و اياك و اسم العامرية انني اغار ( اخاف خ ) عليها من فم المتكلم

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان

فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني

و اما الجهال الواقفون في مقام القيل و القال حيث نسوا العهد المأخوذ عليهم في العالم الاعلي في القديم الاول ثم ما لا نهاية له من الازمنة و الامكنة من ان عليا عليه السلام هو نور الله المطلق في السموات العلي و الارضين السفلي و ما يري و ما لايري مما جرت به الاقلام و مضت به المقادير و بقوا في مقام الانجماد في مقام الجماد كما قال عز و جل و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون و لايدركون الاشياء علي جهة ذوبانها اذا سمعوا شيئا جزئيا من اسرارهم عليهم السلام من بعض فروع ما ذكر عليه السلام في هذه الخطبة الشريفة مثل ان جبرئيل عليه السلام مايأتي الي النبي صلي الله عليه و آله الا باذن علي (ع) يعظم عليهم ذلك بل ربما ينكرونه زعما منهم بان عليا عليه السلام كان يأخذ العلم و الحكم من النبي صلي الله عليه و آله و هو كان يأخذ عن جبرئيل عليه السلام كيف يستأذن جبرئيل عليا عليه السلام مع ما في الروايات ان جبرئيل مانزل الي علي عليه السلام ابدا و ماكان يراه بل ربما يسمع كلامه و اذا سمعوا ما ورد ان جبرئيل عليه السلام كان يأخذ من اسرافيل و هو يأخذ من ميكائيل و هو يأخذ من الملك و هو الروح القدس و هو عقل محمد و آله عليهم السلام فكان جبرائيل [ص 300] و غيره من الملائكة يأخذون منهم و يؤدون اليهم فيعظم ذلك عليهم و يضطربون زعما منهم بانه حينئذ اتيان جبرئيل يكون تحصيل الحاصل اذن لا فائدة ترجع اليهم من جهة العلم و ما ورد ان عليا عليه السلام قد قرأ القرآن حين تولده من اوله الي آخره و لم‌ينزل علي رسول الله صلي الله عليه و آله حرفا واحدا ( حرف واحد خ ) منه و ما ورد ان عليا عليه السلام كان اذا وضع رجله في الركاب يقرأ القرآن من اوله الي آخره حتي يستوي علي ظهر الدابة حتي واجهني بعض اشباه العلماء بذلك و قال ان هذا الفعل مستحيل ممتنع لايمكن وقوعه لااستثني احدا و كذلك الاحوال و الاسرار المودعة في هذه الخطبة الشريفة اذا سمعوها يقولون ان فيها ارتفاعا و غلوا و ينكرون نسبتها الي اميرالمؤمنين عليه السلام و يقولون انها من وضع الغلاة كما ذكرنا في اول الجزء الاول من هذا الشرح فاوصاهم الامام عليه السلام وصية لو راعوها و حفظوها لم‌يلتبس عليهم شئ من امور دينهم و معرفتهم بائمتهم عليهم السلام لكنهم ماراعوها و ضيعوها فوقعوا فيما وقعوا من الاضطراب و الاختلال و الاختلاف قال دعبل الخزاعي (ره) :

و لو قلدوا الموصي اليه امورهم لزمّت بمأمون من العثرات

و تلك الوصية لا اختصاص لها بالجهال و انما هي وصية عامة للجاهلين و العارفين الواصلين الا ان العارفين حفظوها و اولئك ضيعوها و هي قوله عليه السلام فلاتستعظموا ذلك فينا فان الاستبعاد و الاستعجاب و الحكم بعدم وقوع الشئ تعجيلا و مبادرة و جهلا بالامر هو الذي يكون سببا لعدم انفتاح باب المعرفة و ازدياد الجهل علي الجهل و العجز علي العجز [ص 301] فان الخلق متفقون لا نكير عندهم علي ان كل احد لايدرك كل شئ اذ كل احد يجد ذلك في نفسه بالفطرة و الضرورة و قد نص الله علي ذلك حيث قال و فوق كل ذي علم عليم و اتفقت الامة بل كل ذي فطرة علي ان الله سبحانه لايطلب من العبد في العمل و الاعتقاد الا مقدار ما وهبه من العلم و المعرفة و قد نص علي ذلك في كتابه العزيز بقوله لايكلف الله نفسا الا وسعها ، لينفق ذو سعة من سعته و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لايكلف الله نفسا الا ما آتيها سيجعل الله بعد عسر يسرا فمقتضي الكلام الاول الضروري ان لايسارع الشخص الي الانكار اذا سمع ما لايدرك و مقتضي الكلام الثاني الضروري ان لايعتقد ما لايدرك فيسكت عما لايعلم و ينطق عما يعلم فاذا تكلم متكلم فضلا عما اذا انتسب الي اهل العصمة عليهم السلام فينظر فيه نظر المنصف الجاهل المتعلم من الله سبحانه و من الائمة الهداة عليهم السلام فان قام دليل قطعي من اجماع او ضرورة او نص في الكتاب او في الاحاديث او دليل عقلي مستند الي امر شرعي من الخطابات الالهية ما يدل علي بطلانه او صحته فيعمل بمقتضاه و الا فيحتمل و يتوقف هذا اذا عرف مراد القائل المتكلم بالكلام و اما اذا لم‌يعرف و احتمل انه اراد منه معني آخر من المعاني السبعين كما قالوا عليهم السلام اني لاتكلم بكلمة و اريد منها احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج فاذن لا سبيل له الي الرد و الانكار و يجب عليه التوقف في كل حال و طلب فهم المراد لينفتح له الباب فعلي هذا لايجوز رد الاخبار و طرح كلما ينسب الي الائمة الاطهار عليهم السلام ما لم‌يقم دليل [ص 302] قطعي علي انه مكذوب عليهم عليهم السلام و ليس من الدليل محض الاستبعاد و عدم اشتهاره عند العوام او عند العلماء الذين ليسوا بصدد مضامين تلك الاخبار و القول بانه يلزم منه الغلو و الارتفاع باطل اذ لعله يريد منه معني لايلزم ذلك و كان ذلك المعني مخفيا عند الناظر او ( اذ خ ) يريه بعيدا و هو قريب عند الامام عليه السلام فاذا قالوا عليهم السلام اني لاتكلم بكلمة و اريد منها احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج يقطع الكلام و قالوا ايضا عليهم السلام اذا اتاكم عنا بانا نقول ان الليل نهار و النهار ليل فلاتكذبوه فانكم تكذبونا فاذا كان كذلك و قد جاءت الاخبار و تواردت و اشتهرت بين الفريقين ان الله سبحانه خلق محمدا و آله عليهم السلام قبل خلق الخلق و قبل ان يخلق شيئا ثم خلق الاشياء كلها من نورهم صلي الله عليهم و اما الشيعة الفرقة المحقة الناجية فلايشكون ذلك في ائمتهم عليهم السلام و اما العامة فلايشكون في النبي صلي الله عليه و آله في انه خير الخلق خلقه الله قبل ان يخلق الخلق ثم خلق الخلق من نوره فاذا كان كذلك فيكون الخلايق كلهم بالنسبة اليهم صلي الله عليهم كالاشعة للسراج و هو لا استقلال له الا بالنار و السراج عين للنار الناظرة لاحوال الاشعة و يد لها المبسوطة بالانفاق علي الاشعة و وجه لها تتوجه الاشعة به اليها و تنظر به اليها و لسان تخاطب الاشعة به و نور تضيء به لها و سائر الاحوال و لايصل الي الاشعة شئ الا بالنار و النار ايضا لاتوصل الاشعة شيئا الا بالسراج فصح لك ان تقول ان السراج خلق الشعاع بالنار او تقول ان النار خلقت الاشعة بالسراج [ص 303] و المعني في المقامين واحد و اذا قيل ان امر الاشعة مفوض و مرجوع الي السراج فليس هذا هو التفويض الباطل اذ السراج لا غناء له عن النار فهو حين ما يدبر امر الاشعة بيد النار و يستمد منها لايستغني عنها بوجه ابدا و التفويض الباطل اذا قيل بالاستقلال و اذا قيل ان السراج خلق الاشعة لايلزم منه عزل النار عن الخالقية و التدبير و التصرف و انما هو اثبات لتدبيرها لمن يعقل فمن هذا المثال اعرف المراد و نزل الخلائق كلهم بمنزلة الاشعة و علي اميرالمؤمنين عليه السلام بمنزلة السراج و اجر الاحوال كلها علي حسب ما ذكرنا من غير استعجاب و لا استعظام فانه انكار لقدرة الله عز و جل و جهل بمقامه و مقام اوليائه و انكار لسعة اقتداره سبحانه و تعالي و عجز عن معرفة عظمة الله جل جلاله و تنزيهه عن شوائب النقائص الامكانية و ليس في ذلك ( هذا خ ) عجب بل امرهم عليهم السلام اعجب و خطبهم اعظم و قد روي الكليني (ره) في الكافي ما معناه انه قيل للصادق عليه السلام ان ما علمه النبي صلي الله عليه و آله عليا من الابواب التي يفتح من كل باب الف باب هل ظهرت لشيعتكم كلها قال عليه السلام ماظهرت منها الا باب او بابان قال فما ظهر من فضلكم لشيعتكم الا باب او بابان قال عليه السلام و ماعسي ان يظهر لكم والله ماظهر لكم من فضلنا الا الف غير معطوفة ه‍ ، و المعاني و الدلالات كلها انما تحصل بالحروف و تأليفها و ترتيبها علي نظم معين و الحروف تحصل من انعطاف الالف اللينية الي الاطوار و الاحوال الثمانية و العشرين فقبل انعطاف الالف لم‌تظهر الحروف فضلا عن ظهور المعاني [ص 304] المختلفة المتعددة الغير المتناهية و الالف الغير المعطوفة من حيث هي ليس فيها من المعاني شئ اصلا من المعاني التي تظهر بالحروف كما قال الرضا عليه السلام ان الحروف ليس لها معني غير انفسها فاذا اردت ان تؤلفها تؤلفها لمعني محدث لم‌يكن قبل ذلك فصرح عليه السلام بهذه الاشارة لاهل الاشارة ان ما ظهر لكم من فضائلنا ليس شيئا بالنسبة الي مقامنا و مرتبتنا و هو كذلك فان الاثر لايلحق مؤثره و الشئ لايجاوز ( لايتجاوز خ ) مبدأه و الادوات لاتحد الا انفسها و الآلات لاتشير الا الي نظائرها فاذن لايستعظم ما يظهر من فضائلهم و مناقبهم و ظهورات آثارهم و صفات اشباح هياكلهم عليهم السلام الا الجاهل بالامر او المعاند فنهيه عليه السلام عن الاستعظام نهي تحريمي لايسع العاقل ذلك و لذا قالوا عليهم السلام ما معناه لاتخبروا باحاديثنا ضعفاء شيعتنا فيقولون ليس هذا و ليس هذا و الانكار كفر و المؤمن الممتحن يسلم كلما يصدر منهم و يرد عنهم عليهم السلام فان فهمه فذلك حظه و الا فيرد اليهم كما قال عز و جل خطابا لعلي عليه السلام في الباطن فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و قال الصادق عليه السلام انكم لن‌تؤمنوا حتي تعرفوا و لن‌تعرفوا حتي تصدقوا و لن‌تصدقوا حتي تسلموا ابوابا (ظ) اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلثة و تاهوا تيها بعيدا الحديث ، فالمؤمن الممتحن لايستعظم ما يقرع علي اذنه من اسرار علي عليه السلام لانه باب الله تعالي و وجهه و لايستعظم من الله شئ من الاشياء و هو عليه السلام [ص 305] لاينسب اليه شئ الا بمشية الله سبحانه و باقتداره لا من قبل نفسه فانها من حيث هي ليست شيئا و لا تذوت لها فاذا كان منسوبا الي الله عز و جل و بقدرته و هو علي كل شئ قدير فمن اين الاستعجاب و الاستعظام و لذا قال عليه السلام في حديث معرفته بالنورانية ما معناه انه من شك فيما ذكرت فقد انكر قدرة الله في اوليائه قال الشاعر و نعم ما قال :

اعدم وجودك لاتشهد له اثرا و دعه يهدمه طورا و يبنيه

قوله عليه السلام : فو الذي فلق الحبة اتي بالواو القسم تأكيدا للامر و تثبيتا للحجة عند الجاهل علي الحقيقة في سر الخليقة و انما اختار عليه السلام الواو في هذا المقام لانها اول سر ظهر من ينبوع حقيقته و اول نور سطع من شمس كينونته و هويته في الازل الثاني لان الواو هو الامر بين الكاف و النون و هو العدد التام بالزبر و بالسر الغيبي و الرمز الباطني هو حكاية الاحد فان البينات غيب بالنسبة الي الزبر و ان كانت بلحاظ آخر صفة له و الواو ببيناته ثلثة‌عشر و هو تمام الاحد و هو حكاية صفة الذات الازلية و العبارة عنها و لذا اختصت الواو بالقسم لاشتمالها لهذا السر المنمنم و كون اولها عين آخرها و ظاهرها حقيقة باطنها يشير الي الاولية و الآخرية و الي رجوع العود كالبدو كما في قوله تعالي و ليدخلوا المسجد كما دخلوه اول مرة و هي العدد التام و السر العام الجامع لاسرار التوحيد بالباطن و اسرار الموحدين في الظاهر و اتمام الصنع بالصفة و رجوع العود كالبدو بالاشارة و اول ما بدأ من العين اي كن فمحلها وسط الكلمة لبيان انها اثر المجموع فلها وجه الي [ص 306] جوامع التوحيد و مراتب التنزيه و التجريد و وجه الي مقامات الكثرة و مراتب الخلق الظاهرة بالنون و هي الستة الايام خلق الله فيها الشئ كما قال سبحانه و تعالي و لقد خلقنا السموات و الارض و ما بينهما في ستة ايام و مامسنا من لغوب و هي صفتها الغيبوبة و المحو و الافناء و الصعود من ظاهر القشر الي باطن اللب و لذا قال مولينا الباقر عليه السلام و الواو اشارة الي الغيبة عن درك الحواس و لمس الناس ( النار خ ) و هي مجمع الطبايع النورية في الباطن و ان كانت في الظاهر جامعة لاقوي مراتب اقوي الطبايع لاشتمالها علي النار في مقام المرتبة و علي الهواء او التراب في مقام الدرجة و لذا كانت عاطفة لما فيها من سر الرطوبة مع الحرارة المسرية و المتعدية الي الغير و مستأنفة لما فيها من سر الحرارة و اليبوسة الطالبة للابتداء و الاستيناف و عدم التبعية و لذا كانت من حروف القسم لكونها من حروف المبادي بذاتها و صفاتها و مقامها و ظاهرها و باطنها كما اشرنا اليه و لاتتوهم ان مقامها الشفة و الحروف الشفوية ليست من المبادي و انما هي حروف الخلق ( الحلق خ ) لان المبدأ مقام وجوده في نفسه اسفل المراتب و المقامات و ذلك سر علوه اماسمعت عليا عليه السلام قد لقب بابي‌تراب و محمدا صلي الله عليه و آله يوصف بالعبودية التي هي الذلة و المسكنة قبل كل صفة و كل حال و نعت و قال صلي الله عليه و آله الفقر فخري و به افتخر اماعلمت ان السجود في الصلوة اشرف و افضل من الركوع و هو من القيام و ان اقرب احوال العبد مع الله تعالي حالته و هو ساجد امارأيت ان البسملة [ص 307] التي اولها اعلي المبادي و اشرفها من حروف الشفة و هي الباء و من جهة الشرافة المعنوية ظهرت الواو بدوا حتي استجنت في كن و غابت عند ظهور تين الكلمتين و استنطقت باسم الاحد ( الواحد خ ) الذي هو ابسط الاسماء ثم ظهرت بزبرها و بصورتها علي غيب معناها فاستنطقت منها الواحد و صار مبدأ الاعداد و سبب حصول الاستعداد و اشتق منها اسم محمد صلي الله عليه و آله الذي هو اشرف المبادي ثم اشتق منها بالطرد و العكس اسم علي عليه السلام الذي هو افضل الاكوان و المكونات و من هذين الاسمين الاعلين ظهرت الاسماء و وجدت المسميات لان الله عز و جل مايختار لمن هو مبدأ المبادي و علة العلل و اصل الاصول اسما و صفة الا و هو مبدأ الاسماء و مقوم الصفات اللفظية و الحرفية و كذلك المعنوية النورية و كذلك الظلمانية لان المراتب السفلية الظلمانية تسجد للشمس من دون الله فلا بد لها من السجود للشمس و الا لبطلت و اضمحلت و فنيت و ماظهرت منها اثر و لم‌يكن لها خبر ذلك تقدير العزيز العليم فافهم ثم ظهرت عودا كما كانت بدوا في الاسم الاعظم الاعظم الاعظم الذي تنفعل لها ( له خ ) الاشياء و تظهر منه القوابل و الافاضات و الاستفاضات النقطة التي عليها مدار الاكوار و الادوار و الاطوار و الاوطار و الليل و النهار و هي هذه الاحرف و انما ظهرت الواو في العود منكوسة لاثبات الرجوع و رجوع الاشياء كلها عند رجوع الواو الي الصفاء الاصلي و النورانية الذاتية و الوحدة الحقيقية و هذا المعني و ان كان ظاهرا في اصل الواو الا ان هذا النكس لسر الرجعة و ظهور الدولة و ما في [ص 308] نفسها من الدلالة الي الرجوع و العود انما يكون في يوم القيمة فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم فلاجل ما ذكرنا و ما لم‌نذكر اختار عليه السلام الواو في هذا المقام للقسم دون ساير الحروف ثم لما كانت كلماتهم عليهم السلام تامة في كل الاقتضاءات و الاحوال و كانت للواو مناسبة في هذا المقام و اظهار شأن من شؤن ما هو بصدد بيانه عليه الصلوة و السلام و تلك المناسبة لم‌تحصل في غيرها و هي انما تحصل و تظهر في سر اطوار ظاهر الظاهر و لو فتحنا هذا الباب و تصدينا لشرح تلك اللباب لطال الكلام زائدا عما يقتضيه المقام و الاشارة اليه علي جهة الاجمال لاهل التوجه و الاقبال هي انه عليه السلام لما ذكر بعضا من اسرار ولايته الظاهرة في المخلوقين و كانت الطبايع غير ناضجة و النفوس و السرائر غير طيبة لم‌تتحمل و كادت ان تفسد و تضمحل اراد عليه السلام اثباتها و دلالتها الي ما فيه نجاتها و به بقاؤها و ثباتها و قال لهم لاتستعظموا ذلك فينا ، فان امرنا اعجب و سرنا اغرب و هذا الذي ذكرنا لكم شئ يسير من ذلك بل جزء من مائة‌الف جزء من مثقال الذر فاذا تنبهوا ان الامر اعظم مما سمعوا هان لهم الخطب في التصديق و سهل عليهم الامر لان النفس اذا تنبهت الي ما هو اعظم مما كان عندها توجهت و التفتت اليه و يبقي الاول سهل التسليم و الانقياد فلاتتنفر منه و تحتمله و تجوزه الي ان يرسخ فيها و تطمئن و لما كان الخلق اكثرهم في القوس الصعودي ماوصلوا الي مقامهم الحقيقي و ما لحقوا بمركزهم الواقعي و وطنهم الاصلي لم‌تكن المصلحة لاظهار السر اللبي بصريح العبارة فاتي عليه السلام بالاشارة بغامض العبارة في لحن المقال يدركها من اراد عليه السلام ارادة خاصة و تصون عن ( علي خ ) الجاهل الذي قد ابي [ص 309] ان يتعلمها منه روحي فداءه فاتي عليه السلام بالفاء للاشارة الي قوله تعالي انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم و الفاء هي الكمال الشعوري لآخر مراتب المبادي العلوية العددية و هي الآحاد و آخرها التسعة و العين لما ظهرت في الفاء او في الطاء تولدت عنها الواو مثناة و هو قوله تعالي و اذ استسقي موسي لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتي‌عشرة عينا قال عليه السلام كما تقدم ان موسي اشارة في الباطن الي رسول الله صلي الله عليه و آله و العصا هي علي عليه السلام و الحجر هي فاطمة عليها السلام و العيون الاثني‌عشر هم الائمة عليهم السلام و منها علي عليه السلام و كذلك في هذا المقام ظهرت الواو مثناة من اجتماع عين علي عليه السلام مع طاء فاطمة عليها السلام و الوجه في هذا السر ربما نذكره ان شاء الله فيما بعد و العين هي كلمة كن قد تحققت و تقومت في التعين الاول و منه ظهرت في الحسن عليه السلام و منه في الحسين عليه السلام و منه في القائم عليه السلام و منه في الائمة الثمانية عليهم السلام و منه في فاطمة عليها السلام و منها تقسمت آثارها و ظهوراتها في العالم علي نحو اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه فالخلائق كلهم واقفة ببابها و لائذة بجنابها لانها في افلاك المبادي و اوائل جواهر العلل كالقمر بالنسبة الي الافلاك الجسمانية اقرب الافلاك الي المستمدين الفقراء اللائذين لافتقارهم الي الرطوبة و البرودة المناسبة لمقامهم اعظم و اشد و القمر يؤثر الحيوة و القوة و الحركة فيهم من جهة تقاطعه مع الشمس في الفلك [ص 310] الجوزهر و بذلك التقاطع حصلت الحيوة و الاشارة الي ذلك التقاطع الحقيقي هي الازدواج الظاهري بين علي و فاطمة عليهما السلام و لذا كان ازدواجهما في السماء بمحضر من الملأ الاعلي بامر العلي الاعلي انظر الي اللطائف العجيبة في قوله تعالي اشارة الي هذه اللطيفة الدقيقة كلا و القمر و الليل اذ ادبر و الصبح اذا اسفر انها لاحدي الكبر نذيرا للبشر اما اتيان القمر و الليل فظاهر من انهما طبع المرأة بمقتضي الكينونة و الصبح اشارة الي التقاطع الذي ذكرنا و لذا كان وقت الصبح وقت تقسيم الارزاق و هي احسن الساعات و هي من ساعات الجنة لان تلك الساعة يحكي عن الفلك الجوزهر في المبدأ الاول لظهور سلطان النهار و سلطان الليل فيه فليست الحرارة فيه غالبة و لا البرودة و انما هو في كمال الاعتدال و صحبة اهل الوصال و استقامة الاحوال فالقمر و الليل اشارتان الي مقامها عليها السلام و الصبح اشارة الي مقامها مع علي عليها السلام في قوله تعالي انا انزلناه في ليلة القدر و ماادريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام فالعين في مقام الاجمال لم‌تظهر احكام تفاصيلها ( تفصيلها خ ) الا بالتقاطع مع الطاء و الآثار التفصيلية لم‌تظهر الا من الطاء بعد التقاطع و تطورها في اطوار كماليها المستخرج المتولد منهما الفاء فما للعين بذر و ما للطاء اصل و فرع بذر الاتري ان الشمس تربي المواد و هي في غاية الاجمال و البساطة و التفاصيل ( التفصيل خ ) و الصور انما هو بالقمر بعد التقاطع و لذا كان القمر صاحب العدد و الحساب و الكثرة و الصور و لذا كان فلك القمر اكثر الافلاك [ص 311] في الافلاك الجزئية و ان ساواه فلك عطارد فانما هو لامر آخر لكونه فلك الفكر و الفكر له تقلبات و احوال و لذا كان له اوجان و حضيضان و لما تمت الكلمة في الطاء و كملت الطاء في الفاء ظهرت تفاصيل الفيض الناشي من الكلمة الوارد ( الواردة خ ) علي محلها و معدنها و ينبوعها و اصلها و اول التفاصيل هو الستة لانها اول تثنية الواحد و اول تكراره فان الواحد ثلاثة كما قدمنا مرارا ذكره و هو العدد التام كما ذكرنا لتساوي كسورها مع اصلها فوجب ان يذكر الواو بعد الفاء في هذا المقام و لذا قال تعالي انها لاحدي الكبر قال الصادق عليه السلام علي ما رواه علي بن ابرهيم في تفسيره ان الضمير يرجع الي فاطمة عليها السلام و هي احدي الكبر و هم الائمة المعصومين ( المعصومون خ ) و هي نذير للبشر لان الفيض الظاهر بالبشارة و الانذار انما هو عنها نشأ و منها برز و اليها يعود و يرجع و اصول الفيض الي ان يكمل و يستقيم ستة في الايام يوم الاحد و يوم الاثنين و يوم الثلثاء و يوم الاربعاء و يوم الخميس و يوم الجمعة و في الذوات عالم العقول و عالم النفوس و عالم الطبايع و عالم المواد و عالم الاشباح و عالم الاجسام و في العالم الانساني النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكتساء اللحم و انشاء الخلق الآخر و في الصفات و الاعراض الكم و الكيف و الزمان و المكان و الجهة و الرتبة فوجب ان يذكر الواو بعد الفاء لبيان ان ما ظهر منها صلوات الله عليها و روحي لها الفداء هي الاكوان الستة المالئة لكل الوجود بقراناتها و اضافاتها و نسبها و تولداتها و صفاتها و سائر احوالها و هي الكون الجوهري و الكون النوراني و الكون المائي و [ص 312] الكون الناري و الكون الهوائي و الكون الترابي فهي صلوات الله عليها قطب للعوالم كلها ثم اتي عليه السلام بالالف بعد الواو المدغمة مع اللام للاشارة الي تقسيم هذه العوالم الستة الي القابل و المقبول و خفاء المقبول الذي هو جهة الوحدة في القابل الذي هو جهة الكثرة و مراتب القابل ثلاثون عدد قوي اللام ثم اتي عليه السلام بالذال لبيان رتبة الكمال بعد التمام و هو يوم السبت بعد يوم الجمعة و البلوغ بعد انشاء الخلق الآخر و التركيب بعد اجتماع الحدود الستة لان السبعة هي العدد الكامل و اشار ايضا روحي فداءه الي تشعب كل مرتبة باعتبار اطوار القابل و المقبول الي مائة مرتبة لتبلغ مرتبة الكمال في المقامات التفصيلية الي سبعمائة و هي عدد قوي الذال و الاشارة الي ذلك ان كل رتبة ( مرتبة خ ) مخلوقة من عشر قبضات من الافلاك التسعة و من الارض في كل عالم بحسبه فاذا جمعت و لاحظت اول النسب في هذه العشرة يكون لكل مرتبة مائة و السبعة تكون سبعمائة فافهم ثم اتي عليه السلام بالياء لبيان ظهور المبدأ في الوجه السفلي لانها قد اخذ من ياء علي عليه السلام ثم اردفها عليه السلام بفاء فاطمة عليها السلام في قوله عليه السلام فلق الحبة و بالجملة فالكلام لايحسن علي هذا النمط فانه شئ لايعرفه الناس و اذا سمعوه قابلوه بالانكار و اذا تنبهوا لذلك ربما يفرعون عليه ما لايصح و لايليق لان هذا باب منسد الا من اطلعه الله سبحانه علي غيوب الاشياء و اشهده نفسه و خلقه فيري الاشياء كلها بسر الوحدة و يضع كل شئ في موضعه و اما الجاهل بالامر فلايسعه ذلك اذ لايجوز القياس و الظن و الرأي [ص 313] و التخمين و الالحاق بالاعم الاغلب و الالحاق بالمشهور في هذه المقامات و هذه الدقيقة التي هي اغرب مما ذكر عليه السلام مصرحا علي حسب الظاهر و اما في الحقيقة فليست فيها غرابة بوجه بل لو لم‌يكن كذلك لكان غريبا لانها معهم عليهم السلام في رتبة واحدة و هي آخرهم و الطفرة في الوجود باطلة فيجب ان الفيض المنتشر في العالم انما يكون عنها و بها و الخلق كلهم عبيد لها و لها الهيمنة و الاستيلاء علي كل الوجود و الموجود و لكن كما ذكرت سابقا ان الطبايع الغير الناضجة من الشيعة اذا سمعوا مثل هذه الكلمات في حق علي عليه السلام مع ما ورد في حقه من الفضائل و المناقب التي لايسع انكارها لاحد من المسلمين يستغربون و يستعظمون بل ينكرون كما انكروا و نسبوا هذه الخطبة الشريفة و امثالها من الخطب و الاخبار و الاحاديث كلها الي الغلاة و المفوضة فما ظنك اذا سمعوا ذلك و اعظم منه في حق سيدتنا الزهراء علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها آلاف التحية و الثناء و لكنهم عليهم السلام اهل الكرم و الجود لايبخسون الناس حظهم و يؤدون الي كل احد حقه ممن يطلب منهم او لايطلب منهم و ان كان لايصح ان لايطلب منهم فاشار الي تلك الدقيقة بتلك الاشارة كما اشرت لك و الحمد لله رب العالمين و اعلم اني لم‌اذكر في هذا الشرح النكات و الوجوه الظاهرية التي تعرضوا لها اهل المعاني و البيان في المحسنات اللفظية او اهل النحو و الصرف و اللغة في القواعد الحرفية او اهل الحروف الظاهرية في الحروف العددية او اهل الخطوط و الرقوم و الرسوم الرقمية او المعاني التي ذكرها الحكماء [ص 314] و اهل الطبيعة اذ المرجع فيها و امثالها ما ذكروا في كتبهم و اثبتوه في زبرهم و ليس ذلك المطلوب منا في هذا الشرح بل المراد منا كشف الاسرار و رفع الحجاب و فتح الباب لاولي الالباب فاقتصر علي ذكر بعض الامور و الاسرار التي لم‌يذكروا و لم‌يدونوا و لم‌يعثروا عليه مما نطقت به بواطن الاخبار المعصومية و شهدت بتصديقه الآيات القرآنية و دلت عليه الشواهد العقلية و الفؤادية بين تصريح و تلويح و اشارة و رمز و تعمية و امثالها كل ذلك خوفا من اشباه الناس الذين تمكن في صدورهم الوسواس الخناس قال تعالي و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم و انما اتي عليه السلام بالاسم الموصول في المقسم به لبيان الابهام في فالق الحب و بارئ النسم و ان كان هو المتعين لان الله عز و جل هو الذي فلق الحبة و برأ النسمة الا انه سبحانه لم‌يتغير و لم‌يتبدل و لم‌يتحول من حال الي حال و لايعتريه نقصان و لا زوال فادام الملك في الملك و الجأ المخلوق الي مثله و اقام الاشياء باظلتها و تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها و الاشياء كلها ظهورات افعاله تعالي و لها ظهور و لظهور ظهورها ظهور و لظهور ظهور ظهور ظهورها ظهور و هكذا الي ما لا نهاية له من الاطوار و الظهورات و لما كان الله سبحانه امره واحدا و حكمه واحدا كل تلك الظهورات تفصلت في كل رتبة بالحب و النوي في كل منهما ظهرت نسمة كما نبين لك ان شاء الله تعالي فهو تعالي في كل رتبة ( مرتبة خ ) فالق الحب و بارئ النسم هذا في مقام الحقيقة بعد الحقيقة و لا فرق حينئذ بين اتيان الاسم الموصول و عدمه اذ ليس فيه ابهام و انما هو تعيين [ص 315] و ان كان باثبات بعض و محو الآخر حين الاثبات او المحو فان كل رتبة عند الاعلي فانية بل لا شئ و لا ذكر لها هناك و اما في مقام مارميت اذ رميت و لكن الله رمي تظهر الثمرة و الابهام بارادة المعنيين او بسر الامر بين الامرين فان الاشياء و الموجودات كلها علي اختلافاتها ماظهرت و لاوجدت الا بجهة من الله و جهة من نفسه و تلك الجهة هي فاعل فعل الفاعل كما في قوله تعالي كن فيكون ففاعليته تعالي للشئ انما هي في نفس الشئ لا في نفس الذات القديمة تعالي شأنه و الا لكانت محلا للحوادث او مركبة او متغيرة متبدلة و لايوجد شئ ابدا من الجهة الوحدة و ان كان ذلك الشئ مما اضمحلت انيته و اندكت هويته تنسب آثارها ( آثاره خ ) كلا الي الفاعل سبحانه و لايلاحظ ذلك الشئ بتلك الجهة اصلا مثل ما في قوله تعالي خلق الله السموات و الارض ، اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك و قوله تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها الآية ، و قوله تعالي فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة الآية ، و قوله تعالي نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا و امثالها من الآيات و ان كان الشئ بقيت له الانية لكن لايترتب عليها الاثر مسلوبة الحكم و التصرف و انما هي لحفظ وجوده فذلك الشئ آثاره تنسب اليه ثم تسلب عنه فالنسبة لكون الشئ له انية و مقام فرق في الجملة و اما السلب فلحكم الاضمحلال و الزوال كما في قوله تعالي مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و ان كانت انية الشئ من شأنها ان تظهر منها اثر و ان اضمحلت فذلك الشئ تنسب آثاره الي نفسه لكن بالله [ص 316] سبحانه و باذنه و امره كما في قوله تعالي خطابا لعيسي عليه السلام و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني و تبرئ الاكمه و الابرص باذني و مثل ما في الحديث ان الله اذا اراد ان يخلق الولد في بطن الام يرسل ملكين خلاقين يقتحمان من فمها الي بطنها الحديث ، و ان كان الانية تظهر آثارها و تقتضي شهواتها المخالفة لكينونة الحق سبحانه كما قال تعالي خطابا لآدم (ع) روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي ، فذلك الشئ لاتنسب آثارها الا اليه و لاتنسب الي الله سبحانه ابدا الا بالعلم و الدليل علي ان الممكن لايستغني في افعاله عن الله عز و جل و ان الافعال كلها تجري بسر الامر بين الامرين كما في قوله تعالي و عصي آدم ربه فغوي و قوله تعالي انه كان صادق الوعد و كان رسولا نبيا و كان يأمر اهله بالصلوة و الزكوة و كان عند ربه مرضيا و قوله تعالي فانطلقا حتي اذا لقيا غلاما فقتله الآية ، و هكذا امثالها من الآيات و هذا هو الحكم في الكينونة الاولية الدنياوية و لما كان الفاعل هو المشتق من المصدر كالقائم المشتق من القيام و الضارب المشتق من الضرب و ليس مرد الفاعل و محله الا الي الاثر الذي هو المصدر لا الذات البحت و هو الذي تشهد به الفطرة الالهية و الفاعل صفة لا حقيقة و ذات و لما كان الخلق في القوس الصعودي بعد النزولي قبل وصولهم الي المبدأ الذي تنزلوا منه وقفوا في مقام الكثرة و الانجماد و لم‌يحصل لهم الذوبان التام حتي يشاهدوا ذلك المعني بسر الهوية و لب الفطرة قد ينسب الفاعل الي المصدر لبيان ان الذات متعال عن الاقتران و الاتصال و [ص 317] ان الفاعلية صفة قائمة بهذا المحل و هي لله سبحانه و قيامها به قيام صدور لا قيام تحقق و معني هذا الكلام في هذا المقام ان حقيقة المصدر الذي هو المبدأ هي تلك الصفة لا ان الحقيقة شئ و الصفة شئ آخر ليكون مشاركا او مستقلا تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و من هذا القبيل قول علي عليه السلام انا خالق السموات و الارض بامر ربي انا داحي الارض كما يأتي ان شاء الله فان ذلك للبيان لا انه المستقل او له انية تصدر عنها الاثر كما مر في قوله تعالي حكاية عن عيسي (ع) اذ تخلق من الطين كهيئة الطير الآية ، و اما معني قول مولينا الصادق عليه السلام علي ما رواه المجلسي من قال نحن خالقون بامر الله فقد كفر فكما ذكرنا من لزوم توهم الانية و الاستقلال ليكونوا كالوكيل فان ذلك كفر محض و زندقة صرفة و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين بل الخالق هو الله سبحانه لايشاركه معه غيره و لايستقل سواه و الخالق صفة فعلية و حقيقتهم عليهم السلام تلك الصفة لا ان حقيقتهم امر و الخالق امر آخر فالله سبحانه هو الخالق وحده فمن رام غير هذا المعني غلا و كفر و الاشارة الي البيان لاهل القوس النزولي حتي لايضلوا و يتنبهوا لحقيقة الامر قال الله عز و جل عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون مع ان مولينا الصادق عليه السلام نفي هذا المعني بعينه فافهم و تنبه و اعلم بانه لا تعارض و لا تنافي بين الاخبار و الآيات انظر الي قوله تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها الآية ، و قوله تعالي الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي انفسهم [ص 318] ، قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم و قوله تعالي نحن قسمنا بينهم معيشتهم و ما دلت الاخبار و الادعية ان ميكائيل هو الموكل علي الارزاق و قوله تعالي يدبر الامر يفصل الآيات و قوله تعالي في الملائكة فالمدبرات امرا و قوله تعالي انزلنا عليك الكتاب و قوله تعالي قل نزله روح القدس علي قلبك باذن الله ، اجمع بين هذه الآيات و الروايات تجد سر ما ذكرنا لك واضحا ظاهرا بينا ان شاء الله و اما اذا اتصل القوسان و اتحد القطبان في يوم القيمة يوم الفزع الاكبر و ما بعده في الجنة فترد الاشياء كلها الي الله و ترجع اليه سبحانه انا لله و انا اليه راجعون فكل النسب تنتهي اليه تعالي لايسمع فيه ( فيها خ ) صوت الا صوتك و لايري نور الا نورك و في هذه الدنيا كذلك الا انه لاهل الآخرة و الامر يومئذ لله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار و لقد كشفت الامر و اوضحت السر و لم‌يبق الا التصريح و ذلك ممنوع منه شرعا و ان كان عند من فتح الله نور بصيرته مصرحا مكشوفا و الله ولي التوفيق .

قوله عليه الصلوة و السلام فلق الحبة الحبة قد فسرت في تفسير اهل البيت عليهم السلام بالنطفة و يشهد له قوله عليه السلام و برأ النسمة لانها انما يتحقق بفلق الحبة اي النطفة الي العلقة و فلقها الي المضغة و فلقها الي العظام ثم اكتساء اللحم ثم انشاء الخلق الآخر ثم الولادة الجسمانية ثم الولادة الدنياوية ثم الولادة الروحانية ثم الولادة العقلانية ثم الولادة البرزخية ثم الولادة الاخروية فهناك تتم الخلقة و تبرأ النسمة [ص 319] علي اكمل ما يمكن في حقه ثم لايزال تترقي من نوع ما هي عليه الي ما لا نهاية له و الحبة هي فاطمة الصديقة الطاهرة عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها آلاف الثناء و التحية قد انفلقت منها النسمات النورية كما في قوله تعالي انا انزلناه يعني عليا عليه السلام في ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم اي كل امام حكيم بعد امام حكيم و انما كانت حبة لان الله عز و جل فطم محبها و محب محبها و محب محب محبها من النار و قد قال مولينا الصادق عليه السلام في تفسير قوله عز و جل كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة قال عليه السلام ما معناه ان الحبة هي فاطمة عليها السلام و السنابل السبع هي الحسين و اولاده عليهم السلام قيل و الحسن قال عليه السلام ان الحسن امام مفترض الطاعة و ليس من السنابل ه‍ ، يريد من السبعة تلك الحقايق المقدسة بحسب اسمائهم الشريفة فانها تكون سبعة و هم الحسين عليه السلام و علي و محمد و جعفر و موسي و الحسن و المهدي صاحب الزمان عليهم الصلوة و السلام و انما كان الحسن (ع) ليس من السنابل اذ ليس له عقب يكون اماما فمانبت من اصله من هو مثله و اما القائم (ع) فانه من السنابل لانه منتهي اليه التعلقات و انقطعت الامامة عنده و مائة حبة هم الاولاد لكل واحد منهم عليهم السلام في الرجعة مائة ولد كلهم اولياؤ الله و خلفاؤه في ارضه ممتازون عن سائر الاولاد الالف بالعلم و المعرفة و المحبة و امثالها و فالق الحب حينئذ هو مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام بالله او قل هو الله سبحانه بعلي عليه السلام و كلا المعنيين واحد فيكون علي هذا المعني مؤدي قوله عليه [ص 320] السلام فيما بعد و حقي و عظمتي لكن امره امر الله و حكمه حكم الله و قوله قول الله و فعله فعل الله لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه فتقه و رتقه بيده بدؤه منه و عوده اليه او يراد بالحبة العقل الاول الكلي قد انفلق منه العالم كله لان الموجودات ( الوجودات خ ) المقيدة الظاهرة بالآثار و الاحوال من العلويات و السفليات كلها انما تحققت باقباله و ادباره و هو في ذاته في كمال البساطة و التجرد لكنه لما تنزل الي المقامات السفلية لحقته الاعراض و الحدود و القيود فصار بلحوق كل حد و قيد منشأ اصل من اصول الموجودات كالنفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و غيرها و كل ذلك انما انفلق من تلك الحبة فلما رجعت الي عالمها عادت الي بدئها من كونها حبة و بقيت الاصول الظاهرة و الناشئة منها كل اصل في مكانه و رتبته كالحبة اذا زرعتها فانها تصير سنبلة ثم عادت الي اصلها اي كونها حبة و بقيت السنبلة الناشئة منها في مكانها و مرتبتها في الوجود و ذلك ظاهر و حقيقة الامر في الحبة انها هي المحبة و لذا اشتقت لها الحبة لسر تلك المحبة الظاهر الساري فيها فان الله عز و جل قال في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف فالمحبة هي علة الخلق و هي منشأ وجوده فهي اول ما خلق الله سبحانه فنظرها دائما الي المحبوب لكن قد يحصل لها نظر الي المحب و بذلك كانت حجابا كما قال مولينا الصادق (ع) المحبة حجاب بين المحب و المحبوب فبذلك الحجاب ناسب لحوق الاعراض و الحدود فهي في حد ذاتها ذات وجهين نظر الوحدة و نظر الكثرة فبالاولي بسيطة غير [ص 321] منفلقة و ليس لها ضد لانه جهة الكثرة و بالثانية تنفلق و يحصل لها الضد حين ميلها الي الانفلاق و ذلك الضد هو النوي قال تعالي فالق الحب و النوي فانفلق من الحب او الحبة الهياكل النورانية المصوغة من القبضات الطيبة من ارض العليين و سمائه و هم النسمات الالهية فانفلق منها العرش و هو قلب النسمة علي حسب مقامها من الكلية و الجزئية ثم الكرسي و هو صدرها في الكلي و الجزئي ثم زحل و هو دماغها ثم المشتري و هو علمها ثم المريخ و هو وهمها ثم الشمس و هي وجودها ثم الزهرة و هي خيالها ثم عطارد و هو فكرها ثم القمر و هو حيوتها ثم النار و هي مرتها الصفراء ثم الهواء و هو دمها ثم الماء و هو بلغمها ثم التراب و هي مرتها السوداء و المجموع جسدها فلما انفلقت منها هذه المراتب تمت كينونة النسمة و لذا اتي عليه السلام في مقام النسمة بقوله و برئ النسمة فان برئ هو الفعل المتعلق بايجاد الصور و الحدود كما ان خلق هو الفعل المتعلق باحداث المواد و تلك الحدود هي الاطوار التي اشرنا الي شئ منها و كلها انما حصلت بانفلاق الحبة كما سمعت مجملا و لاتظهر تلك المراتب في القوس الصعودي تامة الحكم متميزة الآثار الا بعد تسعة و اربعين مرتبة لان الثلثة‌عشر في اربع دورات دورة العناصر و دورة النبات و دورة الحيوان و دورة الانسان تبلغ ما ذكرنا فلما تمت هذه المراتب جعل الله سبحانه كل رتبة مخزنا لفيض من الفيوضات العلوية و علم من العلوم اللدنية حتي استكملت عند تلك النسمة اسرار الاكوان و مستجنات غيوب الامكان و جميع مراتب الكمال و الجلال و الجمال و العظمة [ص 322] و الاقبال و البهاء و النور و كلما يريد سبحانه من الخلق ان يعلموه عند توجههم اليه تعالي مما يلقي اليهم من بحر الصاد اول المداد من القطرات الواردة الواقعة علي اراضي جهات القابليات و الاستعداد حتي يستوفي الاجل و يبلغ الامل و من الله المزيد كما قال عز و جل و لدينا مزيد و اما النوي فقد انفلق منها مقابلات ما ذكرنا للنسمة الخبيثة و الفطرة الملعونة فانفلق منها الثري و هي و جهلها الكلي في الكلي و الجزئي في الجزئي ثم الطمطام و هو صدرها ثم ارض الشقاوة و هي دماغها ثم ارض الالحاد و هي علمها المنكوس ثم ارض الطغيان و هي وهمها ثم ارض الشهوة و هي مادتها الخبيثة ثم ارض العادات و هي خيالها الميشوم ثم ارض الطبع و هي فكرها الملعون ثم ارض الممات و هي حيوتها ثم كمثل الكلب و هي مرتها الصفراء ثم الريح العقيم و هي دمها ثم الماء المالح و هو بلغمها ثم الحجارة و الحديد و هي مرتها السوداء و المجموع جسدها فلما انفلقت منها هذه المراتب تمت كينونتها و خبثت نتنها و كثافتها ثم دارت اربع دورات و استكملت لها المراتب الخبيثة و المقامات الملعونة فاستجمعت جميع الخبائث و استوعبت كل الرذائل و صارت تدعي الربوبية و تدعو الي نفسها و هو قوله تعالي ان يدعون من دونه الا اناثا و ان يدعون الا شيطانا مريدا لعنه الله و قال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا و انما ماذكر النوي عليه السلام في هذا المقام و اقتصر بذكر الحبة لبيان انهم اي النسمات المنفلقة من النوي كلهم منسيون كما نسوا الله جل جلاله فلايذكرون الا بالتبع و بالكناية [ص 323] و اللزوم لا بالتصريح و القصد الا في مقام يقتضي التصريح لمصالح و حكم و ذكر الحبة يستلزم ذكر النوي فاقتصر عليه السلام علي الاشرف و ترك الاخس و فلق الحبة اشار ( اشارة خ ) الي سر الموجودات كلها لان الخلق باجمعهم انما تشعبوا و تطوروا و اختلفوا بعد اجتماعهم كلهم في حقيقة واحدة و هي المحبة التي بها اوجد الله الخلائق فالقسم بفالق الحبة يستلزم القسم بالله الاسم الاعظم الذي حوي الاسماء و الصفات كلها لان كل شأن انفلق من تلك المحبة استدعي ظهور اسم من الاسماء الالهية و اليه الاشارة في دعاء كل يوم من رجب لكل مسألة منك سمع حاضر و جواب عتيد و الاشياء بكل انحائها لاتستغني عن المدد و اما حقيقة فالق الحبة و مدلول هذه العبارة و المشار اليه بهذه الاشارة فاعلم ان لي كلاما في هذا الباب الجامع لهذا و امثاله و امليته علي بعض الاحباب مشتمل علي ما لاتحيط به العبارة و لاتدركه الاشارة احب ان اورده في هذا المقام فابذل جهدك في معرفته فانه تمام الامر و جماع التوحيد و كل كلام غيره ساقط دونه و هو :

بسم الله الرحمن الرحيم اعلم ان الذات هي هي لايخرج منها شئ و لايدخل فيها شئ و لاينسب اليها شئ لان النسبة تكييف و تحديد و لايقترن معها شئ فجميع النسب و الاضافات و القرانات انما هي لظهوراتها و تلك الظهورات هي امثالها الظاهرة و اشباحها المنفصلة لا فرق بينها و بينها الا انها عبادها و امثالها و آياتها فالاشارات كلها تنتهي الي تلك الظهورات و رتبتها متأخرة عن رتبة الذات فهي موضع الاشارة في مقام اللااشارة فضمير المتكلم و المخاطب و الغائب انما ترجع [ص 324] الي تلك الظهورات لا الي صرف الذات فاذا قلت انا تريد به الظاهر بالكلام و ذلك الظاهر هو مثالك الملقي في هوية الكلام و لما كان الخلق كلهم ظهورات افعال الله سبحانه و تجليات اسمائه كما قال علي عليه السلام بل تجلي لها بها و قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله تجلي لعباده بكلامه كان ما ينتسب ( ينسب خ ) اليه سبحانه باي نحو من الانحاء سواء كان بالضماير او بالموصولات او بالاسماء و الاعلام او بالاضافات علي كل وجه فانما هي في رتبة ذلك الظهور و لما كانت حقايق الخلق هي ذلك الظهور كانت مدلولات تلك الدوال هي تلك الحقايق بتجليه سبحانه فيها و تجليه سبحانه فيها علي حسبها فما ينتسب اليه تعالي هو ما يناسب في مقامها مما ينتسب اليها لا من حيث هي هي و لما كان الخلق المنتسب الي الله تعالي علي الحقيقة الاولية منحصرا في محمد و آله الطاهرين صلي الله عليه و عليهم اجمعين كما قال تعالي اشارة الي هذه الدقيقة في الباطن و اصطنعتك لنفسي و قال ايضا تعالي و القيت عليك محبة مني و لتصنع علي عيني كان ما ينتسب الي الله سبحانه واردا علي تلك الحقيقة المقدسة الشريفة فعلي هذا فافهم معني قوله تعالي اني انا الله لا اله الا انا فاعبدني و اقم الصلوة لذكري و قوله تعالي و لقد خلقنا السموات و الارض و ما بينهما في ستة ايام و مامسنا من لغوب و قوله تعالي و لقد بنينا فوقكم سبع طرائق و ماكنا عن الخلق غافلين و امثالها من الآيات في هذا الشأن و اليه الاشارة بقول مولينا الصادق عليه السلام و نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها و في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء و جنبه العلي و قال الصادق [ص 325] عليه السلام في حديث طويل الي ان قال عليه السلام و هو المسمي و نحن اسماؤه و هو المحتجب و نحن حجبه الحديث ، فاذا عرفت هذه الدقيقة فاعلم ان النبي صلي الله عليه و آله قال في جواب اليهودي الي ان قال صلي الله عليه و آله ان الله تعالي اوحي الي ان فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي كل الخلق و المشبه عين المشبه به فتكون نسبة الله الي خلقه هي بعينها نسبة آل‌محمد عليهم السلام الي سائر الخلق فعلي هذا فاجر كلما ذكرنا فيما ينسب اليه سبحانه و ما يراد منه فيما ينسب الي الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله حرفا بحرف فان الخلايق سواها كلها اشباح ظهوراتها و هياكل صفات كينونتها ( كينوناتها خ ) و الاشارة تنتهي الي الصفات و العبارات تتعلق بالتعلقات و هي كلها دون تلك الحقيقة فتلاحظها فيها و تشاهدها معها فيما ينسب اليها مما يناسب مقامها لا من حيث مقامها و في بعض الاحوال مما يناسب مقامها علي ما فصلت لك سابقا فاذا فهمت هذا الذي ذكرت و اتقنته ظهر لك سر عجيب و امر غريب فعلي ما ذكرت فاحمل قوله عليه السلام فو الذي فلق الحبة و ليس المراد منه و من امثاله الا الله سبحانه وحده علي جهة الاستقلال لايشاركه فيه احد و لايتخذ لنفسه وزيرا و لا عضدا قل الله خالق كل شئ افرأيتم الماء الذي تشربون ءانتم انزلتموه من المزن ام نحن المنزلون افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون افرأيتم النار التي تورون ءانتم انشأتم شجرتها ام نحن المنشؤن فلا استقلال لشئ الا لله سبحانه و لا فعل الا فعله و لا حكم الا حكمه و لا امر الا امره فمن رام غير هذا المعني مما ذكرنا و مما يسمع منا [ص 326] فقد كفر كفر الجاهلية الاولي و نحن الي الله منه برآء .

قوله عليه الصلوة و السلام : و تفرد بالجبروت و العظمة هذا الكلام متفرع و مترتب علي الكلام السابق و ان لم‌نقل ان الواو للترتيب و ان كان الظاهر من ظواهر الادلة الترتيب و يستفاد ذلك من بعض الروايات كما في التهذيب و غيره لانه عليه السلام لما ذكر فالق الحبة لكنه علي الجملة الفعلية لا الجملة الاسمية للاشارة الي ان هذا المقام مقام الفعل العامل في الاسم و ان كان ذلك اسم الفاعل فهو العامل و لايدخل عليه معمول و هو علي ابدا و لايعلي عليه و لذا اتي عليه السلام بصيغة الماضي الذي هو المبني الذي لايؤثر فيه العامل بخلاف الفعل المضارع فان للعامل فيه تأثيرا و قد اشار لاهل الاشارة الي تحقق المقامين و ان مقام الفعل اعلي من مقام اسم الفاعل و ان كان اسم الفاعل فيه ذكر المبدأ وحده لا سواه لكن ذلك حكاية الفعل للاسم عدم استقلالية نفسه فالمقسم به في هذا المقام اعلي من المقسم به في مقام اسم الفاعل و ان كان كلاهما اسمين لله سبحانه و ورد التعبير بهما كما في قوله تعالي فالق الحب و النوي يخرج الحي من الميت الآية ، و ذلك كما نقول ان اسم الله اعظم من سائر الاسماء فاذا اقسمت باسم الله يكون اعظم بالنسبة الي ما اذا اقسمت بالاسم الخالق فافهم و قد عرفت ان الموجودات المكونة بل و الممكنة انما تحصلت و وجدت بانفلاق الحبة و النوي فلا موجود من الموجودات خارجا عن انفلاق الحبة اما بذاتها او بعكسها فيكون فالق الحبة و بارئ النسمة حينئذ متفردا و متوحدا بالجبروت و العظمة و القدس و العزة و الهيمنة [ص 327] و السلطنة و البهاء و القدرة و البسط و العطية و امثالها من شؤن الجلال و الجمال و الكمال و القدرة و القوة لان بكلمته انزجر العمق الاكبر و ركدت البحار و خضعت الجبال و وجلت القلوب من مخافته و استسلمت له الخلايق كلها فظهر لك ان الذي فلق الحبة و برئ النسمة هو المتفرد بالجبروت و العظمة اما الجبروت فهو الظهور الالهي علي جهة الهيمنة و الاستيلاء و الاقتدار الذي يقهر كلما عداه و يبطل كل ما سواه و اليه الاشارة ( علي خ ) ما في دعاء علي بن الحسين عليهما السلام و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك ( ارضيك خ ) السابعة السفلي باطل مضمحل ماعدا وجهك الكريم الدعاء و انما عبر عن السوي بالمعبود لان كل شئ يتوجه اليه القصد من دون الله سبحانه فهو معبود للمتوجه الناظر مع الله و هو قوله تعالي افرأيت من اتخذ الهه هواه و قال الصادق عليه السلام من استمع الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ، و علي هذا يكون الجبروت هو عالم العقول من جهة ظهوره تعالي فيه تحت الحجاب الابيض الاعلي و هو اعلي مقامات الوجود المقيد و مبدءه و اصله و ذكر الاشياء و ظهور جهتيها انما كان في هذا العالم مبدءه لكن ( لكن لا خ ) علي جهة الاضمحلال و الفناء و العدم فالواقف في ذلك المقام لايجد للاشياء تحققا اصلا و ان كان يجد لها ذكرا لكنه علي جهة البطلان و لايجدها منشأ الاثر و ذلك العالم منشأ العبادة و الطاعة و السؤال و الطلب من الله سبحانه و رضاه و مجلي الاسم الاعظم الله و قبله لا يتحقق العبادة لعدم العابد و بعده ايضا كذلك [ص 328] لخفاء ظهور المعبود في نظر الواقف في ذلك المقام لشدة انجماد الواقف و فرط ظهور المعبود و اما في عالم الجبروت يجد المعبود سبحانه اظهر من كل شئ بل ربما لايجد معه شيئا يكون منشأ للاثر فيخلص له التوجه و العبادة و الخضوع و الذلة و الفقر و المسكنة و الي هذا المقام اشار مولينا و سيدنا سيد الشهداء عليه السلام في الدعاء ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصل اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبك نصيبا ، و توحيد اهل هذا العالم هو التوحيد الشهودي قد ظهر الحق لهم في قلوبهم و اخذ بمجامعها فلايجدون غيره الا باطلا فانيا و هنالك يظهر لهم سر مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه و انما سمي هذا العالم بالجبروت لانه عالم المعاني و عالم الاجمال و الوحدة و البساطة و الكثرات فيها مطوية مضمحلة كاضمحلال الصورة ( الصور خ ) و الحدود التي للكتابة في المداد و اضمحلال الصور الشخصية في ( و خ ) الطبايع الكلية فلاهل ذلك العالم الذي هي المعاني البسيطة جبروت و هيمنة و تسلط علي ما عداهم من الصور الشخصية و الحدود الرسمية و العقل من ذلك العالم و لذلك كان مدركا للمعاني الكلية بذاتها و بذلك كان معصوما اذ ليس عنده شئ مستقل له تذوت غير الله سبحانه حتي يتوجه اليه و يلتذ به اذ التوجه الي اللاشئ او الي الذي لا اصل له قبيح فيخلص حينئذ له التوجه الي الله سبحانه و لذا قال عليه السلام العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان فمن وقف في مقام العقل فهو لم‌يزل ينظر في الاشياء بنظر البطلان و الاضمحلال و لذلك [ص 329] كان مصدرا للعبادة بدوا و عودا اما في القوس الصعودي بعد النزولي فلايكلف بالعبادة الا بعد البلوغ اي ظهور العقل و استقامة المزاج حتي يثبت الظهور فلا تكليف ظاهرا علي المجنون و لا علي الصبي و لا علي السكران و لا علي المغمي عليه و لا علي النائم كل ذلك لعدم ظهور العقل الذي هو جهة البساطة و الوحدة و به يتمكن عن معرفة جبروت الله و عظمته و كبريائه فان الله سبحانه واحد لايتوجه اليه الا من جهة الوحدة و ان كانت فيها كثرة الاسماء و الصفات و جهات التعلقات لكنها مقهورة و مضمحلة عند سلطان الذات المسمي بتلك الاسماء و ذلك منتهي غاية العابدين و اما العود الي ( اي خ ) الصعود الي نقطة العقل و التجاوز عنه الي مقام الحقيقة و الفؤاد و الانقطاع عن جهة الانية و الاستعداد فهناك يظهر البسيط و يدخل المدينة علي حين غفلة من اهلها و يتحد الرائي و المرئي و الرؤية و الشاهد و المشهود و الشهود و العارف و المعروف و المعرفة و المحب و المحبوب و المحبة فتنقطع العبادة لفقدان الشعور و الانية و الادراك الذي هو مناطها و اذ ليس فليس لان الشئ مركب من جهتين جهة من نفسه و جهة من ربه و بهما يترتب عليه الاحكام و يتميز في المقام و اما من جهة كل واحد من الجهتين فلا ميز و لا حكم و اما الجهة التي هي من نفسه فهي ليست شيئا اذا نظر اليها مجردة عن الجهة التي من ربه و تشيئها و تحققها و تذوتها انما هو بالجهة التي من ربه و ان كانت تخالفها و تضادها في كل ما لها لانها ساجدة للشمس من دون الله و اما الجهة التي هي من ربه فليست فيها الا صفة ظهور الرب سبحانه بافعاله لا بذاته و تلك الصفة صفة رسم جعلها سبحانه في هويات الاشياء حتي يعرفوه بها و تلك الصفة [ص 330] مثال معرفته و هيكل توحيده فلايفرض فيها جهة و جهة و حيث و حيث و اعتبار و فرض و امتياز و مغايرة لانها و امثالها كلها من صفات المخلوقين و هو سبحانه منزه عن كلها و الصفة يجب ان تكون دالة علي الموصوف و الا لم‌تكن صفة فيجب تنزهها عن كل الصفات الاعتبارية الامتيازية من الذهنية و الخارجية و النفس الامرية و الشئ ليس فيه الا الجهتان فاذا نظر الي الجهة السفلي كان محتجبا عن الله سبحانه فاذا نظر الي مخلوقيته و اثريته و توجه الي القديم الخالق المؤثر فهناك مقام العقل الذي ذكرنا و محل العبادة و موقعها و اذا تمحض في النظر الي الجهة العليا التي فيها صفة التوحيد الالهي الظاهر في العالم الخلقي لا القديم الازلي فارتفع عنده التمييز ( التميز خ ) و الاشارة و العبارة و التوجه و الخضوع و الخشوع لان كل ذلك علي فرض تحقق الوجهين و اذ ليس فليس فاين موضع العبادة و لا شعور و لا احساس لانه قد اطفأ السرج و قد طلع الصبح و هو قوله تعالي في التأويل و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين فاذا اتي اليقين الذي يقتضي رفع كل ما سوي الحق سبحانه ارتفعت العبادة لارتفاع شرطها الذي هو العقل و الادراك و الشعور و التمييز و هو قول مولينا علي عليه السلام من عرف الحق لم‌يعبد الحق ه‍ ، اي حين المعرفة التي انست العارف نفسه و غيره و اعلم ان بعض الضلال من الصوفية خذلهم الله و اصلاهم نار جهنم حيث اعيوا عن طاعة الله سبحانه و عبادته و عن حمل اعباء الاوامر و النواهي التكليفية و ارادوا ان يخرجوا عن ربقة الطاعة و العبادة و العبودية موهوا علي الناس و قالوا ان الشريعة [ص 331] التي فيها التكليف و الامر و النهي و الوعد و الزجر هي سلم و آلة للوصول الي الحقيقة فاذا وصل الانسان بالشريعة الي الحقيقة بقطع الطريقة فلايحتاج بعد ذلك الي العبادة فتسقط عنه العبادات كلها و التكاليف باسرها لان المقصود من العبادة هو الوصول الي باب الملك فحيث وصل الانسان الي مقام الجمع و الوصال انقطعت عنه التكاليف كلها و الشرايع باسرها و هو قوله تعالي و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين فتركوا بذلك التمويه الصلوة و الصيام و سائر العبادات و لم‌يدروا لعنهم الله ان العبادة لم‌تسقط مع الشعور و الادراك و لايمكن الوصول الي جهة الظهور الالهي في رتبة الخلق الا بمحو الاشارات و سد ابواب المدارك و المشاعر و الحواس كلها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم و كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، و اذا حصلت هذه الحالة لايبقي للعارف سكون و لا قرار فيخر مغشيا عليه لانه ساجد حينئذ تحت عرش ربه قد توضأ من صاد لصلوة الظهر و اتم صلوته و سجد و ذلك بتعليم النبي صلي الله عليه و آله حين قيل له يا محمد (ص) ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر فيرتفع حينئذ الحس و الاحساس و الشعور و الادراك و الحركة كما كان يتفق لمولينا و سيدنا اميرالمؤمنين عليه السلام كما روي عنه عليه السلام و كما وقع عن الصادق عليه السلام حيث كان في الصلوة و كرر اياك نعبد حتي وقع مغشيا عليه فلما افاق قال عليه السلام لازلت اكرر هذه الآية حتي سمعت من قائلها فحين الاغماء ارتفع التكليف اجماعا من المسلمين و اما بعد ما افاق فقد بعد فوجبت عليه العبادة [ص 332] ما دام حيا و لانها ذكر المحبوب عند المهاجرة و الوصول هو الاجتماع في مقام الظهور لا الذات البحت تعالي شأنها لانها لاتجتمع مع شئ و لايقترن باحد و هو قول مولينا الصادق عليه السلام و اذا انجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة فاستأنس في ظلال المحبوب و آثر محبوبه علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و هذا تأويل قوله تعالي فاعبد ربك حتي يأتيك اليقين و قول مولينا علي عليه السلام من عرف الحق لم‌يعبد الحق لا ما يقول اولئك الضلال الذين بنوا امرهم علي مخالفة ائمة الهدي عليهم السلام و استثقلوا عن العبادة ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة و بالجملة فالجبروت هو مقام العقل و عالم المعاني اول الموجودات المقيدة و كل العوالم و المراتب و المقامات عنده مضمحل فان باطل و هو محل الرجاء و سلب الخوف اذ لايجد لنفسه تحققا حتي يخاف عليها و لذا قال مولينا الصادق عليه السلام و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و من رجا طلب و من طلب وجد ، و الوجه الآخر لتسمية هذا العالم بالجبروت انه يجبر الكسر ( الكسير خ ) فان المراتب التحتية و المقامات السفلية كلها متقومة به و موجودة منه و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام و العقل وسط الكل و ذلك لان العقل اول ما خلقه ( خلق خ ) الله سبحانه و تعالي فلما خلقه و استنطقه و اودع عنده غيوب جميع الاشياء و معاني الخلائق ثم قال له اقبل فاقبل فوجد باقباله كل المراتب الامكانية و الذوات الخلقية بنسبة مقامها ثم قال له ادبر فادبر [ص 333] فظهر بظهوره كل ما كان مخفيا في القوس النزولي من المراتب و المقامات و الاحوال و الدرجات فاستكملت الاشياء كلها بالعقل فهو متمم لنقصانها و جابر لكسيرها و اما العظمة فهي الظهور الالهي في رتبة الابداع الثاني كما كان الجبروت هو الظهور في عالم الاختراع الثاني و ذلك الظهور الابتداعي انما هو في عالم الملكوت اي عالم النفوس تحت عالم العقول فانه عالم التشخص و التصور و التعين و الاختلاف و ذلك يورث العظمة الموجبة للخوف و الخشية لانه مقام العلم كما قال عز و جل انما يخشي الله من عباده العلماء ، و قال سيد الساجدين عليه السلام لا علم الا خشيتك و لا حكم الا الايمان بك ليس لمن لم‌يخشك علم و لا لمن لم‌يؤمن بك حكم ، و هو مقام التصور و التمايز و ظهور النور القاهر للمجموع الماحي لكل الكثرات و لذا وصف العلي بالعظيم في قوله تعالي و هو العلي العظيم لان مقام علي عليه السلام هو مقام النفس الكلية و لذا كان كتابا جامعا لكل رطب و يابس كما قال تعالي و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ، و كل شئ احصيناه في امام مبين ، و كل شئ احصيناه كتابا ، هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و هو عليه السلام النبأ الموصوف بالعظمة في قوله تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و قوله تعالي قل هو نبأ عظيم انتم عنه معرضون و هو اسم الرب العظيم في قوله تعالي فسبح باسم ربك العظيم و لما كان الركوع في الصلوة ينبئ عن مقامه صلي الله عليه و آله كان الذكر فيه العظيم و لذا اشتق له لفظ العظيم من العين المأخوذ من عين علي عليه السلام [ص 334] و الظاء التي هي آخر مراتب الكثرات و آخر مرتبة المئات في الرقوم الحرفية للاشارة الي ان المسمي في مقام الكثرة لا مقام الوحدة ثم الياء و الميم المستنطقتان بالنون المشتق من النون في كن التي هي الابتداع الاول كما ان الكاف هي الاختراع الاول و بالجملة فالله سبحانه هو المتفرد بالجبروت و العظمة لا سواه اذ كل شئ سواه خاضع له و خاشع له منيب اليه و قد قلنا لك ان الجبروت و العظمة ليستا عين ذاته سبحانه و انما هما رتبة خلق من مخلوقاته في مقام المعاني لا مقام البيان و قد دلت الاخبار و شهد به العقل المستنير ان اهل البيت عليهم السلام هم معاني الله سبحانه كما قال مولينا الباقر عليه السلام لجابر بن عبدالله يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال و ما البيان ( و المعاني خ ) قال قال علي عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف ان الله ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم ه‍ ، فاذا كانوا سلام الله عليهم هم معاني صفات الله سبحانه فهم نوره و عظمته و جبروته و بهاؤه و جماله و جلاله و رحمته و نعمته و قدرته و مشيته و سائر المعاني و لا شك ان كل شئ خاضع لعظمته تعالي و خاشع لقدرته و جبروته و كبريائه كما في الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر [ص 335] لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم و في الدعاء و بعظمتك التي ملأت كل شئ و في دعاء رجب فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، فهم العظمة التي ملأ الله بها السموات و الارض و كل الاشياء ذليلة لديهم لانها تتوجه الي الله تعالي بهم كما في الزيارة يسبح الله باسمائه جميع خلقه و قالوا عليهم السلام كما تقدم نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان تدعوه بها و قال تعالي و ان من شئ الا يسبح بحمده و التسبيح لايكون الا بالاسماء و هي كلها مقهورة تحت هيمنة اسم الله و في زيارة علي عليه السلام السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيء ، فصح خضوع الاشياء لهم بجميع احوالها و شؤنها و اطوارها و مقتضياتها و سائر احكامها و الله سبحانه هو المتفرد بهذه العظمة و الجبروت لانهم لله سبحانه لا لسواه كما قال تعالي و اصطنعتك لنفسي و قال علي عليه السلام اشارة الي كونه عظمة الله و تفرد الله سبحانه بمالكيته انا الذات انا ذات الذوات انا الذات في الذوات للذات ، فاذا ارجعت الضمير الي الذي فلق الحبة جاءت الاحتمالات التي ذكرناها في اطوار باطن باطن الباطن فراجع و تفهم .