قوله عليه السلام : و هي كالطير المنصرف الي وكره كما قلنا ان المشبه عين المشبه به فتكون الشمس هي الطير حقيقة تطير بجناحيه في هذا العالم و هو الطاووس مقامه جبل سرانديب لاجنحته الوان مختلفة غريبة عجيبة قوية نظرة يدهش الناظر عند النظر اليها بل يكاد يموت من شدة انجذاب نفسه اليها لما تجد من شدة المناسبة و كل العالم مستضيء لشدة نور ضياء تلك الاجنحة لان له جناحان علي احدهما مكتوب لا اله الا الله محمد رسول الله صلي الله عليه و آله الله نور السموات و بهذا الجناح يستضيء اهل السماء و علي الآخر مكتوب علي و اولاده الطيبون و فاطمة الصديقة خلفاؤ الله و اولياؤه علي نور الارضين و بهذا الجناح يستضيء اهل الارض و الآن من جهة خلط الطبايع بالظلمات احتجبت الابصار عن مشاهدة تلك الكتابة الواضحة فاذا ارتفع الخلط او قل تنفتح العين و تظهر حدتها علي مقدار خلوصها عن الخلط فتشاهد الكتابة الواضحة و لذا ورد في زمان الرجعة تظهر جسد مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في قرص الشمس و هذا الجسد هو تلك الكتابة لان المراد بالكتابة اثبات الاشباح المنفصلة فلو نظرت باذن القلب الواعية لشاهدت ببصر قلبك المتنزل الي هذا البصر الحسي تلك الكتابة علي كل ذرة من ذرات الوجود و هو ما تقدم من حديث كتابة لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين في العرش ( و الكرسي خ ) و اللوح و القلم و السماء و الارض و غيرها مما فصل بعض كلياتها فيه و لذا ظهر لطلحة بن عبدالله ذلك حين موته لما خلص عن [ص 818] الخلط الارضي شاهد الاصل من غير حجاب و رأي ان عليا عليه السلام يصعد الي السماء و ينزل الي الارض و يخرقها و يرمي بالنبل و يضرب بالسيف و يطعن بالرمح و يقول مت يا عدو الله فيموت في ساعته و لمير شيئا سواه عليه السلام و هذا الذي رآه هو اشباحه المنفصلة و هو كتابة اسمه الشريف علي الانسان و الجماد و النبات و قد قال عليه السلام انا الذي كتب اسمي علي البرق فلمع و علي الودق فهمع و علي الليل فاظلم و علي النهار فاضاء و تبسم ، فالشمس بهذين الجناحين بقوة تلك الاسماء المتبركة العالية تطير في فضاء الملك و الملكوت و تلحق بهواء اللاهوت و هو وكرها اذا غربت عن عالم الادبار الي عالم الاقبال و هو قوله عليه السلام حب الوطن من الايمان و ليس التعلق بالعالم الخلقي من الوطن و انما هو دار غربة و كربة كما قال عليه السلام اللهم ارحم في هذه الدنيا غربتي و عند الموت كربتي فالطير المنصرف الي وكره هو الخارج عن وكره لما قال الله عز و جل له ادبر فادبر مبعدا عن وكره و موليا عن مبدئه حتي بلغ غاية الضيق فلميجد مسلكا للطيران مدبرا فناداه الله عز و جل اقبل فاقبل منصرفا الي وكره و طار متصاعدا الي ان بلغ كبد سماء الكون الكلي و هو عالم النفوس و هناك ظهر نوره و تفرقت اجنحته و تكثرت و تزايدت رياشه و زادت الوانه سيما خضرته و اصفراره و احمراره فلما انحرف في طيرانه عن ذلك العالم قرب الي عالم البساطة فخفي ظهوره و نوره الغيري شيئا فشيئا الي ان بلغ الي عالمه و غرب عن العوالم التحتية كلها و التفت الي مبدئه و انصرف الي وكره و هو ليلة [ص 819] المعراج حين بلغ مقام قاب قوسين و هذا الوكر له مراتب كثيرة و مقامات عديدة كما ان او ادني كذلك فوصل الي مقام الدلالة للكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر و هو اول بيت من وكره ثم ترقي في الطيران بجناح واحد الي مقام الكلمة و منها الي مقام الحروف العاليات و منها الي مقام النفس الرحماني الاولي اي الاولي الي هنا شاهده اميرالمؤمنين عليه السلام حين انصرافه الي وكره مشاهدة عيان ثم ترقي منها الي مقام النقطة و ظهر له صلي الله عليه و آله سر لي مع الله وقت لايسعه ملك مقرب و لا نبي مرسل هو فيه انا و انا هو و اتصل الحبيب بالمحبوب و الطالب بالمطلوب و الشاهد بالمشهود و هذا الاتصال اتصال رسمي و هو الاتصال بلحظ المطلوب المحبوب الذي لحظه به و هو الطرف الخاص به كما قال :
قذفتهم الي الرسوم فكل دمعه في طلوله مطلول
منتهي الحظ ما تزود منه اللحظ و المدركون ذاك قليل
جاءها من عرفت يبغي اقتباسا و له البسط و المني و السئول
فتعالت عن المنال و عزت عن دنو اليه و هو رسول
الابيات ، فتفطن و افهم ما قاله عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته الخطبة ، و هذا المقام الاخير الذي هو آخر بيوت وكره و لا آخر انما شاهده و رآه اميرالمؤمنين عليه السلام رؤية وصف و مشاهدة صفة و مثال و قد دلت الاخبار بشهادة صحيح الاعتبار ان رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة المعراج ماوصل مقاما الا و قد رأي [ص 820] عليا عليه السلام فيه الي ان وصل مقام المناجاة و المناداة سمع كلام الجبار بلسان علي عليه السلام لانه لسان الله الناطق علي الخلق بما كان و ( ما خ ) يكون و لما وصل الي مقام الامداد و اكل طعام القرب رأي يد الله يشاركه فيه و هو يد علي عليه السلام فاذا انقطع الكلام و اشتعلت نايرة المحبة و فني الحبيب في محبوبه فناء رسم و صفة انقطع مقام علي عليه السلام ، اعلم ان الغروب غروبان احدهما نور و جمال و كمال فالجنة في هذا المغرب و نورانية هذا الغروب من جهتين احديهما ( احدهما خ ) لقطعه المقامات و سيره الدرجات و مشاهدته الآيات و حصول منافع السفر الذي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام في الشعر المنسوب اليه :
تغرب عن الاوطان في طلب العلي و سافر ففي الاسفار خمس فوائد
تفرج هم و اكتساب معيشة و علم و آداب و صحبة ماجد
و الشرق المذموم الذي نار جهنم فيه في مقابلة هذا الغرب كما اشار اليه عليه السلام بعد تلك الابيات :
فان قيل في الاسفار ذل و محنة و قطع الفيافي و ارتكاب الشدائد
فموت الفتي خير له من حيوته بدار هوان بين واش و حاسد
و الثانية هو الغروب عن عالم الخلق بالكلية و الرجوع الي مشاهدة الجمال ( جمال خ ) الاحدية بما تجلي له في ذات الشئ نفسه و صفاته و آثاره و نورانية هذا المغرب لمحو الموهوم و صحو المعلوم و هتك الستر لغلبة السر و اشراق النور المشرق من صبح الازل فهو غاية المني و القصد و ليس وراء عبادان قرية و هو اعلي مراتب الوطن الذي حبه من الايمان [ص 821] و ثانيهما ظلمة و اختلاف و تضاد و اعراض و غرائب و اهوال و احوال لايحبها المبدأ و هو عليه السلام اراد بقوله الشريف و لقد رأيت الشمس عند غروبها اراد المعنيين جميعا فاشار الي الاول بقوله عليه السلام و هو كالطير المنصرف الي وكره و قد اشار النبي صلي الله عليه و آله في الحديث المتقدم لما سئل عن الشمس اين تغيب قال صلي الله عليه و آله في السماء ترفع من سماء الي سماء حتي ترفع الي السماء السابعة العليا حتي تكون تحت العرش فتخر ساجدة تحت العرش الحديث ، و يريد عليه السلام من السماء الي السابعة هي الطبقات السبعة التي التئمت وجود الشمس فيها ( منها خ ) كما تقدم في الحديث عن الباقر عليه السلام و تحت العرش هي جنة الصاقورة التي بدأت الشمس منها فعادت اليها فخرت ساجدة لله عز و جل بكينونتها و ذاتها و غروبها عن كل ما سوي الله فالملائكة الحاملون للانوار و الاسرار المنشعبة من النور و السر الظاهرين فيها كلها تتبعها لانها تجذبها قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد و لما كانت الموجودات كلها طرية دائمة السيلان و الاستمداد فهي في كل الاحوال سائلة من الله سبحانه الامداد اذ لاتستغني عنه ابدا في حال اذ لو جاز ذلك جاز في كل الاحوال فهي محتاجة في كل آن في ذواتها و صفاتها و آثارها و مقادير اطوارها و هيئات حركاتها و سكناتها و هكذا الي نهاية اطوار وجوداتها و من هذه الجهة قال صلي الله عليه و آله ان الشمس تقول يا رب من اين تأمرني اطلع من مغربي ام من مشرقي فان الطلوع من المغرب علامة العود و فناء البدو ( و خ ) هذه الحالة ثابتة للشمس في [ص 822] كل الاوقات لان لها في كل وقت طلوع بالنسبة الي مكان و غروب بالنسبة الي مكان آخر اما في الظاهر فانها في كل حركة تقرب الي افق و تبعد عن افق و هذا معلوم و اما في الباطن فلسؤالها و امداد الحق اياها دائما فافهم و قد اشار الي الثاني بقوله عليه السلام فيما بعد من قوله عليه السلام دخولها في الماء الاسود في العين الحمئة كما يأتي شرحه ان شاء الله اما ان الشمس طير فلان الموجودات كلها اطيار يطيرون الي سماء الفقر الي الله عز و جل بجناحيهم احدهما جناح الوجود و به يطيرون الي سماء المعرفة و فضاء هواء عالم اللاهوت و ثانيهما الماهية و بها يطيرون في هواء الشهوات و الميولات و المعاني و العلوم و الادراكات و بهما يطيرون في هواء الطاعات و العبادات و الخيرات و المبرات و انواع الحوائج و الميولات في الذاتيات و العرضيات و الشمس هي مثال الفاعلية لها جناحان جناح لاهل السماء من السموات السبع و تمدهم بما جعل الله فيها من السر المعنوي الغيبي و جناح لاهل الارض من العناصر و المتولدات تمدهم بما قواها الله عز و جل بما جعل عندها من الاسم الاعظم و السر الاقدم و بذينك الجناحين يطير بهما الي الله عز و جل في استمدادها و فقرها و لواذها بالباب الاعظم و انما عبر عنها بالطير في هذا المقام لوجهين احدهما للحركة الي المبدأ بكله بجميع اعضائه و الثاني لتكثر شؤنها و وجوهها و روابطها اذ ليس فيما تحت الكرسي ذرة من الذرات الذاتية و الوصفية الا و لها علاقة بها و هذه العلائق كلها عرضية لا ذاتية و انما هي ظهوراتها تعلقت بظاهر تأثيراتها كالطير و تكثر [ص 823] رياشه و انها كلها خارجة عن حقيقة الطير و انما هي لاعانة الطيران و استمساكه في الهواء و اما قولنا انها طاوس فلطبيعتها من الحرارة و اليبوسة و ظهور اصول الالوان الاربعة من الانوار الاربعة العرشية و الالوان الحاصلة من قرانات تلك الالوان بعضها مع بعض تظهر شبه الوان الطواويس و اهل الصناعة يعبرون عن النار الفعالة بالطاوس كما قالوا في الطيور الاربعة التي ذبحها ابرهيم عليه السلام علي رواية انها الطاوس و الديك و الحمامة و الغراب قالوا ( ان خ ) الطاوس اشارة الي النار الحائلة و الديك اشارة الي هواء راكد و الحمامة اشارة الي ماء جامد و الغراب اشارة الي ارض سائلة و لذا قالوا ازل ريش الغراب يكون عقابا و اما قولنا انه في جبل سرانديب نريد به جبل الوجود و الحيوة الاولية لانه اول جبل نزل آدم عليه علي نبينا و آله و عليه السلام و يعبرون عنه بجبل العلم فان الشمس آدم من الآدميين الالفالف و حواءها ( حواءه خ ) الارض و نريد بهذه الحواء في مقام الظهور بالفعل و التأثير و في الحقيقة تكون الارض حواء لاشراق الشمس لا ذاتها و زوجتها الاصلية هي الارض القابلية زوجها النور الحامل للمثال فتكونت الشمس و هذه ايضا عبارة قشرية فان الارض القابلية حينئذ تكون امها لا زوجتها و الحق ان الزوجة لاتكون ذاتية و انما هي عرضية عند ظهور الآثار فتكون كما ذكرنا هي الارض لكن لا الارض المعروفة فافهم و يحتمل ان يراد من الشمس ما اراد الله عز و جل في قوله الشمس و القمر بحسبان و حسبان طبقة من طبقات جهنم لقوله عز و جل و يرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا او [ص 824] يصبح ماءها الآية ، و قال احدهما عليهما السلام ان الشمس و القمر يؤتيان بهما يوم القيمة و يؤخذ نورهما و يحشران بصورة العجل و يدخلان في النار و المراد بهما شمس الضلالة و قمرها و التسمية من باب التضاد و الالحاد اذ ما من حق الا و له صورة ضد تقابله و ما منها الا و قد ظهر في الوجود و نال نصيبه من الكتاب فولي مدبرا موليا و لحق باصله حاملا لصفات اعماله و لما كانت الشمس هي النبوة المالئة بنورها كل الوجود المظهرة لآثار الحي المعبود ( كانت ضدها الظاهر معها المالي بظلمته كل الوجود المانع لظهوره مظاهر الحي المعبود خ ) كما قال عز و جل و من اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه و سعي في خرابها فكانت الشمس في عالم الضد هو الاول و شيطانه هو الثاني و قد ظهرا في هذه الدنيا بعد ظهورهما في عالم الغيب و ادبارهما موليا عن تحت الثري الي هذه الارض و سكنا فيها بنتنها و خبثها و اظهرا شرهما فكثفت الارض و غلظت و تكدر العالم بظلمتهما و لبسا لباس الانسانية لاظهار منتهي مراتب خبثهما فوهبهما الله سبحانه اياها استدراجا و هي نورهما علي ما قال عز و جل و لايحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين فاظهرا الظلمة و العناد و اكثرا في الارض الفساد حتي تقدم الليل علي النهار فمكثا في الارض حتي نالا نصيبهما من الكتاب الي ان يردا الي اصلهما و ينصرفا الي وكرهما فكان عاقبتهما انهما في النار خالدين فيها و قد اشار اميرالمؤمنين عليه السلام في الكتاب الذي كتبه الي ابيبكر الي ان قال عليه السلام و لكني [ص 825] اهون وجدي حتي القي ربي بيد جذاء صفرا من لذاتكم خلوا من طخيائكم فما مثل دنياكم عندي الا كمثل غيم علي فاستعلي ثم استغلظ فاستوي ثم تمزق فانجلي رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل فتجدون ثمر فعلكم مرا و تحصدون غرس ايديكم زعاقا ممقرا و سما قاتلا و كفي بالله حكيما و برسول الله خصيما و بالقيمة موقفا و لاابعد الله فيها سواكم و لااتعس فيها غيركم و السلام علي من اتبع الهدي ه ، فكان هو الطير المنصرف الي وكره و وكره جب في قعر جهنم في تابوت مقفل علي ذلك الجب صخرة اذا اراد الله ان يسعر جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج ذلك الجب و هذا اصل بيوت وكره و الا فكل جهنم وكره و صاحبه و كلما فيها من الجحيم و العذاب الاليم له و لصاحبه و عليهما وزر كل ما علي الخلق كما روي عبدالله بن جعفر بن ابيطالب بمشهد من معوية في حديث طويل الي ان قال ثم نص اي رسول الله صلي الله عليه و آله بالامامة علي الائمة تمام الاثنيعشر عليهم السلام ثم قال صلوات الله عليه ( و آله خ ) و لامتي اثناعشر امام ضلالة كلهم ضال مضل عشرة من بنيامية و رجلان من قريش وزر جميع الاثنيعشر و ما اضلوا في اعناقهما ثم سماهما رسول الله صلي الله عليه و آله و سمي العشرة معهم الحديث ، و قد قال سلمان رضي الله عنه خطابا للثاني اني لاشهد اني سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول ان عليك و علي صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب امته الي يوم القيمة و مثل عذابهم ه ، فكان وكرهما كما وصف الله سبحانه ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار لان [ص 826] ابليس المعنوي ( المغوي . نسخة ٢٤٤ ) لكل الخلائق هو مظهر جهلهما الكلي فكان وكرهما في مبدأ الاليم و الجحيم و هو اسفل طبقات جهنم و الكلام في هذا المقام طويل اعرضنا عنه لان مرادنا الاشارة ببعض المراد و الله لهما بالمرصاد لعن الله صنمي قريش و جبتيهما و طاغوتيهما و ابنتيهما و هذه الشمس الظلمانية لها ظهورات في المراتب الظلمانية و اصل كل مرتبة اسمه شمس كمقابلها فتعدد الشموس من الطرفين الي ما لا نهاية و الغروب في كل مقام له معني يناسبه اما نوراني او ظلماني او فناء و عدم او اضمحلال و استهلاك او خفاء نور او استيلاء باطل او ظهور الكثرات و غلبة الروابط و القرانات او حل العقد و فك النظم في الحلين الاول و الثاني او تداخل الامرين بحيث ارتفع التمايز من البين او مقام التعفين و رتبة التلوين و انصراف الشمس الي وكره حين اجتماع المياه الاربعة او الخمسة او الستة او السبعة اي الماء الرقيق الابيض كوكب زحل كوكب اميرالمؤمنين عليه السلام و الماء الابيض الغليظ الفتاة الغربية و هرمس الحكيم و الفرار و الماء الاصفر الشرقي و الماء الاحمر الشرقي و المجموع شئ يشبه البرقا و الصبغ الاحمر و هو الشمس الغائبة في افق الخفاء و الانفخة و هي القاضي و الماء السيال اي الارض المقدسة فاذا اجتمعت هذه المياه في الارض المقدسة و سقيت لها ( بها خ ) فتغرب الشمس التي هي الصبغ الاحمر و يعود الي اصله و هو الطير المنصرف الي وكره لانه قد استخرج من اصله و هي الارض المقدسة الملوثة بكثافات القوم الجبارين فظهر منفردا ثم رد منصرفا الي وكره عائدا الي اصله ذاهلا عن وجدانه [ص 827] فظهر بعد ما غرب شمسا مشرقة و نارا محرقة يجذب الاشياء اليه جذبا ميليا معنويا و يوصلها الي غاياتها و كمالاتها ايصالا حقيقيا فطلعت من مغربها و اعادت الاشياء الي اصولها و مباديها فهناك ينسد باب التوبة و الاستغفار و تهتك الاستار و يفضح الاغيار سترك الجميل يا ستار و يحتمل ان يكون المراد من الشمس شمس الوجود و هو الماء النازل من سحاب المشية مبدأ الموجودات المقيدة و اصل الاكوان النورية و غروبها تعلقها بالماهية و خفاء احكامها حال البساطة و الماهية هي ارض القابلية و ارض الجرز و البلد الطيب او ( و خ ) الذي خبث و هي وكر الوجود في عالم الظهور بل العوالم كلها لان الممكن زوج تركيبي فالماهية وكر الوجود و قابليته و بيته الذي يأوي اليه و انما عبر عن الوجود بالشمس لانه حامل مثال الفاعلية الظاهرة في المشية فقد ظهرت المشية به لافراد الكائنات جميعا و هو الفاعل الذي هو معمول الفعل الذي هو المشية و هو المصدر و المفعول المطلق التأكيدي و منه يشتق اسم الفاعل و المفعول فقوامهما التحققي ( التحقيقي خ ) الركني به و قوام المصدر بالفعل و لذا تري المصدر يعمل في الفاعل و المفعول بشرطه و هذه المذكورات هي صفات الشمس الظاهرة في العالم الجسماني بل هذه الشمس صفة و مثال لتلك الشمس و حكاية عنها و اما ان اميرالمؤمنين عليه السلام رآها ففي الظاهر لان الله عز و جل اشهده خلق السموات و الارض و خلق نفسه كما قال الله عز و جل لما قال النبي صلي الله عليه و آله اللهم انصر الاسلام باحد العمرين و يريد بهما عمر بن الخطاب و عمر بن هشام اباجهل قال [ص 828] الله عز و جل مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا فدل مفهوم الآية علي انه عز و جل اتخذ الهادين عضدا و اشهدهم خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و قد تكثرت الروايات بالطرق المتعددة عن الفريقين ان المراد بقوله عز و جل انما انت منذر و لكل قوم هاد هو علي عليه السلام و قد فسرها رسول الله صلي الله عليه و آله حين نزولها و قال انا المنذر و علي الهادي فكان ( علي خ ) عليه السلام ممن اشهده الله خلق السموات و الارض و الخلق لايكون الا بالوجود و الماهية و اقترانه بها و اتصاله معها و هذا ظاهر و اما في الباطن فكما ذكرنا مرارا ان الموجودات كلها موادها التي هي وجوداتها و صورها التي هي ماهياتها من نور علي عليه السلام و من هيئات اعماله فكانت متقومة به فهو عليه السلام يريها و يشاهدها بالمشاهدة القيومية كمشاهدة السراج للاشعة فافهم .
قال عليه الصلوة و السلام : و لولا اصطكاك رأس افرودوس و اختلاط الطتنجين و صرير الفلك لسمع من في السموات و الارض رنيم حميم دخولها في الماء الاسود في العين الحمئة .
هذا اشارة الي ذكر الوجه الثاني مما يراد من المغرب كما ذكرنا سابقا من ان المراد به بيان سر الاختلاف و وقوع الفتن و الشكوك و الشبهات باعتبار لحن القول و كشف سر الباطن من السر المقنع بالسر و بيان هذه العبارات الشريفة في الظاهر المراد هو انه اعلم ان الله عز و جل خلق الخلق من مادة نورانية و طينة ظلمانية ثم ان الموجودات اختلفت باختلاف جهات التركيب و مراتبه و انحائه و حدوده من الكم و الكيف و الجهة و [ص 829] الرتبة و الوضع و الزمان و المكان بزيادة النور و قلته فكلما زاد فيه النور و قلت فيه الطينة الظلمانية زادت مشابهته باوائل جواهر العلل فلطف و رق و استعلي و كلما كثرت فيه الظلمة و قل النور فيه كثف و تسافل اذ بعدت المناسبة بينها و بين اوائل جواهر عللها فالمادة النورانية هي وجه الله سبحانه في الاشياء و هي ظهور توحيده و اسمائه و صفاته و ما ينسب اليه تعالي من آثار صنعه و احكام فعله و ايجاده و اختراعه و بالجملة هي دليله و الناطقة بتحميده و تقديسه و تنزيهه و تهليله في كل عالم و كل زمان و اوان و لما كان هذا النور قد سري و جري في كل شئ من الاشياء كان كل شئ علي مقدار ما فيه من النور ناطقا بالتسبيح و التقديس و التهليل بكل مراتبه مما ظهر ذلك النور فيه فكل شئ يسبح بحمده و في الزيارة يسبح الله باسمائه جميع خلقه و اليه يشير قوله عز و جل و ان من شئ الا يسبح بحمده و تسبيح الاشياء كلها بالنور المستودع في سرائرهم و ضمائرهم و احوالهم و اطوارهم و لكن هذا النور لما كان في العلويات و اشد و اظهر و اكثر كان ظهور هذه الآثار فيها اقوي و اشد و في السفليات لما كان اضعف كان هذا الظهور اقل و هذا لا شك ( فيه خ ) و لما وجب اقتران العلويات بالسفليات و اتصالها بها لحصول النظام و لان السفليات لا قوام لها الا بالعلويات حصل من هذا الاقتران و الوضع احوال و اوضاع اخر تأليفية تركيبية غير الاوضاع الاولية البسيطة الناظرة الي وجه المبدأ و اسمائه و صفاته و تلك الاحوال و الاوضاع و الحركات ليست في اللطافة و النورانية مثل العلويات و لا في [ص 830] الكثافة و الدنائة مثل السفليات و انما هي حالة برزخية فاذا جمع الواقف في السفلي حواسه و مشاعره و اجتمعت قوي قلبه يدرك تلك الاحوال و الاوضاع كما انك اذا سديت اذنك ظاهرا ام ظاهرا و باطنا ام باطنا تسمع دويا كدوي صب الماء في شئ و هو صوت صب الماء من بحر الصاد في الحوض الكوثر و اذا قعدت نصف الليل اذا هجعت العيون و هدأت الاصوات و انت فارغ البال تسمع اصواتا و الحانا و هي اصوات اقلام حملة الكتابة من الملائكة الموكلين بتدبير الاجسام و هي احوال غيبية متعلقة بالاحوال الشهودية و الاطوار الجسمانية او السفلية مطلقا كلها علي وزان تلك الاحوال و علي طبقها و هذه الكثرات كلها خلاف جهة الوحدة و النور لكن اقتران العلوي بالسفلي يستلزم ذلك لان العالم النازل عالم ظهور مجملات العالم الاول و لما كانت الكثرة جهة الانية و الظلمة لا جهة النور و الوحدة وجب قطع الالتفات عنها و عدم النظر اليها و الاقتصار علي جهة النور ليستولي في الاحاطة بالاشياء فيعرف الاشياء كلها علي ما هي عليه في اماكنها و اوقاتها و اوضاعها و يعرف جهاتهم الي ربهم و جهاتهم الي انفسهم و الجهات المتوسطة بين الجهتين و يعرف اسباب نجاتهم و وصولهم الي مباديهم و يعرف اسباب حرمانهم و هلاكهم و كيفية تسبيحهم و تهليلهم و تقديسهم و تنزيههم لباريهم و خالقهم و كيفية الاحوال الواردة عليهم و مبدأ السعادة و الشقاوة و التوفيق و الخذلان و التوقف و الاستضعاف و ما يحدث من قرانات الاشياء بعضها مع بعض و امثالها من الاحوال لانه قد وقف في مقام عال ينحط دونه كل مقام [ص 831] و كل مرتبة فيري كل شئ في موضعه كمن كان فوق المنارة و يتسلط علي كل البلد فان مقام الوحدة له قيومية علي كل الكثرات و كلها عنده نقطة فهو محيط بها مستولي عليها و لكن المنغمسين في بحر الشهوات و الملتفتين الي جهات الانيات قد حجبتهم ملاحظة تلك القرانات و الاوضاع و الكثرات عن مشاهدة نور التوحيد الظاهر في كل شئ بالتحميد و التمجيد حتي جمدوا و خمدوا و لمينالوا حظا من مشاهدة الاشياء و تنطقها بتوحيد الله و تسبيحه و تحميده و اختيارها ما اختارت من الشؤن و الاحوال و مسئلتها من الله عز و جل بانحاء الطلبات و السؤالات ( السؤلات خ ) و تضرعها و ضجيجها اليه سبحانه بانواع اللغات من الصفات و الكينونات و لذا قال عز و جل و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و اليهم الاشارة بقوله عز و جل الهيكم التكاثر حتي زرتم المقابر اي الهيكم مشاهدة الكثرات و الانهماك في الشهوات و ملاحظة الانيات حتي ذهبت عنكم روح الحيوة و بقيتم امواتا كالخشب المسندة و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون و الي هذا المعني الذي ذكرنا اشار مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام بقوله الشريف و لولا اصطكاك رأس افرودوس ، و قد قلنا ان افرودوس هو جهة النور و عالم الوحدة و السرور و مقام المبدأ علي مراتبه و اصطكاك رأسه اشارة الي اقتران العلوي بالسفلي و الروابط الحاصلة عند الاقتران و ظهور ذلك النور لانه حامل ظهور الحق عز و جل بالتأثير و الفعل و ذلك يظهر [ص 832] حال الاقتران علي مقتضي ذلك المقام لانه منشأ الحيوة و الحركة و السفلي علة التقدير و التصوير و الاختلاف حال اتصاله بالعلوي انما قال رأس افرودوس لان العلوي علي جهة الاطلاق لايقترن بالسفلي بذاته و انما الاقتران بوجه من وجوهه و ذلك الوجه هو رأس منه الي ذلك الشؤن فاقتران العالي بالسافل برؤسه و وجوهه لا بذاته كما هو المعلوم المبرهن و انما افرد الرأس مع ان تعلقات العالي بالسافل كثيرة لان مقام السفلي مقام الكثرة و كل منها لايتقوم الا برأس و وجه من العلوي فلم قال عليه السلام رأس و لميقل رؤس لان ما ظهر من العلوي هو شئ واحد و هو رأسه و وجهه الكلي و تلك الكثرات كلها وجوه ذلك الرأس الاتري الشخص فانه اذا وجد في مكان انفصل شبح منه هو وجهه و هو رأسه و هو شئ واحد و لو قابلته الف مرآة في كلها ينطبع وجه من وجوه ذلك الشبح المنفصل و هو واحد و الكثرة في وجه الوجه و رأس الرأس و وجه آخر و هو ان تقول ان الرأس واحد و الكثرة في وجوه ذلك الرأس الواحد و ان جاز لك ان تفرض كليات الوجوه رؤسا و اشخاصها وجوها او انواعها وجوها و اشخاصها السنة او اصنافها السنة و اشخاصها لغاتا كما ورد ان لله عز و جل ملكا له الف رأس و علي كل رأس الف وجه و علي كل وجه الف لسان و علي كل لسان الف لغة يسبح الله تعالي بها ه ، و هذا الملك انما هو لاصطكاك رأس افرودوس و الملائكة كلها وجوه ذلك الرأس و عند ذلك الرأس ينقطع سير الملائكة و يتناهي وجودهم فليس لهم فوق ذلك مقام و لا رتبة .
[ص 833] قوله عليه السلام : و اختلاط الطتنجين الاول هو الخليج المنشعب من الجهة اليمني من بحر الصاد و الثاني هو الخليج المنشعب من الجهة اليسري و هذان الخليجان يسيران علي جهة الاستدارة لكن من جهة الاختلاط قد حصل شكلان مخروطان متوازي السطحين قاعدة كل منهما عند رأس الاخر و مع ذلك لايوجد ذرة من ذرات احد الخليجين الا و جري فيه الخليج الآخر الا ان اطوار الاختلاط مختلفة كما مثلنا بالشكل المخروطي و وجه هذا الاختلاط و علته من دليل الموعظة الحسنة فاعلم ان الله عز و جل عدل حكيم خلق الخلق لاظهار كرمه و نشر عوائد مننه فلو اضطرهم علي وجه واحد لميصح فرض ايصال النفع لان المجبور ليس له انية حتي ينتفع بها مما افيض عليها من مبدئها و بارئها فيكون كالآلة للشئ و علي ذلك لميصح فرض اختلاف انحاء الموجودات المستلزم لاختلاف مظاهر الاسماء و الصفات فلمتظهر الكمالات الالهية و الصفات الربانية و هي خلاف فائدة الايجاد فلو انه تعالي جعل الاختلاف من دون داع و حكمة لكان فاعلا للعبث تعالي ربي و تقدس عن ذلك ثم انه لو فرض الجبر فاما ان يجبر الخلق علي الخير او علي الشر او يجبر بعضهم علي الخير و البعض الاخر علي الشر فان كان الاول فقد ظلم لانه وضع الشئ في غير محله اذ لا ريب ان كل الخلق لو خلوا و اختيارهم لميقبلوا الخير و النور كما لميقبلوا مما نشاهد فاعطاء الخير اياهم من غير شهوتهم و اختيارهم وضع للشئ في غير موضعه و ابطال لاصل فائدة الايجاد فان الايجاد للانتفاع و الانتفاع لايحصل الا بما يلايم الطبع فان حصل للشئ ما لايلامه كان [ص 834] اكراها لا انتفاعا كما هو المعلوم فاذن جريان الاشياء علي نحو واحد ليس نفعا ( لها خ ) و انما هو نفع لصانعها و الا كان عبثا مع ان النفع لايتصور الا عند امكان المضرة و الا فلا فتبطل فائدة الايجاد و ان كان الثاني كان قبيحا لان الشر لايكون مقصودا بالذات للحكيم و ان كان الثالث فهو الترجيح من غير مرجح مع ما ذكرنا من ان الشر لايكون مطلوبا للحكيم لان الشر خلاف جهة الحق فهو متوقف و متقوم بجهة الحق و كيف يتصور ان يريد الشئ اولا خلاف مقصوده و هو باطل بالبديهة فرجع الامر الي القسم الاول و قد عرفت بطلانه فاذا بطل الجبر و الاضطرار وجب الاختيار لان صنع الحكيم الكامل يجب ان يكون علي اكمل ما يتصور و اشرف ما يكون الا ان يكون اسباب اقوي من المقتضي و لا شك ان الخلق علي وجه الاختيار اكمل من الخلق علي وجه الاضطرار و الاختيار لاينشأ الا بوجود اسبابه و علله و علته وجود الامرين المتضادين في شئ واحد ليكون كل منهما مبدأ ميل بخلاف الآخر حتي حصل له الداعيان فتضاف اليهما القدرة و الحيوة فان قويت ظهرت آثار الميلين باجمعهما كالانسان و سائر الحيوانات تريهم يفعلون و يتركون و ان ضعفت قويت جهة و ضعفت الاخري فتحتاج لاظهار ميلها الي معين خارج عن حقيقة ذات الشئ كالجمادات و النباتات من الاجسام اللطيفة المائلة بالطبع الي الصعود فيحتاج في النزول الي معين خارجي و الاجسام الكثيفة المائلة بالطبع الي النزول فيحتاج في الصعود الي معين خارجي فمن جهة تحقق الاختيار خلق الله سبحانه بحرا من النور تحت العرش الاعظم و هو [ص 835] الصاقورة للجنان التي اكل روح القدس منها الباكورة و خلق ارضا طيبة تحت ذلك البحر و اجري ماء البحر عليها فصلصلهما و عركهما حتي صار شيئا واحدا و طينة واحدة ثم خلق سبحانه بحرا من الظلمة تحت الثري و خلق ارضا خبيثة فوقها ثم تبخر ذلك البحر بالحرارة الغضبية فصعدت تلك الابخرة الي ان وصلت تلك الارض الخبيثة فتراكمت الابخرة الخبيثة عليها حتي اذابتها فتصلصلت الي ان صارت طينة واحدة و هو قوله عز و جل و مايستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح اجاج و من كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية تلبسونها و تري الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله و لعلكم تشكرون ثم ان الله عز و جل خلط بين الخليجين اي البحرين فصاغ الموجودات كلها من هذا المختلط و هو قول ابيجعفر عليه السلام لو علم الناس كيف ابتداء ( ابتدأ خ ) الخلق مااختلف اثنان ان الله عز و جل قبل ان يخلق الخلق قال كن ماء عذبا اخلق منك جنتي و اهل طاعتي و كن ملحا اجاجا اخلق منك ناري و اهل معصيتي ثم امرهما فامتزجا فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن الحديث ، و قال ايضا عليه السلام لما سئل عن قوله تعالي و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي الي آخر الآية فقال و ابوه يسمع عليهما السلام حدثني ابي ان الله عز و جل قبض قبضة من تراب التربة التي خلق منها آدم عليه السلام فصب عليها الماء العذب الفرات ثم تركها اربعين صباحا ثم صب عليها الماء المالح الاجاج فتركها اربعين صباحا فلما اختمرت الطينة اخذها فعركها [ص 836] عركا شديدا فخرجوا كالذر من يمينه و شماله و امرهم جميعا ان يقعوا في النار فدخل اصحاب اليمين فصارت عليهم بردا و سلاما و ابي اصحاب الشمال ان يدخلوها ه ، و قال ايضا عليه السلام ان الله تبارك و تعالي حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا و ماء مالحا اجاجا فامتزج الماءان فاخذ طينا من اديم الارض فعركه عركا شديدا فقال لاصحاب اليمين و هم كالذر يدبون الي الجنة بسلام و قال لاصحاب الشمال الي النار و لا ابالي الحديث ، و قال مولينا الصادق عليه السلام ان الله عز و جل لما اراد ان يخلق آدم عليه السلام بعث جبرئيل عليه السلام في اول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة بلغت قبضته من السماء السابعة الي السماء الدنيا و اخذ من كل سماء تربة و قبض قبضة اخري من الارض السابعة العليا الي الارض السابعة القصوي فامر الله عز و جل كلمته فامسك القبضة الاولي بيمينه و القبضة الاخري بشماله ففلق الطين فلقتين فذرأ من الارض ذروا و من السموات ذروا فقال للذي بيمينه منك الرسل و الانبياء و الاوصياء و الصديقون و المؤمنون و السعداء و من اريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال و قال للذي بشماله منك الجبارون و المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هوانه و شقوته فوجب لهم ما قال كما قال ثم ان الطينتين خلطتا جميعا و ذلك قول الله جل و عز ان الله فالق الحب و النوي فالحب طينة المؤمنين التي القي الله عليها محبته و النوي طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير و انما سمي النوي من اجل انه نأي عن كل خير و تباعد عنه و قال الله جل و عز يخرج الحي من الميت و يخرج [ص 837] الميت من الحي فالحي المؤمن الذي تخرج طينته من طينة الكافر و الميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن و الميت الكافر و ذلك قوله عز و جل اومن كان ميتا فاحييناه فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كان حيوته حين فرق الله عز و جل بينهما بكلمته و كذلك يخرج الله عز و جل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها الي النور و يخرج الكافر من النور الي الظلمة بعد دخوله الي النور و ذلك قوله عز و جل لينذر من كان حيا و يحق القول علي الكافرين ه ، و الاخبار في هذا الاختلاط كثيرة اقتصرنا علي بعضها فلما حصل الاختلاط تحقق الاختيار فلما تحقق الاختيار و صيغ به الكائنات فخرجت في الوجود مجتمعة في صعيد ( واحد خ ) و محشر واحد فحصل بذلك قرانات و اوضاع و نسب و اضافات بين بعضها مع بعض فكلفهم الله سبحانه و بعث محمدا صلي الله عليه و آله ( عليهم خ ) بشيرا و نذيرا فقال لهم عن الله عز و جل الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم و الائمة من ولده الاحدعشر الطيبون و فاطمة الصديقة اولياءكم فاقر الانبياء عليهم السلام و تبعهم خواص الشيعة المخلصون العارفون و انكر المنافقون و هم رؤساء الضلالة و هم اثنيعشر و رئيسهم الاثنان و هما الاعرابيان و تبعهم خواصهم من المنافقين و ساير الشياطين فاستولت الانوار علي الاولين باقرارهم و البسوا من طينة عليين قال عز و جل يهديهم ربهم بايمانهم و غلبت الظلمة و تراكمت علي الآخرين و البسوا طينة سجين و طبع الله علي قلوبهم بكفرهم ثم قست قلوبكم من [ص 838] بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و بقيت طائفة قد تراكمت عليهم ظلمة اولئك الفجرة و استولت عليهم انوار تلك الطبقة الطيبة العالية ففسدت بنيتهم بتخلل تلك الظلمات فماكملت في النضج بحرارة نورانية تلك الانوار فبقيت واقفة متحيرة فمنهم من انكر ظاهرا بالتبع الظاهري ( الذكري خ ) ممن كانوا في جنب تلك الظلمات و منهم من اقر بمناسبة تلك الانوار بالاقرار العرضي التبعي ثم ان الله عز و جل كسر صيغتهم و دك بنيتهم و اذابهم كلهم و مزجهم و جعلهم طينة واحدة تحت النور الاحمر فبقوا كذلك اربعمائة سنة فاختلط الطتنجين مرة ثانية بعد الاختلاط الاول و الامتياز الاول فبقوا في هذا الكسر المدة ( بالمدة خ ) التي ذكرنا حتي انزلهم الله عز و جل الي هذه الدار و استودعهم في التراب فتعلقت لطخات من المناسبة العرضية بالفريقين فمنهم من قوي اللطخ فيهم في الارواح و الابدان معا حتي تعلقت الظلمة بالنور للمناسبة العرضية و استجنت فيها و تولد منها و اكتسب من عاداتها و آدابها و طبايعها حتي نسي اصله و صبغ بصبغها الي ان يحصل له منبه ينبهه اصله و مبدأه و منشأه و وجه عداوته معها و مباينته اياها فيذكر فيعود الي عالمه فيرجع الي اصله و هم متفاوتون في وصول هذا التنبيه اليهم او تنبههم بذلك فمنهم من قويت المناسبة فيه لايتنبه الا عند موته و منهم من لايتنبه الا في القبر و منهم في الدنيا اوان بلوغه و ربما بعضهم قبل بلوغه الحلم و هكذا في سائر الاطوار و منهم من حصل اللطخ في الابدان العنصرية خاصة قد تعلق بها لمناسبة البدن العرضي لغلظته و كثافته و هذا يتنبه في اول الامر [ص 839] بادني شئ و يتبرأ منها كما في علي بن يقطين و منهم من لميحصل اللطخ و المناسبة في الابدان لكنها قد حصلت في العادات و الآداب من الظاهرية و الباطنية حتي مال اليها و قال بقولها و تطور بطورها فبقدر الميل قويت الظلمة فيه الي ان ينجيه الله سبحانه منها و منهم من لميبلغ الخلط في الابدان الي ان يتولد منها و يستجن فيها لكنه قد حصل في المزاج و البنية بعد التركيب و التوليد او حين التوليد و التركيب من افراط احدي الطبايع اما من غلبة البلغم ليوصله الي البلادة او من غلبة الصفراء مع الدم ليوصله الي الجربزة او لغلبة الدم و البلغم ليوصله الي النسيان او لغلبة السوداء المحترقة ليوصله الي الاضطراب و الاغتشاش في ظاهره و باطنه و بالجملة مناسبة تخرجه عن الاستقامة البدنية فتهجم عليه الامراض و الاسقام و الآلام و منهم من قويت المناسبة فيه في الطبايع و الغرائز و الاقوال و الاحوال تحت حجاب الزمرد و امثال ذلك من المناسبات الخلطية اللطخية العرضية و هكذا من جانب العكس و الباطل و مناسبتهم العرضية في جانب النور و من جهة تلك المناسبة تري الكفار و المنافقين قد تصوروا بالصورة الانسانية و تصدر عنهم افعال حسنة كالاحسان علي الفقراء و المساكين و صلة الارحام و بناء المساجد و القناطر و سائر الخيرات التي يحصل منهم و هم في ذلك علي انواع شتي يطول الكلام بذكرها ،
و لكل رأيت منهم مقاما شرحه في الكتاب مما يطول
و ها انا اشير الي بعض الاخبار الدالة علي ما ذكرنا مما ذكره محمد بن يعقوب [ص 840] الكليني ثقة الاسلام في الكافي عن عبدالله بن سنان قال قلت لابيعبدالله عليه السلام جعلت فداك اني لاري بعض اصحابنا يعتريه النزق و الحدة و الطيش فاغتم لذلك غما شديدا و اري من خالفنا فاراه حسن السمت قال عليه السلام لاتقل حسن السمت فان السمت سمت الطريق و لكن قل حسن السيماء فان الله عز و جل يقول سيماهم في وجوههم قال قلت فاراه حسن السيماء له وقار فاغتم لذلك قال عليه السلام لاتغتم لما رأيت من نزق اصحابك و لما رأيت من حسن سيماء من خالفك ان الله تبارك و تعالي لما اراد ان يخلق آدم خلق تلك الطينتين ثم فرقهما فرقتين فقال لاصحاب اليمين كونوا خلقا باذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يسعي و قال لاهل الشمال كونوا خلقا باذني فكانوا خلقا بمنزلة الذر يدرج ثم رفع لهم نارا فقال ادخلوها باذني فكان اول من دخلها محمد صلي الله عليه و آله ثم اتبعه اولوا العزم من الرسل و اوصياؤهم و اتباعهم ثم قال لاصحاب الشمال ادخلوها باذني فقالوا ربنا خلقتنا لتحرقنا فعصوا فقال لاصحاب اليمين اخرجوا باذني من النار فخرجوا لمتكلم منهم النار كلما و لمتؤثر فيهم اثرا فلما رآهم اصحاب الشمال قالوا ربنا نري اصحابنا قد سلموا فاقلنا و مرنا بالدخول قال ( قد خ ) اقلتكم فادخلوها فلما دنوا و اصابهم الوهج رجعوا فقالوا يا ربنا لا صبر لنا علي الاحتراق فعصوا فامرهم بالدخول ثلثا كل ذلك يعصون و يرجعون و امر اولئك ثلاثا كل ذلك يطيعون و يخرجون فقال لهم كونوا طينا باذني فخلق منه آدم علي نبينا و آله و عليه السلام قال فمن كان من هؤلاء لايكون من هؤلاء و من [ص 841] كان من هؤلاء لايكون من هؤلاء و ما رأيت من نزق اصحابك و خلقهم فمما اصابهم من لطخ اصحاب الشمال و ما رأيت من حسن سيماء من خالفهم و وقارهم فمما اصابهم من لطخ اصحاب اليمين في الكافي عن عبدالله بن كيسان عن ابيعبدالله عليه السلام قال قلت له جعلت فداك انا مولاك عبدالله بن كيسان قال اما النسب فاعرفه و اما انت فلست اعرفك قال قلت له اني ولدت بالجبل و نشأت في ارض فارس و انني اخالط الناس في التجارات و غير ذلك فاخالط الرجل فاري له حسن السمت و حسن الخلق و كثرة امانة ثم افتشه فاتبينه عن عداوتكم و اخالط الرجل و اري منه سوء الخلق و قلة امانة و دعارة ثم افتشه فاتبينه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك قال فقال لي اما علمت يا ابنكيسان ان الله عز و جل اخذ طينة من الجنة و طينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه و هذه من هذه فما رأيت من اولئك من الامانة و حسن الخلق و حسن السمت فمما مستهم من طينة الجنة و هم يعودون الي ما خلقوا منه و ما رأيت من هؤلاء من قلة الامانة و سوء الخلق و الذعارة (كذا) فمما مستهم من طينة النار و هم يعودون الي ما خلقوا منه و عن علي بن الحسين عليهما السلام قال ان الله تعالي خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم و ابدانهم و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة و جعل خلق ابدان المؤمنين من دون ذلك و خلق الكفار من طينة سجين قلوبهم و ابدانهم و خلط بين الطينتين فمن هذا يلد المؤمن الكافر و يلد الكافر المؤمن و من هيهنا يصيب المؤمن السيئة و من هيهنا يصيب الكافر الحسنة فقلوب [ص 842] المؤمنين تحن الي ما خلقوا منه و قلوب الكافرين تحن الي ما خلقوا منه ه ، و الاخبار في هذا الباب كثيرة اكتفينا بما ذكرنا و بهذا اللطخ و الخلط انقطعت الاستقامة و كثرت المعاصي و السيئات و صارت بحيث ملأ الدهر ظلما و جورا لان النطف الطيبة قد استقرت في الاصلاب الخبيثة و النطف الخبيثة قد استودعت في الاصلاب الطاهرة فلايمكن تطهير الارض من اوساخ اولئك الارجاس ملاحظا لاستخراج تلك النطف لئلاينقطع الفيض عن الطيبين و لايتنجس الارض مرة ثانية بالخبيثين فضعف النور من جهة هذا الاختلاط و الاختلاف العظيم و الاختلال الجسيم لان النور مقام الوحدة و الايتلاف فلايبقي مع الكثرة و الاختلاف و هذا الاختلاط و النظر الي تلك الخصوصيات و حصول اللطخ و الخلط اقتضي اختلال طبايع الموجودات الدنيوية ظاهرا و باطنا و اورث فيها الامراض علي اختلاف مراتبها فضعفت المدارك و المشاعر و القوي بل عميت كثير من الابصار المعنوية الباطنية فصارت لمتدرك الانوار و لمتشاهد الاسرار و بقيت في مقام الجماد و احتجبت عن مشاهدة جلال رب العباد و سر هذا الخلط التكويني في الذوات اقتضي الخلط في الصفات و الالفاظ و العبارات فاشتملت الكتب الالهية و الاخبار المعصومية علي الظواهر و المتشابهات ليكون التشابه الوصفي كاشفا عن التشابه الذاتي و مبينا و مظهرا لاحكام الخلط و اللطخ اذ الاشياء كلها تميل الي ما يناسبها فالمحكم الي المحكم و المتشابه الي المتشابه و اهل الحق الي الحق و اهل الباطل الي الباطل لتميز ( ليتميز خ ) الخبيث من الطيب و لولا ذلك لماحصل التمايز و ماتمت الحجة علي [ص 843] الخلق و لذا قال عز و جل هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن امالكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ و قد ظهروا بزي المخلصين المؤمنين لحكم اللطخ فيتبعون ما تشابه منه مما يحتمل خلاف الحق و المراد في الصورة الظاهرية ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ، الآية و قال ايضا سبحانه و تعالي و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم و التمني هو القراءة و القاء الشيطان هو احتمال خلاف الحق و المراد المحتمل في القراءة بحكم اللطخ و النسخ اثبات القرائن الدالة الناصة علي المراد ثم ان الله عز و جل بين وجه هذا الالقاء و علته فقال سبحانه ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم من المعاندين و المنكرين باطنا الذين قد ظهروا بصورة المؤمنين لللطخ و ان الظالمين آلمحمد صلي الله عليهم حقهم لفي شقاق بعيد عن النور و الصواب و ليعلم الذين اوتوا العلم من اصحاب اليمين المخلصين الذين مااعتورهم لطخ من اهل الباطل او شئ لايعبأ به لقلته انه الحق من ربك فيؤمنوا به مخلصين عن الشبهات فتخبت له قلوبهم و ازدادوا ايمانا للتسليم و التصديق بما هو الحق من عند الله و ان الله لهادي الذين آمنوا و صدقوا بالحق و ما مالوا الي المتشابه من الكلام الي صراط مستقيم صراط النور و الهداية و الرشد و التسديد و التوفيق و الخير و الاخلاص و المحبة و اليقين و في الاخبار و الآيات بيان هذا الخلط و اللطخ كثير و هذا الخلط انما هو لتمييز الخلط و اللطخ الاولي [ص 844] التكويني فلولا هذا اللطخ و الخلط لميحجب شئ من اسرار الملك و الملكوت علي تفاوت درجاتها علي احد من الخلق الا ان اهل السجين عندهم الاسرار الظلية السفلية الجحيمية الي ما تحت الثري و اهل العليين قد جمعوا الاسرار و احاطوا بالانوار فيسمعون تسبيح الاشياء و جهات خضوعهم لخالق الارض و السماء بالسماع الحسي من السمعي و البصري و الشمي و اللمسي و الذوقي و المعنوي و الحقيقي بل الحقي و هكذا من سائر الجهات بل بكل الجهات بل بلا جهات فهناك يسمعون صرير افلاك الانوار الظاهرة ( علي عرش الاسرار كما قال سيدالشهداء عليه السلام يا من استوي برحمانيته خ ) علي العرش فصار العرش غيبا في رحمانيته كما صارت العوالم غيبا في عرشه محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار و اما اهل الخلط اي الواقفين مقامه من الطرفين فهم محجوبون عن مشاهدة تلك الاسرار من النورانية و الظلمانية لتدافع الميلين الا ان احدهما اقوي في الجملة و لذا تري لاحدهم يصح الاستدلال بكلام الآخر كما تري مخالفينا قد يستدلون بكلام اصحابنا لا ( الا خ ) في الامور التي لها مدخلية في المذهب فيما هو الظاهر المعلوم من الطرفين وجه المنافاة و المخالفة و تري اصحابنا كثيرا ما يتمسكون بكلامهم و يميلون اليه و ينقلون عنهم و يطلبون العلم بالتتبع في كلماتهم و هذا كله من جهة اللطخ الذي بينهم فحجبهم ذلك عن مشاهدة وجه المنافرة التي بينهم و المعاداة التي عندهم و اما الخالصون من اللطخ في ( من خ ) الطرفين فلايرون لكلامهم وجه صحة ابدا فلايميل احدهم الي [ص 845] الآخر لما يرون من كمال المعاداة و المنافاة و المنافرة و لما كان امتزاج هذا الخلط ليس امتزاجا بحيث لايمكن انفراد صاحب الخلط باحدهما دائما و ليس كالمركبات الجسمانية في ظاهر الحال جاز للشخص ان ينفرد في مقام احدهما فيرق الآخر و يلطف حتي يشابهه كما قال عز و جل فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و قال الشاعر :
رق الزجاج و رقت الخمر فتشابها و تشاكل الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم بل هو مكنون فيكم مخزون في قلوبكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و قال ايضا عليه السلام في وصف الملأ الاعلي صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ه ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله ه ، و امثالها من الاخبار الدالة علي الخلوص من شوائب اللطخ و الخلط كثيرة و العقل يؤيدها الا ان الخلوص علي قسمين خلوص في [ص 846] الوجدان و خلوص في الوجود و اما الخلوص في الوجدان فهو مما لا بد منه فان لميحصل في هذه الدنيا فهو يحصل في الآخرة ان كان من اهل الخير في الجنة و ان حصل هنا فيزيد جلاء و صفاء في الآخرة كالاكسير الذي سقيته من الماء الذي من نوعه و سنخه فانه يزيده بهاء و قوة فكلما يزداد السقي يزداد القوة و التأثير و الفعل كما هو المعلوم عند اهله و اما الخلوص في الوجود في الخلط الاول لتحصيل الصوغ فمستحيل لتوقف الايجاد علي التكليف و توقف التكليف علي الاختيار و توقف الاختيار علي الخلط كما ذكرنا اذ البسيط لايمكن تحققه كما عن الرضا عليه السلام ان الله لميخلق فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه الحديث ، و اما في اللطخ فهو لا بد منه فلايصفو الا بازالة ذلك عنه ( منه خ ) و رجوعه الي اصله و مبدئه و هذه الدنيا و محنها و ابتلاآتها و التكاليف و الاعمال و الاعتقادات كلها لتصفية هذا اللطخ و هذه التصفية تختلف مراتبها في القوة و الضعف فمنها ما تحصل في هذه الدنيا بالاعمال الصالحة و الاقبال الي الله عز و جل و هذا له مراتب كثيرة اعرضنا عنها خوفا للتطويل و منها ما تحصل عند الموت و منها ما تحصل في البرزخ و منها ما تحصل في القيمة و منها ما تحصل بالشفاعة و منها ما لاتحصل الا بالنار و المكث فيها احقابا استجير بالله من النار و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ثم اعلم ان ما ذكرنا كله في باب اللطخ من دليل الموعظة الحسنة و فيه شوب المجادلة بالتي هي احسن و اما الكلام فيه من دليل الحكمة التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا فقد اعرضنا عنه لاحتياجه الي بسط في [ص 847] الكلام بذكر بعض المقدمات الا ان من عرف سياق كلامنا تمكن من معرفته من اشارات العبارات .