و انا اجمل لك المقال و اشرح به حقيقة الحال بكلام موجز مختصر فخذه [ص 31] قاعدة كلية فاعرف منها معني علم الامام عليه السلام بما كان و ما يكون الي انقضاء الوجود فاقول اعلم ان الله عز و جل لميزل متفردا متوحدا و لميكن معه سبحانه شئ و الآن علي ما عليه كان اذ لميسبق له حال حالا ليكون اولا قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهرا قبل ان يكون باطنا بل اوليته عين آخريته و ظاهريته نفس باطنيته ( و خ ) مشهوديته عين مفقوديته و خفاءه عين ظهوره ثم خلق محمدا و اهل بيته الطيبين الطاهرين اولا قبل كل شئ و اكمل خلقتهم و اتم نورهم صلي الله عليهم اجمعين ثم هم يعبدون الله عز و جل كما عبدوه باعمالهم و افعالهم و اقوالهم و حركاتهم و سكناتهم و سائر احوالهم و شؤنهم و تلك الاعمال و الافعال و العبادات ليست صادرة عنهم بالاستقلال او ( اذ خ ) لا دخل لهم فيها ليستلزم الاجبار و انما ذلك بسر الامر بين الامرين كاعمالك و اقوالك و حركاتك و سكناتك مثل قيامك و قعودك و اكلك و شربك و كتابتك و سائر اعمالك فان كلها اشياء وجودية قد تقومت بك و بيدك ناصيتها الا ان الاشخاص تختلف في صدور الاعمال عنهم باختلاف القدرة من قوتها و ضعفها و ذلك الاختلاف من جهة اختلاف كينونات العاملين بقابلياتهم و لذا تري الملائكة تحرك الجبال و الارض كلها و تدير الافلاك بامر الله و اذنه و اقتداره و انت ماتقدر علي ذلك و ليس ان الملائكة مجبورون في ذلك او انت مجبور فيما ذكرنا لان الجبر قد سبق منا انه عبارة مفهومية لا حقيقة لها في الواقع و ان كانت لها حقيقة في نفس الامر فاذا اتقنت هذا فاعلم ان الموجودات كلها بسمواتها و ارضها ( ارضيها خ ) و [ص 32] عرشها و كرسيها و ملائكتها و جنها و حيوانها و نباتها و جمادها و كل ما يحصل من قراناتها و اوضاعها و جميع ما يري و ما لايري و من يتقلب في الجنة و النار و حقيقتهما و حقايق ( حقيقة خ ) الانبياء و سائر ما خلق الله عز و جل كلها علي العموم الاستغراقي الحقيقي اللغوي لا العرفي مختارة في صدور الافاعيل المنسوبة اليها و اما الافعال التي صدرت عن الله بها و بواسطتها فليس لها الا حكم التوسط فلاتنسب اليه علي الحقيقة كالخلق و الرزق و ليست هي مختارة في الايجاد و انما هي اسباب و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و لما ثبت ان محمدا و اهل بيته عليهم السلام هم الباب الاعظم و السبب الاتم اوجد الله الموجودات بهم في جميع احوالهم فالامام هو العلة و السبب و ليس نسبة الخلق اليهم كنسبة اعمالك و حركاتك و سكناتك بل نسبتهم اليه كنسبة الافعال الالهية الي الملك فهو عليه السلام حامل اللواء و الذات في الذوات للذات فالعالم كله بيته الذي بناه الله ( عز و جل خ ) بقدرته و كلما في العالم آلات البيت التي احدثها علي حكم المقتضيات و الاوضاع انشأ الله مادتها باختراعه لا من شئ و صورتها لا بشيء ( لشئ خ ) فهو روحي فداه صاحب البيت و رسول الله صلي الله عليه و آله فخره و سيده و الله من ورائهم محيط فهم عليهم السلام ليسوا شيئا الا بالله عز و جل فلا عمل لهم الا به و بامره كما قال عز و جل لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون ، و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين فظهرت قدرة الله عز و جل فيهم فتحملوا اوامره و نواهيه [ص 33] و احكامه الوجودية و الشرعية كلها كما قال في الحديث القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن فهم وسعوا جميع احكام ( الاحكام خ ) الربوبية فظهرت بهم احكامها و لما تمحضوا في العبودية و دكوا جبال الانية بلغوا مقام الحديدة المحمية فصار فعلهم فعل الله و قولهم قول الله و حكمهم حكم الله و امرهم امر الله و نهيهم نهي الله كما قال الله عز و جل من يطع الرسول فقد اطاع الله ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم و لما كان الحق سبحانه هو الثابت المستقل الموجود الدائم الباقي فلاتنسب الاشياء في كل احوالها الا اليه فلايعبد الا اياه و لما كانت الاشياء متقومة بهم و مبدئة بهم و صادرة عن الله لهم عليهم السلام و هم عليهم السلام لاينظر اليهم نظر الاستقلال صارت التعبيرات تختلف بالنسبة اليهم عليهم السلام فمرة يعبر عنهم باليد و مرة بالقدرة و مرة بالعلم و مرة بركن التوحيد و مرة بالجلال و مرة بالجمال و مرة بالعظمة و مرة بالرحمة و مرة بالوجه و مرة بالجنب و مرة بالاسم و مرة بالمعني و هكذا من سائر التعبيرات و مرجع كل ذلك الي ما ذكرنا لك من سر الامر بين الامرين فاذا صح ان الموجودات كلها آثار الله الصادرة عن الله عز و جل بالامام عليه السلام فوجودها كلها عنده كالنقطة في الدائرة لانه لها كالقطب بالنسبة الي المحيط و لا شك و لا ريب ان المحيط عالم بجميع جهات المحاط مما احدثه الله و مما يحدثه فيما بعد و كل ذلك حاضر عنده موجود لديه لانه الباب الذي لايؤتي الا منه و في الزيارة ارادة الرب في مقادير اموره تهبط اليكم [ص 34] و يصدر من بيوتكم الصادر لما فصل من احكام العباد الزيارة ، فالذوات و الحقايق باسرها صدرت عن الله تعالي بهم فهم باب الفيض في الصدور و الورود بالنسبة الي كل موجود و الموجودات كلها اعراض قائمة بهم عليهم السلام فهم عليهم السلام بهذا الاعتبار يعلمون علم السموات و الارض و ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و الي ما لا نهاية له لانهم وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان و يده المبسوطة بالبر و الامتنان و رحمته الواسعة و قدرته الكاملة الشاملة فيعلمون ما يكون حين ما كان قبل ان يكون و لما كان الوجود دائم الفيضان و دائم التجدد و السيلان كانوا عليهم السلام يزدادون في العلم في كل آن من الامور المتخصصة في الاكوان المتنزلة ( المنزلة خ ) مطلقة من بحر الامكان فلايعلمون عليهم السلام الا ما ظهر مكونا في عالم الاعيان و اما الامكان فيعلمونه علي ما هو عليه من عدم التخصص و التعين و لما كان ظهور الحق عز و جل لهم قبل كونهم في عينهم فهو سبحانه اقرب اليهم بما لا نهاية له في بعده عنهم كذلك فعلم سبحانه الخلق في اماكنهم و رتبتهم ( رتبهم خ ) قبل خلقهم و قبل وجودهم عليهم السلام بما لا نهاية له و لما كان ظهورهم عليهم السلام للخلق كذلك كان تعليم الله سبحانه اياهم حقائق الخلق من المستقبل و الماضي و الحال قبل كون الخلق و عينهم بما لا نهاية له في رتبة وجودات الخلق لا قبلها فنسبتهم عليهم السلام الي الخلق نسبة واحدة و كل الخلائق عندهم عليهم السلام نقطة واحدة فيرون كل شئ في مكانه و وقته قبل وجوده حين وجوده لان التقديرات الزمانية و التقدم و التأخر [ص 35] السيالين الغير المجتمعين مرتفعة عندهم فالمستقبل عندهم ( عليهم السلام خ ) عين الماضي و الماضي عين الحال و معني ذلك رفع الماضي و الحال و الاستقبال فالوقت الذي عرفوا القيمة الكبري مثلا هو الوقت الذي عرفوا وجود آدم ابينا عليه السلام لان زمانهم عليهم السلام سرمد بالنسبة الي الانبياء و زمان الانبياء سرمد بالنسبة الينا و السرمد انقطعت عنده النهايات و البدايات و الجهات الدهرية و الدهر انقطعت عنده كل المدد الزمانية و كلها عنده كنقطة واحدة فالاشياء كلها في جميع احوالها من المضي و الاستقبال حاضرة لديهم معلومة لهم و يشاهدونها حين وجودها و صدورها من المبدأ و لذا قد مر رسول الله صلي الله عليه و آله بجميع الاشياء حين خلقه الله عز و جل و دخل الجنة و النار و الحسين صلوات الله عليه اري امسلمة زوجة النبي صلي الله عليه و آله مقتله و مذبحه و يوم شهادته و حال شهادته و شهادة الشهداء المستشهدين بين يديه و سبي النساء و ساير الاحوال و هو صلوات الله عليه في المدينة فالاشياء كلها مما جري عليه قلم الابداع علي حكم الاختراع مما يصح في الحكمة ان يبرز في الوجود كلها قد صار عندهم و تحقق لديهم سلام الله عليهم و ثبت في اللوح المحفوظ الذي لميتغير و لميتبدل قال عز و جل و اجل مسمي عنده و هذا معني قولهم عليهم السلام ما معناه ان الله عز و جل خلق القلم و امره ان يكتب في اللوح فكتب ما كان و ما يكون ثم جف و لمينطق ابدا و الي هذا الذي ذكرنا من السر المنمنم يشير قوله عليه السلام و عرفت ما كان و ما يكون فهم عليهم [ص 36] السلام يشاهدون الاشياء بمراتب سياليتها و تدرج مراتبها و مقاماتها الي نهايات انقطاع وجوداتها علي التفصيل حين وجوداتها قبل ان تخلق بالفالف دهر و هذا باب غامض يدركه اهل الافئدة و لذا لما سأل السائل عن ابيجعفر الباقر عليه السلام عن ان النبي صلي الله عليه و آله هل كان يأتيه في ليالي القدر شئ لميكن علمه قال عليه السلام لايحل لك ان تسأل عن هذا اما علم ما كان و ما سيكون ( يكون خ ) فليس يموت نبي و لا وصي الا و الوصي الذي بعده يعلمه اما هذا العلم الذي تسأل فان الله عز و جل ابي ان يطلع الاوصياء عليه الا انفسهم الحديث ، فافهم و القلم الذي كتب ما كان و ما يكون ثم جف هو عقلهم عليهم السلام و هو روح القدس الذي يأتي في ليلة القدر عند الامام عليه السلام و هذا الروح قد قالوا عليهم السلام فيه روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و هذا العلم الثاني هو ظهورات العلم الاول في مراتب تنزلاته حسب سيالية الاشياء في مراتبها و حسب مقابلتها لفوارة القدر فليلة القدر هي ليلة الجمعة التي قد تقدم في الحديث انهم عليهم السلام يزدادون فيها و ليلة الجمعة هي الآن و الآنات التي يزدادون فيها اذ مواد العلم لاتنقطع عنهم صلي الله عليهم و الايام و الاسبوع منقطعة دونهم و فوارة الفيض الذي هو العلم دائم الفوران عليهم لكنا نحن عندنا الايام و الاسبوع و السنة فيقدر ذلك النور فيها علي حسبها كنداء الملك الذي علي نصف النهار ينادي قوموا علي نيرانكم التي اوقدتموها علي ظهوركم فاطفؤها بصلوتكم و هذا هو صوت واحد غير منقطع علي دائرة نصف النهار [ص 37] فاهل كل بلدة يحاذونها سمعوا صوته و وجبت عليهم صلوة الظهر و كذلك العصر و المغرب و العشاء و الصبح علي هذه الاوقات و ليست هذه الاوقات عند الملك و لا عند الفلك و انما هي بالنسبة الي اهل الارض و كذلك ليلة القدر فانها ليلة افاضة الفيض عليهم عليهم السلام من فوارة القدر الذي هو بحر مظلم كالليل الدامس كثير الحيتان و الحيات في قعره شمس تضيء لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير و لا انقطاع لفوران تلك الفوارة ابد الآبدين و ذلك الفوران علي تلك الاراضي الطيبة و القابليات الراجحة التي كادت ان تضيء و لو لمتمسسها نار التأثير بماء الاثر يسمي مرة بليلة القدر انما سمي بالليلة لان ذلك النور اي الفيض اي العلم الذي هو النقطة قد ظهرت في تلك الهياكل و الحدود الطيبة الطاهرة فكانت ليلة و انما سميت بالقدر بمعني الضيق اشارة الي تهجم تلك الانوار و تطابق ظهور الاسماء و اجتماعها كلها في تلك الحقائق المقدسة الطاهرة و الملائكة مظاهر تلك الاسماء و يسمي مرة بليلة الجمعة اما الليلة فلما اشرنا اليه سابقا و اما الجمعة فلاجتماع القوابل مع المقبولات و اتصال الاسماء بالمسميات و الاسباب بالمسببات و يعبر عنه بظهور العلم في كل الآنات في جميع الدقائق و الساعات لسريان ذلك النور في جميع المراتب و كل الاطوار في كل الاحوال و انما عينت ليلة القدر بليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان اما شهر رمضان فلكونه مبدأ الشهور و اول السنة جري له حكم [ص 38] المبدئية و لذا وجب احترامه و صيامه اما العشر الثالث منه اما علي الظاهر فلان العوالم ثلثة عالم الجبروت و هو العشر الاول منه و فيه الفيوضات الواردة علي العقول و عالم الملكوت و هو العشر الثاني منه و فيه الفيوضات الواردة علي النفوس و ما بعدها و عالم الملك و هو العشر الثالث و فيه الفيوضات الواردة علي الاجسام من العلوية و السفلية و عالم الظهور هو الثالث و المبدء هو الاولان فلايتحقق الا بهما و اجراء الاحكام عليهما فوجب ان يكون لاهل العالم الثالث الرتبة الثالثة فلذا كان في العشر الثالث و اما في الحقيقة ليعم الحكم في كل عام ( عالم خ ) فلان المبدأ له ثلث جهات جهة الي الاعلي و الثانية الي نفسه و الثالثة الي شؤنه و اطواره و ظهورات آثاره و الفيض في عالم التفصيل و التمييز و الظهور الفعلي مشروح العلل مبين الاسباب لايكون و لايتم الا في الرتبة الثالثة فجري حكم ليلة القدر في العشر الثالث مقترنا و مرتبطا بالثاني و انما ظهرت ليلة القدر في ثلث ليال و كملت في الثالث لان تمام الشئ من المبدأ لايكون الا بعد ايجاد عينه و تقدير حدوده و القضاء اي الحكم عليه بما هو عليه من تلك الحدود فالمقام الاول مقام المشية و بدو الارادة و المقام الثاني مقام القدر اي الهندسة و وضع الحدود و المقام الثالث مقام القضاء و مقام في اي صورة ما شاء ركبك فكان تمام الفيض في هذه المقامات الثلثة و هي الكليات التي اذا فصلت ظهرت السبعة ايام الاسبوع قال عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص [ص 39] واحدة فقد كفر و في رواية اخري فقد اشرك و انما كانت ليلة تسعةعشر الاولي المبدأ لانها مقام الواحدية و اول ظهور المشية قبل التعلق الذي هو عبارة عن اتمامها بالاحدية و تلك الليلة مقام بسم الله الرحمن الرحيم في الكتاب التكويني فظهر الظاهر مطابقا للباطن فان المشية هي الذكر الاول و هذا مبدأ وجود الشئ لايترتب عليه حكم و لايظهر منه اثر الا بما بعده من المراتب و الحدود ثم ليلة احدي و عشرين لان الواحدية اذا تمت بالاحدية ظهرت الكاف المستديرة علي نفسها ثم اثرت في الرتبة الثانية فليلة العشرين مقام ظهور الكاف و ليلة احدي و عشرين مقام التأثير في التقدير او قل ان ليلة تسعةعشر بازاء المشية و العشرين في مقام الارادة و حكمها في الليلة الاخري و هي رتبة القدر و تقدير الآجال و الارزاق و وفد الحاج و امثالها او قل ان ليلة احدي و عشرين اول البدو في العشر الثاني و ليلة تسعةعشر لمقام الارتباط و الثالث و العشرين لتمام المراتب و ظهور شكل المثلث الذي هو ابو الاشكال و هو شكل ابينا آدم علي محمد و آله و عليه السلام فافهم و انما ظهرت ليلة الجمعة و يومها في آخر الاسبوع او في اليوم السادس لظهور التسبيع و التسديس في كل شئ كما قال عز و جل خلق السموات و الارض في ستة ايام و اليوم السادس مقام الاجتماع و تمام الامر و السابع كماله و ظهوره مشروح العلل مبين الاسباب و هذا الحكم يجري في كل شئ من الموجودات العلوية و السفلية و اما عالم الاجسام اي العناصر لما كان عالم الزمان الغليظ الكثيف ظهر نور القضاء في ذلك اليوم و لذا كان عيدا [ص 40] لنبينا صلي الله عليه و آله و بالجملة لا تنافي بين ما ذكروا عليهم السلام ان عندنا علم ما كان و ما يكون علي مقتضي الاخبار الكثيرة المستفيضة و بين ما قالوا عليهم السلام انا نزداد في كل ليلة الجمعة و ما قالوا انا نزداد في كل آن و ما قالوا ان الملائكة يأتيهم ليلة القدر بجميع ما يحدث في تلك السنة فان المراد من ما يكون من المحتومات لا المشروطات و الموقوفات و ذلك للدليل القطعي علي انهم عليهم السلام حادثون و الحادث لايستغني عن المدد اذ لو جاز ان يستغني آنا لجاز الاستغناء الي الابد كما يأتي مشروحا ان شاء الله تعالي فالمدد الذي يأتيه لو كان هو الذي عنده كان تحصيلا للحاصل ثم لايتصور الاتيان و هو المفروض فلو لميكن عنده كان ممكنا في حقه ان يأتيه اذ لايصح ان يأتيه شئ من الازل تعالي عن ذلك علوا كبيرا فيجب ان يكون في الامكان فيأتيه اشياء ليست عنده فاذا ثبت حدوثهم عليهم السلام و انهم مخلوقون مربوبون فيجب ان يأتيهم اشياء ليست عندهم و هو قوله تعالي قل رب زدني علما و قال صلي الله عليه و آله اللهم زدني فيك تحيرا ، فعلي هذا وجب ان نقول ان عندهم عليهم السلام علم ما كان لانه لايكون شئ الا و اشهدهم الله خلقه فلايوجد الا بمشهد منهم عليهم السلام و لايعمل عبد عملا الا و قد يعرض عليهم عليهم السلام لانهم المناة المقدرون لاحوال الخلايق و الاعضاد الذين بهم قوام الاشياء بموادها و صورها فلايشذ عنهم شئ موجود قد تعلق به الجعل و اما علم ما يكون فان المحتوم منه الذي لا مرد له يعلمونه بتعليم الله عز و جل و اما ما سوي ذلك من الامور الممكنة [ص 41] فانها تتجدد عليهم دائما يفيض عليهم من بحر الامكان الي ساحل الاكوان و الاعيان و هم عليهم السلام حملة ذلك الفيض و ذلك العلم و علم ما في قعر بحر الامكان ليس الا عند الله عز و جل فيخبرهم ما شاء و احب من ذلك و ذلك هو علم الغيب كما قال عز و جل عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و المرتضي من محمد صلي الله عليه و آله هو علي عليه السلام و لذا سمي بالمرتضي و قال عز و جل و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء و هذا العلم الذي يأتيهم لا غاية له و لا نهاية له نهر يجري ( من خ ) تحت جبل الازل علي اراضي قلوبهم الي ابد الابد فيظهر ذلك في العالم الزماني بالمكمم ( المكمم خ ) بهذه المقادير المخصوصة بالنسبة الي اهله و اما بالنسبة اليهم عليهم السلام فليلة القدر هي ليلة الجمعة كما ذكرنا الاتري انه من جهة اختلاف الآفاق يكون ليلة في بلدة جمعة و في اخري السبت و في اخري الاحد و هكذا و كذا ليلة القدر اي الليالي الثلثة تختلف باختلاف البلدان باختلاف الآفاق فدل ذلك علي ما ذكرنا من وحدة الامر النازل في ليلة القدر و اختلافه بالقوابل قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فافهم و ليس الغيب ما توهمه بعض الناس من انه الاخبار بما في القلوب و الضماير و امثال ذلك فان ذلك غيب اضافي لا حقيقي و الموجودات دقيقها و جليلها و مجردها و ماديها كلها حاضرة لديهم مشهودة لهم فلاتغيب عنهم لانهم عليهم السلام وجه الله الذي لا تعطيل له في كل مكان و الخواطر انما نزلت الي الاوهام و الاذهان بعد ان [ص 42] نزلوها عليهم السلام من خزائنها المقدرة لها و المستقبلات كلها حاضرة عندهم يرونها و يشاهدونها في اماكنها و اوقاتها فلايخفي عليهم شئ من احوالها فلاينبغي لاحد ممن له تتبع في الاخبار و تعمق نظر و اعتبار ان يشك ان عندهم عليهم السلام كلما برز في عالم الكون فاذا سألهم السائل عن شئ لا بل اذا اتاهم من قبل السؤال يعلمونه بجميع احواله و ما يريد ان يسأله و ما الذي تقتضي المصلحة في حقه و امثالها لان ذلك ليس بغيب عندهم عليهم السلام و انما هو شهادة و عيان فلاتشمله ما دل علي انهم لايعلمون الغيب فان قلت فما معني الحديث المتقدم عن ابيعبدالله عبدالله عليه السلام ان ضعفاء شيعتنا يؤذوننا يزعمون انا نعلم الغيب و لقد هممت بضرب جارية مني فانحادت و لمادر في اي زاوية من البيت هي الحديث ، فان ذلك مخالف لما قررت من انهم عليهم السلام يعلمون جميع ما تحلي بحلية الكون و يدل ايضا علي ان المراد بالغيب الذي لايعلمونه هو الغائب عن الابصار من احوال القلوب و الضمائر و الخفايا و الخبايا قلت ليس المراد من الحديث الشريف ظاهره لدلالة عجز الحديث عليه و هو صريح في انه كان منه (ع) ( منه عن خ ) تقية من الذي كان في مجلسه فان معني الحديث ان ضعفاء شيعتنا يؤذوننا اي المخالفون يؤذوننا في ضعفاء الشيعة لتأذيهم منهم فينا يزعمون اي العامة انا نعلم الغيب يحتمل ان يكون ضمير المتكلم راجعا الي العامة المخالفين يعني يزعمون انفسهم انهم يعلمون الغيب اي الاسرار و البواطن و الامور المغيبة عن الخلق حتي انهم يقولون ان ابابكر و عمر اوتيا علما لميؤت [ص 43] رسول الله صلي الله عليه و آله من الاسرار و غوامض العلوم و وصل اليهما العلم من الله عز و جل بدون توسط النبي صلي الله عليه و آله من العلوم المكتومة و كما قال ايضا بعضهم لو شئت لاوقرت سبعين جملا من تفسير الحمد لله رب العاليمن في مقابلة قول علي عليه السلام لو شئت لاوقرت سبعين جملا من تفسير باء بسم الله و امثال ذلك مما يدعون بمحض الدعوي و يحتمل ايضا ان يكون ضمير المتكلم راجعا اليهم عليهم السلام و الزعم هو ركوب مطية الكذب و الخيال الباطل و الظن و شبهه يعني انهم في شك و ارتياب في انا نعلم الغيب و ليس كذلك بل يجب اليقين و الاعتقاد في ذلك و قوله عليه السلام و لقد هممت بضرب جارية مني فانحادت ، المراد بالضرب هو النوع و كانت له عليه السلام جارية عامية اراد عليه السلام ان يجعلها من نوع شيعته و مواليه فماقبلت و قوله (ع) و لمادر في اي زاوية من البيت هي ، يعني ماابالي في اي طريقة تموت يهودية او نصرانية هذا هو مراد الامام عليه السلام و لاتقل انه بعيد لانا نقول انهم يرونه بعيدا و نراه قريبا و انهم عليهم السلام يتكلمون بالكلمة و يريدون منها احد سبعين وجها و مثل هذا الحديث كثيرا ما يقع عنهم عليهم السلام في مورد التقية كما اشتهر عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال ان ابابكر و عمر كانا امامين عادلين كانا علي الحق و ماتا علي الحق و رحمة الله عليهما و قالوا ايضا من فضل عليا علي عمر فقد كفر و امثالها كثير و لايمكن ارادة ظاهر هذه الاحاديث علي ما يفهمه العوام فان المراد من الاول انهما كانا امامين من الائمة الذين [ص 44] يدعون الي النار و يوم القيمة هم من المقبوحين عادلين عن الحق و الصراط المستقيم كانا علي الحق الحق هو علي عليه السلام لقوله تعالي و انه لحق اليقين و علي للضرر يعني انهما كانا دائما علي ضرر علي عليه السلام و ايصال الاذية اليه عليه السلام و ماتا علي الحق كالاول ، رحمة الله عليهما يعني رسول الله صلي الله عليه و آله علي ضررهما و اهانتهما في الدنيا و الآخرة و المراد من الحديث الثاني ان تفضيل شئ علي شئ فرع ان يكون في المفضل عليه فضيلة فاثبات التفضيل لاحد علي احد اثبات الفضيلة في الآخر و ذلك كفر فيما نحن فيه كما قال الشافعي شعرا :
يقولون لي فضل عليا عليهما و كيف اقول الدر خير من الحصي
المتر ان السيف يزري بحاله اذا قيل ان السيف خير من العصا
فان قلت ان ارتكاب التقية خلاف الاصل و خلاف الاصل انما يصح اذا قام الدليل القطعي عليه كما في الحديثين الآخيرين و اما فيما اذا لميقم فلا فيجب حمل الكلام علي ظاهره قلت بلي لكن في عجز الحديث قرينة صريحة في ذلك حيث قال عليه السلام كل علم الكتاب عندي و الله سبحانه يقول و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و فيه تفصيل كل شئ و تبيان كل شئ و كل شئ احصيناه في امام مبين ، و كل شئ احصيناه كتابا فاذا ثبت ان في الكتاب كل شئ ثبت انهم عليهم السلام يعلمون كل شئ فاذا اثبت هذا المعني في آخر الحديث ثبت ان اول الحديث لايخالف آخره فصح ما ذكرنا فان قلت قد تواترت الاخبار عنهم عليهم السلام بانهم لايعلمون الغيب و ورد اللعن علي من ادعي ذلك و التكذيب علي [ص 45] من يدعيه فلاتنطبق علي ما ذكرت قلت نحن نقول بموجبها و نتبرأ ممن ينسب الغيب اليهم عليهم السلام لكن علي المعني الذي ذكرنا من ان المراد بالغيب الذي لميكن و لميكتس حلة الكون و هو في الامكان معدوم العين مشروط الوقوع و هذا لايعلمونه و لايحيطون به و الا لساوي علمهم علم الله جل شأنه و لاستغنوا عن المدد و خرجوا عن الامكان لان المحيط بكل احوال الشئ لايمكن ان يكون معه في رتبته و هو علم خاص بالله سبحانه و هو الاسم الذي اختص به عز و جل من الاسم الاعظم كما ورد ان الاسم الاعظم ثلثة و سبعون اسما اثنان و سبعون عندنا و واحد يتفرد به القديم عز و جل و ذلك الاسم هو الشمس المضيئة تحت قعر بحر القدر كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام الي ان قال عليه السلام في قعره شمس تضيء لايطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير و كلما خرج من هذا العلم الي الوجود فيصل اليهم صلي الله عليهم الا ما كان من المحتومات التي لايقع فيه البداء كما سبق او نقول انهم عليهم السلام لايعلمون شيئا الا ما علمهم الله عز و جل فلايعلمون شيئا بدون تعليمه تعالي و هو احد معاني قوله و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و لا اختصاص له بالغيب بل يدخل فيه العلم بان السماء فوقنا و الارض تحتنا و امثاله ايضا لكن ابي الله عز و جل الا ان يعلمهم علمه لانهم عيبة علمه و حفظة سره و مستودعوا حكمته و حملة كتابه كما قال عز و جل و ماكان الله ليطلعكم علي الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء كما تقدم ، [ص 46] فان قلت اذن فما معني قوله عليه السلام ان الله تفرد بخمسة و هي ما في الآية الشريفة ان الله عنده علم الساعة و ينزل الغيث و يعلم ما في الارحام و ماتدري نفس ماذا تكسب غدا و ماتدري نفس باي ارض تموت ، قلت معناه ان الله عز و جل تفرد بها مستقلا لكنه سبحانه ارتضاهم و علمهم ذلك اما علم الساعة فانه علي عليه السلام كما في قوله عز و جل لما قال رسول الله صلي الله عليه و آله فيك يا علي ستة خصال من الانبياء و ذكر فيهم ( منهم خ ) عيسي بن مريم فقال المنافقون انه يحب ان نعبد ابن عمه كما عبدت النصاري المسيح فانزل الله عز و جل و لما ضرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون و قالوا ءآلهتنا خير ام هو ماضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون ان هو الا عبد انعمنا عليه و جعلناه مثلا لبنياسرائيل و هم آلمحمد عليهم السلام و لو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون و انه لعلم للساعة فلاتمترن بها و الضمير لايخلوا اما ان يرجع الي علي عليه السلام او الي عيسي و هما مرادان فعلي عليه السلام في الباطن و عيسي عليه السلام في الظاهر و لا شك ان عيسي مثال لعلي عليه السلام فهو انما صار علم الساعة لظهور النور العلوي عليه السلام فيه و قوله تعالي و عنده علم الساعة يعني علي عليه السلام هو الذي عنده كما قال عز و جل و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون و قال مولينا الصادق عليه السلام نحن الذين عنده و قوله تعالي و عنده مفاتح الغيب و المفاتيح هم آلمحمد عليهم السلام ثم اعلم ان قوله تعالي و عنده علم الساعة ان اريد بها القيمة الكبري او الصغري [ص 47] اي قيام القائم عليه السلام و الرجعة و الاحوال الجارية فيها و تفاصيل ما يقع فيها فلا شك ان عليا عليه السلام هو متوليها و مجري احوالها و بيده لواء الحمد كما قال عليه السلام لو كشف الغطاء ماازددت يقينا و ان اريد بها زمان وقوع الساعة و وقت قيامها فان ذلك لميوجد و لميحتم و هو بعد في عالم الامكان مشروط متوقف و لذا قال تعالي يسئلونك عن الساعة ايان مرسيها فيم انت من ذكريها الي ربك منتهيها و قال عز و جل يسئلك الناس عن الساعة قل انما علمها عند الله و مايدريك لعل الساعة تكون قريبا و قد قلنا انهم عليهم السلام يعلمون ما هو موجود في الاكوان و ما سيكون من محتومات الامكان و كذلك القول في باقي الاربعة فان نزول الغيث مايمكن الا بهم عليهم السلام كما في الزيارة و بكم ينزل الغيث و المبادي كلها عندهم و المفاتيح بيدهم صلي الله عليهم فيعلمون اوان نزوله قبل نزوله حين نزوله بتعليم الله عز و جل فافهم و اما علم ما في الارحام ففي الزيارة عن الحجة عليه السلام انا سائلكم و آملكم فيما اليكم التفويض و عليكم التعويض الي ان قال و عندكم ما تزداد الارحام و ما تغيض ه ، كيف و ان الولد لايتكون في بطن الام الا بعد اقراره بولاية علي عليه السلام و الائمة او انكاره اياهم ليخلق سعيدا او شقيا لان الشقي من شقي في بطن امه و السعيد من سعد في بطن امه و اما علم المنايا فقد تواترت اخبارهم و شهدت آثارهم عليهم السلام بان عندهم علم البلايا و المنايا و الوقايع لكنهم عليهم السلام في كل هذه العلوم مسبوقون متعلمون من امر الله و صنعه و لايحيطون بشئ من علمه [ص 48] الا بما شاءه ( شاء خ ) و كل علومهم في كل احوالهم متجددة كما قال مولينا علي عليه السلام لولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة و هذا دليل علي انهم يعلمون الاشياء كلها في مراتبها و مقاماتها لكنهم ليسوا بمستقلين حتي يثبت علمهم بل لله عز و جل المشية فيهم و في الاشياء فلايحتم عليه ( عليهم خ ) بشئ كما قال تعالي و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك لان ذلك صفة العبودية ، فان قلت اذا كان عندهم عليهم السلام علم ما كان و ما يكون و كل الاشياء كانت حاضرة عندهم موجودة لديهم فما معني ما ورد ان علي بن الحسين عليهم السلام امر ابنه الباقر عليه السلام ان يأتي له بماء يتوضأ و كان ذلك عند موته عليه السلام فاتي الباقر عليه السلام بالماء فقال ابوه عليه السلام اهرقه و آت بغيره فان الفارة قد ماتت فيه و لايصلح للوضوء و هذا معني الحديث و لا شك ان موت الفارة كان امرا وجوديا ، قلت ان لهم عليهم السلام حالات و مقامات و درجات ففي الحالة البشرية حالة يشغلهم شأن عن شأن فاذا التفتوا و توجهوا الي جهة فلايلتفتون الي الجهة الاخري كما ان الانسان اذا التفت الي مسئلة تغيب عنه المسألة الاخري حين التفاته اليها و ليس هذا بجهل و انما هو عدم الالتفات و النظر فاذا التفتوا علموا و وجدوا و انما الجهل انما يتحقق فيما اذا التفتوا لميجدوا و هو معني قولهم عليهم السلام اذا شئنا امرا علمنا اذا شئنا كما تقدم و عن هذا المعني قد يعبرون بغيبة روح القدس عنهم ، فان قلت فما معني حديث الطست و الابريق الذين اتي بهما جبرئيل من [ص 49] الجنة لعلي عليه السلام ليتوضأ حين شك في وضوئه و رجع عليه السلام ليتوضأ سريعا و يرجع الي المسجد ليدرك النبي صلي الله عليه و آله للصلوة و الحديث مشهور معروف ، قلت ان هذا الحديث ليس علي ظاهره اجماعا من الشيعة لان الشك لايصح ان يعتري المعصوم عليه السلام فيجب تأويله فنقول انهم عليهم السلام قد ينسبون اليهم نقايص شيعتهم كما نسبوا اليهم ذنوب شيعتهم و استغفروا منها فغفرها الله كما في قوله تعالي ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر و هم عليهم السلام ينسبون اعمال شيعتهم اليهم لانهم منهم كما قال الحجة عليه السلام اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا فاغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا علي حبنا الدعاء ، فكذلك الشك فهو انما وقع علي بعض شيعته عليه السلام و لميتدارك فتدارك عليه السلام عنه لاظهر تلك ( اظهارا لتلك خ ) الفضيلة العظيمة التي خرق الاسماع و ملأ الاصقاع من اتيان الطست و الابريق و الماء من الجنة لوضوئه عليه السلام في عالم البشرية و حالة الامامة فافهم ، فان قلت لو كانوا يعلمون كل شئ لعلموا السم حين اكلوه و علم الحسين عليه السلام انه يقتل يقينا و يسبي عياله و ذلك يستلزم القاءهم انفسهم بايديهم الي التهلكة و في ذلك مخالفة الله عز و جل حيث يقول و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة اذ يمكن لمولينا الحسين عليه السلام ان لايخرج و يبايع خوفا كما بايع و صالح ابوه و اخوه عليهم السلام و كذا الحسن عليه السلام يمكنه ان لايشرب من الماء المسموم و كذا علي عليه السلام يمكن [ص 50] ان يمنع ابنملجم من ضربه و كذا غيرهم عليهم السلام و لا شك ان مخالفتهم لله عز و جل باطل لعصمتهم و طهارتهم فلايبقي الا القدح في العلم ، قلت جواب هذا من دليل الحكمة واضح بل اهل الحكمة نظرا الي قواعدهم لايستشكلون في ذلك بل يوجبونه بالضرورة لكنا نتكلم علي دليل المجادلة بالتي هي احسن فنقول لانشك انهم عليهم السلام كانوا يعلمون جميع ذلك و ان واقعة الحسين عليه السلام قد اطلع عليها كل الانبياء و الاولياء و بكوا عليه و في الدعاء عن الحجة عليه السلام في الثالث من شعبان بكته السماء و من فيها و الارض و من عليها و لما يطأ لابتيها و كذلك علي عليه السلام قد اخبر ان ملجم ذلك الوقت الذي استشهد فيه عليه السلام بما اراد و الذي اختفي تحت عبائه من السيف المسقي بالسم و كذا مولينا الرضا عليه السلام حين تناول العنب و قبل ان يتناول اخبر خدامه بذلك و هكذا ساير الائمة عليهم السلام و لاينبغي التشكيك فيه لتوارد الاخبار بل تواترها في ذلك و اما اقدامهم علي ذلك فليس من قبيل القاء النفس الي التهلكة و انما هو طاعة و امتثال لامر الله عز و جل كما قال الحسين عليه السلام شاء الله ان يراني قتيلا و ان يراهن اسيرا و لله عز و جل في ذلك حكم و مصالح نشير الي بعضها فيما بعد ان شاء الله تعالي و حينئذ فعدم الاقدام كان الالقاء الي التهلكة فان الهلاك في مخالفة الله عز و جل و ذلك كالجهاد فاذا امر الامام عليه السلام واحدا من رعاياه بان يقاتل حتي يقتل و لايرجع وجب عليه الامتثال و الطاعة و لايجوز له الاعتذار بالآية الشريفة و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و هذا ظاهر و بالجملة يجب علي [ص 51] المؤمن المخلص ان يعتقد انهم عليهم السلام يعلمون كل شئ بالاجمال و التفصيل و الكلية و الجزئية و لايقول ان الاصل عدم علمهم ( عليهم السلام خ ) لانه مسبوق بالعدم الازلي فعدم علمهم قطعي و اما علمهم بالاشياء كلها فمشكوك فيه و لاينقض اليقين بالشك ابدا فان ذلك باطل لان الاصل علمهم و العدم الازلي كلام مزخرف فان العدم ان كان شيئا لايخلو اما ان يكون حادثا او قديما و الا فلايعقل توصيفه بالازلية فان الصفة فرع وجود الموصوف و اذ ليس فليس و قد دلت الاخبار المتكثرة و شهد صحيح الاعتبار ان الله سبحانه قد خلقهم قبل ان يخلق الخلق بالف دهر و كل دهر مائةالف سنة او ثمانينالف سنة او مائةالف و عشرينالف سنة و لما بطلت الطفرة و عدم اتساق النظام كان جميع الخلق انما خلقوا بواسطتهم عليهم السلام فهم الشاهدون لاحوالهم حين خلقهم الي منتهي امرهم لان الواسطة لاتخلو اما ان يكون علي جهة التنزل و الانجماد كالعقل الذي هو واسطة للنفس في ايصال الافاضات عليها و كالنفس بالنسبة الي الجسم و هكذا حكم كل لب بالنسبة الي قشره و كل ذائب بالقياس الي انجماده و لايصح ان يكون وساطتهم عليهم السلام في ايجاد الاشياء علي جهة التنزل و الا لكانت الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله مادة كل الاشياء و منه يلزم ان تكون الاشياء كلها من سنخ محمد و آله صلي الله عليهم و من سنخ واحد و تكون علي اختلافاتها في غاية الشرف و كمال اللطافة لانها تنزلات اول ما خلق الله و ظهوراته في مقام التفصيل و مقتضي ذلك ان تكون الاشياء كلها علي الصورة الانسانية لانها [ص 52] اشرف الكينونات التي يقتضيها المخلوق الاول و يلزم ان يكون الخلق كلهم معصومون حيث كانت المادة الواحدة سارية في الكل و تلك المادة نور باهر يضيء ما جاوره من الصور و الكينونات كما ان الذات و ان تنزلت التنزلات الكثيرة لمتصل الي رتبة الصفات و لا الجوهر الي الاعراض و تلك اللطيفة محفوظة في كل المراتب ثم يلزم ان لاتكون الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله سراجا وهاجا و ان لايكون لذلك النير الاعظم و الشمس المضيئة المشرقة من صبح الازل نورا و ان لايكون لجمال الحق جمالا و لجماله جمالا و لجمال جماله جمالا ( و لجمال جماله جمالا و لجمال جمال جماله جمالا خ ) و ان لايصدق قوله تعالي مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم و قد استفاضت الاخبار بل و تواترت معني عن الائمة الاطهار عليهم السلام ان مثل نوره يراد به محمد صلي الله عليه و آله فاذا كان صلي الله عليه و آله هو السراج الوهاج فلا بد ان يكون له شعاع و نور و الا لميكن سراجا و لا ريب ان الشعاع و النور ليس امرا عدميا و انما هو امر وجودي فيكون له تحققا و تأصلا في الوجود و لا شك ان النور و الشعاع علي هيكل المنير و مثاله و كلما قرب الي المنير بصفاء القابلية و نورانيتها يكون ظهور المثال هناك اكثر و حكاية القابلية اوضح و ابين و لما امتنع التعدد الوجودي في المخلوق الاول لكمال بساطته و فقدان جهات الارتباطات [ص 53] المتكثرة المتضادة و توجهه الي المبدأ الحقيقي و عدم الالتفات الي ما سواه الا بقدر ما يمسك نفسه من التعين اقتضي ان يكون واحدا قد ظهر في اربعةعشر طورا فكل ما عداه من اشعة انواره و اظلة عكوسات آثاره منه بدأت و اليها ( اليه خ ) تعود و لذا قال عليه السلام في الحديث المشهور في خلق النور المحمدي صلي الله عليه و آله انه لما اتم السباحة في الابحر الاثنيعشر قطرت منه مائة و اربعة و عشرونالف قطرة خلق من كل قطرة روح نبي من الانبياء و لوح بلطيف الاشارة الي ما ذكرنا فان القطرة ليست من حقيقة ذاته المقدسة و انما هي امر خارج عنها متأصلة بها و عن هذه القطرة قد يعبرون بالشعاع كما قال مولينا الصادق (ع) في الكروبيين انهم قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سأل موسي ربه ما سأل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا ه ، و قد قالوا عليهم السلام انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع انوارنا و قد قال ايضا عليه السلام علي ما في الكافي ان الله عز و جل خلقنا من طينة مخزونة مكنونة عنده و لميجعل في مثل الذي خلقنا منه نصيبا لاحد و قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا النقطة تحت الباء ه ، و انا الذات و ذات الذوات و الذات في الذوات للذات ه ، فاذا ثبت ان الموجودات كلها من فاضل انوارهم او من عكوسات آثارهم او من اظلة كينونات هيئاتهم كالقيام بالنسبة الي القائم و كالقائم بالنسبة الي الذات كانت كلها بكل اطوارها حاضرة لديهم حاصلة عندهم لاتغيب عنهم [ص 54] في حال من الاحوال و هم ناظرون اليها نظر المقوم الي المتقوم بل لا شيئية لها الا بذلك النظر فكيف يخفي عليهم حال من حالات المخلوقين الموجودين المربوبين اليس الله قد اشهدهم خلق الخلق و انهي اليهم علمه و جعلهم شهداء عليهم فهم عندهم عليهم السلام كالدرهم بين يدي احدكم فكيف يقال ان الاصل عدم علمهم مع ظهور هذه الادلة المتقنة المحكمة مع انا نقول ايضا لولا ما ذكرنا لقلنا ايضا ان الاصل علمهم عليهم السلام بحكم الاستصحاب كما ادعوا لان الله عز و جل خلق العلم قبل الجهل و العلم مساوق لحقيقة الشئ و ذاته بل هو عين ذاته لان الاشرف في الايجاد مقدم علي الاخس بالضرورة فالعلم الحقيقي خلق قبل العوارض و الغفلات الموجبة للجهل بعد التنزل من العوالم العلوية الي العوالم السفلية علي ما تشهد به الاخبار و دل عليه صحيح الاعتبار و علم كل احد علي مقدار سعته و احاطته في الوجود من الجزئي و الكلي فالمتنزل الي المقامات السفلية ان كان معصوما مطهرا تمنع عصمته و طهارة ذيله عن الاشتغال بما سوي الله سبحانه و الاعراض عن العالم الاعلي و عدم الاقبال الي الملأ الاعلي فيدخل في عالم الاجسام بالولادة الدنياوية الظاهرية و هو اعلم اهل زمانه لانه باق علي العلم الاصلي حيث فطره الله سبحانه عليه و باق علي المعرفة الحقيقية الاصلية و لذا تري عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام لما تولد تكلم مع امه بما تكلم و علمها بما تعيش به و ما ( بما خ ) تنجو به من قومها و قال للقوم اني عبدالله آتاني الكتاب و جعلني نبيا و جعلني مباركا اينما كنت و اوصاني بالصلوة و الزكوة الآيات ، [ص 55] و لما ان مريم عليها السلام اتت به الي المعلم ليعلمه قال له المعلم قل ابجد قال (ع) اتدري ما معناه فعلمه معناه كما هو مذكور في التوحيد و هكذا غيره و قد ورد ان المعصوم اذا تولد يقول اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و بالجملة هذا امر معلوم فلايحتاج المعصومون عليهم السلام الي الكسب و التعلم و المعالجات للتعليم لانهم علي الفطرة الاصلية و اما غيرهم فيحصل لهم في ادبارهم و نزولهم انحاء السهو و الغفلات فينسون ما كانوا عالمين به في الاول بالعلم اللدني الالهي فيحتاجون الي رفع الحجب و الغشاوات لظهور ذلك النور من العلم الاصلي و هو يحصل بامور منها الكسب و التعلم و امثال ذلك و هم متفاوتون في ذلك فمنهم من يظهر لهم ( له خ ) الامر سريعا في الدنيا بعلاج جزئي لضعف الموانع و قلة العوارض فيهم ( فيه خ ) و منهم من يحتاج الي تعب و علاج و كسب شديد ليظهر لهم شئ يسير من ذلك العلم في الدنيا و منهم من لايحصل في الدنيا و يصل اليه عند موته و في البرزخ و منهم من لايصل اليه الا في القيمة و الجنة فاذا كان المعصوم عليه السلام لايمنعه القوس النزولي عن مشاهدة القوس الاول الصعودي فيكون الاصل علمهم بالاحوال و الاوضاع الوجودية الخلقية الثابتة في عالم الاكوان و بما ذكرنا ( و هو خ ) ان ظهور العلم علي حسب احاطة العالم و مقدار كتابته في اللوح المحفوظ علي حسب الكلية و الجزئية فمن الاشخاص من هو ورقة في شجرة الخلد و منهم من هو غصن فيها و منهم من هو نفس الشجرة و تتفاوت علومهم علي حسب تفاوتهم في [ص 56] كونهم ورقة و غصنا و شجرة و يظهر علمه علي مقدار مادة وجوده اندفع ما عسي ان يتوهم تساوي علم المعصومين كلهم من الانبياء و الائمة الطاهرين عليهم السلام علي مقتضي ما قلنا من بقائهم علي الفطرة و عدم غفلتهم و نسيانهم ما سبق عليهم من العوالم و المقامات و هذا الذي ذكرنا كلام علي ظاهر الحال من جهة المماشاة و المداراة مع اصحاب الجدال و الا فالامر اعظم من ان يقال و ان يحيط به المقال بل الموجودات الكائنة من الغيبية و الشهودية كلها متقومة بتخيلات ( بتقومات خ ) الامام عليه السلام و تصوراته اذا سكن عنها انعدم العالم فتصورهم عليهم السلام هو علة للكون كما ان تصورك للكتابة و القيام مثلا علة لهما لايمكن تحققهما بدونه فافهم حقيقة الامر و لاتنظر الي خصوص العبارة فانها حجاب و غشاوة و انما هي تنبيه بتلويح و اشارة فكلما يفعله الانسان و غيره من ذوي الارواح بل غيرهم من سائر الاشباح في اعمالهم و اقوالهم و ساير مقتضيات احوالهم انما يتحقق في الكون الخارجي بعد ما يتنزل من الخزائن العليا او يتصاعد من الخزائن السفلي بحكم و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و قوام تلك الخزائن المنقسمة الي تينك الخزانتين بالامام عليه السلام و عنده مفاتح الغيب التي لايعلمها الا هو و هذه القيومية بسر الامر بين الامرين و اشار الي هذه الدقيقة اللطيفة بقوله الحق سبحانه و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال فاذن لاتخفي عليهم خافية و قال عز و جل و اسروا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و الهاء هو المخفف [ص 57] من الله و البسيط من لفظ الجلالة و اذا اشبعت كانت هو لان الضم بالاشباع يتولد منها الواو و هو اذا نزلت في رتبة الاسماء عن رتبة المسمي كان الاسم المقدس العلي و لذا قال عز و جل اشارة الي ما ذكرنا من غير الاشباع في قوله تعالي و انه في امالكتاب لدينا لعلي حكيم و مع الاشباع في قوله عز و جل و هو العلي العظيم فافهم و لنقبض العنان فللحيطان آذان قال الشاعر :
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان
فلو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
فلنكتف بهذا المقدار من الكلام فان امر الله لاينفد و سره لايتبدد .
قوله عليه السلام : و ما كان في الذر الاول اعلم ان الذر عالم مستقل خلقه الله سبحانه بفيض قدرته و اقام الخلق فيه علي مقتضي مشيته و ارادته و هم حينئذ علي هيئة ورق الآس فكلفهم بلسان مشيته من لسان عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اخذ عليهم العهد و الميثاق بربوبيته و نبوة محمد صلي الله عليه و آله و ولاية علي عليه السلام و الائمة الطاهرين و فاطمة الصديقة المطهرة عليها و عليهم سلام الله ابد الآبدين و قد نطق بوجود هذا العالم و هذا التكليف القرآن و الاخبار المتظافرة المتكاثرة التي كادت ان تبلغ حد التواتر المعنوي و العقل المستنير بنور الله و قد انكر وجود هذا العالم بعض الاجلاء لمجرد الاستبعاد من ان الله تعالي كيف يكلف الذر و لايتصور التكليف في حقه و انا الآن بعون الله اتلو عليك بعض الاخبار الواردة في هذا الباب ثم اشرح [ص 58] حقيقة الامر في هذا العالم و معني تعدده و كيفية وجوده و ظهوره لينكشف المراد و يرتفع الاستبعاد لاهل الاستعداد و من الله سبحانه المعونة و الامداد ، في الكافي عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان ان الله عز و جل قبل ان يخلق الخلق قال كن ماء عذبا اخلق منك جنتي و اهل طاعتي و كن ملحا اجاجا اخلق منك ناري و اهل معصيتي ثم امرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن ثم اخذ طينا من اديم الارض فعرك ( فعركه خ ) عركا شديدا فاذاهم كالذر يدبون فقال لاصحاب اليمين الي الجنة بسلام و قال لاصحاب الشمال الي النار و لا ابالي ثم امر نارا فاسعرت فقال لاصحاب الشمال ادخلوها فهابوها و قال لاصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فقال كوني بردا و سلاما فكانت بردا و سلاما فقال اصحاب الشمال يا رب اقلنا فقال قد اقلتكم فادخلوها فذهبوا فهابوا فثم ثبتت الطاعة و المعصية فلايستطيع هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء و هؤلاء من هؤلاء و فيه عن زرارة ان رجلا سأل اباجعفر عليه السلام عن قوله عز و جل و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي الي آخر الآية فقال و ابوه يسمع عليهما السلام حدثني ابي ان الله عز و جل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات ثم تركها اربعين صباحا ثم صب عليها الماء المالح الاجاج فتركها اربعين صباحا فلما اختمرت الطينة اخذها فعركها عركا شديدا فخرجوا كالذر يدبون من يمينه و شماله و [ص 59] امرهم جميعا ان يقعوا في النار فدخل اصحاب اليمين فصارت عليهم بردا و سلاما و ابي اصحاب الشمال ان يدخلوها و فيه ايضا عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله جل و عز لما اراد ان يخلق آدم (ص) ارسل الماء علي الطين ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده ثم ذراهم فاذا هم يدبون ثم رفع لهم نارا فامر اهل الشمال ان يدخلوها فذهبوا اليها و هابوها و لميدخلوها ثم امر اهل اليمين ان يدخلوها فدخلوها فامر الله عز و جل النار فكانت عليهم بردا و سلاما فلما رأي ذلك اهل الشمال قالوا ربنا اقلنا فاقالهم ثم قال لهم ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها و لميدخلوها فاعادهم طينا و خلق منها آدم عليه السلام و قال ابوعبدالله عليه السلام فلنيستطيع هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء و هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء قال فيرون ان رسول الله صلي الله عليه و آله اول من دخل تلك النار فلذلك ( فذلك خ ) قوله عز و جل قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين ، و فيه ايضا عن زرارة عن حمران عن ابيجعفر (ع) قال ان الله تبارك و تعالي حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا و ماء مالحا اجاجا فامتزج الماءان فاخذ طينا من اديم الارض فعركه عركا شديدا فقال لاصحاب اليمين و هم كالذر يدبون الي الجنة بسلام و قال لاصحاب الشمال الي النار و لاابالي ثم قال الست بربكم قالوا بلي شهدنا ان تقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين ثم اخذ الميثاق علي النبيين فقال الست بربكم و ان هذا محمد رسولي و ان هذا علي اميرالمؤمنين قالوا بلي فثبتت لهم النبوة و اخذ الميثاق علي اولي العزم اني ربكم و محمد رسولي و علي [ص 60] اميرالمؤمنين و اوصياؤه من بعده ولاة امري و خزان علمي عليهم السلام و ان المهدي انتصر به لديني و اظهر به دولتي و انتقم به من اعدائي و اعبد به طوعا و كرها قالوا اقررنا يا رب و شهدنا و لميجحد آدم و لميقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي و لميكن لآدم عزم علي الاقرار به و هو قوله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لمنجد له عزما قال انما هو فترك ثم امر نارا فاججت فقال لاصحاب الشمال ادخلوها فهابوها و قال لاصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا و سلاما فقال اصحاب الشمال يا رب اقلنا فقال قد اقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها فثم ثبتت الطاعة و الولاية و المعصية و فيه ايضا عن حبيب السجستاني قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول ان الله عز و جل لما اخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق بالربوبية له و بالنبوة لكل نبي فكان اول من اخذ له عليهم الميثاق بنبوته محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله ثم قال الله عز و جل لآدم انظر ماذا تري قال فنظر آدم عليه السلام الي ذريته و هم ذر قد ملأوا السماء قال آدم عليه السلام يا رب ما اكثر ذريتي و لامر ما خلقتهم فما تريد منهم باخذك الميثاق عليهم قال الله عز و جل يعبدونني لايشركون بي شيئا و يؤمنون برسلي و يتبعونهم قال آدم ( يا رب خ ) فما لي اري بعض الذر اعظم من بعض و بعضهم له نور كثير و بعضهم له نور قليل و بعضهم ليس له نور فقال الله عز و جل كذلك خلقتهم لابلوهم في كل حالاتهم الحديث ، و فيه ايضا عن عبدالله بن [ص 61] محمد الجعفي و عقبة جميعا عن ابيجعفر عليه السلام قال ان الله جل و عز خلق الخلق فخلق من احب مما احب فكان ما احب ان خلقه من طينة الجنة و خلق من ابغض مما ابغض و كان ما ابغض ان خلقه من طينة من النار ثم بعثهم في الظلال فقلت و اي شئ الظلال فقال المتر ظلك في الشمس شيئا و ليس بشئ ثم بعث منهم النبيين فدعوهم الي الاقرار بالله عز و جل و هو قوله تعالي و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ثم دعوهم الي الاقرار بالنبيين فاقر بعضهم و انكر بعض ثم دعوهم الي ولايتنا فاقر بها والله من احب و انكرها من ابغض و هو قوله تعالي ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ثم قال ابوجعفر (ع) كان التكذيب ثم ، و فيه ايضا عن صالح بن سهل عن ابيعبدالله (ع) ان بعض قريش قال لرسول الله صلي الله عليه و آله باي شئ سبقت الانبياء و انت بعثت آخرهم و خاتمهم فقال اني كنت اول من آمن بربي و اجاب حيث اخذ الله ميثاق النبيين و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم فكنت انا اول نبي قال بلي فسبقتهم بالاقرار بالله عز و جل و فيه ايضا عن عبدالله بن سنان قال قلت لابيعبدالله عليه السلام جعلت فداك اني لاري بعض اصحابنا الي ان قال فقال عليه السلام لاتغتم لما رأيت من نزق اصحابك و لما رأيت من حسن سيماء من خالفك ان الله تبارك و تعالي لما اراد ان يخلق آدم خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين فقال لاصحاب اليمين كونوا خلقا باذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعي و قال لاهل الشمال كونوا خلقا باذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج ثم رفع لهم نارا فقال ادخلوها باذني فكان اول من دخلها محمد صلي الله عليه و آله ثم اتبعه اولوا العزم من الرسل و اوصياؤهم و اتباعهم الحديث ، [ص 62] و فيه ايضا عن ابيبصير قال قلت لابيعبدالله (ع) كيف اجابوا و هم ذر قال عليه السلام جعل فيهم ما اذا سئلوا اجابوا يعني في الميثاق ، و في ثوابالاعمال بالاسناد عن سهل بن سعد الانصاري قال سألت رسول الله صلي الله عليه و آله عن قول الله عز و جل و ماكنت بجانب الغربي اذ نادينا قال كتب الله عز و جل كتابا قبل ان يخلق الخلق بالفي عام في ورق آس انبته ثم وضعها علي العرش ثم نادي يا امة محمد ان رحمتي سبقت غضبي اعطيتكم قبل ان تسألوني و غفرت لكم قبل ان تستغفروني فمن لقيني منكم يشهد ان لا اله الا انا و محمد عبدي و رسولي ادخلته الجنة برحمتي ، و الاخبار الواردة عن الائمة الاطهار عليهم السلام كثيرة لاتحصي و هذا الذي ذكرنا جملة مما حضرني حال الكتابة و لا معارض لها بوجه من الوجوه فطرح هذه الاخبار الكثيرة التي لا معارض لها اقوي و لا مساوي لمحض الاستبعاد خارج عن طريق الانصاف و لا كل حديث يدرك معناه و مضمونه فان علم آلمحمد صلي الله عليه و آله صعب مستصعب لايحتمله احد الا الملك المقرب و النبي المرسل و المؤمن الذي امتحن الله قلبه للايمان و الاصل في المسألة هو ان الذر في اصطلاح اهل البيت عليهم السلام علي ما افهم يطلق علي الامر الشايع المشاع في نوعه او جنسه الغير المتميز بحد من الحدود الصالح لذلك و قد يعبرون عنه بجوهر الهباء و دليل ذلك الذر و آيته الذرات المبثوثة في الجو فان كل جزء منه يصلح للتعين و التميز بالعوارض و الحدود و الكيفيات مع عدم التمايز المعروف و لما ان الله عز و جل اراد ان يخلق [ص 63] الخلق قبض قبضة بيمينه من الارض الطيبة المسقاة بالماء العذب الفرات و قبض قبضة اخري بشماله من الارض الخبيثة المسقاة بالماء المالح الاجاج ثم خلط بينهما و مزجهما و عركهما عركا شديدا فصنع منها ( منهما خ ) هيولي الخلايق و موادها و حقائقها فمزج فيهم الميولات و الشهوات المتضادة و الشعور و انحاء الادراكات و اقسام الاختيار فتلك الحقايق حصص غير متمايزة فلايعرف الشقي منهم من السعيد و الطيب منهم من الخبيث و صحيح الخلقة من ناقصها و الزوجة من زوجها و كذلك انواع البهائم قبل التكليف كانت حصصا غير متمايزة فلا ميز بين الفرس و البقر و الغنم و الكلب و الحية و الحوت و غيرها من الحيوانات من الدواب و الحشرات و الطيور و كذلك انواع النباتات من الاشجار المثمرة و غيرها و ذوات الاثمار الطيبة الحلوة و المرة و سائر البقولات كلها طينة واحدة غير ممتازة ( متمايزة خ ) بالشخص و الخصوصيات و كذلك الاحجار و المعادن من انواع الجمادات فلا تمايز بين الياقوت و الزمرد و المرجان و الالماس و الفيروزج و البلور و سائر المعادن المنطرقة و غيرها كمعدن النفط و الزرنيخ و الملح و الجص و امثالها كانت طينة واحدة غير ممتازة و الي هذا الاشارة بقوله عز و جل كان الناس امة واحدة فيطلق الذر بهذا المعني علي كل الموجودات بكل الذرات قبل وقوع التكليف عليها فاذا وقع التكليف عليها فاختلفت علي حسب القبول علي مقتضي اطوار القبول و الانكار علي مقتضي اطواره فامتاز كل ذر عن الآخر علي مقتضي حدوده بقابلية عمله من القبول و الانكار فاختلفت الصور الانسانية علي مقتضي اختلافهم في [ص 64] قبول التكليف قوة و ضعفا و ظاهرا و باطنا و كذلك الذكورية و الانوثية و لو اردنا شرح حقيقة الاحوال لطال المقال و ليس لي الآن ذلك الاقبال فالخلق قبل التكليف كانوا موادا غير ممتازة ذرات غير مصورة كل ذرة تصلح للتصور بالصورة التي تصور بها غيرها و هذا هو المراد في هذه الاخبار المتقدمة و ليس المراد ان الخلق كانوا ذرا علي هيئة الذر من النمل و غيرها كما توهموه و استغربوه مع انا لو قلنا ذلك لا استغراب فيه لانا نقول بتكليف الذرات كالنملة و اشباهها و ارسال الرسل و انزال الكتب عليها و لكن هذه الهيئة المخصوصة و هذه الصورة المشخصة لاتقتضي الحكمة ان يخلق الخلق عليها في العالم الاول و الا فهو قادر علي ما يشاء يخلق ما يشاء بما يشاء كيف يشاء او نقول انهم عليهم السلام عبروا عن الخلق في تلك العوالم بالذر كناية عن بعد كل عالم بالنسبة الي الآخر فانك اذا نظرت الي شئ من بعيد تراه صغيرا كالذر بل هو ادني و كذلك كل مقام بالنسبة الي مقام آخر الذي اقام المكلفين فيه و كلفهم و اخذ عليهم الميثاق بالتوحيد و النبوة و الولاية من البعد فان المسافة بين العالمين الف دهر و هو مائةالف عام فيكون اهل كل عالم بالاضافة الي العالم الآخر ( عالم آخر خ ) كالذر فعلي ما ذكرنا اتجه الكلام و صح المقام و بقيت الاحاديث بصرافة صحتها بل بظاهر حقيقتها فلا عقل يأبي ما ذكرنا بل العقول الصحيحة تؤيده و تقويه و لا النقل يعارض ما سطرناه و يبطل ما حررناه فلميبق الا القبول ،