قوله عليه السلام : انيبوا الي شيعتي اعلم ان الامر طلب لايقوم المأمور الا به و ذلك الامر علي قسمين امر هو فعل و امر هو مصدر اي المفعول المطلق و الامر الثاني مشتق من الامر الاول اشتقاق الحركة عن المتحرك و الصورة في المرآة عن الشاخص و الشعاع عن المنير و امثال ذلك و الفعل عند تمام قابلية المفعول و رفع الموانع عنه و سلب المنافي و المعارض لحكم التنجيز امر حاضر ام غايب و لذا كان آخره ساكنا و اوله متحركا من غير دخول عامل عليه فالحركة اشارة الي الاستدارة علي المفعول للامداد و الاحداث و الميل الي الصنع و الايجاد و سكون الآخر اشارة الي وقوفه و ثباته في مكانه و عدم تعديه الي رتبة غيره و ان [ص 496] المفعول هو فاعل فعل الفاعل الظاهر بالامر و لذا تري الضمير الفاعل في الامر انت و قد قال مولينا الرضا عليه السلام في الاختراع انه خلق ساكن لايدرك بالسكون مع انه عليه السلام قال المشية و الارادة و الاختراع معناها واحد و اسماؤها ثلثة و قال عليه السلام ان ارادة الله احداثه لا غير و الله تعالي فسر الامر و الارادة بقوله عز و جل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فبين سبحانه و تعالي ان قول كن هو امره و ارادته لمن يعقل و يفهم هذا هو الامر الفعلي و الامر المفعولي متقوم بهذا الامر تقوم الصورة بالشاخص قال عز و جل و كان امر الله مفعولا و ذلك هو المفعول المطلق و هو مادة المأمور و المأمور حدود ذلك الامر و اعراضه مع الامر لان حقيقة المأمور امر مع امر خارج فلاتقوم للمأمور الا بالامر و لذا قال عز و جل و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و قال مولينا الصادق عليه السلام في الدعاء كل شئ سواك قام بامرك ، فابان ان قوله تعالي السماء يريد بها سماء المقبول و ارض القابليات ليشمل كل شئ و قد اشار سبحانه و تعالي الي تفصيل هذا الامر و كيفية تقوم السماء و الارض به في قوله عز و جل ثم استوي الي السماء و هي دخان فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فيريد بالامر الذي قام به السموات و الارض هو المعبر عنه بقوله ائتيا فلما قبلا و اتيا طائعين فتقوما بالامر الذي هو من الله و الي الله سبحانه و تعالي فالمأمور انما تقوم بالامر فيكون فعل المأمور به واجبا و تركه حراما لانه يستلزم اعدامه فالامر الكلي يستلزم المأمور به كليا و الجزئي يستلزم ذلك جزئيا [ص 497] فلاينفك المأمور عن الامر الا و قد بطل قال تعالي فليحذر الذين يخالفون عن امره ، ان قلت كيف يكون قوام المأمور بالامر مع ان ذلك خلاف المحسوس و الواقع فان الآمر هو الله و المأمور هو المكلف و الامر هو قوله تعالي اقيموا الصلوة و آتوا الزكوة و اركعوا مع الراكعين و امثالها مع انه سبحانه قال و كان يأمر اهله بالصلوة و الزكوة و الاهل هو المفعول الواقع عليهم الامر و قد شاع و ذاع ان المفعول به يجب ان يكون موجودا ليقع الفعل عليهم ( عليه خ ) و لذا قالوا في خلق السموات و الارض ان السموات و الارض مفعول مطلق لا مفعول به قلت الواقع كما ذكرنا الا ان معرفة ذلك صعب مستصعب و الاشارة اليها للمؤمن الممتحن ان الالفاظ حكاية للمعاني و مرايا لها قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام المعني في اللفظ كالروح في الجسد و قد صح عندنا و عند العارفين ان المشبه في الكتاب و السنة عين المشبه به فالمعني هو روح اللفظ و ان لمتسلم هذه المقدمة يظهر المراد من التشبيه ايضا لان الالفاظ قوالب و توابع للمعاني فلايوصف بحكم الا باعتبار المعني و تحقيق ذلك فيما كتبنا في اصول الفقه و ما قررنا في اثناء البحث و يطول الكلام بذكره فاذا صح ذلك فنقول ان المأمور لا شك و لا ريب انه ذات ثبت او وقع عليه الامر فقبل وقوع الامر هل كان مأمورا ام لا و الثاني باطل و علي الاول ثبتت مساوقية ( تثبت مساوقة خ ) المأمور مع الامر ثم اقول ان هذه المساوقة في اللفظ فقط ام في المعني فان قلت في اللفظ فقد ابطلنا آنفا مع انا نقول هل معناه كان موجودا قبل الامر ام لا فان قلت بلي قلت اذا مااثر الامر الجديد شيئا و [ص 498] الضرورة تقضي ببطلانه فان قلت في المعني قلت هل المعني هو ذات الشخص في رتبة ذاته او في مقام ظهوره بآثاره فان قلت ذاته في مرتبة ذاته فلايجوز سلبه عنه ما دام وجود ذاته و البديهة تشهد بخلافه فتقول زيد مأمور و ليس بمأمور و ذاته في كلا الحالين باقية فان قلت في مقام ظهوره بآثاره فلا شك ان مقام الذات غير مقام الظهور لان الظهور اثر الذات و صفتها و لاتجمع الصفة و الموصوف حقيقة واحدة لتجعل الذات و الظهور اي الاثر شيئا واحدا ثم تسمي هذا المجموع المركب اسما واحدا فان ذلك مستحيل عقلا فان في التركيب يشترط تساوق الاجزاء و تجامعها في صقع واحد ليصح ميل احدهما في الآخر و الآخر فيه حتي يحصل من المزج و التعفين شئ واحد و لايجوز ذلك في الاثر و المؤثر اذ ليس بينهما اتصال و لا انفصال و لا اقتران و لا افتراق و لا تناسب و لا تباين فثبت ان المأمور هو ظهور الشخص بتلك الصفة و ذلك الظهور قابلية للامر و صورة له و الامر هو مادة له فاذا تعلق الامر بذلك الظهور ظهر المأمور فقبل الامر ماكان مأمورا و لا امرا ( مأمور و لا امر خ ) فلما تعلق الامر و وجد ظهر المأمور فصح ان الامر و المأمور جهات الامر و لذا قالوا ان المصدر يأتي بمعني اسم الفاعل و بمعني اسم المفعول و يستعمل في معناه المصدري و هذا لا اشكال فيه لمن تأمل و نظر ثم ان قوله تعالي كن لا شك انه فعل امر فمن كان المأمور فان قلت كان المأمور موجودا و هو الاعيان الثابتة في غيب الذات علي ما يزعمه اصحاب الجهالات يلزم منه مفاسد قبيحة لانطول الكلام بذكرها لانا ذكرناها في كثير من مباحثاتنا و [ص 499] رسائلنا من ان تلك الاعيان ان كانت شيئا غير الله قديما مع الله فيلزم منه تركيب الذات و ظهور الكثرات فيها و ان لمتكن شيئا لمتكن موجودة اذ لا واسطة بين الوجود و العدم معقولة كما قال مولينا الصادق عليه السلام اذ ليس بين النفي و الاثبات منزلة فان قلت لميكن المأمور موجودا قلت اذن صح ما ذكرنا ان المأمور انما يوجد بالامر و الامر مادة له و التعلق صورة له و المجموع هو المأمور و هو يكون فان الضمير فيه يرجع الي المأمور بكن لا الي الامر فان قلت ان هذا الكلام تعبير لفظي و ليس في الواقع لفظ و لا كلام و لا امر و انما هو ايجاد و احداث قلت هل التعبير مطابق للواقع ام مخالف له فان قلت مطابق صح ما قلنا و ان قلت مخالف و الله اجل من ذلك و ان قلت ان هذا التعبير مجاز قلت ان المجاز لايصرف اليه الا بدليل قطعي و مجرد عدم المعرفة لايكون دليلا بل الدليل علي نفي المجازية قائم كما ذكرنا و ربما نذكر فيما بعد ان شاء الله تعالي فالامر امران امر اولي و امر ثانوي و كلاهما تكويني و تشريعي و الامر الثانوي علي قسمين احدهما ما يتعلق بوجود الامر الاولي و ظهوره في الكون و لولا ذلك لميظهر و لميوجد و ثانيهما لتكميل الاول و تتميمه في مقام الكمال فالامر الاولي هو المقصود لذاته و هو الذي تعلقت به مشية الله العزمية و اراده ارادة محبة و هو المجعول بالاصالة و عليه يدور رحي التكوين و التشريع اي لولا ذلك لمتتكون الكينونة الاولية و لمتتقوم ( لميتقوم خ ) وجود الخير و لميبلغ الي الغاية التي خلق لاجلها و لميتم له ما خلقه الله سبحانه لاجله فهذا هو الحتم المقضي اللازم الثابت الذي لا مرد عنه ( له خ ) و الا لانعدم اي طرق باب الاستغناء فولي مدبرا الي جهنم و بئس المصير علي حسب مراتبها و مقاماتها و الامر [ص 500] الثانوي هو المقصود بالعرض و هو من شعاع الامر الاولي و نوره و جزء من سبعين جزء منه كالظل للاصل و هذا لايكون الا لاظهار الاول حقيقة و ذاتا ام كمالا و صفاتا فان كان الاول فهي الواجبات الغيرية و ان كان الثاني فهي المستحبات و الاول ان كانت فيه جهة مطلوبية ذاتية و تأثيرات حقيقية او لانه ليس السر الاستلزامي فيه ظاهرا و لاينوط ذلك الامر به فعلا علي حسب الظاهر فيتعلق به الامر الظاهري كالواجبات الغيرية كالطهارة و الا فلايظهر تعلق الامر به ظاهرا و انما هو متعلق به حقيقة و ذلك كمقدمة الواجب فانه واجب شرعا الا انها ليست كذي المقدمة و انما هي جزء من سبعين جزءا منه فلاتجتمع معه في صقع واحد و لذا اذا نذر الرجل بان يأتي بواجبين فاتي بالمقدمة و ذيها فلايكفي لان المتبادر من الواجب الذي تعلق به الامر الالهي الاولي لا الثانوي العرضي و بالجملة الواجب و المستحب ليسا في صقع واحد و لاتجمعهما حقيقة واحدة و الواجب هو الاصل و المستحب هو الفرع و اللفظ اذا اطلق علي الاصل و الفرع فلا شك انه علي الاصل حقيقة و اما علي الفرع فهل هو كذلك ام لا ففي محل الشك و لما لمنجد علامة الحقيقة في الاطلاق علي الفرع قلنا انه مجاز و لما كان الامر الثاني في الصورة علي مثال الامر الاول فاذا لميتميزه الناظر فليحمل علي الواجب قطعا لان الله سبحانه اذا اراد منه المندوب لنصب له القرينة و اذ لميفعل فلايريد الا الوجوب فقوله عليه السلام انيبوا الي ، امر وجوبي حتمي الزامي زائدا علي ما ذكرنا من انه امر يفيد الوجوب و الالزام فيه اشارة الي تمام ظهور الامر [ص 501] البدوي الذي هو كن لانه لما ظهر بالمتعلق ( التعلق خ ) اخذ في التنزل بالتعلق فكل نزول لا بد له من صعود و كل عسر لا بد له من يسر قال عز و جل فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا فاشار عليه السلام في هذه الفقرة الشريفة الي قوس الصعود ليتم ظهور استدارة الكاف علي نفسها ذاتا و ظهورا و يظهر معني قوله صلي الله عليه و آله ان الزمان استدار كهيئة يوم خلق الله السموات و الارض و قوله عز و جل و بشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون فقوله تعالي انا لله اشارة الي قوله تعالي كن فيكون و انا اليه راجعون اشارة الي ما قال الامام عليه السلام لان الله عز ذكره ذكر في محكم كتابه العزيز و انيبوا الي ربكم و اسلموا له من قبل ان يأتيكم العذاب قال تعالي منيبين اليه و قال تعالي الا الي الله تصير الامور و اليه يرجع الامر كله و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون و اراد الامام عليه السلام شرح هذه الآيات و امثالها في مقام كشف الاسرار و اشراق الانوار علي ان هذه الانابة التي هي الرجوع الي الله ليس هي الرجوع الي ذات الله سبحانه فانه تعالي اجل من ان يقرب بساحة جلاله الاقتران او الاتصال او النسبة او الارتباط او الاضافة او الوصل او الفصل او غير ذلك من الاحوال المستلزمة للافتقار و التركيب و الكثرة و سائر الامور القبيحة المنكرة فلايصل احد اليه اذ المحال ان يكون المراد الرجوع الاتصالي علي ما تزعمه الصوفية بان الخلق ليس الا الحق مع التعين فالرجوع الي الله علي [ص 502] دعويهم سلب الكثرات و دفع ( رفع خ ) الانيات و ازالة الماهيات فيكون هناك حق لا خلق فيه فرجع الي الله فان هذا الاعتقاد كفر بالله العلي العظيم و خروج عن الدين القويم فان ذلك يستلزم الاقتران و الكثرة الذاتية و قد فصلنا شناعة هذا القول في تفسيرنا علي آية الكرسي بما لا مزيد عليه فاذا بطل هذا القول فمابقي الا القول بان الخلق اثر لفعله سبحانه و الشئ لايجاوز ( لايتجاوز خ ) مبدءه اي ذاته لانه فوق ذاته عدم محض لا ذكر له فرجوعه عبارة عن الرجوع الي مبدئه و هذا الرجوع له معنيان احدهما رجوع ذاته و صفاته و احواله و حركاته و سكناته و كلما له و منه و اليه و فيه و عنه و به و عليه و عنده و لديه كلها الي الله تعالي بمعني اضمحلالها و بطلانها و فقرها و استمدادها من الحق سبحانه بحيث لايجد لنفسه شيئا كما انه لايملك لنفسه شيئا ( و لا خ ) نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا فالشئ في كل احواله طارق باب فيضه و قارع باب رحمته بانامل قابلية فقره و في كل حاله راجع اليه فغير ( فقير خ ) مضطر واقف بباب الاذن سائل منه سبحانه المدد و لما كان العالم يدور بالاسباب و المسببات و العلل و المعلولات و الادلة و المدلولات و اللوازم و الملزومات و الآثار و التأثيرات و الشرائط و المشروطات و سائر المتممات و المكملات و الاضافات و القرانات و الجهات و الاعتبارات و امثالها من الذوات و الصفات و الشئ لايتم الا بتلك الحالات و هي كلها بيد قهار البريات فاطر السموات بارئ المسموكات فلايؤثر سبب في مسببه و لا ملزوم في لازمه و لا شرط في مشروطه و لا علة في معلوله و لا دليل في مدلوله الا بمشيته [ص 503] و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه فرجع الامر في كل شئ في كل حال اليه سبحانه و تعالي هو القاهر المتسلط في ملكه و المتصرف في خلقه لا اله الا هو العزيز الحكيم و اليه تشير الآيات المتقدمة من قوله عز و جل و اليه يرجع الامر كله و الا الي الله تصير الامور و انا لله و انا اليه راجعون و امثالها مما قدمنا شطرا منها و ثانيهما اعلم ان في كل شئ جهتان و كينونتان الكينونة الاولي هي التي من ربه و هي متعلق الجعل الالهي اولا و بالذات و هي الغاية و الغرض في الايجاد و هي المحبة التي صارت علة للخلق لمعرفة الخالق و هي مهابط الانوار الالهية و مجالي اشراقات لمعات السفلية ( لمعان الصفات الفعلية . نسخة ٢٤٤ خ ) و نسبتها الي فعل الله عز و جل و ظهور التوحيد له نسبة الحديدة المحماة بالنار اي النار الظاهرة في الحديدة و ليس فيها الا صرف ظهور النار و لك ان تقول انها هي النار و لك ان تقول انها غيرها لا فرق بينها و بين النار الا انها اثر النار و حدثها و دليلها و صفتها حكمها حكمها و امرها امرها و الكينونة الثانية هي التي من نفسه و هي متعلق الجعل الثانوي العرضي لميتعلق بها غرض ( عرض خ ) بوجه غير اظهار تلك الكينونة و شأنها شأن مقدمة الواجب و نسبتها الي الاولي كالظل خلف الجدار بالنسبة الي النور الذي في وجه الجدار و هذه هي الانية و الماهية و التي تشير بها اليك و تقول انا و بها يمتاز اهل السلسلة العرضية بعضها عن بعض و هي منشأ الكثرات و مبدأ الاختلافات و محل الروابط و الاضافات و تعدد الجهات و الكينونة الاولي جهة الوحدة و البساطة و النورانية هي كظهور ربها لايشوبها صفة من الصفات [ص 504] الخلقية و حال من احوالهم و اضافة من اضافاتهم هي كالسراج الوهاج لكن باعتبار اقترانها بالكينونة الثانية تكثرت ظهوراتها و تعددت جهاتها فكل الكمالات المتشتة في كل مقامات الشئ و درجاتها و مراتبها فانما هي كلها ظهورات تلك اللطيفة الالهية و الكينونة الحقية و كل الكمالات و الصفات فيها شئ واحد بذاته مصداق كل الصفات و كل واحد منها هناك عين الآخر و تلك الكينونة هي لله سبحانه اذ كل ما سواه منقطع لديها باطل عندها فرجوع الامر الي الله رجوع الاعداد كلها الي الواحد و رجوع الواحد الي الاحد و جذب الاحد بظهوره كل صفات الواحد و فناءها عند ظهوره و بطلانها عند سطوع نوره و الاحد هو تلك الكينونة الاولية و منشأ كثرات الاعداد و هي الكينونة الثانية فالواحد الذي هو نور الاحد و ظهوره عاد العدد و ترجع كلها اليه و كذلك الاحوال الخلقية و الاضافات الحقيقية كلها تفني و تعدم عند ظهور تلك الحقيقة و هي ظهور الله سبحانه له به فرجعت الكثرات كلها الي الوحدة الحقيقية عند كشف السبحات و هتك الستر و محو الموهوم و اطفاء السراج فيظهر هناك الجلال و السر و المعلوم و النور الذي اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره و هذا الرجوع في الجزئي و الكلي اي العالم الاكبر و العالم الاصغر موجود و الرجوع في كل حال من احوالهما متحقق الا انه يكون له ظهور غالب ففي الجزئي حين موته لا بعد ان مات بالموت الطبيعي او بغيره المتحقق بازهاق الروح و هو في تلك الحال لميشعر بشئ ابدا و كذلك عند دخوله في النوم فان هناك ايضا ظهور تلك الوحدة [ص 505] و كذلك عند خروجه منه الا ان في هذه الاحوال لمتشعر بتلك الوحدة و لمتنظر الي تلك الكينونة لانه لميكن باختياره ظاهرا كما انك كثيرا ما تري مطلوبك و محبوبك و ماتعرفه انه هو فاذا رأيته و انت تعرفه فهناك بلوغ الآمال و منتهي الوصال و هذه المعرفة و الرؤية انما تحصل في الدنيا اذا امتثل قوله تعالي فتوبوا الي بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم و قوله تعالي و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون و قوله عليه السلام موتوا قبل ان تموتوا ، فهناك يظهر له معني قوله تعالي انا لله و انا اليه راجعون و اما في الكلي فتظهر تلك الكينونة الباقية عند فناء كل شئ و اضمحلاله و رجوع الامر اليها الذي هو عين الرجوع الي الله سبحانه اذا نفخ في الصور فصعق من في السموات و الارض الا من شاء الله و ذلك هي تلك الكينونة التي خاطب الله سبحانه آدم علي نبينا و آله و عليه السلام يا آدم روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي ، فهناك جذب الاحدية لصفة التوحيد تكوينا كما كان تشريعا فهناك يسأل الله عز و جل اين الجبارون اين الذين يأكلون رزقي و يعبدون غيري لمن الملك اليوم فتجيب تلك الكينونة و تقول لله الواحد القهار و ذلك كما تقرأ القرآن و تقول يا ايها الذين آمنوا ثم تقول لبيك اللهم لبيك و هذا معني قولهم عليهم السلام نحن السائلون و نحن المجيبون ، فافهم و لهذا الرجوع معني آخر الا انه قريب من المعني الاول و هو ان الله عز و جل لما جعل هذه الدار الدنيا دار التكليف و التكليف يستلزم ان يمزج سبحانه في بنية المكلفين بعض [ص 506] الغرائب و الاعراض الخارجة لتمنعه عن مشاهدة ملكوت السموات و الارض في اول المرة الا بعد التصفية لئلايلزم الالجاء و الاضطرار و هو قوله عز و جل اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و تلك الغرائب و الاعراض و غفلته و النظر الي نفسه تمنعه عن التبصر و الاستبصار بان لا مؤثر الا الله و لا مالك الا هو و لا مدبر غيره و لا متصرف سواه بل ينظر الي الاسباب فينسد عليه ذلك الباب فيريها مستقلة و هذه الرؤية تختلف مراتب الرائين فيها و جهات الانيات التي يلاحظونها و ذكرها يحتاج الي بسط طويل و لسنا بصدده فاذا ماتوا انتبهوا و رأوا ان الامور كلها بيد الله و راجعة اليه و مطيعة لامره و نهيه و منزجرة لارادته فهناك يظهر لهم رجوع الامر كله الي الله و لذا استحب اذا مات الانسان يقول الاحياء انا لله و انا اليه راجعون فان الله سبحانه في الدنيا ابتلي بعضهم ببعض و عاملهم بالاسباب الجزئية و اظهر لهم عن امره حسب ما يظنون فاذا ماتوا بدا لهم من الله ما لميكونوا يحتسبون هذا معني الانابة الي الله سبحانه و تعالي و تفصيلها في التكوين و التشريع مما يطول به الكلام و الاشارة لاهلها كافية شافية و مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام حامل ظهورات هذه المعاني كلها لايظهر في الكون و الوجود معني منها الا به اما المعني الاول فهو انما حصل ( يحصل خ ) عند ظهور الرحمن علي العرش و استوائه عليه و اعطائه كل ذي حق حقه و سوقه الي كل مخلوق رزقه و قد بينا و نبين ان شاء الله تعالي ان الرحمانية هي الرحمة الواسعة التي وسعت كل شئ و هي الولاية المطلقة الظاهرة بالتدبير و التصرف في [ص 507] كل ذرة من ذرات الوجود من الازل الي الابد الي الازل الذي هو عين ذلك الابد و اميرالمؤمنين عليه السلام هو حامل الولاية المطلقة و لذا قال عليه السلام مايخطو ملك خطوة الا باذني و امري كما في حديث البساط و الملائكة هي مظاهر التدبير فرجوع الخلق الي الله سبحانه في كل احوالهم و ارزاقهم و آجالهم و سائر مقتضياتهم الي الله سبحانه عين الرجوع الي علي عليه السلام لان تلك القيومية المحيطة القهارة لكل شئ انما ظهرت في علي عليه السلام بل هي عينه عليه السلام فولايته عين ولاية الله قال الله تعالي و السماء بنيناها بايد و انا لموسعون و الايدي هو محمد و علي و الطيبون من اولادهما سلام الله عليهم و هم اربعةعشر بعدد يد و قال عز و جل بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و علي عليه السلام هو اليد الباسطة بالنعم علي كل الامم و قال مولينا الصادق عليه السلام علي ما في الكافي و التوحيد في الله ان الالف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا و اللام الزام خلقه ولايتنا و الهاء هوان لمن خالف ولايتنا فكانوا مظاهر التقدير و التدبير فعنهم بدأت الاشياء و اليهم تعود و مثالهم صلي الله عليهم كالسراج فانه يد النار و قيوميته للاشعة فبدو الاشعة من السراج و عودها في كل احوالها علي ما فصلت سابقا الي السراج و رجوع الاشعة الي السراج عين الرجوع الي النار اذ ليس للنار باب الي الاشعة و ( لا خ ) للاشعة باب الي النار سوي السراج فالاشعة هي الواقف ( الواقفة خ ) بباب النار الذي هو السراج و الفقراء اللائذة بجنابها و هو هو و لذا قالوا عليهم السلام ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و قد ذكر شيخنا و استادنا اطال الله بقاه في بيان اياب الخلق اليهم عليهم السلام كلاما شريفا مشتملا علي اسرار شريفة احببت ان اورده هنا [ص 508] بلفظه الشريف تيمنا و تبركا ، قال اطال الله بقاه : اقول قد تقرر في ادلة الكتاب و السنة في بواطن التفسير و في دليل الحكمة ان الله سبحانه لايجري افعاله في المفعولات الا علي ما هي عليه مما ينبغي لها و يمكن فيها حين كونها و ذلك لايجري علي جهة قسرها بل تكون في تكوينه لها مختارة و يلزم من ذلك ان افعالها تصدر عنها علي جهة الاختيار و ما تراه في بعضها من الاضطرار فهو ما يظهر لك في بادي الرأي و لو نظرت بالعين الحديدة ظهر لك انه ليس في شئ من الموجودات قسر اصلا بل كلها علي الاختيار في صنع الله تعالي لها و في صنعها لافعالها و ما يصدر عنها و ذلك شئ تكون به و يكون فيه و ليست شيئا قبل بدوها و اول ذكرها و هو سبحانه ذكرها بالاختيار و اذا اردت معرفة كونها مختارة في كل حال فعليك بما كتبناه في الفوائد فاطلبه لتعرف حقيقة ما ذكرنا ثم انه عز و علي نزلها من منازل ذكرها الاول في مراتب التكوين علي حسب قبولها من عطائه لمتعدم في جميع احوالها اوامره بما فيه نجاتها و نواهيه عما فيه هلاكها و هي كما كانت مختارة في نفسها لانها صنع المختار بالصنع الاختياري كذلك افعالها مختارة في نفسها و في تعلقاتها لانها صنع المختار بالصنع الاختياري و لما كان الشئ المختار اذا لميمنعه مانع من مقتضي اختياره لايميل الا الي ما يلايمه و كان لايلايم الشئ الا ما كان احدهما من الآخر او لازما له او متقوما به او مستمدا منه و مستعينا به و كان كل ما سويهم عليهم السلام من سائر الخلق اما لازما لهم متقوما بهم مستمدا من فضل خيرهم [ص 509] مستغنيا بهم او متقوما باللازم لهم لازما له كسائر اعدائهم فانهم ماوجدوا الا بفاضل وجود شيعتهم من جهة شمائلهم وجب في الحكمة رجوع الخلق اليهم كل واحد من الخلق يرجع بحكم التمكين و الاختيار الي مبدئه منهم و لما ثبت بالدليل كما اشرنا اليه مما تقدم و يأتي ان المخلوق من حين ذكره الاول الذي هو مبدأ شيئيته الي ان يعود اليه محتاج في بقائه الي المدد في جميع تلك المراتب في كل ذرة و حال هو مكلف محصور بالاوامر و النواهي في غيبه و شهادته و قد بينا ان كل ذرة في الوجود التكويني و التشريعي انما يوجدها الله سبحانه عنهم و لهم و قد انهي علمها اليهم في كل شئ من الوجودين و قد جعلهم الله سبحانه مانين لكل ما شاء اي مقدرين وجب في الحكمة الالهية ان يكون حسابهم عليهم و هذا بحمد الله لمن وفقه الله لفهم ما كشفنا له من السر واضح ليس عليه غبار بل ضروري لاولي الابصار الذين يفرقون بتوفيق الله بين الليل و النهار و ذلك لبيانهم عليهم السلام لهذا المعني في احاديثهم في بواطنها و في ظواهرها انتهي كلامه اعلي الله مقامه ، و اما اميرالمؤمنين عليه الصلوة و السلام فهو عليه السلام لما كان اميرهم و كبيرهم و رئيسهم و فخرهم و سيدهم صلي الله عليهم ( و خ ) كان هو الاصل لانهم عليهم السلام تفرعوا عنه كتفرع الاغصان من الاصل و تفرع الحروف من الالف و اصل الولاية هو صلي الله عليه و آله و نسبتهم اليه كنسبته الي رسول الله صلي الله عليه و آله نسب الانابة الي نفسه الشريفة دونهم فقال (ع) انيبوا الي و انما لمينسب الي محمد [ص 510] صلي الله عليه و آله مع انه اقدم و اشرف لما ذكرنا سابقا من ان مقامه صلي الله عليه و آله مقام الربوبية اذ مربوب ذكرا و امكانا و مقام اميرالمؤمنين (ع) مقام الربوبية اذ مربوب عينا و كونا و الاشياء في مقام تفصيلها و انبساطها ترجع الي مباديها الخاصة بها من وجوه ذلك المبدأ الكلي الذي هو اميرالمؤمنين عليه السلام و اما المعني الثاني فاعلم ان تلك اللطيفة الالهية التي هي جهة العبد من ربه هي مثال جزئي قد اشتق من المثل الاعلي كاشتقاق النور من المنير و المصدر من الفعل فهو متقوم بذلك المثل الكلي و متحقق به و راجع اليه رجوع الاشعة الي الشمس اما علي فنائها عند ظهورها او فقرها و اضمحلالها عندها و استمدادها منها و كلا المعنيين مرادان و هذه الكينونة و ان كانت مثالا للحق سبحانه في الجزئي الا انه معمول للفعل كالفاعل في قولك ضرب زيد عمرا فان زيدا فاعل مع انه معمول و مفعول و متأثر عن ضرب فالمثل الاعلي بمنزلة ضرب لا لكونه مثلا بل لكونه فعلا و تلك اللطيفة بمنزلة الضارب من حيث انه مثال و اذا اعتبرت المثالية المحضة في المثل الاعلي يكون المثل الاعلي بمنزلة قولك ضربت ضربا فالمثل الاعلي هو ضربت و هذه اللطيفة الجزئية كقولك ضربا الذي في قوة ضربت تأكيدا لضربت الاول فيكون ضربت الثاني المتحصل من ضربا مثال المثال و آية الآية و دليل الدليل و شبح الشبح كالمرآة الثانية بالنسبة الي المرآة الاولي فافهم و قد دل العقل و النقل ان آلمحمد صلي الله عليهم هم الامثال العليا و الاسماء الحسني و علي عليه السلام هو [ص 511] المثل الاعلي من الاسماء الحسني و الصفات العليا فيكون هو المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و كل ما في الخلق من المظاهر و المجالي فكلها متقومة بتلك المقامات قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا اي بمعرفتنا و لذا قالوا عليهم السلام لولانا ماعرف الله و لولانا ماعبد الله و الزيارة من اراد الله بدء بكم ( و من وحده قبل عنكم خ ) و من قصده توجه اليكم فافهم ان شاء الله تعالي و اما المعني الثالث فعلي عليه السلام هو سلطان الآخرة و اليه و الي الطيبين من اولاده يرجع امر الخلق في دار الآخرة فهم و ان كانوا ملوكا في الدنيا و الآخرة الا ان السلطنة انما تظهر في الآخرة لا في الدنيا لما ذكرنا ففي الكافي عن مولينا الباقر عليه السلام اذا كان يوم القيمة و جمع الله الاولين و الآخرين لفصل الخطاب دعي رسول الله صلي الله عليه و آله و اميرالمؤمنين عليه السلام فيكسي رسول الله صلي الله عليه و آله حلة خضراء يضيء ما بين المشرق و المغرب و يكسي علي عليه السلام مثلها و يكسي رسول الله صلي الله عليه و آله حلة وردية تضيء لها ما بين المشرق و المغرب و يكسي علي (ع) مثلها ثم يصعدان عندها ثم يدعي بنا فيدفع الينا حساب الناس و نحن و الله ندخل اهل الجنة الجنة و اهل النار النار و عن الكاظم عليه السلام ان الينا اياب هذا الخلق و علينا حسابهم فما كان لهم من ذنب بينهم و بين الناس استوهبناه منهم و اجابوا الي ذلك و عوضهم الله عز و جل و في الامالي عن الصادق عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة وكلنا الله بحساب شيعتنا فما كان لله سألنا الله ان يهبه لنا فهو لهم و ما كان لنا فهو لهم و روي الفقيه ابوالحسن محمد بن احمد بن علي بن الحسين بن شاذان (ره) في كتابه الذي جمع [ص 512] فيه مائة فضيلة و منقبة لاهل البيت كلها من طرق العامة باسناده الي الحارث و سعد بن قيس عن علي بن ابيطالب عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا واردكم علي الحوض و انت يا علي الساقي و الحسن الرائد و الحسين الآمر و علي بن الحسين الفارط و محمد بن علي الناشر و جعفر بن محمد السائق و موسي بن جعفر محصي المحبين و المبغضين و قامع المنافقين و علي بن موسي الرضا منير المؤمنين و محمد بن علي منزل اهل الجنة في درجاتهم و علي بن محمد خطيب الشيعة و مزوجهم الحور العين و الحسن بن علي سراج اهل الجنة يستضيئون به و الهادي شفيعهم يوم القيمة حيث لايأذن الله الا لمن يشاء و يرضي ، و ايضا باسناده قال حدثنا محمد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعلي بن ابيطالب يا علي انت نذير امتي و انت هاديها و الحسن قائدها و الحسين ساقيها و علي بن الحسين جامعها و محمد بن علي عارفها و جعفر بن محمد كاتبها و موسي بن جعفر محصيها و علي بن موسي الرضا معبرها و منجيها و طارد مبغضيها و مدني مؤمنيها و محمد بن علي قائمها و سائقها و علي بن محمد سائرها و عالمها و الحسن بن علي الهادي ناديها و معطيها و القائم الخلف ساقيها و مناشدها ان في ذلك لآيات للمتوسمين ه ، و الاخبار المذكورة و التي نذكرها ان شاء الله تعالي فيما بعد صريحة في انهم صلي الله عليهم اولياء الخلق ايابا و ابتداءا و قد قال تعالي اشارة الي اتحاد حكم البدو و العود كما بدأكم تعودون و علي صلي الله عليه و آله [ص 513] في كل حال من الاحوال له الرياسة و السلطنة و المكنة و الاقتدار فقوله عليه السلام انيبوا الي شيعتي ، هو قوله تعالي و انيبوا الي ربكم و اسلموا له و هو قوله تعالي ذلك بان الله هو الحق و ان ما يدعون من دونه هو الباطل و ان الله هو العلي الكبير و انما قال انيبوا الي مع ان الخلق كلهم منيبون اليه لايخالف احد منهم محبته و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال تبعا لقوله تعالي و انيبوا الي ربكم و اسلموا و انما قال الله ذلك لدعوتهم ليقابلوا فوارة النور ليفور عليهم من انوار القدس ما يشغلهم عن انفسهم و لذا قال عز و جل و توبوا الي الله توبة نصوحا و قال عز و جل ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين فان الطهارة هي المحبة في احببت ان اعرف و تلك لمتحصل الا بالتوبة و هي الرجوع فان الرجوع و الانابة علي قسمين انابة علي مقتضي المشية الحتمية و لايتخلف عنها احد من الخلق و ماتشاؤن الا ان يشاء الله افحسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون و هي انما ظهرت علي باب مدينة الحكمة و سور بلد المعرفة بظاهر الباب و باطنه قال عز و جل فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و الانابة الثانية هي الانابة علي مقتضي المشية العزمية و هي المحبة الاصلية المقصودة لذاتها المستدعية للتكليف و يراد بهذه الانابة الرجوع اليه و التمسك بحبله كما قال تعالي و اعتصموا بحبل الله جميعا و لاتفرقوا و اذكروا و الاعتصام بالعروة الوثقي التي لا انفصام لها بالكفر بالطاغوت و الايمان بالله ليخرجه الله تعالي من الظلمات [ص 514] الي النور و لذا خصها بالشيعة فقوله عليه السلام انيبوا الي ، هو قوله تعالي انيبوا الي ربكم او ( و خ ) انيبوا الي الله و توبوا اليه و قوله انيبوا الي ربكم هو معني قوله عليه السلام انيبوا الي و كيفية هذه الانابة زائدا علي ما ذكرنا نذكره فيما بعد ان شاء الله ( تعالي خ ) و اما الشيعة فانها اما مشتقة من الشعاع او من المشايعة و الامران مرادان و مئالهما الي واحد و قال عليه السلام انما سموا الشيعة شيعة لانهم من شعاع انوارنا و منه قول الحجة عليه السلام اللهم ان شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا الدعاء ، فان الشعاع هو من فاضل طينة السراج و لا شك في ان الشعاع تابع للسراج المنير تبعية تكوينية و تشريعية اختيارية غير اضطرارية اذ الشعاع صفة و الصفة بذاتها و طبعها مائلة الي الموصوف غير مفارقة عنه و مقترنة به في مقام ميلها اليه و نسبة الشعاع الي المنير كنسبة القائم الي زيد و الصورة في المرآة الي المقابل و قد ظهر مما قررنا ان محمدا و آله صلي الله عليه و آله اتخذهم الله اعضادا لخلقه مطلقا في كل عالم من العوالم التكوينية و التشريعية و عضد الشئ انما هو مادته و صورته اذ بهما قوام الشئ فلو فقدت احديهما فقد الشئ و فني فالعضد القوي انما هو هما لا غيرهما و ان كانت المادة اقوي من الصورة و قد قررنا سابقا ان مواد الكائنات كلها من نور محمد صلي الله عليه و آله و صورها كلها من نور مولينا علي و الطيبين من اولاده صلي الله عليهم فالاخيار موادهم من موافقة محمد صلي الله عليه و آله و صورهم من موافقة علي عليه السلام و الاشرار موادهم من مخالفة محمد صلي الله عليه و آله و صورهم من مخالفة علي عليه السلام فالاشرار اظلال و عكوس للاخيار متقومون بهم فهم لوازم ذواتهم و المجموع من الامرين متقوم بهما صلي الله عليهما [ص 515] و آلهما كالسراج المتقوم به النور و الظل و اليه الاشارة بقوله عز و جل كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فمقام التضاد في رتبة الشعاع و اما في رتبة المنير فلا تضاد و لا تناقض و لا تعارض و لا تمانع فلايقال ان الظل ضد للشمس كيف و انما هو و النور نسبتهما الي الشمس في التقوم متساويان الا ان النور جهة موافقتها و مقصود لها بالذات و الظل جهة مخالفتها و مقصود بالعرض فلو قيل لهذا المعني ضد يلزم ان يكون لله سبحانه و تعالي ايضا ضدا تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فان الطاعة جهة موافقته و محبته و المعصية جهة مخالفته لكن الامرين مايتحققان الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك و قد علمت و ستعلم ان محمدا و آله صلي الله عليهم محال مشية الله و حملة قدرته و السنة ارادته و تراجمة وحيه و اركان توحيده فهم العلة الفاعلية فليس لهم حينئذ شعاع و انما هو في مقام انهم ابواب الافاضة و الاستفاضة و هم في ذلك المقام العلة المادية و الصورية للاشياء كلها علي ما قال الامام الصادق عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و لا شك ان هذا النور و الرحمة ليسا عين ذات الحق سبحانه فكانا مخلوقين و ماخلق الله سبحانه خلقا قبل محمد و علي و الطيبين من اولادهما صلي الله عليهما و علي اولادهما و لايصح ان يكون النور الذي خلق المؤمن منه هو عين ذاتهم فتكون ذواتهم كالبحر و الخلق كالموج او [ص 516] كالخشبة و الخلق كالسرير و الباب مثلا فان ذلك كفر بالله و زندقة عظيمة فيجب ان يكون ذلك النور من شعاع انوارهم و ظهور آثارهم و كذلك الرحمة و لما كانت الرحمة هي الواسعة المعطية كل ذي حق حقه و هي مبدأ الاختلاف و التمايز و الكثرات و كان مولينا علي عليه السلام هو مبدأ الاختلاف و محله و منشأه و هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و عنه يسألون و عليه يعرضون فكانت الرحمة التي هي العلة الصورية من نور علي عليه السلام فبالنور و الرحمة تحققت الاشياء و تذوتت و تأصلت و المادة هي الاب و هو ( هي خ ) النور و الصورة هي الام و هي الرحمة قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة اي امة الدعوة فاذا كان كذلك فكل ما برأه الله و ذرأه من اشعة انوارهم و عكوسات آثارهم فالظل متقوم بنفس النور من حيث هو نور و النور متقوم بهم صلي الله عليهم فكل شئ في الوجود المقيد واقف بباب فيضهم و لائذ بمسألة فقره ( فقرهم خ ) بجنابهم قال الحجة المنتظر عجل الله فرجه فما شئ منا الا و انتم له السبب و اليه السبيل خياره لوليكم نعمة و انتقامه من عدوكم سخطة فلا نجاة و لا مفزع الا انتم و لا مذهب عنكم يا اعين الله الناظرة و حملة معرفته و مساكن توحيده في ارضه و سمائه الزيارة ، الا ان الاشياء علي قسمين نور و ظلمة فالنور هو جهة موافقتهم و متابعتهم فهو الشيعة و الشعاع فمن تبعني فانه مني و الظلمة جهة المخالفة و العداوة و البغضاء و هي العدو و اهل البغض فالظلمة و المتكونون فيها لايميلون الي النور ابدا و النور و المستنيرون به لايميلون الي الظلمة فيسير هؤلاء [ص 517] صاعدين الي نقطة وجههم من مبدئهم و يسير اولئك هابطين الي نقطة وجههم من مبدئهم من الظلمة و سير هؤلاء علي التوالي و سير اولئك علي خلاف التوالي و لا وقوف لهذا السير ابدا و لكن الله سبحانه قارن بين النور و الظلمة لكمال قدرته و ليعلم ان لا ضد له فصار المتحصل من هذا القرآن علي اقسام قسم بقوا علي صرافة نوريتهم و صفاء طويتهم لمتكدرهم الظلمات و لمتنجسهم درن الجهالات فبقوا علي ما هم عليه من الصفا و النورانية و هؤلاء هم الانبياء و المرسلون و الملائكة المقربون و المعصومون المطهرون المنزهون فصاروا لايعصون و لايغفلون فحكوا المثال و بلغوا الوصال حتي قال فيهم ولي الملك المتعال انا آدم انا نوح انا ابرهيم انا موسي انا عيسي لانهم امثلة و اشعة ماغيرت مرايا قوابلهم اياها فبقيت تحكي الممثل هو هو بالحكاية الواضحة كصورتك اذا ظهرت في المرآة المستقيمة تحكي مثالك من غير تغيير فتجري احوالك كلها عليها و كلها صحيحة و لذا قال عز و جل اشارة الي عيسي بن مريم لما قال المنافقون ان محمدا صلي الله عليه و آله يبالغ في مدح ابن عمه حتي يريد انا نعبده كما عبدت النصاري عيسي بن مريم و ذلك حين قال صلي الله عليه و آله ما معناه ان لاخي فضايل لو بينتها لكم لقلتم فيه كما قالت النصاري في عيسي بن مريم فاخبره سبحانه عما اسر المنافقون و لما ضرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون و قالوا ءآلهتنا خير ام هو ماضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون ان هو اي عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام الا عبد انعمنا عليه و جعلناه مثلا لبنياسرائيل و هم آلمحمد صلي الله عليهم و في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام السلام علي اسرائيل الامة فعيسي [ص 518] عليه السلام مثل لهم عليهم السلام و هم في كلما يتعلق باحوال الخلق علي حد سواء و المثال لايخالف الممثل و لذا قال عليه السلام من رآهم فقد رآني ، اذ من رأي الصورة في المرآة او نور الشمس الظاهر في الماء او غيره من الاجسام الصيقلية فقد رأي الشمس لعدم ظهور الانية لها من دون الشمس و يأتي ان شاء الله تعالي زيادة بيان لهذا في موضعه فهؤلاء هم الشيعة الحقيقي بل الشيعة الحقيقي المخلص الكروبيون الذين جعلهم الله خلف العرش بحيث لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سئل موسي ربه ما سئل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا فهؤلاء هم افاضل الشيعة المخلصين ( المخلصون خ ) عين المثال ليس فيهم شوب و شبه و ربط لا جهة لهم الا ظهور سيدهم و مولاهم و هم الخصيصون و اخص الخواص لايضطربون و لايتحيرون اذا ظهر لهم سر من اسرار آلمحمد عليهم السلام و الانبياء تحتهم و دون مقامهم و مرتبتهم في مقام التشيع و لذا قد يحصل منهم ترك الاولي الذي هو تقصير في حقهم و تكاهل عن تأدية واجب حقهم و امرهم كآدم علي نبينا و آله و عليه السلام حيث اخبر الله سبحانه عنه في كتابه و لقد عهدنا الي آدم من قبل في محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فنسي و لمنجد له عزما و كايوب لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك و بكي و قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله اليه اتشك في صورة انا اقمته اني ابتليت آدم بالبلاء فوهبته له بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول خطب جسيم و امر عظيم [ص 519] فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لاميرالمؤمنين عليه السلام و كيونس اذ ذهب مغاضبا فظن ان لننقدر عليه فنادي في الظلمات ان لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له و نجيناه من الغم و كذلك ننجي المؤمنين و هكذا غيرهم و ماثبت علي ولايتهم و طاعتهم و القيام بواجب حقهم من الانبياء الا اربعة و هم نوح و ابرهيم و موسي و عيسي اما نوح فقد قال الله تعالي و وصفه فقال انه كان عبدا شكورا ، و اما ابرهيم فقال سبحانه و تعالي فيه و اذ ابتلي ابرهيم ربه بكلمات فاتمهن قال اني جاعلك للناس اماما و تلك الكلمات هي التي لايجاوزهن بر و لا فاجر و قال مولينا الكاظم عليه السلام نحن الكلمات التي لايستقصي فضلنا و لايستحصي و المراد بالاتمام هو القيام بحقهم و اداء لما كلفه الله سبحانه من طاعتهم حتي تسمي بذلك خليلا بمعني ان الفقر الي الله تخلل في كل ذرة من ذرات وجوده و بذلك وصل الي مقام الخلة التي هي المحبة و هو مقام عظيم مانال ذلك الا بالتثبت في ولايتهم و الاقرار بفرض طاعتهم كما قال عز و جل و ان من شيعته لابرهيم و ذلك لان ابرهيم عليه السلام لما اراه الله ملكوت السموات و الارض رأي الاشياء كلها في اماكنها و اوقاتها و محالها و مراتبها فنظر الي ظهور رسول الله صلي الله عليه و آله و وفاته عليه السلام و اختلاف الاوصياء و الخلفاء المدعين و قد اخبر الله سبحانه عن قصته فقال عز شأنه فلما جن عليه الليل بعد غروب شمس النبوة الاحمدية في المرتبة الختمية و ظهرت الاختلافات و ظلمة الشبهات و ظهر قوله عز و جل [ص 520] و ما محمد صلي الله عليه و آله الا رسول قد خلت من قبله الرسل افان مات او قتل انقلبتم علي اعقابكم ، رأي كوكبا و ذلك هو الثالث و انما ابتدأ به لان النظر الحقيقي لايكون الا هكذا فان الاخبث اسفل مكانا و دركا الاتري الجهل الكلي فانه في تحت الثري تحت كل الظلمات و النجاسات و العالي اذا نظر الي السافل لايكون نظره الا بالترتيب من الاسفل الي اسفل الاسفل و هكذا كما اذا نظرت في الماء الي ظلك تري ظل رجلك اولا و ظل بطنك ثانيا و ظل رأسك اخيرا و ثالثا فافهم قال هذا ربي اي صاحبي في مقام الانكار فان الله تعالي اخبره بانه من شيعة وصي النبي الامي صلي الله عليهما فلما افل اي رآه تعصي و تغشاه ظلمة العصيان و الكفران و ذهب بنوره فرط الطغيان و العدوان قال لااحب الآفلين فاني معصوم لايكون رئيسي و صاحبي الا معصوما مطهرا و العاصي بدت بيني و بينه العداوة و البغضاء الي يوم القيمة فلما رأي القمر بازغا و هو الثاني اي قمر الضلالة ابوالشرور العلة الصورية لكل الكفار و المنافقين و الخبائث و النجاسات و الرذائل الي يوم الدين الشجرة التي طعام الاثيم طلعها كأنه رؤس الشياطين و هو المنكر ان انكر الاصوات لصوت الحمير و كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون و هو المؤنث ان يدعون من دونه الا اناثا و ان يدعون الا شيطانا مريدا لعنه الله قال الاول ان لي شيطانا ليعتريني فلما رآه ابرهيم داعيا الي نفسه و الي عبادته من دون الله و قد عبده طائفة من دون الله قال هذا ربي في مقام الانكار و التعجب فلما افل قال لئن لميهدني ربي لاكونن من القوم الضالين حيث [ص 521] عبدوا الشيطان و اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم و يكونون عليهم ضدا فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي و هي ( هو خ ) الاول و انما عبر عنه بالشمس لانه ابوالدواهي مواد الظلمات و اصل الشكوك و الشبهات و منشأ الضلالات كلها منه و اليه و هو النقطة التي تدور عليها رحي الجهل الكلي باحواله و اطواره و صعوده و نزوله و هو و شيطانه المعنيان بقوله عز و جل الشمس و القمر بحسبان و هو طبقة من طبقات جهنم فلما رأي ابرهيم عليه السلام ما به من الرسوخ في الكفر و الغي و الضلالة لانه الفحشاء و شيطانه المنكر في قوله تعالي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي هو ثالثهم قال عليه السلام هذا اكبر اشد كفرا و ضلالة و بغيا و جهالة عن الثاني و الثالث فلما افلت عصت و ولت دبرها و خرجت من بيتها و خالفت ربها و نبيها و تبرجت تبرج الجاهلية الاولي و هتكت سر النبوة قال ابرهيم عليه السلام يا قوم اني بريء مما تشركون حيث رآهم يسجدون للشمس من دون الله و زين لهم الشيطان اعمالهم و صدهم عن السبيل اي ولاية علي عليه السلام قال مولينا الصادق عليه السلام من استمع الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان ثم لما اعرض عنهم و اعتزلهم و ما يعبدون من دون الله توجه و خلص له التوجه فقال وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض حنيفا مسلما و ما انا من المشركين فقد توجه الي فاطر السموات بعلي عليه السلام لانهم يتوجهون الي رب عاجز حقير ذليل جاهل [ص 522] لشيوع عجزهم و جبنهم و فرارهم من الزحف و جهلهم في العلوم و اذا سئلوا مسألة و عصيانهم فان العاصي ذليل حقير فاذا توجهوا الي الله بالتمسك بحبل هؤلاء الجهال فقد توجهوا الي ما ذكرنا فان الوجه آية ذي الوجه ليست لها جهة سواه كما اذا نظرت الي المقابل في مرآة سوداء غبراء عوجاء فانك تصف المقابل بالاعوجاج و السواد و القبح و اما اذا توجه الي الله سبحانه بعلي عليه السلام فقد توجه الي رب علي علي كل شئ مطهر عن كل رجس و نقص و عيب لعصمته عليه السلام و طهارة ذيله عن الشهوات و خوفه و خشيته من بارئ السموات و عزيز غالب قادر لشيوع ظهور المعجزات و الكرامات و خوارق العادات التي لايشك العاقل بل و لا الجاهل انه من فاطر السموات و عالم حكيم لعدم توقفه عليه السلام في مسئلة من المسائل و حكم من الاحكام و مشكل من المشكلات و سكوته عن الاستيلاء مع الاقتدار عليها بيانا لقوله تعالي و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ماترك علي ظهرها من دابة و لكن يؤخرهم الي اجل مسمي و امثال هذه من الاحوال الظاهرية و اما الامور الباطنية فقد شرحنا شيئا ( منها خ ) و نشرحها ان شاء الله تعالي فيما بعد فالتوجه بعلي عليه السلام الي الله هو الدين الخالص و هو التوحيد الخاص و هو قول لا اله الا الله من غير استكبار و قال تعالي و اذا قيل لهم لا اله الا الله يستكبرون و هي الكلمة التوحيد التي اتمها ابرهيم عليه السلام فبذلك صار من اولي العزم و قد روي ان النبي صلي الله عليه و آله جلس ليلا يحدث اصحابه فقال يا قوم اذا ذكرتم الانبياء الاولين فصلوا علي [ص 523] ثم صلوا عليهم و اذا ذكرتم ابي ابرهيم فصلوا عليه ثم صلوا علي قالوا يا رسول الله (ص) بما نال ابرهيم ذلك قال صلي الله عليه و آله اعلموا ليلة عرج بي الي السماء فرقيت السماء الثالثة نصب لي منبر من نور فجلست علي رأس المنبر و جلس ابرهيم عليه السلام تحتي بدرجة و جلس جميع الانبياء الاولين حول المنبر فاذا بعلي عليه السلام قد اقبل و هو راكب ناقة من نور وجهه كالقمر و اصحابه حوله كالنجوم فقال ابرهيم يا محمد هذا اي نبي معظم او اي ملك مقرب قلت لا نبي معظم و لا ملك مقرب هذا اخي و ابن عمي و ظهري و وارث علمي علي بن ابيطالب عليه السلام قال و ما هؤلاء الذين حوله كالنجوم قلت شيعته فقال ابرهيم اللهم اجعلني من شيعة علي عليه السلام فاتي جبرئيل بهذه الآية و ان من شيعته لابرهيم ه ، فكان ابرهيم عليه السلام بذلك الثبات و الوقوف في مقام التشيع من اولي العزم حتي قال العلماء انه افضل من نوح و اما موسي و عيسي فلا شك انه افضل منهما و كان شيخي اطال الله بقاه يقول ان نوحا افضل و اما انا فعندي ترجيح ابرهيم قوي جدا لان الذي اعرف من الاخبار و من لطائف الآثار في بواطن الاسرار امور عجيبة فيه علي نبينا و آله و عليه السلام و الله سبحانه اعلم و اما موسي فقد قال فيه مولينا الحسن العسكري عليه السلام في كتابته بخطه الشريف قد صعدنا ذري الحقائق باقدام النبوة و الولاية و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة فلما عزم موسي و ثبت علي ولايتهم و طاعتهم و فرض حقهم و [ص 524] ماشك و لاارتاب و بقي علي العهد و الوفاء في كل الائمة الهداة صلي الله عليهم و مانسي مثل آدم ابينا علي نبينا و آله و عليه السلام و ماتوقف في القائم عليه السلام مثله عليه السلام فلما عهدوا سلام الله عليهم منه الوفاء في العوالم المتقدمة و في البشرية الظاهرية شهدوا له بالوفاء فحلاه الله سبحانه حلة الاصطفاء فصار بذلك من اولي العزم و اما عيسي روح الله علي نبينا و آله و عليه السلام فقد اشار الحق سبحانه الي تشيعه و بقائه علي صفائه و عدم تغيير فطرته و حكايته للمثال كما تقدم من الآية الشريفة و لما ضرب ابن مريم الآية ، ( علي ما بينا خ ) و لوح ايضا الي ذلك بقوله الحق و كلمة منه اسمه المسيح و قوله عز و جل يا اهل الكتاب لاتغلوا في دينكم و لاتقولوا علي الله الا الحق انما المسيح عيسي بن مريم رسول الله و كلمته القيها الي مريم و روح منه فتعبيره سبحانه و تعالي بالكلمة مع انها انما اطلقت علي محمد و آله عليهم السلام في مواضع كثيرة من القرآن كقوله تعالي فتلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا ، كلمة طيبة كشجرة طيبة و لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لما كان اطلاق الكلمة عليهم و علي عيسي ( عليهم و خ ) عليه السلام من باب الحقيقة بعد الحقيقة و قد ذكرنا سابقا ان الحقيقة الثانية انما هي صرف ظهور الحقيقة الاولية الغير المشوب بشئ من احوال تعينها و انيتها علمنا ان عيسي عليه السلام قد بقي علي الصفاء الاصلي الذاتي فهو الشيعة المخلص لاميرالمؤمنين عليه السلام و الطيبين من اولاده و احفاده فبذلك صار من اولي العزم [ص 525] فهؤلاء الاربعة من افاضل الشيعة بعد الملائكة الكروبيين ثم بعدهم سائر الانبياء و تختلف مراتبهم في التشيع الي آخر طبقاتهم في القرب و البعد من اولي العزم و هذا الذي ذكرنا مجمل احوال القسم الاول و اما القسم الثاني فهم الذين غلبت جهة نوريتهم لكن الظلمة قد تمكنت فيهم و ظهرت آثارها عليهم و برزت جهة انيتهم و ادعت و ان كانت دعوي ضعيفة الا ان هذه الدعوي و الظهور اخفت المثال فلميبلغ الوصال و لايري الحقيقة في كل الاحوال كالنور المتشعشع الساطع علي الجدران و علي غيرها من الاجسام الكثيفة الغاسقة فانه نور تجري عليه احكام النور حقيقة و لا يحسب مع الظلال و الظلمات الا انه ليس نور يحكي مثال الشمس و السراج كما اذا اشرقا علي المرايا و المياه و سائر الاجسام الصيقلية الشفافة و هؤلاء هم الشيعة غير المعصومين من طبقة الرعية و لهم مراتب كثيرة في علمهم و عملهم و تجمعهم ثلث مراتب : الاولي مقام الخصيص و هم الذين انقطعت جهات انياتهم و ذهبت ماهياتهم و ماتوا قبل ان يموتوا و نظروا في الآفاق و الانفس حتي يتجلي لهم الحق تعالي بساداتهم و مواليهم في كل شئ فعرفوا الكيف و الكم و الحيث و اللم و عرفوا مفصولهم و موصولهم و ما يؤل اليه امورهم فبذلك عرفوا باطن باطن القرآن و الاخبار و العلوم و الصنايع و الآداب و الحركات و السكنات و الاوضاع و الاضافات و القرانات و باطن باطن التأويل و هكذا المراتب التي فوقها الي السبعة او الي السبعين علي مقدار مقامهم و عملوا بمقتضي قوله تعالي لاتجد قوما يؤمنون بالله و اليوم الآخر يوادون [ص 526] من حاد الله و رسوله و لو كانوا آبائهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و الثانية مقام الخواص و هم الذين فعلوا الواجبات و المستحبات و تركوا المحرمات و المكروهات و توجهوا في العبادة الي فاطر السموات باوليائه سبحانه و تعالي و عرفوا باطن القرآن و تأويله و ظاهر ظاهره و عرفوا عليا و الطيبين من اولاده عليهم السلام بالنورانية و استدلوا في ادلتهم بالموعظة الحسنة و الثالثة مقام العوام و هم الذين فعلوا الواجبات و تركوا المحرمات و توجهوا في العبادة الي الله سبحانه بولاية اميرالمؤمنين (ع) و الطيبين من اولاده عليهم السلام و عرفوا تنزيل القرآن و الاخبار و ظواهر الاحكام و هم علي ثلاثة طبقات الاولي اهل القشر و هم اصحاب الاشعار ، الثانية اهل اللب من اهل الظاهر و هم اصحاب الاصواف ، الثالثة اهل لب اللب و هم اصحاب الاوبار قال تعالي و من اصوافها و اوبارها و اشعارها اثاثا و متاعا الي حين ، و القسم الثالث و هم الذين بقوا علي صرف الظلمة و مخالفة الحق المبدأ و اجابوا نعم عند قوله تعالي الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم و الائمة الاحدعشر من ولده و فاطمة الزهراء صلوات الله عليها و عليهم اوليائكم فتلبس ( فتلبسوا خ ) بلباس الكفر و النفاق و تصوروا بالصورة الشيطانية و عاندوا الحقائق الربانية فصاروا بتلك الاجابة عين الظلمة ختم الله علي قلوبهم و علي سمعهم و علي ابصارهم غشاوة و لهم عذاب عظيم فقوام وجودهم بذلك السؤال المتقوم بنور علي عليه السلام فهم ناكسوا رؤسهم عند ربهم [ص 527] و القسم الرابع هم الذين تساوي فيهم النور و الظلمة فيتعادلان في ظهور الآثار حتي تتم البنية و تكمل الصيغة و هم المرجون لامر الله اما يعذبهم ان مالوا بعد اكمال الصيغة الي الظلمة او يتوب عليهم ان آلوا ( مالوا خ ) بعدها الي النور هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن و الاقسام الثلثة الاخيرة يتحقق ( تتحقق خ ) في كل صقع من الاصقاع و كل نوع من الانواع من الجن و البهائم و الطيور و الحشرات و النباتات و الجمادات و الصفات و الاعراض و الروابط و القرانات و كل شئ من خلق الله علي القول المجمل و لايسعني الآن تفصيل احوالهم فكلهم توابع اما تابع بالاصالة كالشيعة او تابع بالعرض كالاعداء فرجوع الاقسام كلها اليهم صلي الله عليهم و انما خص الشيعة بالانابة و الرجوع و ترك غيرهم لانهم المقصودون بالاصالة و المعنيون بالذات و غيرهم منسيون نسوا الله فنسيهم فانابة كل انواع الشيعة اليه عليه السلام علي مقتضي مقامهم و مرتبتهم فالسابقون الاولون الذين هم الانبياء و المرسلون انابتهم الي علي عليه السلام الثبات علي الامر و الدوران حول ربهم و لميروا لهم تذوتا و لا تأصلوا ( تأصلا خ ) و لايتركون الاولي في مقامهم و يمضون في طاعة ربهم و لايلتفت منهم احد و لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و انابة الكروبيين اليه عليه السلام بدوام الاستمداد و الوقوف علي باب المراد و حكاية المثال و عدم قول انا في حال من الاحوال و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين اي يقول اني انا و انابة خصيص الشيعة ان يحفظوا سرهم و يعرفوا امامهم و سيدهم بالنورانية في اعلي [ص 528] مقاماتها و درجاتها و عدم التفاتهم الي مصائب الدنيا و سيرهم الي الله سبحانه و انابة الخواص اليه عليه السلام بالعمل بقولهم عليهم السلام حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك فمن ارتكب الشبهات ارتكب المحرمات فهلك من حيث لايعلم و قولهم عليهم السلام الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات و بالتسليم الي ائمة الحق و الرد اليهم في كل الاحوال من المبدأ و المآل و انابة العوام اليه عليه السلام قريب مما ذكرنا في الخواص و انابة الاكوان في الكينونات التكوينية ان تكون علي صورة الانسان لانها هيكل ولايته عليه السلام و انابة تلك الصورة ان تظهر حسنة جيدة غير متناكرة و لا غير متناسبة في التركيب و الترتيب و ان تكون معتدلة خارجة عن حدي التفريط و الافراط في الاحوال كلها و لاتكون قبيحة غير ملائمة بل تكون بحيث اذا نظر اليها الناظر تهش اليها و تدهش عندها و تفصيل هذه الانابة و كيفيتها التكوينية الغير التشريعية ظاهرا يطلب في علم الطب و انابة الحيوانات ان تكون ذليلة للانسان علي اختلاف مراتبها علي اختلاف مراتب الذلة في جميع الحالات و انابة النباتات اليه عليه السلام ان تظهر مستقيمة مخضرة مورقة مثمرة طيبة الثمار علي اختلاف مقاماتها و مراتبها و انابة الجمادات ان تظهر معادن و ما يقرب اليها و انابة الاعراض و الالوان و الهيئات و الصفات و غيرها اليه عليه السلام ان تظهر عند المحال المناسبة لها و المقتضية اياها كلون الصفرة عند الحرارة و الرطوبة مثلا و الحمي عند تعفن الاخلاط و امثالهما و هذه الاقتضاءات تختلف و كذا المحال المناسبة و قد تتداخل و تتعارض [ص 529] المناسبات فتقتضي صفة ثالثة الي غير ذلك من الاحوال و الاوضاع و الاضافات التي يطول بذكرها الكلام و لسنا بصدد ذلك و انابة الملائكة اليه عليه السلام ان تجري علي حد ما قرر الله سبحانه لها من المقامات المعلومة فاذا تعدت عنها اعرضت و استحقت الغضب و السخط كالذين اعترضوا علي الله عز و جل حين قال لهم اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك و قصتهم مذكورة في الاخبار و كذلك فطرس الملك الذي تاب الله عليه باللواذ بمهد الحسين بن علي عليهما السلام و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام علي ما في حديث البساط المشهور انه لايخطو ملك خطوة الا باذني و امري قال تعالي حكاية عنهم و ما منا الا له مقام معلوم و مجمل القول ان الموجودات كلها توابع و لوازم له عليه السلام فالطيب المعتدل المستقيم منها شيعة له عليه السلام و الخبيث المعوج الباطل عدو له و لما كانت الشيعة لهم مناسبة نوعية مع الاعداء و تتقوي تلك المناسبة بتكرر الميل و الالتفات و ذلك يستلزم الغضب الالهي و السخط الرباني كما اخبر الحق سبحانه عنهم اي عن المائلين عن الحق الي جهة الاعداء بقوله الحق ان الذين ارتدوا علي ادبارهم من بعد ما تبين لهم الهدي الشيطان سول لهم و املي لهم ذلك بانهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الامر و هذه الاطاعة في بعض الامر قد دعتهم و جرتهم الي الاطاعة في البعض الآخر الي ان يستوجب الغضب و اعراضه عليه السلام عنه نعوذ بالله من سخط الله و لما كان الامر [ص 530] كذلك دعاهم عليه السلام الي الاستقامة و الاعتدال و عدم الميل الي الاعداء فقال عليه السلام انيبوا الي ، فان مرجع العبد الي سيده و معوله الي مولاه و قوله عليه السلام هذا اختبار و تنبيه علي قول الله عز و جل فيه عليه السلام حيث خاطبه و قال و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤك يا علي فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا و ربك يا علي لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فابان سبحانه و تعالي عن حقيقة الانابة اليه روحي فداءه فان حقيقة الايمان اسم له عليه السلام فلايكون مؤمنا الا بالانتساب اليه عليه السلام و لايكون منتسبا اليه عليه السلام الا اذا كان مسلما له و لايكون مسلما له الا بان لايجد حرجا في نفسه فيما قضي به امامه و سيده ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب .