قوله عليه السلام : لقد سخر لي الرياح و الهوام و الطير اتي عليه السلام باللام للتأكيد و التثبيت لانها سر من اسرار علي عليه السلام و اسم من اسمائه و قد قلنا سابقا ان اسمه عليه السلام هو اللام و لذا كان سير القمر ثلاثين يوما لكونه مثاله و آيته و دليله و شبحه قد ظهر وجهه فيه و هو المحو الذي في القمر و بقد للتحقيق لان القاف من ظاهر علي عليه السلام [ص 336] و الدال من باطن محمد صلي الله عليه و آله و بهما يتحقق الاكوان و ظهر الاعيان و ثبت الزمان و المكان فيما ( فما خ ) يشير اليهما بتلك الجهة يكون دالا علي ذلك اما كون القاف من ظاهر علي (ع) لما ورد في تفسير حمعسق ان حم هو محمد صلي الله عليه و آله و علم علي كله في عسق فالعين اشارة الي عقله و السين الي صدره و القاف الي جسده صلي الله عليه و آله و العلوم كلها لاتخلو عن المراتب الثلثة و انما خصص القاف بالجسد لما ورد ان القاف جبل من زمردة خضراء عليه اكناف السماء و هو محيط بالدنيا كلها و خضرة السماء انما هي من تلك الزبرجدة و ذلك صفة الجسم لان جسمه الشريف و ان كان من عالم الشهادة بالنسبة الي مقامه و مرتبته و ذلك عالم الكثرة المقتضية للبرودة و اليبوسة المقتضيتين للسواد و لكنه ممتزج و مقترن بصفرة الروح و ذلك مقتضي الخضرة مع ان الجبل يشار به الي الجسد و ظاهر الشئ لانجماد المقامات الروحانية فيه كالجبل و من هذه الجهة كان ( كانت خ ) القاف يشار بها الي التحقق و الثبات و هو قول الخضر عليه السلام في مرثية مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام كنت كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف و اما الدال فانها من باطن محمد صلي الله عليه و آله لانها هو الاصل في اسمه الشريف و ما عداها كلها ظهوراتها و تفاصيل شؤنها و اطوارها و احوالها لانها يشار بها الي اجتماع الطبايع الاربع و اعتدالها المقتضي للدوام و الثبات و البقاء و الاستمرار فعند اجتماع القاف مع الدال تحصل الدلالة الي غاية التحقيق و التثبيت و لذا كان قد حرف التحقيق و التأكيد فافهم [ص 337] و اما الرياح فهي اقوي جنود الله سبحانه كما روي عنهم عليهم السلام في الفقيه عن علي بن رئاب عن ابي‌بصير قال سألت اباجعفر عليه السلام عن الرياح الاربع الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و قلت له ان الناس يقولون ان الشمال من الجنة و الجنوب من النار فقال عليه السلام ان لله عز و جل جنودا من الريح يعذب بها من عصاه موكل بكل ريح منهن ملك مطاع فاذا اراد الله ان يعذب قوما بعذاب اوحي الي الملك الموكل بذلك النوع من الريح الذي يريد ان يعذبهم به فيأمر بها الملك فتهيج كما تهيج الاسد المغضب و لكل ريح منهن اسم اماتسمع لقوله تعالي انا ارسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر و قال عز و جل الريح العقيم و قال تعالي فاصابها اعصار فيه نار فاحترقت و ما ذكر في الكتاب من الرياح التي يعذب بها من عصاه و لله عز و جل رياح رحمة لواقح و رياح تهيج السحاب فتسوق السحاب و رياح تحبس السحاب بين السماء و الارض و رياح تعصره فتمطره باذن الله عز و جل و رياح تفرق السحاب و رياح مما عد الله عز و جل في الكتاب فاما الرياح الاربع فانها اسماء الملائكة الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و علي كل ريح منهن ملك موكل بها فاذا اراد الله ان يهب شمالا امر الملك الذي اسمه الشمال فيهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الشمال حيث يريد الله عز و جل في البر و البحر و اذا اراد الله ان يبعث الصبا امر الملك الذي اسمه الصبا فهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الصبا حيث [ص 338] يريد الله عز و جل في البر و البحر و اذا اراد الله ان يبعث جنوبا امر الملك الذي اسمه الجنوب فهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الجنوب حيث يريد الله تعالي في البر و البحر و اذا اراد الله ان يبعث دبورا امر الملك الذي اسمه الدبور فهبط علي البيت الحرام فقام علي الركن اليماني فضرب بجناحيه فتفرقت ريح الدبور حيث يريد الله في البر و البحر و فيه عن الصادق عليه السلام نعم الريح الجنوب تكسر البرد عن المساكين و تلقح الشجر و تسيل الاودية و فيه ايضا عن علي عليه السلام الرياح خمسة منها العقيم فنعوذ بالله من شرها و كان النبي صلي الله عليه و آله اذا هبت ريح صفراء او حمراء او سوداء تغير وجهه و اصفر و كان كالخائف الوجل حتي ينزل من السماء قطرة من مطر فيرجع اليه لونه و يقول جاءتكم بالرحمة و روي عن الباقر عليه السلام ان الريح العقيم ريح عذاب تخرج من تحت الارضين السبع و ماخرجت منها ريح قط الا علي قوم عاد حين غضب الله عليهم و روي انه تعالي لما اراد اهلاك قوم نوح ارسل الريح العقيم فهبت عليهم فعقمت الاصلاب و الارحام فبقوا اربعين سنة لايولد لهم مولود حتي اغرقهم الله لان الاطفال لا ذنب لهم ، في الفقية عن كامل قال كنت مع ابي‌جعفر عليه السلام بالعريض فهبت ريح شديدة فجعل ابوجعفر عليه السلام يكبر ثم قال عليه السلام ان التكبير يرد الريح و قال عليه السلام مابعث الله عز و جل ريحا الا رحمة او عذابا فاذا رأيتموها فقولوا اللهم انا نسئلك خيرها و خير ما ارسلت له و نعوذ بك من شرها و [ص 339] شر ما ارسلت له و كبروا و ارفعوا اصواتكم بالتكبير فانه يكسرها و قال رسول الله صلي الله عليه و آله لاتسبوا الرياح فانها مأمورة و لا الجبال و لا الساعات و لا الايام و لا الليالي فتأثموا و رجع اليكم ، في الاحتجاج في سؤال الزنديق عنه عليه السلام قال اخبرني ما جوهر الريح قال عليه السلام الريح هواء اذا تحرك تسمي ريحا و اذا سكن تسمي هواء و به قوام الدنيا و لو كفت الريح ثلاثة ايام لفسد كل شئ علي وجه الارض و نتن و ذلك الريح بمنزلة المروحة تذب و تدفع الفساد عن كل شئ و تطيبه فهو بمنزلة الروح اذا خرج عن البدن نتن البدن و تغير تبارك الله احسن الخالقين و فيه ايضا عن علي بن يقطين انه قال امر ابوجعفر الدوانقي يقطين ان يحفر بئرا بقصر العبادي فلم‌يزل في حفرها حتي مات ابوجعفر و لم‌يستنبط منها الماء فاخبر المهدي بذلك فقال احفر ابدا حتي يستنبط الماء و لو انفقت جميع ما في بيت المال قال فوجه يقطين اخاه اباموسي في حفرها فلم‌يزل في حفرها حتي ثقبوا ثقبا في اسفل الارض فخرجت منه ريح قال فهالهم ذلك فاخبروا به اباموسي فقال انزلوني فانزل و كان رأس البئر اربعين ذراعا في اربعين ذراع فاجلس في شق محمل فدلي في البئر فلما صار في قعرها نظر الي هول عظيم و سمع دوي الريح في اسفل ذلك فامرهم ان يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم ثم دلي فيه رجلان في شق محمل فقال ايتوني بخبر هذا ما هو قال فنزلا في شق محمل فمكثا مليا ثم حركا الحبل فاصعد فقال لهما ما رأيتما فقالا امرا عظيما رجالا و نساء و بيوتا و ابنية و متاعا كل ممسوخ من حجارة [ص 340] و اما الرجل ( الرجال ظ ) و النساء فعليهم ثياب فمن بين قاعد و مضطجع و متكئ فلما مسسناهم اذا ثيابهم تنفش شبه الهباء و منازل قائمة قال فكتب بذلك ابوموسي الي المهدي و كتب المهدي الي موسي بن جعفر عليهما السلام الي المدينة يسأله ان يقدم عليه فقدم فاخبره فبكي بكاء شديدا و قال عليه السلام هؤلاء بقية قوم عاد غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم هؤلاء اصحاب الاحقاف قال فقال له المهدي يا اباالحسن و ما الاحقاف قال الرمل و في حديث المفضل و منه هذا الريح فالريح تروح عن الاجسام و تزجي السحاب من موضع الي موضع و تلقح الشجر و تسير السفن و ترخي الاطعمة و تبرد الماء و تشب النار و تجفف الاشياء الندية و بالجملة انها تحيي كلما في الارض فلولا الريح لذوي النبات و مات الحيوان و حمت الاشياء و فسدت ، في الكافي عن محمد بن عطية قال جاء رجل الي ابي‌جعفر عليه السلام من اهل الشام من علمائهم فسأل عن مسائل و اجابه عليه السلام الي ان قال و لكن الله كان اذ لا شئ غيره و خلق الشئ الذي جميع الاشياء منه و هو الماء الذي خلق الاشياء منه و خلق الريح من الماء ثم سلط الريح علي الماء فشقت الريح متن الماء حتي ثاره من زبد علي قدر ما شاء ان يثور فخلق من ذلك الزبد ارضا بيضاء نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة ثم طواها فوضعها فوق الماء ثم خلق الله النار من الماء فشقت النار متن الماء حتي ثار من الماء دخان علي قدر ما شاء الله ان يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقية ليس فيها صدع و لا ثقب و ذلك قوله تعالي [ص 341] و السماء بناها رفع سمكها فسويها و اغطش ليلها و اخرج ضحيها ، و فيه قال سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن السحاب اين يكون قال يكون علي شجر علي كثيب علي شاطئ البحر تأوي اليه فاذا اراد الله ان يرسله ارسل رياحا فاثارته و وكل به ملائكة يضربونه بالمخارق و هو البرق ثم قرأ هذه الآية الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا الآية ، و في بعض الاخبار ان الله سبحانه اول ما خلقه الهواء و في بعضها انه عليه السلام سئل اين كان الله قبل خلق السموات و الارض قال عليه السلام كان في عماء تحتها هواء و فوقها هواء و في اخبار اخر ان المؤمن حين موته تأتيه من الجنة رياح ريح مسخية فتسخيه لبذل الروح و ريح مشوقة تشوقه الي لقاء الله و الدار الآخرة و ريح منسية تنسيه الدنيا و احوالها و زخرفها و زبرجها فاذا سمعت هذه الاخبار فاعلم انه قال الله عز و جل ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قال تعالي و ما امرنا الا واحدة ، و ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال مولينا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، فاذا كان كذلك فما تجد في العالم السفلي فاعلم يقينا انه انما هو تنزل من العالم العلوي فان العالم السفلي هو ظهورات و وجوه و تفاصيل للعالم العلوي فاذا كان كذلك فالريح لها مادة و صورة مادتها الهواء و صورتها الحركة الي الجهة المعينة فقبل الحركة هو هواء راكد و بعدها ريح و الوجه في الحركة هو ازدياد الحرارة فانها هي التي تهيج الاشياء و تحركها و لذا كانت الحركة مورثة للحرارة و هي دليل ان اصلها من الحرارة و الا لماكانت اثرها و تلك [ص 342] الحرارة من تأثير اشعة الكواكب و هي دائمة و ليست الريح دائمة لان الحرارة اذا لم‌يكن لها حامل يحفظها و يحفظ اثرها لم‌تظهر بآثارها و تأثيراتها و ان كانت موجودة ، مثاله الشمس فانها اذا اشرقت علي الجدار و سائر الاحجار و الزجاجة لم‌تظهر من اشراقها حرارة مؤثرة ظاهرة بالاحراق و الاشتعال و اذا اشرقت علي البلور تظهر حرارتها بالآثار فتحرق ( فتحترق خ ) و تشتعل و ذلك لان البلور فيه قوة جامعة يجمع نور الشمس و يحفظه فتؤثر الحرارة فيه و فيما يجاورها و كذلك الهواء فانها من غاية لطافتها لم‌يمسك نور الشمس و اشعة سائر الكواكب النارية فلم‌تتبين فيه حرارة فاذا كثف الهواء باختلاطه مع الاجزاء الهبائية الارضية و الاجزاء البخارية و الاجزاء النارية المستجنة في الدخان فاذا كثرت تلك الاجزاء و قويت حفظت الحرارة الواقعة عليها و امسكت فاثرت تأثيرها و تهيجت الابخرة المختلطة بالهواء فتهيج الهواء و تحرك الي جهة لكون تلك الاجزاء تميل الي جهة لقوة مناسبتها معها و تلك الحركة تعين الاجزاء البخارية و الدخانية و الهبائية للحركة و الميل الي المبدأ بجهة خاصة فتتشعب ( فتشعب خ ) الاجزاء البخارية من جهة تلك الحركة فتحدث عن تشعبها شجرة لها غصون و اوراق فما دامت الحرارة قوية تتلطف تلك الاجزاء و تتفرق فكلما تصعد تضعف الحرارة و تقوي البرودة فيتبين الانجماد و الخمود الي ان وصلت الي الكرة الزمهريرية فهناك البرد الكلي لعدم وصول انعكاس نور الشمس اليها فتنجمد تلك الاجزاء اي الابخرة و اما الاجزاء الدخانية فلا لقوة حرارتها الا اذا اكتسبت البرودة بغلبة توارد الابخرة عليها [ص 343] و ضعفت الحرارة المستجنة فيها فحينئذ تنجمد لا مطلقا فاذا انجمدت تلك الاجزاء و تحققت و تراكمت و اثقلت انزل الله سبحانه به المطر فوقع علي الارض فنبت به النبات فصار غذاء للمواليد الثلثة من الجماد و النبات و الحيوان فلولا الريح لم‌يكن سحابا و لولا السحاب لم‌يكن مطرا و لولا المطر لم‌يحصل شئ من المركبات الثلثة و هو قوله تعالي و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء و اخرجنا به من كل الثمرات فالرياح كالروح للعالم لان الهواء هو الروح لكونه مظهر اسم الله الحي و حركته سريانه في جميع الاقطار و لذا قال عليه السلام انما سمي الروح روحا لانه مشتق من الريح و في بعض الروايات ان الروح معلقة بالريح و الريح معلقة بالهواء و لذا رضي النبي سليمان علي نبينا و آله و عليه السلام ان يحفظوا الجان ابنه في كرة الهواء لا غيرها من الكرات معللا بان عزرائيل يمكنه ان يصل اليها فلما ذكروا له الهواء سكت و رضي لان الهواء طبيعتها الحيوة و عزرائيل طبعه الموت فلايلحقه اولا و بالذات الا بامور اخر فافهم و الاشارة الي حقيقة الامر للمؤمن الممتحن ان الهواء هو امر الله المفعولي و الامر القدري الساري في ذرات الكائنات كلها لان ما من الفاعل النار و الهواء و ما من القابل الارض و الماء و جهة ارتباط الفاعل للقابل هي المادة التي هي الهواء اما الحرارة فلكونها وجه الفاعل و جهته و اما الرطوبة فلاتصالها بالقابل و امتزاجها به و اختلاطها به بحيث صار مع القابل حقيقة واحدة و المادة في غاية البساطة فحين تعلقها بالصورة [ص 344] و ميلها اليها تكونت الرياح فان كانت تلك الصورة هي الصورة الطيبة كانت تلك الريح من نسيم الجنة تظهر في كل عالم و في كل شأن و في كل حال علي حسبها فمنها ما هي مع التنزل اي الدنيا و هي الرياح اللواقح و الرياح التي تثير السحاب و تنضج الثمار و تقوي الاشجار و تجري الانهار و تهيج البحار لنمو الحيوانات البحرية و نشوها و منها ما هي حين الصعود الكلي و هي الرياح التي تأتي المؤمن عند موته كما مرت الاشارة اليها و منها ما هي بعد الصعود الكلي كما في الجنة من الرياح الطيبة و النسمات البهية مما يطول الكلام بذكره و منها ريح السكينة و الوقار و الايمان و النور و امثال ذلك و ان كانت الصورة هي الصورة الخبيثة تظهر الرياح علي مقتضي الحكم الوضعي علي حسبها فتكون ريح العذاب و حكمها حينئذ حكم الملائكة الذين يعذب الله بهم اهل النار و كما ان الشئ لايمد بالنور و العطاء الا منه و له و اليه فلايعطي الشئ ما هو خارج عن جنسه و كذلك لايمد بالظلمة و الخذلان و ما يقتضيان في كل عالم من الآثار المترتبة عليهما فيه اي في ذلك العالم و اليه الاشارة بقول علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و اول ذكر الشئ حقيقته فلايتعداها شئ و الاحكام التفصيلية الواردة علي الشئ كلها انما نشأ من حقيقته لان التفصيل من الاجمال و الكثرة من الوحدة و الفرع من الاصل و الاجمال و الوحدة و الاصل هي حقيقة الشئ و هي محل النظر الرحماني و مطرح الفيض الالهي و مورد الامر و النهي و الحكم فان كان النظر الي الشئ عن الله عز و جل [ص 345] علي جهة الرحمة يخلق الله سبحانه من نور تلك الحقيقة ملائكة من النور يحملون الفيض الوارد علي تلك الحقيقة الي سائر مقاماته و مراتب تفصيله فالملك انما يأخذ منه و يوصل اليه و يبدأ منه و يعود اليه و لما كان كل شئ من الاشياء قد ملأ الكون و الامكان فكانت الملائكة الحاملون للفيض اليه كذلك قد ملأ الكون و المكان له في كل مقام و كل عالم ملك يوصل الفيض منه اليه فملائكة كلية في المراتب المشتركة و ملائكة جزئية في المقامات المختصة فملك النور يأخذ من تلك الحقيقة لب الشئ و يوصله الي قشره بمقتضي ذلك القشر علي حسب مقامه من الطمأنينة و الراحة و العزة و العلم و المعرفة و النور و البهاء و الجلال و الجمال و كل ملك حامل لاسم من الاسماء الالهية و هم ملائكة الجنة في الدنيا و الآخرة كما قال تعالي الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ان لاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و ان كان النظر الي الشئ عن الله عز و جل علي جهة الغضب يخلق الله سبحانه ملائكة من مادة نهي الله و صورة اعراض الشئ علي مقتضي الاعراض علي هيئات منكرة و صور هائلة مهولة يحملون ما ينزل الله عليه من احكام الغضب الواردة علي حقيقته فمنه يأخذون و اليه يؤدون بدؤهم منه و عودهم اليه فالله سبحانه و تعالي يعذبه بهم الذين منه بانواع العذاب في الدنيا و الآخرة في كل مقام و كل عالم بكل طور لانه قد ملأ الاكوان و المكان بل الامكان و كذلك بعينه حكم الريح فانها هي حقيقة العالم في العالم الاول الاعلي المتعلقة [ص 346] باطوار التعينات ( التعلقات خ ) و الشؤنات فان كانت تلك الاحوال احوالا خبيثة خلاف ما اراد الله و احبه تكون تلك الرياح رياحا مظلمة عاصفة مهلكة علي حسب جريانها بمقتضي ميولات تلك الطبايع الخبيثة الملعونة من الرياح التي ذكرها الله عز و جل في كتابه العزيز فعذب بها من استوجب عقوبة الله عز و جل من جهة العتو و الاستكبار و اما الرياح الاربع التي هي الدبور و الصبا و الجنوب و الشمال فهي اول ظهورات الريح المطلق التي قلنا انها مادة الوجود من حيث تعلقها بالمتعلقات و تعينها بالمشخصات فاول تعينها هذه الرياح الاربعة و لذا كانت اربعة و هي القطب الذي يدور عليها ذرات الكائنات و لها ظاهر و باطن فمن ظاهرها يعذب الله سبحانه اهل الغضب و من باطنها يرحم الله سبحانه اهل الفضل لانها باب سور الفيض و الرحمة فمنها ينقسم الي اقطار الوجود و ذراته و هي في العالم الجسماني نقول انها بازاء الكعبة التي بازاء البيت المعمور التي بازاء العرش الذي بازاء الملائكة العالين الذين بازاء الكلمات الاربع التي بني عليها الاسلام و قام النظام و اول زوج تألف و اول ممكن تركب من زوجين و تلك هي الكلمات التي لايجاوزهن بر و لا فاجر فالدبور ملك من جنود جبرائيل و هو لائذ ببيت المعمور و حامل للركن الاسفل الايسر من العرش و هو النور الاحمر الذي منه احمرت الحمرة و طبيعته الحرارة و اليبوسة و لونه الحمرة و فعله الحل و الفتك و الفرق و التصعيد و التلطيف و قد قال النبي صلي الله عليه و آله هلكت عاد بالدبور و محل الملك في الركن الشامي و ينبوع طهوره في الركن اليماني و سعة احاطة دائرته ربع العالم و مبدؤه نقطة الجنوب الي مغيب [ص 347] الشمس و هو ضد الصبا و لذا قال صلي الله عليه و آله نصرت بالصبا و هلكت عاد بالدبور و هذا الملك حامل ركن الخلق و موصل للحرارة ( الحرارة خ ) و اليبوسة اللتان هما اصل للانشاء و الايجاد الي الذرات الجسمانية عن الركن الايسر الاسفل من البيت المعمور التي في السماء الرابعة و حامل ذلك الركن جبرائيل و هذا الملك لائذ بركن البيت الحرام التي في مكة و اخذ عن جبرئيل هناك و ينشر تلك الحرارة في اقطار العالم بجنوده و آلاته و جنوده الموصلة لتلك الحرارة الي اماكنها المقررة لها هي الريح اي ريح الدبور و هي منسوبة الي ذلك الملك و انما كان ذلك بواسطة الريح لنفوذها في جميع الذرات بقوة الحرارة و اللطافة و اللين و لايناسب غيرها للنظم المحكم و الامر المتقن و انما صار مظهر ذلك الملك و مكانه بجنوده و آلاته بين الجنوب و المغرب مع ان الظاهر و المعروف ان جهة المغرب مائلة الي البرودة و الرطوبة و المشرق الي الحرارة و اليبوسة و قد دلت بذلك فحوي بعض الاخبار و قد صرح الاطباء بان ريح الدبور و الصبا معتدلتان اما بالذات فان مهبهما بين الشمال البارد اليابس و بين الجنوب الحار الرطب فتقتضيان الاعتدال او باعتبار البلد فيقتضي ما قالوا و ملاحظة بعض الاخبار و ان جنة الدنيا في المغرب و هي طبع الرحمة و هي الماء لقوله تعالي فانظروا الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها و قوله تعالي هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات يقتضي ذلك ان الريح التي تهب من ناحية [ص 348] المغرب باردة رطبة و التي تهب من ناحية المشرق حارة يابسة فيعكس الحكم في الصبا و الدبور و الجواب اما في الظاهر فاعلم ان مهب ريح الدبور من نقطة الجنوب الي المغرب و الجنة خلف المغرب و خلف جبل قاف من تلك الناحية و بين المقامين فرق واضح لان الشمس اذا غربت يبرد وجه الارض في الليل بطوله و لذا تجد نصف الليل ابرد من اوله و آخر الليل ابرد من نصفه مع قربه من الشمس و اول الصبح في كمال البرودة الاضافية فاذا طلعت الشمس و اشرقت علي وجه الارض فتتلايم البرودة و لاتقوي الحرارة فهبوب الرياح من جهة المشرق مع الشمس يكون علي مزاج الروح اي جوزهر فلك القمر مع ان هبوب الرياح في الاغلب مع الشمس و لذا قالوا ان ريح الصبا تهب في اول النهار فيكون الغالب فيها البرودة لكنها مخلوطة بحرارة باطنية لتعدل برودتها كما ذكرنا في بعض مباحثاتنا في فلك الجوزهر و السر في وجوده و تقاطعه مع الشمس لتحقق الحيوة فان البرودة وحدها طبع الموت و الحرارة كذلك للافناء و الاعدام فاذا اقترنتا و قويت البرودة و الرطوبة فهناك تظهر الحيوة و تنضج و تتصور و تتقدر و لذا كان ريح الصبا ريح ( ريحا خ ) طيبة و ريح الحيوة نصر الله سبحانه بها نبيه صلي الله عليه و آله و ادخل السكينة و الطمأنينة بها في قلوب المؤمنين فطبعها حينئذ يكون باردا و الرطوبة فيها ظاهرة و الحرارة لها حافظة فافهم و اما اذا تعالت الشمس و سخنت وجه الارض و مكثت و حصل منه التسخين و ذلك لايكون في كمال الشدة الا بعد زوال الشمس و اول دخولها في الحلقة و وصولها الي [ص 349] تلك النقطة اي نقطة الجنوب فهناك تشتد الحرارة و تضعف البرودة فاذا هبت الرياح معها تكون في غاية الحرارة و اليبوسة اما الحرارة فظاهرة و اما اليبوسة فلتجفيف الشمس رطوبات الابخرة و بقاء الادخنة المحترقة و لا اقل من الاجزاء الارضية اليابسة و لذا يتفق البرق و الصاعقة بعد الظهر لا قبل ( قبله خ ) الا نادرا لاسباب اخر و ذلك لشدة تجفيف الادخنة و الابخرة عن الرطوبات و بقاء الاجزاء الارضية الهبائية يابسة سالمة عن المعارض فتحترق و تشتعل و تميل الي المركز و تحرق من اراد الله ان تصيبه فتكون الرياح التي تهب بعد الزوال عن ناحية المغرب في غاية الحرارة و اليبوسة فتكون ريح الدبور كما وصفنا لك حارة يابسة و اما نفس المغرب فلا شك انه بارد و هو محل الجنة من جهة ( الصعود . نسخة ٢٤٤ ) و الكمال كما اشار اليه عز و جل بقوله تغرب في عين حمأة اي الماء و الطين و الريح حكمها و اعتبارها ليس من جهة ذاتها و انما هو من جهة قراناتها و اوضاعها مع غيرها مثل الشمس و كثرة البخار و الدخان و قلتهما و كثرة احدهما او قلته و امثال ذلك و الا فهي في حد ذاتها حارة رطبة و لايبعد القول بيبوستها بالاضافة فان الهواء هو في نفسه حار رطب و الريح هي الهواء المتحرك و الحركة تحدث حرارة زائدة عما كان عليه و هي تجفف الرطوبات البخارية فيكون طبع الريح بالذات الحرارة و اليبوسة الاضافية و اختلاف طبايعها و احوالها و الوانها و شدتها و ضعفها انما هي باعتبار قرانها مع الشمس و الناحية و كثرة الابخرة و الادخنة و قلتهما او احديهما و سائر الاحوال فاذا اعتبرت هذه فلا مناص عن القول بحرارة الدبور و [ص 350] يبوسته و برودة الصبا و رطوبتها و ذلك معلوم ان شاء الله و اما قولهم ان الدبور و الصبا معتدلتان لكونهما بين الشمال و الجنوب ، فغلط لان الاعتدال انما يحصل باتمام الطبايع و اجتماعها في المجموع و العالم رجل واحد تمامه بهذه الارباع الاربعة فيجب ان يكون كل ربع علي طبيعة حتي يحصل الاعتدال التام بقراين الطبايع لا انه يجعل بعضها في كمال القوة و بعضها متناسبة فان ذلك ليس بفعل الحكيم و لاجري صنعة الايجاد علي ذلك فلو قال قائل ان الاعتدال التام في العالم ان يكون كل طبيعة علي صرافة مزاجها و تأثيرها و اقتضائها من غير ان تنكسر بطبيعة اخري و يحصل للمجموع طبيعة خامسة يظهر منها آثار كل منها و ذكر ادلة ما ذكرنا يطول به الكلام فلايصح الحكم بالاعتدال لا بالنسبة الي البلد و لا بالنسبة الي الريح نفسه لان الشمال اذا كان باردا يابسا و الجنوب حارا رطبا و هما طبيعتان متضادتان فوجب ان يكون بينهما برزخا له جهتان به يحصل التلايم و الاجتماع فيجب ان يكون بين الجنوب و الشمال الدبور اي طبيعة النار لتكون بحرارتها تناسب الجنوب و بيبوستها تناسب الشمال و بين الشمال و الجنوب يجب ان يكون الصبا لتكون ببرودتها تناسب الشمال و برطوبتها تناسب الجنوب و يحصل التأليف من الاجتماع و اما ما ذكروا فهو خارج عن قانون الحكمة و الشمال ملك من جنود عزرائيل مقره الركن الشامي و ينبوعه الركن اليماني و ركنه بازاء الركن الايسر الاعلي من البيت المعمور و هو بازاء الركن الايسر الاعلي من العرش الذي حامله الروح علي ملائكة الحجب من [ص 351] الملائكة الاربعة العالين الذين ماسجدوا لآدم عليه السلام النور الاخضر الذي منه اخضرت الخضرة و هو بازاء كلمة لا اله الا الله و طبعه البارد اليابس و انما خالف لونه طبعه لاختلاطه و امتزاجه بالنور الاصفر و لذا كان الشمال من اليمين فللشمال مقامان مقام في قوله عليه السلام قبض قبضة بيمينه و قبض قبضة بشماله و كلتا يديه يمين و هذا الشمال لونه الخضرة و طبيعته البرودة و اليبوسة ظاهرا في الصورة و في السر و الباطن فيه الحرارة و اليبوسة او الرطوبة و من هذا القبيل الملك الذي اسمه الشمال الموكل بالرياح الشمالية و مقام في قوله تعالي و اما من اوتي كتابه بشماله فسوف يدعو ثبورا و يصلي سعيرا و هذا الشمال هو بارد يابس طبيعة الموت و لونه السواد و رائحته منتنة و ريحه قتالة و هي الصرصر و فعله القبض و الجمودة و التغرير و التثقيل و تهيج المرة السوداء و سعة احاطة دائرته ربع العالم و مبدأه الجدي الي مغيب الشمس و هذا الملك هو حامل ركن الموت عن عزرائيل الي اقطار الوجود بجنوده و اعوانه و آلته في هذا الحمل الهواء و ركن الموت البرودة و اليبوسة و لايستقيم شئ من الاشياء الا بها فهي من حيث هي ميت و موت و اذا اشرق عليها نور الحرارة و الرطوبة و صلحت قابليته ببرازخ تحفظ وجودها حييت باذن الله تعالي و اليه الاشارة بقوله عز و جل و من آياته انك تري الارض خاشعة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت و ربت و الارض طبع الموت لانها باردة يابسة قالوا اما الوجه في يبوسة هذه الريح فلانها تجتاز اما علي مياه جامدة لاينفصل عنها ابخرة يخالطها او علي البراري [ص 352] فلايصحبها ابخرة مائية كثيرة لقلة الحرارة تلطف الاجزاء المائية و تجعلها بخارا و كثرة البرودة المانعة من ذلك و لانها لايجتاز علي مياه سائلة و اما برودتها فلانها تجتاز علي جبال و بلاد باردة و الجنوب ملك من جنود اسرافيل مقره الركن العراقي و ينبوعه الركن اليماني و هو بازاء الركن الايمن الاسفل من البيت المعمور و هو بازاء الركن الايمن الاسفل من العرش الذي حامله الروح من امر الله من الملائكة الاربعة العالين و هو النور الاصفر الذي منه اصفرت الصفرة و هو بازاء كلمة الحمد لله من الكلمات الاربع التي عليها مدار الاسلام و الايمان في الذوات و الصفات و كل الجهات و طبيعته الحرارة و الرطوبة و لونه الصفرة و فعله الحل و التعفين و امساك الحيوة و سيأتي ان شاء الله تعالي تفصيل احوال هذه الرياح الاربع و بالجملة هي العمدة في نظام العالم و بها يتسق الوجود و تظهر الاحكام المختلفة من ينبوع واحد روي القمي باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي‌جعفر عليه السلام عن ابيه عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي اراد ان يخلق خلقا بيده ثم ذكر ما قال الله للملائكة في امر خلق آدم عليه السلام الي ان قال فاغترف ربنا عز و جل غرفة بيمينه من الماء العذب الفرات و كلتا يديه يمين فصلصلها في كفه حتي جمدت فقال منك اخلق النبيين و المرسلين و عبادي الصالحين و الائمة المهتدين و الدعاة الي الجنة و اتباعهم الي يوم القيمة و لاابالي و لااسئل عما افعل و هم يسئلون ثم اغترف غرفة اخري من الماء المالح الاجاج فصلصلها في كفه فجمدت ( حتي جمدت خ ) ثم قال لها منك اخلق [ص 353] الجبارين و الفراعنة و العتاة و اخوان الشياطين و الدعاة الي النار الي يوم القيمة و اشياعهم و لاابالي و لااسئل عما افعل و هم يسئلون قال و شرط في ذلك البداء فيهم و لم‌يشترط في اصحاب اليمين ثم خلط المائين جميعا في كفه فصلصلهما ثم كفأهما قدام عرشه و هما سلالة من طين ثم امر الله سبحانه ملائكة الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور ان يجولوا علي هذه السلالة الطين فابرؤها و انشأوها ثم ابرؤها و جزؤها و فصلوها و اجروا فيها الطبايع الاربع الريح و الدم و المرة و البلغم فجالت الملائكة عليها و هي الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور و اجروا فيها الطبايع الاربع الريح في الطبايع الاربع من ناحية الشمال و البلغم في الطبايع الاربع من ناحية الصبا و المرة في الطبايع الاربع من ناحية الدبور و الدم في الطبايع الاربع من ناحية الجنوب قال فاستقلت النسمة و كمل البدن فلزمه من ناحية الريح حب النساء و طول الامل و الحرص و لزمه من ناحية البلغم حب الطعام و الشراب و البر و الحلم و الرفق و لزمه من ناحية الدم حب اللذات و ركوب المحارم و الشهوات قال ابوجعفر عليه السلام وجدنا في كتاب علي عليه السلام ، و الحديث طويل فبين عليه السلام ان استقلال النسمة و كمال البدن انما هو بهذه الرياح الاربع و لما كان فعله سبحانه يجري علي مجري واحد و حكمه و امره واحدا ( واحد خ ) فكان تمام العالم بها فكان تمام كل ذرة من ذرات الوجود بها لان حكم الله سبحانه في الكل هو حكمه في الجزء و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و كذا الحكم في الظاهر و الباطن فكانت حقيقة الريح و اصلها و مبدؤها في الوجود الاول الامر المفعولي الذي به قوام السموات و الارض [ص 354] و كلما في الوجود المقيد و هو الهواء فيما ورد ان اول ما خلق الله الهواء فكان فانيا غائبا في ظهور نار المشية و ساكنا غير متحرك لعدم ظهور الاثر الفاني في المؤثر عند المؤثر و معه فلما ظهر مقتضي الاغيار و هو اقبال القابليات بالسنة الطلبات و توجهها بلطائف ذاتياتها الي ابواب استغنائها بالله سبحانه و لما كان الهواء هو الباب غلقته تلك اللطائف المعبر عنها بالابخرة و الادخنة المتصاعدة من ارض الجرز و ارض الجواز و هي مذكورية الاشياء فيه و صلوحها لتعلقه بها بتقيده بها فتهيج الهواء بامر الله سبحانه لسد فاقة اولئك الفقراء السائلين اللائذين بباب الله و مال الي الجهة المستدعية لتلك الجهة العليا فتحرك فحدث منها الريح و اثارت السحاب فقطر منه المطر و هو الماء الذي به حيوة كل شئ فسيق الي الارض الجرز و البلد الميت فعمرت حديقة الجنة التي ازلفت للمتقين و من دخلها كان آمنا من المؤمنين فنبتت فيها انواع الفواكه و الثمار علي انحاء الاشجار و صاقورة تلك الجنان عرش الرحمن فكان اول من ذاق الباكورة في جنان الصاقورة روح القدس و هو خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل فاستمد منه الروح من امر الله و استمدت منه النفس التي لايعلم ما فيها عيسي و استمد منها الروح علي ملائكة الحجب فتم بها العالون و هم السابقون السابقون اولئك المقربون و تم بها عرش الرحمن فاستمد جبرئيل عن الروح علي ملائكة الحجب و عزرائيل عن النفس التي لايعلم ما فيها عيسي و اسرافيل عن الروح من امر الله و ميكائيل عن روح القدس فاستمد الدبور عن جبرئيل و الشمال عن عزرائيل [ص 355] و الجنوب عن اسرافيل و الصبا عن ميكائيل فكانت المرة الصفراء عن الدبور و السوداء عن الشمال و الدم عن الجنوب و البلغم عن الصبا فتم بها النظام و ظهر امر الله الملك العلام و كل هذه رياح ظاهرية و باطنية و غيبية و شهودية و علوية و سفلية و نورانية و ظلمانية و عليينية و سجينية و شرح احوال كل واحد منها يطول به الكلام و سيأتي ( ستأتي خ ) لها زيادة شرح ان شاء الله تعالي و كلها مسخرة للامام عليه السلام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام و اولاده الطيبين عليهم السلام الا ان له عليه السلام بالاصالة و لهم عليهم السلام بالبدلية و الفرعية و يشير الي هذا العموم و الكلية قوله عليه السلام و سخر لي الرياح ، فاتي بالجمع المحلي باللام المفيدة للعموم لاشارة الي الرياح مطلقا اي كلما يصح عليه اطلاق الريح علي اي وجه يكون من الحقيقة او الحقيقة بعد الحقيقة او غير ذلك من سائر الاطلاقات و ما ورد في بعض الروايات ان سليمان علي نبينا و آله و عليه السلام اوتي له بثلثة رياح اخذ اثنتين منها و ترك الثالثة لعلي عليه السلام و بهذا المعني او قريب منه ورد في حق ذي‌القرنين و ليس الآن ببالي اصل الحديث و ذلك لاينافي الكلية المدعاة في كلامه عليه السلام لان كل واحد من سليمان عليه السلام او ذي‌القرنين لما حكي ظهور وجه واحد من سلطنة علي عليه السلام سخر الله سبحانه له الريح حسب حكايته من ذلك الظهور و لما كانت الحكاية لم‌تكن كلية ماتحمل لتسخير تلك الرياح الصعبة الشديدة العاصفة البالغة حد الشدة فكان يتركها لصاحبها و لمربيها و يأخذ ما كان يتحمل من تلك الرياح لحكاية ظهور وجه [ص 356] من سلطنة مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام فمنه وصلت اليهما و اليه عاد ما ذهب عنهما عليهما السلام و عن غيرهما من الانبياء و الاولياء و الملوك و السلاطين لان الله عز و جل قال هنالك الولاية لله الحق و ليست هذه الولاية هي عين ذاته سبحانه و انما هي آثار فعله و ظهور سلطنته و قهاريته و قيوميته و قد دلت الادلة العقلية و النقلية مما ذكرنا و مما سيأتي ان عليا عليه السلام هو حامل ولاية الله الكبري و صاحب الرياسة العظمي فكانت الرياح كلها مسخرة له عليه السلام و قد علمت مما ذكرنا ان الاشياء كلها انما تحققت و تأصلت بهذه الرياح فاثبت عليه السلام باللزوم ان كل شئ مسخر له فيأتي حينئذ تأويل قوله تعالي ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ، و يعلم مستقرها و مستودعها و هو عليه السلام يد الله الآخذة بناصية كل دابة و علم الله الذي احاط بكل البرية و ان اجريت الكلام علي مقتضي ظاهر الظاهر يظهر صريح الامر و قوله تعالي و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون و اليد هو علي عليه السلام و القبضة قبضته و اليمين هو علي عليه السلام و التنزيه انما هو عن وقوع الشركة فيه عليه السلام حيث قارنوه مع فلان و فلان و فلان و نسبوهم الي الله سبحانه بانهم اولياؤ الله و هم حزب الشيطان و اعداء الرحمن و الله سبحانه منزه عن ذلك و الحاصل ان الآيات و الروايات و ادلة العقل منطبقة و ناصة علي ان عليا عليه السلام سخر له كل شئ كما خاطبه سبحانه و اولاده الطاهرين في الباطن بقوله تعالي و سخر لكم الفلك [ص 357] لتجري في البحر بامره و سخر لكم الانهار و سخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار ثم انه سبحانه اجمل القول بعد ما اشار الي بعض التفصيل بقوله تعالي و اتيكم من كل ما سألتموه و قوله عليه السلام و سخر لي الرياح اشارة الي باطن قوله تعالي حكاية عن سليمان النبي علي نبينا و آله و عليه السلام حيث قال رب اغفر لي و هب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي انك انت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بامره رخاء حيث اصاب و الشياطين كل بناء و غواص و آخرين مقرنين في الاصفاد هذا عطاؤنا فامنن او امسك بعير حساب ه‍ ، فسليمان في الباطن هو اميرالمؤمنين عليه السلام هو الذي دعي ربه قبل الداعين و ذكره قبل الذاكرين و سليمان النبي عليه السلام قد حكي عنه علي مقداره من الحكاية تظهر فيه من اسرار ( فظهر فيه من سر خ ) تلك السلطنة تأمل في قوله عليه السلام في الزيارة ذكركم في الذاكرين اي ذكر الذاكرين لله هو ذكركم لله علي احد الوجوه المناسب لمقام الاستشهاد و قوله عليه السلام ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و منتهاه ، و لا شك ان دعاء سليمان عليه السلام خير وجب ان يكون علي عليه السلام اوله و معدنه و منتهاه فافهم قال عليه السلام رب اغفر لي اي لشيعتي لانهم الظاهر بالتكلم و الخطاب و الغيبة لان التكلم ليس هو عين الذات البحت و هب لي ملكا لاينبغي لاحد من بعدي اذ لا بعده احد و لا وراءه شئ و قد احاط بالقبل و البعد فهو قبل القبل و بعد البعد حين لا قبل و لا بعد فطلب منه سبحانه ان يملكه الدنيا و العقبي و ما احاط به العرش الاعلي بحقيقة ما هو اهله و [ص 358] لم‌يستأهل غيره عليه السلام لهذا الطلب ابدا و لذا قال تعالي لاينبغي لاحد من بعدي فلو كان غيره مستأهل له لكان ينبغي له و لم‌يكن هذا المعني متحققا في سليمان عليه السلام كما هو المعلوم فاجابه سبحانه لكونه دعاء وقع مستجمعا لجميع شرائط الاجابة من كمال الاستيهال و ظهور الحكمة و وضع الشئ كما ينبغي علي كمال ما ينبغي فقال سبحانه و تعالي مفرعا علي دعائه عليه السلام فسخرنا له الريح التي شقت بطن الماء اي البحر الاول الذي حصل من ذوبان الياقوتة الحمراء فموجت البحر و صعدت منه البخار و الدخان و ميزت عنه الزبد حتي خلق الله سبحانه بالبخار و الدخان السموات السبع و العرش و الكرسي و النار و الهواء و الماء و الملائكة و الجان و بالزبد الارضين السبع و الجبال و البحار و البراري و القفار و طبقات النار و الشياطين الاشرار و البحر المظلم و نار السموم و الريح العقيم و الطغات و السجين و الثري و ما تحت الثري و ما لايعلمه الا الله و هي تجري بامره رخاء حيث اصاب فجرت هذه الريح باطوارها و احوالها في كينونات حقائق اهل الدنيا و الآخرة بامره عليه السلام و لايتعداه شئ من احوال النشأتين و غيرهما من سائر عوالم الربوبية و العبودية ثم لما من الله سبحانه اياه عليه السلام بهذه العطية العظمي فوض اليه امرها و جعل اليه عليه السلام حكمها فقال هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب ، و عن كتاب منهج التحقيق الي سواء الطريق عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال كنت انا و الحسن و الحسين عليهما السلام و محمد بن الحنفية و محمد بن ابي‌بكر و عمار بن ياسر و مقداد [ص 359] بن اسود الكندي رضي الله عنهم فقال له ابنه الحسن عليهما السلام يا اميرالمؤمنين ان سليمان بن داود سأل ربه ملكا لاينبغي لاحد من بعده فاعطاه ذلك فهل لك مما ملك سليمان بن داود شيئا فقال و الذي فلق الحبة و برأ النسمة ان سليمان بن داود سأل الله عز و جل الملك فاعطاه و ان اباك ملك ما لم‌يملكه احد بعد جدك رسول الله صلي الله عليه و آله قبله و لايملكه احد بعده فقال الحسن عليه السلام نريد ان ترينا مما فضلك الله به من الكرامة فقال افعل ان شاء الله فقام اميرالمؤمنين عليه السلام و توضأ و صلي ركعتين فدعي الله عز و جل بدعوات لم‌نفهمها ثم اومئ بيده الي جهة المغرب فماكان باسرع من ان جاءت سحابة فوقعت علي الدار و الي جانبها سحابة اخري فقال اميرالمؤمنين عليه السلام ايتها السحابة اهبطي باذن الله عز و جل فهبطت و هي تقول اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و انك خليفته و وصيه من شك فيها فقد هلك و من تمسك بك ( بها خ ) فقد سلك سبيل النجاة قال ثم انبسطت السحابة الي الارض حتي كأنها بساط موضع فقال عليه السلام اجلسوا علي الغمامة فجلسنا و اخذنا موضعنا و اشار الي السحابة الاخري فهبطت و هي تقول كمقالة الاولي و جلس اميرالمؤمنين عليه السلام منفردا ثم تكلم بكلام و اشار اليها بالمسير نحو المغرب و اذا بالريح قد دخلت تحت سحابتين فرفعتهما رفعا رقيقا فتأملت نحو اميرالمؤمنين عليه السلام و اذا به علي كرسي و النور يسطع من وجهه يخطف بالابصار فقال الحسن عليه السلام يا اميرالمؤمنين ان سليمان بن [ص 360] داود كان مطاعا بخاتمه و اميرالمؤمنين بماذا فقال اميرالمؤمنين عليه السلام انا عين الله في ارضه انا لسان الله الناطق في خلقه انا نور الله الذي لايطفأ انا باب الله الذي يؤتي منه و حجته علي عباده ثم قال عليه السلام اتحبون ان اريكم خاتم سليمان بن داود قلنا نعم فادخل يده في جيبه فاخرج خاتما من ذهب و فصه من ياقوتة حمراء عليه مكتوب محمد و علي قال سلمان فعجبنا من ذلك فقال عليه السلام من اي شئ تعجبون و ما العجب من مثلي انا اريكم اليوم ما لم‌تروه ابدا فقال الحسن عليه السلام اريد ان تريني يأجوج و مأجوج و السد الذي بيننا و بينهم فسارت الريح بالسحابة فسمعنا لها دوي كدوي الرعد و علت في الهواء و اميرالمؤمنين عليه السلام يقدمنا حتي انتهينا الي جبل شامخ في العلو و اذا شجرة جافة تساقطت اوراقها و جفت اغصانها فقال الحسن عليه السلام ما بال هذه الشجرة قد يبست فقال عليه السلام سلها فانها تجيبك فقال الحسن عليه السلام ما بال هذه الشجرة قد حدث بك ما نراه من الجفاف فلم‌تجبه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام بحقي عليك الا ما اجبته قال الراوي والله لقد سمعتها و هي تقول لبيك لبيك يا وصي رسول الله و خليفته ثم قالت يا بامحمد ان اميرالمؤمنين عليه السلام كان يجيئني كل ليلة وقت السحر و يصلي عندي ركعتين و يكثر من التسبيح فاذا فرغ من دعائه جائته غمامة بيضاء ينفح ( ينفخ خ ) فيها ريح المسك و عليها كرسي فيجلس و يسير به و كنت اعيش ببركته فانقطع عني منذ اربعين يوما فهذا سبب ( سر خ ) ما تراه مني فقام اميرالمؤمنين عليه السلام فصلي ركعتين و مسح بكفه عليها [ص 361] فاخضرت و عادت الي حالها و امر الريح فسارت بنا فاذا نحن بملك يده بالمغرب و الاخري بالمشرق فلما نظر الملك الي اميرالمؤمنين عليه السلام قال اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله ارسله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و اشهد انك وصيه و خليفته حقا و صدقا فقلنا يا اميرالمؤمنين من هذا الذي يده في المغرب و الاخري في المشرق فقال عليه السلام هذا الملك الذي وكله الله عز و جل بظلمة الليل و ضوء النهار و لايزول الي يوم القيمة و ان الله عز و جل جعل امر الدنيا الي و ان اعمال الخلق تعرض في كل يوم علي ثم ترفع الي الله عز و جل ثم سرنا حتي وقفنا علي سد يأجوج و مأجوج فقال اميرالمؤمنين عليه السلام للريح اهبطي بنا مما يلي هذا الجبل و اشار بيده الي جبل شامخ في العلو و هو جبل الخضر عليه السلام فنظرنا الي السد فاذا ارتفاعه مد البصر و هو اسود كقطعة ليل دامس يخرج من ارجائه الدخان فقال اميرالمؤمنين عليه السلام يا بامحمد انا صاحب هذا الامر علي هؤلاء العبيد قال سلمان فرأيت اصنافا ثلثة طول احدهم مائة و عشرون ذراعا و الثاني طول كل واحد سبعون و الثالث يفرش احدي اذنيه تحته و الاخري يلتحف بها ثم ان اميرالمؤمنين عليه السلام امر الريح فسارت بنا الي جبل قاف فانتهينا اليه فاذا هو من زمردة خضراء و عليها ملك علي صورة النسر فلما نظر الي اميرالمؤمنين عليه السلام قال السلام عليك يا وصي رسول الله و خليفته اتأذن لي في الكلام فرد و قال له ان شئت تكلم و ان شئت اخبرتك [ص 362] عما تسألني عنه فقال الملك بل تقول انت يا اميرالمؤمنين قال تريد ان آذن لك ان تزور الخضر عليه السلام قال نعم قال قد اذنت لك فاسرع الملك بعد ان قال بسم الله الرحمن الرحيم فمشينا علي الجبل هنيئة فاذا بالملك قد عاد الي مكانه بعد زيارة الخضر عليه السلام فقال سلمان يا اميرالمؤمنين ارأيت الملك مازار الخضر الا حين اخذ اذنك فقال عليه السلام و الذي رفع السماء بغير عمد لو ان احدهم رام ان يزول من مكانه بقدر نفس واحد لمازال حتي آذن له و كذلك يصير حال ولدي الحسن و بعده الحسين و تسعة من ولد الحسين عليهم السلام و تاسعهم قائمهم فقال سلمان ما اسم الملك الموكل بالقاف فقال عليه السلام ترحائيل فقال يا اميرالمؤمنين كيف تأتي كل ليلة الي هذا الموضع و تعود فقال عليه السلام كما اتيت بكم و الذي فلق الحبة و برأ النسمة اني لاملك من ملكوت السموات و الارض ما لو علمتم ببعضه لمااحتمله جنانكم ان اسم الله الاعظم اثنان و سبعون حرفا و كان عند آصف بن برخيا حرف واحد فتكلم به فخسف الله الارض ما بينه و بين عرش بلقيس حتي تناول السرير ثم عادت الارض كما كانت اسرع من طرف النظر و عندنا والله اثنان و سبعون حرفا و حرف واحد عند الله عز و جل استأثره في علم الغيب و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم عرفنا من عرفناه انكرنا من انكرناه ثم قام عليه السلام و قمنا فاذا نحن بشاب في الجبل يصلي في قبرين فقلنا يا اميرالمؤمنين من هذا الشاب فقال عليه السلام هذا صالح النبي عليه السلام و هذان القبران لامه و ابيه و انه يعبد الله بينهما فلما [ص 363] نظر اليه صالح لم‌يتمالك نفسه حتي بكي و اومأ بيده الي اميرالمؤمنين عليه السلام ثم اعادها علي صدره و هو يبكي فوقف اميرالمؤمنين عليه السلام عنده حتي فرغ من صلوته فقلنا له ما بكاؤك قال صالح ان اميرالمؤمنين عليه السلام كان يمر بي عند كل غداة فيجلس فتزاد عبادتي من ذلك فقال عليه السلام تريدون ان اريكم سليمان بن داود قلنا نعم فقام عليه السلام و نحن معه حتي دخل بستانا مارأينا احسن منه و فيه من جميع الفواكه و الاعناب و الانهار تجري و الاطيار يتجاوبن علي الاشجار فحين رأته الاطيار ترفرفت حوله حتي توسطنا البستان فاذا بسرير عليه شاب ملقي علي ظهره واضع يده علي صدره فاخرج اميرالمؤمنين عليه السلام الخاتم من جيبه و جعل في اصبع سليمان بن داود عليهما السلام فنهض قائما قال السلام عليك يا اميرالمؤمنين و وصي رسول رب العالمين و انت والله الصديق الاكبر و الفاروق الاعظم قد افلح من تمسك بك و قد خاب و خسر من تخلف عنك و اني سألت الله عز و جل بكم اهل البيت فاعطيت ذلك الملك قال سلمان فلما سمعنا كلام سليمان بن داود لم‌اتمالك نفسي حتي وقعت علي اقدام اميرالمؤمنين عليه السلام اقبلها و حمدت الله عز و جل علي جزيل عطاه بهدايته الي ولاية اهل البيت الذين اذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا و فعل اصحابي ثم سألت اميرالمؤمنين عليه السلام ما ما وراء قاف ( ما وراءه خ ) واقف قال عليه السلام وراءه ما لايصل اليكم علمه فقلنا تعلم ذلك يا اميرالمؤمنين فقال عليه السلام علمي بما وراءه كعلمي بحال هذه الدنيا [ص 364] و ما فيها و اني الحفيظ الشهيد عليها بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و كذلك الاوصياء من ولدي بعدي ثم قال عليه السلام اني لاعرف بطرق السموات من طرق الارض نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله بها اجاب نحن الاسماء المكتوبة علي العرش و لاجلنا خلق الله عز و جل السماء و الارض و العرش و الكرسي و الجنة و النار و منا تعلمت الملائكة التسبيح و التقديس و التهليل و التكبير و نحن كلمات الله التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه ثم قال عليه السلام اتريدون ان اريكم عجبا قلنا نعم قال غضوا اعينكم ففعلنا ثم قال افتحوها ففتحنا فاذا نحن بمدينة مارأينا اكبر منها الاسواق قائمة و فيها اناس مارأينا اعظم من خلقتهم علي طول النخل قلنا يا اميرالمؤمنين من هؤلاء قال عليه السلام بقية قوم عاد كفار لايؤمنون بالله عز و جل احببت ان اريكم اياهم و هذه المدينة و اهلها اريد ان اهلكهم و هم لايشعرون قلنا يا اميرالمؤمنين بغير الحجة ( حجة خ ) قال لا بل بحجة علينا فدني منهم فهموا ان يقتلوه و نحن نراهم و هم يروننا ثم تباعد عنهم و دنا و مسح يده علي صدرنا و ابداننا و تكلم بكلمات لم‌نفهمها و عاد اليهم ثانية حتي صار بازائهم و صعق فيهم صعقة قال سلمان لقد ظننا ان الارض قد انقلبت و السماء قد سقطت و ان الصواعق من فيه قد خرجت فلم‌يبق منهم في تلك الساعة احد قلنا يا اميرالمؤمنين ماصنع الله بهم قال عليه السلام قد هلكوا و صاروا الي النار قلنا هذا معجز مارأينا و لاسمعنا بمثله فقال عليه السلام اتريدون ان اريكم اعجب من هذا فقلنا لانطيق باسرنا علي احتمال [ص 365] شئ آخر فعلي من لايتوالاك ( لايتولاك خ ) و يؤمن بفضلك و عظم قدرك علي الله عز و جل لعنة الله و لعنة اللاعنين و الملائكة و الخلق اجمعين الي يوم الدين ثم سألناه الرجوع الي اوطاننا فقال عليه السلام افعل ان شاء الله فاشار الي السحابتين فدنتا منا فقال عليه السلام خذوا مواضعكم فجلسنا علي سحابة و جلس علي الآخر و امر الريح فحملتهما حتي سرنا في الجو و رأينا الارض كالدرهم ثم حطتنا ( حططنا خ ) في دار اميرالمؤمنين عليه السلام في اقل من طرف النظر و كان وصولنا الي المدينة وقت الظهر و المؤذن يؤذن و كان خروجنا منها وقت علت الشمس فقلنا بالله العجب كنا في جبل قاف مسيرة خمسة سنين و عدنا في خمس ساعات من النهار فقال اميرالمؤمنين عليه السلام لو انني اردت ان اجول الدنيا باسرها و السموات السبع و ارجع في اقل من الطرف لفعلت بما عندي من الاسم الاعظم ه‍ ، و قد ذكرت الحديث بطوله لما فيه من ظهور بعض سلطنة اميرالمؤمنين عليه السلام بتسخير الرياح له من الله عز و جل و يريد عليه السلام ايضا بقوله سخر لي الرياح اثبات مقام نفسه في ذاته و في الدعاء رب هب لي نفسي و ذلك في قوله تعالي هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتي اذا اقلت سحابا ثقالا سقناه الي بلد ميت فانزلنا به الماء فاخرجنا به من كل الثمرات فالرحمة هي مقام النقطة و هي باطن الباطن في آخر مراتب السبعين او السبعة و هي السر المقنع بالسر و مقام الحقيقة المقدسة النبوية صلي الله عليه و آله و الرياح هي مقام الالف و النفس الرحماني الاولي بفتح الفاء و باطن الباطن تحت الرتبة الاولي بدرجة [ص 366] و السر المستسر بالسر و مقام الحقيقة المقدسة العلوية عليه و آله السلام و السحاب المزجي في قوله تعالي ان الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما هي مقام ( مقامات خ ) الحروف العاليات و سر السر و باطن الباطن و باطن الظاهر و حق الحق و مقام الحقيقة المقدسة المعصومية اي حقائق الائمة الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و السحاب الثقال و المتراكم الحامل للمطر و الماء هو مقام الكلمة التامة و مقام الظاهر و السر و الحق و السر المجلل بالسر و مقام الحقيقة المقدسة الفاطمية عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها آلاف الثناء و التحية فاذا تمت هذه الكلمة و ائتلفت هذه الفرقة استنطقت منها في عالم الالفاظ و الاجسام كلمة كن فاشرقت منها النور و هو المطر و الوجود علي الليل الديجور و هي ظلمة الانية و الماهية و الارض الجرز فظهرت الاشعة و تشعشعت الذرات المشرقة و تكونت الكائنات و انبسط بساط الارضين و السموات فضجت الاصوات الي بارئ النسمات بانواع اللغات فمبدأ هذه المكونات هو الريح كما في الآية الشريفة و هي حقيقة الحيوة و عين التحقق ( التحقيق خ ) و الثبات و لذا اشتق منها الروح و قد قال عليه السلام الروح متعلقة بالريح و هي متعلقة بالهواء فالهواء هو اصل الكون و الوجود و لذا قال عليه السلام ان اول ما خلق الله الهواء و هو في مقام يظهر منه لا اله الا الله اذا ما اعتبرت الهمزة الثانية و اذا اعتبرتها يظهر منه الاحد الذي هو سر الواحد الذي هو سر البسملة و اذا ما لاحظت الهمزتين جميعا يحكي من سر الهوية و لب الالوهية و لذا كان الاسم المتعلق بالهواء [ص 367] اسم الله الحي و به تبين سر القيوم فكانا معا اسم الله الاعظم الا ان سر القيوم في الحي و سر الحي في الهواء و سر الهواء في الهوا و سر الهوا في هو و سر هو في الهاء و هي سر الاسرار و نقطة الاكوار و الادوار و عليها دار الليل و النهار فالهواء هو الحري بان يكون اول ما خلق الله لان طبعه طبع المصدر المفعول المطلق و مزاجه مزاج الرسالة و حقيقته عبارة عن الوساطة و الريح اول ظهور هذا الهواء و حركته الي جهة الشؤن و هي المثيرة للسحاب و المهيجة للذرات لاخذ حظها من رب الارباب و الموصلة الي كل ذرة نصيبها من الكتاب و هي ظاهرة بالتفصيل و بارزة بالتغيير و التبديل و صفتها صفة الولاية و مزاجها مزاج الهداية و طبعها طبع العناية فيكون الهواء هو الاحري بان يكون اول ما خلق الله و الريح بها انفتقت الاجواء و علقت الارجاء و اضيئ الضياء و اقيمت الارض و السماء فبها الولاية الكبري و السلطنة العظمي و الرياسة العليا ليس دونها مقام فانقطع عندها الكلام و هو قوله عليه السلام ظاهري ولاية و باطني غيب لايدرك و لا حول و لا قوة الا بالله و اما سر الجمع في الرياح حينئذ فلبيان ان مقامه عليه السلام مقام الكثرة و الامتياز و الاختلاف الذي رجوع كل ذلك الي الوحدة الحقيقية و كلها مطلوبة كالبستان المتضمن لانواع الفواكه و الثمار و الاشجار و الازهار و كذا الاختلافات الغير المطلوبة ايضا به نشأت و عنه تأصلت و تحققت كما مر في الحديث عن النبي صلي الله عليه و آله خطابا لعلي عليه السلام مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و قال تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون قال عليه السلام اي [ص 368] آية اكبر مني و اي نبأ اعظم مني و قد تقدم ذلك مرارا .