فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فتأخذه عنا

فما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا

فعلي ما قررنا ظهر لك وجها واحدا ( وجه واحد خ ) من معني قوله عليه السلام [ص 234] نحن النذر الاولي بجعل النذر الاولي هم الانبياء و اوصيائهم و سائر الرسل و النذر من الملائكة و الجن و الانس و العلماء الراشدين و المؤمنين الممتحنين و الصلحاء الفاضلين فتدبر فيه و الوجه الثاني في مقامهم الثاني عليهم السلام في رتبة القطبية فانهم عليهم السلام في كل عالم و كل مقام قطب لاهل ذلك العالم و ذلك المقام و القطب هو وجه الفعل الي المفعول و وجه المفعول الي الفعل و هو المفعول المطلق و هو امر الله الذي قامت الاشياء كلها به كما في قوله تعالي و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و قال الصادق عليه السلام كل شئ سواك قام بامرك و ذلك الامر هو المفعول الاول كما قال تعالي و كان امر الله مفعولا و هو القدر الذي يسري في افعال العباد و اعمالهم في الكينونة و الذات و الاعراض و الصفات سريان الروح في الجسد كما قال سيد الساجدين عليه السلام ان القدر في افعال العباد كالروح في الجسد فلولا الروح لا قوام و لا حراك للجسد و ( كما خ ) لولا الجسد لا ظهور للروح و كذلك لولا القدر لايتحقق العمل و لولا العمل لايظهر القدر ، هذا معني الحديث و انما اخذه عليه السلام من قوله تعالي و كان امر الله قدرا مقدورا و قيام الاشياء بهذا الامر و القدر المفعوليين قيام ركني عضدي لا صدوري ايجادي نعم بالامر الفعلي و هو المقام الاول من مقاماتهم عليهم السلام و هذا القطب هو المقصود بالذات في الايجاد و عليه تعلق الجعل الاولي و به قامت المحبة في قوله تعالي احببت ( فاحببت خ ) ان اعرف و لكن لما قيل لذلك الامر ادبر فادبر حصلت الكثرات و الاضافات و الجهات فاحتجب ذلك النور بكل جهة و اضافة [ص 235] بل ربما ظهرت آثار تلك الاضافة و الجهة مما اقتدرت عليه بقوة ذلك النور الساطع الظاهر المستجن فيه و لكن لا قوام للشئ في ذلك المقام باعتبار تلك الجهة الا بذلك الامر و النور بل ليس الشيء ( للشئ خ ) حقيقة سواه فان الاضافات اعراض و احوال ماتقوم الا بذلك الاصل تقوم القشر باللب فاذا فهمت ذلك و تنبهت للحديث الوارد عن اهل البيت عليهم السلام ان الله سبحانه اول ما خلق هو محمد صلي الله عليه و آله بقي يسبح الله و يقدسه الف دهر ثم خلق سبحانه اثني‌عشر بحرا فامره بالسباحة فيها ثم عشرين بحرا آخر فامره سبحانه بالسباحة فلما اتم السباحة في تلك الابحر خرج منها و قطر منه صلي الله عليه و آله مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة خلق الله من كل قطرة روح نبي من الانبياء عرفت المراد اذ لا شك ان نبينا صلي الله عليه و آله من ذلك العدد نعم تلك القطرة الخاصة بنبينا صلي الله عليه و آله من بين الانبياء عليهم السلام هي قطب رحي وجوداتهم و ان كانت من سنخهم و لكن نسبتها اليهم نسبة الروح الي البدن و نسبة الاكسير الي الحجارة المرمية ثم استجنت تلك القطرات و كمنت في تلك القطرة كمون القشر في اللب لا العكس و ان كان المعروف هو ذلك و معني كمون القشر في اللب ذكر صلوحه لتلك القشور لا غير فيه الي ان كمل هذا العدد اي مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف باعتبار ملاحظة قران بعض احواله صلي الله عليه و آله مع الاحوال الاخر فعند حصول تلك القشور استجن اللب فيها و القشر لا قوام له الا باللب و الاغصان لا تحقق لها الا بالشجرة بل ليست غيرها و لا حراك [ص 236] لها الا بها ثم استجنت تلك القشور المكتنفة باللب الاصلي و القطب الحقيقي في الانسان فكان الرتبة الانسانية قشرا لتلك القشور فاستجنت تلك في القوس النزولي في مقام القطبية في الحيوانات و هي استجنت في النباتات و هي في الجمادات فالنبات صافي الجماد و الحيوان صافي النبات و الانسان صافي الحيوان و الانبياء صافي الانسان و اهل البيت عليهم السلام هم صافي الانبياء فهم سلام الله عليهم صفوة المرسلين و هم صفوة الصفوة من صفوة الصفوة و لما كان الصافي هو اللب و السافل هو القشر كان لا يقوم القشر الا بوجود اللب اما ظاهرا مشهورا او مكتتما مستورا ففي حال النزول اختفي اللب في القشر و في حال الصعود يظهر اللب من القشر مع وجود القشر متقوما و متأصلا بذلك اللب فلهم اي لهذه المراتب مقامان مقام العلة الفاعلية و مقام القطبية و الاصلية ففي المقام الثاني فالمتاصل الثابت هو القطب و الدائرة تطوراته باطوار شؤناته ثم لا قوام لها في حال من احوالها الا بالقطب فلك ان تقول ان القطب هي الدائرة و لك ان تقول بالعكس و لك ان تجعل لكل منهما حكمه لكن لايجري الحكم علي الدائرة في حال من الاحوال الا بالقطب و ذلك كالقلب فان الانسان حقيقة هو القلب و هو الاصل المؤثر المدبر في البدن [ص 237] و كل الآلات البدنية شؤنات للقلب تبدو منه و تعود اليه و لذا اذا وجد صدر الميت الآدمي وجب عليه ما يجب علي الكل من التغسيل و التكفين و التدفين و الصلوة عليه و امثالها من الاحوال و الاحكام فاذا فهمت ذلك علمت المراد في لحن المقال كما قالوا عليهم السلام انا لانعد الرجل من شيعتنا فقيها حتي يلحن له و يعرف اللحن فلما قال الله سبحانه للعقل الكلي الظاهر في اطوار الكروبيين اقبل الي الخلق او ادبر عني الي الخلق فتنزل بالتشأن و التطور الي ان وصل مقام الجماد ثم قال له اقبل الي او ادبر عن الخلق فاخذ في الصعود فظهر في صفو المعدن و بقيت المعادن كلها تدور علي وجه ذلك الصفو الظاهر فيها ثم لما استعدت البنية و صفت طبيعة العالم و اعتدلت ظهرت تلك الصفوة بوجهها و نورها فكان قطبا لدائرة كون النباتات ثم ظهرت في صفو الحيوان فكانت قطبا لها تدور عليها في جميع احوالها ثم ظهرت في صفو الانسان و كان آدم عليه السلام حامل تلك الصفوة بل هي ذات تقومت بنية آدم بها فتشعب من ذلك القشر قشور كثيرة و هي اولاد آدم عليه السلام الي ان صار اصفاها و اعلاها حاملا لتلك الصفوة المنتقلة من آدم عليه السلام اليه و هكذا كانت القشور حاملة لتلك الصفوة و محلا للقطب الي ان استعد العالم لظهوره و لاشراق نوره من غير حجاب فظهر القطب اي تلك الصفوة الطاهرة ( الظاهرة خ ) قد انسلت من تلك القشور و بالجملة ، ضاع الكلام فلا سكوت معجب ، و اعلم اني ما يمكنني ان اظهر ما اريد من هذه الكلمات و ابينه صريحا بظاهر العبارات من جهة عدم احتمال الناس من اهل الطبايع الغير [ص 238] الناضجة او الطبايع الخامدة او القلوب القاسية فيسارعون الي الانكار و قد قالوا عليهم السلام لاتتكلم بما تسارع العقول الي انكاره و ان كان عندك اعتذاره و قال مولينا الصادق عليه السلام ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله ه‍ ، فاذا لايجوز الكلام في امثال هذا المقام الا مرموزا و مستورا مقنعا بالاستار و الحجب لينتفع به العالم الفطن و يصون عن الجهال و اشباه العلماء و لو اذن لنا في الكلام لكان البيان علي غير هذا النمط قال مجنون العامري :

و مستخبر عن سر ليلي اجبته بعمياء من ليلي بلا تعيين

يقولون خبرنا و انت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين

و لكني اقول اذا فهمت ان الائمة عليهم السلام سيما فخرهم و اميرهم و سيدهم اميرالمؤمنين عليه السلام امر الله الذي قامت به الاشياء كلها قياما عضديا ركنيا و الاشياء حقيقتها مركبة من نور ذلك الامر و من الحدود المعينة المشخصة سهل لك معرفة المراد و يتمحض لك التصديق لقوله عليه السلام في الدعاء لايري فيه نور الا نورك و لايسمع ( فيها خ ) صوت الا صوتك و قد علمت ان ايدك الله و وفقك لمعرفة ائمتك عليهم السلام ان ليس لله نور سواهم و ليس له صوت غير صوتهم لان الله سبحانه قرنهم بنفسه و اقامهم مقامه و قال بلطيف الاشارة اشارة الي هذا المقام و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون و لا ريب ان يمين الله ليست الا عليا ( علي خ ) عليه السلام و هو يد الله اتفاقا من الفرقة الناجية من الشيعة [ص 239] و قد قال عز و جل بل يداه مبسوطتان ينفق منهما كيف يشاء فاذا كان الانفاق باليد فليس في الموجودات الا اثر اليد و نورها فالاشياء كلها لديها معدومة و الاختلافات هناك ترجع الي كمال الوحدة بل تبطل و لا حس لها الا بها و اليه الاشارة في قوله عز و جل و خشعت الاصوات للرحمن فلاتسمع الا همسا و هذا معني ما ورد ان مولينا عليا عليه السلام يوم العرض الاكبر تقف الخلائق كلها جاثية بين يديه عند الحساب و هو عليه السلام يتكلم بكلام واحد يجري ذلك الكلام الواحد في كل شخص بما هو عليه من الاحوال السعيدة او الردية من اصحاب اليمين او اصحاب الشمال و كل منهم يري انه عليه السلام يقرأ صحيفة عمله و معني ذلك في هذا المقام هو ظهور ذلك النور الواحد المشرق من صبح الازل علي هياكل الكائنات و حقائق الموجودات من الممكنات و المكونات و ذلك النور يظهر في كل حقيقة علي ما هي عليه كالوجه الواحد المقابل للمرايا الكثيرة و كالنفس الخارج من الجوف المتقطع بالقلع و القرع و الضغط بالحروف و كالمداد الظاهر بالكتابة و الواحد المتشأن بالاعداد و ذلك النور اثر من شعاع علي عليه السلام في الانسان و شعاعه في الكروبيين فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و لاتنكر قدرة الله في اوليائه فظهر لك معني قوله عليه السلام نحن النذر الاولي بالوجوه الثلثة احدها انهم النذر حقيقة اولية و ما سويهم نذر بالحقيقة الثانية ( الثانوية خ ) التي هي بعد الحقيقة فالانبياء نذر من الله بواسطتهم و مؤدون عن الله شريعة محمد صلي الله عليه و آله الي الخلق بواسطتهم كما في باطن قوله [ص 240] تعالي اي في باطن الباطن عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و اذا لاحظت تفسير ظاهر الظاهر انكشف لك سر باطن الباطن و تلك الملاحظة في الضماير و الدليل علي هذا التفسير كلام مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في وصف النبي صلي الله عليه و آله اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لايحيط به خواطر الافكار فعلي هذا من ادعي احد من الانبياء انهم يؤدون عن الله سبحانه و يأخذون بدون واسطة محمد و آله صلي الله عليه و آله فقد ادعوا الربوبية و الالوهية لانفسهم حيث اعرضوا عن الله ( سبحانه خ ) و رأوا انفسهم مستقلين قال تعالي رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من امره علي من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق و قد قالوا ان اسم رفيع الدرجات هو الامام عليه السلام لانه اسم الله كما في الزيارة السلام علي اسم الله الرضي و قد قال علي عليه السلام انا الروح من امر ربي فقد ثبت هنا مقامان مقام البيان و مقام المعاني و ثانيها ان النذر هم الانبياء المتقدمون و هم اشباح آل‌محمد صلي الله عليهم و امثالهم يحكون عنهم و هم عليهم السلام يوصفون بهم كما مر و ثالثها انهم هم الانبياء و لكنهم متقومون بهم اي بمثالهم اي ليسوا الا ذلك المثال و لا حقيقة لهم مستقلة في حال من الاحوال كما مثلت لك بالقلب و الانسان و المداد و الحروف و النفس و الحروف و امثال ذلك من [ص 241] الامثال مما ضربه الله للخلق ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و قد اشار الي تلك الدقيقة الشريفة بقوله عليه السلام فيما تقدم انا الآمل و المأمول و لو اردنا شرح حقيقة الحال في هذه الوجوه الثلثة سيما الوجه الثالث لادي الي بسط عظيم في المقام بتمهيد مقدمات لاينبغي اظهارها و ابرازها لعامة الناس فتركناها و اشرنا الي شئ منها لئلايحرم اهله .

قوله عليه الصلوة و السلام : نحن الآخرة و الاولي الآخرة هي العود و الاولي هي البدو و لما كان العود هو البدو و كانت الآخرة هي الاولي كما قال عز و جل كما بدأكم تعودون انما انث الصيغة لبيان انهما صفتان للدار اي الدار الآخرة و الدار الاولي و قد دل العقل و النقل علي ان عليا عليه السلام و الائمة عليهم السلام هم البيوت التي اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه كما في قوله تعالي في بيوت اذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله علي قراءة المبني للمجهول في يسبح فيكون رجال خبرا لمبتدأ محذوف اي تلك البيوت رجال و هم الائمة عليهم السلام و في كتاب الاحتجاج للطبرسي عن الاصبغ بن نباتة قال كنت ( كنا خ ) عند اميرالمؤمنين عليه السلام فجاءه ابن‌الكوا فقال يا اميرالمؤمنين قول الله عز و جل ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها فقال عليه السلام نحن البيوت التي امر الله ان يؤتي من ابوابها نحن ابواب الله و بيوته التي يؤتي منها فمن بايعنا و اقر بولايتنا فقد اتي البيوت من ابوابها و من خالفنا و فضل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورها ، فاذا كان ( كانت خ ) الائمة عليهم السلام هم البيوت [ص 242] فقد جاء تأويل قوله تعالي ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين و علي عليه السلام هو اول البيوت و قد وضع في الكعبة المشرفة زادها الله شرفا و تعظيما و انما كانوا بيوتا لانهم سلام الله عليهم حووا آثار الربوبية و جمعوا احكام الالوهية و عندهم اجتمعت الخيرات كلها و خزنت الانوار باسرها و حفظوا اسرار العلوم الالهية و وسعوا ظهورات رب البرية كما قال عز و جل ماوسعني ارضي و لا سمائي بل وسعني قلب عبدي المؤمن و العبد المؤمن هو محمد صلي الله عليه و آله اصالة و اهل بيته الطاهرون بالبدلية فلما افيضت الانوار و الاسرار و الفيوضات الواردة علي ذرات الكائنات ظهرت فيهم عليهم السلام و هم محل تلك الانوار و مهبط تلك الاسرار فسماهم الله سبحانه بيتا لكونهم مسكن علومه و اسراره فاطلاق البيت عليهم حقيقة لا مجاز ثم لما ظهر ذلك المعني في هذه المساكن المعروفة سميت بها مجازا او حقيقة ثانية بعد تلك الحقيقة الاولية و انما هي حقيقة مجازا و مجاز حقيقة فهم عليهم السلام هم الدار الاولي لانهم المبدأ حيث خلقهم الله سبحانه قبل خلق الخلق باربعة‌عشرالف دهر و الاحوال الثابتة في رتبة الخلق كلهم لهم في مقام التفصيل و العقل الكلي باطواره و شؤناته الذاتية و العرضية الذي قد حصل البدو في كل مرتبة و مقام باقباله الي الخلق هو تفصيل من تفاصيل احوالهم و آثارهم و هو اول من ذاق الباكورة في حدائقهم و هو اول فتق وقع في الجو المرتوق من صفاتهم و انوارهم فهم عليهم السلام اذن بالمبدئية اولي و بالاولوية احري و لما كانت الموجودات كلها [ص 243] اوعية رحمة الله سبحانه و خزائن فيضه و هم عليهم السلام اوسع الاوعية و اشرف الخزائن بل لا خزينة معهم و لا وعاء غيرهم عندهم فكانوا هم الدار الاولي و كل اول هو الآخر لان الآخر هو عود الشئ الي الكمال و الكمال هو القرب الي المبدأ و ليس اقرب الي المبدأ بالنسبة الي الشئ من مبدأ ذاته فاذن عوده هو عين ظهور بدوه فالآخرة هي الاولي حقيقة و ذلك لان الله سبحانه لما خلق الخلق خلقهم في الخلق الاول علي اكمل ما يقتضي كينونتهم و تستدعي هويتهم و لاتمكن رتبة فوقها و غيرها و لما امرهم بالادبار ظهرت فيهم ظلمة الادبار و كثافة تصرف الاغيار و كدورة دوران الليل و النهار فلما بلغ الكتاب اجله و وصل الامر مستقره امره بالاقبال و معناه دفع تلك الظلمة و رفع تلك الشبهة فيعود كما كان قد بدأ فيلحق ببدئه فبدوه هو عين عوده فالدار الآخرة التي هي في الظاهر الجنة و نعيمها او النار و اليمها هي بعينها هي الدار الاولي التي هي اول تنزل العقل الكلي الي آخر مقامات الادبار الي نهايات مقامات الاقبال الجسماني الدنياوي فعود الاجسام الي بدوها الجسماني و هو عين عودها و كذلك الارواح و النفوس و الطبايع و المواد و آل‌محمد صلي الله عليهم هم المبدأ علي جهة الاطلاق و هم المنتهي اما في انفسهم عند انفسهم فظاهر لانهم عليهم السلام قد بدؤا من نور العظمة و نور الذات و هما عين حقيقتهم لان الله سبحانه ماحل فيهم العياذ بالله و لاتعين و تصور بصورهم و هياكلهم و انما خلقهم لا من شئ بل خلقهم بهم و اقامهم في ظلهم و اسكنهم في دار محبته و رضاه التي هي عين هويتهم [ص 244] كما قال عليه السلام في النفس الملكوتية الالهية انها هي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي فتلك الذات هي الجنة و هي الشجرة و اما عودهم فهو عروجهم الي تلك النقطة التي هي عين بدوهم و صعودهم الي تلك الذروة التي هي ذاتهم فكانوا عليهم السلام هم الاولي و هم الآخرة و لا شك ان الشئ لاينتهي الي الذات البحت القديمة فانها متعالية عن الاقتران و منزهة عن الاتصال فعود الشئ الي ما بدء منه من حقيقة ذاته و لما كان تلك الحقيقة مثال الله الملقي في هويات الكائنات و ذلك المثال لا تذوت له بذاته و انما هو حكاية و صفة و آية لغيره قيل ان الاشياء تعود الي الله و تصير اليه كما في قوله تعالي انا لله و انا اليه راجعون و الا فقد قال عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و قال عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و اما انهم بدو الاشياء و عودها فلان الاشياء كلها قد خلقت من شعاع انوارهم و فاضل آثارهم فذاتهم لمعة من انوار اجسامهم عليهم السلام و تلك اللمعة قد تطورت باطوار مختلفة قد ظهرت في كل طور بظهورها في مرتبة فاذا خلص الشئ عن مرارات شدة الادبار رجع الي الاقبال و هو الوصول الي تلك الحقيقة و اللمعة فلايتعداها ابدا و هي لاتحكي غير مثالهم و صفتهم عليهم السلام فبدو الاشياء منهم اي من نورهم و عودها الي ذلك النور و من جهة ان ذلك النور انما هو وصفهم و مثالهم كان بدوها و عودها اليهم لان ذلك المثال لايدل الا عليهم و لايرجع الا اليهم و اما الكفار و اصحاب النار فانهم قد خلقوا من [ص 245] الظلمة الحاصلة من عكس انوارهم و الاعراض عن آثارهم كما قال تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و عود الظلمة الي نفس النور من حيث هو نور و يسجدون للشمس من دون الله فلا قوام لها الا بالنور و لا قوام للنور الا بالمنير و لا منير في الوجود سواهم اماسمعت ما فسر مولينا الصادق عليه السلام لفظ الجلالة فقال عليه السلام الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا ه‍ ، و هو قوله عليه السلام في الزيارة بكم فتح الله و بكم يختم ه‍ ، فهم عليهم السلام الفاتح و هم الخاتم و الخاتم هو عين الفاتح و بالعكس كما ان الختم هو عين الفتح و بالعكس و الدار الآخرة هي رجوع الاشياء في العالم الكلي الي مباديها في اليوم الذي خلقه الله عليها اماسمعت ان النبي صلي الله عليه و آله دخل الجنة و النار ليلة المعراج و تلك الدار هي ظهور شأن من شئون ( شؤنات خ ) علي عليه السلام و طور من اطواره فسميت باسمه و قيل لها الآخرة و كذلك الدنيا و الاولي قد يراد بهما الترادف اي يراد بهما معني واحد و هو العالم الكلي ايضا بعد كمال الادبار و قبل نهاية الاقبال انما قيل لها الدار لما ذكرنا من انها مجمع الشئون الربوبية و مخزن اسرارها و انما قيل لها الاولي لانها المبدأ و الدنيا لانها ادني من الدنو بمعني القرب و قد يراد بالاولي ما ذكرنا و هو دنيا بلاغ و بالدنيا دنيا ملعونة و هي مقتضيات الادبار و ظهورات اشباح المدبر الحقيقي و لما كانت الدنيا في اغلب احوالها يراد بها المعني الثاني مانسبوها الي انفسهم الشريفة عليهم السلام لانها [ص 246] حينئذ ظل كينونتهم تدور علي خلاف جهتهم و تشتهي خلاف مراداتهم فهي حينئذ الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الارض ما لها من قرار و لذا كانت تنسب في اغلب الاستعمالات و اكثر الموارد الي الاعداء كما في قوله تعالي بل تؤثرون الحيوة الدنيا و هي ولاية الاول و الثاني و اتباعهما و الآخرة خير لك و هي ولاية علي عليه السلام و قوله تعالي كلا بل تحبون العاجلة و هي ولاية الاعداء و تذرون الآخرة و هي ولاية علي عليه السلام و قوله تعالي من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا و من اراد الآخرة و سعي لها سعيها و هو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكورا و بالجملة فالآخرة في كل موضع من القرآن يريد بها عليا عليه السلام و ولاية الائمة عليهم السلام و الدنيا اغلبها دنيا ملعونة و كلها يريد بها ولاية مخالفيهم و ظالميهم عليهم السلام فمن هذه الجهة مانسب الي انفسهم الشريفة الدنيا لمكان هذه الشبهة و انما ذكر الاولي لكونها اعم حيث تشمل بدو كينوناتهم عليهم السلام في القابلية الاولي في الخلق الاول بل قبلها في اطوار اللانهاية و احوال اللابداية الي ازل الازل و ابد الابد حيث ما اراد الله و شاء في مكنون علمه و مخزون سره بغيب محبته الي اول التعين و التقيد ظهور العقل الاول و اول الادبار و النزول الي نهاياته و آخره في مقام الجماد و يشمل ايضا بدو صعوده الي اول الدنيا و هي محدودة بخلق ابينا آدم عليه السلام و نزوله الي هذه الارض الي فناء العالم اي موت الانسان الكبير اي رجوعه الي ما كان قبل خلق آدم عليه السلام و [ص 247] مجموع هذين الحدين علي ما في بعض الاخبار مائة‌الف سنة ، عشرون‌الف سنة دولة الباطل و ثمانون‌الف سنة دولة اهل الحق عليهم السلام فعلي هذا تدخل الرجعة و قيام القائم عليه السلام في الدنيا كما تدل عليه الاخبار الكثيرة و يشهد بصحتها صحيح الاعتبار الا ان هذه الدنيا دنيا بلاغ لا دنيا ملعونة مما قال عليه السلام الدنيا مزرعة الآخرة و قال تعالي من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا و الآخرة فلو اقتصر عليه السلام بذكر الدنيا لتبادر الي غير ما يراد مع انها ليس ( ليست خ ) فيه دلالة علي هذا العموم المراد في هذا المقام مع ما في لفظ الاولي من الاشارة الي الاولية و القطبية و غيرها من المحسنات التي يطول بذكرها الكلام و بما ذكرنا كفاية لاولي الالباب من اولي الافهام و الآخرة تشمل ( تشتمل خ ) ما بعد الموت الاكبر للانسان الاكبر و وصول كل شئ الي محله و رجوع كل فرع الي اصله و لحوق كل مسبب بسببه من اول مقام الفرق في آخر مرتبة المزج و الخلط في اول الحشر الي ان يتصفي من الخلط و المزج بوصول اهل الجنة اليها و اهل النار اليها ثم في مقامات الفرق في الجنة من اول اغتسالهم في عين الكافور و شربهم من ماء السلسبيل و وقوفهم علي الكثيب الاحمر و استراحتهم في الرفرف الاخضر و سلوكهم ارض الزعفران و قيامهم مقام الاعراف و سيرهم فيه الي ان ينقطع بهم السير في مقامات الفرق و جاء حكم الوصول و الاتصال في مقامات الجمع بظهورات المحبوب و تجليات المطلوب و فناء المحب في محبوبه و الطالب في مطلوبه في الوجدان لا ( في خ ) الوجود و هو مقام الرضوان الذي [ص 248] هو اكبر ثم سيرهم في تلك المقامات بتكرار التجلي و الظهور و الصحو بعد المحو و المحو بعد الصحو و الحضور بعد الحضور و القرب بعد القرب و الوصل بعد الوصل كما قال عز و جل كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و هو قوله عليه السلام ان الله اعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر ، فانه يريد عليه السلام ما ذكرنا من حكم اللانهاية فوق رتبة القيود من عالم الوجود المقيد حيث يقول عليه السلام و لاخطر علي قلب بشر فان القلب هو اعلي مقامات الوجود المقيد و هو انا و هو اول زوج تركب و بالجملة كل ذلك مقامات الآخرة و مراتبها و كلها علي عليه السلام و الائمة الطاهرون عليهم السلام لوجهين بل لثلاثة وجوه : احدها ان الآخرة هي الائمة عليهم السلام حقيقة لانهم هي الاولي حقيقة و هذه الاولي و الآخرة المعروفتان حقيقة ثانية عرضية لانهما شعاعهم و هو لايلحق المنير الاتري انك تقول ان في البيت سراجا و لاتقول ان فيها سراجا و اشعة مع ان الاشعة لا شك انها موجودة لكنها لاتجامع السراج و لاتدخل معه في عد و لا حساب و كذلك الآخرة و الاولي هم الائمة عليهم السلام حقيقة لانهم المبدأ لكل شئ و انهم المنتهي كما في الزيارة ليس وراء الله و ورائكم يا سادتي منتهي و انهم الدار و البيت التي سكنت فيها الفيوضات الربانية و التجليات الصمدانية و هم عيبة علم الله و مخزن سر الله و مهبط نور الله و محل مشية الله و موضع ارادة الله كما في الزيارة ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر من بيوتكم الصادر [ص 249] لما فصل من احكام العباد و هم بيت معرفة الله و هم البيوت التي قد اتخذت في الجبال و الشجر كما في قوله تعالي و اوحي ربك الي النحل و هو رسول الله صلي الله عليه و آله لانه منتحل العلم و الدين و المعرفة و المحبة و التوحيد ان اتخذي من الجبال و هم الائمة عليهم السلام لانهم اوتاد ارض القابليات و اعلام الحق و الهداية لاهل الارضين و السموات و حاملوا الحرارات الواردة من المبدأ الاول من الفيض الاول الواصلة اليهم بواسطة سماء النبوة و نجوم خصوصيات الالهامات النبوية بصلابة القوة و الحفظ و العزيمة و السكون و عدم نفوذ الغير فيهم بميل او هوي و عدم ظهورها للغير منهم و بهذا كانوا عليهم السلام كما وصفهم الله سبحانه و بئر معطلة و قصر مشيد قال الشاعر :

فالقصر مجدهم الذي لايرتقي و البئر علمهم الذي لاينزف

و بذا كانوا جبالا كما قال الخضر عليه السلام في مرثيته لاميرالمؤمنين عليه السلام كنت كالجبل لاتحركه ( لاتحركك خ ) العواصف و قال تعالي افلاينظرون الي الابل كيف خلقت و الي السماء كيف رفعت و الي الجبال كيف نصبت و الي الارض كيف سطحت فالجبال في الباطن هم الائمة عليهم السلام بيوتا اي مسكنا و محلا للعلوم التفصيلية كما ذكرنا سابقا ان النبي صلي الله عليه و آله صاحب الاجمال و الولي و الوصي عليهما السلام صاحب التفصيل كما ان الصدر بيت علم القلب و النفس بيت علم العقل كذلك الوصي بيت علم النبي صلي الله عليهما كما ذكرنا في قوله عليه السلام و علمته علمي و علمني علمه ، فالنبي صلي الله عليه و آله كالقلب و علي عليه السلام [ص 250] كالصدر و الائمة صلي الله عليهم كالحواس و القوي و المشاعر و فاطمة الصديقة عليها السلام هي كالجسد الحاوي للكل و الواعي للجل و القل فهم عليهم السلام بيوت علم النبي صلي الله عليه و آله كما ان النفس و القوي و الحواس بيوت علم القلب و مخزن العلوم التفصيلية و ذلك ظاهر ان شاء الله تعالي و من الشجرة و هي علي عليه السلام لانه شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي و قد ورد ان شجرة الخلد او سدرة المنتهي في بيت علي عليه السلام و ليس في الجنة بيت الا و فيها غصن من اغصانها انما كان شجرة لانه قد ظهر منه اثني‌عشر غصنا من الاغصان الكلية في الولاية الكلية و مما يعرشون و هي فاطمة الطاهرة الصديقة علي ابيها و بعلها و بنيها و عليها الصلوة و السلام لانها الصلوة الوسطي الرابطة بين النبوة و الولاية و هنا ظهر ما في ليلة المعراج حين ما قال جبرئيل له صلي الله عليه و آله يا محمد لقد وطأت موطأ ماوطأك ( ماوطأه ظ ) قبل لا ملك مقرب و لا نبي مرسل قف فان ربك يصلي قال صلي الله عليه و آله و كيف يصلي قال يقول سبوح قدوس انا رب الملائكة و الروح و من معاني هذه الصلوة هي وصل النبوة بالولاية و ذلك الوصل كان منها تزويج فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام فهي العريشة الرابطة بين الجدارين جدار النبوة و جدار الولاية فكان اولاد النبي صلي الله عليه و آله من علي عليه السلام بفاطمة عليها السلام و يظهر مما ذكرنا تأويل تمام الآية اذ بالبيان مشروحا يطول به الكلام و الاشارة كافية فظهر لك بعون الله انهم البيوت حقيقة و انهم الآخرة و الاولي علي الوجه الاول [ص 251] و ذلك كالصلوة فان الصلوة حقيقة اسمهم عليهم السلام كما قال الله تعالي و استعينوا بالصبر اي النبي صلي الله عليه و آله و الصلوة و هي علي اميرالمؤمنين عليه السلام و انها لكبيرة اي ولاية علي لكبيرة الا علي الخاشعين الآية ، و قال عليه السلام انا صلوة المؤمنين و صيامهم و قال الصادق (ع) علي ما رواه في بصائر الدرجات للصفار نحن الصلوة و نحن الزكوة و نحن صوم شهر رمضان الحديث ، فالصلوة و غيرها من الاسماء الطيبة كلها حقيقة اسمهم اللفظي حقيقة كما في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و مبدءه و منتهاه و هذه الصلوة المعروفة ذات الاركان و الاوضاع هي صفتهم و آيتهم سميت باسمهم من حيث حكايتها لذلك المسمي بتلك الجهة فلايقوم فرع الا باصله و لايتحقق صفة الا بموصوفها و لايكون موصوف الا بالصفة فلا ولاية لهم عليهم السلام الا بهذه الافعال و كذلك لا ظهور لهم الا بها فالصلوة اسم لهم عليهم السلام حقيقة ثم وضعت لحقيقتك حقيقة ثانية ثم وضعت لفعلك الخاص حقيقة ثالثة ثم وضعت للدعاء حقيقة رابعة او من باب التشكيك فافهم ارشدك الله للصواب و هكذا حكم كل خير و نور و كذلك الاولي و الآخرة فانهما لهم حقيقة لكنهما لما ظهرتا في مقام التفصيل الظهوري بتلك الاطوار و الاحوال و سميت بهما بنحو من الاعتبار لما دل عليه الدليل العقلي و النقلي ان ما في السافل تفاصيل ظهورات العالي فكلما في السافل مفصلة كان في العالي مجملا و لما كان الاسم جهة التمييز ( التميز خ ) و البيان فاذا ميز كان الاسم للعالي حقيقة و للسافل اما مجازا او حقيقة ثانية كما ذكرنا و اعلم اني ربما [ص 252] اردد الكلام للتفهيم و البيان لغموض المسئلة و صعوبتها .

و ثانيها ان نحمل الاولي و الاخري علي معنييهما المعروفين كما تقدم فكونهم عليهم السلام حينئذ الاولي و الآخرة كما تقدم في قوله عليه السلام و نحن النذر الاولي لان الخلق كلهم بجميع احوالهم و شؤنهم و اطوارهم الحسنة الجميلة صفاتهم و اسمائهم و لباسهم فيسمون باي اسم شاؤا و يوصفون باي صفة ارادوا و يلبسون اي لباس اختاروا لهم الامر و الحكم هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب لكنهم عليهم السلام يجرون الصفات و الاسماء علي حسب الحكم و المصالح و مقتضي المصلحة و الوقت و الجهة و الرتبة و سائر الشرائط و المكملات و المتممات من اللوازم و الاسباب و سائر حدود القابلية كما اذا كان لك صفات كثيرة كالعالم و العادل و الطبيب و القائم و الضارب و الناصر و امثالها تصف نفسك باي صفة اردت او شئت مما اقتضت المصلحة فكذلك الخلق كلهم صفات لهم اما بالذات او بالتأويل و بعبارة اخري كل الخلق يحكون اما توصيفهم بصفات الكمال او تنزيههم عن صفات النقصان فلهم عليهم السلام مقامان و كذا كل عال مع سافله اما ان يرقوا السافل الي مقام الصفتية فيتصفون بها اي يصفون انفسهم بها كما في امثال هذه الخطبة الشريفة و انما قلت هكذا تعمية عن الاغيار و الا ففي كل شئ يوجد ذلك التوصيف و قد وصفوا عليهم السلام بذلك انفسهم الا ان بالتصريح يرتاب الجاهلون و يستظهر المعاندون او ان ينزلوا الي مقام السافل فيجرون علي انفسهم الشريفة احكامهم و احوالهم كما قال علي عليه السلام في حديث الطست و الابريق الذين اوتي [ص 253] بهما له عليه السلام من الجنة ليتوضأ حين شك في وضوئه قال عليه السلام شككت في وضوئي فذهبت اتوضأ و الحق صلوة الجماعة مع رسول الله صلي الله عليه و آله و كذلك احكام الخلق مما يوهم الشك او السهو او النسيان او المعصية او التعليم من الملائكة او الغفلة او سائر الاحوال فان كل ذلك احوال السافلين اجروها علي انفسهم اما كرامة لهم كما قال تعالي لموسي يا موسي مرضت فلاتعودني و كان المريض ولي من اولياء الله و قوله تعالي في حديث برخ الاعور انه يضحكني كل يوم ثلث مرات ه‍ ، اي يضحك اوليائي و الي هذا ناظر قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فانه صلي الله عليه و آله جعل ذنوب شيعة علي عليه السلام ذنوبه فاستغفر لذلك و بكي و تضرع تتميما لقابليتهم فغفر الله سبحانه له ذلك الذنب الذي نسبه الي نفسه الشريفة و الا فحاشاه عن الذنب صلي الله عليهم و علي هذا سهل لك معرفة ان طلحة اصيب من مروان بن الحكم لعنه الله مع انه قال رماني علي بن ابي‌طالب عليه السلام لانه عليه السلام اجري فعله بيد ذلك الخبيث لقوة المناسبة بين القاتل و المقتول و لشدة التبكيت و لكن لما كان دار الآخرة دار العود الي الله سبحانه انقطعت ملاحظة الاسباب و يشاهد المسبب وقع نظر طلحة الي السبب و هو المثال الملقي منه في هويات الكائنات و حقائق الموجودات في كل الذرات و قطع النظر علي الحامل و اليد و الآلة علي المعني الذي عندنا لا كما تقوله الاشاعرة و قتل علي عليه السلام طلحة بذلك الخبيث كقتل الله سبحانه بني‌اسرائيل ببخت‌نصر فان الله سبحانه [ص 254] انتصر بذلك الكافر دينه و اخذ به ثار يحيي المظلوم الشهيد المقتول و هذا مثاله في هذه الامة و اما حقيقة الامر فالذي اجري فعله بيد مروان بن الحكم هو الذي اجري فعله بيد بخت‌نصر لان عليا روحي فداءه يد الله العليا و كلمته الحسني و وجهه الاعلي و مقامه الذي لا تعطيل له في كل مكان فلا قوام للشئ الا بالوجه كل شئ هالك الا وجهه له الحكم و هو العلي الكبير و قال سيد الساجدين عليه السلام في دعاء الحريق و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضيك السابعة السفلي باطل مضمحل ماخلا وجهك الكريم فانه اعز و اجل من ان يصف الواصفون كنه صفته او تهتدي العقول الي كنه عظمته الدعاء ، فاذا كان كذلك فلا استبعاد فيما قلنا و لا استعجاب فيما ذكرنا اماسمعت حديث جبرائيل عليه السلام اذ دخل علي النبي صلي الله عليه و آله فدخل علي عليه السلام فقام جبرئيل لتعظيمه و اجلاله فقال النبي صلي الله عليه و آله اتقوم لهذا الفتي قال كيف لااقوم و له علي حق التعليم قال صلي الله عليه و آله و كيف كان ذلك فقال لما خلقني الله سبحانه و سألني من انا و من انت ما اسمي و ما اسمك قلت انت انت و انا انا اسمك اسمك و اسمي اسمي فاشتملت علي حرارة الغضب فاحترقت اجنحتي و بقيت الي ثلاثين‌الف سنة ثم ناداني الله سبحانه بما ناداني اولا فاجبت ثانيا بالجواب الاول فاحترقت اجنحتي ثانيا فلما اتت النوبة في المرة الثالثة ان يسألني ربي اتاني هذا الفتي و قال لي اذا سألك الله سبحانه فقل في جوابه انت الرب الجليل و انا عبدك الذليل اسمك الجليل و اسمي جبرائيل ثم سأله [ص 255] النبي صلي الله عليه و آله كم مضي عليك من العمر فقال مااحسبه الا اني اعلم ان كوكبا يطلع بعد ثلثين‌الف سنة و قد رأيته ثلثين‌الف سنة ثم ان عليا عليه السلام رفع عمامته الشريفة و اظهر ناصيته المباركة فقال عليه السلام هذا ذاك الكوكب يا جبرائيل فقال هو ذا بعينه والله ، نقلت الحديث بالمعني اذ لم‌احفظ لفظه و ذلك الكوكب ظهور من ظهورات علي عليه السلام بالهيمنة و التسلط و الخلق و الحرارة و البعث و الارسال و الانزال و يظهر ذلك فيما يشاء كيف يشاء بما يشاء و ذلك الاظهار كما قلنا لك من حكم التنزل في رتبة المعلول و الا فالذي اري جبرئيل هو مما يناسب مقامه و اين هو من مقام الانبياء و اين الانبياء من مقامهم و اين الثريا من يد المتناول و قد نص رسول الله صلي الله عليه و آله ان سلمان افضل من جبرئيل في ذلك الحديث المشهور و لم‌يزل مثال علي عليه السلام مع كل الخلق من الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و المؤمنين الممتحنين و سائر الخلق من الجن و الانس اجمعين الا ان الانبياء لما كان وجههم الاعلي دائم الالتفات الي مبدئهم و كذلك الملائكة تتمكن لهم مشاهدة تلك الامثال و اما سائر الخلق فلايتأتي لهم الا حين الموت او في الرؤيا او بعد انسلاخ شديد من الدنيا و اذا ارادوا ذلك عليهم السلام بالخصوص لحكم و مصالح كثيرة و المثال هو آية الممثل بل لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه فاذا يصح ان يقول انا ذاك كما يقول زيد انا القائم فافهم .

و ثالثها ان تحمل الاولي و الاخري علي معنييهما المعروفين عند العامة [ص 256] و نجعل المراد من الضمير المنفصل نحن مقام القطبية و ظهور العلة المادية فانهم سلام الله عليهم بما ظهروا في الهياكل المعروفة للخلق قلب للانسان الكبير و سائر الاعضاء كلها من القلب و اليه و كلها قشور له لا قوام لها الا به و لذا اذا فقدت تلك الهياكل عن وجه الارض فسد الكون و انهدم النظام كالقلب اذا فسد او الحرارة الغريزية اذا قلت و لذا اذا رفعهم الله سبحانه الي السماء في الرجعة بعد ما بلغ الكتاب اجله يفسد العالم و يبقي في هرج و مرج اربعين يوما الي الفساد الاعظم و هلاك الاكبر و فقدان الشعور و الاحساس بالمرة و هذا الوجه هو بعينه الوجه الثالث الذي ذكرنا عند بيان قوله عليه السلام نحن النذر الاولي فراجع اذ لايمكن الكلام عن هذا المقام الا مرموزا مستورا فكم من خبايا في زوايا فتدبر فيما ذكرنا كما ذكرنا فانك تجد صحوا بلا غبار .

قوله عليه الصلوة و السلام : و نذر كل زمان و اوان لان كل ما سواهم عليهم السلام بجميع المراتب انما خلقوا و وجدوا من شعاع انوارهم و ظهور فاضل آثارهم و تقوموا بهم عليهم السلام قيام صدور و قيام عضد و ركن و لما كان الممكن لايستغني عن المدد في حال من الاحوال لمكان الاضمحلال و عدم الاستقلال و الفيض دائما يرد عليهم ( اليهم خ ) من المبدأ المفيض جل جلاله و الخلائق دائما يقبلونه و الا لانعدموا و بطلوا و لما كان الفيض في ذاته له اقتضاء و آثار و في قابلياتهم له اقتضاء و آثار و فيها بالنسبة الي المبدأ له اقتضاء و آثار و بالنسبة الي نفسه له اقتضاء و آثار و كانت قابليات الخلق كلها علي قسمين قابلية توافق هيكل التوحيد و قابلية توافق هيئة الشرك بل القابليتان [ص 257] هما نفس الهيكلين ظهر الفيض في نفس قابلية الشرك بالنسبة الي مبدئه في حكم ذلك الشئ بصورة الغضب فاثر في الشئ في نفسه القساوة و الطبع و العماء و الصمم و الذل و الفقر و المسكنة و الاذية بانحائها و احوالها و اهوالها و بالنسبة الي حكم مبدئه فيه في الحكم الاول ( الاولي خ ) قبل وقوع الخطاب و الامر اي تقيد الفيض بالحدود المشخصة اللازمة ظهر ذلك الفيض من المبدأ المفيض بطور النذير فذلك الفيض الالهي نذير من عذاب الله و سخطه عند وقوعه في الحد الظلماني من جهة كونه حاملا للخطاب الالهي لا من حيث وقوعه في الهيكل الظلماني و غضب من الله سبحانه حسب جريانه علي مقتضي ذلك الهيكل بمناسبة نفسه المدبرة المقبلة الي وجهه الاعلي من حيث نفسه و لما كان ذلك الهيكل غير ناضج و غير متصل بالحرارة الغريزية الاصلية و انما هو بارد يابس من جهة النظر الي نفسه و فيه رطوبة للميل الي مبدئه من حيث نفسه لا من حيث مبدئه فلما اثرت تلك الحرارة اظهرت نتنها و خبثها و كثافتها و خبث رايحتها و مجموع ذلك الفيض و القابلية هو الشئ المدبر القسي الغاسق المعرض المدبر فتحقق النذير عند وجود هذا الهيكل الشرير و قبله عند ذكره فلولا وجود هذا الهيكل و لا ذكره و لا امكانه و لا امكان حدوثه باقتضاء الطلبات و لا ذكر اسبابه و لا وجودها و لا تحققها لم‌يكن النذير ايضا و لكن لايمكن عدم وجوده و لا عدم امكانه و ذكره و الا لم‌يوجد الشئ بل لم‌يمكن فان الحادث اذا حدث حصلت له جهتان جهة الي ربه و جهة الي نفسه فانك تشير اليه و تقول هو حادث و لا شك ان جهة هويته [ص 258] غير جهة حدوثه فلو كان عينه بكل جهة لماصح حمله عليه و لما جاز ان تقول هو حادث فان الحمل لا بد فيه من المغايرة و ان كان بالاعتبار لان النسبة لا بد من تحققها بين الموضوع و المحمول فلو كان الموضوع عين المحمول حقيقة انتفت النسبة بارتفاع الاثنينية فلايصح قولك هو حادث او هو ممكن و هذا لا شك فيه و ليس من هذا القبيل قولك هو الله او هو واجب و غير ذلك من الحمليات و ان كان من هذا القبيل فافهم فانا لو تصدينا لبيان وجه الفرق لاخرجنا عما نحن فيه و بالجملة اذا تحققت الجهتان كانت جهة الهوية نوعين نوع يوافق الجهة الاولي في مقام الفرق و المقام الثاني و الا ففي الجهة الاولي لا ذكر لشئ فيها حتي يصح التوافق او التخالف و تلك الموافقة في مقام الهوية باقتران ذلك الفيض و تلك الجهة العليا هي هيكل التوحيد لان الحادث المخلوق يجب ان يكون دائم النظر الي مبدئه اما بقيامه بامتثال اوامره و نواهيه و اجراء سائر احكامه و اما بخضوعه و خشوعه و ذله و فقره و مسكنته له و طلب الحوائج من عنده و اما بينونته عما سواه و الدنو الي مولاه و طلب القرب اليه و الوصول بخدمته و ليس هذا الترديد من باب منع الجمع بل من باب منع الخلو و لكل جهة و مقام من هذه المقامات الثلثة احوال و اقتضاءات يصعب حصرها و ذكرها و لذا شرعت الصلوة التي هي عمود الدين علي هذا الهيكل فان فيها قياما يشار به الي قيام العبد بخدمة مولاه و الامتثال لامره و نهيه و فيها ركوعا يشار به الي خضوع العبد و خشوعه و ذله و مسكنته و الاشارة الي انه لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و [ص 259] لا حيوة و لا نشورا و فيها سجودا يشار به الي مقام الدنو و البينونة عن الخلق و الفناء في ذكر مولاه و الاضمحلال عند جلال عظمته و بهذه الحدود الثلاثة يتم هيكل الايمان و هو مرادنا بهيكل التوحيد و بهذا يظهر انا في قوله عليه السلام الهي كيف ادعوك و انا انا و كيف لاادعوك و انت انت و لما تحققت هذه الجهات الثلاث النورانية ظهرت لكل جهة جهة ضدها في امكان وجودها في الخزانة السفلية الامكانية فكان ضد الجهة الاولي الكسالة و الامتناع عن الخدمة و طلب الراحة كما قال عز و جل ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الي الارض ارضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة الآية ، و قال عز و جل و اذا قاموا الي الصلوة قاموا كسالي يراؤن الناس و لايذكرون الله الا قليلا و كان ضد الجهة الثانية الاستكبار و ارتكاب القبائح و المناهي كما قال عز و جل استكبرت ام كنت من العالين و قال عز و جل افرأيت من اتخذ الهه هويه و اضله الله علي علم و ختم علي سمعه و بصره الآية ، و كان ضد الجهة الثالثة الاعراض عن الله سبحانه و عدم التوجه اليه و نسيان ذكره و حرمته عن مناجاته و قربه و الاشتغال بغيره كما قال عز و جل الهيكم التكاثر حتي زرتم المقابر و باتمام هذه الحدود يتم هيكل الكفر و الشرك و النفاق و الشقاق و لما كان الله سبحانه حكيما يجري الاشياء علي مقتضياتها و اسبابها و يضعها في مواضعها و هو سبحانه سريع الحساب اقتضت حكمته سبحانه من فيض الرحمة الواسعة ان يلزم علي اهل هذا الهيكل نتن ذاته و قبح صفاته و رداءة اعماله المقتضية للجحيم و الحميم و العذاب [ص 260] الاليم نعوذ بالله من سخط الله و كذلك اقتضت حكمته البالغة ان يلزم علي اهل هيكل التوحيد ثمرات اعماله و حسن توجه ذاته لانه طيب لاتصاله بالاصل الثابت فجميع الاحوال الناشئة منه كلها علي وجه الصفا و النورانية و التمامية و الكمالية في كل مقام يفرض و علي كل حال يتصور و ذلك هو النعيم و الجنة فلما خلق الله سبحانه امكان هذين الهيكلين و امكان مقتضيات هاتين النشأتين اراد ان يظهر سبحانه مستجنات غيب الامكان الي عالم ظهور الاكوان و الاعيان و لما كانت الجهتان في ذلك العالم ذكريتين يجب ان تكونا في عالم الوجود وجوديتين كونيتين فلذا خلق الله سبحانه الخلق في عالم التكوين من مزج هذين الهيكلين فالماء العذب الفرات من الهيكل الاول النوراني و الماء المالح الاجاج من الهيكل الثاني الظلماني فتحقق لكل شئ حينئذ ميلان ميل الي الخير و الرشد و النور و ميل الي السوء و القبح و الظلمة و لما ان الوجه الاعلي هو الاعلي و هو المقصود لذاته و الجهة السفلي هي السفلي و هو المقصود بالعرض من باب المقدمة كان الميل الي الاعلي هو المطلوب في خلق الاكوان و اظهار مستودعات غيوب الامكان و لما كان الشئ صار مختارا بتلك الجهتين و اختيار احد المتساويين من غير جهة مرجح خارجي مستحيل كما برهنا عليه في سائر رسائلنا سيما الرسالة الموضوعة للرد علي منكري القائل بالمناسبة الذاتية بين اللفظ و المعني جعل الله سبحانه لكل من الجهتين اسبابا و مرجحات خارجية اما للاولي فمن جهة انها الاصل و المقصود لذاته و اما للثانية فمن جهة انها متممة للاولي و لا تقوم في عالم [ص 261] الظهور الا بها و من جهة ان مآل الاولي الي النور و مآل الثانية الي الظلمة و طلب النور هو المطلوب و طلب الظلمة هو العذاب و الالم فبين الله سبحانه لهم ذلك حين برأ كينوناتهم بواسطة من برأ و خلق حقائقهم و ذواتهم به و تلك الواسطة هي ظهور نور المبين علي مثاله للمبين له في رتبة المبين له فهو ذاته المردودة اليه فافهم و ذلك المبين و الواسطة في العالم الاول هو محمد صلي الله عليه و آله فظهر بشيرا صلي الله عليه و آله لكل احد ترتب مقتضيات الجهة الاولي ان عملوا علي مقتضاها و نذيرا لكل احد ترتب مقتضيات الجهة الثانية عليهم ان عملوا بمقتضاها و هو الفرقان في مقام البشارة و الانذار و هو قوله عز و جل تبارك الذي انزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا فهو صلي الله عليه و آله نذير للعالمين جميعا و العالم هو ما سوي الله فيكون نذيرا لكل ما سوي الله ترتب احوال تلك الجهة و آثارها عليهم و قال ايضا سبحانه و تعالي يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فلما خلق الله سبحانه الخلق و حشرهم في محشر واحد و اوقفهم في مجمع واحد ثم استخلص نبيه صلي الله عليه و آله بحقيقة ما هو اهله و انتجبه آمرا و ناهيا و اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فقال لهم عن الله عز و جل الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم و الائمة الاحدعشر من ولده و فاطمة الصديقة صلوات الله عليهم ائمتكم و هداتكم ثم بشرهم صلي الله عليه و آله بما يلزم هذا الاقرار من النعيم و اللذة و [ص 262] الحلاوة و المحبة و المسرة بان كشف لهم عن باطن الكرسي علي المعاني كلها و اراهم و اشهدهم انفسهم و ما يؤل اليه امورهم من النعيم و المغفرة و الخير و البركة ان لم‌يتركوا مقتضي الجهة العليا الاولي و اراهم صور اعمالهم من الحور و القصور و صور اعتقادهم من الايصال الي التجلي بعد التجلي من النور الاعظم و الركن الاقدم ثم انذرهم عما يترتب عليهم من مقتضيات الجهة السفلي الثانية ان عملوا بمقتضاها بان كشف لهم عن باطن الصخرة اسفل السافلين و اراهم صور تلك الاعمال الردية و الافعال القبيحة من انواع الحيات و العقارب و ساير الموذيات و بين لهم ان هذه الصور و الحدود لمن انكر و عمل مقتضي تلك الجهة السفلي و هو قوله تعالي انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و قوله تعالي انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا و قوله تعالي و هديناه النجدين فلما عرض صلي الله عليه و آله عليهم التكليف و بشرهم بمرجو ثوابه و انذرهم عن محذور عقابه فقبل هو صلي الله عليه و آله اولا عن نفسه الشريفة فاجاب اولا فقال يا رب بلي قبلت جميع ما كلفتني و امرتني بلسان وحيك فصدقه الله سبحانه بذلك لما خرج الاقرار عن ( من خ ) كينونة ذاته و مستسرات سرائر غيب حقيقته بابي هو و امي و صلي الله عليه و آله و انزل سبحانه قوله تعالي آمن الرسول بما انزل اليه من ربه فزاده سبحانه نورا علي نور و سرورا علي سرور فاعطاه الوسيلة و الحوض و الشفاعة و الجنة و النار و جعل امر الخلق اليه و مرجعهم لديه و قال هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير [ص 263] حساب و قال عز و جل ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و ذلك بعد ما امتحنه بالتكليف و وجد منه صدق العبودية ثم وصفه سبحانه باعظم الصفات و قال و انك لعلي خلق عظيم ثم قال عز و جل الله اعلم حيث يجعل رسالته و لاتستبعد من انه صلي الله عليه و آله كيف سئل و كيف اجاب لان الله عز و جل قد اوضح الامر و بين الحقيقة لمن نظر الي الدقيقة فقال عز و جل كما بدأكم تعودون و قد ذكرنا مرارا ان المراد بالآية الشريفة هو ان البدو هو عين العود او بينهما التطابق الكامل ان ابيت عن المعني الاول و قد دلت اخبارهم سلام الله عليهم ان عند فناء العالم و هلاك الخلايق يسأل الله سبحانه بلسانه اين الجبارون و اين المتكبرون و اين الذين يأكلون رزقي و يعبدون غيري لمن الملك اليوم ثم يرد علي نفسه فيقول لله الواحد القهار و قد ورد في عدة اخبار عنهم عليهم السلام انهم قالوا نحن السائلون و نحن المجيبون و هذا اشارة الي البدو فلايبقي اخيرا الا ما كان مخلوقا اولا و ماخلق الا بالتكليف و ماكلف الا بالمكلف الواسطة و لا مكلف في القدم و الازل فيكون في الامكان و ليس سوي المخلوق الاول فعنده اجتمع الحكمان و التقي البحران قال تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن و المثال الظاهري هو الذي مثلنا به مرارا من حالك عند تلاوتك القرآن علي فرض انك مخاطب به الآن لا انه خاص بالحاضري ( بالحاضرين خ ) مجلس النبي صلي الله عليه و آله فانك حين التلاوة لسان الله يخاطب الله نفسك بك و لذا تأمر اولا ثم تقبل و هكذا هناك بعينه فان قلت كيف يقر لنفسه بالنبوة و للائمة بالولاية [ص 264] قلت الشئ اذا لم‌يقر بواسطة الفيض بين المفيض و المفاض عليه لم‌يوجد و لم‌يتحقق و علي هذا يحمل قوله عليه السلام في الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم و اشرقت الارض بنوركم و فاز الفائزون بولايتكم ، فان ذلك خضوع تكويني و اقرار و خضوع غريزي ذاتي ضرورة ان كثيرا منهم مااقروا لسانا و لا جنانا علي حسب الظاهر و لما كانت الوسائط كلها منتفية عنده صلوات الله عليه و آله سوي نفسه الشريفة فتكون هي الواسطة و الرابطة و هذا سر جار في كل شئ من الاشياء كما قال عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و قال الكاظم عليه السلام ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه احتجب بغير حجاب محجوب و استتر بغير ستر مستور ، فيجب الاقرار لنفسه بانه نبي و رسول من الله اليه في مقام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي نفسه ( مثله خ ) و الجأه الطلب الي شكله اما الولاية لعلي و الائمة عليهم السلام لانهم علموه علمهم بعد ما تعلموا منه علمه علي ما فصلت عند قوله عليه السلام و علمني علمه و علمته علمي ، ثم بعد اقراره و قبوله و اظهاره الهيكل التوحيد علي اكمل ما يمكن في الامكان اقر و قبل علي اميرالمؤمنين عليه السلام بمثل اقرار النبي صلي الله عليه و آله حرفا بحرف بحقيقة الكينونة و لب الهوية فلما قابل عليه السلام بكله فوارة النور و الفيض احاط النور بكله و جزئه و كل ذرات وجوده فقام محتذيا مثال النبوة فحكي ما كان يحكي النبي صلي الله عليه و آله الا نفس التقدم و لذا لم‌يكن نبيا و كان وصيا وليا فظهر [ص 265] بشيرا و نذيرا كما كان النبي صلي الله عليه و آله و هكذا علي هذا النهج اولاده الطيبون و احفاده المعصومون كلهم من جهة ذلك القبول الواسع العام و المقابلة الكلية ظهرت فيهم الاحكام الظاهرة فيهما و جري لهم ما كان جاريا لهما فظهروا مبشرين و منذرين لانفسهم بانفسهم و ماكان خلق سويهم و لا حادث غيرهم فلما خلق الله الانبياء عليهم و عليهم السلام من شعاع انوارهم و فاضل آثارهم سلام الله عليهم فكلمهم الله بلسان وحيه بما ذكرنا و ظهر منهم صدق العبودية و الطاعة ظهر فيهم مثالهم و حكوا بحقيقة ذاتهم صفاتهم و كانوا بذلك انبياء و خلفاء الله عز و جل لظهور ذلك المثال المستدعي لخلافة الله سبحانه فيهم فاختلفوا بشدة المقابلة و ضعفها و اخلاص الولاء لهم و الانقياد لامرهم و عدم الاخلاص التام فاختلفت مراتبهم و مقاماتهم عند الله و عند الخلق فمنهم من صار اولوا العزم و منهم من لم‌يبلغ ذلك و هو قول العسكري عليه السلام قد صعدنا ذري الحقايق باقدام النبوة و الولاية و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، فكان الانبياء علي نبينا و آله و عليهم السلام لقربهم الي انوار ائمتنا سلام الله عليهم و شدة الاخلاص في طاعتهم و محبتهم مبشرين و منذرين احكام الجهتين علي ما ذكرنا و قررنا و لكن حكم الانذار لامكان الوقوع و الا فمقتضي تلك الجهة السفلية غير واقعة و غير متحققة و الانبياء حينئذ تابعون و متلقون الاحكام الالهية منهم في حجاب الكروبيين و الحكم حكمهم و الدين دينهم و الشريعة شريعتهم و [ص 266] كلهم عاملون بتلك الشريعة و لم‌يكن فيها اختلاف لجريانها علي تمام الشرايط و المكملات و المتممات و كانت الانبياء عليهم السلام هناك رعاياهم و شيعتهم و يدل العقل المستنير بنور الله انهم حين نزولهم الي الدنيا ماتجري احوالهم المختصة بهم الغير المشوبة بشئ من رعاياهم الا بشريعة نبينا صلي الله عليه و آله المعروفة عندنا و تشير اليها بواطن الاخبار و لكني لم‌اقف علي حديث صريح يدل علي الذي ذكرنا و لذا لااقول بذلك كغيره الا اني سمعت ممن اثق به انه وجد حديثا بهذا المعني صريحا و العلم عند الله و لكنه لاينبغي التشكيك انهم عليهم السلام ماخرجوا عن شريعة نبينا المحفوظة عند ائمتنا صلي الله عليه و عليهم ابدا و لما خلق الله سبحانه سائر المخلوقين و كلفهم بلسان وحيه بما كلف الانبياء و اوصياءه عليهم السلام فهم بين مقر و منكر فظهرت في هذه المرتبة آثار الهيكلين و مزاج البحرين و سر العالمين فبعث الله سبحانه الانبياء نذرا اليهم علي حكم شريعة محمد صلي الله عليه و آله و نظم طريقته فالانبياء عليهم السلام و ان كانوا نذرا لكنهم بواسطتهم و تبعيتهم بل من جهتهم و علي ولايتهم فالنذر علي الحقيقة هم الائمة عليهم السلام في كل زمان و اوان و الانبياء عليهم السلام و سائر الخلق ايضا ان صفت لهم القابلية و ظهر فيهم نور الكينونة ليكونوا نذرا جزئية كلهم السنة لآل‌محمد عليهم السلام و تراجمة لما نطقوا به للخلق و لما كان الخلق في اول الخلقة مانضجت طبايعهم و ماصفت هوياتهم فلم‌يقدروا ان يصلوا الي اهل البيت عليهم السلام فجعل الانبياء [ص 267] عليهم السلام ابوابا و حجبا و استارا فهم المتكلمون من وراء الحجب كما تكلم الله مع موسي وراء الحجاب الذي هو علي عليه السلام و تكلم علي عليه السلام مع موسي من وراء الحجاب الذي هو رجل من الكروبيين و كما تكلم ذلك الكروبي مع موسي من وراء الحجاب الذي هو الشجرة فالمتكلم هو الله سبحانه حقيقة و الوسائط كلها مرتفعة منقطعة مضمحلة هذا فيما يختص به سبحانه و اما فيما يختص به السفرة و الوسائط فالاصل و الحقيقة فيه هو نبينا (ص) و ائمتنا سلام الله عليهم و سائر الوسائط و الحجب كلها مرتفعة منقطعة و ذلك لاهل دليل الحكمة فانهم لايرون في الوجود متكلما و ( او خ ) ناطقا عن الله سبحانه سواهم عليهم السلام و يرون الانبياء السنة حاكية محضة فلاينسبون الي اللسان شيئا ابدا و ينظرون الي قوله عز و جل و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال و في زيارة مولينا علي عليه السلام السلام علي مقلب الاحوال و سيف ذي الجلال فهم عليهم السلام عندهم نذر كل زمان و اوان من بدو الوجود الي نهاية انقطاع الاكوار و الادوار في مقامات الليل و النهار و بعد انقطاعهما الي انقطاع الاطوار و الاوطار الي ما لا نهاية له فلايرون لشئ استقلالا ابدا بحال من الاحوال سواهم و هو المراد من قوله عليه السلام لايري فيه نور الا نورك و لايسمع ( فيها خ ) صوت الا صوتك و من البين انهم عليهم السلام نور الله و صوتهم صوت الله او هم صوت الله فعلي هذا ما اسخف قول من قال بجواز تقليد الميت من المجتهدين فان المجتهد مثال و مرآة لتجلي حكم الامام عليه السلام فاذا مات و انكسرت المرآة و [ص 268] انقطع اللسان فمن اين المقال فلا سبيل اليه بوجه ابدا لا بدوا و لا استمرارا لان المكلف يجب ان يأخذ حكمه من امامه و سيده عليه السلام و هو يخاطبه بهذا اللسان فاذا لم‌يكن هذا اللسان فلا بد من الاصغاء الي لسان آخر في الاعمال التي توردها و تفعلها بعد قطع ذلك اللسان و بالجملة فلا نذر عن الله سبحانه سويهم و كلما سواهم السنة انذارهم كما ذكرنا مرددا لاجل التفهيم و اهل الموعظة الحسنة يرون ان الانبياء لما كانوا آخذين عنهم و العاملين بشريعتهم فانذارهم تابع لانذارهم فهم المنذرون علي الاصالة و الذات و غيرهم بالتبعية و لما كان التابع عند وجود المتبوع منقطعا و معدوما كان اثبات الانذار لهم عليهم السلام حقيقة و هو المراد من قوله عليه السلام و نحن نذر كل زمان و اوان و اهل المجادلة لا حظ لهم في معرفة هذه الخطبة المباركة و لو بالوجه الاسفل لانهم لايمكنهم النظر الي الشئ من جهة الوحدة الحقيقية و لايتأتي لهم النظر الي المتقدم بنظر التأخر ( المتأخر خ ) و الي المتأخر بنظر المتقدم و الي السافل بنظر العالي و الي العالي بنظر السافل و الي الواحد بنظر الكثير و الي الكثير بنظر الواحد و الي المركب بنظر البسيط و الي البسيط بنظر المركب و الي القريب بنظر البعيد و الي البعيد بنظر القريب و الي المتفرق بنظر المجتمع و الي المجتمع بنظر المتفرق و الي الجامد بنظر الذائب و الذوبان و الي الذائب بنظر الجامد و الي السماء بنظر الارض و الي الارض بنظر السماء و ان ينظروا كل شئ في كل شئ ليتمكن لهم الاستدلال علي المسئلة الفقهية مثلا بمسئلة نجومية و عليها بمسألة [ص 269] نحوية و عليها بمسألة طبعية فلايحجبهم علم شئ عن علم شئ و لا شهود شئ عن شهود شئ فمهما لم‌يكن الشخص الناظر في العلم بهذه المثابة لم‌يقف علي مخ الحكمة و لباب المعرفة و لم‌تنفتح له مغالق ابواب هذه الخطبة المباركة و من هذه الجهة تريهم ينكرونها و ينسبونها الي وضع الغلاة و اذ لم‌يهتدوا بهذا فسيقولون هذا افك قديم .