قوله عليه السلام : و التزموا بيعتي اعلم ان الربوبية لها خمسة مقامات : المقام الاول هو الربوبية اذ لا مربوب لا ذكرا و لا عينا و لا ظهورا و هي الذات البحت القديمة سبحانه و تعالي و لا كلام فيها و لا بيان و لا عبارة و لا اشارة الطريق مسدود و الطلب مردود و المقام الثاني دليل تلك الربوبية و صفتها و آيتها اي العين التي تستدل ( نستدل خ ) بها اليها و هي ايضا لا ذكر و لا عين و لا ظهور للمربوبين فيها بوجه من الوجوه لانها وجه الله و دليله فلو كانت فيها كثرة لعرفنا الله بالكثرة لان معرفة الوجه عين معرفة ذي الوجه و هو معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام يا من دل [ص 531] علي ذاته بذاته و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و جل عن ملائمة كيفياته و المقام الثالث مقام الربوبية اذ مربوب ذكرا و اذ لا مربوب عينا و ظهورا و هو مقام الهوية اعلي مراتب الواحدية فهناك ذكر اجمالي للمربوبين فيها الا ان جهة الاضمحلال و الاستهلاك اغلب و المقام الرابع مقام الربوبية اذ مربوب ذكرا تفصيليا مقارنة للمربوب العيني و غير واقعة عليه العام الواسع الجامع المحيط علي الافراد كلها و المقام الخامس مقام الربوبية اذ مربوب ذكرا و عينا و وقوعا و ظهورا ، و هنا مقام سادس و هو مثال الربوبية الواقعة الملقي في هوية المربوب و اليها اشار مولينا الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربك انه علي كل شيء شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك الحديث ، و هذه الربوبية السادسة وجه للربوبية الخامسة و هي وجه للرابعة و هي وجه للاولي فانقطع عندها مقام الذكر و جهة الكثرة فالاوليتان لا اسم لهما و لا رسم و لا عبارة و لا اشارة و الثالثة اسمها هو و هو اعظم لان هو العلي الكبير و العلي اول الاسماء علي ما قال الامام الرضا عليه السلام انه سبحانه اول ما اختار لنفسه العلي العظيم لانه علي علي كل شئ و الرابعة اسمها الله لانه الاسم للظاهر ( الظاهر خ ) بالالوهية الجامعة المحيطة لكل الظهورات و المظاهر و المهيمنة علي كل الاسماء و الصفات هيمنة الواحد علي الاعداد يعني ان كل الاسماء ظهور من ظهورات الاسم الله و تجلي من تجلياته فهو في مقام نفسه واحد و في مقام ظهوره متكثر و مرجع الكثرات كلها الي الوحدة الحقيقية في ذلك الاسم المبارك فافهم [ص 532] و الخامس اسمها الرحمن المستوي علي العرش المعطي كل ذي حق حقه السائق الي كل مخلوق رزقه و لما كان المربوبون متقومين بالربوبية و لا قوام ( لهم خ ) في حال من احوالهم الا بها و حكم الرب سبحانه و تعالي بمقتضي الربوبية ان يعطيهم ما سألوه و يسألونه بارادتهم و اقتضاءاتهم في كل احوالهم ( و خ ) لايتحقق ذلك الا بمعرفة المسئول و كيفية السؤال عنه و كانوا جهالا لايعرفون ذلك لانهم معدومون من دون ذلك وجب في الحكمة علي الرب سبحانه ان يعرفهم نفسه و يعرفهم ابواب فيوضاته ليأتونه و يسألونه من تلك الابواب و الابواب هي تلك الربوبيات الاربعة المتأخرة و لما كان محمد و علي و الطيبون من اولادهما صلي الله عليهما ( و آلهما خ ) حاملي تلك الربوبية و مظاهر تلك القيومية و هم ابواب ( الافاضة خ ) للافاضة و الاستفاضة و اعضاد لكل البرية و مناة للعطية و بهم قوام الخليقة وجب ان يقرن باسمه اسمهم و معرفته معرفتهم و ولايته ولايتهم لانهم عليهم السلام فاعلوا فعل اللازم الغير المتعدي الي غير الفعل الاسم المستقر في ظل الله الذي لايخرج الي غيره و لذا اشتق الله سبحانه اسماءهم من اسمائه و نوههم باسمائه و لما كان الفيض الالهي لايجري الا علي الاختيار من غير جبر و اضطرار ابان لهم عن تلك المعرفة علي جهة السؤال المستدعي للاجابة اما بالادبار او بالاقبال ليجري عليهم حكمه علي مقتضي الحالين في كل الاحوال و لما كان السؤال المستدعي لمعرفة السائل بنفس ذلك السؤال تكوينيا و تشريعيا و الحقيقة ان التكوين عين التشريع و التشريع عين التكوين و الشئ الواحد يجمع الامرين [ص 533] و الخلق لهم مراتب في تكوينهم و كينوناتهم و كل مرتبة في عالم من عوالم القدس و العزة اقامهم في تلك العوالم بتلك المراتب فسألهم الست بربكم و محمد صلي الله عليه و آله نبيكم و علي عليه السلام و اولاده الاحدعشر و فاطمة الزهراء عليها السلام اوليائكم فاجاب من اجاب و انكر من انكر و توقف من توقف و تقدم من تقدم و تأخر من تأخر و توسط من توسط فمابقي ذرة من ذرات الوجود الي ما لا نهاية له ابد الابد الا و قد سألهم الله سبحانه بذلك السؤال و اجابوا في مرتبة من مراتبهم اما بكلها او ببعضها او باكثرها او باقلها و لم‌يخل شئ من الاشياء مما يتصور او يتعقل او يشاهد او يتوهم او يتخيل او يحس او يعاين من الاعيان و الذوات و الاكوان و الصفات و الاعتبارات و الاضافات مما احاطته لجة الامكان الا و قد اجابوا ذلك السؤال و عرفوا حقيقة الحال اما ادبروا او اجابوا بالاقبال و اليه يشير قول مولينا الهادي عليه السلام في الزيارة الجامعة الكبيرة حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرفهم جلالة امركم و عظم خطركم و كبر شأنكم و تمام نوركم و صدق مقاعدكم و ثبات مقامكم ( و شرف محلكم خ ) و قرب منزلتكم منه بابي انتم و امي الزيارة ، اذ لايمكن ان يوجد شئ من الاشعة الا بعد معرفة السراج و النور الساطع الساري منه فيها فلما ان الله سبحانه عرف الخلق السائلين الواقفين ببابه الفقراء اللائذين بجنابه معرفة المسئول اراد ان يعرفهم كيفية [ص 534] السؤال لجهلهم و عجزهم و قصورهم عن ادراك ذلك من دون تعريفه سبحانه و لما كان السؤال ليس الا جهة السائل الي المسئول و هي جهة الافتقار و الذل و الانكسار و الاستقامة مع المسئول في الاعلان و الاسرار و هذه الجهة لم‌تتم و لم‌تكمل في كل الاحوال الا في محمد و اهل بيته الطاهرين سلام الله عليهم اجمعين و كان كلهم و جزؤهم و ذاتهم و صفتهم و قولهم و فعلهم و حركتهم و سكونهم و نومهم و يقظتهم سؤال الله سبحانه و استمداد منه تعالي و توجه و اقبال اليه عز ذكره امر الخلق كلهم بطاعتهم صلي الله عليهم اذ ليس لهم عليهم السلام جهة غير وجه الله فكان طاعتهم طاعة الله و معصيتهم معصية الله و حبهم حب الله و بغضهم بغض الله و غضبهم غضب الله و رضاهم رضي الله فطاعة الخلق لهم عين طاعتهم لله و طاعتهم ليس الا سؤالهم منه سبحانه الافاضة و الامداد و الاستعداد لبلوغ المراد فاخذ الله سبحانه في كل عالم من العوالم و كل مرتبة من المراتب عن كل الخلق من الانبياء و المرسلين و الملائكة المقربين و سائر الخلق اجمعين من الذوات و الصفات و الاضافات و الاعراض من الاسقام و الامراض العهد بطاعتهم و جعل علي اعناق كل البرايا مبايعتهم في الذرات كلها فاخذ لهم البيعة عن كل ذرة من ذرات الوجود الي اقصي نهايات الشهود و جعل ذلك العهد و العقد و البيعة وديعة عند ملك من الملائكة كان شديد الحب لآل‌محمد عليهم السلام و كان ذلك عنده الي اول مقامات ظهور الطاعة بكل وجوهها و بروز مراتب العبودية بكلها و هو عند خلقة ابينا آدم ابي‌البشر علي نبينا و آله و عليه [ص 535] السلام و لما كان اول مظهر لاشراق تلك الانوار امر الله سبحانه الملائكة كلهم و سائر الخلق ان يسجدوا لله سبحانه عبودية و لآدم حيث كونه حاملا لتلك الاشباح النورانية هياكل التوحيد تعظيما و تجديدا للعهد و العقد و البيعة المأخوذة عنهم في تلك العوالم من العبودية لله سبحانه و السؤال منه تعالي بالتوجه الي تلك الاشباح المطهرة القدسية اللاهوتية و ذل الطاعة و الانكسار بالرقية لها و هو قوله عليه السلام من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و قوله عليه السلام طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شئ لكم ، و لما ان الله سبحانه انزل آدم الي الارض و كان مستودع تلك الانوار نزل ذلك الملك الذي عنده الوديعة و صحيفة عقد العهد و اخذ البيعة علي كل الخلق من الانبياء و الرعايا بالطاعة لآل‌محمد عليهم السلام و الانكسار لهم و التوجه الي الله بهم و العبادة لله بحبهم و بما اسسوا من ارشاداتهم سلام الله عليهم و ذلك لشدة استيناس ذلك الملك بآدم لكونه حاملا لظهور تلك الانوار و تنزل بصورة الحجر ليكون قبلة مستمرة لكل من اخذت عنه البيعة و تذكيرا لهم عند توجههم الي ربهم في حال صلوتهم التي هي اصل عباداتهم و قوام امرهم و عماد دينهم ثم ان الله سبحانه تأكيدا للعهد و اتماما للحجة و اكمالا للنعمة اظهر تلك الارض التي اخذ البيعة عن الخلق لآل‌محمد عليهم السلام بالولاية و لنفسه بالربوبية و بني عليها بيتا مربعا نسبه الي نفسه و عظمه و كرمه فالركن الاول بازاء الست بربكم و هو سبحان الله و الركن الثاني [ص 536] بازاء و محمد نبيكم و هو الحمد لله و الركن الثالث بازاء و علي وليكم و الائمة الاحدعشر من ولده و فاطمة سلام الله عليها و عليهم اوليائكم و امنائكم و هو لا اله الا الله الاتراه اثني‌عشر حرفا و الركن الرابع بازاء اوالي من والوا و اعادي من عادوا و هو الله اكبر و المجموع تمام الاسم الاعظم و هو قول مولينا الكاظم عليه السلام ان الاسم الاعظم اربعة احرف الحرف الاول لا اله الا الله و الحرف الثاني محمد رسول الله و الحرف الثالث نحن و الحرف الرابع شيعتنا ثم اوجب سبحانه الطواف علي ذلك البيت اسبوعا تذكيرا لهم بعدد الهياكل الذي اخذ لهم البيعة عن الخلق ثم اظهر تلك السبعة في الحمد فجعلها في صلوتهم في الاوليتين ( الاوليين خ ) و لما كانت الصلوة لاتنقص عن الركعتين ابدا اوجب سبحانه عليهم في كل منهما الحمد خاصة لتمام اربعة‌عشر قياما بحقهم و وفاء ببيعتهم و لما كانت الاخيرتين في الصلوة قد تنقص واحدة منهما كما في المغرب جعل التسبيح في كل منهما ثلث مرات لتمام الاثني‌عشر فجمع الكل في الكعبة فجعل البيت مربعا و الطواف اسبوعا و لما كان كل حج لايتم الا بالعمرة مفردة او متمتعا بها و كليهما مايتمان ( كلاهما لايتمان خ ) الا بالطواف ( بطواف خ ) الاسبوع فيتم اربعة‌عشر ثم جعل سبحانه الملك المتنزل بصورة الحجر المخزون عنده ودائع العهد و البيعة علي ركن من اركان البيت و هو الركن العراقي اشارة الي ظهور الاصل و المولي و سيد الملك في ارض العراق اي الكوفة ليكون وجهه اليه ابدا و اوجب علي كل الخلق البدءة بالطواف من محاذاة الحجر و اوجب عليهم استلامه تجديدا للبيعة لانه [ص 537] حامل الوديعة و القراءة عنده بالدعاء المأثور امانتي اديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة و ذلك موافاة للعقد المأخوذ عنهم في العوالم المتقدمة ثم اوجب علي الخلق كلهم من اهل الارض من اهل المشرق و المغرب التوجه الي الكعبة عند الصلوة التي هي اعظم العبادات و اشرف الطاعات و اوجبها علي البريات بحيث لاتنفك عنهم في حال من الحالات من الصحة و المرض و السفر و الحضر و الخوف و الامن و الشباب و الشيب و السعة و الضيق و الفقر و الغناء و الحرق و الغرق و سائر احوالهم فجعلها التي هي مثال لتلك الحقائق المقدسة المطهرة و ذكر للبيعة المأخوذة لهم عن الخلق وجها لكل الخلق من الانس و الجن و الطيور و الوحوش و الملائكة الا ان ملائكة السموات يتوجهون الي بيت المعمور الذي هو علي محاذاة الكعبة و مقابلتها و علي وصفها و هيكلها و هيأتها فصار الخلق في كل يوم و ليلة يذكرهم الله سبحانه العهد الذي اخذ عنهم في عالم الذر و البيعة التي احكمها هناك لاميرالمؤمنين ( عليه السلام خ ) وليه و خليفته باوقات الصلوة حيث جعلها خمسة اوقات لظهور الهاء في هو في اهل العباء صلي الله عليهم فوقت الظهر لكمال الاستيلاء و بدو الوجود و هو اشارة الي رسول الله صلي الله عليه و آله و وقت العصر الذي هو بعد الظهر بلا فاصلة و هو اشارة الي اميرالمؤمنين عليه السلام لانه ظهر في جلال العظمة بعد جلال القدرة فالثاني للشمس و الاول للقمر و وقت المغرب هو اشارة الي فاطمة الصديقة روحنا فداها صلي الله عليها و هي اول وقت بعد غروب شمس [ص 538] النبوة و لذا كان وقت المغرب ضيقا جدا لانها قد توفت بعد رسول الله صلي الله عليه و آله في مدة قليلة الظاهر انها خمس و سبعون يوما و وقت العشاء و هو اشارة الي مولينا الحسن عليه السلام اذ في زمانه و اوانه اشتدت ظلمة النفاق و الكفر و الطغيان و انمحت بالكلية ظهور آثار النبوة و وقت الصبح ( اشارة الي مولينا الحسين عليه السلام خ ) ان قرآن الفجر كان مشهودا لعن الله قاتله فان شهادة الحسين صلي الله عليه و آله اذهب الظلمة اي الشكوك و الشبهات عن قلوب المؤمنين لكنه بعد ما طلعت الشمس عجل الله فرجهم و سهل مخرجهم و سنشرح الامر ان شاء الله فيما بعد و هذه الاوقات الخمسة المتعلقة بهؤلاء الطاهرين وجبت فيها الصلوة اشارة الي ان التوجه الي الله مايمكن الا بهم صلي الله عليهم من اراد الله بدأ بكم ( و من وحده قبل عنكم خ ) و كذا ذكر الله الخلق ذلك العهد بكيفية الصلوة من اعدادها و هيئاتها و فرائضها و نوافلها و كذا ذكر ( ذكرهم خ ) الله سبحانه اياها بقبلة الصلوة التي هي جهة الكعبة لاستقرار الحجر في ركن من اركانها و كذا غيرها من شرائطها و مقدماتها و اركانها و افعالها و منافياتها و كل العبادات غيرها ايضا تذكير ( تذكر خ ) للعهد و البيعة المأخوذان ( المأخوذين خ ) في عالم الذر لاميرالمؤمنين و الطيبين من اولاده عليهم السلام و انما خص عليه السلام تلك البيعة بنفسه المقدسة مع ان الائمة كلهم مشتركون فيها حيث قال عليه السلام و التزموا بيعتي ، لانه عليه السلام قد مر مفصلا انه حامل لواء الرحمانية و حامل لواء الحمد و سائر الائمة عليهم السلام منه كالبدل مع المبدل منه و هو الاصل في هذا اللواء [ص 539] كالالف و هم منشعبون منه كالحروف المنقطعة من الالف و كالافلاك المنشعبة عن الكرسي و الكرسي المنشعب عن العرش فافهم ان شاء الله و الروايات و الآيات في كلما ذكرنا كثيرة لاتحصي من الفريقين من طرقنا و من طرق المخالفين و ذكر المجموع يؤدي الي التطويل و قد مر ذكر بعضها و سنذكر فيما بعد ان شاء الله تعالي في خلال الكلام اذ ( اذا خ ) اقتضي المقام و لما كان طاعة الله سبحانه ليست الا العمل بمقتضي الربوبية اذ مربوب كونا و عينا و مقتضاها امران عبادة و عبودية و العبادة هي فعل ما يرضي و العبودية هي رضي ما يفعل فكل عبد يلزمه الطاعة علي النهج المذكور و كان حامل تلك الربوبية علي اميرالمؤمنين عليه السلام فوجب اخذ البيعة علي الكل بولاية اميرالمؤمنين ( عليه السلام خ ) و يجب علي كل احد الالتزام ببيعته و الانقياد عند دعوته حتي انفسهم المباركة المقدسة في مقام الطاعة و العبودية فيتحد المقامان هناك لان الله عز و جل لما جعلهم محال المعرفة و مساكن البركة و مواقع الربوبية ثم امرهم بالقيام بمقتضي تلك الربوبية الظاهرة فيهم بهم و ذلك الامر انما تعلق بهم بهم قال عليه السلام تجلي لها بها و بها امتنع منها ، فافهم اذ لايجوز التصريح بازيد من ذلك فاول ما اخذ الميثاق و العهد عن محمد صلي الله عليه و آله فقال له به الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم فهو صلي الله عليه و آله اول من اجاب و هي الاستقامة التي امر الله نبيه صلي الله عليه و آله بان يستقيم عليها ثم اجاب اميرالمؤمنين عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين عليهما السلام بذلك ثم القائم المنتظر عجل الله فرجه [ص 540] ثم الائمة الثمانية سلام الله عليهم ثم فاطمة الزهراء صلي الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها فهؤلاء هي قصبة الياقوت و حجاب الملك و الملكوت و ابواب اللاهوت و الجبروت لقد التزموا هذه البيعة و اجابوا هذه الدعوة اشد التزام و اعظم اجابة ماقام بها احد سويهم و لذا ورد ان في الصراط عقبات كؤد لايقطعها بسهولة الا محمد و اهل بيته الطاهرون سلام الله عليهم اجمعين فقد قاموا بحقها و ادوا واجبها و ماالتفتوا الي ما سوي الله و وقفوا و بقوا في مقام لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو و هو هو و نحن نحن ففي عالم التوحيد لا كلام و لا مقام و لا مذهب فان بالبيان يظهر عناد المنافقين و ريبة الجاهلين ،

و مستخبر عن سر ليلي اجبته بعمياء من ليلي بلا تعيين

يقولون خبرنا و انت امينها و ما انا ان خبرتهم بامين

ففي ( و في خ ) عالم الاسماء هم اسماء الله الحسني قال عليه السلام نحن الاسماء الحسني التي امركم الله ان يدعوه ( تدعوه خ ) بها و في عالم المعاني هم معاني الله و معادن كلماته قال عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن علمه و نحن حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، و في عالم العظمة و الجبروت هم عظمة الله و جبروته و هم قدرته و علمه و جنبه و رحمته و كبرياؤه و هم عرشه و المستوي و المستوي عليه و في عالم الربوبية هم ربوبية الله سبحانه و هم باب الله و هم بيت الله و هم روح الله و هم نور الله و هم ذات الله و هم نفس الله القائمة ( فيه خ ) بالسنن و في كل ذلك وقع التصريح في كلماتهم عليهم السلام يجده المتفحص الفطن المتتبع في الاخبار بنظر الاعتبار [ص 541] و بالجملة هم لما التزموا هذه البيعة اختصوا بالله سبحانه قال الله عز و جل مازال العبد يتقرب الي بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته و ان سكت عني ابتدأته ه‍ ، و قال ايضا عز و جل يا ابن آدم اطعني اجعلك مثلي و اجمل القول في ذلك مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام كما ذكر غير مرة اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار ه‍ ، و هو كلام جامع لجميع ما ذكرنا و ما لم‌نذكر فتفطن فهم سلام الله عليهم كل افعالهم و اقوالهم كلها حكم الله الواجب عليهم و المستحب لهم و ربما يرتكبون المكروه و هو واجب عليهم و اما الانبياء عليهم السلام فلما سمعوا نداء الحق سبحانه الست بربكم اه ، و ذلك النداء نور قد سطع من نور النداء الذي وقع علي محمد و آله عليهم السلام فاخذ عنهم البيعة لاميرالمؤمنين عليه السلام بالولاية كما رواه محمد بن جرير الطبري من العامة عن ابن‌عباس في تفسير قوله عز و جل و اسئل من ارسلنا قبلك من رسلنا ان النبي صلي الله عليه و آله قال لما عرج بي الي السماء فاجتمعت مع الانبياء باجمعهم فجاءني جبرئيل فقال يا محمد صلي الله عليه و آله و اسألهم بماذا بعثوا فسألتهم فقالوا بعثنا بشهادة ان لا اله الا الله و بنبوتك و بولاية اميرالمؤمنين عليه السلام ه‍ ، و كلهم عليهم السلام اجابوا هذه الدعوة و التزموا البيعة الا انه تختلف مراتبهم في ذلك فاولوا العزم ثبتوا و استقروا في التزام البيعة و ماترددوا و ماشكوا و ماتوقفوا و قد [ص 542] مضي قليل من احوالهم و اما غيرهم عليهم السلام فوقعت منهم بعض الهفوات الموهمة للتردد و الشك كما في ايوب علي نبينا و آله و عليه السلام انه لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك و بكي و قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله اليه يا ايوب اتشك في صورة انا اقمته اني ابتليت آدم بالبلاء فوهبت له بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول خطب جسيم و امر عظيم فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لاميرالمؤمنين عليه السلام و ذلك لما ظهر لايوب نور التجلي و سمع الوحي من كل جانب بكل المشاعر و علم ان ذلك من مخلوق مصنوع لايشغله شأن عن شأن استعظمه عند ذلك اذ غاية ما يفرقون بين المخلوق و الخالق انما هو ذلك فلما وجده منتفيا في المخلوق استعجب و بذلك حدثت حرارة باطنية استلزمت ذوبان الجوارح فاستعبر و بكي و اخرج الدموع المتحقق من عصر القلب الساري في الجوارح كلها بحرارة حركة الباطن و اضطرابه و انما تخرج الدموع من العين لانها اقرب القوي الي الرطوبة و الرطوبة فيها دائمة مستمرة كالانف فميل المناسب الي المناسب اشد و اعظم بالنسبة الي غيره و لما كانت تلك الحرارة الداعية لذوبان الباطن المستلزم للبكاء لم‌تكن من جهة الحق سبحانه احدثت الداء فان الدواء ليست الا اسم الله و ذكره يا من اسمه دواء و ذكره شفاء و لما كانت تلك الحرارة مجتثة لم‌يكن لها اصل من النور الالهي ذهبت و ولت بعد ما عفنت القوي و الجوارح و اذابت و مااتي لها مدد قوي لانعقادها و نضجها اقتضت دوام عفونة البدن و تكون [ص 543] الدود بذلك و لما كان ذلك التردد و الخطور ليس امرا حقيقيا قلبيا من ايوب النبي عليه السلام ليقتضي الظهور يوم القيمة ظهرت تلك العفونة الردية المستلزمة لتكون الدود في ظاهر جسده عليه السلام و لم‌يتسلط علي قلبه اللحم الصنوبري لانه لم‌يزل متصلا بحرارة ظهور الحق سبحانه فافهم ان شاء الله و اما آدم علي نبينا و آله و عليه السلام فقد ورد عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما قال عهدنا اليه في محمد و الائمة من بعده فترك و لم‌يكن له عزم انهم هكذا و انما سمي اولو العزم اولو العزم لانه عهد اليهم في محمد و الاوصياء من بعده و المهدي و سيرته و اجمع عزمهم علي ان ذلك كذلك و الاقرار به و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل كلمات في محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الائمة عليهم السلام من ذريتهم فنسي هكذا والله انزلت علي محمد صلي الله عليه و آله في الكافي عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث الطينة الي ان قال عليه السلام ثم اخذ الميثاق علي النبيين فقال الست بربكم و ان هذا محمد رسولي و ان هذا علي اميرالمؤمنين قالوا بلي فثبت ( فثبتت خ ) لهم النبوة و اخذ الميثاق علي اولي العزم اني ربكم و محمد صلي الله عليه و آله رسولي و علي اميرالمؤمنين و اوصياؤه من بعده ولاة امري و خزان علمي عليهم السلام و ان المهدي انتصر به لديني و اظهر به دولتي و انتقم به من اعدائي و اعبد به طوعا و كرها قالوا اقررنا يا رب و شهدنا و لم‌يجحد آدم و لم‌يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي و لم‌يكن لآدم عزم علي الاقرار به و هو قوله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و [ص 544] لم‌نجد له عزما قال انما هو فترك ثم امر نارا فاججت فقال لاصحاب الشمال ادخلوها فهابوها و قال لاصحاب اليمين ادخلوها فدخلوها فكانت عليهم بردا و سلاما فقال اصحاب الشمال يا رب اقلنا فقال قد اقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها فثم ثبتت الطاعة و الولاية و المعصية و لما كان الظهور الكلي التام الذي به القوام انما يكون بالقائم عليه السلام صعب الاقرار به كصعوبة الاقرار بعلي عليه السلام بالنسبة الي رسول الله صلي الله عليه و آله و لذا قال عز و جل و استعينوا بالصبر و الصلوة فالصبر هو محمد صلي الله عليه و آله و الصلوة هو اميرالمؤمنين عليه السلام و انها اي الصلوة التي هي ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام لكبيرة عظيمة لصعوبة امرها و شدة ثقلها الا علي الخاشعين الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم عند ظهور القائم عليه السلام فلذا اقروا برسول الله صلي الله عليه و آله و لم‌يقروا بعلي عليه السلام فصاروا المقرين ( فصار المقرون خ ) بعلي عليه السلام هم الخواص و تري كثيرا ممن اقر باميرالمؤمنين عليه السلام في الظاهر و جعله اماما في الاعتقاد بلا فصل لكنه انكر القائم و كل من اقر بالقائم عليه السلام ( و خ ) استقام فمن اهل النجاة يقينا فهم اخص الخواص و اليهم الاشارة بقوله عز و جل و ماآمن معه الا قليل و قال عز و جل و قليل من عبادي الشكور و لذا كان توقف الانبياء كلهم في القائم عليه السلام و هذا التوقف هو بعينه التوقف في غيره صلي الله عليه و عليهم كما سمعت من الاخبار المتقدمة في توقف آدم علي المجموع و علي القائم عليه السلام و ذلك حين اظهر ( اظهره خ ) الله من الاسرار الربوبية الظاهرة فيه عليه السلام [ص 545] ما لم‌يتحملها آدم عليه السلام لعدم الاعتدال التام فيه و غلبة اليبوسة الترابية المانعة عن الذوبان و الانتشار في عوالم القدس ليري مقاماته عليه السلام الظاهرة فيه به فتوقف عن حمل تلك الاسرار و السير في خلال تلك الديار لا انه هل هو ولي ام لا فان هذا التوقف يؤدي الي الكفر العياذ بالله و آدم علي نبينا و آله و عليه السلام اجل شأنا من ذلك و انه المخلص في ولائهم فتلقي آدم من ربه بكلمات ( كلمات خ ) و هم الائمة عليهم السلام الاربعة‌عشر المعصومون او ان عدم التزام البيعة في آدم كان من جهة اكل الشجرة المنهية و امثال ذلك من الامور التي يطول بذكرها الكلام و هكذا كان تردد يونس ذي‌النون اذ ذهب مغاضبا فظن ان لن‌نقدر عليه فنادي في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين و تردد يعقوب عليه السلام لما قال اني ليحزنني ان تذهبوا به و اخاف ان يأكله الذئب و انتم عنه غافلون و تردد يوسف عليه السلام لما قال للذي ظن انه ناج منهما اذكرني عند ربك فانسيه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين و هكذا الكلام في غيرهم من الانبياء الكرام علي نبينا و آله و عليهم السلام الشامل التام العام و هذا التردد انما هو حسنات الابرار التي هي سيئات المقربين و بيعة اميرالمؤمنين عليه السلام هي الدين الخالص في قوله عز و جل الا لله الدين الخالص فالتزام البيعة لكل احد هو ان يقول لا اله الا الله و لا نعبد الا اياه مخلصين له الدين و لو كره المشركون و اما الطبقة الانسانية فلما سمعوا ذلك النداء من نور النداء الساطع من نور نداء [ص 546] الانبياء عليهم السلام اجابوا ذلك و قبلوا بيعة مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام و التزموا بيعته علي مقتضي المشية الحتمية لكن ذلك الالتزام مايثمر لهم النور و لايبلغهم الي عالم السرور اذ لم‌يتخلف عنها احد الا فني و عدم و اضمحل سواء قبلها علي جهة الموافقة او علي جهة المخالفة لان عليا عليه السلام هو باب السور الذي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و كل الوجود من الغيبة و الشهود يجري علي البيعة التي اخذها الله عز و جل له عليه السلام عنهم و تلك هي البيعة العامة الشاملة فالكافر انما دخل النار بالتزامه بيعة علي عليه السلام و المؤمن انما دخل الجنة بالتزامه اياها و المستقيم انما استقام بالتزامها و المعوج انما اعوج بالتزامها و هي البيعة المطلقة العامة للمقصود بالذات و المقصود بالغير و اما البيعة الحقيقية و هي وفق المشية العزمية و هي صرف ما خلق لما خلق اولا و بالذات لا ثانيا و بالعرض و هي صورة الكينونة الالهية و اللطيفة الربانية و هيكل التوحيد و شبح التفريد و التمجيد و هذا الهيكل مركبة ملتئمة عن حدود و خطوط حد التقوي و حد الايمان و حد العمل و حد الذكر و حد الفكر و حد التوجه و الاقبال الي الله سبحانه و حد الرضا بقضاء الله و قدره و حد الصلوة و حد الزكوة و حد الصيام و حد الحج و حد الجهاد كلها في الظاهر و الباطن و حد الصبر و حد الاطمينان و حد التوكل و حد الصمت عن الخلق و حد الانقطاع عن المخلوقين و حد الاخلاص و حد الورع و حد الزهد و حد الخوف و حد الرهبة و حد العلم و حد الخشوع و الخضوع و المسكنة و حد اليقين و حد التواضع و حد الرجا [ص 547] و حد السكون و حد طمأنينة القلب و حد المعرفة و حد المحبة و حد الفقر المحض و الفناء الخالص و امثال ذلك من الشرائط الانسانية فالاخذ بكل حد من هذه الحدود هو التزام بيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و العاصي لايلتزم البيعة حين عصيانه بل مخالف لها و حاد عنها قال ( تعالي خ ) لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و يدخلهم جنات و كل من اقبل علي اعداء اميرالمؤمنين عليه السلام في امر من الامور و حال من الاحوال في المآكل و المشارب و الملابس و الصحبة الظاهرية او اخذ المسائل عنهم من دون التقية او مراجعة كتبهم و مطالعة مصنفاتهم او تفحص الحق من اساطيرهم و زبرهم او النظر في تفاسيرهم و اخبارهم و سيرهم و عن كل ما ينسب اليهم فهو ممن ماالتزم بيعة اميرالمؤمنين و ماامتثل لقوله عليه السلام و التزموا بيعتي و لذا قال عليه السلام ان شيعتنا لايسألون اعداءنا و لو يموتون جوعا و السؤال عام شامل لما ذكرنا كله و ما لم‌نذكره فانه عليه السلام و روحي فداه عالم مطلق و غني مطلق و كامل مطلق جعله الله سبحانه امينا علي خلقه و حافظا لعباده و عينا في بلاده و عنده عليه السلام جميع ما يحتاج اليه الخلق في تكوينهم و تشريعهم و ذواتهم و صفاتهم و لا فرق بين حيوته و موته ( مماته خ ) فانه يتصرف في مماته كما يتصرف في حيوته و لايخفي عليه شئ في الارض و لا في السماء بفضل الله و حوله و قوته لانه عليه السلام حامل ارادته و محل مشيته و الله سبحانه [ص 548] يقول عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و المرتضي من محمد صلي الله عليه و آله هو علي عليه السلام فاحوال الخلق كلها كلهم عنده عليهم السلام كالدرهم بين يدي احدكم فماطلبه احد الا و قد وجده و مااستغاث به احد الا و قد اغاثه و مادعاه مريض الا وجده طبيبا و عطشان الا ( و قد خ ) وجده ساقيا و جوعان الا و قد وجده معطيا و مظلوم الا و قد وجده ناصرا و مكروب الا و قد وجده كاشفا و متوحد الا و قد وجده مونسا و غريب الا و قد وجده صاحبا و سائل الا و قد وجده معطيا مليا و متعلم الا و قد وجده عالما معلما و بالجملة هو غياث المضطر المسكين ( المستكين خ ) و ملجأ الخائفين و عصمة المعتصمين و لاتضره غيبته عن ابصار الخلائق و انما هو يريهم و لايرونه و يدبرهم و لايشعرونه فاني يعدل عنه و اني يسأل غيره و كيف تراجع كتب المخالفين المملوة من القاء الشياطين و شبهات المنافقين و كيد الفاسقين و ضغن الكافرين والله لقد ارتكب العار و التزم الشنار من توهم ان الحق يطلب من غيره و الطيبين من اولاده عليهم السلام او انه يحصل من كتب الحكماء الفلسفيين و خرافات الصوفية الملحدين و مخترعات المشائين و هذيانات المتكلمين و قياسات اصحاب الظن و التخمين و استحسانهم بمجرد الرأي من دون بصيرة و يقين لعنة الله عليهم الي يوم الدين ما للشيعة و لهم و قد بدت بينهم و بينهم العداوة و البغضاء حتي يؤمنوا بالله وحده فكل من تبعهم فانه منهم يا ايها الذين آمنوا لاتتولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم و لا منهم و يحلفون علي الله الكذب [ص 549] و هم يعلمون يحلفون بالله انهم لمنكم و ما هم منكم و لكنهم قوم يفرقون و يأتي ان شاء الله لهذا الكلام زيادة شرح فيما بعد بعون الله و قوته و اما البهائم من انواع الحيوانات الغالبة عليهم التراب كالفرس و البقر و الغنم و امثالها مما يدب في الارض و الغالب عليهم عنصر الهواء كالطيور و الحيوانات المتكونة في الجو و الغالب عليهم عنصر الماء كالحيتان و الحيوانات المتكونة في الماء و الغالب عليهم عنصر النار كسمندر آكل النار و امثاله و الغالب عليهم الطبيعتان كالتراب و الماء كالحيوانات التي يعيشون في الماء و الارض معا و كالهواء و الماء و التراب كالحيوانات التي تعيش في الماء من الطيور كالبط و امثالها و الحيوانات التي هي برازخ بين النبات و الحيوان كالحشرات من الحية و الوزغ و اقسام الدود و غيرها منها و كذا غيرها من الحيوانات لما اتاهم النداء بالبيعة قبلوا الا ان البيعة و قبولها علي قسمين كما ذكرنا في الانسان حرفا بحرف و هكذا حكم النباتات و الجمادات و يعرف امرها مما سبق في التوحيد و قد جمع مولينا الحسين عليه السلام كل ذلك في حديث حمران بن اعين في ذكر عبدالله بن شداد الليثي حين مرض و عاده الحسين عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمي عن الرجل فقال قد رضيت بما اوتيتم به حقا حقا و الحمي لتهرب عنكم فقال له (ع) و الله ماخلق الله شيئا الا و قد امره بالطاعة لنا يا كباسة قال فاذا نحن نسمع الصوت و لانري الشخص يقول لبيك قال اليس امرك اميرالمؤمنين الاتقربي الا عدوا او مذنبا لكي تكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الحديث ، و قد نطقت الحمي [ص 550] بلسان عربي مبين حين ناداه الحسين عليه السلام و هي ليست في الظاهر من الجواهر و الكلام المسموع منها فعل الاجسام و قد اقسم عليه السلام و اخبر انه ماخلق الله شيئا الا و قد امره بالطاعة لهم و اخذ البيعة لهم عليهم السلام عنهم و قد صرح بذلك مولينا الصادق عليه السلام في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم قال عليه السلام الباء بهاء الله و السين سناء الله و الميم ملك الله و الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا ه‍ ، فلما الزم كل الخلق ولايتهم فوجب علي كلهم التزام بيعتهم و الا فهوان عليهم و وبار و دثور و قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا اشارة الي هذا الذي ذكرنا فانه قد تواردت الاخبار و الآثار عن الائمة الاطهار عليهم سلام الله ان الامانة هي ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام لقد عرضها الله سبحانه عرض تحمل فابين عن ذلك و ابائهن اقرارهن بالتابعية للولاية اذ لا واسطة بين التابع و المتبوع في هذا المقام و قد تقدم حديث عرض الولاية علي الخلق فنذكره ايضا ايضاحا للامر في حديث الرضا عليه السلام علي ما رواه السيد في الاقبال في وصف يوم الغدير الي ان قال عليه السلام في يوم الغدير عرض الله الولاية علي اهل السموات السبع فسبق اليها اهل السماء السابعة فزينها بالعرش ثم سبق اليها اهل السماء الرابعة فزينها بالبيت المعمور ثم سبق اليها اهل السماء الدنيا فزينها بالكواكب ثم عرضها علي الارضين فسبقت مكة فزينها [ص 551] بالكعبة ثم سبقت اليها المدينة فزينها بالمصطفي محمد صلي الله عليه و آله ثم سبقت اليها الكوفة فزينها باميرالمؤمنين عليه السلام و عرضها علي الجبال فاول جبل اقر بذلك ثلاثة جبال العقيق و جبل الفيروزج و جبل الياقوت فصارت هذه الجبال جبالهن ثم سبقت اليها جبال اخر فصارت معادن الذهب و الفضة و ما لم‌يقر بذلك و لم‌يقبل صارت لاتنبت شيئا و عرضت في ذلك اليوم علي المياه فما قبل منها صار عذبا و ما انكر صار ملحا اجاجا و عرضها في ذلك اليوم علي النبات فما قبله صار حلوا طيبا و ما لم‌يقبل صار مرا ثم عرضها في ذلك اليوم علي الطير فما قبلها صار فصيحا مصوتا و ما انكرها صار اخرس مثل اللكن الحديث ، و هو و ما ورد في هذا الشأن من سائر الاخبار صريح فيما ذكرنا من اخذ البيعة علي كل مخلوق و وجوب التزامها عليهم اذ للمخالف الهوان الاكبر العياذ بالله منه .

قوله عليه السلام : و واظبوا علي الدين بحسن اليقين تأكيد و تثبيت للزوم البيعة و بيان ان تلك الملازمة هي دين الله الخالص الا انه عليه السلام اشار بهذه الفقرة المباركة الشريفة الي بيان مراتب ملتزمي البيعة و المواظبين علي الدين اي المعاهدين و الملازمين و المداومين عليه و رفع العذر في عدم تفرده بجهاد المنافقين و الكافرين و تجنيد الجنود و جمع العساكر لذلك و قطع شبهة الجهال حيث ركنوا الي كل من ينتحل الولاية و قبلوا منه كل ما يقول و يختار و بيان ذلك بالاجمال اعلم ان الله سبحانه لما اقام الخلق في الخلق الاول في عالم كان الناس امة واحدة فسألهم عن الولاية الجامعة للربوبية و النبوة [ص 552] و الامامة فصار الخلق كلهم في الاجابة علي خمسة اقسام و تجمعها ثلثة اقسام الاول الذين اجابوا و قبلوا عن معرفة و بصيرة و يقين خالص و هم الذين قال الله سبحانه الا من شهد بالحق و هم يعلمون و هؤلاء خلقهم الله سبحانه في الخلق الثاني من طينة عليين علي هيكل التوحيد الصورة الانسانية الثاني الذين انكروا و عاندوا و كفروا عن بصيرة و معرفة قال الله سبحانه فيهم و جحدوا بها اي بالولاية و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا و قال عز و جل يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون و هؤلاء خلقهم الله سبحانه من طينة سجين اسفل السافلين و البسهم صور البهائم و الحيوانات كالكلب و الخنزير و القرد و السبع و الفيل و امثالها لكن لما كان المنكرون في غاية النفاق و منتهي مقامات الشقاق اظهروا النفاق و اقروا ظاهرا ليلبسوا علي المقرين و يخرجهم عن الدين و التلبيس لايمكن الا بتحقق المناسبة اماسمعت ان ابليس كيف توصل الي آدم و صعد الي السماء بواسطة الطاوس و الحية فلو لم‌يكونا لم‌يتوصل ابليس الي آدم ابدا ابدا فهؤلاء الاخباث لاظهار النفاق و اغواء الخلائق عن طريق الرشاد اقروا بظاهر اللسان فعاملهم الله سبحانه بظاهر دعويهم فالبسهم الصورة الانسانية كما قال مولينا سيد الساجدين عليه السلام في دعاء سحر فان قوما آمنوا بالسنتهم ليحقنوا به دماءهم فادركوا ما املوا الدعاء ، فهم كلاب و خنزير و قرد و سباع و غيرها من صور البهائم ناكسوا رؤسهم عند ربهم و في الظاهر انسان في الصورة الثالث الذين توقفوا و تحيروا ماعرفوا الامر و ماظهر لهم الحق لغلبة الرطوبة عليهم او لتمكن [ص 553] شبه المخالفين فيهم بحيث اوصلتهم الي مقام التوقف و عدم ترجيح الامر او لتعلق قلوبهم بامر آخر لم‌يشعر بما سواه او لعدم دخول البيت من بابه لجهله او بامور اخر هؤلاء توقفوا في الباطن و تحيروا و اجابوا في الظاهر فخلق ظاهرهم من الصورة الانسانية اي صورة الاجابة و بقيت بواطنهم لم‌تخلق فمنهم من تخلق بواطنهم في الدنيا و منهم في البرزخ و منهم في الآخرة علي حسب رقة الموانع و غلظتها و هؤلاء الاقسام كلهم في الصورة الظاهرية سواء قد قبلوا الولاية حسب دعويهم و لاينجو من هذه الثلثة الا الاولون الذين واظبوا علي الدين الذي هو ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام علي اليقين و شهدوا بالحق و هم يعلمون و لا بد ان تظهر هذه الفقرة ( الفرقة خ ) من بينهم فلهم علامات و علة هذا الظهور امور و اسبابه اشياء نذكرها ان شاء الله تعالي عند قوله عليه السلام فيما بعد و ( بالامس خ ) تكفهر عليه جنود اهل الشام فلايخرج اليها ثم المواظبة علي الدين هي المعاهدة بتلك الحدود السابقة المتقدمة من حدود الصورة الانسانية و قد اشار الي المقامات مولينا ابوجعفر عليه السلام قال ان القلوب اربعة قلب فيه نفاق و ايمان و قلب منكوس و قلب مطبوع و قلب ازهر اجرد فقلت ما الازهر قال فيه كهيئة السراج فاما المطبوع فقلب المنافق و اما الازهر فقلب المؤمن ان اعطاه شكر و ان ابتلاه صبر و اما المنكوس فقلب المشرك ثم قرأ هذه الآية افمن يمشي مكبا علي وجهه اهدي امن يمشي سويا علي صراط مستقيم فاما القلب الذي فيه ايمان و نفاق فهم قوم كانوا بالطايف فان ادرك احدهم اجله علي نفاقه هلك و ان ادركه علي ايمانه نجا و عنه عليه السلام قال القلوب ثلثة قلب منكوس لايعي شيئا ( من الخير خ ) و هو قلب الكافر و قلب فيه نكتة سوداء فالخير [ص 554] و الشر فيه يعتلجان فايهما كانت منه غلب عليه و قلب مفتوح فيه مصابيح تزهر و لايطفأ نوره الي يوم القيمة و هو قلب المؤمن ه‍ ، فشيعة اميرالمؤمنين ( عليه السلام خ ) هو الثالث لان ذلك الانفتاح و ظهور تلك المصابيح لايتحقق الا بالاخلاص و الاخلاص مسبب عن اليقين و اليقين مسبب عن دوام النظر و الفكر في الآفاق و الانفس و دوام النظر مسبب عن الصمت و الصمت هو الاعراض بالقلب عن كل ما سوي الله تعالي فلما اوجب عليهم ( عليه السلام خ ) المواظبة علي الدين بحسن اليقين اوجب هذه الامور كلها اذ ما لايتم الواجب الا به و هو مقدور واجب فمن لم‌تجد فيه هذه الامور فاعلم انه في انتحاله ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام مدع بغير حقيقة و لذا قال مولينا ابوعبدالله عليه السلام لاصحابه ذات يوم تجد الرجل لايخطي بلام و لا واو الا و تجده خطيبا مسقعا و لقلبه اشد ظلمة من الليل المظلم و تجد الرجل لايستطيع يعبر عما في قلبه بلسانه و قلبه يزهر كما يزهر المصباح ه‍ ، و لاتتحقق الموالاة الكاملة و العبودية المحضة الا بحسن اليقين و اليقين له درجات و مقامات و هو اقل ما قسم الله بين العباد و قد سئل مولينا الرضا عليه السلام عن الايمان و الاسلام فقال قال ابوجعفر عليه السلام انما هو الاسلام و الايمان فوقه بدرجة و التقوي فوق الايمان بدرجة و اليقين فوق التقوي بدرجة و لم‌يقسم بين الناس شئ اقل من اليقين قال قلت فاي شئ اليقين قال التوكل علي الله و التسليم لله و الرضا بقضاء الله و التفويض الي الله قلت فما تفسير ذلك قال هكذا قال ابوجعفر عليه السلام و عنه عليه السلام قال الايمان فوق [ص 555] الاسلام بدرجة و التقوي فوق الايمان بدرجة و اليقين فوق التقوي بدرجة و لم‌يقسم بين العباد شئ اقل من اليقين و عن ابي‌بصير قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا ابامحمد الاسلام درجة قلت نعم قال و الايمان علي الاسلام درجة قال قلت نعم قال و التقوي علي الايمان درجة قال قلت نعم قال و اليقين علي التقوي درجة قلت نعم قال فمااوتي الناس اقل من اليقين و انما تمسكتم بادني الاسلام فاياكم ان يتفلت من ايديكم و اما حقيقة هذا اليقين الذي امر عليه السلام بالمواظبة علي الدين به فهي كما روي عن ابي‌جعفر عليه السلام قال عليه السلام بينا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم في بعض اسفاره اذ لقيه ركب فقالوا السلام عليك يا رسول الله فقال ما انتم فقالوا نحن مؤمنون يا رسول الله قال فما حقيقة ايمانكم قالوا الرضا بقضاء الله و التفويض الي الله و التسليم لامر الله فقال رسول الله صلي الله عليه و آله علماء حكماء كادوا ان يكونوا من الحكمة انبياء فان كنتم صادقين فلاتبنوا ما لاتسكنون و لاتجمعوا ما لاتأكلون و اتقوا الله الذي اليه ترجعون و عن مولينا الصادق عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله صلي بالناس الصبح فنظر الي شاب في المسجد و هو يخفق و يهوي برأسه مصفرا لونه و قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله كيف اصبحت يا فلان قال اصبحت يا رسول الله موقنا فعجب رسول الله صلي الله عليه و آله من قوله و قال ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال ان يقيني يا رسول الله صلي الله عليه و آله هو الذي احزنني و اسهر ليلي و اظمأ هواجري ففرقت عن [ص 556] الدنيا و ما فيها حتي كأني انظر الي عرش ربي و قد نصب للحساب و حشر الخلايق لذلك و انا فيهم و كأني انظر الي اهل الجنة يتنعمون في الجنة و يتعارفون علي الارائك متكئون و كأني انظر الي اهل النار و هم فيها معذبون مصطرخون و كأني الآن اسمع زفير النار يدور في مسامعي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله لاصحابه هذا عبد نور الله قلبه بالايمان ثم قال صلي الله عليه و آله الزم ما انت عليه فقال الشاب ادع الله لي يا رسول الله ان ارزق الشهادة معك فدعا له رسول الله صلي الله عليه و آله فلم‌يلبث ان خرج في بعض غزوات النبي صلي الله عليه و آله فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر ه‍ ، و يقابل اليقين الظن و الراجح و الشك و الوهم و المرجوح و الريب و الوسوسة و النجوي و السفسطة اما الراجح و الظن فان كانا ممن له الاستيضاح فهما علم و يقين لا انهما ظاهر و ظن قائمان مقام العلم و الفرق بينهما مع اشتراكهما في الرجحان ان الرجحان هو ما تظهر امارات تحققه في نفسه بنفسه و انتفاء الطرف المقابل له و الظن تظهر امارات تحققه و انتفاء الطرف المقابل له في نفس الظان او من خارج غير جهة المظنون و اما الشك فهو تردد النظر في الطرفين و انتقاله من واحد الي الآخر قبل استقراره و ان قوي ميله الي احدهما دون الآخر ما لم‌يكن ذلك الميل سببا لزهده في ذلك لان مجرد الميل لايخرجه عن التساوي في الجملة و اما الوهم فهو الطرف المرجوح من الظن و المرجوح و هو الطرف المرجوح من الراجح و اما الريب فهو احتمال الطرف المقابل للطرف [ص 557] المتحقق باستقرار النظر القلبي و اطمئنانه عليه و لا تحقق في متعلقه اذا كان الطرف المتحقق عن علم او لاحقا بالعلم كظن المستوضح بادلة الحق و ترجيحه و لو كان الطرف المتحقق عن اعتقاد بغير علم او عن علم و انس نظره بذلك الريب فهو اول مبادي الشك و لايزيد في كل احواله عن الشك و في الحديث النبوي صلي الله عليه و آله لاترتابوا فتشكوا و لاتشكوا فتكفروا و اما الوسوسة فهو ان يلتفت النظر الي الطرف المقابل للحق او الي ما نهي عن الالتفات اليه غير مريد للالتفات و لا محبا له و انما ذلك لانه عود نفسه بالالتفات الي مثل ذلك من خدع الشيطان بواسطة الغفلة عن ذكر الله فتبعث النفس نظرها الي ذلك بما تعودته مما علمه الشيطان و علامة هذا انه اذا وقع ذلك منه تضجر و تأوه و تألم لانه لم‌يحب وقوعه منه و لهذا قال صلي الله عليه و آله لمن وقع ذلك التأوه لاجل ما وقع منه ذلك من محض الايمان و كما اتاه ذلك الرجل فقال يا رسول الله هلكت فقال له هل اتيك الخبيث فقال لك من خلقك فقلت الله فقال لك الله من خلقه فقال اي و الذي بعثك بالحق لكان كذا فقال رسول الله صلي الله عليه و آله ذاك و الله من محض الايمان و قال ابن ابي‌عمير فحدثت بذلك عبدالرحمن بن الحجاج فقال حدثني ابي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله انما عني بقوله هذا و الله من محض الايمان خوفه ان يكون قد هلك حيث عرض ذلك في قلبه انتهي ، و اما النجوي فهو ان يذكره الشيطان شيئا ينافي الحق و المحبة في اليقظة او في النوم و ربما استجره الي ما يناسبه [ص 558] فيذكره القائل به و ربما قاده الي انه لو كان القائل كيف كان يكون فيدخل همّا من ذلك عليه و ربما يكون ذلك الهم شاغلا عن حظه من ذكر الله و ربما يكون منشأ للوسوسة فمثال ما ينافي الحق كأن يذكره ولاية الغير و يستجره الي ان تلك ولاية تدعو الي النار لمناسبتها لدخول النار ثم يذكره فلانا الذي تولي ذلك الامام الضال المضل يقوده الي ان يفرض نفسه لو كان هو المتولي فيدخل عليه من ذلك هما شديدا يشغله عن ذكر الله و مما ينافي المحبة مثلا انه اذا كان يقرأ في قوله تعالي و لكن تعمي القلوب التي في الصدور ( و خ ) يسبب له سببا حتي يمس صدره عند قراءة هذه الآية فيذكره ان ذلك المس قد يكون سببا لان يدخل قلبه في اطلاق هذه الآية فيدخل عليه من ذلك حزنا يشغله عن ذكر الله و في النوم كما يصور له ما ينافي الحق او محبته بحيث يحزنه كذلك قال الله تعالي انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و علي الله فليتوكل المؤمنون يعني بان يذكر الله كما تقدم سابقا و يعتقد ان ذلك لايضره الا ان يشاء الله فيستريح من ذلك الهم و الحزن فيذهب عنه طائف الشيطان و الفرق بين النجوي و الوسوسة ان النجوي يقدر المكلف علي الخروج عنها ما لم‌تعتد نفسه بها فتكون من الوسوسة لان الوسوسة بسبب اعتياد النفس بها لايكاد يتمكن من تركها لظهور الشيطان في النفس التي تعودت بذلك حتي ملك قيادها فهو يأمرها و ينهيها فهي تطيعه كارهة له و لطاعته و اما السفسطة فهو اعتقاد ان كل ما يمكن موجودا و يجوز ان يوجد في عالم الاجسام علي جهة [ص 559] التمايز و لا تزاحم بين شئ منها بحيث يكون الف جبل مثلا كل واحد منها طوله خمسة فراسخ و عرضه فرسخ فدخلت كلها بيت حيوان اصغر من النملة فلما كانت تلك الجبال الجسمانية في هذا المحل الصغير الجسماني بقي منه مكان يسع اجرام السموات و الارض و يدخل ذلك الحيوان في بيته و لايحس بشئ من تلك و هي اجسام محسوسة في مكان محسوس و لا شك ان هذه لا تحقق بشئ منها فهذا الكلام و مثله في هذه الاشياء المذكورة علي الظاهر و اما علي جهة الباطن فكل شئ من هذه الامور فلها تحققات لكل بنسبته فكما ان المعلوم متحقق كذلك المعتقد بفتح القاف و الراجح و المظنون و المشكوك و الموهوم و المرجوح و المستراب فيه او به و الموسوس فيه و المناجي فيه او به و المسفسط فيه فان لكل تحققا في محله و كذلك فعل فاعله و كذلك حكم فاعلها معها و حكم فعله لها و حكم ما يترتب فيها من التكوينات ( التكوينيات خ ) بحسب ملائكتها او شياطينها و حكم ثوابها او عقابها او عدم المؤاخذة بها و التأثر بها و عدمه كما و كيفا في الوجود و شرعه و في الشرع و وجوده الي غير ذلك من احكام الذوات و الصفات فافهم و اما مراتب اليقين فانها يختلف ( تختلف خ ) و ينقسم الي علم اليقين و عين اليقين و حق اليقين فالاول للعامي الكامل في مقامه و الثاني للخواص و الثالث لاخص الخواص و قد كتبنا بعض احوال هذه المراتب في بعض ما كتبنا من الفوائد في العلم و ذكرها هنا يؤدي الي التطويل و بالجملة فاليقين في كل مرتبة هو المطلوب للمتوالي .