قوله عليه السلام : و صرير الفلك اعلم ان من الامور التي تحجب عن مشاهدة الاشياء علي نهج وحدتها و بساطتها و معرفتها علي ما هي عليه و تشغله و تلهيه عن ادراك مقام القرب و الوصال و الاتصال صرير الافلاك و هو الاصوات و النغمات الحاصلة من نسب حركات الافلاك السبعة او التسعة فان الحركات العلوية كلها اربعة و عشرون حركة و تلك الالحان المطربة و النغمات المتناسبة انما تحصل بنسبة حركة بعضها مع بعض و اقلها الحركتان فلذا جعلوا مقامات الاصوات اي اصولها و كلياتها اثنيعشر مقاما و لكن يحصل بملاحظة اختلاف نسب بعضها مع بعض نغمات عجيبة غريبة لاتكاد تتحمل سماعها النفوس و هي ربما تبلغ الي ما لايحصي و قد ذكر استادنا و مولينا اطال الله بقاه و جعلني في كل محذور فداه في شرحه للحكمة العرشية للملا صدرا انه نقل عن قدماء الحكماء باكتفاء تماس الافلاك بعضها مع بعض في السماع كما نسب الي اساطين الحكمة كافلاطون و من قبله انهم يثبتون للافلاك اصواتا عجيبة و نغمات غريبة يتحير من سماعها العقل و يحكي عن فيثاغورس انه عرج بنفسه الي العالم العلوي فسمع بصفاء جوهر نفسه و ذكاء قلبه نغمات الافلاك و اصوات حركات الكواكب ثم رجع الي استعمال القوي البدنية و رتب عليها الالحان و النغمات الي ان قال سلمه الله تعالي و انما السامع لتلك الاصوات اذن القلب الواعية و ينزل معانيها القلب الي الروح فتخلع عليها الخلع الصفر [ص 848] و تنزلها الروح الي النفس فتلبسها ثيابا خضرا من سندس و استبرق و تنزلها النفس طينا و ذرا و تتقاسمها القوي الخمسة النفسانية علي نسبة سيرها في افلاكها فتخرجها بتلك النسب الحانا موسيقية و ان اردت اني اتكلم بها تكلمت فاقول كما قال علماء العروض ان الكلام باعتبار الحركات و السكنات يجمعها قولهم لمار علي ظهر جبلن سمكتن لم سبب خفيف و هو كحركة زحل و ار سبب ثقيل و هو كحركة المشتري و علي وتد مجموع و هو كحركة المريخ و ظهر وتد مفروق و هو كحركة الخيال و جبلن فاصلة صغري و هو كحركة عطارد و سمكتن فاصلة كبري و هو كحركة القمر لان فلك قمر يماس فلك عطارد بنقطة هي شخصية من فلك القمر و نوعية من فلك عطارد و عطارد يماس فلك الزهرة او الشمس مثلا و الا فالثلاثة متقاربان فتختلف النوعية و الشخصية فيها بالمحاذاة و نحن نريد التمثل للالحان فنقول لاجل البيان النقطة من عطارد او الزهرة او الشمس شخصية و من المريخ نوعية و من المريخ شخصية و من المشتري نوعية و من المشتري شخصية و من زحل نوعية و من زحل شخصية و من فلك البروج نوعية فاذا نسبت حركات الافلاك الاربع و العشرين الحركة بنسبة ما مثلنا بالشخصية و النوعية حصل من تناسب الاوضاع بين الشخصية و النوعية و نوعية النوعية و بين النوعية و نوعية نوعية النوعية و بالعكس و نحو هذا هيئات و اوضاع بين الاسباب و الاوتاد و الفواصل اذا اخرج الصوت عليها خرج بالحان و نغمات تكون اقرب كل شئ الي مطابقة النفوس و ملايمتها لان النفس مركبة من تلك الالحان حيوتها [ص 849] من الفاصلة الكبري و فكرها من الفاصلة الصغري و خيالها من الوتد المفروق و وهمها من الوتد المجموع و علمها من السبب الثقيل و تعقلها من السبب الخفيف انتهي كلامه اعلي الله كلمته و مقامه .
اقول اعلم ان الاشياء لكونها قد بدت عن فعل الله سبحانه لها مقامان احدهما مقام تحليلها الي الاجزاء اي البسائط و ثانيهما مقام تركيبها و جمعها و تأليفها و لما كان تركيب الممكنات من جهة العلة و من جهة نفس المعلول كان لكل شئ جهة وحدة و بساطة و عموم و شمول و انبساط و اطلاق و جهة تقييد و اختصاص و انجماد فالاولي جهة العلة و الثانية جهة المعلول و يحصل عند اقتران تلك الجهتين مراتب بل عوالم كثيرة من اول ميل الجهة العليا الي الجهة السفلي لاتحصي و هي مذكورة في اشارات ادعية اهل العصمة عليهم السلام و بواطن اخبارهم لكن تجمع كليات تلك المراتب ثلاث مراتب الاولي ميل الجهة العليا الي السفلي قبل الاقتران و الثانية اقترانهما و الثالثة مزجهما و تأليفهما بحيث تصير الجهتان جهة واحدة و الطبيعتان طبيعة واحدة تستحق اسما واحدا فالاولي يوم الايلاج قال تعالي يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل و النهار هو جهة العلة و هو الجهة العليا و الليل هو جهة المعلول و هو الجهة السفلي و الثانية يوم الغشيان قال تعالي يغشي الليل النهار و الثالثة يوم الشأن قال تعالي كل يوم هو في شأن و هو تمام الامر بالاقتران و الامتزاج و لما كانت الجهة العليا بعد التركيب تنصبغ بصبغ الجهة السفلي كان الحكم التركيبي التحديدي علي مقتضي الجهة السفلي و [ص 850] هذه المراتب الثلثة كلها جهة احتجاب المعلول عن مشاهدة العلة و عن مشاهدة انوار الوحدة السارية في اطوار الوجود الا انها تختلف بالغلظة و الرقة فالاولي ارقها و الطفها و الثانية اوسطها و الثالثة اكثفها و اغلظها و لما كان الامام عليه السلام بصدد اثبات علة احتجاب الخلق عن مشاهدة الاشياء بحقايقها و اسرارها علي ما هي عليه ذكر عليه السلام المراتب الثلاثة لاحتوائها جميع المراتب و اطوار الحجب فاشار الي الاولي بقوله عليه السلام و لو لا اصطكاك رأس افرودوس و هذا الاصطكاك هو اتصال الميلين و التقاء البحرين و الي الثانية بقوله عليه السلام و اختلاط الطتنجين و هو مزج الخليجين و رفع التمايز من البين و الي الثالثة بقوله عليه السلام و صرير الفلك و هو ظهور الولد علي ما اعطته امه من الصورة و الهيكل و انما اختار عليه السلام الصرير لانه يريد بيان ظهور الجهة العليا من حيث الجهة السفلي محدودة بحدودها و مصبوغة بصبغها و ان لا قوام للجهة السفلي الا بالعليا و انها مع ذلك تحتجب بها كما قال عليه السلام بل تجلي لها بها و بها امتنع عنها و اليها حاكمها لان الصرير هو الصوت و الصوت هو الامر الوحداني المحدود بالحدود الخاصة فقوام تلك الحدود بذلك الامر الواحد و الاحكام الجارية علي ذلك الامر الواحد باعتبار الحدود و لان الصرير اغلظ الحجب لانه انتقالات باطوار قبل الاستقرار بطور من اطوارها فالناظر الملتفت اليها لميزل في التردد و الانتقال و لميثبت له الاستقرار في حال من الاحوال و لذا كان ( كانت خ ) اكثف الحجب و ابعدها عن مشاهدة المبدأ الاول و لذا سميت الالحان و النغمات [ص 851] بالملاهي لانها تلهي عن ملاحظة الحق الظاهر في المخلوقات و انما نسب الصرير الي الافلاك لانها المبادي و الاصول و منها نشأت الي غيرها فكلما في غيرها من السفليات فانما هو من ظهورات العلويات و لما كانت المبادي التسعة التي هي الافلاك التسعة كما ذكرنا سابقا مختلفة الاوضاع و النسب و اختلافها بالقرب و البعد و السرعة و البطؤ كانت ملاحظة ذلك المبدأ الواحد في تلك الاوضاع القريبة و البعيدة و التنقلات السريعة و البطيئة مستلزمة لظهور النغمات و الالحان العجيبة الملهية المطربة و هذه النسب و ان كانت كثيرة لاتعد كاختلاف الاصوات و النغمات الا ان كلياتها تجتمع في ستة اطوار الاول حركة و سكون و هو المسمي عند اهل العروض بالسبب الخفيف الثاني حركتان و هو المسمي عندهم بالسبب الثقيل الثالث حركتان و ساكن و هو المسمي عندهم بالوتد المجموع الرابع حركتان بينهما ساكن و هو المسمي عندهم بالوتد المفروق الخامس ثلث حركات و ساكن و هو المسمي عندهم بالفاصلة الصغري السادس اربع حركات و ساكن و هو المسمي عندهم بالفاصلة الكبري و يجمعها قولهم كما ذكر الشيخ سلمه الله تعالي : لمار علي ظهر جبلن سمكتن ، و هذه هي مجمع الاوضاع المتناسبة المتوافقة و ما سواها من الاوضاع خارجة عن التناسب الطبيعي مثل خمس حركات و ساكن او ازيد فاذا نسبت هذه الاوضاع بعضها مع بعض تستخرج منها الاوزان الشعرية في الالفاظ و الكلمات و الاوزان الموسيقية في الاصوات و الحركات و لايخرج منها وزن في حال من الحالات و اعم من الحركات الذاتية او العرضية و الوصفية [ص 852] فاذا نسبت الاقرب مع الابعد كان ( كانت خ ) حركة الاقرب بالنسبة الي الابعد اكثر فلا اقل من حركتين و حركة فالابعد له حركة و الاقرب له حركتان فللابعد سبب خفيف و للاقرب في اول المرتبة سبب ثقيل فكلما تسافل مرتبة فتزيد بحركتين او اكثر او اقل و بهذا الاعتبار قال شيخنا اطال الله بقاه ان حركة فلك زحل سبب خفيف لانها ابعد الحركات و ابطئها في السموات السبع و حركة فلك المشتري سبب ثقيل لانها تحتها و حركة فلك المريخ وتد مجموع و حركة فلك الزهرة وتد مفروق لكونها انزل رتبة منها و حركة فلك عطارد فاصلة صغري و حركة القمر فاصلة كبري لانها اقرب الكواكب و اسرعها و انما لميجعل بازاء الشمس شئ من هذه النسب لان ما من الشمس هو المادة و الاصل و ما من غيرها من الافلاك هو الصورة و الحدود و نسبة حركة الشمس بالنسبة الي سائر الحركات الفلكية نسبة النفس بفتح الفاء الساري في المزمار فالحركات السريعة القريبة هي الزير و الحركات البطيئة هي البم و الالحان كلها منوطة بهما و لهما احوال و اوضاع يطول بشرحها الكلام من ملاحظة الاوتاد مع الاسباب و الفواصل مع الجميع او الفاصلتين احديهما مع الاخري كذلك السببين و الوتدين او الاسباب مع الاوتاد و الاوتاد مع الفواصل و هكذا و اصول الاصوات من الافلاك السبعة لانها هي المنتقلة ( المتنقلة خ ) في الاطوار لكن في الحقيقة انما هي من مجموع التسعة مع الحركات الافلاك الجزئية و هذه النغمات لازمة لتلك الحركات بكل الاوضاع الا ان السامعين يلتفتون الي الوجه المناسب لهم في الحالات و الصفات لان الافلاك لما تحركت وقعت [ص 853] علي السفليات اشعتها و انوارها الحاملة لصفاتها و احوالها فاستجنت فيها فاذا قوي نضج القوابل السفلية و اعتدل مزاجها و فارقت الاضداد فقد شابه السبع الشداد فيظهر المثال الحاكي لتلك الاحوال فذلك المثال هو العين المبصرة لتلك الانوار و السمع السامعة لتلك النغمات و لذا تري الصوفية يقولون لا بد للسلاك من استماع الغناء لان النفس مخلوقة من حركات الافلاك و الالحان انما هي مأخوذة و مستنبطة من حركاتها فاذا سمعت شيئا منها ذكرت عالمها و توجهت الي مبدءها فترتفع من حضيض الجهل الي ذروة النور و العلم و هم حفظوا شيئا و غابت عنهم اشياء نعم هذا شأن من ادبر عن ائمة الحق عليهم السلام و انت قد علمت ان الامام عليه السلام جعل صرير الافلاك مما تحجب عن مشاهدة انوار الوحدة و من هذه الجهة حرم الشارع عليه السلام استماع الغناء لان الاصوات و الالحان من حدود الماهية و الانية و هي جهات البعد عن المبدأ لانها مقامات الكثرة الممتنعة في المبدأ لانه مقام الوحدة نعم اذا ظهرت انوار الوحدة فغيبت بظهورها الكثرات و محت الانيات و ظهر رجوع الاشياء الي الواحد فهنالك لمتمنع الاصوات و الالحان عن المشاهدة و العيان كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه و لذا تري كل هذه الاشياء المحرمة مما اعتراه القبح العرضي لوجود المانع القوي كالغناء و شرب الخمر و امثالهما تحل و تباح في الجنة غير ما هو قبحه ذاتي كالزنا و اللواط و قتل النفس و امثالها فالافلاك الجسمية صريرها حسي لكن لا كالاحساس المعروف عند عامة الخلق فان الانسان [ص 854] لما تنزل من تلك العوالم لحقته في كل عالم احوال ذلك ( العالم خ ) و عرف لغة اهله و صفاتهم و الحانهم و نغماتهم و تلبس بلباسهم الي ان نزل الي ادني العوالم و اخس المقامات و اردي المراتب و هو عالم العناصر الجمادية فانصبغ بصبغها بالعرض و تلبس بها فلما انس بهذا العالم و نسي مركزه و اصله كان احساسه البدنية منحصرا فيما يتعلق بهذه العناصر المعروفة و لما ان العناصر اختلط بعضها مع بعض و صيغ للانسان لباس من المختلط لا من البسيط و هو قد قصر نظره في المركب المختلط و ما تروح حتي يدرك البسائط كانت ادراكاته الحسية منحصرة في المختلط لا البسيط و لذا تريهم يقولون ان البسائط اي الماء و الهواء و النار و الارض شفافة لاتدركها الابصار و السر هو ما ذكرنا لك ان مقامهم مقام الكثافة فلايرون الانوار اللطيفة و لذا احتجبوا عن مشاهدة الوان الافلاك و السموات فان لها الوانا عجيبة غريبة تدهش الناظر عند النظر اليها هي ( بين خ ) صفرة و خضرة و حمرة و بياض و خلط من المجموع كما تقدم مجملها و عن استماع الحان الافلاك و نغماتها و ترنماتها و عن استشمام روائحها فان الروايح الطيبة هي اصلها و منشأها و منها بدؤها و اليها عودها و هي انما تحصل من تصادم الطبايع و هي اصلها من الافلاك فما عند السفليات انما هو من الافلاك فكيف يتصور فقدانها في الافلاك و عن ذوق حلاوة طعومها عند شرب ماء الحوض اي الكوثر حين ما ينصب من العرش الي السماء الرابعة او الي السماء السابعة و قد يتفق هذا الذوق من هذا الحوض لكثير من الناس ممن محض الايمان محضا و هكذا سائر القوي فان في الانسان بدن [ص 855] آخر له حواس تدرك الذي ذكرنا بالحس الظاهر دون الباطن و ذلك البدن غيب في البدن العنصري و قد يظهر لاناس كما نقلنا عن فيثاغورس انه كان يسمع صرير الافلاك و انما وضع العلم الموسيقي من ترتيب اوضاع حركاتها و شاهد الوانها و ذاق طعومها و شيخنا جعلني الله فداه قد رآها و سمعها و ذاقها و قد ارانا شيئا من ذلك و بين لنا كيفية ترتيب الالحان الموسيقية و استنباطها من الافلاك كل ذلك بالمشاهدة من دون سماعه من احد فاذن فالشرائط المعتبرة في ادراك الحواس الظاهرية بالبدن العنصري لايلزم ان تكون معتبرة في ادراكات البدن السماوي الغائب في البدن العنصري و صرير الافلاك الشبحية و المثالية برزخي يدرك بالحواس الغيبية بمعونة الحواس الظاهرة كاستماع صرير اقلام حملة الكتابة من الملائكة و صب الماء من العرش في الحوض الكوثر و امثالهما و صرير الافلاك النفسية علوم و صور و قوي و سائر الاحوال المتعلقة بالصور من الاوهام و الخيالات و الافكار و غيرها و صرير الافلاك العقلية معان و تسبيح و تقديس و تنزيه و تحليل و صلوة و صيام و غيرها من انحاء العبادات و هذه الالحان و الاصوات ايضا حجاب علي ما ذكره سيد العابدين علي آبائه و عليه و ابنائه الصلوة و السلام في الدعاء الي ان قال عليه السلام و لو اني كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها ( ارضيها خ ) باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارض دما و صديدا لكان ذلك قليلا من كثير ما يجب من حقك علي و لو انك يا الهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلائق اجمعين و عظمت في النار ( للنار خ ) خلقي [ص 856] و جسمي و ملأت طبقات جهنم مني بحيث لايكون في النار معذب غيري و لا لجهنم حطب سواي لكان ذلك قليلا من كثير ما استوجب من عقوبتك ، فتدبر في هذا الكلام تجد ما ذكرنا واضحا ظاهرا و صرير الافلاك الفؤادية و مرادنا بالفؤاد هو الوجود الذي يتركب مع الماهية فيحصل منهما العقل لا الفؤاد الذي هو نور الله و آيته و صرير هذه الافلاك ادلة الحكمة و علم الحقيقة و الاسرار الباطنية و المراد بها الاسرار المقنعة بالسر لا مطلق الباطن فانه من صرير الافلاك القلبية و من صرير هذه الافلاك ان عليا عليه السلام هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم و ما ظهر من خطاب الشمس له عليه السلام بهذه الكلمات فقالت له السلام عليك يا اول يا آخر و يا ظاهر و باطن و يا من هو بكل شيء عليم فانما هو حكاية و وصف لوصف شمس تلك الافلاك لكنك اعلم ان لصرير تلك الافلاك وجهان وجه علوي فهو كما ذكرنا لك من جزء من مائةالف جزء من رأس الشعير من ادني معانيه و وجه سفلي و هو منشأ غروب شمسها و افول نجمها و ظهور ظلمتها و بالجملة كل الافلاك الالفالف لها صرير و نغمات و الحان علي مقتضي عالمها لكن تلك الاصوات من ( و خ ) مقتضيات انياتها و ظهور نسبة بعضها مع بعض فلذا كانت ملهية عن المبدأ الواحد اذ ليس ( ليست خ ) فيه نسبة و لا كيف و لا وضع و لا قرب و لا بعد و لا سرعة و لا بطؤ و لا غير ذلك فمن تفضل الله عليه و اشهده خلق نفسه و بلغه الي تلك اللطيفة الالهية ثم يشاهد سريانها في الاطوار و المراتب المتنزلة فهو الممدود بالنصر من الذين لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة و آتي ( ايتاء خ ) الزكوة و من قصر نظره الي صرف الحدود فهو من الذين نسوا الله فنسيهم استجير بالله و لا حول و لا قوة [ص 857] الا بالله العلي العظيم .
قوله عليه السلام : لسمع من في السموات و الارض رنيم حميم دخولها في الماء الاسود في العين الحمئة قال شيخنا و مولينا اطال الله بقاه و جعلني فداه : اما السمع فهو عبارة عن ادراك الصوت و الصوت يحدث من بين شيئين يكون بينهما قرع او قلع او ضغط فيصدم ما بينهما من الهواء باحد الثلاثة ما يليه و يصدم ما يليه ما بعده بهيئة ما صدمه ما قبله و هكذا يتدافع الهواء بعضه لبعض بهيئة الدفع الاول و الدفع الذي حصل بالهواء المتحرك بالقرع او القلع او الضغط يكون بتلك الهيئة في الشدة و الضعف و الجهر و الهمس و الرخاوة و اللين و القلقلة و ما اشبه ذلك من صفات الحروف و امثالها كالدق علي القرطاس و النحاس و الماء فان هذه الاصوات المختلفة هيئات تلك الحركات الثلث بين جسمين فيخرج من بينهما الهواء حاملا لتلك الهيئات و الاوضاع و يدفع ما يليه اي يصدم ما يليه بنحو ما صدمه به الجسمان و هكذا حتي يصل الجزء الاخير من الهواء الي الصماخ من اذن السامع فيصدم تلك الجلدة الرقيقة التي تلي الدماغ كهيئة الطبل بما حمل من الهيئات فتتوجه القوة السمعية عند دق بابها لهيئة الدق فتدرك الصدم الاول بما حمل لها الهواء من هيئاته بتدافعه كما يتدافع ماء الحوض و يكون من جميع الجهات فيسمع كلامك من هو امامك و خلفك و يمينك و شمالك و فوقك و تحتك لانه يتموج الهواء بالصدم الاول مستديرا كما تري اذا حركت وسط حوض الماء الا انه قد لاتستوي جهات امتداده علي الحقيقة و ان تساوت في الجملة [ص 858] لان الهواء المدفوع اولا و هو المصدوم الذي يصدم ما وراءه ربما يكون في جهة انبعاثه اطول و اظهر و اقوي و لا بد من حمل الهواء في حمل الهيئات و ما يشابهه في التخلل و السيلان الا انه ضعيف جدا لايحكيها كما هي الا الهواء و لهذا قد يسمع الدق و الصوت تحت الماء بسيلانه و امكان تدافعه و لكنه لايتميز الصوت لاجل ثقله و بالجملة ليس الحافظ للحروف مثلا العقل او النفس او غير ذلك كما توهمه بعضهم و انما يحملها الهواء اذ هو المجانس لها و المتكيف بها فاذا دق باب السامعة تلقته من وراء الحجاب فاذا دق بابها حفظت صورته بواسطة الحس المشترك المسمي ببنطاسيا فيرفعه الي خزانته الخيال و حفظته النفس و تناول العقل معناه من الصورة النفسية فاذا اراد مالك القرية ابراز ذلك كما وصل اليه امر خدامه فصاغوا اصواتا بهيئات كما وصلها و البس تلك المعاني و الصور تلك الهيئات المصاغة علي هيئة ما وصله اليه الهواء و الاصح ان المسموع هو الصوت القائم بالهواء القارع للصماخ و هو المحسوس لا الصوت القائم بالهواء الخارج عن الاذن و شرط تحقق السماع علي كماله توسط الهواء بين السامع و ذي الصوت انتهي كلامه جعلني الله فداه ، و ما ذكره من الاحوال كلها راجعة الي السماع في عالم العناصر بالبدن العنصري و اما في العوالم الاخر فليست فيها هذه الشرائط و لايحتاج الي توسط الهواء الا بالمعني الحقيقي لان الهواء هو الرابطة بين العالي و السافل بل مطلق الرابطة و لما كان السماع فيه حكم التعلق وجب الرابطة و بدونها يستحيل و لما كان العوالم الالفالف و كل عالم فيه [ص 859] اشخاص و اهل و كل الاشخاص و الاهالي مجتمعة في العالم الانساني كان للانسان الفالف بدن و كل بدن علي مثال البدن العنصري المحسوس علي حسب ذلك العالم و الشخص بذلك البدن سائر في ذلك العالم فان كان قد حبست الابدان كلها في البدن السافل كانت المدارك و المشاعر كلها منقطعة عن تلك العوالم لحكم الاحتجاب فلايسمع الحانها و لايبصر الوانها و لايشم روائحها و الا فان وصل الي البدن الاصفي ( الاصلي خ ) في مقام الانسان الحقيقي ظهر كل بدن بجميع قواه و مشاعره المدركة لما في العالم المختص به كما سبق فراجع تفهمه ان شاء الله تعالي فمراد الامام عليه السلام من هذه العبارة انه لولا احتجاب الخلق بظهورات الابتداع في مظاهره و مجاليه و قطع التفاتهم عن مقامات الاختراع و ظهور النور الوحداني الساري في كل النشئات الانسانية و لولا حكم التمكين للتمرين و وقوع التعفين و مزج النور بالظلمة و نظر اكثر الناس الي الممتزج او الي الظلمة الصرفة لقويت بنية الخلق و تم نضج قابلياتهم و لشاهدوا الاشياء علي ما هي عليه و لعرفوا مبدأ الاختلاف و سر الاختلاف و سبب وقوع الاختلاف و الاحكام الثابتة عند الاختلاف و لعرفوا مطلوبية الاختلاف في عين لا مطلوبيته فالمطلوبية عرضية و اللامطلوبية ذاتية فقويت الاعراض حتي خفيت آثار الذوات و الاصول و الحقائق فلا بد للشمس من الغروب و الافول لما ذكرنا سابقا من السر الخفي و الحكم المخفي لكن لها انين و رنين و ترنم عند الغروب عند دخولها في الماء الاسود و هو كرة البخار عند الافق و هو المراد بالعين الحمئة لانها ( هي خ ) [ص 860] الطين الاسود فالماء هو البخار و الطين هو الهواء المنبث في كرة البخار فعند اختلاط الطين بالماء يحصل الماء الاسود لغلبة البخار علي الهباء او ان المغرب طبعه بارد رطب اما البرودة فلخفاء الحرارة اللازمة للشمس الحاملة لمثال الفاعل و اما الرطوبة فلظهور ميل السافل الي العالي لكن العالي قد غاب في السافل باثره كفصل الشتاء فان الحرارة قد توجهت الي الباطن و غابت فيه و احاطت بظاهرها البرودة و الرطوبة المختلطة باليبوسة فانسدت المسام و انجمد الشئ فاحتاج الي حرارة اخري غير ما في الغرائز و الطبايع فتكون الغالب آثار البرودة و الرطوبة و اليبوسة و هي الماء الاسود و هي الماء و الطين و هي العين الحمأة و هذا الاختفاء ليس لمغلوبية الشمس او الحرارة بل انما هو تمكين لقابليات الاشياء و اعانة لقبولها الفيض من مبدئها و بارئها علي مقتضي قبولها حتي يظهر في فصل الربيع و الصيف كل بذر ما حمل سكرا كان ام حنظلا فافهم ان شاء الله تعالي و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في عين حامئة في بحر دون المدينة ( التي خ ) مما يلي المغرب يعني جابلقا و عنه عليه السلام لما انتهي اي ذوالقرنين مع الشمس الي العين الحامئة وجدها تغرب فيها و معها سبعونالف ملك يجرونها بسلاسل الحديد و الكلاليب يجرونها من قعر البحر في قطر الارض الايمن كما تجري السفينة علي ظهر الماء و فسر عليه السلام بالبحر و من ذلك الانين و الرنين قول سيد الساجدين عليه السلام في دعاء يوم الجمعة و يوم الاضحي اللهم ان هذا المقام لخلفائك و اصفيائك و مواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي [ص 861] اختصصتهم بها قد ابتزوها و انت المقدر لذلك لايغالب امرك و لايجاوز المحتوم في تدبيرك كيف شئت و اني شئت و لما انت اعلم به غير متهم علي خلقك و لا ارادتك حتي عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرفة عن جهات اشراعك و سنن نبيك متروكة اللهم العن اعداءهم من الاولين و الآخرين و من رضي بفعالهم و اشياعهم و اتباعهم ه ، و بهذا الكلام الشريف نختم الكلام ليكون ختامه مسك .
قد تم الجزء الاول من شرح الخطبة الشريفة الطتنجية في يوم . . . من شهر ذيقعدة الحرام في سنة ١٢٣٥ و يتلوه الجزء الثاني و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم و ظالميهم اجمعين حسبنا الله و نعم الوكيل نعم المولي و نعم النصير .