقامها في مقام الحقيقة بعد الحقيقة لان كل واحد من المخلوقين له مقام في هذا المقام من الاعراض و الصفات و النسب و الروابط و الحيثيات و الذوات و الحقائق و لذا تراه سبحانه يشير اليها في بعض المقامات بضمير جمع المذكر العاقل كما في قوله تعالي اني رأيت احدعشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين و قوله تعالي يتفيؤ ظلاله عن اليمين و الشمائل سجدا لله و هم داخرون و قوله تعالي انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون لو كان [ص 379] هؤلاء آلهة ماوردوها و كل فيها خالدون و امثالها من الآيات في القرآن كثيرة و السر في ذلك هو الذي ذكرنا لك ان كل شئ فيه وجه يحكي فيه الانسان الكامل و وجه آخر يحكي فيه الانسان الناقص و عند اجتماع الامرين و عدم التمحض في احدهما يأتي الحالات المتغيرة و المتبدلة و المعوجة و المستقيمة فالبهائم بتلك الجهة العليا ( الوجه خ ) الانساني سمعوا نداء اني انا الله فاجابوا علي ضعف منهم اما بالقبول او الانكار و سبب الضعف بعدهم عن نقطة النور اي قاعدة مخروطه و قربهم الي قاعدة مخروط الظلمة فظهرت في ظاهر احوالهم آثار ذلك المخروط و لما كانت الظلمة وجهها الي الاسفل و تستمد من نفس النور من حيث هو هو و يسجدون للشمس من دون الله صار رأس اهل ذلك الوادي منكس الرأس كما اخبر الله سبحانه عنهم ناكسوا رؤسهم عند ربهم و لما كان همهم انفسهم و سعيهم فيما يرجع الي انفسهم صارت ايديهم ملصقة بالارض متوجهة الي السجين و لما كان همهم بطنهم لايبالون من الخبيث و ليس همهم الامتياز بين الجيد و الردي صار يأكلون بفمهم اي يتناولون منه لا بايديهم كالانسان و من علي هيكله و لما كانت الحيوانات قربوا من هذه الطبقة غلبت انيتهم فتصوروا بهذه الصورة فصار المايز بين المقر منهم و المنكر طيب اللحم و زيادة المنفعة و عدمها فكل حيوان حلال اللحم و كثير المنفعة مؤمن آمن بالله و رسوله و الائمة الطاهرين عليهم السلام اما بالذات او بالعرض فالحلية ايضا تتبع ذلك و كلما هو بالعكس بالعكس فصارت سباعا نجس العين و غيره علي اختلاف مراتبها في الانكار لولاية [ص 380] آلمحمد عليهم السلام و لما ان الله عز و جل صرح في كتابه العزيز ان كل دابة في الارض و كل طير في الهواء امة مثلنا و قال عز و جل و ان من امة الا خلا فيها نذير و قال ان محمدا صلي الله عليه و آله نذير للعالمين كما في قوله عز و جل تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فكلما في العالم اي ما سوي الله عز و جل فهو النذير له و صرح في قوله تعالي بان عليا خلقه من الماء فجعله نسبا لمحمد (ص) و صهرا و صرح ايضا بان اولي الارحام بعضهم اولي ببعض فنص واضحا صريحا بان عليا عليه السلام هو الوصي و الخليفة و القائم مقام النبي صلي الله عليه و آله فصارت العوالم كلها ذوات شعور و ادراك كلها رعية لمحمد صلي الله عليه و آله ثم لعلي عليه السلام و لا شك ان الرعية مسخرة لنبيهم بحيث يكون زمامهم بيده فلو اراد ان يفناهم عن آخرهم لفعل و لاينافي ذلك عصيانهم له و عدم اطاعتهم اياه لان ذلك مهلة منهم لينالوا نصيبهم من الكتاب كما ان الله تعالي امهل عصاة عبيده مع ان نواصيهم بيده و كذلك محمد و علي عليهما السلام بالنسبة الي رعاياهما و هم كل ما في العالم لانهم خلقت موادهم و هياكل اعيانهم من نورهما فلميزالوا مقابلين لهما و مستمدين عنهما كمقابلة الصور المتكثرة المنطبعة في المرايا الكثيرة المختلفة بالاعوجاج و الاستقامة و الاحمرار و الصفرة للمقابل من الشمس او غيرها و كمقابلة اظلالها و عكوسها المتحققة من خلقها بالمقابل منها او غيرها فالمقابل يمد كل شئ من المعوج و المستقيم علي حسبه فلاتستغني عن المقابل ابدا و كذلك الظلال و هي كلها من النور و الظلمة ( الظل خ ) مسخرة له و منقادة لامره و نهيه فالسباع انما تفترس [ص 381] في كل وقت باذن علي عليه السلام و امره و كذلك غيرها من سائر الحيوانات لاتخطو خطوة و لاتلحظ لحظة و لاترعي معشبا و لاتنقاد لاحد الا باذنه الخاص فالكلب مثلا لاينبح احدا ( ابدا . نسخة ٢٤٤ ) الا باذنه و لاتأكل لقمة و لا لحمة و لا جيفة الا باذنه الخاص و لاتموت الاشياء الا باذنه و لاتحيي الا باذنه المخصوص في كل ذرة ذرة في كل دفعة دفعة و لاتحرق النار و لاتحترق الخشبة مثلا و لايصعد الدخان و لايغلظ و لايخف الا باذنه و امره في كل دفعة و كل حرقة و هكذا الاحكام في كل جزئيات الوجود و كلياته و لاتأخذ الحمي احدا و لاتترك احدا الا باذنه و امره روحي فداءه ، ان قلت لي من اين تقول هذه الاقوال قلت من قوله تعالي قل من بيده ملكوت كل شئ و هو يجير و لايجار عليه اليس علي عليه السلام يد الله و قوله تعالي سبحان الذي بيده ملكوت كل شئ و اليه ترجعون و قد قالوا عليهم السلام ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم كما تقدم و في دعاء سحر كل ليلة من شهر رمضان اللهم اني اسألك بقدرتك التي استطلت بها علي كل شئ و كل قدرتك مستطيلة اللهم اني اسألك بقدرتك كلها و لا شك ان هذه القدرة ليست هي عين الذات تبارك و تعالي اذ ليس فيها تشكيك و تكثر و انما هي خلق و من هو اشرف من علي عليه السلام و اخيه و ابنائه و زوجته الطاهرة حتي يكون محلا لهذه القدرة و الله سبحانه قال و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال و قال سبحانه قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فاحذر ان تكون ممن تشملك [ص 382] هذه الآية و لايشك احد من الشيعة ان عليا عليه السلام يد الله فتكون مبسوطة و قد خلق الله سبحانه الخلق الاول قبل عالم الذر الاول في خلق الحقايق بيده حيث ورد في الاخبار كما مر بعضها انه سبحانه قبض قبضة بيمينه و قبض قبضة بشماله و كلتا يديه يمين و اليمين هو علي عليه السلام لفظا و معني فاذا كان في الخلق الاول خلق حقائق الانسان هو العلة و السبب ففي سائر اطواره و احواله فبالطريق الاولي اذ ليس الانسان في حال من الاحوال مستغنيا عن المدد و لايأتي المدد الا من الله سبحانه فما من الله سبحانه فهو عليه السلام الباب الاعظم و الصراط الاقوم بالجملة لاينبغي للمؤمن الموحد ان يشك فيما ذكرنا و ما نذكر ان شاء الله تعالي اذا كان موحدا ينزه الله سبحانه عن النقايص و يثبت له كمال الاستيلاء و القدرة فظهر لك مما ذكرنا كيفية تسخيره عليه السلام للحيوانات و تسخيرها له عليه السلام و هو في كل مقام محتاج الي الله سبحانه لايستغني عنه طرفة عين كيف و الا فيهلك و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و اما الهوام في الباطن فهو اشارة الي المستضعفين الذين لايجدون حيلة و لايهتدون سبيلا و روح الايمان فيهم في غاية الضعف و القلة و لهم مراتب كثيرة حسب اختلاف مراتب الهوام الا ان الحد الجامع هو الذي ذكرنا لك مما لا نفس له سائلة لضعف الحرارة الغريزية و كذلك هؤلاء المستضعفين يجمعهم عدم ذوقهم حلاوة الايمان و هم مختلفون في القرب اليه و البعد عنه اختلافا كثيرا او انها اشارة الي المخالفين فانهم لما تكبروا و [ص 383] استكبروا و استنكفوا عن طاعة الله سبحانه التي هي طاعة الامام عليه السلام ذلوا و صغروا و ضعفوا و لذا كثروا و قد قال عز و جل ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا ، و اولئك هم الغافلون و هذه الآية في القسم الاول من المستضعفين و قال سبحانه في هذا القسم و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل و قد اشار مولينا الباقر عليه السلام الي نوع هذا التأويل بقوله نحن و شيعتنا الناس و الباقي غثاء و في الحديث ان الله عز و جل يحشر المتكبر في القيمة علي صورة الذر و هذا ظاهر ان شاء الله تعالي و معني كونهم مسخرين لاميرالمؤمنين عليه السلام انه يدبرهم و يربيهم حيث شاء الله سبحانه فيجري عليهم من المدد الظلمانية و الطبع علي قلوبهم و ورود العذاب عليهم و قسوة قلوبهم و شدة طغيانهم و الاملاء و الامهال لهم ليزدادوا طغيانا و كفرا و هو قوله تعالي و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين و قد سمعت الكلام في الضمير المتكلم معه غيره في القرآن حيث ما ورد فلانعود و لانعيد يفهمه من كان من جنسنا و سائر الناس له منكر و هو عليه السلام يقلبهم بالله ذات الشمال و يسري بهم الي كل واد سحيق و يمهد لهم الاسباب و ييسر لهم الاعمال ليوصلوا الي ما خلقوا له من العذاب الاليم و الجحيم و هو قول النبي صلي الله عليه و آله اعملوا فكل ميسر لما خلق له و كل عامل لعمله [ص 384] و الفاعل لهذا التيسير هو الولي عليه السلام لانه الذي ناصية كل شئ بيده بالله لان يده يد الله و امره امر الله و حكمه حكم الله كما ذكرنا غير مرة فصار انكارهم له عليه السلام انما هو به كما قال عز و جل ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و قد قال عليه السلام في الدعاء لا الذي احسن استغني عن عونك و رحمتك و لا الذي اساء و اجترء عليك و لميرضك خرج عن قدرتك الدعاء ، و لا شك ان عليا عليه السلام هو القدرة التي استطال الله بها علي كل شئ و هو العون و الرحمة فكل شئ قاصد و متوجه اليه من مطيع حيث يحب الله و من عاص حيث يكره الله حيث يحب الله و هو عليه السلام الباب و الوجه و الجناب ان هو الا ذكري لاولي الالباب .
قوله عليه السلام : و الطير و هو طير القدس في فضاء الانس و هو طير واحد ظهرت الطيور كلها علي هيئته و هيكله و حكي مثاله الطير الذي علي صورة ديك اشهب براثنه في الارضين السابعة السفلي و عرفه مثني تحت العرش له جناحان جناح في المشرق و جناح في المغرب واحد من نار و الآخر ( آخر خ ) من ثلج فاذا حضر وقت الصلوة قام علي براثنه ثم رفع عنقه من تحت العرش ثم صفق بجناحيه ثم تصفق الديوك في منازلكم فلا الذي من النار يذيب الثلج و لا الذي من الثلج يطفئ النار فينادي اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا صلي الله عليه و آله سيد النبيين و اشهد ان عليا عليه السلام سيد الوصيين و ان الله سبوح قدوس رب الملئكة و الروح فتصفق الديكة باجنحتها في منازلكم فتجيبه عن قوله و هو قوله تعالي و الطير صافات كل قد علم صلوته [ص 385] و تسبيحه و الذي افهم ان هذا الطير واقف في وكره و هو علي دوحة من دوحات شجرة طوبي التي هي في الجنة في بيت مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام و تلك الدوحة قد حاذت دائرة نصف النهار التي تنصف العالم نصفين نصف في المشرق و آخر في المغرب فاحد الجناحين احاط بالمشرق كله و هو الذي من النار و لذا كان نار الدنيا في جهة المشرق و الجناح الآخر احاط بالمغرب كله و هو الذي من الثلج و رأسه علي نقطة الجنوب و ذنبه علي نقطة الشمال و هو علي تلك الدائرة و تصفيقه بالجناحين لمزج آثار تين الجهتين و هو المعبر عنه بالايلاج في الليل و النهار ففي وقت صلوة الظهر اول التصفيق و مبدأ نشو المزج و في المشية و وقت صلوة العصر ثانيه و هو ظهور ذلك البدو و المزج في الارادة و وقت صلوة المغرب ثالثه و هو ظهور الاثرين حين المزج و ان غلب اثر ظهور المغرب من البرودة الثلجية الحاصلة من الجناح الايمن و وقت صلوة العشاء رابعه و هي ( هو خ ) تمام المزج و استيلاء الثلج و مغلوبية النار لا بالانطفاء لينافي قوله عليه السلام فلا الذي من الثلج يطفئ النار و انما هو بالخفاء و عدم الظهور و ذلك لان الخلق وقعوا ( وقفوا . نسخة ٢٤٤ ) في جانب الثلج من جناحه فاذا وقعوا ( وقفوا . نسخة ٢٤٤ ) في الجانب الآخر كان الامر بالعكس و هو دائما يصفق علي تلك الدائرة و يظهر الاثر للواقفين في كل ناحية مع صوت المنادي فافهم و وقت الصبح خامسه و هو اول المزج اي ظهوره من الناحية الثانية و انما صارت اكثر الصلوات في هذه الناحية من جهة الجناح الذي من الثلج كالعصر و المغرب و العشاء بل الظهر ايضا لان وقت [ص 386] فريضته عند الزوال عن تلك النقطة و صلوة الصبح و ان كانت عند ظهور الناحية الاخري من جانب النار الا انها عند ظهور الثانية الثلجية و لذا يتفق البرد وقت الصبح اكثر و اعظم من نصف الليل و سر هذه اللطيفة صعب و بيانه مشكل بل يحتاج الي تمهيد مقدمات كثيرة الا اني اشير بالاجمال الي نوع المقال فنقول ان الوجه فيه امران و هما مرادان احدهما بيان ان التكليف بهذه الاعمال المعروفة علي الهيئات المخصوصة انما هو في هذه الدنيا الي عند الوفاة و بعدها يرتفع و يكون التكليف نوعا آخر لان مبدأ الوجود الزوال فبعده من العصر الي نصف الليل مقام النزول و البعد عن المبدأ فوجب ذكره عند الحرمان عن مشاهدته و بعد طلوع الشمس كمال مقام الصعود و احوال الآخرة و نشاءات الجنة الي وصولها الي النقطة الاعتدالية اي المتوسطة و هو مقام البلوغ الي الرضوان و وصول الاشياء الي اصلها و فناء المحب في محبوبه و الطالب في مطلوبه ثم بعد الزوال خلق جديد فافهم الاشارة من صريح العبارة و ثانيهما بيان ان ذكر الله و نور الله في الجنة لاهلها و هي في الجهة ( جهة خ ) المغرب و لذا كانت جنة الدنيا في تلك الجهة و كذلك الجزيرة الخضراء و قرية كرعة التي في وادي شمراخ و شمريخ في ناحية اليمن بين مكة و المدينة ايضا في تلك الجهة فكانت الخيرات كلها في تلك الجهة و الصلوة هي اصل الخير و الاعمال كلها فان قبلت قبلت ( قبل خ ) ما سواها و ان ردت ردت ( رد خ ) ما سواها و اما نسيان ذكره تعالي و الاعراض عنه و الجهل و الطغيان و الاغترار بزخارف الدنيا و نضرتها انما هي في النار و هي في جهة المشرق و لذا كانت حضرموت [ص 387] و وادي برهوت و بئر بلهوت كلها في المشرق فمن اغتر بطلوع الشمس و نورها و شعاعها عند ظهورها في الافق تعقبه ليل مظلم دامس مدلهم و من نظر الي زوالها و اشتغل بذكر الله عند تنقلاتها من حالاتها و صبروا في الليل المظلم تعقبهم الشمس المضيئة ،
عند الصباح تحمد القوم السري و تنجلي عنهم غلالات الكري
فافهم ضرب المثل و هو قوله تعالي اشارة الي الاولين اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا و استمتعتم بها و قوله تعالي اشارة للآخرين كلوا و اشربوا هنيئا بما اسلفتم في الايام الخالية و هذا الطير هو الملك الذي ينادي عند كل صلوة قوموا الي نيرانكم التي اوقدتموها علي ظهوركم فاطفؤها بصلوتكم ه ، فكل الطيور انما هي من اطوار هذا الطير الاعظم و الطير ورقاء المغرب و هي التي اشار اليها الشاعر في قوله :
هبطت اليك من المحل الارفع ورقاء ذات تعزز و تمنع
محجوبة عن كل مقلة عارف و هي التي سفرت و لمتتبرقع
الي آخر القصيدة و هي مشهورة و هذا الطير كلي و جزئي و الكلي و الجزئي شؤن و اطوار له فافهم فعلي هذا فكل الخلق طيور لهم جناحان جناح الخوف و هو من الثلج و جناح الرجاء و هو من النار و جناح الولاية و هو من النار و جناح البرائة و هو من الثلج و جناح الفقر و هو من الثلج و جناح الغنا و هو من النار و جناح الجهل و العجز و هو من الثلج و جناح العلم و القدرة و هو من النار فاذا كان الشئ طائرا الي جهة المبدأ من حيث الظهور الكلي و الاسم الاعظم كالتوجه اليه تعالي في مقام العبودية باسمه الله و هذا الطير يقتضي ان يكون علي الهيئة الانسانية لانها هيئة العبد فرأسه و رقبته من لا اله الا الله [ص 388] و صدره و الترقوة و العضد من محمد رسول الله صلي الله عليه و آله و قلبه و كبده و اليدان من علي اميرالمؤمنين عليه السلام و الائمة و الصديقة الطاهرة عليهم السلام اولياء الله و باقي البدن كله من اوالي من والوا و اعادي من عادوا فلما كان توجهه كليا ظهر فيه سر الوحدة علي اكمل ما ينبغي و ان كان طائرا الي الجهة الخاصة من الاسماء الجزئية فذلك يقتضي ان يكون علي هيئة هذا الطير المعروف و لذا كانت الملائكة طيورا لها اجنحة كما اخبر الحق سبحانه عنهم جاعل الملائكة رسلا اولي اجنحة مثني و ثلاث و رباع فالرسالة و التوجه الي المبدأ يقتضي ان يكون علي هذه الهيئة المعروفة بخلاف المقام الذي يتحد فيه المقامات ( المقامان خ ) اي مقام المرسل و الرسول و المرسل اليه كما في الانسان و المرسل صفة لله فعلية و لاتتوهم من كلامي حينئذ ما يزعمه الجاهلون الملحدون تعالي الله عما يقولون علوا كبيرا و ريش الطير جهات ارتباطات المفيض بفيضه علي المفاض عليه لا بذاته و تلك الروابط اذا تجسدت من عالم الغيب في عالم الشهادة ظهرت علي صورة الريش و لذا كانت الملائكة تأتي الي الائمة عليهم السلام كان يقع من زغبهم ( رشهم خ ) اي فاضل ريشهم علي فرشهم و بسطهم و كانوا يجمعونها و يجعلونها سجالا لاولادهم عليهم السلام و بالجملة فذلك الطير الاعظم و العنقاء الاقدم مسخر لاميرالمؤمنين عليه السلام و مطيع لامره و نهيه فلايرد و لايصدر الا بامره و حكمهم ( حكمه خ ) عليهم السلام فاذا كل الطيور مسخرون له عليه السلام و منقادون لامره و نهيه فمنه عليه السلام تعلموا التسبيح و [ص 389] التهليل لله عز و جل اذ كل طير له ذكر خاص يدعو الله سبحانه به و كذلك سائر الحيوانات كما في الحديث عن الحسين بن علي عليهما السلام كما في الخرائج الجرائح انه عليه السلام قال اذا صاح النسر فانه يقول يا ابن آدم عش ما شئت و ان ( فان خ ) آخره الموت و اذا صاح البازي يقول يا عالم الخفيات و يا كاشف البليات و اذا صاح الطاوس يقول مولاي ظلمت نفسي و اعترفت بذنبي فاغفر لي و اذا صاح الديك يقول من عرف الله لمينس ذكره و اذا قرقرت الدجاجة يقول يا اله الحق انت الحق و قولك الحق يا الله حق و اذا صاح الباشه ( الباش خ ) يقول آمنت بالله و باليوم الآخر و اذا صاح الحدءة يقول توكل علي الله ترزق و اذا صاح العقاب يقول من اطاع الله لميشق و اذا صاح الشاهين يقول سبحان الله حقا حقا و اذا صاح البومة تقول البعد من الناس انس و اذا صاح الغراب يقول يا رازق ارزق الرزق الحلال و اذا صاح الكركي يقول اللهم احفظني من عدوي و اذا صاح اللقلق يقول من تخلي عن الناس نجي من اذاهم و اذا صاحت البطة تقول غفرانك يا الله و اذا صاح الهدهد يقول ما اشقي من عصي الله و اذا صاح القمري يقول يا عالم السر و النجوي يا الله و اذا صاح الدبسي يقول انت الله لا اله سواك يا الله و اذا صاح العقعق يقول سبحان سبحان من لايخفي عليه خافية و اذا صاح الببغاء يقول من ذكر ربه غفر ذنبه و اذا صاح العصفور يقول استغفر الله مما يسخط الله و اذا صاح البلبل يقول لا اله الا الله حقا حقا و اذا صاح القبحة ( القبجة ظ ) تقول قرب الحق قرب و اذا صاحت السمانات تقول يا ابن آدم ما اغفلك عن الموت [ص 390] و اذا صاح السودنيق يقول لا اله الا الله محمد و آله خيرة الله و اذا صاحت الفاختة تقول يا واحد يا احد يا فرد يا صمد و اذا صاح الشقراق يقول مولاي اعتقني من النار و اذا صاحت القنبرة تقول مولاي تب علي كل مذنب من المذنبين و اذا صاح الورشان تقول ان لمتغفر ذنبي شقيت و اذا صاح الشفتين يقول لا قوة الا بالله العظيم و اذا صاحت النعامة تقول لا معبود سوي الله و اذا صاحت الخطافة فانها تقرأ سورة الحمد و تقول يا قابل توبة التوابين يا الله لك الحمد و اذا صاحت الزرافة تقول لا اله الا الله وحده و اذا صاح الحمل يقول كفي بالموت واعظا و اذا صاح الجدي يقول عاجلني الموت ثقل ذنبي و ازداد و اذا صاح الاسد يقول امر الله مهم ( منهم خ ) مهم و اذا صاح الثور يقول مهلا مهلا يا ابن آدم انت بين يدي من يري و لايري و هو الله و اذا صاح الفيل يقول لايغني عن الموت قوة و لا حيلة و اذا صاح الفهد يقول يا عزيز يا جبار يا متكبر يا الله و اذا صاح الجمل يقول سبحان مذل الجبارين سبحانه و اذا صهل الفرس يقول سبحان ربنا سبحانه و اذا صاح الذئب يقول ما حفظ الله لنيضيع ابدا و اذا صاح ابنآوي يقول الويل الويل للمذنب المصر و اذا صاح الكلب يقول كفي بالمعاصي ذلا و اذا صاح الارنب يقول لاتهلكني يا الله لك الحمد و اذا صاح الثعلب يقول الدنيا دار غرور و اذا صاح الغزال يقول نجني من الاذي و اذا صاح الكركدن يقول اغثني و الا هلكت يا مولاي و اذا صاح الابل يقول حسبي الله و نعم الوكيل حسبي الله و اذا صاح النمر يقول سبحان من تعزز ( تفرد خ ) بالقدرة و اذا سبحت الحية يقول ما اشقي من عصاك يا رحمن و اذا سبحت العقرب ( يقول خ ) الشر شئ وحش ثم قال عليه السلام ماخلق الله من شئ الا و له [ص 391] تسبيح يحمد به ربه ثم تلا هذه الآية و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم ، و في الاختصاص بسنده عن ابنعباس قال شهدنا اميرالمؤمنين عليه السلام و اذا نحن بعدة من العجم فسلموا عليه فقالوا جئناك لنسألك عن ست خصال فان اخبرتنا آمنا و صدقنا و الا كذبنا و جحدنا فقال عليه السلام سلوا متفقهين و لاتسألوا متعنتين قالوا اخبرنا ما يقول الفرس في صهيله و الحمار في نهيقه و الدراج في صياحه و القنبرة في صفيرها و الديك في نعيقه و الضفدع في نغيقه ( نقيقه خ ) فقال علي عليه السلام اذا التقي الجمعان و مشي الرجال بالسيوف يرفع الفرس رأسه فيقول سبحان الملك القدوس و يقول الحمار في نهيقه اللهم العن العشار و يقول الديك في نعيقه بالاسحار اذكروا الله يا غافلين و يقول الضفدع في نقيقه سبحان المعبود في لجج البحار و يقول الدراج في صياحه الرحمن علي العرش استوي و يقول القنبرة في صفيرها اللهم العن مبغضي آلمحمد صلي الله عليه و آله قال فقالوا آمنا و صدقنا و ما علي وجه الارض من هو اعلم منك فقال عليه السلام الاافيدكم قالوا بلي يا اميرالمؤمنين فقال ان للفرس في كل يوم ثلث دعوات مستجابات يقول في اول نهاره اللهم وسع علي سيدي و يقول في وسط النهار اللهم اجعلني احب الي سيدي من اهله و ماله و يقول في آخر نهاره اللهم ارزق سيدي علي ظهري الشهادة ه ، و كل هذه الاذكار و التسبيحات انما علمتها الطيور و الحيوانات بتعليم محمد و آله السادات عليهم السلام لانها تابعة لهم (ع) مطيعة لامرهم و نهيهم روي في الاختصاص بسنده عن حمران [ص 392] عن علي بن الحسين عليهما السلام قال كان قاعدا في جماعة من اصحابه اذ جائته ظبية فبصبصت عنده و ضربت بيديها فقال ابومحمد عليه السلام تدرون ما تقول هذه الظبية قالوا لا قال عليه السلام تزعم هذه الظبية ان فلان بن فلان رجلا من قريش اصطاد خشفا لها في هذا اليوم و انما جاءت ان اسأله ان يضع الخشف بين يديها فترضعه ثم قال ابومحمد عليه السلام لاصحابه قوموا بنا فقاموا باجمعهم فاتوه فخرج اليهم فقال له عليه السلام فداءك ابي و امي ما جاء بك فقال اسألك بحقي عليك الا اخرجت الي الخشف الذي اصطدتها اليوم فاخرجها فوضعها بين يدي امها فارضعتها فقال عليه السلام اسألك يا فلان لما وهبت لنا الخشف قال قد فعلت فارسل الخشف مع الظبية فمضت الظبية فبصبصت و حركت ذنبها فقال عليه السلام اتدرون ما قالت الظبية قالوا لا قال قالت رد الله عليكم كل غائب لكم و غفر لعلي بن الحسين عليهما السلام كما رد علي ولدي و ايضا عن ابن شيخ في مجلسه روي بسنده عن علي (ع) قال مر رسول الله صلي الله عليه و آله بظبية مربوطة بطنب فسطاطة فلما رأت رسول الله صلي الله عليه و آله اطلق الله عز و جل لها من لسانها فكلمته فقالت يا رسول الله اني ام خشفين عطشانين و هذا ضرعي قد امتلأ لبنا فخلني حتي انطلق فارضعهما ثم اعود فتربطني كما كنت فقال لها رسول الله صلي الله عليه و آله كيف و انت ربيطة قوم و صيدهم قالت بلي يا رسول الله انا اجيء فتربطني كما كنت انت بيدك فاخذ عليها موثقا من الله لتعودن و خلي سبيلها فلمتلبث الا يسيرا حتي رجعت و [ص 393] قد فرغت من ضرعها فربطها نبي الله صلي الله عليه و آله كما كانت ثم سأل لمن هذا الصيد قالوا يا رسول الله هذه لفلان ( لبني فلان خ ) فاتاهم النبي صلي الله عليه و آله و كان الذي اقتضها ( اقتنصها ظ ) منهم منافقا فرجع عن نفاقه و حسن اسلامه فكلمه النبي صلي الله عليه و آله ليشتريها منه قال بلي اخلي سبيلها فداك ابي و امي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله لو ان البهائم يعلمون من الموت ما تعلمون انتم ما اكلتم منها سمينا انتهي ، و روي عن جابر قال خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه و آله في غزوة ذات الرقاع حتي اذا كنا بحرة واقم ( اذ خ ) اقبل جمل يرفل حتي دني من رسول الله صلي الله عليه و آله فجعل يرغو علي هامته فقال صلي الله عليه و آله ان هذا الجمل يستعديني علي صاحبه يزعم انه كان يحرث عليه منذ سنين حتي اجربه و اعجفه و كبر سنه اراد نحره اذهب يا جابر الي صاحبه فأت به فقال مااعرفه قال صلي الله عليه و آله انه سيدلك عليه قال فخرج بين يديه معنقا حتي وقعت في مجلس بنيحطمة فقلت اين رب هذا الجمل قالوا هذا لفلان بن فلان فجئته فقلت اجب رسول الله صلي الله عليه و آله فخرج معي حتي اذا جاء رسول الله صلي الله عليه و آله قال ان جملك يزعم انك حرثت عليه زمانا حتي اذا اجربته و اعجفته و كبر سنه اردت نحره قال و الذي بعثك بالحق ان ذلك كذلك قال صلي الله عليه و آله ما هكذا جزاء المملوك الصالح ثم قال صلي الله عليه و آله تبيعه قال نعم فابتاعه منه ثم ارسله صلي الله عليه و آله في الشجر حتي نصب سنامه و كان اذا اعتل علي بعض المهاجرين و الانصار [ص 394] من نواضحهم شئ اعطاه اياه فمكث كذلك زمانا و عن عبدالله بن جعفر ان النبي صلي الله عليه و آله دخل حائطا لبعض الانصار فاذا فيه جمل فلما رأي النبي صلي الله عليه و آله ذرفت عيناه فمسح النبي صلي الله عليه و آله سنامه فسكن ثم قال صلي الله عليه و آله من رب هذا الجمل فجاء فتي من الانصار فقال هو لي يا رسول الله فقال صلي الله عليه و آله الاتتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله اياها فانه يشكو لي انك تجيعه و تذيبه ه ، و امثالها من الاخبار مما يدل علي التجاء البهائم و الحشرات به و باهل بيته عليه و عليهم السلام و انقيادها لهم (ع) كثيرة جازت الحد و العد و هي مذكورة في الكتب المعدة لجمع امثال هذه الاخبار و انحاء ( انواع خ ) هذه الالتجاءات انما تعلموا من اميرالمؤمنين عليه السلام ثم من اولاده الطيبين و هكذا حكم جميع اطوارهم و احوالهم كما ذكرنا غير مرة و في كتاب عبدالملك بن حكيم عن بشير النبال عن ابيعبدالله عليه السلام قال سهر داود عليه السلام ليلة يتلو الزبور فاعجبته عبادته فنادته ضفدع يا داود تعجب من سهرك ليلة و اني لتحت هذه الصخرة منذ اربعين سنة ماجف لساني عن ذكر الله عز و جل ه ، و كان ذلك الضفدع يأخذ الذكر آنا فآنا من علي اميرالمؤمنين عليه السلام لكونه و اشباهه و كل ما في الوجود المقيد مسخر له و منقاد لحكمه و هكذا حكم الاوجاع و الاسقام و الامراض و الهموم و الغموم ماتصيب احدا من الخلق الا باذنه و امره عليه السلام كما في حديث عبدالله بن شداد و قد تقدم ان الحسين عليه السلام اتاه يعوده في مرضه فلما دخل عليه [ص 395] السلام عليه هربت الحمي و قام الرجل و قال رضيت بكم الائمة ( ائمة خ ) و ان الحمي لتهرب عنكم فقعد عليه السلام فقال ان الله ماخلق خلقا الا و قد امره بالطاعة لنا ثم قال عليه السلام يا كباسة فسمعوا الصوت و لميروا الشخص يقول لبيك فقال عليه السلام الميأمرك اميرالمؤمنين ان لاتقربي الا عدوا او مذنبا لتكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل ، نقلت الحديث بالمعني و في الدعاء عن النبي صلي الله عليه و آله للحمي يا امملدم ان كنت آمنت بالله فلاتأكلي اللحم و لاتشربي الدم و لاتفوري من الفم و انتقلي الي من يزعم ان مع الله آلهة اخري فاني اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و ان محمدا صلي الله عليه و آله عبده و رسوله ، فاذا كانت الحمي و الاوجاع قد آمنت بالله و دل الدليل العقلي و النقلي انه لميؤمن احد بالله الا بواسطة ائمتنا سلام الله عليهم فكانت تلك الامور كلها من المسخرات له عليه السلام و كذلك حكم الظلال و العكوس و امثالها من التسخير و التدبير و الادراك و الشعور و كذلك ما تجنه الضمائر و تكنه السرائر و سائر المتوهمات و المتخيلات و المتعقلات كلها مسخرة له عليه السلام و انتقشت في الاذهان و النفوس بامره و اذنه و لولاه لماانتقشت و لماحصلت و انما قبلت الانتقاش و الانطباع لما وجدت من سر لفظ يكون المتحقق من كن المتحقق المتحصل من علي عليه السلام فهم من فهم و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل .
قوله عليه السلام و روحي فداءه : و عرضت علي الدنيا فاعرضت عنها انا كاب الدنيا لوجهها لما اشار عليه السلام الي المراد من قوله تعالي [ص 396] عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون بقوله عليه السلام و لقد سخر لي ، اه فاذا سخرت له عليه السلام تلك الامور التي هي عبارة عن جميع الوجود المقيد كما علمت فهو المتصرف فيها و الآمر و الناهي يحكم ما يشاء الله و يفعل ما يريد و لايريد الا ما اراد الله و لايشاء الا ما يشاء الله و لايشاء الله الا ما يشاء و لايريد سبحانه الا ما يريد كما قالوا عليهم السلام اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، اراد عليه السلام ان يبين تنزه مقامه و مرتبته الشريفة عما ذكره سبحانه من جهة التهديد و التوعيد في آخر الآية المباركة بقوله عز و جل و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و لما كان الجبر و الظلم مما دلت الادلة القطعية علي بطلانه و امتناعه و لايتحقق الاختيار التام الا بعد تمكن العبد من الجهتين مخلي السرب مرفوع الموانع بحيث لايحول بينه و بين ذلك الا اختياره بالله سواء كان مع ذلك من الله ام لا و لما كان رفع الموانع لايكون الا بتمكين قابليته و تهيؤه للقبول قال عليه السلام بعد الكلام السابق مرتبا ( مترتبا خ ) عليه و عرض علي الدنيا و العرض هو ايجاد المقبول و تمكين القابل للقبول و رفع الموانع الحائلة بين القابل و المقبول سواء كان المقبول نورا او ظلمة خيرا او شرا حقا او باطلا و ان كان المقبول في الفيض الاول في المبدأ الاول لايكون الا الخير و الحق لكن المراد هيهنا المواد الظلمانية بعد الامتياز عن المواد الطيبة الطاهرة في اول مقام العقل الممتاز عن الجهل و الدنيا حقيقة هي الظلم و هو طلب [ص 397] لذة و راحة قبل النضج اي نضج الطبيعة و في غير اوانهما فالمريض لو اطعموه المآكل اللذيذة اسرعت به الي الفناء بل يمنعونه عنها ما دام المرض فلما طاب و وصل موقعها و آن اوانها و صحت البنية و نضجت الطبيعة اطعموها اياه فجميع مآرب اهل الدنيا و توريطهم انفسهم ورطات الهلاك كلها تدور اما طلبا للذة او راحة يتعقبها بمحض الاحتمال لا علي الواقع لان ذلك موكول الي مشية الله عز و جل كما قال جل شأنه من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا و قد فسرت الدنيا ايضا بما يشغلك عن فعل مستحب و مرجعه الي ما ذكرنا اذ ليس المراد مطلق اللذة و الراحة اذ العبد يجد لذة و راحة في طاعة الله سبحانه ما لايعادله شئ من لذات الدنيا و الآخرة و انما المراد من اللذة بغير ذكر الله و طاعته و راحة برفع التكليف كما قال عليه السلام و اعوذ بك من كل لذة بغير ذكرك و كل راحة بغير انسك و هو قوله تعالي ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فالدنيا هي الامانة المعروضة علي السموات و الارض و الجبال كما قال عز و جل انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا ، فالامانة هي الدنيا و هي التي فسرت في بعض وجوه الباطن عنهم عليهم السلام انها عداوة اميرالمؤمنين عليه السلام و الله سبحانه انما عرضها علي الخلق لما ذكرنا آنفا لئلايكونوا في قبولهم لولايته عليه السلام مجبورين حتي تتم الحكمة [ص 398] و تنفذ المشية فيما اراد من خلق النار و الجحيم و الزقوم و الحميم اما عرضها علي سائر الخلق فمعروف و اما عرضها علي اميرالمؤمنين عليه السلام فلان ولايته تقتضي كل خير و معروف و هي اصل كل خير و عداوته تقتضي كل شر و منكر و هي اصل كل شر فلايمكن ان يقبل الخير باختياره الا بتمكنه من فعل الشر باختياره و اعراضه عنه باختياره فاختياره ولاية نفسه عليه السلام انما هو منوط بعرض عداوة نفسه ( عليه السلام خ ) عليه و تركه اياها باختيارها ضدها فلولا هذا العرض مااستقام الوجود لان الله عز و جل خلق كل شئ من الضدين و لا طلب من الاشياء بطلب المحبة ( طلب محبة خ ) الا احد الضدين و هو الضد الاول اي النار و لايمكن لشئ من الاشياء ان يختار الضدين معا و لايمكن ان يختار احد الضدين الا بعد عرض الضد الآخر عليه و اعراضه عنه و لذا كان اول من خوطب بالخطاب الاول من الملأ الاعلي الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي و الائمة الطاهرون اولياؤكم هو رسول الله صلي الله عليه و آله بلسان نفسه الذي هو لسان الله فعرضت عليه اضداد المذكورات فاعرض عليه السلام عنها حتي قبل مقابلاتها و هذا ظاهر بين لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فالدنيا هي ولاية فلان التي هي عداوة علي عليه السلام و هو قوله تعالي علي السموات و هو سيدنا رسول الله صلي الله عليه و آله اما كونه سماء فظاهر و اما عرض عداوة علي عليه السلام عليه صلي الله عليه و آله فلما ذكرنا من ان قبول الشئ نفسه الاولي منوط بتركه النفس الثانية بعد عرضها عليه و الا فلايتحقق القبول عند اهل المعقول و الارض و هو علي عليه السلام و هو قوله تعالي و الارض [ص 399] وضعها للانام و هو الامام عليه السلام لكونه مهبطا لجميع الانوار و مستودعا لجميع الاسرار و الجبال و هم الائمة عليهم السلام و هم اعلام الهدي و اوتاد الارض كما قال تعالي و الجبال اوتادا ، فابين ان يحملنها لما فيها من سوء العاقبة و خسران الآخرة و الغفلة عن الله سبحانه و تعالي التي هي اصل كل خطيئة و لذا ورد ان الدنيا رأس كل خطيئة و لميأبها و لميأب حملها بحقيقة الاباء الا محمد و علي و اهل بيته الطاهرون سلام الله عليهم اجمعين لقد اعرضوا عنها بالكلية و لميطلبوها و لو باللطخ و الوهم و الشوب و امثال ذلك و لقد اتي لرسول الله صلي الله عليه و آله بمفاتيح جميع خزائن الارض و قيل له خذ هذا فانه لمينقص من مقامك في الآخرة شئ تركه عليه السلام و طلب التواضع و هو عليه السلام و ان كان اهلا للرفعة و لميكن قبول ذلك من الدنيا الا انه عليه السلام اراد ان يجعل الرفعة في مكانها و الراحة في دارها و اللذة لوقتها لا في دار تفني و نعيم يزول و لايبقي او بمحل ليس بمصفي و حملها الانسان و هو ابوالدواهي و هو الذي طلب الدنيا عن الآخرة و باعها بالثمن الاوكس الادني انه كان ظلوما جهولا اما الظلوم لوضعه الشئ في غير موضعه و طلبه التلذذ و الترأس و الراحة في غير اوانها و لميكن للرياسة باهل لان اهلها السابقون في الوجود العالمون بالغيب و الشهود و اما الثاني فلان الجهل الكلي مرتبة من مراتبه و سيئة من سيئاته كما ان العقل الكلي حسنة من حسنات الائمة عليهم السلام كما في الحديث كما تقدم روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و له عليه السلام خطبة [ص 400] و كلام في بيان زهده و اعراضه عن الدنيا احب ان اذكرها هيهنا و ان كانت طويلة لاشتمالها علي فوائد جليلة و مقامات شريفة روي المجلسي (ره) عن الصدوق في الامالي باسناده عن المفضل بن عمر عن الصادق جعفر بن محمد عن ابيه عن جده عن ابيه عليهم السلام قال قال اميرالمؤمنين (ع) والله ما دنياكم عندي الا كسفر علي منهل حلوا اذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا و لا لذاتها في عيني الا كحميم اشربه غساقا و علقم اتجرعه زعاقا و سم افعاة اسقاه دهاقا و قلادة من نار ارهقها خناقا و لقد رقعت مدرعتي هذه حتي استحييت من راقعها و قال لي اقذف بها قذف الاتن لايرتضيها لبراقعها ( ليراقعها خ ) فقلت له اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السري و تنجلي عنهم غلالات الكري و لو شئت لتسربلت بالعبقري المنقوش من ديباجكم و لاكلت لباب البر بصدور دجاجكم و لشربت الماء الزلال برقيق زجاجكم و لكني اصدق الله جلت عظمته حيث يقول من كان يريد الحيوة الدنيا و زينتها نوف اليهم اعمالهم فيها و هم فيها لايبخسون اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار فكيف استطيع الصبر علي نار لو قذفت بشررة علي الارض لاحترقت ( لاحرقت خ ) نبتها و لو اعتصمت نفس بقلة لانضجها وهج النار في قلتها و ايما خير لعلي ان يكون عند ذي العرش مقربا او يكون في لظي خسيئا مبعدا مسخوطا عليه بجرمه مكذبا والله لان ابيت علي حسك السعدان مرقدا و تحتي اطمار علي سفاها ممددا او اجر في اغلال مصفدا احب الي من ان القي في القيمة محمدا صلي الله عليه و آله خائنا في ذي يتمة اظلمه بفلسة تعمدا و لماظلم اليتيم و غير [ص 401] اليتيم لنفس تسرع الي البلي قفولها و يمتد في اطباق الثري حلولها و ان عاشت رويدا فبذي العرش نزولها معاشر شيعتي احذروا فقد عضتكم الدنيا بانيابها تختطف منكم نفسا بعد نفس كدأبها و هذه مطايا الرحيل قد انيخت لركابها الا ان الحديث ذو شجون فلايقولن قائلكم ان كلام علي متناقض لان الكلام عارض و لقد بلغني ان رجلا من قطان المداين تبع بعد الحنفية علوجه و لبس من نالة دهقانه منسوجه و تضمخ بمسك هذه النواقح ( النوافج . نسخة ٢٤٤ ) صباحه و تبخر بعود الهند رواحه و حوله ريحان حديقة يشم تفاحه و قد مد له مفروشات الروم علي سرره تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره و حوله شيخ يدب علي ارضه من حرمه و ذا يتمة تضور من ضره و من قرمه فما واساهم بفاضلات من علقمه لئن امكنني الله منه لاخضمنه خضم البر و لاقيمن عليه حد المرتد و لاضربنه الثمانين بعد حد و لاسدن من جهله كل مسد تعسا له افلا شعر اولا صوف افلا وبر اولا رغيف قفار الليل افطار معدم افلا عبرة علي خد في ظلمة ليال تنحدر و لو كان مؤمنا لاتسقت له الحجة اذا ضيع ما لايملك والله لقد رأيت عقيلا اخي و قد املق حتي استماحني من بركم صاعه و عاودني في عشر وسق شعيركم يطعمه جياعه و يكاد يلوي ثالث ايامه خامصا مااستطاعه و رأيت اطفاله شعث الالوان من ضرهم كأنما اشمأزت وجوههم من قرهم فلما عاودني في قوله و كرره اصغيت اليه سمعي فغره و ظنني اوتغ ديني فاتبع ما اسره احميت له حديدة لينزجر اذ لايستطيع منها دنوا و لايصطبر ثم ادنيتها من جسمه فضج من المه ضجيج ذي دنف يأن من سقمه [ص 402] و كان ( كاد ظ ) يسبني سفها من كظمه و لحرقة في لظي اضني له من عدمه فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل اتأن من حديدة احماها انسانها لمدعبة و يجرني الي نار سجرها جبارها من غضبه اتأن من الاذي و لاائن من لظي والله لو سقطت المكافات عن الامم و تركت في مضاجعها باليات في الرمم لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الاوزار تنسخ فصبرا علي دنيا تمر بلاؤها كليلة باحلامها تنسلخ كم بين نفس في خيامها ناعمة و بين اثيم في جحيم يصطرخ فلاتعجب من هذا و اعجب بلا صنع منا من طارق طرقنا بملفوفات زملها في وعائها و معجونة بسطها في انائها فقلت له اصدقة ام نذر ام زكوة و كل ذلك يحرم علينا اهل بيت النبوة و عوضنا منه خمس ذي القربي في الكتاب و السنة فقال لا ذاك و لا ذاك و لكنه هدية فقلت له ثكلتك الثواكل افعن دين الله تخدعني بمعجونة غرقتموها بقندكم و خبيصة صفراء اتيتموني بها بعصير تمركم امختبط ام ذو جنة ام تهجر اليست النفوس عن مثقال حبة من خردل مسؤلة فماذا اقول في معجونة اتزقمها معموله والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها و استرق لي قطانها مذعنة باملاكها علي ان اعصي الله في نملة اسلبها شعيرة فالوكها ماقبلت و لااردت و لدنياكم اهون عندي من ورقة في جرادة تقضمها و اقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها اجذمها و امر علي فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيتسمها فكيف اقبل ملفوفات عكمتها في طيها و معجونة كأنها عجنت بريق حية او قيئها اللهم اني نفرت عنها نفار المهرة من كيها اريه السها و تريني القمر امتنع من [ص 403] وبرة من قلوصها ساقطة و ابتلع ابلا في مبركها رابطة ادبيب العقارب من وكرها التقط ام قواتل الرقش في مبيتي ارتبط فدعوني اكتفي من دنياكم بملحي و اقراصي فبتقوي الله ارجو خلاصي ما لعلي و نعيم يفني و لذة تنتجها المعاصي سألقي و شيعتي ربنا بعيون ساهرة و بطون خماص ليمحص الله الذين آمنوا و يمحق الكافرين و نعوذ بالله من سيئات الاعمال و صلي الله علي محمد و آله ، انتهي كلامه صلوات الله عليه انظر في هذا الكلام تجد مقامه عليه السلام في ترك الدنيا لانه عليه السلام و اولاده الطاهرين الآخرة كما تقدم في هذه الخطبة التي نحن بصدد شرحها و قد فسرت الآخرة في القرآن في الباطن بعلي عليه السلام و لايكون محض الآخرة الا بالاعراض الكلي عن الدنيا او ما يوهم انه هي لان الدنيا هي الثاني من الاول فاثبت عليه السلام بتركه للدنيا بعد ما سخرت له الرياح و الهوام و الطير الولاية المطلقة و هذا السر هو هيئة اللام في الخط العربي الالهي فان اللام مركبة من النون و الالف فالنون في مقام الكثرة و الالف سر الوحدة و الربوبية و الكثرة الغير المتصلة بالوحدة في مقام الذل و الانكسار و الانجماد و الفناء و الزوال و التغير و الاضمحلال و البطلان و العقاب و النكال و النفي و العدم قال عليه السلام و بارادتك دون نهيك منزجرة بعد ما قال فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و الوحدة بدون التعلق بالكثرة و الاتصال بها مقام الجلال و العظمة و الخفاء و عدم الظهور و هو مقام الربوبية اذ لا مربوب اما مطلقا او في العين و ان كان في الذكر فان ذلك لايوجب ظهور الكثرة و بروزها و الوحدة اي الربوبية المتعلقة بالكثرة المتصلة بها الغير المنفصلة عنها هي حقيقة الولاية المطلقة و السلطنة العامة و الامامة الخاصة [ص 404] و لما كانت اللام قد حكت هذه اللطيفة جعلت اسما لعلي عليه السلام لانه عليه السلام مدلول هذا الاسم و اثر هذا الطلسم فاثبت عليه السلام بقوله سخر لي الخ ، سر اسم اللام و بقوله اعرضت عنها اي الدنيا سر عدم الانفصال فان الدنيا من حيث هي هي فصل بين الله و بين عبده فلايحول بين العبد و بينه تعالي شئ الا الدنيا لانها هي دار الغرور و انما هي لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الاموال و الاولاد انظر الآن الي الدهن المتعلق بالنار اذا تعلق بها و تخللت في كل اجزائه و اطواره يحصل منهما نور يستضاء به و اما اذا قويت جهة الدهن ضعف النور الي ان لميبق للنار محل فيلحق بمركزها و تعود الي اصلها و اذا قويت جهة النار و ضعفت جهة الدهن بحيث احترق كله تصاعدت الاجزاء المحترقة مصاحبة للنار و تبطل النور اي يخفي لشدة اللطافة المشابهة للطافة المبدأ فاذا كان التعلق ثابتا و الانفصال من احد الطرفين منتفيا يبقي النور و الضياء الي ان يشاء الله فاثبت عليه السلام بالفقرة الاولي في بيان التسخير المتعلق بالرياح و ما بعدها عدم الانفصال من جهة المبدء الحق ثم بالفقرة الثانية في بيان اعراضه عن الدنيا عدم الانفصال من جهة نفسه اي جهة الدهن فكان بذلك وليا مطلقا حامل آثار الربوبية المتعلقة بجهات العبودية و نورا كاملا يستضاء به في كل الاحوال الظاهرية و الباطنية فاختير له عليه السلام فيما اختير له من الاسم الدال عليه عليه السلام اللام و لذا كانت دورة القمر الذي هو مثال ظهوره عليه السلام ثلثين و سر الاسم التام عندنا في الحرف الاوسط و الحرف الاول كالرأس في الجسد و الحرف الاوسط كالقلب فيه [ص 405] ثم جعل علي يمين القلب الذي هو اللام في هذا الاسم الشريف العين للاشارة الي ثمرة اللام اي ثمرة الالف المتعلقة بالنون اي ثمرة توجه العبد الي الله سبحانه في مقام الهي كيف ادعوك و انا انا و كيف لاادعوك و انت انت و تلك هي الضياء و النور الموجود في السراج عند تعلق النار بالدهن الذي اضاء بنور شعاعه ما يقابله و هي هنا في الظاهر كونه عليه السلام حاملا لامر الله التكويني و التشريعي الذي بهما قامت السموات و الارض و الامر هو قول كن لقوله عليه السلام ( تعالي خ ) انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكان كن هو امر الله و كن استنطاقه من الحروف العين بالحسابين اي حساب المغاربة و غيرهم فبحمله عليه السلام ذلك الامر كان وليا مطلقا كما ان السراج بحمله اثر النار و فعلها كان مضيئا مطلقا فالعين سر اللام لا باطنها بل ظاهرها فافهم ثم تمم اسمه الشريف بالياء عن يسار اللام لبيان انه عليه السلام حامل الولاية و حامل اللواء لا صاحب اللواء و قد قال صلي الله عليه و آله اعطيت لواء الحمد و علي حاملها ثم صار هذا الاسم الاقدس الاعظم كصاحبه عليه السلام جامع المقامات و حاوي المراتب علي كمالها من الالوهية و العبودية كما هو مقتضي ظهور الرب بفعله في العبد لا بذاته و ترك العبد الدنيا و اعراضه عنها فهو علي فعل ماض من علي يعلو مثل دعي يدعو و ذلك ظهور العين و هو كن اي مبدأه الذي هو الفعل الماضي كما حققنا في بعض اجوبتنا للمسائل و هو حينئذ مبدأ الافعال و الاسماء و سر المسخر بكسر الخاء في قوله عليه السلام و سخر لي اه و هو علي من حروف الجارة [ص 406] اي الاستعلاء الذي يخفض عنده كل شئ و لذا يكسر و يجر و يخفض مدخوله الا احمد و عمر اما احمد فلوزن الفعل و اما عمر فللعدل التقديري و ان كانا مجرورين في الباطن بل قالوا في الظاهر الا ان جرهما بالفتح اما احمد فلسر علمته علمي كما علمه علمه عليهما السلام و اما عمر فلقوله تعالي ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و اما ما سواهما من الاسماء الغير المنصرفة فلرجوعها اليهما فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و هو حينئذ رابطة لايصال الفيض و حينئذ و الفرع الكريم كما انه في الاول الاصل القديم و هو حينئذ حامل الولاية و محل المشية كما قالوا عليهم السلام نحن محال مشية الله و السنة ارادته و ترجمان وحيه كما انه في الاول اصل الولاية و مبدأها و منشأها و هو عليه السلام علي مبالغة الاسم الفاعل عال و هو عليه السلام حينئذ باب الله و صراطه و سبيل الله اذ فيه شباهة للفعل مع كونه اسما كما هو شأن الابواب المعتبر فيهم نسبة الطرفين و كونهم من سنخ الاسفل كما قال عز و جل و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون و هو عليه السلام علي اسم من اسمائه يجري عليه حكم الاسم الجامد فان الكلمات الكونية الوجودية كلها علي احوال اربع اما ان تعمل و لاتعمل اصلا لفعل الماضي و الحروف العاملة و اما ان تعمل و تعمل كفعل المضارع و اسم الفاعل و المفعول و امثالهما و اما ان تعمل و لاتعمل كالجوامد من الاسماء و اما ان لاتعمل و لاتعمل كباقي الحروف فالمرتبة الاولي مقام المشية و توابعها من الملائكة و حملة العرش و الثانية [ص 407] هم الانبياء و المرسلون و الثالثة هم الرعايا و التابعون و المؤمنون الممتحنون و غيرهم مما لميظهر فيهم المثال و الرابعة هم الكفار المعاندون في ظاهر الاقرار و هو عليه السلام قد حوي المراتب الاربع الا الرابعة لانها لاتصلح لمقامه و لاتناسب لمرتبته فافهم لقد القيت لك البذر المنقي المصفي فاحفظه عن الزوال و الله خليفتي عليك ثم ان الدنيا دنياوان دنيا ملعونة و دنيا بلاغ فالاولي هي التي يشغلك عن ذكر الله عز و جل و الثانية هي التي توصلك الي رضاه و الي قربه فالدنيا التي اعرض عليه السلام عنها هي الملعونة لا البلاغ و الا لماظهر بين ظهراني الخلائق و لماكانت اللذات الفانية الزائلة كلها مما يشغل عن ذكر الله عز و جل و الا لميكن زائلا فانيا لان ما من الله و ما عنده و ما يؤل اليه حي باق قد القي سبحانه فيه مثاله فيجب الاعراض عن كلما لذته تفني و ثمرته تزول و هذه المآكل الخشنة و اللباس الخشنة و امثالهما من الامور التي كان يستعملها عليه السلام و ان كان من ( كانت هي خ ) الدنيا لكنها دنيا بلاغ و مع ذلك كان منها توبته الي الله و استغفاره و تضرعه و بكاؤه لاكله و شربه و لبسه و حيوته بل لصومه و صلوته و لميترك هذا المقدار من الدنيا لانها لمتكن من جهة اللذة و لان تركها يستلزم ما هو اقبح فافهم الاشارة و ليس الآن موضع كشف هذه الاسرار فليرتقب ( فليترقب خ ) فيما بعد ان شاء الله تعالي و اما سائر ائمتنا عليهم السلام فهم ( فانهم خ ) انما لبسوا اللباس الفاخرة و اكلوا المآكل الطيبة لتشابههم مع الناس حتي يتمكنوا من هدايتهم لانهم عليهم السلام لميكونوا مبسوطي اليد و نافذي الحكم كما كان [ص 408] علي عليه السلام ففعلوا ما فعلوا اثباتا للدين و تشييدا لما اتي به سيد المرسلين عليه و عليهم صلوات الله ابد الآبدين و انما هم عليهم السلام معرضون عن الدنيا كما اعرض جدهم و ابوهم صلوات الله و سلامه عليه و عليهم اجمعين .