و اما الامر الثالث فاعلم ان العلم علي المعني الذي ذكرت كله عند الله عز و جل قل انما العلم عند الله و ما عند الله لو كان في ذاته تعالي لاختلفت ( لااختلفت خ ) فان تلك النقطة التي قلنا انها العلم و هي و ان كانت واحدة لكن لها شؤنات علوية و سفلية و هذا لايصح ان يكون صفة القديم تعالي شأنه فان الذي وجوده من ذاته لاتكون له جهتان و لايفرض ذلك فان الجهتين انقسام و الانقسام منفعل و متأثر عن المقسم الفاعل و ذلك لا ريب فيه مما ( فما خ ) عند الله من الاحوال الخلقية كلها في ملكه عز و جل كما قال سبحانه المتعلم ان الله يعلم ما في السماء و الارض ان ذلك في كتاب و قال عز [ص 193] و جل قد علمنا ما تنقص الارض منهم و عندنا كتاب حفيظ و قال تعالي ايضا علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و امثالها من الآيات كثيرة فعلمه سبحانه ذاته و التعلق جهات خلقية في الخلق فالعلم المتعلق لو كان عين العلم القديم لكان له حالتان حالة التعلق و حالة عدمه و ورود الحالتين لايكون الا بمرجحات خارجية و الا استحال الانفكاك و امتنع التعاقب لان ذات الشئ لاتتخلف عنه و المرجحات الخارجية دليل عدم استكمال الشئ في نفسه و افتقاره الي امور خارجية لاظهار شؤناته الذاتية ثم لاتتحقق الشؤنات و الاحوال الا لحادث ممكن تكون له جهتان متضادتان فتحصل جهة من مبدئه و الاخري عنه به فاما الذي لايستند الي الغير فليس له الا جهة واحدة فثبت ان يكون العلم المتعلق غير العلم القديم سبحانه و تعالي و قد صرح بالامر مولينا الصادق عليه السلام علي ما في الكافي عنه عليه السلام لميزل ربنا عز و جل عالما و العلم ذاته و لا معلوم الي ان قال عليه السلام فلما اوجد الموجودات و كان المعلوم وقع علمه علي المعلوم و السمع علي المسموع الحديث ، انظر في قوله عليه السلام وقع فانه فعل لايجوز استناده الي الذات مع ما ثبت من مذهبه (ع) من امتناع ورود الحالتين علي الحي القيوم سبحانه و تعالي فعلمه المتعلق بالمعلومات في خزائنه الامكانية التي هي مفاتح الغيب لايعلمها الا هو و اصلها و منشأها في الخزانة العليا الاولي و هي لا وجود لها في الكون عند اهله فلا احاطة لاهل الكون بشئ من تلك العلوم و لما كان فيض الله سبحانه واسع ( واسعا خ ) و امداده متجدد ( متجددا خ ) و نعمته شاملة بالغة [ص 194] فلايزال يمد الخلق سبحانه و تعالي بفاضل جوده و تلك الامدادات انما هي من تلك الخزينة بها فترد اولا علي ( الي خ ) الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله جملا جملا علي جهة الكلية و الشمول و البساطة اذ الاثر علي صفة فعل المؤثر و لما كان الفعل لا حد له فيكون الاثر ايضا كذلك يظهر كعموم قدرة الله سبحانه صالحا للاحوال الغير المتناهية من جهة الحدود و الاضافات و القرانات و الخزانة الاولي ايضا ليست مستقلة و انما هي دائما يفاض عليها من بحر الجود و العطاء بها نفسها و في الواقع و حقيقة الامر الخزانة العليا غيب للثانية و ليست شيئا غيرها و الا لكانت الثانية معلولا و هو لايصح و انما هما شئ واحد له وجهان وجه فيه ذكر الاشياء و وجه فيه حقيقتها اما بذاتها او بصفاتها او بظهورات آثارها الاتري كيف جعل الله سبحانه الاسم الاعظم كهيعص اسما واحدا و كلمة واحدة فالصاد هو الخزينة الثانية و العين هي الاولي و الهاء و الياء و الكاف هي تفاصيل العين علي ما فصلنا سابقا فمن الاعلي ينزل الي الاسفل و من الغيب يأتي الي الشهادة لست اريد بالشهادة الاجسام الظاهرية او النفوس المصورة و لا العقول المحدودة و انما اريد بالشهادة الظاهر الذي هو عين الظهور بعد ما كان في مكمن الخفاء و ذلك المخفي هو علم الغيب الخاص بالله سبحانه فان قلت فعلي ما ذكرت يلزم ان لايجهلوا شيئا لان الغيب هو وجههم الاعلي و الشئ اذا اشهده الله خلق نفسه يحيط بحقيقة ذاته علي ما هي عليه قلت نعم يعلمونه علي ما هو عليه لان ذلك الوجه بعد ما لبس حلة الكون [ص 195] فيعلمونه ممكنا و لايعلمونه مكونا الا حين كون و لذا قال تعالي و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء اي حين شاء كيف شاء بالمشية الكونية و تلك المشية هي ظهور تلك الحقيقة لنفسها بنفسها اي من حيث كونها حاملة لظهور الله سبحانه لها بها و اما الذي لميكن فيعلمونه كذلك و اما الله سبحانه فلما كان ليست له حالتان و لاينتظر وجهان فليس له العلمان فلايقال له تعالي اكوان و امكان يعلم الاكوان بعد الامكان فان ذلك باطل و اعتقاده كفر و اما النبي صلي الله عليه و آله فهو مصدر الفيض و له مقامات و احوال ففي كل حال منها يحكي وجها من وجوه التجليات الالهية و الاحكام الصمدانية و يكفيك في ذلك قول اميرالمؤمنين عليه السلام فيه صلي الله عليه و آله اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لما كان الفيض و المدد دائم الفيضان عليه عليه السلام و ذلك يعين و يشخص تلك الاذكار فدائما يظهر من مكمن الخفاء الي الاعلان و الاظهار ان هذا لرزقنا ما له من نفاد فكل افاضة يظهر ما لا نهاية من الاحكام الامكانية لكنها جملا يفصل عند الولي عليه السلام فكلما سيوجد عندنا وجد عندهم عليهم السلام و كلما سيوجد عندهم وجد عند الله فالذي لميوجد عندهم هو علم الغيب و اليه الاشارة بقوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و هو محمد صلي الله عليه و آله علي احد التفاسير و كيفية ذلك التعليم هو اشراق ما عند الله فيه له به فعلمه تعالي فيه به قبله بما لايتناهي لانه صلي الله عليه و آله النور المشرق من [ص 196] صبح الازل و هو ايضا الصبح الازل او صبح الازل و فيه ظهرت الشمس الازل و التعليم اشراق المعلم علي المتعلم بما فيه من نور العلم فيستنير المتعلم بذلك مع حفظ الاصل للمعلم و في هذا المقام اتحدت الاحوال و اضطربت الاقوال و لميبق للمقال مجال فان الاشراق ظهور المشرق به و المشرق هو الظاهر بالاشراق و الاصل محفوظ عند المشرق و هو ظاهر بالاشراق فاليه يرجع الامر كله قال عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و هو قوله تعالي ان ذلك في كتاب فافهم فاني قد اشرت الي مخزون العلم و مكنون السر فهو صلي الله عليه و آله علم الله و مشيته مشية الله اماسمعت ما في الزيارة الخارجة عن الناحية المقدسة حرسها الله تعالي في زيارة الحجة عليه السلام الي ان قال عليه السلام مجاهدتك في الله ذات مشية الله و مقارعتك في الله ذات انتقام الله الزيارة ،
و اياك و اسم العامرية انني اخاف عليها من فم المتكلم
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من زمانك و المكان
فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
هذا بيان مجمل كيفية تعليم الله لمحمد صلي الله عليه و آله فاذا فهمت ما قررنا و حررنا من مكنون العلم علمت ان نبينا صلي الله عليه و آله هو معدن العلم و اصله و ينبوعه لان عنده صلي الله عليه و آله الاصل و كلما لغيره و عند غيره فروع و حدود و صور قد نشأت منه صلي الله عليه و آله فلايقال لغيره العالم الا بالاضافة لان قوام الشئ بمادته و صورته [ص 197] و المادة هي الاصل في الشئ بل لا اصل سواها و الصورة هي الحدود و الاعراض و الاضافات و النهايات فلا تقوم لها الا بها فلما كانت الحقيقة المحمدية (ص) هي نور الانوار و النور الذي منه نورت ( تنورت منه خ ) الانوار و هي مادة المواد و اسطقس الاسطقسات كان هو صلوات الله عليه و آله ينبوع العلم و اصله و معدنه كما قال روحي فداءه انا مدينة العلم و علي بابها و في رواية اخري انا مدينة الحكمة و علي بابها و الحكمة و ان كانت هي العلم الا انها اشرف مراتبه اي كل مراتبه بوجهها الاشرف فان الحكمة عبارة عن السين المكتنفة بالاحدية فالاحدية هي المحيطة بجميع اطوارها و السين هي المحاط فان الكاف و الميم اذا استنطقتهما يتولد منهما السين و هو اعظم اسماء النبي صلي الله عليه و آله لان اسمه يطابق مسماه فان زبره عين بيناته و لفظه عين معناه و من هذه الجهة كانت السورة المباركة قلب القرآن و هو علي عليه السلام في مقام ظهوره عليه السلام في عالم التفصيل بالتكرير و هو السين في بسم الله الرحمن الرحيم و هو الاسم الاعظم و هو اشارة الي كل مراتب الموجودات علي كمال التفصيل فانا قد ذكرنا ان مراتب القابليات ثلثون و الشئ له مقامان مقام الاجمال و مقام التفصيل و مقام الغيب و مقام الشهادة فيكون الحاصل ستين و هو السين و كل قابلية فلايتخلف عنه المقبول فيلزمها مع دلالة الاحد عليه و الحاء و الهاء اذا مزجتهما و استنطقتهما يتولد منهما احد و هو الجامع الاصل لمرتبتي الوجود صعودا و نزولا و جميع احوال القوسين و اطوارهما و مقتضياتهما [ص 198] و رسول الله صلي الله عليه و آله هو المدينة لها لفظا و معني و اما اللفظ فلان ميم المدينة مثال ميم محمد صلي الله عليه و آله و الدال داله و بالتكرير حاؤه و بالاضافة الي الياء الميم الثاني و النون اشارة الي الميم الثالث المدغم و من هذه الجهة اشير اليها بينات الميم التي هي النون دون زبرها لبيان انها غائبة في الخط و مذكورة في اللفظ كالبينات فانها غائبة في الخط و مذكورة في اللفظ في بعض الاحوال فاستنطق من المدينة من دون الهاء اسم محمد صلي الله عليه و آله و من الهاء اسم الباب لفظا و معني اي لفظ معناه اما اللفظ فلان الهاء خمسة كما هي قوي الباب فالهاء نطق الباب فالمدينة بلفظها تدل علي محمد و بابه صلي الله عليهما و يتعين الباب باسمه اذا اشبعت الهاء لتظهر منها الواو ثم نزلتها الي الرتبة الثانية فيستنطق اسم علي عليه السلام فظهر الاصل و الفرع كليهما من لفظ المدينة و لما كان الناس لايعرفون تلك الدقائق و لايستشعرون بتلك الحقايق كشف صلي الله عليه و آله عن حقيقة الامر و اوضح السر و قال صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي بابها فمن يأت المدينة فليأتها من بابها فكشف صلي الله عليه و آله عن قول الله تعالي ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و انما كان علي عليه السلام هو الباب لانه عليه السلام مبدأ العلة الصورية و الصورة باب المادة فلايوصل اليها الا بها في القوس الصعودي و لذا تري فلك القمر ككوكبه اقرب الافلاك و الكواكب الينا و هي باب للآثار و الامدادات و الافاضات الشمسية فلايوصل اليها الا بالقمر في كل [ص 199] مقام و لذا تريهم في الحل الاول يأخذون جزء من الحرارة و جزء من اليبوسة و اربعة اجزاء من البرودة و الرطوبة و لهذا السر جعلوا في اسم العلم من اسم علي عليه السلام حرفين و من اسم محمد صلي الله عليه و آله حرفا واحدا لسر ان مقامه صلي الله عليه و آله مقام العقل و رتبة الاجمال و مقام علي عليه السلام مقام التفصيل و النفس الكلية و الجسم من قشور النفس فاقتضي ان يكون حرفان من اسمه و حرف واحد من اسم اخيه صلي الله عليهما حتي تتحقق انه المدينة و انه الباب و السافل لايتوجه الي العالي الا من الباب التي بينه و بينه كلما كان عند محمد صلي الله عليه و آله علي جهة الاجمال فيلقي الي علي عليه السلام كذلك فيفصل هناك و لذا كان يعلمه عليه السلام من العلم ابوابا اي قواعد كليات لا حدودا جزئية اذ ليس ذلك شأن النبي صلي الله عليه و آله و لذلك ما كان ينبغي له ان ينشد الشعر كما اخبر سبحانه و ماعلمناه الشعر و ماينبغي له لان الشعر و النظم ترتيب و تصوير و مقامه عليه السلام فوق مقام الصورة و الفرق و الامتياز .
و اما الامر الرابع فاعلم انه قد ظهر لك مما بينا كيفية تعليم النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام من انها افاضة مادية اصلية كالعرش بالنسبة الي الكرسي فان الفيوضات ترد علي العرش مجملا و من العرش ترد علي الكرسي فيفصل هناك الي الكواكب و هي الي البروج و المنازل و كالعقل و النفس فان العلوم و الفيوضات كلها ترد اولا الي العقل بعد ما وردت الي الفؤاد و هي في العقل مجملة بسيطة كثرتها معنوية صلوحية [ص 200] لقد فصلت في النفس و انتشرت و كتبت في اللوح فالكاتب هو المشية بيدها و هي الفؤاد و القلم العقل و النفس اللوح فهذه كتابة ابدية لاتنقطع لان الكاتب لايعجز و اليد لاتقصر و المداد لاينقطع و القلم لايجف و اللوح لايخلص و لايقصر فارتفعت الموانع و بقي المقتضي و المفروض عدم بخل الكاتب الكريم و عدم جهله فعلم القلم في الكتاب و كذا علم الكاتب فيما يظهر في الكتابة في الكتاب و الكتاب هو الامام عليه السلام و القلم هو النبي صلي الله عليه و آله في تفسير الباطن في الظاهر و قد قال عز و جل و كل شئ احصيناه كتابا و كل شئ احصيناه في امام مبين و فيه تفصيل كل شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و قال تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و اما سر باطن الباطن و باطنه و باطنه فان ذلك ابي الله الا ان يستره و ان لايكتب فالعلم المنسوب الي محمد صلي الله عليه و آله هو العلم الاجمالي و رتبة الربوبية اذ لا مربوب عينا و كونا و مقام الوحدة الظاهرة في الواحد الصالح للظهور في الاعداد و مقام اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء و مقام نقطة العلم الظاهرة المنبسطة علي اطوار ظواهر الكائنات و بواطنها المقتضية لرفع الاختلاف و ظهور الايتلاف و لذا قال صلي الله عليه و آله مااختلف في الله و لا في و العلم المنسوب الي مولينا علي عليه السلام هو العلم التفصيلي و رتبة تجلي الربوبية اذ مربوب عينا و ذكرا و مقام ظهور استواء الرحمن علي العرش و اعطاء كل ذي حق حقه و الايصال الي كل مخلوق رزقه و مقام الواحد الظاهر في الاعداد و مقام الاختلاف و رتبة [ص 201] الالف الظاهرة بالحروف و الكلمات و لذا قال صلي الله عليه و آله و انما الاختلاف فيك يا علي و قال عز و جل عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون قال عليه السلام اي نبأ اعظم مني و اي آية اكبر مني و لما كانت الاشياء لها مراتب و مقامات منها مقام العلية و المعلولية و الاثرية و المؤثرية ففي هذا المقام يعلم العالي العلة السافل المعلول باحواله في مرتبة ذات السافل فحقيقة السافل هي عين علم العالي بالسافل به فالعالي و ان علم السافل به لكن لايقال ان هذا تعليم اي السافل المعلول علم العالي نفسه اي اعطاه علمه به اذ علمه به في مقامه لان التعليم تأثير للمعلم في المتعلم و ليس هذا العلم في ذات العلة حتي يكون مستكملة بعلمها باثرها و انما هو في رتبة الاثر بل هو عين الاثر و انما التعليم حينئذ من جهة العلة حيث ان وجوده من فيض جودها و نور وجودها فلازاد علم العالي للسافل شيئا للعالي في ذاته شيئا لانه لميصل اليها بوجه ابدا و الا لتغيرت الذات باثرها و ذلك مستحيل بل السافل لميزل متعلما من العالي من فاضل علمه الظاهر فيه فهو قابل لذلك العلم بكينونته و ذاته و منها مقام الترتب في القوس الصعودي و النزولي و ذلك لما كان من جهة الاستكمال و الاستتمام يجري فيه التعليم و بيانه مجملا هو ان الشئ لما بدا من فعل الله تعالي خرج حاكيا لمثاله فظهر بلا كيف و لا كم و لا وضع و لا عين و لا جهة و لا رتبة و لا تحديد و لا تقييد و لا توصيف و لا تكييف فكانت له عين واحدة يري بها التوحيد المحض الخالص و لما كانت الالوهية تقتضي الظهور بكل وجه [ص 202] من طور الوحدة و الكثرة الاسمائية و الصفاتية و مقام الاسماء لميكن يجتمع مع مقام التوحيد و ذلك المقام ايضا لايكون الا بالظهور بالاثر فنزل سبحانه الشئ المخلوق من عالمه الي اطوار تعيناته و تنزلاته فقال له ادبر عني و اقبل الي الخلق فسبح في لجة تلك الغمرات و انغمس في بحر الانيات حتي استكمل ما اراد سبحانه به اظهار اسمائه و صفاته و جلاله و جماله و لما ان المطلوب و المقصود لذاته هو التوحيد وحده و ما سواه من المراتب لاثبات تحققه عند المخلوق امره سبحانه بعد الادبار الي الاقبال فقال له اقبل فاقبل الي ان بلغ اشده و استوي فحصل للشئ بطي مسافة هذين القوسين علمان علم الوحدة و الايتلاف و علم الكثرة و الاختلاف و علم الاجمال و علم التفصيل فعلم الوحدة هو الذي يدركه في كينونة ذاته بذاته من غير توسط امر آخر و علم الكثرة يدركه بظهوراته في مقامات ( مقام خ ) التفصيل لا في مرتبة الذات و مقام التفصيل لايتحقق الا بظهور مقام الوحدة و عالم الاجمال فيه فلايزال ينزل العلم من المبدأ مجملا فيفصل و يتشعب في مقام التعلق فلما كان العقل في الانسان هو حامل العلم الاجمالي الكلي المعنوي و النفس هي حامل العلم التفصيلي الصوري الشخصي فلايزال العقل يمد النفس و يعلمها بالمدد و العلم الحقيقي الاجمالي و النفس ايضا تعلم العقل العلم التفصيلي الشخصي الصوري فاذا اراد العقل شيئا من احكام التفصيل نظر الي رتبة النفس فعلمها كما ان الحواس الباطنية تعلم النفس احكام الظهورات الخاصة التفصيلية يعني ان النفس اذا ارادت معرفة شئ من تلك الوجوه نظرت [ص 203] اليه بتلك القوة فهي تعلم النفس علمها و ذلك العلم من النفس و للقوة حظ الخصوصية و كما ان الحواس الظاهرة تعلم الباطنية احكام الاجسام الشهودية اذ لولاها لماتمكنت الارواح الباطنية استعلام الاحوال الجسمانية الشهودية و كما ان الملائكة تعلم الانبياء و الرسل احكام التشريعي التفصيلي و كذلك التكويني كذلك فتقول النفس مثلا علمني العقل علمه من العلم المعنوي و القواعد الكلية المبهمة و علمته علمي من الصور الجزئية و التفاصيل الشخصية و الاحكام المحدودة و ان كان هذه التفاصيل لا قوام لها الا بتلك المجملات و المبهمات و لكن تلك الخصوصيات انما ظهرت هنا دون تلك الرتبة فيتناولها العقل عندي لا عنده و لا نقص في ذلك له بل انما هو لغاية الكمال و التمام و كذلك تقول الحواس علمت النفس اياي علمها و علمتها علمي و كذلك سائر القوي و المشاعر و الآلات فان لكل واحد منها علما خاصا بها ينظر العقل اليه به و كذلك جبرائيل علم النبي صلي الله عليه و آله مما علمه النبي صلي الله عليه و آله اياه لكن بطور آخر فانه كان يأخذ من ميكائيل و هو من اسرافيل و هو من الروح القدس و قد سمعت مرارا ما قاله العسكري عليه السلام في روح القدس انه ذاق من حدائقهم الباكورة فعلي هذا تبين لك معني قول مولينا علي عليه السلام علمته علمي لان عليا عليه السلام في مقام الولاية و هي مقام التفصيل فالاحكام التفصيلية ماوصل الي النبي صلي الله عليه و آله الا بواسطة علي عليه السلام و ذلك الوصول انما كان بالنبي صلي الله عليه و آله لانه كان طائفا حول جلال [ص 204] القدرة اي الولاية المطلقة قبل خلق نور علي عليه السلام عند جلال العظمة و هي النبوة فلما خلق عليا عليه السلام بقي نور علي عليه السلام يطوف حول جلال القدرة اي الولاية و نور محمد صلي الله عليه و آله يطوف حول جلال العظمة فاذا كان كذلك فكل المقامات و المراتب التي فيها التعلق و التكيف و التوصيف و التعريف و الامتياز لايصل الي النبي صلي الله عليه و آله الا بعلي عليه السلام و هو بابه فيما يصدر منه ( عنه خ ) الي غيره و فيما يصل اليه من غيره فهو بابه عليهما السلام الي غيره و باب غيره اليه و لما كانا عليهما السلام حقيقة واحدة صحت نسبة تعليم احدهما الي الآخر و ان كان احدهما بالاصالة و الآخر بالقشر و الصورة فمن التعليم ظهور النبي صلي الله عليه و آله بالكينونة البشرية الظاهرية الصورية في الهيكل الانساني فان هذه الصورة و ان كانت علي مقتضي كينونة النبوة في الشكل التثليثي في الواحد لكن كانت غير ظاهرة و غير متمايزة الاضلاع و الحدود و انما تمايزت بالصور في رتبة الابتداع و لما كان علي عليه السلام هو حامل ركن الابداع كما ان نبينا صلي الله عليه و آله حامل ركن الاختراع فالارادة منسوبة الي الولي كما ان المشية منسوبة الي النبي عليهما السلام فالكاف للنبي صلي الله عليه و آله و النون للولي (ع) و كذلك ظهور الكاف في النون و لذا كان مجموع الكاف و النون استنطاق اول حرف اسم الولي عليه السلام فالاشياء المتمايزة نسبتها الي الارادة و الارادة نسبتها الي الولي اما الاول فلقوله عليه السلام ( في الدعاء خ ) و مضت علي ارادتك الاشياء و اما الثاني فلقوله [ص 205] عليه السلام في الزيارة ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم و يصدر من بيوتكم الصادر لما فصل من احكام العباد الزيارة ، فالكينونة البشرية للنبي صلي الله عليه و آله مما علمها اياه الولي عليه السلام بالترجمان و ان كان من النبي و اليه و من الولي و اليه صلي الله عليهما ( و آلهما خ ) فافهم و من التعليم ظهور النبي صلي الله عليه و آله ببعث الانبياء و الرسل فان تعدد الانبياء بحسب ظهورات الاسماء في مرايا التعلقات و تلك انما نشأت من حكم الابداع بالارادة و حاملها الولي كما ان المشية حاملها النبي صلي الله عليهما و بالمشية كانت الارادة و الانبياء حكاية ظهورات تلك الاسماء فافهم و من التعليم انزال القرآن الكتاب الذي فيه تفصيل كل شئ من الاسرار الغيبية و الشهودية مما كان او يكون الي ما لا نهاية له فان الكتاب التكويني حقيقة هو الولي عليه السلام و الكتاب التدويني صفة للكتاب التكويني و قد دل العقل و النقل علي ان الكتاب هو علي عليه السلام و هو الكتاب الذي كتبه الله بيده و هو الهيكل الذي بناه بحكمته و هو مجمع صور العالمين و هو الصراط المستقيم و هو الصراط الممدود بين الجنة و النار و قد قال تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين و قال عز و جل و كل شئ احصيناه كتابا و قال هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و هو علي عليه السلام و هذا لا اشكال فيه لمن نظر و تدبر و انصف و اعتبر و الله سبحانه اخبر عن ذلك بقوله و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم و قد اتفق المفسرون ان هذا الروح [ص 206] هو القرآن و قال عليه السلام انا الروح من امر ربي و انا كتاب الله الناطق و القرآن كتاب الله الصامت فالولي هو الكتاب الذي اوحي الله الي نبيه عليهما السلام فعلم به ما كان و ما يكون كما انه يعلم بالقرآن مع انه اشرف و اعظم من القرآن فافهم ضرب المثل فكم من خبايا في زوايا و من التعليم الاسماء الحسني التي كان النبي صلي الله عليه و آله يدعو بها الله فان النبي صلي الله عليه و آله انما علم عليا الاسم الاعظم الله و هو الاسم الواسع العظيم الجامع فعلمه علي عليه السلام الاسم الرحمن و ما سواه من الاسماء الخاصة المتفاوتة المختلفة المتقابلة لانها كلها انما نشأت من اسم الرحمن حين استوائه علي العرش و قد ظهرت كلها بعلي عليه السلام و لذا كان النبي صلي الله عليه و آله يدعو الله بعلي عليه السلام علي ما روي عن ابنمسعود و عايشة و علي عليه السلام يدعو الله بمحمد صلي الله عليه و آله و هو السر في قوله عليه السلام و علمني علمه و علمته علمي فافهم و من التعليم بعثة الانبياء بالشرايع و السنن فان الشرايع كلها من شريعة ابينا آدم علي نبينا و آله و عليه السلام الي شريعتنا الموجودة الآن كلها من حدود القرآن كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شئ و قد علمت ان القرآن هو صفة الولي عليه السلام و تلك الشرايع صفة القرآن علي الحقيقة او نسخة منه علي الظاهر فيرجع الي الولي عليه السلام امرها قال تعالي و اليه يرجع الامر كله قال عليه السلام ان الضمير يرجع الي الولي عليه السلام و قد ورد من طريقنا و طريقهم في تفسير قوله تعالي و اسئل من ارسلنا [ص 207] قبلك من رسلنا عن النبي صلي الله عليه و آله ليلة اسري بي الي السماء اجتمعت في المسجد الاقصي مع كل الانبياء و المرسلين فاتاني جبرئيل و قال يا محمد (ص) اسألهم بماذا بعثوا فسألتهم فقالوا بعثنا بشهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا صلي الله عليه و آله رسول الله و ان عليا ولي الله و هذا التعليم و الالهام في الكل انما كان بعلي عليه السلام بمثاله في هويتهم و في نبينا صلي الله عليه و آله لكونه علمه و لسانه و نفسه اما علمت ان النبي صلي الله عليه و آله كسر الاصنام و هدمها لكن بعلي عليه السلام لما علا علي ظهره صلي الله عليهما و من التعليم انزال الملائكة و حفظة الوحي و حملة الالهام علي النبي صلي الله عليه و آله فان ذلك كان بالولي (ع) اماعلمت ان جبرئيل سيد الملائكة و قد علمه علي عليه السلام شرايع دينه و معرفته بربه و اسمه و هذا دليل انه ما يمكنه ان يتعلم و يأخذ من الله سبحانه الا بواسطة علي عليه السلام لان الملائكة حملة التدابير الخاصة المتعلقة الناشئة من الارادة التي يحملها الولي عليه السلام و تهبط اليه و الكروبيين الذين هم سادة الملائكة حيث ان موسي النبي عليه السلام الذي من اولي العزم قد خر مغشيا عليه عند ظهور نور رجل منهم بقدر سم الابرة كلهم من شيعة علي عليه السلام علي ما رواه الصفار في بصائر الدرجات و الشيعة اما مشتق من الشعاع او من المشايعة كما ورد عنهم عليهم السلام و كلا المعنيين يستلزم اخذهم في كلما لهم و عليهم و منهم و اليهم عن علي عليه السلام و لذا قال عليه السلام في حديث البساط والله انه لايخطو ملك خطوة الا باذني [ص 208] و امري كيف و هو عليه السلام امر الله الذي قامت به السموات و الارض و قام به كل شئ كما قال عليه السلام كل شئ سواك قام بامرك و قد نص الله علي ذلك في كتابه العزيز بقوله ينزل الملائكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده ان انذروا انه لا اله الا انا فاتقون و قد قال عليه السلام انا الروح من امر ربي فالملائكة انما تنزل به عليه السلام علي من يشاء من عباده من الانبياء و المرسلين و الخلفاء و الصالحين و المؤمنين الممتحنين في حياتهم و بعد مماتهم و قد سمعت ممن اخبرني عنهم عن احد الائمة عليهم السلام انه قال ان جبرائيل مادخل علي النبي صلي الله عليه و آله مرة الا و قد استأذن من علي عليه السلام فكان يدخل علي النبي صلي الله عليه و آله باذن علي عليه السلام و هذا الحديث و ان كان مرسلا لكنه مؤيد بالاخبار الاخر و الآيات كما اشرنا الي بعض منها و بالجملة انحاء هذا التعليم كثيرة و اسرارها ( اسراره خ ) غريبة و لذا ورد ان النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج مامر علي مقام من المقامات الا و قد رأي عليا عليه السلام فيه و لما وصل الي مقام قاب قوسين فخاطبه الله سبحانه خاطبه بلسان علي عليه السلام لان العالم كله مثل و هياكل لعلي عليه السلام لانه نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره فماتجد ذرة من ذرات الكون الا و هو متقوم بذلك الهيكل و لذا كان يجده النبي صلي الله عليه و آله عند كل ذرة و لما صعد المقامات الغيرية و وصل الي المقامات الذاتية و في المقامات التفصيلية يجد عليا عليه السلام بذاته فيها حتي اذا وصل الي مقامات تجلي ربه فهناك انقطع ذكر [ص 209] علي عليه السلام لانه صلي الله عليه و آله اذ ذاك في مقام النقطة و رتبة علي عليه السلام مقام الالف فالواصل في مقام النقطة ينقطع عندها الالف بخلاف العكس لكن جميع احوال النقطة و سريانها في الحروف انما هي بالالف فلا فارق بينهما و لا تقدم للنقطة و ان كان لها التقدم في كل مقام لكن بحسب الظهور و الوجود و ترتب الآثار لايتفارقان الا اذا قطعت مسافة الالف فهنالك انقطع الاسم و الرسم و الذكر فلاتعرف النقطة و لاتشاهد لها اثر و لا ظهور فكانت الالف هي آية النقطة و ظهور سلطانها و لذا قال علي عليه السلام انا آية محمد صلي الله عليه و آله فلولا علي عليه السلام لميظهر لمحمد صلي الله عليه و آله ذكر بوجه ابدا فعلي عليه السلام مظهر آثاره و ناشر اخباره و معلمه اسرار الولاية الظاهرة بما جعله الله فيه عليهما السلام كما مثلنا لك بالعقل و النفس فان الاحوال و الاسرار و القوي و الشؤنات العقلانية ماظهرت الا بالنفس و مااحاط العقل بالعلوم التفصيلية الا بالنفس فقد تعلم منها علمها لكن هذا علم قشري هو جعله وديعة في النفس ليشاهده فيها اذا احتاج اليه و لذا قال صلي الله عليه و آله اعطيت لواء الحمد و علي حاملها و مجمل القول ان جميع الاحوال الثابتة للنبي صلي الله عليه و آله مما فيه اقتران و تعلق و ارتباط كل ذلك كان بعلي عليه السلام كما ان رؤس المشية الظاهرة في المشاء انما هي بالارادة لان كلمة كن بها قد استقام الخلق فالكاف صاحب الاجمال و النون صاحب التفصيل فاحكام التفصيل اذا لحقت الكاف باي نحو كانت فانما هو بالنون و احكام الاجمال اذا لحقت النون باي نحو كانت فانما هو [ص 210] بالكاف فظهور الكاف في النون هي الولاية الظاهرة في الاكوان و مستجنات غيوب الامكان و قد اشار عليه السلام الي ما ذكرنا من التصريح بتلويح قوله عليه السلام علمني علمه و علمته علمي علي تفسير ظاهر الظاهر الذي يشير الي باطن الباطن فانه عليه السلام قال علمني فاتي بمتعلق التعليم الياء للاشارة الي انها تكرير الهاء و هو مقام علي عليه السلام لانه بالنسبة الي محمد صلي الله عليه و آله نسبة الاجمال الي اول مقام التفصيل و لذا كان مقامه عليه السلام الباء لانها اول تكرير الالف و ميلها الي الانبساط ثم اتي بالنون اي للوقاية ( اتي بنون الوقاية خ ) للاشارة الي المراد و هو ظهور الهاء في الياء و هو رتبة مقام علي عليه السلام فالذي علم النبي عليا عليهما السلام هو الهاء و هي مقامات ( هو مقام خ ) التوحيد و مراتب التفريد و وجوه المبدأ و كف الحكيم و لذا اشير الي النبي صلي الله عليه و آله في رقوم الاسم الاعظم بخاتم خماسي الاركان هكذا
و الهاء لما استدارت في اربعة ادوار لكمال الاعتدال او لظهور سر الاحد في الواحد ظهرت الكاف فكان العلم المنسوب الي النبي صلي الله عليه و آله اسرار المشية المتلقاة عن الله بنفسها قبل تعلقها و لذا كان اثرها الهاء لانها اول مقامات الظهور و موضوع علم البيان الذي علمه الله الانسان و سر مقام اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء فهذا العلم عن النبي صلي الله عليه و آله خاص به لايشاركه فيه علي عليه السلام و هو غاية مقامات الظهور و نهاية مقصد القاصدين و غاية آمال العارفين و قد حدد ( حد خ ) ذلك المقام في المقام الزماني من اول زوال الشمس الي مضي مقدار اربع ركعات [ص 211] بازاء اسم محمد صلي الله عليه و آله المربع و ذلك الوقت خاص بصلوة الظهر لايجوز فيه العصر سهوا و لا عمدا ( و هو المختص لا المشترك خ ) و لذا كان النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج قيل له ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر و هو ( الوقت خ ) المختص لا المشترك و لذا كانت صلوة الظهر منسوبة الي النبي صلي الله عليه و آله لان مقامه مقام الظهور المطلق و الوحدة الصرفة الغير المشوبة بشئ من تعلقات الكثرة لتظهر الظلمة من جهتها و هو اول ظهور نقطة الهاء و عند التجذير اول الخمسة من الخمسة و الهاء هي سر مقام جلال القدرة فعلم النبي صلي الله عليه و آله عليا عليه السلام اسرار الهاء و لذا قال (ع) علمني علمه لكن هذا الهاء لا اشباع فيها و مع الاشباع تكون عين علي روحي له الفداء فحقيقته عليه السلام علم محمد صلي الله عليه و آله علمه اياها و تلك الحقيقة الصرفة هي الهاء فلما اشبعت بالتكرير و التفصيل و الظهور و التحديد اشتق من الهاء بعد الاشباع له عليه السلام اسمه فكان جامعا للاسماء الحسني كلها و معني هذا الاسم هو الله و معني الله الهاء و هي التي علمها عليا عليه السلام ثم قوله عليه السلام و علمته علمي اشارة واضحة الي ان الهاء او المعبر عنه بالهاء حقيقة بسيطة صرفة لا تكثر فيها من حيث ذاتها و انما تكثرها بتكريرها و تفصيلها و اول تكريرها الياء فهي منشأ الكثرات و مبدأ العشرات و علي عليه السلام هو الواقف في هذا المقام و هو الباب لذلك الجناب فاذا اراد النظر الي مقام الكثرات و التعلقات و مشاهدة الاسماء و الصفات فانما ينظر المعبر عنه بالهاء الي [ص 212] المقام المعبر عنه بالياء فذلك علمه اسرار الهاء و ذا علمه اسرار الياء و هي اول ظهور الهاء في مقام التعلق فعند اتمام ظهور الهاء في الياء هو المقام المختص بعلي عليه السلام من حيث مقامه و مرتبته و لذا كان صلوة العصر مخصوصة بعلي عليه السلام لانها اول تكرير صلوة الظهر فالمختص بها هو المحدد ( المحدود خ ) في الوقت الزماني مقدار بقاء اربع ركعات الي غروب الشمس لان عليا عليه السلام هو نفس رسول الله صلي الله عليه و آله و مقامه المختص مقام كثرة التعلقات المورثة للظلمة و لما كان منتهي الظلمة مقام السكون و هو مقام المفعول البارد اليابس و الفعل و ان كان فيه التعلق الا ان جهة الوحدة فيه غالبة فقبل التعلق مقامه مقام الكاف و هو المختص بصلوة الظهر و بعد التعلق مقامه مقام النون اي ظهور الهاء في الياء و هو المختص بصلوة العصر لقرب النون بكمال الكثرة التعلقية الي المفعول المظلم المتكثر من حيث كونه مفعولا و ما بينهما اي عند الميل الي التعلق هو الوقت المشترك و هو السر ما بين الكاف و النون و ذلك السر في هذا المقام فاطمة الصديقة عليها السلام لانها الجهة الجامعة بين الكاف التي هي رسول الله صلي الله عليه و آله و النون التي هي مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام فمن هذا السر ظهر ذلك السر في الواو الغائب بين الكاف و النون لاتمام الاثنيعشر بمثناها فتمت الكلمة بتمام الاربعةعشر يد الله و وجه الله و هو قوله عليه السلام في الزيارة بكم تمت الكلمة و هي كلمة كن علي بعض الوجوه فافهم فاني قد كشفت السر و اوضحت الامر و لا قوة الا بالله و لهذا الكلام بيان آخر و هو انك اعلم [ص 213] ان لهما عليهما السلام مقامين مقام في العالم الاول في الخلق الاول في رتبة الاختراع الاول و الابتداع كما قال مولينا الرضا عليه السلام ان الله سبحانه اول ما خلق الاختراع و الابتداع ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون فلهما مقام هناك فهما عليهما السلام هناك اخوان قد رضعا من ثدي واحد من مشية الله سبحانه بنفسها بنفسهما فمحمد صلي الله عليه و آله هو الاختراع الاول و هو الاخ الاكبر و علي عليه السلام هو الابتداع الاول و هو الاخ الاصغر كالعرش و الكرسي فانهما اخوان الا ان الكرسي هو الاخ الاصغر و العرش هو الاكبر و لا شك ان الكرسي مستمد من العرش و لمتزل الفيوضات و الامدادات من العرش تجري الي الكرسي فتفصل هناك بالنجوم و الكواكب و البروج و امثالها من الاحوال و ما ذكرنا من حكم التعليمين كله يجري في هذا المقام علي تفاوت درجاته و مقاماته فراجع تفهم ان شاء الله تعالي و المقام الثاني في رتبة الحروف من الوجود المقيد ظهرا متنزلين في هذا المقام لتكميل الناقصين و ارشاد المسترشدين علي المعاني كلها كالشمس و القمر المتنزلين من العرش و الكرسي و هما عليهما السلام في هذا المقام يقتضي ان يكونا ابني عم فان الشمس قد تولدت من ضوء العرش بواسطة الكرسي و القمر من الكرسي بالعرش و لا شك ان الشمس في هذا المقام مستمدة من الكرسي و لذا لاتفارق في مسيرها منطقة البروج ابدا لاستمدادها منها كما قال عليه السلام الشمس جزء من سبعين جزء من نور الكرسي و الكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش فالعرش يعلم [ص 214] الكرسي و الكرسي يعلم الشمس فيحتمل ان يكون المراد علمني علمه في العالم الاول من حيث ذلك العالم من العلوم و اسرار الولاية الظاهرة في الاكوان لا اسرار النبوة الاولية فانها اشرف و اعظم من الولاية المطلقة و تلك خاصة به صلي الله عليه و آله لايشترك فيها معه علي عليه السلام كما دلت عليه الروايات كحديث الرمانتين و اشباهه كما مر و العقل المستنير ايضا يدل علي ذلك و لا اشكال فيه للفطن و يكون المراد من قوله عليه السلام و علمته علمي اي في العالم الثاني الظاهر بالنبوة الظاهرة و الاحكام و الشرايع فان ذلك في هذا العالم مستمد من الابتداع و قد قلنا ان عليا عليه السلام هو حامله فيكون في هذا المقام مستمدا منه عليه السلام بما امده به في المقام الاول و ذلك كجبرئيل و سائر الملائكة فانهم يأخذون من غيبهم و يؤدون الي شهادتهم عليهم السلام لان الملائكة روابط بين الغيب و الشهادة و كذلك علي عليه السلام علم رسول الله صلي الله عليه و آله في مقام الشهادة ما اخذه منه صلي الله عليه و آله و علمه اياه في عالم الغيب في الخلق الاول و لا منافاة بين هذا و بين كون النبي صلي الله عليه و آله اشرف و افضل من علي عليه السلام كما ذكرنا غير مرة صلي الله عليهما و علي اولادهما الطاهرين و علي الصديقة الطاهرة المعصومة المظلومة المقصوبة ( المغصوبة خ ) المطهرة .
[ص 215] قال روحي فداؤه و عليه الصلوة و السلام : الا و انا نحن النذر الاولي و نحن الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و بنا هلك من هلك و نجا من نجا .
لما اشار عليه السلام بل صرح بانحصار العلم المطلق علي الوجه المطلق في محمد و فيه عليهما السلام و ان ما عندهما مستور عن كل الانبياء و المرسلين و الملائكة و المقربين و كل ذي وجود من الخلق اجمعين اراد عليه السلام ان يزيل ما عسي ان يختلج في وهم بعض القاصرين الغافلين الذاهلين عما سبق في بيان مقاماته عليه السلام ما يوجب انحصار العلم فيهما عليهما السلام و لكن للغفلة و الذهول ربما يتخيلون كيف يكونان اعلم و اعظم و اشرف من غيرهما مع انهما ماوجدا الا بعد الانبياء و ان كل سابق في كل صقع و مقام اعلم و اشرف من اللاحق لبطلان الطفرة فلايسبق السابق الا لكونه اشرف من اللاحق و لايكون اشرف الا اذا كان اعلم فاجاب عليه السلام بان الطفرة في الوجود باطلة و ان الفيض متسق غير معطل لكن لا كل سابق في الظهور سابق في الوجود بل السابق في الوجود يجب ان يكون لاحقا في الظهور لان كل موجود لا بد له من قطع قوسي النزول و الصعود و في النزول كل سابق اشرف و في الصعود بالعكس فيكون ما ظهر آخرا هو اشرف الكل الاتري ان الانسان في الولادة الجسمانية اول ما يظهر منه النطفة ثم العلقة و هي اشرف من النطفة ثم المضغة و هي اشرف منها ثم العظام ثم اكتساء اللحم ثم تظهر الروح الحيوانية ثم يتولد و يظهر العقل كاملا سويا من اول بلوغه خمسةعشر سنة الي اربعين و ليست رتبة اعلي من رتبة العقل في الوجود [ص 216] المقيد انظر كيف ظهر آخرا و ليس لعاقل ان يقول ان العقل ماخلق الا ذلك الوقت لان الله سبحانه اجل و اعظم من ان يختار الكثيف علي الشريف و الظلمة علي النور و الليل علي النهار مع ما دلت الاخبار و شهد بصحتها صحيح النظر و الاعتبار ان العقل اول ما خلقه الله سبحانه فاذا فهمت هذا علمت ان خاتم النبيين هو اول النبيين و اشرفهم و افضلهم و اعلمهم و خاتم الوصيين هو اول الوصيين بعد خاتم النبيين لان الوصي المطلق العام الكلي يجب ان يكون من سنخ النبي ليكون بدلا قائما مقامه و بالغا مبلغه و ظهور الختم هو دليل البدو و قد قال عز و جل كما بدأكم تعودون فاذا كان خاتم النبيين هو الاول و هو واحد بدليل انه في العود واحد فتكون الشريعة شريعته و السنة سنته و الدين دينه و الحكم حكمه و الامر امره و وجود ساير الانبياء عليهم السلام مقدمة و توطئة لظهوره صلي الله عليه و آله بل سائر الانبياء عليهم السلام قشور و ظواهر متقومة بالاصل و اللب اللذين هما هو صلي الله عليه و آله علي المعاني كلها و لولا خوفي من اشباه العلماء لصرحت بالمراد و لكني اقول كما قال الشاعر :
تعرضت في قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هند
و سيدنا و مولينا جعلني الله فداه قد اشار الي كل ذلك باتم الاشارة بانحاء شتي فنحن ان شاء الله تعالي نقفو اثره و نتبع امره .
فقال عليه السلام : الا و نحن النذر الاولي اتي عليه السلام بكلمة العرض للتنبيه و التبيين و اظهار ما كان مستجنا في طبايع الاكوان من مستودعات اسرار الانسان لغيب البيان فخفيت تلك الاسرار باحتجاب تلك الانوار بتراكم الابخرة و [ص 217] الادخنة الارضية الكثيفة فتلايمت بالرطوبات الغريبة و الحرارة الغريبية فانجمدت القرائح و خمدت الطبايع لوقوع هذا الحجاب الغليظ الاسود فاراد عليه السلام كشف هذا الحجاب و فتح ذلك الباب علي جهة الحكمة متدرجا لا دفعة ليفسد لمزج هذا الحجاب العرضي و اختلاطه بالاجزاء الذاتية فلو نزع الحجاب دفعة واحدة لانتزعت معه الاجزاء الذاتية فتفسد الطبيعة و تجمد القريحة و هو خلاف الحكمة فمن هذه الجهة اتي عليه السلام بكلمة العرض و هي اللام المكتنفة بالالفين في اولها و آخرها اشارة الي انه ليس فيه اثبات الزامي كما لو حذف الالف الثاني و لا نهي تحريمي كما لو حذف الالف الاول فهو اثبات مع النفي اي امر بين الامرين و سر بين العالمين و لذا ( لذلك خ ) كانت حرف التنبيه لا امر و لا نهي و لذا يجوز له الفعل و الترك يعني لايعاقب علي الترك و ان كان الفعل مطلوبا بدليل اصدارها بالهمزة و هذه اشارة الي ظهور نور الولاية في الكون علي جهة الاختيار و سطوع ذلك النور مشروح العلل مبين الاسباب و شرح حقيقي لقوله عليه السلام عن الله تبارك و تعالي الست بربكم و لذا وضعت لها هذه الحروف فاللام في هذه الكلمة رشح لام ( للام خ ) علي عليه السلام لما بينا من ان اسمه عليه السلام اللام و الالفان رشح لاسم محمد صلي الله عليه و آله لما ذكرنا من ان اسم محمد صلي الله عليه و آله الالف المكررة فالالف و اللام اذا ( اذ خ ) اجتمعتا فان تقدمت الالف كان اثباتا لان مقامه صلي الله عليه و آله مقام المدد و المادة و العطية و السكون و الاطمينان و الثبات و البيان و التأدية و ان تأخرت الالف في الظهور في مقام و علمته علمي كان [ص 218] نفيا لان مقام علي عليه السلام مقام القهر و الغلبة و الاستيلاء و التسلط و السلب و النفي مع مناسبة الالف مع الوحدة الثابتة و اللام مع الكثرة النافية و دليل ما ذكرنا و وجهه يطول به الكلام و الاشارة كافية لاولي الافهام فاذا ظهرت الالف اولا و آخرا مع اللام كان تنبيها و تبليغا لا حكما و تثبيتا و هو المقام الذي وقف فيه النبي صلي الله عليه و آله كما قال عز و جل و ما علي الرسول الا البلاغ و قال تعالي انما انت منذر و الهادي هو علي عليه السلام الذي يعطي كل ذي حق حقه من حكم الاجابة او الانكار و من هذه الجهة وجب ان يكون في هذه الكلمة مثال محمد صلي الله عليه و آله اكثر من مثال علي عليه السلام و جعل مثاله صلي الله عليه و آله في الطرفين لبيان انه صلي الله عليه و آله محيط اول و آخر و ظاهر و باطن و علي عليه السلام محاط بالنسبة اليه و هو الفرع الكريم بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله و الاصل القديم بالنسبة الي غيره فهذه الكلمة اي كلمة العرض من تعليم النبي صلي الله عليه و آله اياه هذا هو الوضع الاولي بهذه الكلمة اشارة الي سريان نور الولاية من الولي المطلق من البدو الي العود الذي هو عين ذلك البدو و لذلك كررت الالف اولا و آخرا فاثبت بهذه اللفظة ما اراد اظهاره و بيانه روحي فداءه ثم اتي عليه السلام بالضمير المتكلم المنفرد لبيان الحصر و الحقيقة و اكده مع ذلك بحرف التأكيد المثقلة ثم ادغم احد النونين في الآخر حرصا للبلوغ الي المراد و خروجا من المقدمة الي ذي المقدمة و قد علمت ان الضمير المتكلم مع ( معه خ ) غيره له صيغتان احديهما للمنفصل و هي نحن و الثانية [ص 219] للمتصل و هي نا و جمع عليه السلام في هذا المقام بين الصيغتين و انما اختصتا بهذه الحروف المخصوصة علي الهيئة المخصوصة لان الالف ( هي خ ) دليل الوحدة و النون هي دليل الكثرة لانها مقام الارادة في كن فيكون و لما كانت الضماير في نفسها متكثرة و ان اشيرت بها الي الواحد لان تعريفها بالتقييد لا بالذات فلها جهة وحدة و جهة كثرة من جهة الحدود و القيود و لذا فرقوا بين الضماير و بين الاعلام ان الاعلام تعين المسمي من حيث هو بخلاف الضماير فانها بالقيد كما قال ابنمالك :
اسم يعين المسمي مطلقا علمه كجعفر و خرنقا
فمن هذه الجهة وجب في الضماير ما يدل علي الكثرة كالواو في ضمير الغايب و النون في ضمير المخاطب و النون في ضمير المتكلم و لما ارادوا المتكلم وحده زادوا الالف قبل النون و بعدها مبالغة في الوحدة و انها هي المقصود لا الكثرة و قد قلنا لك ان الالف اسم محمد صلي الله عليه و آله فالمتكلم وحده ينسب اليه حقيقة دون الخلق كما قال صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و كان يطوف حول جلال القدرة ثمانينالف سنة و كان في هذه المقامات متكلما وحده لا شريك معه الا ذكر ظهور نور علي عليه السلام و لما لميكن الا الذكر كان حرف اسم النبي صلي الله عليه و آله غالبا و جهة الوحدة فيه ظاهرة كما ذكرنا فوجب ان يكون ضمير المتكلم وحده انا في الوضع الاول الاصلي و انما اختيرت النون لانها اول كلمة وقعت في الوجود من الحروف كما قال مولينا الرضا عليه السلام ثم خلق الحروف فجعلها فعلا منه يقول للشئ [ص 220] كن فيكون فالكاف و النون هما اول ما نطق بهما الرحمن عند استوائه علي العرش و المتكلم اعرف الضماير و قبلها و اعظمها فاختيرت لها النون و هي مشتملة علي سر الكاف بخلاف العكس و ذكر المجموع مستلزم للتطويل و لا فائدة في ذلك فافهم الاشارة و اما في المتكلم معه غيره فحيث كان المطلوب فيه الكثرة دون الوحدة قدموا النون علي الالف لان النون اسم علي عليه السلام فتأخرت الالف في هذا المقام لانها اسم محمد صلي الله عليه و آله فيجب التأخير كما قال صلي الله عليه و آله في تتمة الحديث المتقدم حتي بلغت الي مقام جلال العظمة فخلق نور علي عليه السلام فكان نوري يطوف حول جلال العظمة و نور علي يطوف حول جلال القدرة ه ، و قد علمت ان المتكلم مع الغير انما تحقق عند خلق علي عليه السلام فكان مبدأ الضمير فنص النبي صلي الله عليه و آله علي السر حيث قال فكان نوري يطوف حول جلال العظمة ، فوجب حينئذ تقديم النون و تأخير الالف للاشارة الي هذه المرتبة فمن هذه الجهة كان ضمير المتكلم مع الغير المتصل نا من غير الالف الاولي مع ان الاختصار و الوحدة مطلوبة في المتصل لكونه بمنزلة الكلمة الواحدة مع ما يتصل به و اما في المنفصل فلما كان مطلوبية الكثرة و ظهور التعدد و الحصر و التأكيد في ذلك فيه اشد و اكثر فكرروا النون في الاول و الآخر للاشارة الي مقصودية الكثرة لذاتها في هذا المقام و ظهور الولي في الاول و الآخر و الظاهر و الباطن فالمتكلم معه غيره في مقام الولاية و القيومية و ان كان للتعظيم فان العظمة من آثار ظهور سلطان الولاية كما قال عز و جل هنالك [ص 221] الولاية لله الحق بخلاف المتكلم وحده فانه في مقام التوحيد و التفريد و التقديس كما قال عز و جل يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا ه ، و هو الظهور بالتوحيد لا الذات البحت تعالي عما يقوله الظالمون علوا كبيرا و قال عز و جل يا موسي اني انا الله لا اله الا انا الآية ، و قال في مقام الولاية و السلطنة نحن قسمنا بينهم معيشتهم ، انا نحن نحيي و نميت و نحن الوارثون و لقد علمنا المستقدمين منكم الآية ، انا نحن نحيي الموتي و نكتب ما قدموا الآية ، انا ارسلنا نوحا الي قومه الآية و هكذا امثالها و لما ان الوجود لايستقيم الا بمثال محمد و علي عليهما السلام و لايستقر الكون بواحد منهما وجب مثالهما في كل شئ الا انه يلاحظ في المقام حكم الغالب في الظهور و في هذا المقام و ان كان المطلوب ظهور مثال علي عليه السلام لكنه لايستقر الا بمثال سيده و مولاه نبي الرحمة فزادوا الحاء لبيان نسبة تقدم المتكلم وحده علي المتكلم معه غيره يعني نسبة تقدم نفسه الشريفة علي نفس علي عليه السلام و لما كانت تلك النسبة في الرتبة الثانية تبلغ الثمانية الي الثمانين فما منه صلي الله عليه و آله جهة الوحدة و ينبسط و ينتشر في مقام علي عليه السلام فابان سبحانه و تعالي بوضع الضميرين مرتبة كل واحد منهما صلي الله عليهما علي كمال التفصيل و لا كلما يعلم الانسان يقدر ان يسطر و هذا الذي ذكرنا اشارة الي نوع المسئلة في هذا الباب نعم بالمشافهة ربما ينال بعض المأمول و الله الموفق للسداد فاذا اتقنت ما ذكرنا فاعلم ان الامام عليه السلام عدل عن الضمير المتكلم وحده الي المتكلم [ص 222] معه غيره في هذا المقام ثم عدل عن الضمير المنفصل الي المتصل ثم اكده بالضمير المنفصل اما الوجه في العدول الاول فلانه عليه السلام فيما تقدم في المقامات في صدد بيان ظهور الولاية الكبري و السلطنة العظمي و الغاية القصوي و هو روحي فداؤه في تلك المقامات متفرد بالاصالة لما ذكرنا مرارا عديدة من ان النبي صلي الله عليه و آله مقامه النقطة الحقيقية فلا ظهور لها الا بالالف و هو مقام علي عليه السلام و باقي الائمة عليهم السلام مقامهم مقام الحروف و الكلمة التامة فلا قوام لهم الا بالالف فيها تقومت الحروف و لذا كان عليه السلام اميرالمؤمنين وحده من غير مشاركة احد اياه في هذا الاسم لان المؤمنين حقيقة هم الائمة عليهم السلام و هو عليه السلام يميرهم العلم ففي مقام الولاية هو عليه السلام متفرد مستقل بالله سبحانه و الائمة عليهم السلام كلهم يشاركون معه في الولاية بالبدلية و الوراثة و هو الاصل القديم فمن هذه الجهة افرد عليه السلام ضمير المتكلم في تلك المقامات و اما في هذا المقام يريد يبين عليه السلام الاحكام المشتركة الحاصلة لكل واحد منهم من غير اختصاص احد منهم بذلك لان لهم عليهم السلام مقام جمع و مقام فرق و فصل ففي مقام الجمع يشتركون في الاحوال الثابتة فيه و لذا قالوا عليهم السلام كلنا محمد اولنا محمد و آخرنا محمد و اوسطنا محمد ( صلي الله عليهم خ ) و هذا من ذلك المقام و اما الوجه في الامر الثاني فاعلم ان الله سبحانه خلق محمدا و آله صلي الله عليهم في عالم مستقل منفرد ليس معهم سويهم كما قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله سبحانه خلقنا من [ص 223] طينة مكنونة مخزونة عنده و لميجعل في مثل الذي خلقنا منهم نصيبا لاحد و في الزيارة الجامعة فبلغ الله بكم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و ارفع درجات المرسلين حيث لايلحقه لاحق و لايفوقه فائق و لايسبقه سابق و لايطمع في ادراكه طامع الزيارة ، فعالمهم غير عالم المخلوقين و طورهم غير طور المربوبين المصنوعين فلما خلقهم الله و اكمل خلقتهم اعطاهم ما يستقيم به معاشهم و معادهم و من ذلك وضع الالفاظ حيث يحتاجون في مقام اظهار الكمالات الي المحاورات و انحاء المخاطبات فوضع سبحانه لهم الالفاظ كيف ما ارادوا مما اقتضت كينوناتهم الذاتية و الوصفية و الاصلية و العرضية و لما كانت الالفاظ علي طبق الذوات و الكينونات و كان الاصل فيها محمد و علي صلي الله عليهما و آلهما فيجب ان يكون الاصل في الالفاظ كلها اسمهما و اللفظ الدال عليهما فكل لفظ بكل معني بكل حقيقة ينبئ صفة من صفاتهما الظاهرة في الهياكل الاربعةعشر صلي الله عليهم ثم لما كان سائر المخلوقات من اشعة انوارهم و من عكوسات آثارهم ظهرت تلك الحقائق و الانوار في الرتبة الثانية علي طبقها في الاولي و هكذا في الثالثة و الرابعة و الخامسة الي ما لا نهاية له فلهم الالفاظ و المعاني و لهم الحدود و المباني و لكن لما كان الناس في القوس الصعودي اكثرهم بقوا في مقام الانجماد و مابلغوا المراد في مقام الفؤاد فرأوا تقدم الانبياء و الملائكة و سائر الامم عليهم عليهم السلام و علي اممهم و رعاياهم ظنوا السبق الحقيقي و التقدم الواقعي فخصوا الالفاظ بما عرفوا من اللغات و الصفات و الاقتضاءات بما ظهر لهم من مقتضيات تلك المقتضيات فحرموا عن معرفتهم عليهم السلام [ص 224] و لما ان الله سبحانه ابان عن شرفهم و فضلهم حيث قال تعالي هذا نذير من النذر الاولي ماعرفوا المراد من ذلك و حملوا النذر الاولي ( علي خ ) الانبياء و قالوا ان نبينا صلي الله عليه و آله من نوع الانبياء و من سنخهم او انه من النذر الاولي يعني كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و ليس هذا هو المراد الحقيقي من قوله عز و جل و ان كان يراد ظاهرا حسب متفاهم العوام فبين عليه السلام حقيقة المراد مع غاية التأكيد الذي يفهمونه تأكيدا و الا فكل حرف من كلامه عليه السلام تأسيس و تأصيل فاتي بالالف في قوله عليه السلام انا لبيان انه عليه السلام هو النقطة تحت الباء فانها الالف فقوام الباء بالالف لا النقطة التي يتقوم بها الالف ثم اتي عليه السلام بالنون للاشارة الي تمام كلمة كن فمهما تحققت النون فقد تحققت الكاف ثم اتي بالنون الثاني لبيان ظهور الابداع في العالمين في العالم الاول عالم الغيب و الشهادة ثم ادغم احديهما في الثانية لبيان انهما ليسا عالمين متمايزين منفصلين و انما هما واحد مع كونهما اثنين و من هذه الجهة صار لفظ ان حرف التأكيد و التثبيت لاجتماع مرتبة المقبول و رتبتي القابليات فيها فتقرر مدخولها و تثبت ثم وصلها عليه السلام بالضمير المتصل نا و ادغم النونين لبيان كمال الوحدة المعتبرة في هذا المقام و هذا و ان كان مقام الفصل و التعدد و لكنه مقام الجمع و الاتحاد لمكان الادغامين ثم اراد ان يشير الي مقام الفرق و الفصل متمايز الاحكام فاتي بنحن فيشير عليه السلام بانا الي مقام محمد صلي الله عليه و آله و نفسه الشريفة لانهما صلي الله عليهما في كمال الاتحاد و ان كان بالمغايرة [ص 225] و لذا قال صلي الله عليه و آله يا علي انت نفسي التي بين جنبي انت مني بمنزلة الرأس من الجسد و بمنزلة الروح من البدن و لحمك لحمي و دمك دمي و الايمان مخالط لحمك و دمك كما خالط لحمي و دمي و هذه الاحكام و ان كانت تجري في سائر الائمة عليهم السلام الا انه بالتبعية البدلية لانهم شعب نشأت من علي عليه السلام و هو الاصل القديم عليه السلام و ان كان هو الفرع الكريم بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله و اشار عليه السلام بنحن الي مقام سائر الائمة عليهم السلام لانه عليه السلام كتاب احكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ان لاتعبدوا الا الله و لذا جرت الحكمة ان تكون كلمة التوحيد لا اله الا الله اثنيعشر حرفا و هي تفصيل الكتاب الي الآيات البينات و الدلائل الظاهرات و الحجج البالغات صلي الله عليهم ما دامت الارضون و السموات فبين عليه السلام بالتأكيد البالغ حسب متفاهم العوام و التأصيل الواقع حسب متفاهم الخواص انهم عليهم السلام اي قصبة الياقوت و حجاب الله في الملك و الملكوت و ظهور سلطانه في القدرة و الجبروت هم النذر الاولي و هم المراد من قوله تعالي هذا نذير من النذر الاولي و مؤدي من السنخية يعني ان محمدا صلي الله عليه و آله منهم و من حقيقتهم و طينتهم لا فرق بينه و بينهم و ذلك بخلاف الانبياء عليهم السلام اذ لايصح القول بان نبينا صلي الله عليه و آله منهم اي من سنخهم الا مجازا او نظرا الي ظاهر الهيكل البشري و ذلك غير ملحوظ في هذا المقام بل في كل المقامات و الاحوال و لما كان الناس ربما يستشكلون في كون فاطمة عليها السلام نذيرا بخلاف سائر الائمة عليهم السلام فانهم لا اشكال في كونهم نذرا ازاح الله سبحانه هذا الاشكال و اوضح هذا الاجمال بصريح المقال [ص 226] في قوله عز و جل كلا و القمر و الليل اذ ادبر و الصبح اذا اسفر انها لاحدي الكبر نذيرا للبشر لمن كان منكم ان يتقدم او يتأخر في تفسير علي بن ابرهيم عن الصادق (ع) انها اي فاطمة عليها السلام لاحدي الكبر و هم الائمة عليهم السلام و هي نذير للبشر فهم اي الاربعةعشر المعصومون الطيبون الطاهرون عليهم السلام النذر الاولي قد خلقهم الله سبحانه في العالم الاول و اقامهم اشباحا تحت عرشه الي ان خلق الخلق فصاروا نذرا لهم من الله عز و جل و اما الانبياء عليهم السلام فهم اشباحهم و امثالهم و اشعة انوارهم و هياكل آثارهم فلهم معهم عليهم السلام مقام لا فرق بينهم و بينهم ففي ذلك المقام ينتمون اليهم و ينتسبون بهم كما في قوله عليه السلام انا آدم انا نوح انا ابرهيم انا موسي انا عيسي الي غير ذلك من الانبياء لان الانبياء صفاتهم كما يقول زيد انا القائم انا القاعد انا الآكل انا الشارب الي غير ذلك من الاسماء اذ كلها صفات زيد لا فرق بينه و بينها الا انها عبده و خلقه فعلي هذا يصح لك ان تقول انهم عليهم السلام هم النذر الاولي علي هذا المعني الثاني فهم آدم و هم شيث و هم ادريس و هم نوح و هكذا الي آخر الانبياء و ذلك لانه قد دل العقل و النقل علي ان الانبياء خلقوا من شعاع انوارهم فنسبتهم اليهم نسبة الشعاع الي الشمس و لا شك ان الشعاع علي مثال المنير و هيئته جار علي طبق صورته كما تري انه اذا وقع شعاع الشمس علي المرآة او الماء او امثالهما من الاجسام الصيقلية تريه بعينه علي هيئتها و مثالها لاتفرق بينهما ابدا الا بالحاجة و الغناء و الاضمحلال و الاستقلال [ص 227] و كذلك حكم صورتك في المرآة اذا نظرت اليها فانك تجدها علي هيكلك و تحكم عليها بما تحكم عليك فتقول انا ذا مع ان تلك الصورة ليست عين حقيقتك و لا جزؤها و لاتعود اليها و لاتصل اليها و انما اقمتها في مقامها و امددتها في ظلها هذا هو حكم الاثر و النور من حيث هو اثر و نور اذا بقي علي ما هو عليه و اما اذا تغير علي حسب القابليات فيحكم علي التغيير بنهج ذلك التغيير كما اذا ظهرت صورتك في المرآة العوجاء و المحل الغير المصيقل فانك لاتحكم عليها بما يجري عليك من ظهوراتك في اطوارك و كذلك الكلام في هذا المقام فان شعاع آلمحمد عليهم السلام لما تشعشع و تلألأ و وقع علي الاراضي الطيبة ( و خ ) قابليات الانبياء عليهم السلام فبقي ذلك الشعاع علي ما هو عليه من حكاية وصف الكينونة فصح توصيفهم بالانبياء و حمل الانبياء عليهم فتقول ( فيقول خ ) علي عليه السلام مثلا او احد الائمة عليهم السلام هو نوح و ابرهيم كما تقول زيد قائم فان القائم ليس عين زيد و لا ضميره يعود اليه و انما هو صفة تدل علي ظهور زيد و مثاله و بذلك حملته علي زيد في مقام لا فرق بينك و بينها فالموضوع و المحمول و ان كانا من حيث المقصود متغايرين و لكنهما من حيث الحقيقة الواقعية متحدان اي الموصوف بكونه قائما هو الوجه الاعلي من القائم فان زيدا ظهر في الوجه الاعلي علي نحو عموم قدرته فمن حيث الظهور كل الصفات تحكي زيدا بل لاتسمي الا زيد و من حيث الخصوصية تختص بالوجه الخاص كقولك قائم و قاعد فقولك زيد قائم فزيد هو عين القائم و كذلك بالعكس مع ان القائم ليس حقيقة زيد و لا ذاته و انما هو صفة [ص 228] من صفاته و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام لشهادة كل صفة علي انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف علي انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و يريد عليه السلام بهذا الموصوف هو المقصود من الصفة و الذي نقول هو الظاهر في الصفة و ان كان الظاهر في الصفة ايضا هو غير الصفة فافهم هذه الكلمات فان التصريح بالمراد مما لايمكن و الا فصريح العبارة غير ذلك فاذا وفقت لفهم ما ذكرنا علمت معني ما قال الامام عليه السلام انا الآمل و المأمول كما تقدم و نحن النذر الاولي اذا جعلت النذر الاولي هم الانبياء عليهم السلام و يكون المراد من الائمة عليهم السلام وقوفهم في مقامهم ( المقام خ ) الاصلي من غير ملاحظة نزولهم في صقع من الاصقاع و مقام من المقامات حسب تنزلات الاشياء فانهم عليهم السلام لهم مقام في رتبة ذواتهم و كينوناتهم و صعودهم و نزولهم الذاتيين من مراتبهم الحقيقية من افئدتهم و عقولهم و ارواحهم و نفوسهم و طبايعهم و موادهم و هياكلهم و اجسامهم و اجسادهم و هم عليهم السلام في هذه المقامات علة فاعلية لكل ذرات حقائق الكائنات و ذوات الموجودات و كل الخلق اشعة انوارهم (ع) في كل مقاماتهم و علي هذا فكل الذرات صفاتهم و كل الذوات امثال ظهوراتهم و هياكل آثارهم و صفاتهم فيصح حينئذ توصيفهم عليهم السلام بتلك الصفات و هذا باب غامض و سر مشكل لكني ابين حديثين و فيهما كل المراد يجده اهل الاستعداد من اصحاب الفؤاد في الانجيل يا انسان اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا ه ، و هذا الضمير هو ضمير المتكلم و قد ذكرنا [ص 229] فيما سبق و نذكر ان شاء الله تعالي في ما يأتي ان المتكلم ظهور الذات بالكلام و الضمير ظهور المتكلم بالصفة و المجموع بمعزل عن الذات المقدسة القديمة سبحانه و تعالي بينهما بينونة صفة لا بينونة عزلة و قال عليه السلام في تفسير قوله تعالي فلما تجلي ربه للجبل انه نور رجل من الكروبيين و قال النبي صلي الله عليه و آله في جواب اليهودي الي ان قال (ص) لاينبغي ان اصغر ما عظم الله من قدري ان الله تعالي اوحي الي ان فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي كل الخلق و قال الصادق (ع) في وصف الكروبيين علي ما تقدم انهم قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش الي ان قال عليه السلام و لما سأل موسي ربه ما سأل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا ، اجمع بين هذه الاخبار و ما ذكرنا في هذا الشرح من الاصول الكلية تعرف بذلك ان كل ذرة من ذرات الكون منقوش في حقيقتها و ذات كينونتها محمد و اهل بيته الطاهرون عليهم السلام باسمائهم و اشخاصهم كتابة لايشتبه احدهم بصاحبه و هو الذي اشار اليه عليه السلام في الزيارة حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كبر شأنكم و تمام نوركم الزيارة ، و هذه المعرفة بما كتب في ذاتهم ما ( بما خ ) نطقوا به عليهم السلام بلسانهم كما نقش و كتب صورتك في المرآة بل اقول ان حقيقة ذوات الاشياء هي عين تلك الكتابة المرسومة بقلم الاختراع [ص 230] علي لوح الابداع فاذن كل الاشياء بلسان كينوناتهم و حقائقهم يحكون كلام علي عليه السلام عند ما قال لهم حين ما اشهده الله خلقهم انا علي الولي وصي النبي الامي لان الربوبية الظاهرة في المربوبين هي نوره و شعاعه عليه السلام و ذلك كما يحكون عن الله عز و جل عند تلاوة كتابه اني انا الله لا اله الا انا و كما حكي علي عليه السلام عن الله في الشجرة لموسي فحقيقة الخلايق هي رسم انا العلي الاعلي و ذلك خطاب و مثال القاه عليه السلام في هويتهم و ذلك هو انا الظاهر في ضمير المتكلم و هو في الاشياء كلها لكن ذلك المثال لما وقع في هويات الكائنات فان كانت الهوية مستقيمة معتدلة غير معوجة و قريبة الي المبدأ في الخلق الاول ظهر علي ما هو عليه و ان كان بتغيير لكنه لايرفع حكمه كشمس واحدة اشرقت علي الف مرآة في كلها تجد مثالها علي ما هو عليه من دون تغيير و ان كانت بعيدة او معوجة غير مستقيمة لايظهر ذلك المثال و لاتحكي نور الجلال ففي الاول ينتسب الي المنير و في الثاني لا فالاول هو حكم الانبياء عليهم السلام لقربهم من المبدأ و استشراقهم من شوارق انوار اهل البيت عليهم السلام من غير واسطة و استقامتهم و عدم اضطرابهم و عدم اغتشاشهم حكوا مثالهم من العصمة و الطهارة و النزاهة و الحكمة و غيرها فصح استنادهم اليهم عليهم السلام بخلاف سائر الخلق من الرعايا و ان كانت حقائقهم تلك الكتابة لكنها خفيت و استولت عليها احكام الانية المدبرة الغير المقبلة فبقيت لاتحكي لبعدها عن فوارة النور فلايصح الاستناد ما دام حكم الفرق باقيا او حكم الخلط ظاهرا في هذه الدنيا [ص 231] و اذا ارتفعت الموانع يعود الحكم كما كان سابقا اي علي الواقعي الاولي و لذا لما اصيب طلحة بن عبدالله يوم الجمل قيل له من رماك يا طلحة قال رماني علي بن ابيطالب عليه السلام قيل له يا ويلك انه ما يرمي بالنبل و انما يقاتل بالسيف قال الاتنظر كيف يصعد الي السماء و ينزل الي الارض و يسير الي المشرق و المغرب و يقاتل بالسيف و النبل و يقول مت يا عدو الله فيموت في ساعته و كان الرامي له مروان الحكم لعنه الله انظر الي هذا الحديث فتجد ما لاتحيط به العبارة و لاتدرك بالاشارة و انما هو تلويح و ربما تصريح بما ذكرنا فان ذلك الذي رأي كله امثال و اشباح لتلك الحقيقة المقدسة ظهرت عند ما صارت بصره حديدا او عند رفع الغرائب و الاعراض و مارأي الحقيقة و لاادركها كيف لا و هو يقول عليه السلام ظاهري امامة و في رواية اخري ولاية و باطني غيب لايدرك و لكن الانبياء لما حكوا ذلك المثال وصف نفسه الشريفة بهم في هذه الدنيا و في الآخرة يكون كل شئ صفته و آيته يعني يظهر ذلك و الا ففي كل حال تكون الاشياء صفاتا و اظلة فافهم و قد قال مولينا الصادق عليه السلام في زيارته اياه عليهما السلام السلام علي شجرة طوبي و سدرة المنتهي السلام علي آدم صفوة الله و نوح نبي الله و ابرهيم خليل الله و موسي كليم الله و عيسي روح الله و محمد حبيب الله و من بينهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا السلام علي نور الانوار و سليل الاطهار و عناصر الاخيار السلام علي والد الائمة الاطهار الزيارة ، و هذا كما تقول السلام علي القائم القاعد الضارب الناصر السميع البصير [ص 232] المحيي المميت و امثالها من الصفات من غير فرق ابدا و اما عدم انتساب سائر الخلق اليهم و اليه عليهم السلام فلما قلنا من عدم الحكاية التامة مع انه عليه السلام اشار الي ما لوحنا بقوله و الصديقين و الشهداء و حسن اولئك رفيقا و علي هذا يظهر لك معني كون علي عليه السلام في وقت واحد في ليلة واحدة في اربعين موضعا و حضورهم عليهم السلام عند كل ميت من المؤمنين الممتحنين او ماحضي الكفر من المنافقين و قد يتفق موت الوف في وقت واحد و دقيقة واحدة من الطرفين يظهر لكل علي هيكل اعتقاده فيه ان خيرا فخير و ان شرا فشر و الاصل في ذلك ان عليا عليه السلام هو نفس رسول الله صلي الله عليه و آله كما في الآية الشريفة و هو ايضا نفس الله كما في قوله تعالي و يحذركم الله نفسه و في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة بالسنن و هو عليه السلام ذات الله كما في قوله روحي فداءه في بيان النفس الملكوتية الالهية انها هي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق ابدا و من جهلها ضل و غوي و هذه هي الذات المخلوقة لا القديمة تعالت و تقدست و المخلوقة هي الذات الظاهرة في المخلوقين في مقام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك سبحان ربك رب العزة عما يصفون و كما ان عليا عليه السلام هو ذات الله بالمعني الذي ذكرنا كانت كذلك الموجودات كلها ذات علي عليه السلام او قل ان عليا عليه السلام ذاتهم كما قال عليه السلام انا ذات الذوات انا الذات في الذوات للذات و المعنيان واحد و اذا [ص 233] كان هو ذات الاشياء لا بذاته بل بظهوراته و اشباحه و امثاله فكل الاشياء حكايات له و لاحواله ففي مقام الحقيقة بعد الحقيقة هو و في مقام المجاز غيره و هنا مقامات يقصر عن بيانها اللسان يضيق صدري باظهارها و لايضيق بكتمانها و لاتفهم مما ذكرت غلوا و رفعا لمقام علي عليه السلام الي مقام الربوبية و انما ذلك شرح لكمال عبوديته و خضوعه لله سبحانه و اضمحلاله في نفسه و عدم شيئيته و استقلاله لا كما يقوله اصحاب وحدة الوجود فان الله سبحانه بريء من القول به و اصحابه و لاتتوهم اني اقول ان عليا عليه السلام هو ذات الاشياء بحقيقة ذاته المقدسة فان ذلك كفر بالله العلي العظيم بل اقول ان الخلق امثاله و اشباحه و المثال هو الذات الظاهرة في المشتق لا البحت فالذات المعتبرة في القائم مثلا هي المثال و الآية و المقام اسمها اسم زيد و صفتها صفته لا فرق بينها و بينه الا انها عبده و خلقه و علي عليه السلام هو المثل الاعلي لله سبحانه كما قال عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا و في الزيارة من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم فافهم فان شرح هذا ( هذه خ ) الاحوال يحتاج الي بسط في المقال بتمهيد بعض المقدمات و قد مضي بعضها فراجع و يأتي ان شاء الله بيان اكثرها فترقب ،