[ص 126] و اذا فهمت هذا فاعلم ان عالم الشهادة آيات و امثال لما في عالم الغيب كما قال عز و جل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فكما ان في عالم الاجسام لميتحقق الشئ الا بحلين و عقدين ففي الحل الاول و العقد الاول الغلبة و الاستيلاء للرطوبة و البرودة و الحرارة ضعيفة مغلوبة و في الحل الثاني و العقد الثاني بعكس الاول بل الاستيلاء و الغلبة للحرارة و اليبوسة و البرودة و الرطوبة ضعيفة مغلوبة فكذلك الامر في خلق الارواح و قد قلنا سابقا ان الذين خلقوا علي الصورة الانسانية علي ثلثة اقسام احدها من خلق ظاهرهم و باطنهم علي الصورة الانسانية و هؤلاء الخصيص و الخواص علي اختلاف مراتبهم و ثانيها من خلق ظاهرهم علي الصورة الانسانية و باطنهم اي روحهم علي الصورة الشيطانية من صور البهائم و حشرات الارض و هؤلاء المعاندون من الكفار و المنافقين و هاتان الطائفتان قد قضي لهم الامر و صيغوا علي ما قبلوا من فيض الفياض فلايكون هؤلاء من هؤلاء و لا هؤلاء من هؤلاء و ثالثها من خلق ظاهرهم علي الصورة الانسانية و باطنهم بعد لميخلق و انما هو ساذج قابل للطرفين حيث غلبت عليهم الرطوبات البلغمية فثقلت مداركهم عن استماع الامر الالهي حتي يقبلوا او ينكروا و هؤلاء العوام الذين لميذوقوا حلاوة المحبة و لميردوا ماء المعرفة و لما كان الانبياء و الرسل و الكتب و الاوصياء و العلماء انما هم لتتميم قوابل الارواح و تمكينهم للنضج و الاصلاح ليستأهلوا للخطاب و يصاغوا بعد الخطاب بما نطق به الكتاب و قد قلنا ان هذا التمكين لايحصل الا بالحلين و العقدين جرت عادتهم عليهم السلام مع العوام بذلك ان لميكونوا من المعاندين فان كانوا قاطعين [ص 127] عالمين بشئ بالجهل المركب و هو غير مطلوب منهم بالكينونة الاولية و هم لايعلمون ذلك فاولا يوردون عليهم السلام عليهم ما يبطل به قطعهم و يقينهم و ينزلونهم منزلة الاحتمال و التجويز هذا اول الحل الاول ثم بعد ذلك ينزلونهم الي مقام الشك عما كانوا قاطعين به و هذا تمام الحل الاول و عقده ثم بعد ذلك يظهرون عليهم السلام لهم الحق الواقعي علي جهة البرهان اللايق بهم و هو الحل الثاني ثم يلزمونه ( يلزمونهم خ ) عليه و هو العقد الثاني فاذا تتبعت كلماتهم عليهم السلام و سلوكهم مع العوام من هذا القسم لاتجد الا كما ذكرنا و لقد اوضح مولينا الصادق عليه السلام الامر كما شرحت لك في احتجاجه مع ذلك الزنديق الشامي حتي جعله بتوفيق الله مؤمنا خالصا و هو مذكور في الكافي في اول كتاب التوحيد و كذلك فعل الله سبحانه مع المنكرين للبعث حيث قالوا ءاذا كنا عظاما و رفاتا ءانا لمبعوثون خلقا جديدا قال الله عز و جل في الرد عليهم قل كونوا حجارة او حديدا او خلقا مما يكبر في صدوركم فتنزلوا منزلة الاحتمال و التجويز حتي قالوا من يعيدنا فقال سبحانه قل الذي فطركم اول مرة ثم تنبهوا و احتملوا و جوزوا ذلك ثم سألوا عن وقته كما اخبر عنهم سبحانه فسينغضون اليك رؤسهم و يقولون متي هو قل عسي ان يكون قريبا يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده و تظنون انلبثتم الا قليلا و هذا هو نمطهم و ديدنهم عليهم السلام مع المخالفين الغير المعاندين و ان كانوا جهالا لايعلمون ما يريدون عليهم السلام ان يلقوا اليهم و يعلمونهم فكما فعل اميرالمؤمنين عليه السلام في هذا المقام فقال [ص 128] عليه السلام الا فعوا و لاتضجوا و لاترتجوا لانه عليه السلام اراد ان يلقي اليهم اسرار الولاية الظاهرة في كينونات ذواتهم المخزونة في اعلي مراتب قلوبهم و افئدتهم و هم في مقام الجسم واقفون و بباب الجدال و القيل و القال لائذون فامرهم بالوعي و عدم الاضطراب و في هذا تمام الحل الاول في الخلق الاول لان ما القي عليهم ( اليهم خ ) عليه السلام من اسرار هذه الخطبة هو نار جعلها الله في الشجر الاخضر الشجرة الزيتونة التي ليست بشرقية و لا غربية و بهذه النار نضج ثمار الجنة التي هي علوم الولاية و لما كانت القرائح جامدة و الطبايع خامدة و غلبت الرطوبات الباردة و خفيت بل انطفت الشعلات الغيبية الواردة فلايمكنها الصعود الي الدرجات العالية جعل عليه السلام في روعهم قبسة من قبسات النور علي جبل الطور الظاهر في الشجرة المذكورة فامرهم بعد الالقاء بوعيها و حفظها بالسكون و الاطمينان لتستقر تلك الشعلة و تجفف الرطوبة فلو اضطربوا و ارتجوا و استغربوا و استبعدوا تفتح مسام القابلية فتخرج حرارة تلك الشعلة عن خلالها فلاتؤثر فيها و لاتنضج القابلية بها و من هذه الجهة كثرت الثلوج في فصل الشتاء و انسدت المسام لتتوجه الحرارة الي الباطن و تتسخن القوي و الجوارح بها لتمام نضجها و طبخها و الا لفسدت القوي و اضمحلت الاشياء فاول باب المعرفة و الحكمة القبول و الانقياد و السكون و الاطمينان فلولا السكون لميستقر القبول و لولا القبول لمينفع السكون بل لميتحقق و هذا للاستيهال لافاضة الفيض علي تلك القوابل الباردة الفاسدة و الي هذا الاشارة بقوله عز و جل فلا و ربك لايؤمنون [ص 129] حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فذكر سبحانه و تعالي لتحقق الايمان امرين احدهما الاخذ من علي عليه السلام لا غير و ثانيهما عدم الحرج و الاضطراب بل التسليم و التصديق فبهما يتحقق الايمان الذي لما تجسد في عالم الاجساد و الاجسام ظهر بالصورة الانسانية فبالامرين يتم نضج طبيعة الايمان و لذا قال مولينا الصادق عليه السلام علي ما في الكافي انكم لاتكونوا صالحين حتي تعرفوا و لاتعرفوا حتي تصدقوا و لاتصدقوا حتي تسلموا ابوابا اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلثة و تاهوا تيها بعيدا الحديث ، فجعل عليه السلام التسليم هو اول باب المعرفة و اليقين فلايكمل اليقين و لاتتم المعرفة و لايستقر الحكمة الا به و التسليم كما فسره عليه السلام هو استماع الحق و وعيه باذن قلبه و عدم اضطرابه و عدم القول فيه لم و كيف و اين و علي م بل لايجد في نفسه شيئا و يسلم الامر لاهله فان وجدوه اهلا ابانوا له و كشفوا عن حقيقته له فيعرف بما عرفوه اياه و الا فلايطلب ما ليس له بمصلحة فالمؤمن المخلص هو المسلم و هو الذي يعرف بحقيقة الايمان ان الخلايق باسرها عند آلمحمد عليهم السلام كالدرهم في يد احدكم و هم عليهم السلام مطلعون بجميع احوالها و اطوارها و اوطارها فاذا ورد علي احد من الخلق حديث من احاديثهم عليهم السلام فهم الذين اجروه علي لسان القائل و سببوا الاسباب حتي اصغي اليه المخاطب او نظر الي المكتوب لحكم و مصالح اقتضت ذلك فان اقتضت الحكمة ان يعرفوه هيأوا له اسبابها علي مقتضي [ص 130] ما يريدون بمقتضي استدعاء الدواعي و ان اقتضت انكاره مع انه هو الحق في الواقعي الاولي لا النفس الامر الذي هو الواقعي الثانوي سببوا له اسباب الانكار اما باحاديث اخر تعارضه او بادلة عقلية او باجماع و شهرة و اشارة في لحن الخطاب و فحواه و مفهومه و امثال ذلك و ان اقتضت الجهل به في حقه ابقوه علي حاله فلايذكرون له معارضا و لايجعلون قرائن و ادلة موضحة ففرضه حينئذ التسليم و الرد الي اهله و الوقوف عنده و العمل بما استقر عليه المذهب و دلت عليه الاخبار المحكمة و لايخوض في لجج المتشابهات و لايطرح الاخبار و لاينكرها فان صاحبها اولي بها لعلهم ارادوا بها ما لايخالف المذهب و نحن لانعرف و لاندرك وجه التطبيق و هذا هو سلوك سبيل الرب ذللا فاذا واظب بالذي ذكرنا و تحقق الذي سطرنا و آمن قلبا بالذي قلنا فهو المؤمن الممتحن و قد دخل البيت من بابه و يفتح له ان شاء الله ابواب الحكمة و ترزق المعرفة و لكن الموفقين لهذه المعرفة قليلون و من هذه الجهة تراهم في كل واد يهيمون حيث اعرضوا عن ائمة الهدي عليهم السلام بلسان اعمالهم و ارادوا فتح باب الشريعة بعقولهم و مداركهم فضلوا و اضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل .
و قوله عليه السلام : و لولا خوفي عليكم ان تقولوا جن او ارتد و اليه اشارة ما روي عنهم عليهم السلام لميبلغ الرجل كمال الايمان حتي يشهد الف صديق بانه زنديق و هذا الحديث مارأيته مسندا في كتاب من الكتب المعروفة و لكني وجدته في حاشية من حواشي بعض الكتب [ص 131] ( مرسلا مقطوعا لكن تعاضده الاخبار و يشهد بصحته صحيح الاعتبار خ ) و قوله عليه السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخي رسول (ص) بينهما فما ظنكم بسائر الخلق ، دليل علي ذلك و كذا في قول علي بن الحسين عليهما السلام :
فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا
و كذا قوله صلي الله عليه و آله لو عمل سلمان عمل مقداد لكفر و لو عمل مقداد عمل سلمان لكفر و قول الصادق عليه السلام لمحمد بن هلال والي المدينة في سر حمل رسول الله صلي الله عليه و آله عليا عليه السلام لكسر الاصنام الي ان قال عليه السلام ما معناه لو اني بينت لك ما اراد رسول الله صلي الله عليه و آله من حمل علي عليه السلام لقلت جن جعفر بن محمد الحديث ، و قول سلمان لعلي عليه السلام يا قتيل كوفان لولا قال الناس لسلمان واه واش رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك كلاما اشمأزت منه القلوب يا محنة ايوب فقال عليه السلام اتدري ما محنة ايوب قال لا قال عليه السلام لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك و بكي قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله اليه يا ايوب اتشك في صورة انا اقمته اني ابتليت آدم بالبلاء فوهبته بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول امر عظيم و خطب جسيم فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لاميرالمؤمنين ثم ادركته السعادة بي ، و امثال هذه من الاخبار كثيرة و ليس معني شهادة الف صديق بانه زنديق [ص 132] انه يظهر منه كلمات توجب ذلك حاشاه لانه من اهل السر و هو بنور التوسم يعرف المتحمل عن غيره فلايذيع سر اهل البيت عليهم السلام المأمور بكتمانه عند غير اهله فلميبلغ اذن كمال الايمان فان مخالفتهم عليهم السلام في اذاعة اسرارهم من افسق الفسق كما دلت عليه الاخبار المتكثرة فلايراد منه ان المؤمن البالغ في الايمان حد الكمال يظهر تلك الاسرار بل المراد ان عنده ما لو اظهره للناس لشهد الف صديق بانه زنديق حيث ينزه الحق سبحانه عن كل اوصافهم و هم انما اثبتوا تلك الاوصاف زعما منهم بان الربوبية لاتكون بغيرها و الذات الكاملة يمتنع ان لاتكون لها صفات كمالية فاذا وجدوا عنده مخالف معتقدهم و انه سبحانه منزه عما يقولون قدروا بانه كافر زنديق مع ان قوله هو الحق و الله عز و جل يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون فاذا اتي العارف الكامل البالغ و قال انه سبحانه منزه عن التنزيه و ليس مقام التنزيه مقام التوحيد فيقدر اهل التنزيه بان ذلك كفر و زندقة و اذا ذكرت لاهل هذه المرتبة ما لاينطق به فمي و لايجري به قلمي يقدرون ان هذا تشبيه و كفر بل يحكمون علي السفاهة و الجنون كما قال روحي فداؤه فان العقل و قواه و جنوده و مشاعره و مداركه و كل الآلات البدنية و القوي الروحانية لمتبلغ تلك الدرجة و الفوز بتلك الاسرار و انما هي سر بينهم و بين بارئهم في مكمن الغيب علي سرير الحب فلايسع ذلك المقام ملك مقرب و لا نبي مرسل فان اقصي مقامات النبوة مقام العقل و الملائكة من اشراقاته و عكوسات انواره و حوامل ظهورات آثاره و ذلك المقام ينحط [ص 133] دونه مقام النبوة و الملائكة و المراد بالنبوة مطلقا في كل مقام بحسبه من الكلية و الجزئية فان عقل كل احد نبي بالنسبة اليه كما دلت عليه الروايات المتكاثرة فاذا خرج ذلك السر عن مقتضي العقل و انما ظهر بطور الشهود في عالم اللانهاية من غير مستقر البداية في مقام النقطة السرمدية الجامعة بين النفي و الاثبات و الجمع و التفريق الجامعة للمتفرقات المفرقة للمجتمعات فيحكم علي الليل بانه نهار في عين كونه ليلا و بالعكس فيحكم العاقل الواقف في مقام العقل بان ذلك جنون و سفاهة لكونه خارجا عن مقتضي العقل و ليس لذلك الواقف سبيل الي ما وراه ليحكم بان ذاك ( ذلك خ ) حقيقة و ما حكم به العقل و ما دونه من المشاعر بالنسبة اليه مجاز فيحمل علي السفاهة و الجنون فيرون اقبح ما يأتونه حسنا و من هذه الجهة بقيت العلوم كلها مكتومة لان الانسان الاكبر الذي هو العالم في القوس الصعودي وصل الي مقام البهائم و الحيوانات مقام النفس الامارة بالسوء و قد تسلطت النفس و اغلب اهل الدنيا في ذلك المقام واقفون و بذلك الباب لائذون فلايسعهم ادراك تلك المقامات و الوصول الي تلك الدرجات فلايقبلون من الواصل و لايسمعون من الكامل و هو قول مولينا الحجة المنتظر عجل الله فرجه في بعض توقيعاته لا لامر الله تعقلون و لا من اوليائه تقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر ، نعم اذا بلغ في القوس الصعودي مقام البلوغ الذي هو رتبة العقل فهناك يكمل ادراكه و تقوي مشاعره فيستغني كل عن علم صاحبه كما قال مولينا علي عليه السلام ثم قال عليه السلام و هو تأويل قوله تعالي يغن الله كلا [ص 134] من سعته فهنالك تبدوا الاسرار و تفشوا الاخبار فلاينكر احد علم صاحبه لان هناك و ان كان مقام العقل لكن فيه نور الفؤاد ثم اعلم ان الممكن لما لميتم له الوجود الا بالتركيب و هو لايتحقق الا من ضدين جرت الحكمة الالهية ان يكون لكل شئ ضدا كما قال الرضا عليه السلام ان الله لميخلق فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة علي نفسه فخلق لكل شئ ضدا و هو قوله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ه ، و هذا يقتضي ان يكون كل حق يقابله باطل في مقامه فان كان في عالم الشهود يكون ضده فيه و ان كان في عالم الغيب فكذلك ايضا و قد عرفت سابقا ان الخزائن العالية ( العلوية خ ) مهابط الانوار القدسية من الملكية و الملكوتية و الجبروتية ثلثة فكذلك الخزائن السفلية في مقام التقابل علي العكس فالخزينة السوئي السفلي في مقابلة الاعلي في تحت الثري فيها من احكام الانكار و تلبيس الباطل علي الحق بقدر ما في الاولي الاعلي من المعرفة و المحبة و اظهار الحق و الخزينة السوئي السفلي في مقابلة الثانية في الثري و فيها من احكام الشكوك و الظنون و الوساوس بقدر ما في مقابلها من اليقين و مفتاحها بيد الجهل و الخزينة السوئي السفلي في مقابلة الثالثة الاعلي في الطمطام او جهنم و تمتد الي الارض الثانية ارض العادات و مفتاحها بيد الشياطين الثلثة و لا منزلة و لا واسطة بين الحق و الباطل فماذا بعد الحق الا الضلال و الانسان لقلبه عينان و اذنان فباليمني ناظر الي العليا و باليسري ناظر الي السفلي فاذا اعرض عن النظر الي الحق في العليا فلا بد ان ينظر الي السفلي فاذا مال اليها و استقر [ص 135] ميله و استمر و عمل بمقتضاه و قلل الاكل و الشرب و سائر المقتضيات من الرياضات المقررة عندهم اتصل باولئك الشياطين علي مقتضي عمله فمنهم من يتصل بشياطين الارض الثانية و منهم من يتنزل الي الطمطام و جهنم و بئس المصير و منهم من يتنزل الي تحت الثري و هؤلاء سيما الاخيرتين منهم لا خير فيهم ظلمة محضة تجري عليهم احكام الانكار و الكفر و الجحود لايرغبون الي الخير ابدا ناكسوا رؤسهم عند ربهم لكن جميع احوالهم مشابهة و مماثلة في الصورة الظاهرة بادي الامر لاحوال اهل الحق و علماء الدين كالشجرة الطيبة و الشجرة الخبيثة و هؤلاء مثل فرق اهل الضلال من الكفار و الجمهور و الصوفية تريهم يتكلمون بالاسرار و الحقائق و يفعلون خوارق العادات كل ذلك كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و هم الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا و هم يحسبون انهم يحسنون صنعا فهؤلاء عندهم من العلوم الباطلة من احكام الطغيان و الكفر و الصد عن سبيل الحق بقدر ما عند اهل الحق من العلوم و الاسرار الالهية من مقتضيات الايمان و حدود الاسلام و فيهم يقع الاشتباه للجهال لا لهم في انفسهم لكون كل منهم سائرا الي جهة غير جهة الآخر و كلا السيرين علي الاستقامة بلا اقامة و لا رجوع و ذلك يصعد و ذاك يهبط فاين موضع الاشتباه و اما اذا مال الشخص الي الباطل ميلا كليا و اعرض عن الحق اعراضا حقيقيا لكنه لميعمل ما يقتضي اتصاله بالشياطين و هذا بقي جمادا لايعرف شيئا الا ما اكتسبته (اكتسبه خ ) ببعض الكسب من الامور الصناعية اجراء للمسببات [ص 136] علي نهج الاسباب مثل حكام اهل الباطل و خلفاء الجور و قد يتوسط بين الامرين مع الميل الكلي الي الباطل و هو مثل علمائهم و قضاتهم و هؤلاء علي اقسام مختلفة حسب قربهم الي مبدئهم من الجهل الكلي و بعدهم عنه و قد يكتسب البعيد من احكام الباطل المنطبع في اسفل السافلين بالكسب و هو لايفتح له الا بعض الابواب الجزئية من تلك الخزائن السوءي كاكثر علمائهم و قضاتهم ( فضلائهم خ ) اذ ليس لهم يد طولي و باع طويل في باطلهم بخلاف المتشبثين باذيال اولئك الشياطين و المتمردين كالصوفية فان لهم ( يد طولي و خ ) باع طويل في باطلهم فمن اطلع علي هذيانات ابنعربي في الفتوحات و الفصوص و احياء العلوم للغزالي و الانسان الكامل اي الشيطان المضل لعبدالكريم الجيلاني و جامع الاسرار اي الاشرار للسيد حيدر الآملي يري صدق ما ذكرنا و سطرنا من شدة تغورهم في باطلهم و لما كان كل باطل كما ذكرنا يشابه الحق و هم ايضا زينوا ظواهر كلماتهم بزخرف القول فاشتبه الامر علي اغلب الجهال من اهل الحق بل كلهم حيث لميردوا علي حوض ولاية اميرالمؤمنين و اولاده الطيبين الطاهرين عليهم السلام و ماعرفوا حقايق مراداتهم عليهم السلام في مخاطباتهم و محاوراتهم و مكالماتهم و افعالهم و اقوالهم و سائر اعمالهم صلي الله عليهم و رأوا هذا السراب يلوح كأنه ماء سيما مع تشبث اولئك الاباطيل بمثل كلمات الائمة عليهم السلام من مثل هذه الخطبة لولا خوفي عليكم ان تقولوا جن او ارتد و قول الصادق عليه السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و قول علي بن [ص 137] الحسين عليهما السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله و امثالها مما تقدم بعض منها فيقولون ان الذي اظهرنا ما فيه توهم الكفر هو مما قالوا عليهم السلام :
فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا
و لما سمعوا مثل هذه الكلمات منهم و ماعرفوا ان قولهم هذا من القاء الشياطين في امنية الرسول و النبي و المحدث كما في قوله عز و جل و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته الآية ، حكموا بحقية مقالهم و صدقوهم في افعالهم و اقوالهم فضلوا و اضلوا كثيرا و الآخرون من الجهال حيث رأوا ما ظهر من اولئك الضلال من قبايح معتقداتهم و منكرات اعمالهم و افعالهم و لميكن لهم ضرس قاطع حتي تبين لهم الغث من السمين و الظن من اليقين و لميتعلق بهم اتصال الي الملائكة و لا الشياطين و لميتهنأوا بحظ وافر في الدين فحكموا علي كل من تكلم بالباطن و بعض الاسرار بالكفر و التزندق لانه لميتميز ( لميميز . نسخة ٢٤٤ ) بين القولين و لميعرف الماء و البول الصافيين و تعيين احدهما من البين فاذا القيت عليهم الاخبار المتقدمة فهم بين طارح و منكر لها و بين مأول اياها و بين متوقف فيها و الاصل في ذلك كله وقوفهم علي باب الخزينة الاولي و هو باب ضيق حرج لايهتدي الواقف عليه الي سعة و فسحة ابدا و لكن لما كان لله الحجة البالغة و الدلائل الظاهرة و الآيات الباهرة و الانوار [ص 138] الساطعة و النجوم المضيئة و لميدع الخلق في ظلمة عمياء و لا دهمة بهماء و جعل للخلق علم هداية و دليل رشد و ميزان قويم يعرف به الحق من الباطل و الغث من السمين و هو الائمة الهداة عليهم السلام و ما ظهر من الكتاب و السنة باوضح دلالة حتي لاتبقي لمحتج حجة و لولا ذلك لماقامت حجة الله علي الخلق و لكان للخلق حجة علي الله و هو سبحانه يقول لئلايكون للناس علي الله حجة بعد الرسل و قال عز و جل اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و قال قبله اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون فوجب ان نذكر بعض العلامات المأخوذة من سادة البريات عليهم السلام لبيان الفريقين و امتياز كل منهما عن الآخر لقطع حجة المعاند و رفع شبهة الجاهل فنقول اعلم ان لاهل الحق علامات بها يمتازون عن غيرهم فاذا وجدتها في احد فاعلم انه القرية الظاهرة التي قد امرت بالسير فيها الي القرية المباركة و تلك العلامات علي وجهين منها ما يتعلق بعلمهم و منها ما يتعلق بعملهم اما الاولي فاعلم انهم اذا نظروا في مسئلة من المسائل لاينظرون فيها حتي ترتفع ثلثة ( ثلث خ ) خصال و تجتمع خمسة ( خسم خ ) خصال اما الاولي فاولها ان يتمحض قصدهم و نيتهم في معرفة تلك المسئلة من العلم لله سبحانه ليتوصل بها الي طاعته و رضاه من عمل او قول او ظهور قدرة و عظمة يوجب كمال الخوف او نعمة و احسان يوجب الرجاء و الطمع او جلال يقهره عن نفسه او جمال يجذبه اليه و يفقده عن نفسه لينقطع الي ربه و امثال ذلك من الاحوال الراجعة الي الحق سبحانه و لايطلبها ليعاند بها العلماء و يماري [ص 139] بها السفهاء او يصرف اليه وجوه الناس او ليغزر علمه ليعرف بذلك و يشتهر به و امثال ذلك من انواع العصبية و الجدال و المراء كما تري في اغلب احوال الناس و ثانيها ان لايكون حين النظر مأنوسا بطائفة من اهل العلم او غيره فيميل ( ليميل خ ) قلبه اليهم و الي ما يقولون فان حبك للشئ يعمي و يصم و قد يكونون علي باطل و خطاء فيقع فيما وقعوا فيه بل يكون انسه بالله و ميله فيما عند الله و رغبته فيما اختاره الله سبحانه من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا و الآخرة و ثالثها ان لايكون عنده قاعدة قد اخذها من غير اهل بيت العلم علي النمط الذي نذكره ان شاء الله تعالي فان من عنده قاعدة لايأمن ان يركن اليها و يصرف العلم اليها و قد تكون باطلة فاسدة فيقع في الخطاء و الغلط كما تري الآن اغلب الناس يطرحون الاخبار الصحيحة المتكثرة و ينكرونها لمخالفتها لقاعدتهم و قد تكون القاعدة باطلة و اما الثانية من الخصال الوجودية فاولها ان يكون باقيا علي الفطرة الاصلية الاولية غير مغير لها بمتابعة الشيطان فلمتسبقه الشكوك و الشبهات و علامته ان يكون دائم النظر و التفكر في خلق الله من السموات و الارض و خلق نفسه و احواله و عظيم التحير حين ما ينظر اليها و علامة ذلك صفاء طويته و ذكاء سريرته و علامته ان لايشغله علم عن الآخر بل يكون الاشياء عنده بعضها دليلا للآخر فلايقال فيه انه كامل في علم دون العلم الآخر بل العلوم كلها عنده علي حد سواء لان الباقي علي الفطرة يري آية الوحدة في كل شئ فعين بصيرته مفتوحة فلايفرق عنده في الرؤية بين شئ و شئ كما في العين الجسمي [ص 140] اذا كانت مفتوحة يري الاجسام علي اختلاف الوانها و احوالها و كذلك عين القلب اذا كانت مفتوحة و اما الذي يقتصر علي شئ فلايعرف الآخر فهو كالاعمي الذي يعلمونه بعض الاشياء فلايعلم الا الذي علم و قولي كل العلوم عنده علي حد سواء مرادي انه عرف اللطيفة السارية في العلوم كلها و هي النقطة التي قالها عليه السلام و لايلزم ان يكون ظهورات تلك النقطة علي التفصيل كلها حاضرة عنده بلي اذا طلب كلما اراد منها وجد بمشاهدة تلك النقطة فيها و يستدل بكلها علي كلها كما مر فهم من فهم و ثانيها ان يجد لها دليلا من كتاب الله سبحانه من الآيات المحكمات التي هن ام الكتاب بحيث لايمكن انكارها و لا اعتذارها للمنصف و اما المعاند فلايقطعه الف حجة و لايتشبث في الاستدلال بالمتشابهات و هي التي لمتظهر دلالتها و المراد منها اما بنفسها او بامر خارج منها كالاخبار الموضحة لها المعينة للمراد منها و ان كانت هي علي الظاهر مجملة فانها حينئذ ليست من المتشابهات و ثالثها ان يجد لها دليلا من احاديث اهل البيت عليهم السلام كما ذكرنا في الكتاب و يجتنب عن الاحاديث التي لميقبلها الاصحاب الا اذا كانت راجعة اليها و ان لايكون لها معارض اقوي بل لايجد معارضا اصلا اذ التعارض في الاخبار امر صوري لا حقيقة له و اما تغيير المغيرين و المبدلين و سهو الساهين و الناسين في الرواية و امثالها فجعلوا عليهم السلام في ارشاداتهم قرائن و ادلة تنفيها و تثبت الامر الواقعي المراد و لولا ذلك لمااستقام قولهم عليهم السلام ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لتنقله الي شيعتنا فخذوها و صفوها تجدوها نقية صافية و اياكم [ص 141] و الاوعية فنكبوها فانها اوعية سوء هذا معني الحديث فلولا القرائن الناصبة ( الناصة خ ) لماتتأتي التصفية فان الخلق جهال لايعلمون شيئا الا ما علموهم اياه كما قال صلي الله عليه و آله ما معناه يا ابنعباس لاتجد في يد احد حقا الا بتعليمي و تعليم علي عليه السلام و الكلام في هذا المقام طويل و الاشارة كافية لمن اهتدي الي السبيل و لميتعود بالقال و القيل فمجمل القول انه لايتمسك برواية علي خلاف القانون الذي جرت العادة بين الفرقة المحقة و ( في خ ) التمسك بها فان هذه الطائفة لاتزال علي الحق حتي تقوم الساعة و رابعها ان يدل عليها العقل المستنير بنور الله و المستوقد بضياء ائمة الهدي عليهم السلام و معناه انه تربي و نشأ في شدة الاعتناء و النظر في اخبارهم مع الاعتقاد الجازم بانهم عليهم السلام لايهملون رعاياهم و غنمهم و عالما بانه حين ما ينظر و يلاحظ الاخبار هو بين يدي امامه و سيده يتعلم منه عليه السلام كما قالوا نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء و هو عليه السلام لاتمنع غيبته عن مشاهدة رعيته و اصلاح احوالهم و طرد الشيطان و الباطل عنهم كما قال تعالي و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته و هذا من عدوه فوكزه موسي فقضي عليه و قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين و قال رسول الله صلي الله عليه و آله كلما كان في الامم الماضية يكون في هذه الامة حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة و هذا هو العقل المستنير فيجب ان يكون له دليل عقلي عليها اي علي المسألة زائدا عما دل عليه الكتاب و السنة ليكون علي [ص 142] بصيرة و معرفة و خامسها ان يجد لها دليلا عيانيا شهوديا في العالم فانه كتاب اكبر كتبه الله سبحانه بيده و بناه بحكمته و رباه بقدرته و حفظه بصنعه و جعله من اعظم آياته و حث الناس بقرائته حيث يقول قل انظروا ماذا في السموات و الارض و يقول و يضرب الله الامثال للناس و مايعقلها الا العالمون ، و كاين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون ، سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ثم ان الله سبحانه بين كيفية الاستدلال بتلك الآيات فقال و ان كل لما جميع لدينا محضرون فهذا هو المدعي ثم جعل لهذا آية و دليلا ليعرف الخلق كيفية هذا الحشر و العود بعد موت الخلق و اضمحلالهم فقال سبحانه و آية لهم الارض الميتة احييناها و اخرجنا منها حبا فمنه يأكلون و جعلنا فيها جنات الآية ، ثم شرح هذه الآية في سورة ق حيث قال سبحانه و نزلنا من السماء ماءا مباركا فانبتنا به جنات و حب الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد و احيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج و القرآن مشحون ببيان هذه الاحوال و بالجملة ماخلق الله سبحانه شيئا و ماكلف العباد بامر الا و قد بينه باكمل التبيان و البيان الكامل انما يتم بالبيانين الحالي و المقالي و البيان الحالي هو العالم و المقالي هو الكتاب و السنة و كل منهما شرح و بيان للآخر و مطابق له و في صورة المخالفة يظهر بطلان الاستدلال فلاتخالف السنة الكتاب ابدا و لا العكس و لا العالم الامرين فاذا تطابقت هذه الادلة الاربعة مع عدم مخالفة الفرقة المحقة التي لازال الحق فيهم ففي مخالفتهم عدول عن الحق [ص 143] و العادل عن الحق لاينجو و مع بقاء الفطرة الاصلية الغير المعوجة و مع رفع تلك الخصال وجب ان يكون حقا و الا لكان الحق سبحانه مغريا بالباطل او مخلفا للوعد تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا اما الوعد فقد قال الله عز و جل الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و ان الله لمع المحسنين و المجاهدة في الله ماتتحقق علي اكمل المراتب الا كما ذكرنا لانه هو الطريق المؤدي الي الحق قطعا و لاتصح ان تكون المجاهدة بالادبار و الاعراض عن الحق سبحانه كما في مقابلات ما ذكرنا فيجب علي الله سبحانه الهداية و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و اما الاغراء بالباطل فلايمكن فرض وقوعه بالنسبة الي الله سبحانه مع ان الله سبحانه نص بوفاء العهد الذي عاهد من هداية المحسنين حيث قال فهدي الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق باذنه و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فاثبت الهداية للمؤمنين ثم شرح الايمان و اوضح حقيقته فيما يتعلق بالعلم او مع العمل بقوله الحق فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما و المخاطب في الظاهر هو رسول الله صلي الله عليه و آله و في الباطن هو اميرالمؤمنين عليه السلام و الاخلاص في حكم اميرالمؤمنين عليه السلام هو الذي ذكرنا لك من ملاحظة الادلة الاربعة ثم بين الله سبحانه اصابة المؤمنين فيما صاروا اليه من معتقداتهم و اعمالهم و عدم خطاهم فيما ينسبون الي الله عز و جل بقوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي [ص 144] و اياما آمنين و قال مولينا الباقر عليه السلام نحن القري التي بارك الله فيها و القري الظاهرة شيعتنا فنص سبحانه و تعالي باتباع الشيعة المؤمنين الذين هداهم الله للحق مع اختلاف الناس في الآراء و نص ايضا علي انهم لايخطؤن اذ حكم للسائرين فيهم الآخذين عنهم بالامن و لايكون الا الامن من الخطاء فاثبت صحة مجاهدتهم في الله لترتب الآثار عليهم و هي الهداية و قد قلنا ان المجاهدة في العلم لاتكون الا كما ذكرنا و كلما سواه طريق الهلاك و الوبار و سبيل الخسران و النار ثم ان كل شئ لما كان له ثلث جهات جهة الي الحق و جهة الي نفسه من حيث انه اثر لغيره و جهة الي غيره من حيث ارتباطاته لترتب نظام معيشته في دنياه و آخرته عليه و لكل مقام احكام و اقتضاءات تجري علي ذلك المقام و لكل مرتبة دليل خاص بتلك المرتبة فللثالثة دليل المجادلة و للثانية دليل الموعظة الحسنة و للاولي دليل الحكمة و في كل مقام يجب تحقق تلك الخصال كلها من الوجودية و العدمية فيكون للعارف من المؤمنين الممتحنين و الشيعة المخلصين اربعة و عشرين دليلا و ميزانا في معرفة كل شئ و في كل واحد ربما يتطرق فيه الخطاء و اما اذا اجتمعت فيمتنع ذلك لما ذكرنا فاذا عجز عن اتيان هذه الامور كلها في شئ من الاشياء و ان تمكن عنه في اغلبها و اكثرها فذلك لايوثق به و اما اذا كان في كل شئ بحيث لايشذ عنه شئ اتي بالمذكورات فهو المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و وجب علي الخلق اتباعه و الاقتداء به فيما يجهلون من امور دينهم و دنياهم و آخرتهم و عقباهم [ص 145] و هو القليل من المؤمنين و هو اعز من الكبريت الاحمر و هؤلاء الذين عندهم من الاسرار ما لايحتمله ( لايتحمله خ ) الا الصديقون و الابرار فاذا سمعت منهم شيئا فلاتقابله بالانكار و سلم الامر له تسلم بشرط تحقق الامر الثاني فيهم كما نذكره ان شاء الله تعالي فاذا رأيت فيهم ما يخالف ذلك فتبرأ منهم فانهم اعداء الدين و خصماء النبيين و خلفاؤ الشياطين هذا الذي ذكرنا هو علامة اهل الحق في العلم و اما العلامة الثانية و هي العمل و هو ان يكون جميع اعماله و اقواله كلها مطابقة لما عليه الشريعة الغراء النبوية العامة للمخلوقين كلها فلاينكر شيئا منها بادعاء ان الباطن غير الظاهر و ان هذه الاعمال لاهل الظاهر و اما المطلوب من العارفين فاخلاص القلب و لطافة السر لا هذه الاعمال المشترك فيها العوام و سائر الخلق فان ذلك من صفات الفسقة اهل الجور حيث تثاقلوا عن الطاعات بل يكون المؤمن كما وصفه اميرالمؤمنين عليه السلام بعض صفاتهم لهمام و انا اذكر الحديث ان شاء الله بطوله لما فيه من المنافع الجليلة و اظهار اهل الحق و امتيازه عن اهل الباطل ، روي الكليني باسناده عن ابيعبدالله عليه السلام قال قام رجل يقال له همام و كان عابدا ناسكا مجتهدا الي اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يخطب فقال يا اميرالمؤمنين صف لنا صفة المؤمن كأننا ننظر اليه فقال عليه السلام يا همام المؤمن هو الكيس الفطن بشره في وجهه و حزنه في قلبه اوسع شئ صدرا و اذل شئ نفسا زاجر عن كل فان خاض ( حاض ظ ) علي كل حسن لا حقود و لا حسود و لا وثاب و لا سباب و لا عياب و لا مغتاب يكره الرفعة و يشنأ السمعة طويل الغم بعيد الهم كثير الصمت [ص 146] وقور ذكور صبور شكور مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة رضين ( رصين ظ ) الوفاء قليل الاذي لا متأفك و لا متهتك ان ضحك لميخرق و ان غضب لمينزق ضحكه تبسم و استفهامه تعلم و مراجعته تفهم كثير علمه عظيم حلمه كثير الرحمة لايبخل و لايعجل و لايضجر و لايبطر و لايحيف في حكمه و لايجور في علمه نفسه اصلب من الصلد و مكادحته احلي من الشهد لا جشع و لا هلع و لا عنف و لا صلف و لا متكلف و لا متعمق جميل المنازعة كريم المراجعة عدل ان غضب رفيق ان طلب لايتهور و لايتهتك و لايتجبر خالص الود وثيق العهد وفي العقد شفيق وصول حليم حمول قليل الفضول راض عن الله عز و جل مخالف لهواه لايغلظ علي من دونه و لايخوض فيما لايعنيه ناصر للدين محام عن المؤمنين كهف للمسلمين لايخرق الثناء سمعه و لاينكي الطمع قلبه و لايصرف اللعب حكمه و لايطلع الجاهل علمه قوال عمال عالم حازم لا بفحاش و لا بطياش وصول في غير عنف بذول في غير سرف و لا بختال و لا بغدار و لايقتفي اثرا و لايحيف بشرا رفيق بالخلق ساع في الارض عون للضعيف غوث للملهوف لايهتك سترا و لايكشف سرا كثير البلوي قليل الشكوي ان رأي خيرا ذكره و ان عاين شرا ستره يستر العيب و يحفظ الغيب و يقيل العثرة و يغفر الزلة لايطلع علي نصح فيذره و لايدع جنح حيف فيصلحه امين رضين ( رصين ظ ) تقي نقي زكي رضي يقبل العذر و يجمل الذكر و يحسن بالناس الظن و يتهم علي الغيب نفسه يحب في الله بفقه و علم و يقطع في الله بحزم و عزم لايخرق به فرح و لايطيش به مرح مذكر للعالم معلم [ص 147] للجاهل لايتوقع له بائقة و لايخاف له غائلة كل سعي اخلص عنده من سعيه و كل نفس اصلح عنده من نفسه عالم بعيبه شاغل بغمه لايثق بغير ربه قريب وحيد حزين يحب في الله و يجاهد في الله ليتبع رضاه و لاينتقم لنفسه بنفسه و لايوالي في سخط ربه مجالس لاهل الفقر مصادق لاهل الصدق موازر لاهل الحق عون للغريب اب لليتيم بعل للارملة حفي باهل المسكنة مرجو لكل كريمة مأمول لكل شدة هشاش بشاش لا بعباس و لا بحساس ( بجساس ظ ) صليب كظام بسام دقيق النظر عظيم الحذر لايجهل و ان جهل عليه لايبخل و ان بخل عليه صبر عقل فاستحيي و قنع فاستغني حياؤه يعلو شهوته و وده يعلو حسده و عفوه يعلو حقده لاينطق بغير صواب و لايلبس الا الاقتصاد مشيه التواضع خاضع لربه بطاعته راض عنه في كل حالاته بنية خالصة اعماله ليس فيها غش و لا خديعة نظره عبرة و سكوته فكرة و كلامه حكمة مناصحا متباذلا متواخيا ناصح في السر و العلانية لايهجر اخاه و لايغتابه و لايمكر به و لايأسف علي ما فاته و لايحزن علي ما اصابه و لايرجو ما لايجوز له الرجاء و لايفشل في الشدة و لايبطر في الرخاء يمزج الحلم بالعلم و العقل بالصبر تراه بعيدا كسله دائما نشاطه قريبا امله قليلا زلله متوقعا لاجله خاشعا قلبه ذاكرا ربه قانعة نفسه منفيا جهله سهلا امره حزينا لذنبه ميتة شهوته كظوما غيظه صافيا خلقه آمنا منه جاره ضعيفا كبره قانعا بالذي قدر له متينا صبره محكما امره كثيرا ذكره يخالط الناس ليعلم و يصمت ليسلم و يسأل ليفهم و يتجر ليغنم لاينصب للخير ليفخر به و لايتكلم ليتجبر به علي من سواه نفسه منه [ص 148] في عناء و الناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته فاراح الناس من نفسه ان بغي عليه صبر حتي يكون الله الذي ينتصر له بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة ليس تباعده تكبرا و لا عظمة و لا دنوه خديعة و لا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن بعده من اهل البر قال فصاح همام صيحة ثم وقع مغشيا عليه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام اما والله لقد كنت اخافها عليه و قال هكذا تصنع الموعظة البالغة باهلها فقال له قائل فما بالك يا اميرالمؤمنين فقال عليه السلام ان لكل اجل لنيعدوه و سببا لايجاوزه فمهلا لاتعد فانما نفث علي لسانك الشيطان انتهي ، صلي الله علي قائله فهذه الاوصاف هي علامات لايمان المؤمن العارف بالله عز و جل فهذه ( فبهذه خ ) الاوصاف و الاعمال تصفو قابليته و تزكو سريرته فتشرق علي قلبه نور اليقين و علي فؤاده نور المحبة و علي صدره نور العلم فكلما ازداد حبا و يقينا و علما ازداد عملا و توجها و اقبالا فازداد استنارة و استضاءة لان الله عز و جل قريب المسافة فمن دعاه اجابه و من سأله اعطاه فاذا استنارت قابليته تحملت لظهورات المثال و تلك الظهورات ليست عند من كثفت قابليته و خبث اعماله فاذا تكلم مثل هذا الشخص بشئ من الاسرار فيصدق و لاينكر عليه لانه لايقول شيئا يخالف ما عليه عامة المسلمين الموحدين و ان لميدركوا وجه المطابقة كما ان مولينا و سيدنا القائم عجل الله فرجه يخبر اصحابه بتلك الكلمة فيتفرقون عنه عليه السلام سوي الوزير و احدعشر نقيبا فاذا تفرقوا و جالوا الارض و لميجدوا [ص 149] ملجأ غيره يأتونه مسلمين قابلين لعلمهم بانه عليه السلام معصوم لايخطو فكذلك اذا وجدت شيعتهم يتخلقون باخلاقهم و يتأدبون بآدابهم و لايخالفونهم باقوالهم و اعمالهم فتظهر فيهم نقطة مثالهم فيصدر عنهم مثل اقوالهم و اعمالهم في مقام لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك و هذا التصديق لايكون الا بعد الاختبار بالعلامات المذكورة مع ان المخلصين من الشيعة لميظهر منهم ما هو صريح مخالفة عقول الخلق و لايظهرون الحكمة لغير اهلها كيف و ان اذاعة سرهم عليهم السلام من افسق الفسق و هم لايتجرؤن الي مثل ذلك و اما الصوفية فيأبي الله الا ان يفضحهم و يظهر للناس شناعة احوالهم و اقوالهم و مكابرتهم مع الله و ادبارهم عنه لئلايتسلط المنافقون علي المؤمنين و لنيجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا و اذا اردت ( ان خ ) اذكر شناعة امرهم و وقاحتهم و فضائحهم عموما و خصوصا يطول به الكلام فعليك بمطالعة كتب العلماء المدونة فيهم و في صفاتهم و اعمالهم و ان تكتموا و تستروا و اخفوا قبايح امرهم فعلي الله سبحانه ان يظهرها ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة الا ان الذين غطت الشبهات اعينهم و ابصارهم بسوء اعمالهم و رداءة ميولاتهم فلايرون تلك القبايح او لايرونها قبايح يرون اقبح ما يأتونه حسنا فلايعتمد اذن فيما يقولون و يجب الاعراض عما يصفون فان ما عندهم انما اتي من الخزائن السوءي من سجين قد تصاعد اليهم بمعونة الشياطين و ان الشياطين ليوحون الي اوليائهم ليجادلوكم و ان اطعتموهم انكم لمشركون و لتصغي اليه افئدة الذين [ص 150] لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون فظهر لك بعون الله ان الصوفية او المتصوفة او غيرهم من المتعسفين لايمكنهم الاحتجاج لباطلهم بمثل تلك الاخبار السالفة و بقوله عليه السلام في هذه الخطبة و لولا خوفي عليكم اه .
و قوله عليه السلام : لاخبرتكم بما كانوا و ما انتم فيه و ما تلقونه الي يوم القيمة يريد عليه السلام بذلك احوال المبدأ و المعاد و الحال ( الحال و المآل خ ) و ضمير الجمع يعود الي من تقدم مع آدم الاول و هذا سر عزيز و باب غامض لايطلع عليه علي الواقع سواهم عليهم السلام لكن المنقطعين اليهم و الطارقين لابوابهم قد تعلموا منهم عليهم السلام شيئا يسيرا من ذلك الباب و هو جزء من مائةالف جزء من رأس الشعير مما ظهر لاهل الرتبة الثالثة اي الرتبة الانسانية فاعلم انا قد ذكرنا سابقا ان العالم الاول عالم الوجود المطلق و آدم الاول المشية و حواءه ارض الامكان الراجح و اول الاولاد او الظهورات او المهابط الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله فكانت المشية هي العرش و الحقيقة هي الماء فكان مستويا عليه اي كانت المشية ظاهرة في الحقيقة المحمدية لان المشية هي محل الامدادات و الفيوضات و التكاليف التكوينية و التشريعية فكانت هي الدين و الحقيقة هي الماء الذي به كل شئ حي و هي العلم الساري المتعلق بكل معلوم موجود من غيب و شهود كما قالوا عليهم السلام نحن معانيه و نحن علمه و نحن حقه الحديث ، فبقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض اي سموات عالم الوجود المطلق و ارضه لان كل عالم فيه العرش و الكرسي و السماء و الارض و البر و البحر ففي عالم [ص 151] الوجود المطلق العرش هو المشية و بحر الصاد و المزن و النون الذي تحت العرش هو الحقيقة المقدسة النبوية صلي الله عليه و آله و لذا اتاه الوحي ليلة المعراج ادن من صاد و توضأ لصلوة الظهر لان الظهر اول الظهور و بدو لمعان النور و السموات هم الائمة الاثنيعشر عليهم السلام حملة فيوضات العرش و امداداته كما قالوا نحن محال مشية الله و السنة ارادته و تراجمة وحيه و الارض هي فاطمة الصديقة الطاهرة عليها السلام لانها محل تلك الانوار و منبت تلك الازهار فهؤلاء عليهم السلام اول من تقدم مع آدم الاول فكان العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض ، في المشارق روي ان رجلا قال لاميرالمؤمنين عليه السلام كم مقدار ما لبث الله عرشه علي الماء قبل ان يخلق الارض و السماء فقال عليه السلام اتحسن ان تحسب قال نعم قال عليه السلام لعلك لاتحسن قال بلي اني لاحسن ان احسب قال عليه السلام لو صب خردل في الارض حتي سد الهواء و ملأ ما بين الارض و السماء ثم اذن لمثلك علي ضعفك ان تنقل حبة حبة من ( مقدار خ ) المشرق الي المغرب ثم مد في عمرك و اعطيت القوة علي ذلك حتي تنقله و احصيته لكان ايسر من احصاء عدد اعوام ما لبث الله عرشه علي الماء من قبل ان يخلق الارض و السماء و انما وصفت لك بعض عشر العشير من جزء من مائةالف جزء و استغفر الله من القليل من التحديد فان اردت بالعرش و السموات و الارض ما ذكرنا فيكون هذا التقدير تقريب ثمانين الف سنة من سني مبادي الوجود المقيد في السنين و الاعوام المعروفة بين العوام و في الحقيقة هذا تقريب للنوع و [ص 152] يحق الاستغفار بالقليل لان كل السنين و الاعوام من الوجود المقيد الذي عندنا كلها منقطعة عند نقطة من تلك السنين و الاعوام فاين يقدر تلك السعة و الفسحة بهذه الامور التي هي كالنقطة الفانية بالنسبة الي سعة العرش الذي كل السموات و الارض بالنسبة الي الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة قي و الكرسي مع المجموع بالنسبة اليه كحلقة ملقاة في فلاة قي و استغفر الله عن التحديد بالقليل ثم هذا العرش الظاهر بالماء تنزل في اطواره و شؤناته بمشية الله و قدرته الي ما لايحصي من المراتب و لايتناهي من العدد .
و قد اشير الي نوع هذه التنزلات و الكسر و الصوغ الواقفين في مراتب الوجود بقوله صلي الله عليه و آله علي ما رواه في جامع الاخبار عن النبي صلي الله عليه و آله قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان موسي سئل ربه ان يعرفه بدو الدنيا منذ كم خلقت فاوحي الله الي موسي تسئلني عن غوامض علمي فقال يا رب احب ان اعلم ذلك فقال يا موسي خلقت الدنيا منذ مائة الف الف عام عشر (عشرة خ ) مرات فكانت خرابا خمسين الف عام ثم بدأت في عمارتها فعمرتها خمسين الف عام ثم خلقت فيها خلقا علي مثال البقر يأكلون رزقي و يعبدون غيري خمسين الف عام ثم امتهم في ساعة واحدة ثم خربت الدنيا خمسين الف عام ثم بدأت في عمارتها فعمرتها خمسين الف عام ثم مكثت عامرة خمسين الف عام ثم خلقت فيها بحرا فمكث البحر خمسين الف عام فجاجا من الدنيا يشرب ثم خلقت دابة و سلطتها علي ذلك البحر فشربته بنفس واحدة ثم خلقت خلقا اصغر من الزنبور و اكبر من البق [ص 153] فسلطت ذلك الخلق علي هذه الدابة فلدغها و قتلها فمكثت الدنيا خرابا خمسين الف عام ثم بدأت في عمارتها فمكثت خمسين الف عام ثم جعلت الدنيا كلها آجام القصب و خلقت السلاحف و سلطتها عليها فاكلتها حتي لميبق منها شئ ثم اهلكتها في ساعة واحدة فمكثت الدنيا خرابا خمسين الف عام ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين الف عام ثم خلقت ثلاثين الف آدم من آدم الي آدم ثلثون الف سنة فافنيتهم كلهم لقضائي و قدري ثم خلقت فيها خمسين الف الف مدينة من الفضة البيضاء و خلقت في كل مدينة مائة الف الف قصر من الذهب الاحمر فملأت المدن خردلا الي ان سد الهواء و الخردل يومئذ الذ من الشهد و احلي من العسل و ابيض من الثلج ثم خلقت طيرا واحدا اعمي و جعلت طعامه في كل الف سنة حبة من الخردل فاكلها حتي فنيت ثم خربتها فمكثت خرابا خمسين الف عام ثم بدأت في عمارتها فمكثت عامرة خمسين الف عام ثم خلقت اباك آدم بيدي يوم الجمعة وقت الظهر و لماخلق من الطين غيره و اخرجت من صلبه محمدا النبي صلي الله عليه و آله ه ، و هذه المراتب هي مراتب تنزلات الوجود و شؤنات اطوار آدم الاول قوله تعالي خلقت الدنيا منذ الف الف عام عشر ( عشرة خ ) مرات ، يريد به و الله اعلم ما ذكرنا ( ذكرناه خ ) سابقا في كيفية تعدد العوالم و الآدميين الي الف الف من ضبط نسب تلك المراتب او لمجرد الكثرة علي ما مضي من كلام اميرالمؤمنين عليه السلام في مدة اقامة العرش علي الماء قبل خلق الارض و السماء و قوله تعالي فكانت خرابا خمسين الف عام ، يريد بالخراب [ص 154] حل الشئ مقام الخلق الاول قبل نشو الصورة و تمام الهيئة بل رتبة الحل و صلوح النسبة قبل التعين و التشخص و بالخمسين ظهور الهاء في الياء لان مقام التعلق و الارتباط مقام النون في كن اي مقام الابداع لا الاختراع لانه محل النشو و التفصيل فالمتعلق علي حسب المتعلق بكسر اللام فيحكي مثاله و اما عدد الالف فلظهور تمام التربيع فيه و هو شكل الايتلاف و الايتلاف انما يتحقق بالابداع فالمربع شكل الابتداع و المثلث شكل الاختراع و الجامع لرتبة مقام الابتداع في العدد هو الالف فلذا وقع التعبير عن هذه الحقيقة بخمسينالف عام و هذا اشارة الي اقبال العقل و ادباره فاشار سبحانه و تعالي الي كيفية بدو الوجود المقيد لظهور التركيب فيه يمكن تقدير الاوقات و الازمنة و الابتداء و الانتهاء فيه بخلاف الوجود المطلق فانه صرف البساطة فاول تنزل العقل الي مقام الروح قبل ان يكمل مقام الروح بل قبل ان يكمل العقد الاول من الحل الاول و الخراب اشارة الي محض الحل الاول و قوله تعالي ثم بدأت في عمارتها فعمرتها خمسينالف عام ، يريد بالعمارة العقد الاول و المدة كما ذكرنا لك و قوله تعالي ثم خلقت فيها خلقا علي مثال البقر ، و هو تمام الحل و العقد الثانيين و اكمال حقيقة الروح و هو البقرة الصفراء التي فاقع لونها تسر الناظرين و قد قال عليه السلام ان البقرة خلقت من زعفران الجنة و ذلك المقام في الطبيعة حار رطب و مقتضي لونه الصفرة كما هو الحق و قوله تعالي يأكلون رزقي و يعبدون غيري ، و ذلك لانه في مقام التنزل و قوس الادبار و نظر المتنزل المدبر الي الانية المشركة و الماهية الكافرة قوله تعالي ثم امتهم في ساعة واحدة ، هو امر العقل بالتنزل من مقام الروح الي الآخر و الموت و الوفاة هو الانتقال من دار الي [ص 155] دار كما قال تعالي يا عيسي اني متوفيك و رافعك الي الآية ، قوله تعالي ثم خربت خمسينالف عام ثم مكثت عامرة خمسينالف عام ، علي ما مضي من حكاية الحل و العقد الاولين و قوله تعالي ثم خلقت فيها بحرا و هو البحر الاخضر اواسط الملكوت و هو بحر النفوس عالم الذر الاول قبل وقوع التكليف عليهم كانت بحرا واحدا غير ممتاز بالصورة و الخلقة الظاهرية و الباطنية و قال تعالي كان الناس امة واحدة ، و قوله تعالي ثم خلقت دابة ، و هي الصورة التميزية و بها يدب الشئ و يدرج و يسعي الي وكره و مستقره و يستحق له اسما و رسما و صفة و احوالا و هي التي جففت البحر الذي هو الذوبان و السيلان و الصلوح لكل صورة و كل حد فتجفف و اختصت كل حصة منه بما لبسه من الصورة من السعادة او الشقاوة و قوله تعالي ثم خلقت خلقا اصغر من الزنبور و اكبر من البق ، يريد به سبحانه عالم الطبيعة انما كان اصغر من الزنبور لان المراد به النحل و هو الخلق الاول منتحل العلم و المعرفة و الادراك و عالم الطبيعة تحت الخلق الاول و مقام فقدان الادراك و الشعور فتكون اصغر من الزنبور و اكبر من البق لان المراد به عالم الاجسام ادني الموجودات و العوالم بقاء و اكثرها اضمحلالا و انقطاعا و عالم الطبيعة فوق عالم الاجسام و هي من اعالي اسافل الدهر قوله تعالي فسلطتها عليها ، يريد به بطلان تركيب النفوس و اضمحلال صورها و تشخصاتها و رجعت كما كان اولا اما بحر الماء او بحر التراب قوله تعالي ثم جعلت الدنيا كلها آجام قصب ، يريد به عالم المواد و جوهر الهباء و انما هي اجمة لانها آخر المجردات [ص 156] ليست بتجرد الارواح و العقول و لا بكثافة الاجسام كالاجمة ليست بكثافة الارض و لا بلطافة الماء الخالص و القصب هو ذكر الصور و الهيئات الكامنة فيها المستأهلة لظهورها لكن لما كانت جهة التجرد فيها غالبة خرجت علي هيئة القصب من الميل الي الاعلي و الظهور بالعقود التي هي نقوش مراتب ما مضي عليها من الاحوال و لما كان الاختلاف الصوري فيها منتفيا ظهرت كلها قصبات قوله تعالي ثم خلقت السلاحف و سلطتها عليها فاكلتها ، ذاك ( ذلك خ ) عالم المثال لغلظة ظاهره و قشره لارتباطه بعالم الاجسام مقام النقش و الارتسام و هو حجاب اسود غليظ و رقة باطنه لكونه متوجها الي العالم الاعلي بذاته و حقيقته و كيفية الاكل كما ذكرنا آنفا من غيبة كل مادة في بطن الصورة قوله تعالي ثم اهلكتها في ساعة واحدة ، يريد به تمام حكمه و اضمحلال تأثيره من حيث نفسه و الصعود الي رتبة اعلي و هي ( هو خ ) مقام التركيب الاول في الحلين و العقدين قوله تعالي ثم خلقت ثلاثينالف آدم من آدم الي آدم ثلاثينالف سنة ، يريد به ظهورات المراتب التي كانت في القوس النزولي و كانت مستجنة في المادة فهي الاصول التي عليها مدار الوجود و هي القلب و الصدر و العقل و العلم و الوهم و الوجود و الخيال و الفكر و الحيوة و الجسد كل منها في ثلاثة ( ثلاث خ ) مراتب عليا و وسطي و سفلي اي نسبته الي مبدئه و الي نفسه و الي غيره و كل اصل آدم له اولاد تنشعب ( تشعب خ ) منه كما ذكرنا فيما تقدم مفصلا قوله تعالي فافنيتهم كلهم ، يريد به اضمحلال ذكرهم و نسيان امرهم حيث ابتدأ بخلق الاجساد و القشور فلا ذكر لها فيها فان تلك [ص 157] مراتب الاقطاب و ما بعدهم مراتب الدوائر و الكراة المستديرة عليها قوله تعالي ثم خلقت فيها خمسينالفالف مدينة اه ، يريد به خلق السموات و الارض لانها مدينة للآدميين كلهم و انما كانت خمسين لاشتمال كل من السموات علي المتممين و الخارج المركز و التدوير و الممثل الذي هو المجموع و هذه الخمسة اذا ضرب في نفسها عند ملاحظة نسبها و اوضاعها تكون خمسة و عشرين و هي اذا ثنيت بالغيب و الشهادة تكون خمسين و اما الالف فلما ذكرنا من ان هذه السموات مظاهر الابتداع و شكله التربيع و الجامع لهذه الرتبة هو الالف في الاعداد و لذا قال من الفضة البيضاء قوله تعالي فملأت المدن خردلا و الخردل هو مواد الفيوضات و الامدادات الجسمانية الكامنة في المبادي العالية من السموات و الطير الاعمي هو الحد الجسمي المفني لظهور تلك الحبوب فتغيب الحبة بحكمها و ظهورها في ذلك الحد و كونه اعمي لجموده و عدم مشاهدته للانوار العالية لانه مظهر الاسم المميت قوله تعالي ثم خربتها ، اشارة الي الحل للتركيب الثانوي في مقام التوليد الجمادي و النباتي و الحيواني و الانساني فالعمارة هي العقد الاولي من ذلك الحل قوله تعالي ثم خلقت اباك آدم اه ، يريد به اول ما نشأ و ظهر من التركيب الثانوي في الحد الجسمي في الكون النوري و يداه سبحانه فاليمني بها مبدأ النور و الخير و اليسري بها مبدأ الظلمة و هما قد عجنت في طينة آدم عليه السلام وقت الظهر هو ظهور المبدأ و بدو وجود الشئ و قوله تعالي و لماخلق من الطين غيره ، هو دليل ما ذكرنا من [ص 158] التفسير بعد ملاحظة الترتيب فتلك المراتب المتقدمة كلها انوار و ارواح مجردة و الماديات ايضا انوار لمتخلق من الطين و المراد منه الطين المركب من العناصر الاربعة المعروفة لا المجردات من عناصر هورقليا و جابلصا و جابلقا و هذه المراتب هي مراتب اطوار آدم الاول في عالم الوجود المقيد و اما آدم الاول في عالم الوجود المطلق حامل لاسم ( الاسم خ ) الاعظم فقد تطور بحمل الاسماء من القدس و الاضافة و الخلق ثم ظهر في اسم الرحمن فكان عرشا لاستوائه عليه ثم ظهر في حجاب الملائكة العالين ثم تجلي للكروبيين فظهر لهم بهم حتي عرفوه و تلقوا منه و لقنهم ما حمله ربه من اسرار الرياسة الكلية و الجزئية ثم لبس لباس الانبياء و ذلك اللباس هو المثال الملقي في هويتهم و ذلك بدن نوراني لا روح له ثم ظهر في الحجاب الاسفل رتبة الانسان و تقلب في صورهم حيث شاء الله من اول ظهور آدم الي خاتم الانبياء عليه و عليهم افضل الثناء و الصلوة فصارت الهياكل هياكله و الاشباح اشباحه و الصور صوره و المواد مواده و الاضافة في هذه الاشياء كلها لامية و اريد بها التمليك و الاختصاص لا الحقيقة كما ان السراج المتجلي في المرايا يكون كل تلك الصور و الاشباح الظاهرة فيها للسراج ثم ظهر لفرعون لابسا لباس الذهب و قابضا برمح من الذهب لما اراد فرعون ان يقتل موسي و هرون فمنعه عن قتلهما ثم ظهر لسلمان في حال طفوليته لما اراد السبع ان يفترسه فنجاه منه باذن الله ثم ظهر لفاطمة بنت اسد قبل بلوغها و حال طفوليتها و نجاها من السبع ثم ظهر لطلحة بن عبدالله بما ظهر و قتله حتي [ص 159] قال طلحة لمن كان عنده اماتراه كيف يصعد الي السماء و ينزل الي الارض و يذهب الي المشرق و المغرب و يقاتل بالسيف و يرمي بالنبل و يقول مت يا عدو الله فيموت في ساعته ثم ظهر لجبرئيل عليه السلام حين سأله ربه من انا و من انت و ما اسمي و ما اسمك و لميدر الجواب فقال (ع) له قل انت ربي و انا عبدك اسمك الجليل و اسمي جبرئيل ثم ظهر بالكوكب الذي يطلع بعد ثلثينالف سنة و قد رآه جبرئيل ثلثينالف مرة في جبهته الشريفة ثم تلك العوالم و المراتب المتقدمة في الحديث من المخرب لها و العامر لها في تلك المدد المتطاولة و الله سبحانه لايباشر الاشياء لانه مكرم عن ذلك و اخبر الله سبحانه بالمقوم المباشر حيث قال و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه القبضة باليد و هي علي عليه السلام و اليمين هو علي عليه السلام فاذا كانت السموات و الارض مقهورة و مضمحلة و مطوية عنده و لديه فما ينكر منه مثل ما ذكرنا لا بل الامر اعظم و اعظم و اعظم فلاينكر ما ذكرنا الا المنكر لقدرة الله و عظمته و كرامة الله في اوليائه كل ذلك منة من الله سبحانه عليه و كرامة منه اليه لان الله اعلم حيث يجعل رسالته و ما طوينا و كتمنا من الاسرار خوفا من الاشرار اكثر مما سطرنا تذكرة لاولي الابصار و تنبيها لاهل الاعتبار و هذا و اشباهه من المراد من قوله عليه السلام لاخبرتكم بما كانوا اي آدم الاول مع من تقدم و قد اشرنا الي نوع ما صاروا اليه مجملا في عالم الذوات و قس عليه الصفات و حكم الوجودات الشرعية من الاعمال و اجرائها حسب الاحكام و اجراء [ص 160] الاحكام حسب القوابل و اظهار نقطة العلم اللدني العرفاني في مرتبة الشرايع فكانت ستة كلية تشهد بمثناها علي تمام حروف لا اله الا الله و تمام الدورة الشمسية في البروج و السنة القمرية في الشهور فالشريعة واحدة و النبي واحد و الوصي واحد و الكتاب واحد و الاختلاف بالقابليات كما قال عز و جل ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و الانبياء نواب وكلهم لاتمام الكلمة و اتمام ظهور النعمة التي ان تعدوها لاتحصوها و الكلمة هي الكلمات التي لو كان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت و هي الكلمات التامات التي لايتجاوزهن ( لايجاوزهن خ ) بر و لا فاجر و هي الكلمات التي تلقيها آدم فقبلت توبته و هي الكلمات التي ابتلي بها ابرهيم فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما و هكذا الكلام في مقامات كيفية خلق آدم ابينا و حواء امنا و دخولهما في الجنة و سجود الملائكة لآدم و انكار ابليس و اغوائه اياهما و اخراجهما عن الجنة و قتل قابيل هابيل و تزويج الجنية و الحورية من شيث و يافث ابني آدم (ع) و هلم جرا من الاحوال الواقعة الي زمان ظهوره و كل ذلك آيات و ادلة له عليه السلام اقامها الله سبحانه به لانه روحي فداه يد الله الباسطة و رحمته الواسعة و نعمته السابغة و نقمته الدامغة و عينه الباصرة و اذنه السميعة و لسانه الناطق المعبر عنه و اسمه الرضي و وجهه المضيء و صراطه العلي و ركنه القوي و لطفه الخفي و سره المخفي و عبده المرضي فاذا كان كذلك فلايبعد منه ما ذكرنا عنه تلويحا و اشارة و تصريحا بل الامر اعظم .