الاول حكاية الاضمحلال و عدم الاستقلال لنفسه لانه عليه السلام جابر الكسير و متمم النقصان في التكوين و التوصيف في التشريع لان الولاية الكلية هي النقطة التي عليها المدار في كل الاكوار و الادوار و هي الربوبية اذ مربوب كونا و عينا و ذكرا فكل شئ انما تشيأ بها في جميع مراتب كينونتها كما قال عليه السلام اذ كان الشئ من مشيته و قد سبق منا مرارا ان الامام عليه السلام هو حامل الولاية و محل المشية فوجه الاشياء كلها اليه و استمدادها منه فلولا انه عليه السلام يصف نفسه بالحدوث و الفقر و الاستمداد من الغير لكان الخلق كلهم ناظرين اليه عليه السلام نظر [ص 98] استقلال و متوجهين اليه بالعبودية فوجب عليه عليه السلام البيان في كل مراتب الاكوان حتي يفرق الناس بين الوجه و ذي الوجه و اليد و ذي اليد و لذا لما ظهرت انواره عليه السلام و اشرقت و تلألأت في عالم الانوار فظنت الملائكة انها نور الله عز و جل فسبحوا الله و حمدوه لتعلم الملائكة انهم عبيد كما رواه الصدوق عن عبدالسلام بن صالح الهروي عن علي بن موسي الرضا عن آبائه عليهم السلام عن علي بن ابي‌طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ماخلق الله خلقا افضل مني و لا اكرم عليه مني قال علي عليه السلام فقلت يا رسول الله فانت افضل ام جبرئيل فقال صلي الله عليه و آله يا علي ان الله تبارك و تعالي فضل انبياءه المرسلين علي الملائكة المقربين و فضلني علي جميع المرسلين و الفضل بعدي لك يا علي و للائمة من بعدك و ان الملائكة لخدامنا و خدام محبينا يا علي الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون للذين آمنوا بولايتنا يا علي لولا نحن ماخلق الله آدم و لا حواء و لا الجنة و لا النار و لا السماء و لا الارض فكيف لانكون افضل من الملائكة و قد سبقناهم الي معرفة ربنا و تسبيحه و تهليله و تحميده لان اول ما خلق الله عز و جل خلق ارواحنا فانطقنا بتوحيده و تحميده ثم خلق الملائكة فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة ان لا اله الا الله و انا عبيده و لسنا بآلهة يجب ان نعبد معه او دونه فقالوا لا اله الا الله فلما شاهدوا كبر محلنا كبرنا لتعلم الملائكة ان الله اكبر من ان ينال عظيم المحل الا به [ص 99] فلما شاهدوا ما جعله الله لنا من العز و القوة قلنا لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم لتعلم الملائكة ان لا حول و لا قوة الا بالله فلما شاهدوا ما انعم الله به علينا و اوجبه لنا من فرض الطاعة قلنا الحمد لله رب العالمين لتعلم الملائكة ما يحق لله تعالي ذكره علينا من الحمد علي نعمه فقالت الملائكة الحمد لله فبنا اهتدوا الي معرفة توحيد الله و تسبيحه و تهليله و تحميده الحديث ، و هذا القول و التعليم هو نقش ما في حقائق الملائكة و سائر الخلق من سر التوحيد و انهم باب الله و وجهه الذي اليه يتوجه الاولياء كما مثلنا سابقا باسم الفاعل المشتق من الفعل المعمول له لكن في اسم الفاعل ليس الا ذكر المبدأ دون الفعل فلولا تلك اللطيفة المودوعة في اسرار الخلق لمااهتدي احد الي معرفة الله سبحانه و لقصدوهم بالعبادة و الطاعة و هو قوله عليه السلام بنا عرف الله و بنا عبد الله و لولانا ماعرف الله و لاعبد الله هذا الحكم التكويني و اما الحكم التوصيفي التشريعي فكما في هذه الخطبة و امثالها من الكلمات مهما اظهر عليه السلام من سر الولاية شيئا قارنه بما يلزم منه العبودية و الامكان و الحاجة ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و لذا قال عليه السلام و لقد كيف لي اي وصف لي و حكي لي هذه المقامات فالمكيف هو رسول الله صلي الله عليه و آله عن الله عز و جل فكلما يأتي اليه صلي الله عليه و آله علي وجه العموم و الاجمال و الابهام و اللاكيفية يكيفه النبي صلي الله عليه و آله بكيفية تفصيلية لعلي عليه السلام كالعرش للكرسي فان الفيوضات اولا ترد علي العرش علي جهة الاجمال و عدم التميز فكيف ( فيكيف . نسخة ٢٤٤ ) العرش للكرسي بكيفيات مخصوصة و حدود معينة في البروج و المنازل و الصور و الدوائر العظام و الصغار و كالنقطة للالف و هي للحروف و الكلمة [ص 100] فاثبت بهذا ان لا استقلال له بذاته فيما يرد عليه من الاحوال و هو المطلوب كما اشار عليه السلام بقوله انا ذات الذوات فاثبت ان الذوات كلها اعراض لا تجوهر لها و لا تحقق لها بانفسها الا بي و لما كان في هذا القول احتمال توهم الاستقلال صرح بالمراد بقوله عليه السلام انا الذات في الذوات للذات فاثبت انه عليه السلام ملك و مملوك للذات الثابت المستقل سبحانه و تعالي و هذه الطريقة هي صفة الكينونة الالهية الظاهرة في الرتبة الاحمدية المفصلة في الحقيقة العلوية حيث يقول عز و جل فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم و هذا التكييف في كل مقام و كل عالم بحسبه و مقتضي رتبته من العوالم الالف‌الف و غيرها مما احاطت به دائرة الوجود .

الامر الثاني هو ان الاشياء من العلوية و السفلية في السلسلتين من الطولية و العرضية لاتدرك و لاتفهم شيئا من احوال الدنيا و الآخرة باي نحو يفرض الا اذا وصفه الله عز و جل لها و كيفها له و علمه اياها لان النور و المدد و الفيض الذي هو العلم انما هو من جهته سبحانه قائم بمدد فعله قيام صدور و تحقق فلو انقطع عنها لانعدمت فالله سبحانه هو الذي يعرف الاشياء انفسها و خالقها و ما لها و عليها كما قال عز و جل فالهمها فجورها و تقويها و قال ايضا سبحانه و علي الله قصد السبيل و هو من معاني قوله تعالي و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فالعلم المطلق سواء تعلق بكينونة الخالق او كينونات ( بكينونة خ ) المخلوقين فانما هو لله عز و جل يعلم من يشاء بما يشاء كيف يشاء و الخلق في مراتبهم و مقامات وقوفهم و لواذهم بباب ربهم [ص 101] يسألون منه سبحانه العلم بالسنة اعمالهم و افعالهم و احوالهم و اقوالهم و هو سبحانه يعطي كل ذي حق حقه من الجزئية ( الخزينة خ ) الخاصة به و يكيف له ما يناسب مقامه و يفيض عليه من الباب الذي توجه به اليه سبحانه فمن كان واقفا في مقام الاجسام و لازما لرتبة الجماد حسب عمله ( علمه خ ) بالاستعداد لايكيف الله عز و جل له الا بالجمادات فلايدرك قلبه الا ما ابصرت عيناه و سمعت اذناه و شمت منخراه و ذاق بلسانه و لمست جوارحه و اركانه و هم الذين قست قلوبهم فهي كالحجارة او اشد قسوة و من كان واقفا في مقام النفس و رتبة الصور و الهيئات و اشغلته الكثرات و الهيئات ( الهته خ ) فلايكيف له الا الصور و الهيئات و المقادير المجردة و الاشباح و الهياكل و ليس كلما اراد الواقفون في المقامين وجدوا بل اذا اراد لمن اراد ما اراد من الصور علي مقتضي الكينونة و من كان واقفا في مقام القلب و رتبة اللب و سائلا من الله سبحانه المدد من الانوار العقلانية و النفحات الروحانية يفيض سبحانه اياها عليه و يكيفها له بالكيفية الوحدانية ( الوجدانية خ ) من الصور الكلية و الهندسات المعنوية و هؤلاء الذين طلبوا معرفة المخلوقين و ان كانت السنتهم المقالية الكاذبة تطلب معرفة الخالق فان الذي يطلب معرفة الله بدليل المجادلة الذي هو مقام النفس او دليل الموعظة الحسنة الذي هو مقام القلب فانما طلب معرفة الممكن المخلوق لان تلك الادلة لاتقدر الا مخلوقا و ان كان بعضها اشرف من الآخر و من كان واقفا مقام الفؤاد و لائذا بباب المراد و قد هاجت له ريح المحبة المستدعية للاستظلال و الاستيناس في ظلال المحبوب و ايثار محبوبه علي ما سواه فهذا هو طالب المعرفة الالهية و الاسرار الاسمائية و الصفاتية و لما كان هو طالبا للعلم بالله اكرمه الله عز و جل و علمه و كيف له حقيقة معرفته بعدم الكيفية و عدم المثال و علمه حقائق المخلوقين و احوال جميع مباديهم و شرائطهم و لوازمهم و ما يوصلهم و [ص 102] ما يقطعهم و ما يصلحهم و ما يفسدهم و ما يؤل اليه امورهم و هذا الواقف قد فتح له الباب و اذن له النواب فلايمنعه ( فلم‌يمنعه خ ) البواب فيستمر عليه الفيض من جناب الحق عز و جل و لا نفاد و لا انقطاع ان هذا لرزقنا ما له من نفاد و في الحديث القدسي حديث الاسرار كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و هذا التكييف عبارة عن كتابة كون ذلك الشئ في رق مكانه و زمانه و الكتابة عبارة عن نقش وجود الشئ علي ما هو عليه فيما يصلح له فان كان المكيف بفتح الياء معرفة الله جل اسمه فهو عبارة عن ظهور التوحيد في حقيقة الشئ و ظهور التوحيد عبارة عن القاء مثال من المثل الاعلي و احتجاب ذلك المثال بحجب الكينونة و المجموع اي المحتجب و الحجاب حقيقة الشئ و ظهور التوحيد و المعرفة انما هو في المثال و هو الجهة العليا من الشئ و وجه الله ذو الجلال و هو مقام الاحدية و ان كان المكيف بفتح الياء اسماء الله و صفاته فهي منتقشة و موجودة في رتبة الواحدية و هي عبارة عن ظهور المثال بوجهه في مرآة الجلال بعد ما كان مصونا بنور الجمال في غيب الوصال و وجهه الي كل مرآة اي متعلق ظهور اسم و صفة و ان كان فعل الله و مشيته فهو منتقش في لوح السرمد و مكان الامكان و ان كان اثر فعل الله فهو منتقش و مكون في المتوسط بين السرمد و الدهر و وجهه الاعلي ناظر الي السرمد بل فيه و السفلي ناظر الي الدهر بل فيه و هو ملتقي البحرين لكن كيفه و هيئته الانبساط و الشمول و الاحاطة و عدم النهاية و هو و ان كان انزل رتبة من المشية لكنه قد ظهر حاكيا لها [ص 103] و دليلا عليها و هو عام واسع لعموم ( كعموم خ ) قدرة الله عز و جل و ان كان القلم فهو في لوح المعاني و رق الدهر اعلاه و ان كان اللوح فهو مكتوب في لوح الصور و اوسط الدهر و ان كان الاجسام فهي منتقشة و مكتوبة في لوح الزمان و رق المكان و قس عليه سائر المقامات و المكيف له ان كان اعلي من المكيف بالفتح فهو منقوش بجميع مراتبه علي ما هي عليه بتوسط قلم ذلك العالي و مداد نوره في اقليم ظهوره فهو حاضر لديه حاصل عنده في ملكه متقوم بيد قيوميته و ان كان اسفل منه فهو منقوش في حقيقة ذاته البسيطة قبل التركيب بحدود قابليته فلايصل اليه الا اذ ( الي خ ) حل التركيب و وصل مقام البساطة و ان كان مساويا له فهو منقوش في مراتب كينونته اي في حقيقة ذاته المركبة من الحدين فيصفه بما يقرأ من حروف نفسه و حدود ماهيته و لا ثالث في اقسام المكيف له و ادراك السبب الاعظم هو من القسم الاول فقد كيف له كل شئ من البدو الي العود الي ما لا نهاية له في مقام الظهورات و التجليات و الآثار و الشؤنات فلايخفي عليه شئ في الارض و لا في السماء و هذا هو المراد من قوله تعالي مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم من جهة مفهوم المخالفة .

الامر الثالث ان ما من الله عز و جل لم‌يزل مقدما علي ما من الخلق فلايتصور رتبة في الخلق اي في السوي الا و قد سبق فيها شأن من شؤن الربوبية يكون ذلك الشأن مقوما لذلك الشئ في الصدور و التحقق و الا لكان قديما غيره مستقلا بنفسه فيتحقق بذلك تعدد القدماء فلايمكن القول بان القابليات يجب ان تكون موجودة قد سطع عليها نور [ص 104] الوجود فقبل كل منها ما اقتضته من الاعوجاج و الاستقامة و الشيقي ( فالشقي خ ) شقي بقابليته المتحققة قبل ظهور نور الوجود و كذلك السعيد و لم‌يتعلق بتلك القابلية جعل و ليس لله فيه حكم و انما القابليات هي الاعيان الثابتة المستجنة في غيب الذات الحق عز و جل و شؤن ذاتية له و ذاتيات الحق لايقبل الجعل و التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان كما هو مذهب اكثر الصوفية و قد صرح بذلك الملا محسن في كلماته ( الكلمات خ ) المكنونة و لا شك ان هذا القول باطل لا سبيل فيه الي الحق لان القابلية التي هي الاعيان الثابتة ان كانت هي عين الله سبحانه و تعالي فلايتصور الاختلاف فيها في حد ذاتها و ظهوره بالوجود لان ذات الله سبحانه لايختلف و لايتغير و لايتبدل و ان كانت غير الله فهل هي حالة في ذات الله او في غيرها فان كانت في ذات الله تعالي الله سبحانه فكان محلا لها و هو يستلزم التأثير و الانفعال و ان كانت في غيره سبحانه فقديم آخر سواه و بالجملة هذا القول لاينطبق علي قواعد اهل الاسلام و لا الاصول المقررة عن اهل البيت عليهم السلام و لذا عبر اميرالمؤمنين عليه السلام في هذا المقام مما ( بما خ ) هو صريح الرد عليهم حيث قال عليه السلام و لقد كيف لي فعرفت التكييف و نسبه الي غيره ثم اتي بالفاء التعقيبية في القبول للدلالة علي ان القابلية مؤخرة عن المقبول و المخاطب مؤخر عن الخطاب بل ليس الا نفس الخطاب الواقع علي الحد الخاص في رتبة من المراتب و ذلك الحد هو القابلية و هو ( هي خ ) امر عرضي لا قوام له الا بذلك الخطاب فقوام المخاطب بالخطاب و ظهور الخطاب بالمخاطب و هو السر في كن فيكون و وقوع [ص 105] الخطاب علي المخاطب هو السر بين الكاف و النون لكن في هذه المسألة سر دقيق لاينكشف الا بنور التوفيق و الهداية بالاعتصام بعروة اهل بيت العصمة و الطهارة و لااحب شرح هذه المسألة في هذا المقام لادائه الي ما لايحسن من الكلام فان سر الخليقة ابي الله ان يطلع عليها الا الخواص من الاعلام فلا حظ فيه لغيرهم من العوام مع انا قد اشرنا اشارة مجملة و لوحنا التلويح التام لمن يفهم الكلام .

الامر الرابع ان حكم الله سبحانه علي كل المخلوقات واحد و فيضه لكل الممكنات عام فلا تفاوت بين خلق و خلق في اصل الافاضة و الاعطاء و الفيضان كما قال عز و جل و ما امرنا الا واحدة لانه سبحانه واحد و فعله واحد و اثر فعله واحد و لو جوزنا صحة صدور الكثرات من الواحد من جميع الجهات فلا موجب لذلك اذا كان المصدر البديع حكيما لكن لما كان جريان فيضه ( فعله خ ) تعالي من بدو الامر الي عوده الذي هو عين البدو علي جهة السؤال و الطلب و النداء من غير الاضطرار و المنع ليأخذ النصيب من فيضه سبحانه كل من علي حسب شهوته و اختياره و ارادته لئلايكون للناس علي الله حجة اختلفت الموجودات بالشرافة و الكثافة و القرب و البعد و التابعية و المتبوعية باختلافهم في التلبية و الاجابة في التكوين و التشريع فمن لبي اولا توجه ذلك النور الاعظم و الفيض الدائم الاقدم اليه فحبسه بالتلبية لديه فكان سراجا وهاجا قابلا لما يفاض عليه من فوارة النور و عارفا لما يلقي اليه من الاسرار و المعارف غير معوج الفطرة بل علي الاستقامة الكاملة الحقيقية التي لا اكمل منها فيعرف بذلك جميع اسرار [ص 106] المبدأ و المعاد و يبلغ به منتهي المقصد و المراد فيتسع قلبه جميع المرادات الالهية من الخلق علي ما قال تعالي في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن ه‍ ، و هذا المؤمن هو اول من آمن بالله و لبي نداء اني انا الله فبصفاء القابلية و نورية الطوية و السريرة التي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار عرف ما كيف الله تعالي له من العلوم و الاسرار بنفس تلك العلوم الحاصلة عند التلبية فسبق هذا العارف بمعرفته الحاصلة من الله سبحانه بصفاء قابليته ( القابلية خ ) المسببة عن سرعة اجابته لدعوة ربه الخلق كلهم في العلم و المعرفة و كذلك المراتب انما اختلفت بذلك عند من يفهم الكلام فالامام عليه السلام انما نبه علي السر اهله بهذه الدقيقة باني مانلت هذه المرتبة و مافزت بهذه الدرجة لنسبة بيني و بينه تعالي سبحانه و تعالي عن ذلك علوا كبيرا و ليس انه جبرني بذلك كلا و حاشا و هو اكرم و اعظم من ذلك و لا اني مستقل في ذلك و الله اجل و اعظم من ذلك ليستقل في ملكه غيره و انما هو منة من الله علي بالعطية قبل الاستحقاق و انا قبلت ذلك منه بتوفيقه و لولا قبولي لم‌اصل الي ما وصلت و لولا عطيته لم‌اكن شيئا و لم‌اعرف حرفا فهو عز و جل كيف لي و انا عرفت ما كيف و الا فالتكييف واقع و ليس انه سبحانه كيف لي دون غيري و انما هو تكييف وحداني سار في جميع الذرات و لكني عرفت ذلك دون الخلق كلهم فسبقتهم بالعلم و المعرفة و اليقين علي حسب قبولي و طاقتي ( طاعتي خ ) فالقبول له مدخلية تامة في وجود الشئ و لولاه لم‌يوجد كالانكسار للكسر و من هذه الجهة سبق [ص 107] آدم علي الملائكة لما علمه الله سبحانه الاسماء فتعلم و ماقدرت الملائكة ان تتعلم من غير واسطة البشر فامر آدم عليه السلام بانبائهم اياها فتعلموا عن الله بواسطة آدم عليه السلام و ليس ذلك الا لتقدم آدم عليه السلام بالاجابة و التلبية و تبعية الملائكة اياه و لذا سجدوا له و تعلموا منه علي ما تقتضي رتبتهم و تطيق كينونتهم و ذلك لتقدم قابلية آدم عليه السلام علي قابلية الملائكة و هذه القابلية لم‌تكن شيئا قبل وجود المقبول و انما هي وجدت حين وجود المقبول ( القبول خ ) بوجود المقبول كما ذكرنا و الي هذه الدقيقة اشار عليه السلام بقوله و لقد كيف لي فعرفت و علمني ربي فتعلمت ، فاثبت بذلك الامر بين الامرين و ابان عن وجه الجمع بين كل الكلمات المتنافية كما يعرفه اهله من اهل الاستيضاح و الحجة .

الامر الخامس اشار بقوله عليه السلام : و علمني ربي فتعلمت اشار بالتعليم الي تمكين القابلية و انه من شرط وجود الشئ و هو من جهة الفاعل لا من جهة القابل فان تحقق وجود الشئ يتوقف علي امور الاول الفاعل الثاني اثر فعل الفاعل الذي هو المقبول الثالث القابل الرابع نسبة المقبول الي القابل الخامس نسبة القابل الي المقبول السادس تمكين القابلية لصلوحها لقبول فعل الفاعل كالنار المتعلقة للدهن للاستضائة فان الدهن بكثافته لم‌يستأهل لقبول النور و الاستضاءة فالنار تكلسه و تلطفه و تزيل اوساخه تمكينا لقابليته و اصلاحا لها للقبول و المراد بتمكين القابلية تخلية السرب و رفع الموانع بينه و بين اثر الفعل فاظهار العلم اي النور الوحداني النقطة الحقيقية التي كثرها الجاهلون هو رتبة المقبول و الحدود المشخصة و الظهورات المعينة الخاصة بذلك العلم و مكث ذلك العلم في تلك الحدود رتبة القابل و رفع الموانع و عدم الحيلولة [ص 108] بين العالم اي القابل المستأهل للعلم و علمه الخاص به هو تمكين القابلية و هو المسمي في عرف العلماء بالتعليم و هذا التمكين الذي هو التعليم علي انحاء مختلفة و اطوار متشتة و يجمع الكل الدليل لارائة السبيل فالدليل من تمام القابلية فما من الله سبحانه ( و تعالي خ ) اولا و بالذات اربعة امور لا دخل للعبد فيها شئ ان وجد في شئ ( الشئ خ ) هذه الاربعة فيريد الفاعل ( فيريده الله الفاعل خ ) سبحانه و الا فلا و اثنتان منها للقابل اي من الله سبحانه و تعالي بالعرض لا بالذات و لاتكملان الا بتلك الاربعة و بالمجموع اتمام الشئ فلو اخل بواحد منها لم‌يحصل الشئ و هذا هو السر في الامر بين الامرين و سر تعقب الاشياء بعضها عن بعض و سر الاختلاف مع تساوي نسبة الباري بكل مخلوقاته و سر الابتداء الزماني و انتهائه فان الفيض الاول دائم قائم لا تعطيل له فلايعرف له اول و لا آخر و لكن المفاض عليه في اصل تحققه او لعدم استيهاله اول المرة لقبول الفيض يتقدم و يتأخر و كذلك ظهور الفيض فهم من فهم .

الامر السادس اشار عليه السلام الي مقامه و مرتبته في التلقي في التكوين و التشريع فان مقام الخلق مقامان الاول مقام الاجمال و الابهام و العماء و اللاتعين و هو مقام النقطة الحقيقية الغير المتطورة بالاطوار الغير الظاهرة بالانوار قد غشيها نور وحدة المبدأ و صفة كينونته فزاغت عنها الابصار و انحسرت دونها الافكار و صفت عن كل الاكدار و زالت عنها كل الاغيار فهي عماء محض و نور بحت و وجه الحق للاسماء و لها القيومية المطلقة لكن اذ لا متقوم فلا كيف في هذا المقام و لا حد و لا اشارة نعم له [ص 109] كيفية باطنية و اينية غيبية لاتتميزها العقول و لاتكتنهها الاوهام الثاني مقام التفصيل و الانبساط و التمييز و التعين و ظهور الآثار الفعلية و نشو الاسماء الحسني و الصفات العليا و بروز التعلقات و الاسماء المتقابلات و لا شك ان في الكون الاول لا وجود الا لمحمد و علي عليهما السلام و لا شك ان محمدا صلي الله عليه و آله هو الافضل و الاقدم و الاسبق فيكون مقامه صلي الله عليه و آله مقام النقطة مقام الابهام و عدم التكييف و لا شك ان عليا عليه السلام هو التالي له صلي الله عليهما و لا فصل بينهما بشئ ابدا و هو عليه السلام اقرب الاشياء اليه صلي الله عليه و آله و الله جل اسمه سماه نفسه فيكون المقام الثاني مقام التفصيل و التعيين و التمييز و الاختلاف مقام علي عليه السلام و هو قوله تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و قال النبي صلي الله عليه و آله مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، فمقامه عليه السلام مقام التكييف و التوصيف و الانبساط و لذا قال عليه السلام و لقد كيف لي فهو عليه السلام في عالم الوجود المطلق في مقام الالف و النفس الرحماني الاولي و الازلية الثانية و السر المستسر بالسر و في عالم الوجود المقيد من الخلق الاول خلق الانوار في مقام النفس الكلية و في الخلق الثاني خلق الاجسام في مقام الكرسي و في مقام السموات في مقام القمر و هكذا مقامه عليه السلام كما ذكرنا مرارا في مقام الصفة و ظهور الربوبية اذ مربوب كونا و عينا و هو مقام الانبساط و الانتشار و التفضل ( التفصيل . نسخة ٢٤٤ ) و لذا قال عليه السلام كيف لي فان التكييف توصيف و تحديد و [ص 110] ان كان يطلق علي محض الصفة وحدها من غير كيف الا انه ليس من اصل وصفه و حقيقته بخلاف التوصيف فلو عكس الامر لم‌يؤد هذا المؤدي فافهم وفقك الله لما يحب و يرضي و اشرب عذبا صافيا .

الامر السابع اشار بذكر المعرفة و العلم و تقدم المعرفة علي العلم الي الدليلين دليل الحكمة و هو المفيد للمعرفة و به يعرف الله و يعرف ما سواه و هو دليل الكشف و مشاهدة الشئ علي ما هو عليه و لذا اتي عليه السلام بالكيف في مقام المعرفة فان المعرفة انما تحصل بالفؤاد كما قال الصادق عليه السلام و اذا انجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة الحديث ، و الفؤاد محيط بكيفيات ( بكليات خ ) كل الاشياء و كلها تحت مقامه فيدركها علي ما هو عليه بخلاف المشاعر الاخر اذ لاتخلو واحدة منها عن الكيف و يريد عليه السلام بالكيف ما هو اعم من الكيف الذاتي اي الصفة الذاتية و العرضية من الاثرية و غيرها و المعرفة قالوا في معناها انها الادراك الثاني بعد الذهول عن الادراك الاول و قالوا و لذا لايصح ان يطلق علي الله العارف بخلاف العالم اذ ليس هذا الذهول شرطا في العلم كما في المعرفة و هذا الذهول انما حصل في القوس النزولي عند خطاب ادبر اذ في كل ( اذ كل خ ) مرتبة عالية تغيب في الرتبة السافلة و تستجن فيها استجنان الشجرة في النواة ثم يعدم شعورها و يبطل حسها الي ان ترجع الي مقامها في القوس الصعودي فهناك يحصل ادراك مقامها و مقتضياتها بعد ما كان ذاهلا عنها و لما كان الادراك التام و الكشف الحقيقي و المعرفة الواقعية لايحصل الا اذا نظر بمشعر الفؤاد [ص 111] المحيط بكل المشاعر و نظر به الي نور العظمة المنيرة لكل المراتب و المقامات فهناك يحصل له الادراك التام بعد الذهول و لذا اختص الواقفون بذلك المقام و الواصلون الي تلك المرتبة باسم العارف و اما مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام فهو و ان لم‌ينس المراتب المتقدمة حين تنزل لاستحالة السهو و النسيان في حقه في التكوين و التشريع لكن من جهة الالتفات في مقام يشغله شأن عن شأن قد يحصل له ذلك فان النفس حال الالتفات من حيث الالتفات الي النظر في المسألة الفقهية ( مثلا خ ) لايمكن ان تكون ناظرة الي المسألة الهندسية و الا لم‌يشغلها شأن عن شأن و المفروض انه ليس من صفتها و ليس عدم الالتفات جهلا و الا لم‌يكن عالما بشئ من الاشياء في الوجود و هو مكابرة و سفسطة و اما اذا كان النظر بعين الفؤاد فتكون الالتفاتات كلها واحدا فينظر بنظر واحد الي الكل دفعة واحدة كالشمس الناظرة الي اشعتها المتكثرة لان التلقي عن المبدأ لايكون الا بتلك العين و ذلك النظر فعلي ما ذكرنا صح اطلاق اسم العارف عليه و علي من معه في مقامه عليهم السلام و دليل المجادلة بالتي هي احسن و هو المفيد ( مفيد خ ) للعلم و لم‌يذكر عليه السلام ما يدل علي دليل الموعظة الحسنة لعدم الحاجة اليه لان الوسط يعرف و يذكر اذا ذكر اعلاه و اسفله لان الطفرة في الوجود باطلة فتم ما ( بما خ ) ذكره عليه السلام العلم بالموجودات من العلوية و السفلية كلها من منّ الله تعالي عليه عليه السلام فان الله عز و جل قد حصر الادلة كلها في ثلثة كما قال عز و جل ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي [ص 112] هي احسن فلو بقي علم في العالم اي ما سوي الله لم‌يقم الله سبحانه له دليلا يوصل الطالب اليه لماكان حكيما تعالي عن ذلك علوا كبيرا و قد نص اميرالمؤمنين عليه السلام بان الله عز و جل علمه مدلولات كل هذه الادلة فقد احاط بكل شئ علما و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء وسع كرسيه السموات و الارض و لايؤده حفظهما و هو العلي العظيم و يريد عليه السلام بالرب هو المربي و هو رسول الله صلي الله عليه و آله او الحق جل و علا و لايكون ذلك الا بواسطة رسول الله صلي الله عليه و آله و سيأتي بيان كيفية هذا التعليم و سر هذا التفهيم ان شاء الله تعالي .

قوله عليه السلام : الا فعوا و لاتضجوا و لاترتجوا فلولا خوفي عليكم ان تقولوا جن او ارتد لاخبرتكم اعلم ان الحق القديم تعالي و تقدس لم‌يزل في قدسه و ازليته متفردا متوحدا لا شئ معه و لا غير عنده بل هو هو و لايعرف كيف هو الا هو ثم انه سبحانه ظهر بالمحبة التي هي عين الظهور فاحتوي الظهور جميع السبحات الالهية و الشؤن ( الشؤنات خ ) الربانية و كلما يمكن ان يظهر به بفعله و هذا الظهور اول الذكر و هو بامكانه بحر لا اول له و لا آخر و لا نهاية له و لا بداية له اذ لو انقطع حتي يحصل الابتداء كان الازل مقترنا بالفاصلة اذ العدم لايصلح للانفصال اذن لا انقطاع و الشئ مع لزوم الاقتران ان كان قديما يلزم تعدد القدماء و ان كان حادثا فبطل الفرجة و الفاصلة حتي تتحقق الاولية المسبوقة بالعدم و قد شرحنا هذه المسألة في كتابنا اللوامع الحسينية عليه السلام من اراد الاطلاع علي حقيقة الامر فليرجع اليها و هذا الظهور وجهه الاعلي بحر الاحدية و الواحدية و وجهه [ص 113] الاسفل بحر الامكان الذي هو العمق الاكبر و هو الامكان الراجح لجمعه كل شؤنات الحق سبحانه قد خزنها فيه و منه يبديها لانه كل يوم في شأن اي شؤن يبديها لايبتديها و الوجه الاسفل من هذا الامكان الراجح هو الوجود و هو محل تلك الامكانات و موقع ظهوراتها و هو و ان كان اضيق احاطة من بحر الامكان لكن لما كان اقرب الاشياء و اول السابحين في تلك اللجة كان بينهما كمال المناسبة و المشابهة و هو ايضا غير متناه التعلق مع ورود الشؤنات الامكانية من ظهورات الاسماء و الصفات عليه فلا نهاية لعجائبه و لا غاية لغرائبه و لايتكرر ما فيه بل دائم السيلان و الافاضة من بحر الجود و الوجود الامكاني المستلزم لكمال التحير فكلما يمكن للازل ان يظهر في الامكان و الاكوان كله دائما ترد عليه ● و لا نفاد لذلك و لا انقطاع و ذلك البحر هو بحر العلم لان العلم ليس الا ظهور حقايق الاشياء شهودا و وصفا و لما كان ذلك الوجود اقرب الاشياء الي المبدأ الحق الذي ظهر فيه علمه و سلطانه و جبروته و ملكه و قدرته كان له جمال يتلألأ و بهاء يتشعشع فصار ذلك النور مبدأ وجودات لاهل الرتبة الثانية و هو نور واحد قد انقسم الي الاقسام و انت تعلم ان الاثر وجه واحد من وجوه ظهورات المؤثر بل لو اردت حصر نسبة الوجه الواحد مع تلك الوجوه الكثيرة التي لا ذكر لشئ منها في ذلك الوجه الواحد لماقدرت ان تحصيها كثرة انظر الي نسبة قيامك وحده مع سائر ظهوراتك من قعودك و اكلك و شربك و نومك و يقظتك و حركاتك و سكناتك و سائر اطوارك و اوطارك من بدو امرك و وجودك الي منتهي اكوارك و [ص 114] ادوارك و لا شك ان القيام وحده فاقد علم كل تلك الاطوار و الآثار و الظهورات و ليس عنده الا محض الظهور بالقيام فلو رآك احد متكلما يحكم عليك بصفة الكلام خاصة و لايعلم ان لك صفة اخري غيره فاذا اتقنت ما قلنا لك علمت ان نسبة الرتبة الثانية الي المرتبة الاولي جزء من مائة‌الف جزء من رأس الشعير و استغفر الله من التحديد بالقليل فليس عند الثانية الا رشح من وجه واحد من الظهورات و الوجوه الغير المتناهية التي لتلك الرتبة العليا الاولي بل و لا نسبة فلو اخبر اهل الرتبة العليا بشئ من تلك الوجوه اهل الرتبة الثانية لانكروا و كفروا و قطعوا ببطلانه اذ لايجدون ذلك عندهم و لايمكن ذلك ايضا في حقهم فتكون نسبة اهل المرتبة الاولي مع السفلي نسبة العالم المطلق الي الجاهل المطلق ثم اذا اشرق نور من اهل المرتبة الثانية و ظهر منهم اثر فتحققت به الرتبة الثالثة و تحددت بحدود كثيرة و خلقت منها ذوات كثيرة ذوات شعور و ادراك تكون نسبة الرتبة الثالثة الي الرتبة الثانية نسبتها الي الاولي فيكون ما عند الثالثة وجه واحد من وجوه الثانية الغير المتناهية و ذلك الوجه ايضا رشح لا اصل و ذات فانظر الآن نسبة الثالثة في العلم بالرتبة الاولي بل لايتحقق ( لاتتحقق خ ) نسبة و لايعبر عن قلته بعبارة بل لايفهم من تلك المرتبة و علومها شيئا اصلا لا بالاصالة و لا بالتبعية و قد علمت المراد من هذه المراتب التي ذكرنا فان بحر الامكان الراجح هو المشية و بحر الوجود هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و الرتبة الثانية رتبة الملائكة الكروبيين و المقربين و الانبياء و المرسلين و [ص 115] الرتبة الثالثة رتبة الانسان انظر الآن الي نسبة علم الناس الي علوم اهل البيت عليهم السلام هل لهم علم معهم عليهم السلام و هو المراد بقوله تعالي و بئر معطلة و قصر مشيد و قد قال الشاعر :

بئر معطلة و قصر مشرف مثل لآل‌محمد مستطرف

فالقصر مجدهم الذي لايرتقي و البئر علمهم الذي لاينزف

فلاظهر من علمهم ذلك للخلق ابدا لا الانبياء المرسلين و لا الملائكة المقربين فلايذكرون عليهم السلام ذلك ابدا لاحد الا انفسهم بعضهم مع ( من خ ) بعض كما قالوا عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد لا الملك المقرب و لا النبي المرسل و لا المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان قيل فمن يحتمله قال عليه السلام نحن نحتمله فانقطع طمع الخلق كلهم عن هذا و لايطمع في ادراكه طامع و هكذا نسبة كل رتبة الي ما دونها و هذا لا سبيل له الي الاظهار و لايجوز ذلك بل لايمكن ايضا الا اذا انقلب الحقايق فيكون التابع متبوعا و الشعاع منيرا و الفرع اصلا و هو باطل بالضرورة نعم بذلك العلم يتكلم بعضهم عليهم السلام مع بعض في الامور المشتركة و اما في الامور المختصة فيختصون عليهم السلام بحروف من العلم في باب التوحيد و المعرفة لايحتملها ( لايتحملها خ ) بعض آخر منهم عليهم السلام كما كان رسول الله صلي الله عليه و آله يختص بحرف من العلم لم‌يعلمه علي عليه السلام و لايتحمله و كذلك علي عليه السلام بالنسبة الي سيدنا الحسن عليه السلام و كذلك الحسن عليه السلام بالنسبة الي مولينا الحسين عليه السلام و كذلك مولينا الحسين عليه السلام [ص 116] بالنسبة الي القائم المنتظر عجل الله فرجه و عليه السلام و كذلك القائم عليه السلام بالنسبة الي الائمة الثمانية عليهم السلام و كذلك الائمة بالنسبة الي فاطمة عليها السلام و ذلك الحرف هو سر التقدم و التأخر فالمقدم عنده حرف يقصر عنه المتأخر في سر التوحيد و اما في الاحوال المتعلقة بالخلق فكلهم سواء ليس واحد منهم اعلم من الآخر في ذلك و كذلك علمهم عليهم السلام لم‌يظهر للانبياء و لن‌يظهر ابدا كيف و قد ظهر لموسي عليه السلام قدر من مثقال الذر من نور علمهم عليهم السلام في الرتبة الثانية لكن في اعلي مراتبها ماقدر ان يطيقه حتي وقع مغشيا عليه و ايوب لما ظهر له عليه السلام نور من صفة علم علي عليه السلام في رتبة ايوب ماقدر ان يصبر حتي شك و بكي و قال هذا امر عظيم و خطب جسيم و آدم عليه السلام لما ظهر له سر علم القائم عليه السلام في مقامه تحير و توقف و هكذا سائر الانبياء عليهم السلام فكيف يطيقون علمهم عليهم السلام لا مايطيقون ابدا و لايتحملونها سرمدا فلايجوز لهم الاظهار بوجه ابدا و كذلك سر بواطن القرآن الظاهر في حجاب العالمين ( العالين خ ) و اليه اشار ما قال سيد العابدين حجة الله علي العالمين في الشعر المنسوب اليه عليه السلام :

اني لاكتم من علمي جواهره كي لايري العلم ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا [ص 117] 

و ليس هذا النوع من العلم هو المراد من قول اميرالمؤمنين عليه السلام الا فعوا و لاتضجوا الخ ، و ان كان يمكن تطبيق هذه الابيات علي المراد و اما النوع فليس بمراد قطعا لانه عليه السلام لايظهر للخلق ما ليس في مقامهم و يشهد بما قلت قوله عليه السلام لاخبرتكم بما كانوا و ما انتم فيه اه بل المراد هو العلم الثاني الواقع في السلسلة العرضية و بيانه بالاجمال هو ان الله عز و جل لما خلق الانسان جعل له ثلثة خزائن لثلثة علوم و هي كليات تجمع الخزائن كلها و العلوم باسرها فالخزينة الاولي هي الفؤاد اعلي مشاعر الانسان و هذه خزينة واسعة لا نهاية لها و هي اشرف الخزائن و اصل الخزينة هي واحدة و بابها واحد و مفتاحها بيد الله سبحانه لا سواه لا ملك مقرب و لا نبي مرسل لكن في اطراف هذه الخزينة بيوتات متصلة بها ابوابها متصلة بتلك الخزينة الواحدة لا طريق اليها الا من الباب الاعظم الذي مفتاحه عند الله سبحانه و مخزون في هذه الخزينة علم الحقيقة اي معرفة الله سبحانه و معرفة حقايق الاشياء كما هي مما قال النبي صلي الله عليه و آله اللهم ارني الاشياء كما هي و فيها دليل الحكمة و الخزينة الثانية هي القلب و مفتاحه عند الملائكة العالين الاربعة الذين يستمد منهم جبرئيل و ميكائيل و اسرافيل و عزرائيل و المفتاح الاعظم بيد الملك الاعظم روح القدس و هي خزينة واحدة مشتملة علي اربع بيوت و هي القبة التي دخلها محمد صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و كان مفتاحها بسم الله الرحمن الرحيم و رأي فيها اربعة انهار تجري من اربعة حروف من البسملة و في هذه الخزينة [ص 118] علم الطريقة و تهذيب الاخلاق و العلوم المعنوية و الاحكام اليقينية و المعاني الكلية و لتلك الخزينة حجرات كثيرة كل مسألة منها موضوعة في حجرة منها و مقفل عليها بقفل من النور و موكل عليها ملك خاص بها و الخزينة الثالثة هي الصدر الي ( اي خ ) الجسم و هذه الخزينة مشتملة علي ابواب و بيوتات كثيرة و حجرات غير عديدة لكن ابوابها يجمعها عشرون بابا و بيوتاتها ثلثمائة و ستون بيتا و حجراتها لاتحصي كثرة و مفتاحها بيد اسرافيل او عزرائيل و فيها علم الشريعة و علم ( علوم خ ) الصور و المجادلات بالتي هي احسن و كل مسألة من مسائلها في حجرة من الحجرات مقفلة بقفل من الفضة و الحديد و موكل عليها ملك من الملائكة الخاص بها و العلوم كلها ترد عليه من الخزائن الثلثة المذكورة و الشخص في القوس النزولي لما تنزل الي الجماد ثم اخذ في القوس الصعودي فمهما وقف في موقف من هذه المواقف الثلثة احتجب عن العلوم المخزونة في الخزانة التي هي اعلي منها فاذا ورد عليه شئ من العلوم المكنونة في تلك الخزينة العليا التي بابها قد انسد عليه و لم‌يفتح له و لم‌يشاهد ملكوت ذلك العالم يبادر بالانكار و يسرع الي الرد و الابطال و يلج ( يلح خ ) في العناد و الجدال و لما كان الناس في الاغلب واقفين علي باب الخزينة الثالثة و لم‌يملكوا الباب و لم‌يأخذوا المفتاح بل اذا اورد ( ورد خ ) عليهم شئ يقفون بقابلية عملهم و فكرهم علي باب تلك المسألة الخاصة و يلتمسون فتحها فان اراد الله عز و جل تفهيمهم اياها خاصة امر الموكل علي ذلك الباب بفتحه فيعلمونها و هكذا و الذين ملكوا المفتاح من ( لمن خ ) القليلين لم‌يبلغوا [ص 119] الي الخزينة الثانية العليا و ان وصلوا و بلغوا اليها لم‌يستقروا فيها و لما كان وقوفهم في هذه المواقف السفلية اذا ذكر لهم شئ من اسرار الولاية الظاهرة في مولينا علي عليه السلام او سائر الائمة عليهم السلام او سر حقيقة من حقائق الكون مثل ما اذا قيل لهم ان الالفاظ كلها حقائق لا مجاز فيها و ان القابليات مساوقات ( مساوقة خ ) للمقبولات في الظهور و متأخرة عنها في الوجود و ان الخلق كلهم امثال و ادلة بعضها علي بعض و ان الوجود كله نقطة واحدة قد ظهرت باطوار و اكوار و ادوار و ان كل شئ فيه بيان كل شئ و ان الاشياء يدور عودها علي بدوها و بدوها علي عودها و ان جميع الخلق كرات مستديرة صحيحة الاستدارة ( و خ ) مع ذلك شكلان مخروطان متوازيا السطحين و ماانوجد شئ في التكوين و التشريع في الذات و الصفة الا بالاختيار و ان كل ذرة من ذرات الوجود ماوجدت الا بالولادة بالنكاح الصحيح علي كتاب الله و سنة نبيه (ص) و امثال ذلك من اسرار المشتقات و المبادي و اسم الفاعل و اسم المفعول و مقامات المسمي و الاسم و سائر ما لم‌يجر علي قلمي و لم‌ينطق به فمي من اسرار الوجه السفلي من الخزينة العليا و لبادروا الي الانكار و قد اخبر الله عز و جل عن حالهم بقوله تعالي و اذ لم‌يهتدوا به فسيقولون هذا افك قديم هذا حال من لم‌يصل الي تلك المرتبة و اما الواصلون ايضا فتختلف احوالهم لان تلك الخزينة تمتلي علي قدر سعتها فكلما تتسع يكثر النور فيها فتزيد المعرفة و هذا الاتساع انما يكون بكثرة المرور عليها و قلته و شدة الاخلاص و التوجه في [ص 120] العمل و قلته فكلما ازداد نورا و ضياء ازداد معرفة و علما بخلاف الآخر الواقف في مقام السكون فانه لم‌يبلغ مقام الزيادة و هكذا فلم‌يزل الخلق تختلف علومهم بشدة سيرهم و ضعفه و قوة طلبهم و عدمها الا ان الواصلين الي تلك الخزينة ارتفع عنهم الانكار و خلص لهم التسليم و الانقياد اذ شاهدوا عيانا قوله تعالي و مااوتيتم من العلم الا قليلا و من هذه الجهة قال اميرالمؤمنين عليه السلام اندمجت علي مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوي البعيدة و قال مولينا الصادق عليه السلام ما كلما يعلم يقال و لا كلما يقال حان وقته و لا كلما حان وقته حضر اهله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما كل العلم يقدر العالم ان يفسره فان من العلوم ما يحتمل و منه ما لايحتمل و من الناس من يحتمل و منهم من لايحتمل و قال سلمان لعلي عليه السلام يا قتيل كوفان لولا قال الناس لسلمان واه واش رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك كلاما اشمأزت منه القلوب يا محنة ايوب الحديث ، و امثالها من الاخبار كثيرة و الوجه واضح ظاهر و اما المؤمن الممتحن الذي شرح الله صدره للاسلام و نور قلبه و هداه للايمان اذا ورد عليه شئ من ذلك ان عرفه فهو المطلوب و المني و ان لم‌يعرفه يسهل عليه التصديق و لايستنكف ان يقول لا اعلم و يسلم و لايعترض فبقدر التسليم يوفقه الله للفهم و المعرفة القطعية الغير المشوبة بشئ من الشكوك و الشبهات حتي لايرتاب و الناس في ريبهم يترددون و هم في كمال الراحة في دنياهم و آخرتهم و لذا تري احاديث اهل البيت (ع) مشحونة بان حديثنا [ص 121] صعب مستصعب لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان و في رواية اخري او مدينة حصينة قيل و ما المدينة الحصينة قال عليه السلام هو القلب المجتمع و قال عليه السلام في وصفهم المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم و ينهجون نهجهم ( منهجهم خ ) فعند ذلك يهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فتستجيب ارواحهم لقادة العلم و يستلينون من حديثهم ما استوعر علي غيرهم و يأنسون بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون اولئك اتباع العلماء صحبوا الدنيا بطاعة الله تبارك و تعالي و اوليائه و دانوا بالتقية عن دينهم و الخوف من عدوهم فارواحهم معلقة بالمحل الاعلي فعلماؤهم و اتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحق و سيحق الله الحق بكلماته و يمحق الباطل طوبي لهم الحديث ، فتمحض لك من هذا الكلام ان العلوم كلها مما يتعلق بها الادراك لمن هو تحت المشية علي اربعة وجوه وجه منها يعم الكل من اهل تلك المرتبة ادناها و اعلاها و اسفلها و في مقام الافتراق و الاختصاص و الامتياز يختص به الادني و الاسفل من اهلها و العالي اذا نظر اليه فانما هو بعد تنزله بظهوره و نوره او بتطوره و شؤنه الي الاسفل و هو الوجه الظاهر المشتمل علي اللب و القشر و قشر القشر المعبر عنها بالوبر و الصوف و الشعر كما في قوله تعالي و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثا لكم و متاعا الي حين ، و الوجه الثاني منها ما يختص به الخواص من اهل الباطن في علم الاسرار الباطنية اللدنية كما في مقام الانسان معرفة ان الصلوة [ص 122] هي ولاية علي ( اميرالمؤمنين خ ) عليه السلام و الزكوة هي البراءة من اعدائه و الشجرة الطيبة و الكلمة الطيبة و المثل الاعلي و الكتاب المبين و الآيات و الصراط و القسطاس المستقيم و سبيل الله علي عليه السلام و الطيبون من اولاده و الصديقة الطاهرة (ع) و مقابلات ما ذكر ( ذكرنا خ ) لمقابليهم و معانديهم و معرفة ان اطلاق هذه الالفاظ عليهم عليهم السلام ليس من باب المجاز لقوة المناسبة و دلالة القرينة و انما هو من باب الحقيقة الاولية و اطلاقها علي المعاني المعروفة مجاز علي الحقيقة و حقيقة علي المجاز و الوجه الثالث منها ما يختص به الخصيص من اهل باطن الباطن الذين قد وقفوا مقام نقطة العلم التي كثرها الجاهلون و فرقوا بين الفعل اللازم و الفعل المتعدي فعرفوا معني اسم الفاعل و كيفية اشتقاقه من المصدر و اشتقاق المصدر من الفعل و كيفية انبعاث الفعل الي سبعة اطوار من الماضي و المضارع و الامر و النهي و الجحد و النفي و الاستفهام و تطور كل من هذه السبعة الي اربعة‌عشر طورا او انبعاث الفعل الي تسعة لتجعل الاسم الفاعل و المفعول مما انبعث عنه و ان كان بواسطة المصدر فظهر لهم حقيقة شكل المثلث المشفوع بالمربع المستخرج منه شكل الاستدارة و المخروط فرأوا ظهور الجميع في اليد فلاحظوا الخمسة الاصابع في العقود الاربعة‌عشر فاستنطقت ( فاستنطق خ ) لهم منها كلمة كن فعرفوا بذلك اسم علي عليه السلام لا معناه بملاحظة ما هو الحق المقرر في الاسماء ان الحرف الاول من الاسم عليه المدار و باقي حروف الاسم شرح لاجمال ذلك الحرف و لذا قال في قصيدته :

[ص 123]

حتي اذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مركزها بذات الاجرع

علقت بها ثاء الثقيل فاصبحت بين المعالم و الطلول الخضع

و لاتتوهم ان مرادي من هذه الكلمات اللغز و التعمية و انما اردت بها حفظ السر علي ما قال الشاعر :

و مستخبر عن سر ليلي اجبته بعمياء من ليلي بلا تعيين

يقولون خبرنا فانت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين

و اهل هذه المرتبة هم المؤمنون الممتحنون الذين يتحملون اسرارهم كما في اخبارهم عليهم السلام و الوجه الرابع ما يختص به من شاؤا و ارادوا عليهم السلام بارادة خاصة من الخصيصين و ليس هذا لهم مهما ارادوا و طلبوا بل انما هو تفضل و عطية يمنون به من سبقت له من الله الحسني و بذلك تتفاضل درجاتهم و اليه الاشارة في قولهم عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد لا ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن الله قلبه ( للايمان خ ) قيل فمن يحتمله قال عليه السلام من شئنا و هؤلاء ممن تعلقت بهم عناية خاصة من الله بهم لان الله سبحانه يؤتي كل ذي فضل فضله و العلوم كلها لاتخلو من هذه الاربعة و لما كانت المراتب الطولية ثمانية كما ذكرنا مرارا تكون مراتب العلم بملاحظة هذه الاربعة في تلك الثمانية اثنين و ثلثين مرتبة و ان اضفت عالم المشية الي المراتب الطولية و جعلتها عالما مستقلا تكون المراتب ستة و ثلاثين و ان ثلثت هذه المراتب الاربعة كل مرتبة منها بملاحظة الاعلي و الاوسط و الاسفل تكون اثني‌عشر مرتبة فاذا لاحظتها مع الثمانية تكون ستة و تسعين [ص 124] و مع التسعة تكون مائة و ثمانية و في الاثنين و السبعين منها للانسان فيها حظ و الباقي يخلص لغيره من المراتب العالية و كل هذه المراتب التي للانسان بالنسبة الي الدائرة المحيطة بها كالنقطة في الدائرة العظيمة و كل رتبة اذا نسبتها الي الرتبة التي يقابلها تتسع الدائرة و تنفرج الكرة و ان كانتا في النوع متساويتين لكن ما عند العالي اوسع مما عند السافل بما لا نهاية له و الي هذه الدقيقة في باطن الامر و لب السر اشار سيدنا رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث زينب العطارة ان الارض بما فيها و من عليها بالنسبة الي الارض الثانية كحلقة ملقاة في فلاة قي و هكذا الي الارض السابعة و الي البحر و الي الثري كل واحدة بالنسبة الي الاخري كحلقة ملقاة في فلاة قي ثم قال صلي الله عليه و آله و الثري و من فيها و من عليها بالنسبة الي السماء الدنيا كحلقة ملقاة في فلاة قي و المجموع بالنسبة الي السماء الثانية كحلقة ملقاة في فلاة قي و هكذا الي الكرسي و هو مع ما فيه بالنسبة الي العرش كحلقة ملقاة في فلاة قي الحديث ، و يريد صلي الله عليه و آله بالحلقة في فلاة قي النقطة في الدائرة و هذا هو حكم كل سافل بالنسبة الي عاليه و هو كما ذكرنا لك من نسبة المراتب بعضها مع بعض و ستة من هذه المراتب حظ العوام و بها يتخاطبون و يخاطبون و لايراد منهم في مقامهم غيرها و الباقي حظ الخواص و الخصيص فتختلف احوال العوام عند استماع تلك المراتب فهم فيها بين عارف بكلفة شديدة و دقة عظيمة و بين مجوز لها علي جهة الرجحان مع احتمالهم خلافها و بين محتمل غير منكر و بين [ص 125] منكر و بين مكذب حاكم للقائل بالفسق و بين مكذب حاكم للقائل بالكفر مع قبول التوبة و حاكم بالكفر و الارتداد مع عدم قبول التوبة و تختلف احوالهم في مراتبهم في انفسهم و مراتبهم في مراتب العلوم ،

و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكلام مما يطول

و اذا عرفت ما سطرنا لك عرفت مراتب الخلق و مقاماتهم في العلوم فلايشتبه عليك شئ من احوالهم و وقوفهم في مقاماتهم و مواقفهم ان سددك التوفيق و قادك التأييد و لما كانت العناية الالهية جرت في اصلاح القوابل السفلية و تمكينها لتحمل الانوار العلوية المشرقة من شمس فلك القدرة بانضاجها و طبخها لتتقوي لها و تتهيأ لتحملها و الا لاحترقت لان ما من الفاعل في غاية الحرارة و ما من القابل في غاية البرودة و اليبوسة فلو القيت الحرارة علي البرودة دفعة واحدة علي حد الكمال لافنتها و عدمتها و احرقتها فلم‌يتحقق الشئ فلا بد من القاء الحرارة شيئا فشيئا حتي يحصل النضج و يتحقق ( تتحقق خ ) المناسبة التامة بين تلك القوابل و تلك الانوار حتي تكون صابرة و متحملة عند اشراقها عليها و برهان هذا علي التفصيل في العلم المكتوم سيما عند ظهور القاضي الذي هو الانفحة باصطلاحهم اي النوشادر اذ في اول الامر يوقدون تحته نارا حرارته كحرارة جناح الطائر ثم يزيدون في النار كل يوم ضعف ما كان في اليوم الاول الي سبعة ايام فتبلغ الحرارة في اليوم السابع الي مقدار حرارة نار السبك فلو كانت الحرارة الحاصلة بعد السبعة في اليوم الاول لاحترق الثفل و فني ذلك تقدير العزيز العليم الحكيم .