بقي الكلام في المحبة و حقيقتها و بيان مراتبها و نحن لو تصدينا لشرح جميع احوالها و مراتبها و مقاماتها لادي الي تطويل المقال زائدا عما يقتضيه الحال لكني اشير الي بعض احوالها حسب ما ذكرته في اللوامع الحسينية عليه السلام في بيان قوله تعالي في الحديث القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف قلت هناك هل تجد في ذاتك تجدد ( تجددا خ ) و حركة ام لا فان قلت لا صدقت و ان قلت نعم كذبت فان الذات لاتتوقع شيئا من حيث الكينونة و التحقق غيرها فان توقعت فلميكن ما فرضناه هو هذا خلف فاذا ليس في الذات الا هي و هي من حيث ليست الا هي و كلما يتأخر فهو المتأخر و لايكون الا المتأثر فان المتأخر تأكيد للمتقدم في السلسلة الطولية كقولك ضربت ضربا و قعدت جلوسا فانت في كينونتك انت ثم تميل الي الشئ بحركة قلبك اليه لكنها في غاية السرعة لانها في اعلي مراتب اللطافة بالنسبة اليك و بالنسبة الي ما يصدر منك و هو اول ذكرك للشئ و ذلك هو المشية قال عليه السلام اتدري ما المشية قال لا قال هي الذكر الاول و هي الارادة قال عليه السلام الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل و هي الاختراع قال عليه السلام المشية و الارادة و الاختراع معناها واحد و اسماءها ثلثة و من حيث ان الميل لايكون الا الي الملايم يسمي حبا و محبة فالمحبة هي ذلك الذكر الاول و هي سر الوجود [ص 591] و ظهور الحق المعبود فيعبر عنها حسب الارادات باسماء مختلفة و لما كان هذا الذكر المسمي بالارادة يختلف في الشدة و الضعف و الزيادة و النقصان و له مراتب كثيرة غير محصورة لكن كلياتها تجتمع في تسع مراتب علي الترتيب سميت كل مرتبة باسم يغاير الاخري و ان اجتمعت في اسم المحبة و كل ذلك مظاهر ذلك الذكر و شؤنه و مقاماته الاولي تسمي ميلا و هو انجذاب القلب الي مطلوبه و الثانية تسمي ولعا و هو اذا قوي و دام ذلك الانجذاب و الثالثة تسمي صبابة و هو اذا اخذ القلب في الاسترسال الي من يحب فكأنه انصب كالماء اذا فرغ لايجد بدا من الانصباب و الرابعة تسمي شغفا و هو اذا تفرغ له بالكلية و تمكن ذلك منه و الخامسة تسمي هوي و هو اذا استحكم في الفؤاد ( فؤاده خ ) و اخذه عن الاشياء و السادسة تسمي غراما و هو اذا استولي حكمه علي الجسد و السابعة تسمي حبا و هو اذا نما و زالت العلل الموجبة للمنع للميل و الثامنة تسمي ودا و هو اذا هاج حتي يفني المحب عن نفسه و التاسعة مقام فناء المحبة و المحب و المحبوب قال مولينا الصادق عليه السلام المحبة حجاب بين المحب و المحبوب و هذا مقام لا اسم و لا رسم و هذا مقام الدنو بلا كيف و لا اشارة و في هذا المقام يري المحب محبوبه و لايعرفه يعني يرتفع جهة التمايز في عالم الظهور فيتوجه الي محبوبه لا من حيث انه كذلك قال عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة فان الاشارة مبعدة و اهل المحبة المجازية سموا هذا المقام عشقا و الوجه في هذه المراتب ان الشئ له شؤن ذاتية و شؤن عرضية و شؤن اضافية و [ص 592] وصفية و حقيقة صرفة لطيفة محضة و هي المجردة عن الشؤن المنزهة عن الاضافات و تلك الشؤن هي سبحاتها و هياكل تنزلاتها و اذا التفتت اليها كانت في عوالم غربتها و هجرتها و عدم الوصول الي مسكنها و موطنها فاذا غفلت عنها فهي في انسها و كمالها و ذلك الذهول المطلوب لايكون الا بالميل الي عاليها كما انها ليست الا هو فاذا مالت الي العالي او الي المناسب ميلا غريزيا اخذت تنجذب تلك السبحات و تنكشف تلك الاضافات فاولا يذهل عن غيره من الشؤن العرضية و بينها تلك المراتب الاولية من الميل الي الهوي ثم يأخذ في الذهول عن نفسه بمراتبه من الغرام الي الود ثم يذهل عن العالي المنظور اليه و يتصل به اتصالا عيانيا من حيث فقدانه و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فان المحبة حجاب بين المحب و المحبوب لاقتضائه التثليث و هو ينافي المحبة فاذا عرفت هذه المراتب فاعلم ان حبك للشئ جهتك اليه و استدارتك عليه فان كانت ذاتية تدور لا الي جهة و لا وضع و لا محور لها فان كانت الاستدارة علي خلاف التوالي كان ذلك عين محبوبك لك فانه قد تجلي لك بك فهو محبك و محبوبك احبك به ( بك خ ) و احببته به فنظرت اليه به و نظر اليك بك و هذه هي المحبة الصادقة التي لا زوال لها و لا اضمحلال بل هي باقية ببقاء المحبوب فيما لميزل و لايزال فلايزال هو متجلي له به و جاذبه عنه و هو فان فيه و منجذب اليه كانجذاب الحديد للمقناطيس و هو مثال تقريبي لا تحقيقي و هذا الانجذاب بلا كيف و لا اشارة و هذا هو الاستيناس في ظلال المحب احب محبه فاحبه بعين محبته له فمحبة المحبوب [ص 593] في هذه السلسلة اقدم احب جماله بجلاله فنظر جلاله الي جماله بعين جماله كما نظر الي جلاله بعين جماله فافهم هذا البيان المكرر المردد بالفهم المسدد فان هذا عكس ما يزعمون فان جهة العالي و ميله الي السافل لو كان في رتبة العالي لكان السافل عاليا فيجب ان يكون في رتبة السافل لا بحيث يلزم العكس من كون العالي سافلا بل العالي عال و السافل سافل فالظهور للسافل بالسافل من حيث كونه عاليا و هو المحبوب المتقدم محبته علي محبه و محبة السافل للعالي بالعالي من حيث كونه سافلا قال الشاعر :
رأت قمر السماء فذكرتني ليالي وصلنا بالرقمتين
كلانا ناظر قمرا و لكن رأيت بعينها و رأت بعيني
و اما حب الشئ نفسه عين نفسه و هذا معني محبة الخلق للولي عليه السلام و محبة الولي لهم يحبهم و يحبونه فتام المحبة من لايري سوي المحبوب و كاملها من يفقد المحبوب بالاشارة لانه دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها فاتحد المحبوب و المحب و المحبة الا انه هو هو و نحن نحن و لما كان الايجاد بالمحبة سرت و جرت المحبة في كل ذرات الوجود فماتم شئ موجود او معدوم جوهر او عرض لفظ او معني الا بها فهي شمس عالم الوجود لانها نار الشجرة الغير الشرقية و لا الغربية الماسة زيت تلك الشجرة الصافي الذي يكاد يضيء في عالم الشهود و لو لمتمسسه تلك النار في فلك الاسم الودود فبحرارتها استقام كل مزاج و هي منشأ كل سرور و ابتهاج فهي مادة المواد و صورتها الاتصال [ص 594] بالمراد و ببرودتها ظهر ذلك النور بما فيه من القابلية و الاستعداد فكل محبة تستلزم الاتصال و كل اتصال يلزمه الانفصال فبالاتصال يسكن المحب و بالانفصال يتحرك سريعا فلولا الاتصال بطلت المحبة لكونها فرع مشاهدة الجمال فلا محب و لا محبوب و لولا الانفصال تمت و انتهت و ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فهو دائما يسير الي محبوبه و دائما يتجلي له محبوبه فاذا سكن عنده تجلي له في مقام الاعلي فيشتد سيره و يعظم ميله ،
كلما جاء كأس يأس مرير جاء كأس من الرجا معسول
فبالحب سكن السواكن و تحركت المتحركات فالساكن لسرعته لاتري لها حركة قال عليه السلام في المشية خلق ساكن لايدرك بالسكون مع انها عين الحركة و قال عز و جل و تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شئ و تلك الحركة لتلك الحرارة و الداعية المشوقة السارية في كل الذرات من باب الآيات و هي اثر حب الله قد سري في خلقه و ذلك الاثر هو ظهورات الولي من العز في الحقائق و الذوات قال عليه السلام انا ذات الذوات انا الذات في الذوات للذات و سري ذلك الاثر في الخلق ليكمل به ميولاتهم اليه مع تباين اطوارهم و قد ضجت اليه الاصوات بفنون اللغات و اجتمعت لديه العقول المتخالفات و هو سر توحيده و آية تفريده الظاهر في كل شئ لكل شئ بكل شئ قال عليه السلام :
و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد
و هي تلك المحبة السارية في كل اقطار الوجود و هي سر الايجاد و علة الانوجاد و جهة الاتصال و مادة الانفصال تسرع بالاشياء الي مباديها [ص 595] و توصلها الي اصولها و جواهرها و تعرفها مقامها و رتبتها اجمل لك المقال بانها عين الكمال في المبدأ و المآل ثم اعلم ان العالي لايزال يحب السافل و يلتفت اليه من حيث هو كذلك و لولاه لا سبيل للسافل اليه و السافل ليس الا عين محبة العالي و محبوبيته له و محبيته له فالقول بان العالي لايلتفت الي السافل بظاهره باطل اذ السافل ليس الا التفات العالي فوجوده نقض لقولهم نعم التفات الانتفاع منتف و كذا الذكر عند الذات هذا في السلسلة الطولية فكل سافل سائر الي جهة العالي و مشتاق اليه و راغب فيما لديه و منقطع اليه و لايريد سواه و لايطلب غيره من حيث هو و كذا العالي بالنسبة اليه الا ان محبة العالي مقدمة فاحبه بما جعل فيه من محبته فاحبه بمحبته له لا العكس و محبة السافل تقتضي الدوران و الاستدارة الابدية علي نفسها لانه يطلب العالي في سيره لفرط شوقه فكلما يصعد اليه يرجع قهقري عند نفسه فيطلب الغير في مقامه و لايمكن الوصول اليه فلذا لميزدد الا حبا و شوقا و شغفا و غراما و ولعا و لايزال يتجدد له تجلي المحبوب و لاينزل اليه ابدا ،
قذفتهم الي الرسوم فكل دمعه في طلوله مطلول
فجمال المحبوب له ظهورات حسب مراتب المحبين المشتاقين الولهين الفانين ثم لجماله جمال و لجمال جماله جمال و هكذا و للكل طالب و مشتاق لكن لايطلب جماله الا جماله و لايريد وصاله الا جلاله و لايبصر نوره الا طرفه اعرفوا الله بالله قال الشاعر :
اذا رام عاشقها نظرة فلميستطعها فمن لطفها
اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها [ص 596]
فافهم و اذ قد علمت ان الوجود قام بالحب و عاد اليه فاعلم ان المحبة محبتان ذاتية و عرضية و الذاتية ذاتيتان احديهما هو اللانهاية السائرة الدائرة علي محبوبها بالاستدارة الحقيقية لا الي جهة و قد تقدم حكمها و ثانيهما مقامات النهاية و كل نهاية سيرها الي جهة فلاتكون الدوران علي القطب بل علي المحور فتختلف مراتبها في المحبة حسب ميولاتها التكوينية المحضة و التشريعية فاعلاها المقامات العقلية فانها من حيث كينونتها لاتسير الا الي جهة تلك المحبة و تميل الي الحدود الغيبية المعنوية و الي المعاني الكلية و لقربها الي المحبة الحقيقية سريعة الوصول بخرق حجب النهاية لادراك اللانهاية و لذا لايميل الي ما ينافي ( لاتميل الي ما ينافيها خ ) و يضادها و لايشتاق الا الي خدمة المحبوب و ملازمته و امتثال اوامره و نواهيه و ايثار محبوبه علي ما سواه فهو لاينظر الا الي تلك المحبة لكنها ( لكنه خ ) في حجاب رقيق يتلألأ بخفق و هو من زبرجد و اسفلها المقامات الصورية المترتبة الي العشرين و تجمعها الصور النفسية و الجسمية و العرضية من الكيفيات و الكميات و الجهات و الاعراض و غيرها و اعلاها الاعلي و هي الاسفل الادني فاقدة للمحبة الحقيقية لكمال بعدها عنها و احتجابها بالغواشي حتي تشغله الكثرات و تلهيه الاضافات و الميل في هذه المقامات لاتكون لذاته بل لجهة من الجهات و حيث من الحيثيات و ذاتية هذا العرضي تنبئ عن ميل محبوبه اليه لتؤالفهما في الذر الثالث حين تفردهما عن ( تغردهما علي . نسخة ١٤٢ ) دوحات سدرة المنتهي و تواجههما و قد لاتنبئ لجواز ان يكون علي ذلك الغصن وجهه علي ظهره فاحدهما مقبل [ص 597] و الآخر مدبر و هذه صورتهما
و عرضي هذا العرضي يكون بدواعي اللطخ و الخلط و قد ينبئ ذلك عن ميل الآخر اليه اذ ( اذا خ ) استحكم اللطخ و الخلط بينهما فالواقف في هذا المقام لميزل في احتجاب عن وجه المقصود الحقيقي و عن المحبة الالهية و هم المشار اليه في قوله عز و جل زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الانعام و الحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا فسيرهم ابدا عرضي معكوس و شمس مدارجهم في الافول و الطموس و اوسطها الاوسط و هو الاسفل و هو الحجاب الاسود لايدور الا الي الجهة و هي الجهات الحسية المتكثرة و المدارج الرسمية حجاب غليظ و ميلها عكس الميل الكلي لاتميل الا الي الصور ( الصورة خ ) الجسمية و لايشتاق الا اليها و لايهوي الا اياها و فيها نسيان المحبوب الاول لان كينونتها علي خلافه و ان كان قوامها به و دلالتها عليه فشوقها الغريزي و ميلها الذاتي الي الجهات و ذوات الاوضاع و الحدود و كذا الشوق الوجداني و الشعور الحيواني فانهما قد يتخالفان عند احتجاب الواقفين بالحجب الظلمانية و الا فلا اختلاف كاهل الجنة في درجاتهم و مقاماتهم حسب اقتضاء كينوناتهم باعمالهم و دواعي اقبالهم و لايميلون الي ما ليس لهم و لايشتاقون اليه ليكدر عليهم صافي شربهم كما في الدنيا قال الله عز و جل ام يحسدون الناس علي ما آتيهم الله من فضله ، و لاتتمنوا ما فضل الله به بعضكم علي بعض و اسفلها السفلي و هي ( هو خ ) مقامات الاعراض و تلك المحبة حجاب اسود غليظ كالليل الدامس كثير الحيات و العقارب فيه احوال مظلمة و مقامات [ص 598] منكرة و لاتميل الا الي الحدود الكثيفة و هي عن المحبة الحقيقية بعيدة بعيدة و في هذا المقام يحصل الميل الي الصور المقدارية الجميلة و الشمائل المستحسنة و اصوات مطربة كما هو معهود الآن في ابناء هذا الزمان من لعبهم بالصبيان و عشقهم بالمردان و استماعهم لصوت الغنا و مجالستهم لاهل الشقاء و العناء مدعين بانها من الكمالات و عشقهم مجاز توصل الي الحقيقة فان المجاز قنطرة الي الحقيقة و انت اذا امعنت النظر علمت ان هذا الكلام ليس الا من جهة التسويل و التمويه علي الجهال و الا فلا مناسبة بينهما الا باللفظ و ها انا انبهك و لا حول و لا قوة الا بالله علي حقيقة الامر في ذلك ، فاعلم ان الحدود من حيث هي حدود لاتكون مجازا اذ حركتها تبعية و سيرها لظهور الحقيقة و حركتها ضدية مجتثة فتدور علي خلاف جهتها فبطلت المجازية نعم المحدود مجاز للمطلق و النور مجاز للمنير و الحركة مجاز للمتحرك لا من حيث الحدود فاذا نظرت اليها لا من حيث هي بل من حيث ظهور العالي كان مجازا فاذن ( فاذا خ ) انطوت الحدود و اضمحل لها الوجود و الشهود فالواقف في مقام المجاز حيث لميصل الي الحقيقة ان كان صادقا لميكن نظره الا اليها فحيث لميصل اليها فهو بعد في مقام صحوه و رتبة فعله و عالم فرقه ففي عالم الفرق للمحبوب ذكر عند المحب كما في عالم الجمع محو و سكر و اتحاد بل وحدة في مقام الحب الحقيقي الذي هو عين المجازي الذي هو عين الحقيقي فاهل المجاز الواقفين في عالم الاغيار و الاكدار حيث فقدتهم العين فاين هم من الذكر و لما كان ذكر المحبوب اللايق له لايمكن الا بعد [ص 599] الاتصال في مقام هو نحن و نحن هو و يتعذر ذلك لاهل المجاز لانهم بعد طالبون للجواز ابان لهم المحبوب في مستسرات الغيوب و جعل لهم في عالم البين و الفرق تلك الاذكار لتكون موصلة لهم الي تلك الديار اذ قد عرفت ان المحبة في الرتبة الاولي هي ذكر المحبوب و ذلك الذكر هو ما اسس الشارع عليه السلام من انواع الطلب و اقسام التذكر لكونه هو المحبة في تلك المقامات و لذا قال عز و جل خطابا لنبيه صلي الله عليه و آله قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال الله عز و جل و اذكروه كما هديكم و من المعلوم البين ان المحب ان حرم عن المشاهدة و هو صادق لميزل في ذكر المحبوب و فكره فاذا نسي الذكر فهو كاذب في دعواه و مفتر في مدعاه ،
تعصي الاله و انت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع
ان كنت فيه صادقا لاطعته ان المحب لمن احب مطيع
فالذي نظر الي الحدود و احتجب عن مشاهدة المعبود و اشتغل بها عن الركوع و السجود و يدعي انه من اهل المجاز فهو كذب و زور و فرية و غرور فاذا اشتغل بذكر المحبوب ذكره المحبوب فاذكروني اذكركم فجذبه اليه و اخرجه عن الحدود فلايري شيئا الا و يري لمحبوبه فيه شهود فان كان من اهل المجاز يبكي و يشتد حزنه و بكاؤه و غلقه و اضطرابه لفقدانه الجلوس مع المحبوب علي سرير القرب في عوالم ( عالم خ ) الغيوب فاذن لايتفاوت له مظهر دون مظهر و اثر دون اثر اذ لا غاية له الا ملاحظة المؤثر المحبوب فكل الايام له يوم واحد و كل الاشياء عنده شئ [ص 600] واحد و هو ظهور المحبوب فلميزل ناظرا في آثاره و آياته و لاحظا في مقاماته و علاماته و ملتزما ذكره و فكره كما كان للاولياء الصديقين و الاحباء الراشدين و اهل العرفان و اليقين مثل ذلك الرجل الهندي الذي كان ينظر الي السماء فيبكي و الي الارض فيبكي و الي الشرق فيبكي و الي الغرب فيبكي و لميزل يشتغل بتلك الاحوال و مثل سلمان اعجوبة الزمان و هؤلاء قليلون و هم عظيمون جليلون فمن فرق بين مظهر و مظهر و اثر و اثر و قصر نظره في واحد دون الآخر فهو محدود محجوب ناس لله عز و جل قال تعالي نسوا الله فنسيهم فلايريد في قصده المحبوب و لايقصد الا ذلك الشئ المطلوب و جعل قوله المجازي شبكة لصيد الجهال و مجازا الي الكفر و الاضلال المتنظر الي ما قاله اهل الاصول التي هي ظاهر الوصول و باطن الحصول ان استعمال الكلي في الفرد حقيقة اذا لمتلاحظ ( لمتلحظ خ ) فيه الخصوصية بوجه و الا فهو مجاز و مرادهم بالحقيقة هو المجاز و بالمجاز هو ظاهر الجواز و هو الحقيقة الثانية المجتثة يا اخواني لاتغتروا باقوال بعض المتسمين بالحكماء حيث رخصوا اهل الدواعي النفسانية الشهوانية في عشق الصبيان و الغلمان المردان و صرف بضاعة العمر في عشقهم الذي هو عين الطغيان بادعاء انه المجاز و المجاز قنطرة الحقيقة فاشتغلوا بها عن الصلوة و الصيام و الاقبال علي الله و الخضوع لله و الخشوع و التضرع له و الابتهال اليه في السر و الاعلان فلايتوجه الي الصلوة لو وقف اليها و لايقوم لله بعبادة و نسك فلو وقف للصلوة فهو مشغول بذلك الغلام الامرد بل ربما يخاطبه [ص 601] فاذا ناداه و هو في الصلوة قطعها و لباه و اذ رآه شهق شهقة و نعق نعقة كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة كيف يكون المجاز مخالفا للحقيقة مع ان الصلوة وجه المحبوب و اعلي ما يتوجه به المحب الي المحبوب الحقيقي حتي انها صارت من اعظم اصول العبادة فيهدم الصلوة لاجل ذلك الغلام و لحبه و مع ذلك يدعي انه مجاز الي الحقيقة و لايبعد ان يكون ارادتهم من الحقيقة امر آخر يتكرم الانسان عن ذكره بئس ما سولت لهم انفسهم و الداهية العظمي انهم يجعلونه مع هذا من المحسنات ( الحسنات خ ) الالهية حتي قال صاحب الاسفار انه من الاخلاق الالهية المحمودة المترتبة عليها غايات شريفة و انه فضيلة نفسانية و ما اعجب ما استدل علي هذا الطريق الباطل و المسلك الهائل بوجود هذا العشق في المبادي العالية مثل اهل فارس و اهل العراق و اهل الشام و الروم و كل قوم فيهم العلوم الدقيقة و الآداب الحسنة و الصنايع اللطيفة و فقدانه في مثل الاكراد و الاعراب و الترك يا سبحان الله ماعرف ان اكثر الناس لايعقلون و اكثر الناس لايعلمون و لاتجد اكثرهم شاكرين ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل و ان اهل الحق قليلون و قليل ما هم و قليل من عبادي الشكور و ماآمن معه الا قليل و السر في ذلك عدم اطلاعه علي حقيقة الامر و ها انا اشير الي ذلك مجملا .
فاقول فاعلم ( اعلم خ ) ان الله سبحانه لما امر اللطيفة الالهية و الحقيقة السرمدية بالادبار لتصحيح الاقبال فنزل الي الجماد و كلما كان بالفعل كان بالقوة و خفيت المبادي العالية و العوالم الاولية فلما امرها بالاقبال [ص 602] لاتمام ( لتمام خ ) الادبار اخذ في الصعود فكل مقام وصل اليه رآه حسنا و حسبه منزلا لنسيانه تلك الفسحات النورية و العوالم الغيبية و كل سافل يظهر في الصعود قبل العالي الي ان وصل في صعوده الي مقام النفس مقام الكثرة و مقام الاختلاف و الصورة و رأي فضاء واسعا و عالما فسيحا اقام فيها و مكن النفس في مدينة حقيقتها و استولت علي عرش سلطنتها و اطاعتها الحواس و القوي و المشاعر و هي لاتشتهي الا المخالف و برهانه فليطلب من سائر رسائلنا فاذا ظهر العقل بعد تمكنها و استقرارها و دعي القوي ان يتوجه الي عالمه فانه احسن و اوسع و اشرف و فيه وجه المحبوب عصب ( عصت خ ) النفس و صعبت علي القوي اطاعته لتمكنها و منعها فارسل الله الرسل معينين و مظاهرين للعقل فكلف سبحانه الخلق اي امرهم بالكلفة و المشقة مع ان الطاعات كلها من مقتضيات العقل و راحة للملائكة العقليين و مشقتها لما بينا من صعوبة سلب ما عادت النفس عليه و لذا طلب الاكثر الراحة و ماتقلدوا بهذه القلادة و اقلهم الذين قبلوا اكثرهم انكروا ما يدعوهم الي مخالفة النفس كثيرا كالولاية و اقلهم الذين قبلوا اقتصروا علي الظواهر و غمضوا عن البواطن و ماقتلوا انفسهم الا قليل قليل قليل و قد قال الامام الكاظم عليه السلام ما معناه لو غربلت شيعتي ماخلص من الالف واحد مع ان كون هذا العشق من مشتهيات النفس في عالم الاعراض مما لا شك فيه لان الصورة هي التي تدركها النفس و تميل اليها و ليست في العالم العقلي صورة و لا شهوة الا وجه الله و طاعته و ماكان اهل فارس و الروم من المبادي العالية الا من [ص 603] جهة شيوع اشتغالهم بالكثرات و غلبة الفسق و الكفر فيهم و يجب ان يقال الرشد في خلافهم كما قالوا عليهم السلام و اما علومهم فليست مما يتعلق بالدين و لو فرض ذلك فانما هي صناعات لان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و لا عمل الا ذكر الله و ليس ذكر الله الا كما حدده الله في كتابه و بينه رسله و خلفاؤه فمن تعدي ذلك الحد فقد استوجب الحد و استحق الرد و اما الاكراد و الاعراب الذين اشار اليهم فهم بعد ما ترقوا من عالم الحس و الجمادية كانهم ( كلهم خ ) خشب مسندة و ماالتفتوا الي ما التفت تلك المبادي العالية من تسخير سلطان النفس اياهم و ليتهم ايضا ماوصلوا و ماترقوا و ماالتفتوا ليسلم الناس من شرهم و اعلم ان شرافة الكينونة هي الصورة الانسانية و حدودها التقوي و الحب في الله و الاشتغال بذكر المحبوب كما اراد منه و اذكروه كما هديكم لعلكم تفلحون فاذا نقص شئ منها نقصت انسانيته و جاءت شيطانيته و هل تجد تلك الحدود و خواص الانسانية التي هي العلم و الحلم و الفكر و الذكر و النباهة و النزاهة و الحكمة في اهل الفارس و الروم التي اشار اليهم و هل وجدت هذا العشق عند احد من خواص الائمة سلام الله عليهم في مبادي امورهم او اواسطهم او نهاياتهم و ماكان ذلك الا دأب العباسيين و خلفاء الجور و خلفاء الشياطين و لما كان التصوف انما وضع لاطفاء نور الله المبين و صد الناس عن اهل بيت العصمة و الطهارة و كانت رغبة الخلفاء في محبة الغلمان و النسوان و استماع الغناء و كذلك طبايع الناس لكونهم في مقام النفس الي هذه الامور اميل رخصهم الصوفية الملحدون في ذلك [ص 604] و حببوا اليهم الكفر و الفسوق و العصيان ثم موهوها ببعض التمويهات و استدلوا عليها ببعض المزخرفات ليجلبوا الناس اليهم فانهم همج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لميستضيئوا بنور العلم و لميلجأوا الي ركن وثيق و جاء بعض المتشبثين بالولاية حيث لميدخلوا فيها بقدم ثابت و قلب مطمئن روي و لميردوا علي حوض ولاية اهل البيت ( اميرالمؤمنين عليه السلام و اولاده الطاهرين عليهم السلام خ ) و ان ادعوا ذلك و قلوبهم ناشفة عطاشي فوجدوا هذا السراب يلوح كأنه ماء فولجوا فاشتدوا ظمأ و عطشا و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا قال صاحب الاسفار :
و اما العناية في هذا العشق الموجود في الظرفاء و ذوي لطافة الطبع فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان و تربية الصبيان و تهذيبهم و تعليمهم العلوم الجزئية كالنحو و اللغة و البيان و الهندسة و غيرها و الصنايع الدقيقة و الآداب الحميدة و الاشعار اللطيفة الموزونة و النغمات الطيبة و تعليمهم القصص و الاخبار و الحكايات الغريبة و الاحاديث المروية الي غير ذلك من الكمالات النفسانية فان الاطفال اذا استغنوا عن تربية الآباء و الامهات فهم بعد محتاجون الي تعليم الاستادين و المعلمين و حسن توجههم و التفاتهم اليهم بنظر الاشفاق و التعطف فمن اجل ذلك اوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان و تعشقا و محبة للغلمان و الحسان الوجوه ليكون ذلك داعيا لهم الي تأديبهم و تهذيبهم و تكميل نفوسهم الناقصة و تبليغهم الي الغايات في ايجاد نفوسهم و الا لماخلق الله هذه الرغبة و المحبة في اكثر الظرفاء و العلماء [ص 605] عبثا و هباء فلا بد في ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة و القلوب الرقيقة الغير القاسية و لا الجافة من فائدة حكمية و غاية صحيحة و نحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناه فلا محالة يكون هذا العشق في الانسان معدودا من جملة الفضائل و المحسنات لا من جملة الرذائل و السيئات انتهي كلامه ، قوله فلما يترتب عليه من تربية الغلمان الخ ، ان اراد كل الغلمان و كل الصبيان او بعضها ممن له الشمائل الحسنة و تناسب الاعضاء و جودة التركيب قبل ان يبلغوا حد الالتحاء فان اراد الاول فباطل بالضرورة اذ اغلب الغلمان و الصبيان ليسوا ممن يريده حتي بل ليس فيهم الا القليل من الكثير اقل من الواحد و الالف بل اكثر افراد الناس و اغلبهم بل كل اهل سواحل البحر و بلاد الحبش و السودان و اطراف اليمن و المواضع التي غلبت فيها الحرارة و اليبوسة من ذلك القبيل و المواضع التي يمكن ان يتحصل من ذكر لايحصل الا قليل فعلي هذا يلزم ان لاتتعلق العناية الالهية في تربية اغلب افراد الناس و اكثرهم و جل الصبيان و الغلمان و تكون العناية خاصة بمن وجدت فيهم الشمائل اللطيفة فعلي هذا لايبقي الا القول باحد الامرين اما ان الله سبحانه ايضا يعشق الصبيان حتي جعل العناية بالنسبة اليهم اشد و اكثر بالنسبة الي غيرهم تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا و ( او خ ) انه رجح من غير مرجح او ان عدم جودة الشمايل يستلزم عدم حسن الذات في الواقع و جودتها تستلزم حسن الذات حتي تكون مرجحة فعلي هذا يلزم ان يكون اغلب الانبياء مبغوضين عند الله و كذا لقمان الذي آتاه الله [ص 606] الحكمة و كذا مؤمن آل فرعون و اغلب الاخيار و الصلحاء و المؤمنين و العلماء و المتقين من القسم الاول لا الثاني و يلزم ان يكون صبيان الكفار و غلمانهم و معاندي الحق كلهم محمودون لان حسن ظاهرهم دليل حسن باطنهم و قوله هذا في الباطل اظهر من ان يرد و لايشبه هذا القول بقول حكيم قوله و الاشعار اللطيفة و النغمات الطيبة الخ ، فيه انه ليست تعليم هذه الامور من العناية الربانية فان العقل و النقل دالان علي مذمة هذه الامور و لو فرضنا اباحتها ينبغي ترك هذه الآداب للصبيان لانها كلها جهات النفس الامارة بالسوء و هي تعينها الي مطالبها من الشهوات و لذا ورد النهي عن تعليم النسوان سورة يوسف عليه السلام و الامر بتعليمهن سورة النور و كذا الصبيان فانهم في اول الامر لسذاجة طبايعهم يجب ان يعلمونهم المواعظ و النصايح و احاديث اهل بيت العصمة و الطهارة و يعلمونهم طريقة ( طريق خ ) الزهد و العبادة و النسك و الطاعات و يزوون عنهم الاشعار و النغمات و القصص و الحكايات و لذا قال عليه السلام ما معناه ان البطن يمتلأ قيحا خير من ان يمتلأ شعرا فان الناس مامالوا الي التصوف و الي العشق و الي الزنا و اللواط الا من جهة الاشعار و النغمات و اهل الانس من اهل الملاهي و هو عند المؤمن الممتحن معروف و شرح ذلك يحتاج الي تطويل المقال و العاقل تكفيه الاشارة قوله و الا لماخلق الله هذه الرغبة في اكثر الظرفاء و العلماء ، فيه ان هذه الخلقة بسر الامر بين الامرين لاتدل علي حسن ذلك لان الله خالق كل شئ كتب الايمان في قلوب المؤمنين بايمانهم و خلق الكفر في قلوب [ص 607] الكافرين بكفرهم قال عز و جل بل طبع الله عليها بكفرهم و خلق الشك و الوهم و القساوة و الريبة في القلوب علي حسب مقتضيات طلباتها و لا شك ان اغلب الناس لو تركوا و شهوتهم لا شك في ان رغبتهم الي المعاصي كانواع الفجور و شرب الخمر و امثال ذلك اكثر من رغبتهم الي الطاعات بل اغلب الناس ليست عندهم رغبة الي الطاعات فيتكلفون لذلك فعلي هذا يجب ان تكون المعاصي احب الي الله و الا لماخلق الله هذه الرغبة في طبايع اكثر الظرفاء و العلماء فان قلت ان العلماء لايرغبون في المعاصي قلت عدم الرغبة لنهي الله لا لاقتضاء طبايعهم الا قليل من المؤمنين الممتحنين الذين عرفوا الحيث و الكيف و اللم ( الكم خ ) و عرفوا مبادي المعاصي و مبادي الطاعات و سر الشريعة و هؤلاء اعز من الكبريت الاحمر و هؤلاء ايضا لايرغبون في هذا العشق ابدا و لايلتفتون ابدا لانهم قد صعدوا و تجاوزوا عن مقام الصورة و بالجملة كل مؤمن مراقب لله و عظمته و قيوميته مشتغل بطاعته و عبادته معرض عن هذا العشق و لذا مانقل عن اكابر الصحابة من احدهم هذا الامر و لو فعلوا لوصل الينا كما وصل الينا مخفيات امورهم نعم الظرفاء و العلماء الذين استشهد ( هو خ ) برغبتهم في السابقين بنوامية و بنوالعباس لانهم كانوا شديدي الرغبة في هذا العشق و لهذا ( لقد خ ) قال يزيد لعنه الله في مدح غلام امرد :
دعوت بماء في اناء فجائني غلام بها خمر فاوسعته زجرا
فقال هو الماء القراح و انما تجلي له خدي فاوهمك الخمرا
و هكذا غيرهم يطول الكلام بذكر احوالهم و شدة انهماكهم في هذا العشق [ص 608] و ظهور هذا الامر الشنيع في الغاية و النهاية انما كان في دولة بنيالعباس حتي انهم كانوا يعقدون المجالس فاذا سمعوا شيئا يذكرهم معشوقهم كانوا يشهقون و يقطعون ثيابهم و يغشي عليهم و امرهم مشهور و في هذا الزمان الظرفاء الجامعون لهذه الصفة الطيبة هم الحكام و خدام السلاطين و الفساق المتجاهرون و الذين لايبالون بصيام و لا صلوة و لانسك و اما العلماء المشار اليهم فهم ليسوا الا الصوفية و من تبعهم من المنافقين المذبذبين بين ذلك لا الي هؤلاء و لا الي هؤلاء و اما علماء اهل البيت صلي الله عليهم الذين كانت ترد التوقيعات في مدحهم و جلالة شأنهم عموما و خصوصا كالابواب الاربعة رضي الله عنهم حتي قال بعض العلماء انهم معصومون و كوالد الصدوق علي بن الحسين بن بابويه الذي ورد التوقيع في حقه و يخاطبه الامام الغايب صلي الله عليه شيخي و ابي و ثقتي و كالكليني ثقة الاسلام و كالمفيد الذي ورود ( ورد خ ) التوقيعات عليه خرق الاسماع و ما بعدهم من علمائنا كالمقدس الاردبيلي و العلامة و المحقق و الشهيدين و امثالهم من الاكابر من اهل الظاهر و الباطن فماعهد منهم ظهور هذا الامر الشنيع و لميزل دأبهم و ديدنهم الرد عليه و النهي عنه و هذا شئ معلوم اتجوز ان تقول ان هؤلاء و امثالهم ارباب القلوب القاسية و الجافة فان قلت هكذا فلا جواب لك عندنا و ان قلت قد كان عندهم فلايظهرونه فلايمكن في العادة اذ ما من خصلة في شخص تخفي فلا بد ان يظهر و لو بعد حين مع ان هذا شئ اقرب الاشياء الي الاظهار كما انه قد ظهر من غيرهم من العلماء الذين يزعمون [ص 609] انهم اهل ورع و تشعير ( تشمير خ ) و قد ظهر ذلك من الصوفية و باصطلاحكم من العارفين و انتم فيما تزعمون ان اهل الباطن اشد احتمالا من اهل الظاهر فاذا مااحتمل اهل الباطن بزعمكم حتي اظهروه فاهل الظاهر اولي بذلك مع ان احتمال الوجود فيهم موهوم مرجوح فلايصار اليه الا بدليل قطعي فلو فتح هذا الباب اي المصير الي كل شئ ممكن محتمل فيبطل اساس الدين مع انه ادعي ظهور ذلك في العلماء و قد ثبت ان اولئك العلماء ليسوا من علماء اهل البيت عليهم السلام كما انه الآن ديدنهم و طريقتهم لاينكرون ذلك و لو لميكن شئ في ابطال هذا الامر الا شيوعه عند الصوفية و العامة لكان كافيا في ابطاله و تزييفه لان الرشد في خلافهم و قد قال الله عز و جل انما يخشي الله من عباده العلماء و قد قال علي بن الحسين عليهما السلام في الصحيفة لا علم الا خشيتك و لا الحكم الا الايمان بك ليس لمن لميخشك علم و لا لمن لميؤمن بك حكم و الذي يخشي الله لاينسي الله و العاشق حين التفاته الي معشوقه لايذكر الله ابدا و قد ذكر لي بعضهم اني قد التهيت بمعشوقي من اول الظهر و فقدت ادراكي و شعوري و ماتنبهت الا و قد رأيت ان الدنيا قد اظلمت و السرج قد علقت قلت ما الخبر قالوا جاء الليل و انا ماصليت صلوة الظهر و العصر هل هذا من خشية الله سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم ثم قال صاحب الاسفار و لكن ( و خ ) لعمري هذا العشق ترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنياوية الا هم واحد فمن حيث يجعل الهموم علي ( الي خ ) واحد الي آخر ما قال و انت خبير بان الهم الواحد ان كان هو الله سبحانه هو المطلوب ( و المني خ ) و اما [ص 610] غير الله فلا حسن فيه بل فيه قبح فان الشخص و ان كان في عالم وقوفه له شؤن كثيرة لكنها ليست ثابتة ( بثابتة خ ) بحيث تشغله عن كل شئ و الكثرة دليل عدم الثبات فتتساقط حال التعارض و يتفق للشخص التخلية و الاقبال الي الله في بعض الاحيان و بعض الاحوال بل في اغلب الاحوال لكنه في تلك الحالة الميشومة المسماة بالعشق لايري لغير معشوقه تحقق و تأصل لايبرح في ذكره و فكره في الخلوات و اوقات الصلوة بل لايلتفت الي الله ابدا في تلك الحالات و يقطع الرحم و كل شئ يقطعه عن معشوقه و ان كان طاعة لله جل شأنه فيكون العاشق في كل تلك الاحوال مشركا الي ان يخرج منها و هو في محل الشك و الغالب ان النفس اذ تعودت بذلك لاتفارقه ابدا بل تنتقل الي الآخر اذا ارتفع حسن الاول كما قال شاعرهم :
و رِدْ كل صاف لاتكن عند مورد تنقل فلذات الهوي في التنقل
نعوذ بالله من مضلات الفتن يا اخي تنبه عن سنة الغفلة و اعلم ان الله سبحانه لايتوجه اليه من جهة الغفلة عنه و لا سبيل اليه الا بما دلوا و امروا عن الله سبحانه و هم المعصومون المطهرون المنزهون عن الخطاء و الزلل و دع غيرهم ان كنت آمنت بهم فانهم الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتهم و طريق هدايتهم فحبك للولي عليه السلام هو عين حبه لك بك لانك مثاله و ظهور جماله بل الانسان مثال المثال و جمال الجمال فمحبتك له عليه السلام هو توجهك الي جهته التي ظهرت لك و تلك الجهة هي نور جماله الظاهر فيك فاحبك بذلك النور لانه مثاله و آيته و دليله فظهر ذلك المثال ان كنت صادقا في حبه في كل اطوارك [ص 611] فيكون سمعك و بصرك و يدك و رجلك لان هذه القوي و المشاعر شؤنات ذلك النور و المثال و حكايات له فان كان الرجل غير ملتفت الي المحبة و غير ملتفت الي جهة المحبوب تستقل هذه القوي و المشاعر بالاستقلال الاجتثاثي و ان كان ملتفتا و ناظرا و منقطعا عن وجدان نفسه بذي الظهور الذي هو ذات الشخص و نفسه فغيب الصفات و الشؤن فقال بي يسمع و بي يبصر كما تقول انا سمعت انا رأيت و لا شك ان هذا السماع الخاص و الابصار الخاص ليسا عين ذاتك و انما هو ظهوران من ظهورات ذاتك و لما كان الظهور فانيا مضمحلا عند الذات نسبتهما و اشباههما اليك و كذلك الحق عز و جل كما قال في الحديث القدسي مازال ( لازال خ ) العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته ، فاذا عرفت ان الكلام لايقع في ذاته تعالي و المتكلم هو صفته علمت بان المتكلم في هذا الحديث الشريف هو مكلم موسي في الشجرة باني انا الله لا اله الا انا فاعبدني و ذلك المتكلم عن الله رجل من الكروبيين و ذلك يأخذ عن رجل من العالين و ذلك يأخذ عن نفس دلالة الكلام المتحصلة من الكلمة المتحصلة من نفسها بالله سبحانه و لايحسن التعبير عن حقيقة العبارة عن حقيقة الارادة الا ان في الكلام اشارة صريحة الي المراد يعرفه اهل الفؤاد فقوله عز و جل كنت سمعه الخ ، كقوله عز و جل الكعبة بيتي و نفخت فيه من روحي فيكون هذا الذي يكون سمعا و بصرا للمحب هو الولي بظهوره للشخص لا بذاته و هذا مقام الود و اما في مقام [ص 612] هو نحن و نحن هو فهو ايضا ذلك الظهور لان ظهور الظهور من حيث الظهور ظهور و هو معني قوله عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا علي اعلي المعاني و قولهم عليهم السلام بنا عرف الله و بنا عبد الله فيوم الحشر الي الله في الظاهر و الباطن و الحقيقي و المجازي تنحصر فيه النجاة في حب علي اميرالمؤمنين ( عليه السلام خ ) و اولاده الطيبين الطاهرين المعصومين و الصديقة الطاهرة صلي الله عليها مع السيد الاكبر صلي الله عليه و آله و سلم علي ما شرحت و فصلت و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
[ص 613] قال عليه الصلوة و السلام و روحي له الفداء : فانا الآمل و المأمول انا الواقف علي الطتنجين انا الناظر في المغربين و المشرقين .
اعلم ان الرياسة الكبري ( العظمي خ ) و السلطنة العظمي ( الكبري خ ) تقتضي ان يعطي كل ذي حق حقه من الامدادات الوجودية من الذاتية و الوصفية علي اختلاف مقاماتها و ان لايهمل شئ الا و قد اعطي ما تسد به فاقته و تكون ذلك مستمرا له الي الابد و الاشياء لها مقامان مقام وحدة و مقام كثرة و في المقام الثاني لها مقامان مقام كثرة ذاتية و مقام كثرة عرضية فالاول من الاول مقام فقرهم و حاجتهم الي الحق سبحانه الفياض علي الاطلاق فهم في هذا المقام كرة واحدة مستديرة تدور لا علي محور بل علي القطب بدوا و عودا و قابلا و مقبولا و الثاني من الاول مقام ابتلاء بعضهم ببعض و التفاتهم الي جهاتهم و احوالهم قال عز و جل و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض و لكن الله ذو فضل علي العالمين و الاول من الثاني هو مقام الموجودات و رتبتهم في الطول ليكون الآخر تابعا و اثرا و معلولا للاول و الاول متبوعا و مؤثرا و علة من حيث الحكاية للآخر و الكل يرجع الي الله و اليه يرجع الامر كله فاعبده و توكل عليه و ما ربك بغافل عما يعملون و معني ذاتية الكثرة الذاتية فيهم هو ان لاتجمعهم حقيقة واحدة و ليس بينهم حد مشترك ابدا فكل واحد غير الآخر و ان بلغوا ما بلغوا و ان صعد السافل الي ما لا نهاية له و نزل العالي الي ما لا نهاية ( له خ ) و الثاني من الثاني هو مقام الموجودات و رتبتهم في العرض ليكون كل واحد منهم تجمعهم حقيقة واحدة و لاتكون [ص 614] بينهم تابعية و لا متبوعية و لا اثرية و لا مؤثرية و يتيسر لكل الوصول الي مقام الآخر و الكثرة العرضية هي اختلاف قابلياتهم في انحاء القبول و اختلاف ميولاتهم و طلباتهم للفيض الواحد الغير المتكثر الغير المختلف و عمدة الاختلاف انما حصلت في القوس الصعودي بعد نزولهم و صيرورة الانوار و الاسرار كلها بالقوة فمنهم من وصل الي المقام الاقصي الذي اتي منه و منهم من بقي الي الاسفل الادني و منهم من ادبر موليا و لميقبل ابدا و منهم من قرب الي الوصول و منعه عن الوصول بعض الفضول و منهم من استولت عليه الامراض فقعدت به عن المسير و منهم من سافر و لميأخذ زاد التوكل و راحلة الاستغناء فخلص زاده و تلفت راحلته و بقي متحيرا و منهم من اخذ الزاد و الراحلة بقدر ما يكفي لكنه قطعه قاطع الطريق و اخذ ما كان معه فبقي واقفا تعبانا و منهم من توقف و لميسافر لشدة الكسالة و هكذا امثاله من القواطع و الموانع و هذا في كل شئ مما شملته دائرة الكون و الوجود في كل مرتبة من المراتب و ظهر في كل مقام لاهله ففي الرتبة الانسانية ظهر للانسان و ما للانسان خفي علي البهائم و ما لهم من الاحوال و الاختلاف حسب صعودهم الي مبدأهم خفي علي النباتات و هكذا حالها بالنسبة الي الجمادات و لايعرف هذه الاختلافات في كل مرتبة من اهلها الا الذي صعد الي الاعلي و دخل المسجد الاقصي عودا كما دخله بدوا فهنالك هو في اعلي مقام ينظر الي احوال السافلين بعين اليقين لا علي جهة الظن و التخمين الاتري الانسان فمنهم من هو واقف في مقام الجماد آخر مراتب [ص 615] النزول مظهر اسم الله المميت و ماتوقف ( ماتوفق خ ) للصعود ابدا بالتشريع و ان صعد في ظاهر التكوين الصوري و اما باطنه بعد في مقام النزول و لقد اخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و التشبيه ينبئ عما ذكرنا علي انا نقول ان المشبه عين المشبه به في القرآن و الاخبار و منهم من هو واقف في مقام النبات لا هم له الا جذب الغذاء اليه و دفعه عنه قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كان همته ( همه خ ) ما يدخل في بطنه كان قدره ما يخرج عن بطنه و لقد اخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون قال احدهم عليهم السلام نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون و سائر الناس غثاء و منهم من هو واقف في مقام البهائم منكس رأسه لايلتفت الي المبدأ الحق سبحانه و تعالي و لا هم له الا ما يؤل الي نفسه من انواع الملاذ من الظلم و الغشم و حب الرياسة و امثال ذلك و لقد اخبر الله سبحانه عنهم بقوله الحق ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا ، اولئك هم الغافلون و قال مولينا الباقر عليه السلام الناس كلهم بهائم الا المؤمن و المؤمن قليل و المؤمن قليل و منهم من هو واقف في مقام الانسان هو اقصي المقام و هم الذين ظهرت فيهم الخواص الانسانية كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الناطقة القدسية ان لها خمس قوي و خاصيتان علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و الخاصيتان هما النزاهة و الحكمة و هؤلاء لهم مراتب كثيرة اسفلها و ادناها [ص 616] مقام النفس المطمئنة و اوسطها مقام النفس الراضية و المرضية و اعلاها و افضلها مقام النفس الكاملة و هي التي تشابه اوائل جواهر العلل و تشارك السبع الشداد و سر هذه الاختلافات و الوقوفات هو ما ذكرنا لك من الموانع المتقدمة و لما كان اهل كل مرتبة فقراء لائذين بباب الله سبحانه الذي هو فناء الولاية يحتاجون الي الغذاء المقوي و الغذاء قسمان روحاني و جسداني يفاض عليهم الامران من فوارة النور و القدر بامر مستقر فسالت اودية بقدرها فيأتي لاهل كل مرتبة الغذاء المناسب له الموافق لطبيعته ليعلم كل اناس مشربهم الاتري زرع الحنطة و الشعير فان لبها لبني آدم و قشرها و تبنها و ما يجمع منهما للبهائم و التي لاتجمع منهما من الصغار المطروحة علي الارض للطيور و التي لاتقدر علي جمعها الطيور هي حظ الارض و هكذا غيرها فهذه الاغذية بالنوع يقال انها واحدة لكنها تختلف هذا الاختلاف الشديد و لما كان الغذاء الروحاني هو العلم و هو الزرع الذي اشار اليه الحق سبحانه في كلامه الحميد المجيد فلينظر الانسان الي طعامه اي الي علمه علي ما فسره مولينا الصادق (ع) انا صببنا الماء صبا و هو العلم اللدني و المعارف الكشفية الالهية التي لا كيف لها و لا وضع و لا اضافة و لا حدود و لا صورة ثم شققنا الارض شقا و هو ( هي خ ) قلب الامام عليه السلام و صدره و خياله عليه السلام فانبتنا فيها حبا و عنبا و قضبا و زيتونا و نخلا و حدائق غلبا و فاكهة و ابا متاعا لكم و لانعامكم و هي انحاء العلوم و المقامات و الدرجات و اظن اني قد ذكرتها سابقا و هذه العلوم تنقسم الي هذه الاقسام [ص 617] التي كانت تنقسم الحنطة و الشعير اليها باعتبار فتحقق اولوا الالباب و اولوا الاوبار و اولوا الاصواف و اولوا الاشعار و لكل منهم حظ في معرفة العلوم الناشئة عن آل الرسول صلي الله عليه و عليهم و قد قالوا عليهم السلام انا لانخاطب الناس الا بما يعقلون و هذه كلمة جامعة ثم ابانوا عليهم السلام اقسام المخاطبين و قالوا ان حديثنا صعب مستصعب لايحتمله احد قيل فمن يحتمله قالوا عليهم السلام في رواية نحن و في الاخري من شئنا فعلمنا ان هنا علوما لايخاطب بها و لايكلف بها غيرهم سلام الله عليهم يخاطبون بها بعضهم بعضا ليس لاحد فيها نصيب سواهم صلي الله عليهم و علوما اخر يخصون بها من شاؤا و ارادوا بمشية خاصة بخطاب خاص و ليست كل ما طلبت وجدت و ان بلغوا في العلم ما بلغوا في المقامات الباطنية او الظاهرية و الظاهر في رواية اخري قالوا عليهم السلام او مدينة حصينة و سئل عنها قال عليه السلام هي القلب المجتمع ه ، فيكون ذلك نوعا آخر من العلم يدرك بصفاء القلب و سكون الباطن و طمأنينة النفس و عدم تطرق ابليس و جنوده لادخال الشكوك و الشبهات فيها و قد قالوا عليهم السلام ان حديثنا صعب مستصعب اجرد كريم ذكوان مقنع لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان ه ، و هذه ( العلوم خ ) علوم و اسرار كينونية تخص بهذه الفرقة الثلاثة و لها فيها مادة اجتماع و مادة افتراق فيفترق النبي المرسل بما لايحتمله المؤمن الممتحن و المؤمن الممتحن بما لايحتمله الملك المقرب ففي محل الاجتماع يخاطب بها الفرقة الثلثة خاصة دون غيرهم فليس احد يراد [ص 618] لفهمها سواهم فلايطمع لذلك و علامة ذلك ان ذلك حديث موجود في كتب الامامية او غيرها و ماانعقد اجماع الفرقة المحقة علي نفي ذلك عنهم عليهم السلام و ان كان بظاهره ينافي المذهب او ينافي العقل حسب ما يفهمون فان العلم لايخص الا بهم عليهم السلام و يريدون احد سبعين وجها من كلماتهم كما قالوا عليهم السلام اني اتكلم بكلمة و اريد بها احد سبعين وجها لي لكل منها المخرج و لذا اجاب عليه السلام ذلك الرجل حيث قال ان الناس ينقلون عنكم امورا لايقبله العقل قال عليه السلام يقولون انا نقول الليل نهار و النهار ليل قال لايقولون ذلك قال عليه السلام و ان قالوا ذلك لاتكذبوهم فانكم تكذبوني ، فاذا كان الامر بهذه المثابة فلايجوز طرح شئ مما ينسب اليهم صلي الله عليهم الا ما قام الاجماع بوضع ذلك الحديث كما قالوا عن رسول الله صلي الله عليه و آله نحن معاشر الانبياء لانورث و امثال ذلك و اما ما لايكون كذلك فلايجوز طرحه نعم ان الذي لميعرف ليس مخاطبا به و لا مرادا منه كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها و اداها كما سمع فرب حامل فقه و ليس بفقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه فاذا لميخاطب به فليس مكلفا بمضمونه فيذره في سنبله لان الامور ثلثة امر بين رشده فيتبع و امر بين غيه فيجتنب و امر مشكل يرد علمه الي الله و الي رسوله و الي اهل بيته صلي الله عليه و عليهم لان لهم عليهم السلام في كل خلف عدولا ينفون عن دينهم تحريف الغالين و انتحال المنتحلين فلو كان كل خبر و حديث يرد منهم عليهم السلام فيعرفه كل احد اين اذا صعوبة حديثهم حتي يختص به من هو مضاهي للانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و المؤمن الممتحن هو الذي يصدق قوله فعله فيتجافي عن دار الغرور و ينيب [ص 619] الي دار الخلود و يستعد للموت قبل نزوله فاذا وجدت هذه الصفات الثلثة في نفسك فاعلم انك المؤمن الممتحن الذي يتحمل اسرار اهل البيت عليهم السلام و المدعون لها كثير لكن لها علامة و هي ان يحصل العلم من غير تعلم فينفتح قلبه فيشاهد الغيب و ينشرح صدره فيتحمل ( فيحتمل خ ) البلاء قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس العلم بكثرة التعلم بل هو نور من عند الله يقذفه في قلب من يحب فينفسح فيشاهد الغيب فينشرح فيتحمل ( فيحتمل خ ) البلاء قيل هل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله ه ، فهذا هو المؤمن الممتحن و له علامة اخري ان لايجد تعارضا في الاخبار و في كلمات الائمة الاطهار صلي الله عليهم مع اختلافاتها و ان لايحتاج لتصحيح الاخبار و تهذيبها الي تصحيح الرواة و الرجال فان ذلك لمن لميشاهد المطلوب و هو بخلاف سبيل المؤمن الممتحن لانه عرف الحقيقة الثابتة التي مع كل حق و النور الذي مع كل صواب و له علامة اخري و هي اعلاها ان يستند في كل اقواله الي اربعة متطابقة لايختلف بعضها مع بعض الكتاب و السنة و الوجدان اما الفؤاد لدليل الحكمة او العقل لدليل الموعظة الحسنة او النفس و العلم لدليل المجادلة بالتي هي احسن و آية الآفاق و الانفس فان لميكن جامعا للمجموع في مجموع المسائل فليس من المؤمن الممتحن الذي يضاهي النبي المرسل و الملك المقرب و له علامة اخري و هي ان لايحصل علمه من الاقوال و افواه الرجال الا الرجال الذين لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن [ص 620] ذكر الله و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار و لايأتي بكلام الغير لتتميم كلام الله ( كلامه الا خ ) تأييدا لرضاء الخصم به او ابطالا لحججه فاذا سألته عن شئ يجيب عنه مؤسسا لا ناقلا و له علامات اخر يطول الكلام بذكرها و اعظم العلامات هو ما ذكره الامام عليه السلام في هذه الخطبة الشريفة لان هذه الخطبة من الاحاديث الصعبة المستصعبة التي لايتحملها الا المؤمن الممتحن و لايخاطب بها غيرهم و لا حظ لاهل البحث و الجدل فيها و لذا ( لذلك خ ) خصص عليه السلام شيعته بالخطاب فان هذا الخطاب يقبح ان يقع علي غيرهم و لما كان منتحل التشيع كثيرا و ليس كلهم مستأهلين لهذا الخطاب جعل لهم عليه السلام اولا طريقة لتمكين قابلياتهم ليستأهلوا للخطاب و يقرعوا ذلك الباب و تلك الطريقة هي التزام بيعته عليه السلام و هو الذي قال مولينا الصادق عليه السلام في تفسير الله ان الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا ثم شرح هذا الالزام و الملازمة للبيعة بالمواظبة علي الدين بحسن اليقين و عدم متابعة الشيطان و التوجه الي الله سبحانه علي الصدق و اليقين و التمسك بحبل الله المتين و متابعة الوصي الامين و محبته التي بها تفتح ابواب المعارف و الحقائق و الاشارات الغيبية كما قالوا عليهم السلام ما من عبد احبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل مسألة الا و قد نفثنا في روعه جوابا لتلك المسألة و قال اميرالمؤمنين عليه السلام المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم و ينهجون منهجهم يهجم بهم العلم علي [ص 621] حقيقة الايمان فيستلينون من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و يأنسون بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون الحديث ، فاذا بلغ الشيعة الي هذا المقام في العمل فتنفتح ( تنفتح خ ) عليه ابواب الاسرار الالهية المخزونة في الخزينة العلوية فلما ابان عن مقدمات الاستيهال كشف الغطاء عن وجه الاجمال فقال عليه السلام انا الآمل و المأمول هذا اول مقام الاسرار و اول مقام ظهور الانوار و اول مقامات معرفتهم بالنورانية و اول مظهر من المظاهر الربانية لكنه اعلم اولا ان جميع ما يذكر في هذه الخطبة الشريفة من جميع ما ينسب الي نفسه الشريفة فكل الائمة سلام الله عليهم مشتركون فيه لانفرق بين احد منهم و نحن له مسلمون فلاتتوهم انها مخصوصة نعم لهم مقامات اختصاص نشير اليها في مواضعها .