قوله عليه السلام : انتجبه من البحبوحة العليا البحبوحة هي الوسط و اللب و الصفو و الاصل قال الله عز و جل و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا و قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل في بيان احوال النفس و العقل وسط الكل و قال ايضا عليه السلام علي ما في الخطبة الشقشقية لقد تقمصها ابن ابيقحافة و هو يعلم ان محلي منها محل القطب من الرحي ، فالبحبوحة هي القطب و القطب هو الوسط و [ص 323] هو الاصل في الشئ يدور ذلك الشئ بجميع شؤنه و احواله و اضافاته و جهاته و حيثياته و اعتباراته عليه و هو المدير لها و المسخر لها و المقدر لاقواتها و المتمم لقابلياتها و هو في كل شئ من الاشياء فلكل نفس قطب يدور عليه احوالها فتعددت الاقطاب بعدد نفوس الخلائق و لما كان القطب جهة الحق للخلق كان بذلك ظهوره لهم و هو معني قوله (ع) الطرق الي الله بعدد انفاس الخلائق و يأتي تحقيق ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالي فنقتصر علي موضع الحاجة و نقول ان الاقطاب كلها علي قسمين احدهما ان تكون نقطة واحدة قد انبسطت فتكثرت و تعددت كالنقطة فانها قطب للالف و الالف قطب للالف القائم و هو قطب للالف المبسوط الذي هو الباء و الباء قطب للدال و الالف و الباء معا قطب للجيم و الباء و الدال معا قطب للهاء و هكذا الي آخر الحروف الكونية و الحرفية و مرجع الكل الي الواحد و ذلك وجه استمداد الشئ بلواذ فقره و فاقته بباب استغناء الغني المطلق فالوجه السفلي للقطب وجه استمداد الشئ السافل و الوجه الاعلي باب استغناء الغني فهو سبحانه يمده منه به اليه الي انتهاء الوجود و هذا الوجه الذي هو القطب يجب ان يكون وسطا ليتساوي نسبة الكرة اليه و الا لمتكن الحركة مستديرة و اختلفت نسبة العالي مع السافل و هو مستحيل و لا شك ان القطب هو وجه العالي فيجري عليه حكمه و هذا ظاهر و ثانيهما ان تكون الاقطاب متعددة لا بالعدد فلايجمعها عدد الا باعتبار المفهوم اللفظي و اما في الحقيقة فاحدها ( فاحدهما خ ) عدم بحت و فناء صرف بالنسبة الي الاخري بحيث لا ذكر للاخير [ص 324] عند الاول و لو اجمالا الا بالذكر الصلوحي التعلقي و هذه المراتب انما تكون في السلسلة الطولية بمعني ان المراتب السافلة معلولات للمراتب الاولي فالقطب في المرتبة الثانية شعاع المرتبة الاولي و اثرها و فعلها و الكرات الدائرة عليه ( احوال خ ) ذلك و شؤناته و ظهوراته و قراناته فهي بما هي عليه متقومة بذلك القطب تقوم ركن و عضد و ذلك القطب متقوم بالكرة الاولي تقوم صدور و حدوث فهو مثال للكرة الاولية من حيث الاحوال و الشؤن لا القطب الذي لتلك الكرة فمثال الاول هو النار الظاهرة في السرج الكثيرة و الظهور الواحد الظاهر في المرايا و النور المنبسط في الشعاع و الكلي المتعين في الجزئيات و الافراد و المطلق الظاهر في المقيدات و امثال ذلك و مثال الثاني هو السراج الظاهر في الشعاع و النار الظاهرة في الحديدة و السراج و الشاخص المقابل الظاهر في المرآة و امثال ذلك فانحصرت مراتب الوجود بهذين القسمين و لما كانت السلسلة الطولية مما لاتنكر في الوجود و السلسلة العرضية من الضروريات و البديهيات و لا شك ان الطفرة في الوجود ضروري البطلان فيكون الاعلي و الاشرف هو الاصل و القطب و لما دلت الادلة العقلية و النقلية علي ان الانبياء اشرف و اكرم علي الله سبحانه من كل المخلوقات من الجن و الانس و الملائكة و غيرهم ثبتت ( ثبت خ ) لهم رتبة القطبية و لما كان ائمتنا المعصومون سلام الله عليهم اجمعين قد بلغ الله بهم اشرف محل المكرمين و اعلي منازل المقربين و اشرف درجات المرسلين حيث لايلحقهم لاحق و لايسبقهم سابق و لايطمع في ادراك [ص 325] مقامهم طامع حتي لايبقي ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا صديق و لا شهيد و لا عالم و لا جاهل و لا دني و لا فاضل و لا مؤمن صالح و لا فاجر طالح و لا جبار عنيد و لا شيطان مريد و لا خلق فيما بين ذلك شهيد الا عرفهم جلالة امرهم و عظم خطرهم و كبر شأنهم و جلالة قدرهم كانوا بذلك قطب الاقطاب فصار يدور عليهم صلي الله عليهم كلما كان و يكون و ما هو كائن الي يوم القيمة و بعدها في الجنة و النار ابد الآبدين و دهر الداهرين فوق النهاية و اللانهاية و لما كان السافل لايصل الي ذات العالي و انما حظه ظهوره بكينونته في كينونته قال تعالي روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي كان ظهورهم عليهم السلام في كل المراتب بتلك المراتب الاتري السراج فانه لايظهر في مقام الشعاع الا بنفس الشعاع فالقطب للاشعة هو نفس النور الواحد الساري المنبسط في كل اقطار الاشعة و هو مثال السراج و آيته و دليله و اثره كما ان السراج مثال النار و آيتها و دليلها و ظهورها و لكن الظهور لا فرق بينه و بين الظاهر فيه الا انه عبده و خلقه فكذلك ظهورهم عليهم السلام بالقطبية في العوالم كلها من عالم اللاهوت و عالم الاسرار و عالم الانوار و عالم الارواح و عالم الاشباح و عالم الطبايع و عالم المواد و عالم الاظلة و عالم الاجسام و لما كانت العوالم كلها في حركاتها المستديرة لها حركتان حركة ذاتية اولية الهية و حركة ثانوية ذاتية تبعية و لما كانت الاولي هي الحركة الجوهرية الحقيقية كان سيرها علي القطب الحقيقي ففي عالم اللاهوت ظهور حقائقهم قطب لذلك العالم و في عالم الاسرار ظهور عقولهم قطب [ص 326] له و في عالم الانوار ظهور ارواحهم النور الاصفر و في عالم الارواح ظهور نفوسهم الشريفة النور الاخضر و في عالم الطبايع ظهور طبيعتهم الكلية النور الاحمر و في عالم المواد ظهور موادهم الجسمية و في عالم الاظلة ظهور ظلهم من فاضل شعاع نورهم و في عالم الاجسام ظهور اجسادهم الطيبة بفاضل تشعشع لمعان انوارهم و هذا هو الحكم الكلي المجمل و في عالم التفصيل ظهور و ظهور ظهور و ظهور ظهور ظهور و هكذا الي آخر المراتب و الاحكام و منتهي المقام و لذا تسيخ الارض باهلها اذا فقد جسم ( جسد خ ) الامام عليه السلام عن عالم الاجسام كما دلت الاخبار و وقع اجماع الفرقة الناجية عليه الا ان هذه الظهورات شبحية و لايسعني الآن بيان تفصيل الكلام و تبيان المرام بمقتضي المقام لئلايرتاب المبطلون و الا هنا لطائف و اشارات عجيبة و بالجملة فالبحبوحة التي هي الوسط و القطب كثيرة مختلفة متفاوتة المراتب بالعلو و السفل و هم صلي الله عليهم البحبوحة العليا و القطب الاعظم و العماد الاقوم و اليهم الاشارة بقوله عز و جل و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و الشاهد علي الناس لايكون الا المحيط باعلاهم و اسفلهم و اوسطهم و الناس اعم من الانسان و الانبياء عليهم السلام و الملائكة و الجن و سائر المخلوقات كلهم لان ما عدا الانسان كلهم علي هيئته و صورته كما قرر في محله و لما كان محمد صلي الله عليه و آله اول من اجاب الحق سبحانه بظاهره و باطنه و سره و علانيته من بينهم سلام الله عليهم فكان عليه السلام منتجبا منهم و مصطفي فيهم فصار نبيهم و سيدهم [ص 327] و فخرهم و ذلك الانتجاب انما كان بتحمله صلي الله عليه و آله حرفا واحدا دونهم من احوال المبدأ الحق سبحانه و تعالي خاصة في معرفة التوحيد و هو علة الانتجاب و سر الانتخاب فلميبلغ احد منهم صلي الله عليهم ذلك الحرف و هذا سر اولية الاجابة بقابلية الاستفاضة و طواف الاسبوع حول جلال القدرة في ثمانينالف سنة من سنين ( سني خ ) السرمد و هو القدم الذي استخلصه الله سبحانه فيه كما قال مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير في وصف النبي صلي الله عليه و آله استخلصه الله في القدم علي سائر الامم و اقامه مقامه في سائر عوالمه ( عالمه خ ) في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و هذا القدم هو البحبوحة العليا و هي الازلية الثانية و القدم الثاني و هو صاحب الازلية الاولية علي الحقيقة الواقعية و اشار الي هذا الانتجاب بقوله الحق جل و علا و اصطنعتك لنفسي لسر الاصطفاء فلما اصطنعه سبحانه لنفسه و اصطنع الاشياء كلها له صار هو صلي الله عليه و آله علة للوجودات ( الموجودات خ ) كلها و مجلي ظهور الواحدية و الوحدانية و الاحدية و الصمدية فالنفس علة و قطب له و هو علة و قطب للكائنات فالبحبوحة العليا كالقلب الذي هو القطب للقوي و المشاعر و المدارك و الآلات و الاعصاب و العضلات و كالشمس للكواكب و الافلاك السبعة و فيما سواها كالشمس للاشعة و المقابل للصورة المنطبعة في المرآة و قطبه صلي الله عليه و آله هو النفس الذي اصطنع لها و هذا النفس هو المتجلي بالاحدية كما قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و لما كان المتجلي انما يظهر بالتجلي [ص 328] فيكون التجلي انما يدور علي المتجلي و هو النفس فكان هذا التجلي هو الكاف المستديرة علي نفسها و النفس هو ( هي خ ) نفس الله و الكاف هي كلمة الله و الاستدارة امداد و استمداد و افاضة و استفاضة و هذا هو حقيقة الانتجاب و معني قيامه مقام الله سبحانه في الانتساب و لما كان تلك النفس هي جلال القدرة التي كان يطوف حولها قبل خلق علي عليه السلام فلما خلق علي عليه السلام بقي يطوف حول جلال القدرة و هو صلي الله عليه و آله يطوف حول جلال العظمة ظهرت تلك النفس في علي عليه السلام فكان هو نفس الله و نفس رسوله و ذات الله و ذات رسوله كما اشار اليه سبحانه و تعالي بقوله حكاية عن عيسي تعلم ما في نفسي و لااعلم ما في نفسك و لا شك ان هذا النفس ليست ذات الله سبحانه اذ ليس فيها شئ لانها صمد فيكون هي النفس المخلوقة و قد صرح مولينا الصادق عليه السلام بذلك في زيارة اميرالمؤمنين عليه السلام برواية صفوان السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و اما نفس رسول الله ( رسوله خ ) صلي الله عليهما فكما قال سبحانه و تعالي و انفسنا و انفسكم و لا نزاع بيننا و بين مخالفينا ان المراد من النفس في هذه الآية الشريفة هو علي عليه السلام فهو عليه السلام نفس رسول الله صلي الله عليه و آله و اما ذات الله فكما في قوله عليه السلام في النفس الملكوتية الالهية هي ذات الله العليا و شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق ابدا و من جهلها ضل و غوي و اما ذات رسوله صلي الله عليه و آله فلقوله عليه السلام انا محمد و محمد انا و قد اشار مولينا الباقر عليه السلام الي هذه [ص 329] الذات بقوله روحي فداه اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم و هذه الذات هي اميرالمؤمنين عليه السلام فان انوارهم سلام الله عليهم انما اخترعت من نوره عليه السلام كاختراع الحروف من الالف و هو سر عدم جواز تسميتهم باميرالمؤمنين و تلك الذات و تلك النفس انما كانت خاصة بمحمد صلي الله عليه و آله و هو الاصل و المستقل فيهما و انما ظهرتا في علي عليه السلام لكونه حامل اللواء و مكلم موسي في الشجرة اني انا الله اي الظاهر لموسي بموسي بنوره عليه السلام و هو رجل من الكروبيين فتجلي علي عليه السلام لموسي في الشجرة عين تجلي الله له فيها لان تجلي الله الاولي هو محمد صلي الله عليه و آله و علي هو نفس محمد صلي الله عليهما و آلهما و مظهر آثاره و حامل لوائه و ذلك الرجل الذي هو واحد من الكروبيين و هو ( الكروبيين هو خ ) عين تجلي علي عليه السلام لموسي و ذلك الكروبي هو نفس موسي لقوله عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها فافهم فاني اظهرت السر و لاتقل انه غلا بل و لعمري ذلك عين التقصير اماسمعت ما قال مولينا الصادق عليه السلام لما سئل عن الكروبيين قال عليه السلام قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم و لما سأل موسي ربه ما سأل امر رجلا منهم فتجلي له بقدر سم الابرة فدك الجبل و خر موسي صعقا ه ، و اذا علمت ان التجلي للشئ يمتنع الا ان يكون بنفس ذلك الشئ يظهر لك صدق ما ذكرنا فافهم راشدا موفقا فمحمد صلي الله عليه و آله هو المنتجب من البحبوحة العليا و هي الاسماء الحسني و الامثال العليا و الكبرياء و الآلاء و العزة و القدرة و الملك و [ص 330] السلطان فان الاشياء من الاكوان و الاعيان و مستجنات غيوب الامكان انما تحققت بها و هي جهات الظهور المطلق كما قال سيد الساجدين عليه السلام ( اللهم خ ) يا ذا الملك المتأبد بالخلود و السلطان الممتنع بغير جنود و لا اعوان و العز الباقي علي مر الدهور و خوالي الاعوام و مواضي الازمان و الايام عز سلطانك عزا لا حد له باولية و استعلي ملكك علوا سقطت الاشياء دون بلوغ امده و لميبلغ ادني ما استأثرت به من ذلك اقصي نعت الناعتين و ذلك القيومية ( للقيومية خ ) المطلقة و القطبية العامة الشاملة و المنتجب من تلك الآلاء و الاسماء و الامثال هو اكرم الاسماء الي الله و احبها اليه و اقربها منه وسيلة و اشرفها عنده منزلة و اجزلها لديه ثوابا و اسرعها في الامور اجابة و هو الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و المنتجب من هذا الاسم هو الاسم المكنون المخزون الاعظم الاعز الاجل الاكرم الذي يحبه و يهواه و هو الذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي و هو مقام ذكر السجود في الصلوة و هذا هو الاسم المكنون المخزون الذي استقر في ظله فلايخرج منه الي غيره فهو المنتجب من المنتجب من البحبوحة العليا او ان البحبوحة العليا هي الكلمة التامة التي انزجر لها العمق الاكبر و خضعت لها السموات و الارض و ركدت لها البحار و جرت بها الانهار و رست بها الجبال و تمت بها الغدو و الآصال و هي الكلمات ( التي خ ) لايجاوزهن بر و لا فاجر و هي الكلمات التي تلقيها آدم من ربه و هي الكلمات التي ابتلي الله بها ابرهيم فاتمهن فصار اماما و هي الكلمات التي لو كان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر ما نفدت كلمات [ص 331] الله و هي الكلم الطيب الذي يصعد الي الله سبحانه لا سواها و هي الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة التي اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و هي كلمة الله العليا و هي كلمة واحدة مشتملة علي حروف كلها كلمة مستقلة فالجمع باعتبار جعل كل حرف كلمة علي حدة و الافراد باعتبار جعل المجموع كلمة واحدة كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا الشجرة و علي اصلها و فاطمة فرعها و الائمة عليهم السلام اغصانها ففاطمة صلي الله عليها هي تمام الكلمة و لذا كان اسمها الشريف الطاء مع كماليها الظهوري و الشعوري فالاول يستنطق مه و الثاني فا فعند الاجتماع صارت فاطمة و الطاء مجمع مراتب الآحاد و مظهر تمام المبادي في الاعداد من الكونية و الحرفية و كذلك هي صلوات الله عليها و قد صرح الله سبحانه و تعالي بذلك في كتابه العزيز بقوله حم و الكتاب المبين انا انزلناه في ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم و فسره الامام عليه السلام بالائمة الطاهرين الاربعةعشر المعصومين فقال عليه السلام ان حم هو رسول الله صلي الله عليه و آله و الكتاب المبين هو مولينا علي عليه السلام انا انزلناه يعني عليا عليه السلام في ليلة مباركة و هي فاطمة عليها السلام لكون الليل منسوبا الي القمر و هو مربي الصور و الهيئات و الحدود و التعينات و الحيوة التي هي الام مع انه بارد رطب كطبع المرأة و هي ليلة القدر التي هي خير من الف شهر و حرفها الهاء و قد ظهرت في آخر اسمها عليها السلام فيها يفرق كل امر حكيم اي في فاطمة عليها السلام يمتاز كل امام حكيم بعد امام حكيم و [ص 332] باقي الائمة سلام الله عليهم حروف الكلمة علي تفاوت مراتبها فان الحروف تختلف بالشدة و الضعف و الجهر و الهمس و الاطباق و الانفتاح و الاستعلاء و التسفل و تختلف في المراتب و الدرج و الدقايق و الثواني و الثوالث و الروابع و الخوامس و هكذا اختلاف مراتب تلك الحروف العاليات صلي الله عليهم و علي اميرالمؤمنين عليه السلام هو الالف و النفس الرحماني الاولي و الثانوي و الثالثي و الرابعي و هكذا فتشعبت تلك الحروف منه عليه السلام كتشعب الاغصان من الشجرة فهو اميرهم و سيدهم و مولاهم و فخرهم و شرفهم صلوات الله عليه و عليهم و محمد رسول الله صلي الله عليه و آله هو النقطة الحقيقية الدائرة عليها تلك الرحي و قد قال الشاعر :
قد طاشت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة
سمت علي الاسماء حتي لقد فوضت الدنيا مع الآخرة
و تلك النقطة هي حجاب الله الاعظم المنتجبة المختارة المصطفاة من الالف المختار المرتضي من الحروف المختارة من الكلمة المختارة عن كلما عداها بل لايقال للكلمة بالنسبة الي الدلالة و ما سواها من آثارها و افعالها و شؤنها اختيار و انتجاب لان الوجود لاينتجب من العدم فافهم و لذا خص الامام عليه السلام الانتجاب في البحبوحة العليا اذ ليس لتلك البحبوحة بعضها مع البعض الآخر تأثير و فعل و انفعال و انما هو كالضوء من الضوء فالانتجاب يتحقق فيما اذا كان في صقع واحد و مقام غير متعدد [ص 333] لا في اصقاع مختلفة بحيث كل صقع يعدم عند الآخر و هذا الانتجاب انما صار علة دوران رحي الكائنات عليه و لذا لقب صلوات الله عليه بالمصطفي فاذا اطلق لايراد به سواه كما لقب علي عليه السلام بالمرتضي فان ( فاذا خ ) اطلق لايراد سواه تفسيرا لقوله عز و جل عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و المرتضي من محمد صلي الله عليه و آله ليس الا علي عليه السلام و هذا الغيب الذي اظهره عليه عليه السلام هو الرسول الذي هو المصطفي و هو المنتجب في حجاب الغيب و هذا الاصطفاء انما نشأ من المحبة فالمحبوب هو المصطفي للمحب لا غير و المحبة الكاملة المطلقة سيما المحبة الالهية المستدعية للاصطفاء لاتكون الا بميل المحب غراما و محبة و صبابة و شغفا الي جهة المحبوب فلايكون المحبوب محبوبا مطلقا الا اذا كان محبا مطلقا و لايكون المحب محبا صادقا الا اذا كان محبوبا فصار الامر دوريا و لاتتم المحبة الكاملة الا اذا تخلل المحب في كل جزئياته و اجزائه و قواه و مشاعره و يخلص عن كل ما سوي المحبوب فان بلغ مقاما لايستدعي في قوام كونه و وجوده كما كان في وجدانه و شهوده سوي ذكر المحبوب فهو منتهي المقام في المحبة و غاية المني في المعرفة فهو لميزل مع المحبوب مؤثرا كلما سواه عليه في وجدانه و وجوده و احساسه و شهوده فان كان المحبوب باقيا ببقاء الابد فكذلك محبه لانه مصطفاه و مجتباه و لما كانت المحبة هي علة الخلق و الايجاد كما دل عليه فاحببت ان اعرف كانت المحبة اول ما ظهر و وجد و لما كانت المحبة الالهية ليست ذاتية و انما هي خلقية كانت [ص 334] محبته عين محبوبه و ذلك اول ذكر الشئ و كونه و المحبوب الثابت له المحبة لايكون كذلك الا اذا بلغ مقام المحبة و لاتصفو له المحبة الا اذا بلغ مقام تلك النقطة فهناك يكون محبوبا و محبا و محبة فاتحدت الامور في عين الاختلاف و اختلفت في عين الايتلاف فيبلغ حينئذ مقام فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق الخاص بذلك الخلق المحب لله سبحانه و لما كان محمد صلي الله عليه و آله هو مبدأ الايجاد و علة الانوجاد تخللت في كله محبة الله سبحانه بحيث استغرق في بحر مشاهدة جمال المحبوب وجودا و وجدانا و لذا قلنا انه من الوجود المطلق كما قال سبحانه يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار فلايستدعي شيئا سوي فعل الحق سبحانه في كينونة ذاته و وجوده فبلغ مقام المحبة بل مانزل عن مقامها مذ خلق صلوات الله عليه و آله فاحبه الله سبحانه به فهو صلوات الله عليه و آله محب و محبوب و محبوب و محب و هو مقام فاحببت ان اعرف فلما بلغ نهاية المرتبة في المحبة و تعدي فيها مقام النهاية و بلغ الي اللانهاية كما قال عز و جل ليس لمحبتي غاية و لا نهاية سمي صلي الله عليه و آله حبيب الله و هو اسم المبالغة في الفاعل و المفعول و الامران مرادان حقيقة و المبالغة لبيان تعديها طور النهاية و لذا ترانا نعد من اسماء الوجود الوجود المطلق الاختراع و الابتداع و عالم فاحببت ان اعرف و الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله فلايراد اذا اطلق الحبيب الا هو صلي الله عليه و آله فهو الحبيب علي الاطلاق بكل وجه و بكل معني مما سطرنا و ما لمنسطر و مما علمنا و ما لمنعلم فلما صفت المحبة [ص 335] بحقائقها و كل مراتبها علي جهة الكمال له صلي الله عليه و آله اختص بالعقل الفعال كما يأتي ان شاء الله تعالي في قوله تعالي و لااكملتك الا فيمن احب و اختص ايضا بالاصطفاء و الصفوة فكل مصطفي و صفي فانما هو بفاضل اصطفائه و صفائه و بقدر قربه منه و هو و اهل بيته عليه و عليهم السلام عباد الله الذين اصطفي في قوله عز و جل قل الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي و اما قوله عز و جل ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض فان اريد به آدم الاول و نوح الاول و ابرهيم الاول و موسي الاول و عيسي الاول و الاولية الاجمالية او التفصيلية فصفي الامر و مرادي بالاجمال و التفصيل هو المبدأ و المشتق فان الملائكة الكروبيين الذين قد تقدم ذكرهم من انهم قوم من شيعة آلمحمد عليهم السلام عددهم عدد الانبياء و اسماؤهم اسماء الانبياء فان ذلك الرجل الذي تجلي لموسي فخر موسي صعقا اسمه موسي و اظن اني رأيت خبرا خاصا ناصا بما ذكرت من التسمية و اما العمومات فكثيرة و هذا هو مقام التفصيل فيكون ذلك الرجل آدم الاول و الآخر نوح الاول و هكذا و هؤلاء هي الصفوة الحقيقية ( صفوة المحمدية خ ) لانهم مثال المصطفي الحقيقي الغير المشوب بشئ من التعين و الغيرية بل هو نفس المثال مع قطع النظر عن الحدود و الاعراض و المثال ليس الا حكاية الممثل و وصفه و آيته و ليس الا بيانه و دليله فهو عين الصفوة و الاصطفاء و اما مقام الاجمال فسيأتي ان شاء الله تعالي شرح حقيقة الحال في قوله عليه السلام في هذه الخطبة المباركة انا [ص 336] موسي و انا عيسي و امثال ذلك فترقب و ان اريد به الانبياء المعروفون علي نبينا و آله و عليهم سلام الله فانما اصطفاهم الله سبحانه لكونهم حملوا نوره و ادوا امانته و ثبتوا علي المحبة و المودة و عزموا علي العهد المأخوذ عليهم بالولاية و فرض الطاعة فجري فيهم ما قال سبحانه في الحديث القدسي يا ابن آدم اطعني اجعلك مثلي فافهم و اما آدم عليه السلام فهو و ان لميعزم و نسي و لمنجد له عزما لكنه لحمل ذلك ( هذا خ ) النور الشعشعاني الذي اقتضي سجود الملائكة له بلغ مقام الاصطفاء بالتبعية و بالجملة فهو صلي الله عليه و آله المصطفي و المنتجب لكونه حبيبا و لايصح اطلاق الاصطفاء و الانتجاب و الحبيبية علي الحقيقة و الاطلاق الا عليه صلي الله عليه و آله و هذا الذي ذكرنا وجه من وجوه البواطن و اما مقتضي تلك البواطن من الظواهر فاعلم انه عليه السلام و جعلني الله فداه اراد ان يبين شرائط الرسالة و النبوة و الخلافة و صفاتها و احوالها و ان كلها علي كمال ما ينبغي بل اشرف من ذلك و اتم و اكمل موجودة و ثابتة في نبينا صلي الله عليه و آله و ذلك لان النبوة و الرسالة هي خلافة الله و القيام مقام الله سبحانه في التبليغ و الاداء اذ علي الله البيان و الايضاح بالحجة و البرهان علي جهة الفضل و الامتنان لانه خلق الخلق رحمة و تفضلا فلميجعلهم في الحيرة و الضلالة لينقص ما خلق و يضيع ما اوجد سبحانه سبحانه بل له الملك الكامل و الفعل التام الشامل و لما كان الحق سبحانه في الازل منزها عن الاقتران و الحدوث و التنزل الي المقام الادني و ورود الاحوال بالاعمال و الاقوال [ص 337] و شرط الاداء و التبليغ ان يكون في مقام المبلغ اليه و الا لامتنع التبليغ و التأدية وجب ان يختص بذلك من عباده في عالم الامكان من يصلح للظهورات المختلفة و البروز للتطورات المتشتتة و التقلب في الصور العديدة حيث ما اقتضت المصلحة من احوال الكينونة البشرية لان حكم الله سبحانه علي خلقه علي مقتضي صفاتهم الكلية و الجزئية و الا فالذات من حيث هي هي لا حكم لها الا حكم الاذعان و الاقرار بالاحدية المطلقة و لميتغير هذا الحكم و لميتبدل و اما الصفات و الاطوار فمن جهة انها مقتضي الحدود و الصور فتختلف احكامها كما قال الله سبحانه ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و المبلغ لو لميظهر بتلك الصفة لماصح التبليغ و امتنع التأدية فوجب ان يكون ذلك المبلغ ذائبا في ذاته غير منجمد علي صفة من الصفات و اعتبار من الاعتبارات و حيثية من الحيثيات و الا لاختص بتلك الصفة و لاجري عليه حكمها فان كانت حسنة كاملة و لطيفتها زائدة يختص فيما فضل من تلك اللطيفة بالتبليغ و التأدية الي المناسب لتلك الصفة حسب عمومها و خصوصها في رتبة ( مرتبة خ ) مقامها فيكون مبلغا جزئيا لا كليا حقيقيا و الا فيختص بنفسه و لايعم غيره و اما المبلغ الكلي فيجب ان يظهر في الوجود كعموم قدرة الله سبحانه و يكون متساوي النسبة مع كل الرعية في طبايعها و صفاتها و احوالها ليعطي كل ذي حق حقه مما اودعه الله سبحانه في سره من مكنون علمه و لاتتساوي هذه النسبة الا اذا كان في ذاته معتدل الطبيعة و مستقيم البنية في الباطن و الظاهر بحيث لاتزيد طبيعة علي اخري لتغلب و يجري [ص 338] عليه حكم الطبيعة الغالبة كما في سائر الخلق بل تكون العناصر فيه متساوية النسبة و تكون له طبيعة خامسة غير الطبايع الاربع ليجري حكم كل طبيعة عند اقتضاء المصلحة لذلك بالعوارض الخارجة و لاتتساوي نسبة الطبايع الا اذا خلص و صفا و رق و لايكون هذا الخلوص و التصفية الا اذا كان نظره مقصورا في عالم غير عالم الطبايع و المزج و التركيب اذ لو كان النظر مقصورا عليه و لا شك انه عالم التضاد و الاختلاف و عدم الايتلاف فلا بد من استيلاء احدها علي الاخر و اتيان حكم الغلبة لتحصيل المزاج و لذا تري الاطباء احالوا تساوي الطبايع في المركب لقصر نظرهم الي عالم الكون و الفساد و عالم التركيب و التضاد و اما الذي نظره قاصر الي عالم البساطة و مقام اللانهاية و لميزل مع الملك القهار الجبار المتكبر المؤلف بين المتعاديات و المفرق بين المتؤالفات فيستولي عليه نور البهاء و الكبرياء و العظمة فيتألف الطبايع و العناصر و القوي المتضادة بحيث لا تغالب لبعضها علي بعض و لا تضاد في اظهار الاثر فيستوي الذئب و الغنم في المرعي و هو قوله عز و جل مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان و هما الضدان الماء العذب الفرات و الماء المالح الاجاج فاختلطا فالحاجز من قدرة الله سبحانه منع احدهما علي الغلب و البغي علي الآخر و الآخر عليه ليحصل من المجموع طبيعة اخري و طعم و لون آخر او تغلب احدي الطبيعتين و مثاله فيك موجود فانك تعصي و تطيع و انت مركب من نور و ظلمة لكن ماغلب النور علي الظلمة في اصل التركيب لئلايمكن ان يصدر منه الطاعة في الوجود العيني و لا العكس [ص 339] لئلايمكن العكس كما ان العسل مايبرد ابدا و ان كان فيه من الطبيعة المائية لكنها مغلوبة و الكافور مايسخن ابدا و ان كان فيه من الطبيعة النارية و كذا ماامتزج النور و الظلمة بحيث يحدث عن اجتماعهما امر ثالث كتركيب الخل و العسل فيحصل من تركيبهما امر ثالث يخالف طبيعته و فعله و قوته الجزئين لانه يقطع الصفراء بخلاف العسل فانه يزيد مع و لو كان كذلك لوجب ان لايصدر من الانسان الا الطاعة المشوبة بالمعصية و المعصية المشوبة بالطاعة بل لاتكون طاعة لانها من اقتضاء النور و لاتكون معصية لانها من اقتضاء الظلمة بل يكون امرا ثالثا لا طاعة و لا معصية و هو ممتنع في حق الانسان بل كل شئ هذا صنع الله فاذا بلغت القدرة الي ان يبقي مع المزج و التركيب قوة الاجزاء علي ما هي عليه قبل التركيب و يتم التركيب بذلك بحيث يصدق علي المجموع اسم واحد و يحكم بحكم واحد و يجري عليه كل احكام الوحدة مع بقاء صرافة حكم الكثرات علي ما هي عليه من الاقتضاءات فبان يركب من الاجزاء المتساوية في الطبيعة و الوزن و التقدير الطبيعي احري و القدرة تتعلق عليه بالطريق الاولي فلا معني لانكار الاطباء ذلك نعم لما لمينظروا الي جهة الربوبية و السلطنة الكاملة العامة عظم في نظرهم ذلك فصغروا عظمة الله سبحانه فعلي ما قررنا وجب ان يكون المبلغ الكلي في اكمل مقام اعتدال الطبيعة في كل المراتب من الاعتدال الحقيقي لا الاضافي و قد قلنا ان ذلك لايكون الا اذا سطع عليه نور العظمة و الجلال و البهاء و يكون صاعدا مقام الاسماء الجزئية و الكلية فيتجلي عليه نور البساطة و [ص 340] الوحدة الي ان تفني مقام الكثرة الوجودية و الوجدانية فيستولي عليه نور الجمال و جاء كما قال الشاعر :
رق الزجاج و رقت الخمر فتشابها و تشاكلا الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
و يسبح في لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية فيحكي المثال فعند ذلك تكون الطبايع احديها عين الاخري تقول نار و ماء و هواء و تراب لكن كل واحد منها عين الآخر فالتراب هو الماء و الماء هو الهواء و الهواء هو النار و التعدد تعبيري لظهور آثارها في المراتب الكونية اي المبلغ اليها و هذا كمال مقتضي العبودية فتجلي ( فيتجلي خ ) عليها احكام الربوبية فلايقال بشر لظهور الاحكام ( احكام خ ) الربوبية فيه و لايقال رب تعالي عن ذلك لانه عبد مخلوق و نور مرزوق و قد قال الشاعر :
ان قلته بشرا فالعقل يمنعني و اختشي الله من قولي هو الله
و هذا معني قوله تعالي في وصف الشجرة المباركة الزيتونة لا شرقية اي ليست بقديمة لانها حادثة مخلوقة مقترنة متطورة بالاطوار بل شجرة متفرعة علي الغصون ( و الاصول خ ) و الاوراق و الاثمار و ليس هذا صفة القديم تعالي شأنه و لا غربية اي و لا حادثة لان الحادث مختلف متكثر متعدد جهاته و روابطه فان هالك مضمحل و ليست هذه المذكورات صفة تلك الشجرة لانها وجه الله الذي لايهلك و يد الله التي لاتغل و لاتفني و نور الله الذي لايطفي و عين الله الشاهدة علي الوري يكاد زيتها اي قابليتها للوجود يضيء اي يظهر في عالم الكون لكمال الخلوص و الصفا و عدم [ص 341] اقتضائها شرطا و متمما و مكملا غير مصدره و موجده و لو لمتمسسه نار الايجاد و النار من تلك الشجرة و الزيت ايضا من تلك الشجرة كما نص عليه الحق سبحانه في كلامه العزيز و هذا هو مقام البرزخية الكبري و هو مقام فاعل فعل اللازم مع ان الفاعل معمول للفعل و الفعل عامل فيه و العامل اشرف من المعمول كما بينا فراجع و نبين ان شاء الله تعالي فترقب فلما استوت قابليته و اعتدلت طبيعته علي ما وصفنا لك ظهر في البحبوحة الكبري العليا و انتجبه الله منها و هذا الظهور في هذا المقام ماتحقق الا بكمال العبودية و العبودية المطلقة تنافي الغفلة و لو يسيرة لانه في مقام الغفلة لايري لنفسه عبودية فضلا عن المخالفة فوجب ان يكون معصوما مطهرا من الذنوب مبرءا من العيوب من الظاهرية و الباطنية و السرية و الجهرية و تمت بشهادة ( شهادة خ ) الله سبحانه له بذلك حيث قال و له من في السموات و الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و قوله تعالي عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و الاصل في ذلك هو اعتدال الطبيعة و تصفية السريرة ففي المقام الاول الذي هو مقام النقطة الحقيقية المستديرة علي نفسها لا كلام خوفا من فرعون و ملأهم و اما حال التنزل الي مقامات الارسال و لما كانت المادة الالهية الاصلية في كمال النورانية و الصفا فوق [ص 342] مقام الحد و الانتهاء ماغيرتها الحدود و التعينات و الظهورات و استولت عليها آثارها فظهرت في كل عالم و كل مقام طيبة طاهرة حتي انتقلت الي الاصلاب و الارحام فحفظت بفاضل نورانيته الآباء و الامهات عن مخالفة الحق سبحانه لانه نور يطرد الظلمة بفاضل ظهوره و ان كان ظهوره بالظهور و اشراقه بالنور فكانت الطائفة المنسوبة اليه في كل زمان و اوان اشرف الطوائف لسريان ذلك النور اليها من جهة الانتساب فكانت آباؤه في العالم ( عالم خ ) البشرية لاختلاص الصفوة البشرية المنسوبة الي النور المشرق من صبح الازل كلهم طيبون طاهرون منزهون ( طيبين طاهرين منزهين خ ) عن كل دنس و رجس و من اهل التوحيد و التسليم لله سبحانه لبقاء ذلك النور في الاصلاب اكثر و اشد و تخلله في كل اجزاء ( اجزائه خ ) و قواه و مشاعره في الهضمات الاربعة فاثرت نورانية الجسد في الجسد و الروح المتعلق به في الروح و اما امهاته صلي الله عليه و آله فبقدر حملهن اياه صلي الله عليه و آله فهن معصومات بمقدار ذلك الزمان لاشراق النور الالهي عليهن و هو معني قوله عليه السلام في الزيارة اشهد انك كنت نورا في الاصلاب الشامخة و الارحام المطهرة لمتنجسك الجاهلية بانجاسها و لمتلبسك من مدلهمات ثيابها ه ، حتي انتهت مراتب الآباء و الامهات الظاهرية الي اشرف الطوائف و احسن القبائل اتفاقا و اجماعا من الناس فان العرب لميزل اشرف من العجم من جهة النوع كما نبين ان شاء الله تعالي و اشرف طوائف العرب قريش كما هو الظاهر و لميزل ( لمتزل خ ) تفتخر قريش علي غيرها من الطوائف و هم لاينكرون ذلك حتي ان ابن ابيقحافة [ص 343] انما احتج عليهم و تقمص بالخلافة علي انه من قريش فلايترأس عليها احد و اشرف طوائف قريش بنوهاشم و عبدالله و ابوطالب من سادة بني عبدالمطلب كما هو المعلوم المذكور في كتب السير و التواريخ فهذه هي البحبوحة العليا و لذا قال مولينا الرضا عليه السلام في وصف الامام عليه السلام لايسبقهم احد في نسب و لايدانيهم في حسب البيت من قريش و الذروة من هاشم و العترة من الرسول صلي الله عليه و آله و سلم و الرضا من الله عز و جل شرف الاشراف و الفرع من بنيعبدمناف فلما انتجب الرسول صلي الله عليه و آله من هذه الطائفة الشريفة في عالم البشرية الظاهرية قطع حجة كل محتج و ظهر بالحجة البالغة اذ لميقدروا علي انكاره بالحسب و لا بالنسب و لا بالشرافة و لا بالسيادة و لا بالطهارة لميعرفوا كمالا الا و قد وجدوا عنده صلي الله عليه و آله اعلاه و اسناه و لميتخيلوا مقاما الا و قد وجدوا عنده اقصاه فعرفوا انه خليفة الله فلميبق لهم الا الاقرار به او الانكار له بعد المعرفة و الجحود بعد العلم قال الله تعالي يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و اكثرهم الكافرون و قال عز و جل و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا بخلاف ما اذا كان يعصي او لايكون من الذروة الاعلي بل يكون من اللئام الاراذل فانه حينئذ يكون الحجة عليه للعارف و الجاهل اما الجاهل فانه اذا وجد انه من اللئام و ليس من الطائفة الكرام تشمئز نفسه و تنبو طبيعته عن الاقرار به و الانقياد له و الاعتراف بالرقية و العبودية و الطاعة له و يشق عليه انقياد ما هو في الحسب و النسب اشرف منه و هذا يبعده في [ص 344] اول الامر عن الانقياد و كذلك اذا رآه يعصي في صغره او كبره قبل نبوته او بعد نبوته لمتطمئن نفسه عليه و لميركن لقبول قوله و الاعتقاد بما يخبر عن ربه و سكون القلب عند اقواله و افعاله اذ له مناسبة مع الشيطان فلميأمن من ان يتسلط عليه و يفسد عليه امره و دينه ( و ايمانه خ ) و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض ( و اتبع هواه خ ) فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و له ان يقول لو ان الله سبحانه جعل النبوة و الرسالة في طائفة شريفة طيبة طاهرة معروفة بالخير و الصلاح و السودد و الشرف و في رجل طيب طاهر معصوم منزه من القبايح و الفواحش ما ظهر منها و ما بطن كان احسن و اوفق بالقبول و احري بالصواب و السداد و لا شك ان ذلك امر ممكن و الله سبحانه قادر عليه فلايعدل عما هو الاحسن الي الحسن لو فرضنا ذلك حتي لايقال لو كان كذا لكان احسن و كان في الواقع ( احسن خ ) و لميكن هنا مانع اقوي الا لعاجز تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فدل علي ان الذي يدعي النبوة او الولاية و الخلافة و هو يعصي او كان كذلك او يكون من ارذل الطوائف و اخسها كاذب في دعواه مفتر في مدعاه ليس مبعوثا من الاله الحي القيوم المنزه عن كل نقص و وصمة و عيب و رسوله وجهه و جهته و دليله فلو كان ناقصا و لو كان بوجه من الوجوه لدل علي نقصان ذي الوجه سبحانه و تعالي عما يقولون علوا كبيرا و اما العارف الناظر بنور الله المستدل بدليل الحكمة فيقطع بان الرئيس في التبليغ هو [ص 345] الرئيس في التكوين و الايجاد و هو كان مبلغا و مترجما للوحي الوجودي في العالم الاول الي ان ظهرت الصفات و تكثرت الشؤن و الاضافات فاقتضي كمال الصنع و الايجاد التكليف و التبليغ التوصيفي و الظاهر عنوان الباطن و الصورة مثال الحقيقة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فلما كان الامر كذلك وجب ان يكون ذلك المبلغ في كمال مرتبة النورانية و تكون نسبته الي رعيته نسبة السراج الي الاشعة فهو منزه عن كل النقائص و الرذائل و الكدورات التي في الرعية بل عين كمالات الرعية و نورانيتهم هو بلوغهم مقام النور الالهي الظاهر فيهم المشرق من انية الانبياء فاين توصيف ( توصف خ ) الانبياء بالنقائص الموجودة في رتبتهم و ذلك النبي اذا تنزل بنوره و ظهوره في المراتب النازلة لتتميم الرعية و تكميلهم و تبليغهم الي غاياتهم و نهايات كمالهم فهو في كمال النورانية فيطهر آباؤه و امهاته و قبيلته و طوائفه و كل من ينتسب اليه في الجنس و النوع عن الرذائل و الدناءات و الكدورات و الكثافات بفاضل نورانيته كما عرفت آنفا و مثل النبي او الوصي ( النبي الوصلي خ ) لان حكمهما واحد و امرهما واحد و مقتضاهما واحد فاذا وجد احدهما او كلاهما من الطائفة الغير المعروفة او اللئيمة و الدنية او انهما او احدهما يعصي مثال ( مثل خ ) سائر رعاياه في مقام البشرية بما هو معصية للرعية يقطع بانه كاذب لئيم و مفتر خبيث لان الاثر يدل علي المؤثر و اليه اشار ابن ابيالحديد في قصيدته الي ان قال :
فتي لميعرقه ( لميعرق فيه ظ ) تيم بن مرة و لاعبد اللات الخبيثة اعصرا [ص 346]
و ماكان معزولا غداة برائة و لا عن صلوة ام فيها فأخرا
و ماكان يوم الغار يهفو جنانه حذارا و لا يوم العريش تسترا
القصيدة .
قوله عليه السلام : و ارسله في العرب العرباء فاتي بعد الانتجاب المنتج من العبودية بذكر الارسال لبيان قوله اقامه مقامه في سائر عوالمه في الاداء و هذه الرسالة كلية عامة مطلقة شاملة لكل من ذرأه الله و برأه من الاعراض و الجواهر و الماديات و المجردات و الصفات و الذوات و كينونة الاقتضاءات و لهذه الرسالة مقامات كثيرة و مراتب عديدة تضيق بذكرها الدفاتر الا اني اذكر في هذا المقام اشارة الي ذلك المرام ما ذكره شيخي و مولاي و معتمدي و استادي اطال الله بقاه و جعلني في كل محذور فداه في شرحه الشريف علي الزيارة الجامعة الكبيرة عند قوله عليه السلام و موضع الرسالة فان ما ذكره اطال الله بقاه وافية كافية لمن فهم الكلام و انا انقل كلامه الشريف بلفظه و هو و ان عمم الحكم ليشمل الائمة الطاهرين عليهم سلام الله اجمعين لكن الحكم واحد فان الوصي بدل للنبي في كل الاحكام فالتبعية بدلية فقال سلمه الله تعالي :
و لهم في محل الرسالة اربعة مقامات المقام الاول مقام السر المقنع بالسر و الثاني هو مقام سر السر و الثالث مقام الابواب و هو مقام السر و السفارة و الوساطة و الترجمة و الرابع مقام الامامة و قد اشار الصادق عليه السلام الي هذه المواضع الشريفة و المقامات المنيفة كما رواه محمد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عنه عليه السلام ان امرنا هو [ص 347] الحق و حق الحق و هو الظاهر و باطن الظاهر و باطن الباطن و هو السر و سر السر و سر المستسر و سر مقنع بالسر فاشار الي المقام الاول بقوله عليه السلام و سر المستسر و سر مقنع بالسر و الي المقام الثاني بقوله عليه السلام و باطن الباطن و سر السر و الي المقام الثالث بقوله عليه السلام و باطن الظاهر و هو السر و الي المقام الرابع بقوله عليه السلام و هو الظاهر و الي الاخيرين بقوله عليه السلام و هو الحق و الي الاولين بقوله عليه السلام و حق الحق و عنه عليه السلام ان امرنا سر مستسر و سر لايفيده الا سر و سر علي سر و سر مقنع بسر الي ان قال سلمه الله و في رواية جابر الاشارة الي الاولين روي عن جابر بن عبدالله عن ابيجعفر عليه السلام انه قال يا جابر عليك بالبيان و المعاني قال فقلت و ما البيان و المعاني قال قال علي (ع) اما البيان فهو ان تعرف ان الله واحد ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا و اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه السجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم الي ان قال سلمه الله تعالي و ذكر الامام سيد الساجدين عليه السلام الاشارة الي الكل علي ما روي في كتاب انيس السمراء و سمير الجلساء فقال حدثني احمد بن عبدالله قال حدثني سليمان بن احمد قال حدثنا جعفر بن محمد قال [ص 348] حدثنا ابرهيم بن محمد الموصلي قال اخبرني ابي عن خالد عن القاسم عن جابر بن يزيد الجعفي عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل ثم تلا قوله تعالي فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و كانوا بآياتنا يجحدون و هي والله آياتنا و هذه احدها و هي والله ولايتنا يا جابر الي ان قال عليه السلام يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله عز و جل قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و تلا ايضا و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني ( اما اثبات التوحيد فمعرفة ظ ) الله القديم الغاية الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن كما سنذكره كما وصف به نفسه و اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده الحديث ، و انما ذكرته بطوله لما فيه من الاسرار و سنشير الي بيان بعضها فيما بعد فاما المقام الاول المسمي باثبات التوحيد و بالسر المقنع بالسر و حق الحق فالاشارة الي بيانه من الاحاديث المروية عنهم عليهم السلام كثيرة فمنها ما قال علي عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و قال عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا اقول الذي يشير الي هذا [ص 349] المقام من الحديث الثاني هو الوجه الثالث منه و المراد من هذا المقام ( الذي ظ ) هو اثبات التوحيد هو معرفة الله بصفته التي وصف بها نفسه لعباده الذين اراد ان يعرفوه بها و هي صفة محدثة لاتشبه صفة شئ من المخلوقات و هي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان اي في غيبتك و حضرتك من عرفها فقد عرف الله لانها امثاله و ليس كمثله شئ و في دعاء كل يوم من شهر رجب عن الحجة عليه السلام فجعلتهم معادن لكلماتك و اركانا لتوحيدك و آياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، فبين عليه السلام انهم معادن لكلماته يعني انهم اعضاد لخلقه لان العلة المادية لجميع الخلق هو شعاع انوارهم فقد اتخذهم الله سبحانه اعضادا لخلقه يعني يخلق خلقه من شعاع انوارهم و الخلايق من الاسباب و المسببات كلمات الله كما قال تعالي بكلمة منه اسمه المسيح عيسي بن مريم فهم عليهم السلام معادن لكلماته و جعلهم (ظ) سبحانه اركانا لتوحيده لان المقام الذي لا فرق بينه و بين الله سبحانه الا انه عبده هو ظهوره للعبد بالعبد و هم عليهم السلام تلك المظاهر كما يأتي في التمثيل بالقائم فانه لا فرق بينه و بين زيد الا انه ظهور زيد بالقيام فهو محدث به و ركنه القيام فحقيقتهم عليهم السلام كالقيام و ظهوره علي تلك الحقيقة كالقائم و القائم هو المقام الذي يعرف زيدا به من عرف زيدا اي لايعرف زيد الا به و المراد ان الله سبحانه لايعرف الا بتلك المقامات و هي لاتتحقق الا بهم [ص 350] و فيهم كما ان القائم لايتحقق الا بالقيام و هذا معني قول علي عليه السلام لايعرف الله الا بسبيل معرفتنا فهم اركان توحيده و آياته كذلك و مقاماته و كونها لا تعطيل لها لانها وجه الله قال الله تعالي فاينما تولوا فثم وجه الله و كون الاثبات لايكون الا بالخلق لان ذاته تجل عن ادراك العقول و توهم الاوهام لان العقول و الاوهام انما تدرك انفسها و تشير الي نظائرها و ما ذكرنا من المعرفة هي سبيل معرفتهم التي لايعرف الله الا بها و مثال المقام الذي هو رتبة التوحيد القائم كما مر قبل هذا فانك اذا قلت القائم فهو صفة زيد و هو ظهور زيد بالقيام و ليس هو زيدا و لميستتر ضميره فيه و انما استتر فيه جهة فاعلية قيامه و تلك الجهة قائمة بزيد قيام صدور و قائمة في غيب قائم قيام ظهور و قائم قائم بها قيام تحقق لانها لاتظهر الا في قائم و قائم لايتحقق الا بها لانها مبدأ وجود قائم و هي حركة احدثها زيد بنفسها و ليست زيدا و انما هي حركته فالقائم مثال زيد و ظهوره بفعله فاذا اردت ان تعرف زيدا فانما تعرفه بما احدث لك من امثاله و وصفه كالقائم و القاعد و المتكلم و هذا اي المشار اليه و المسمي بزيد و ما اشبه ذلك من امثاله و صفاته و توصيفاته فتعرفه بما وصف به نفسه و هو ما ظهر لك به من هذه الافعال و الصفات و كلها غيره و هي و ان كانت مثله بحيث يكون بينهما في جهة التعريف و المعرفة مساواة لرجوع ذلك كله الي الصفات و الذات عن ذلك كله بمعزل الا انها محدثة به صادرة عنه لا منه و هو قوله عليه السلام في الدعاء المتقدم لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك [ص 351] فافهم فقول علي بن الحسين عليهما السلام في الحديث المتقدم و هي والله آياتنا و هذه احدها و ذلك في بيانه لقوله تعالي و كانوا بآياتنا يجحدون يشير الي ما ذكرنا و انهم ذووا الآيات التي جحد بها الكافرون و المشركون و هم الذين نسوهم كما نسوا لقاء يومهم يوم القيمة و هذا المقام كله و هو مقام و اليه يرجع الامر كله احد الآيات و هي تلك الفعلة التي فعل بهم حين حرك الخيط الاصفر و هي ولايتهم الا ان هذا اعلاها لانه ليس له شبه كما قال عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف الله سبحانه ليس كمثله شئ فتعبده و لاتشرك به شيئا اما ان ذلك ليس كمثله شئ فلانه وصف الحق سبحانه نفسه للعباد فلايشابه شيئا من الخلق و اما انك تعبده فلانك تعبد الله الظاهر لك به حتي انه غيبه عن نفسه و عن المخلوقات فلايتوجه العابد الا الي الذات مع انه ابدا لايجدها حيث لايفقدها و لايفقدها حيث لايجدها ابدا فهذا مقام السر المقنع بالسر و حق الحق و هو البيان و التوحيد و هذا المقام لهم حيث لميجدوا انفسهم شيئا و وجدوا الله ظاهرا في كل شئ قد جعله دكا و دخل المدينة علي حين غفلة من اهلها كان وحده و لايسمع فيها صوت الا صوته و هذا المقام لايكون موضع الرسالة لانه مصدر الارسال فكيف يكون موضع الرسالة الا باعتبار فرض المغايرة و لهذا اعتبرناه و جعلناه الاول و المقام الثاني مقام المعاني و باطن الباطن و هو السر و سر السر و سر علي السر و حق الحق و هو كونهم عليهم السلام معانيه تعالي يعني علمه و حكمه و امره الخ ، يعني علمه الذي وسع السموات و الارض و [ص 352] حكمه علي كل الخلق و نعمه علي جميع خلقه و خيره الذي من به علي جميع الخلائق و جنبه الذي لايضام من التجأ اليه و ذمامه الذي لايطاول و لايحاول و درعه الحصينة و حصنه المنيعة و رحمته الواسعة و قدرته الجامعة و اياديه الجميلة و عطاياه الجزيلة و مواهبه العظيمة و يده العالية و عضده القوية و لسانه الناطق و اذنه السميعة و حقه الواجب و هذا مثل قولك قيام زيد و قعوده و حركته و سكونه و تسلطه و اياديه و امتنانه و معاقبته و امثال ذلك فهذه معاني زيد فقولهم عليهم السلام نحن معانيه كما تقدم في حديث جابر يراد منه نحو ما اشرنا اليه لان هذه المعاني بالنسبة الي الذات ليست شيئا الا بالذات فلا تحقق لها الا بالذات و انما تذوتها بالنسبة الي آثارها و اعراضها فهي بالنسبة الي الذات اسماء معان بهذا المعني و بالنسبة الي آثارها اعيان و ذوات قائمة علي آثارها و اعراضها بما قبلت من امداداتها و لانعني بالذات و العين الا هذا فهم عليهم السلام في هذا المقام اعلي مقامات موضع الرسالة الا علي الاعتبار الاول لانه مطارح ارسالات مواد الحيوة الوجودية من الماء الالهي و النفس الرحماني الثانوي في ايجاد الشرعيات الوجودية و ايجاد الوجودات الشرعية و هذا هو الدواة الاولي و هو ن و القلم و الماء الذي جعل منه كل شئ حي و الكتاب الاول و مفاتح الغيب التي لايعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة الا يعلمها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و هو ارض الجرز و الزيت الذي يكاد يضيء و لو لمتمسسه نار و المقام الثالث [ص 353] مقام الابواب و باطن الظاهر و سر لايفيده الا سر و السفارة الي الله و ترجمة وحي الله و بيانه انه اذا وقع الماء الاول علي ارض الجرز و البلد الميت و بعبارة اخري اذا استضاء الزيت من النار و بعبارة اخري اذا وقعت الدلالة من الكلمة التي انزجر لها العمق الاكبر علي المعني الميت في قلب العبد المؤمن ظهر علي العبارة الاولي الزرع و النبات الطيب و علي الثانية المصباح و علي الثالثة المعني و المراد من الزرع و النبات و المصباح و المعني شئ واحد و هو الاسم الذي اشرقت به السموات و الارضون و هو المعبر عنه عند اهل الاشراق بالعقل الكلي و عند اهل الشرع بالقلم و العقل المحمدي صلي الله عليه و آله و قد يطلق عليه الروح المحمدي صلي الله عليه و آله فلما استوي عليه الرحمن اودع فيه غيوب الاشياء و هي معاني جميع الخلق فهو باب الله الي خلقه و لما امر العقل فقال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل اخرج منه رقائقها و صورها الي قوابلها فيما لايزال فهو باب الله الي خلقه و لما تهيأت القوابل لقبول حيوتها و جميع ما لها من ربها و قبلت كان ذلك القبول بواسطته فهو باب الخلق الي الله فلما امرهم بطاعته و امتثلوا امره قبل اعمالهم بواسطته فهو باب الخلق الي الله و هذه الوساطة (ظ) و الترجمة و السفارة عامة في جميع الوجودات (ظ) الشرعية و الشرعيات الوجودية فهم عليهم السلام في هذا المقام موضع الرسالة بالنسبة الي المقام الاول و هم محل وحيه و مهبط نوره و مسقط نجومه و هكذا بالنسبة الي المقام الثاني هم حفظة شريعته و موضع رسالة الثاني من الاول يترجمون لمن [ص 354] دونهم الامدادات ممن هو فوقهم و المقام الرابع مقام الامامة و هو الحق و هو الظاهر و هو السر المستسر و هو مقام حجة الله علي خلقه و خليفته في ارضه افترض طاعته علي جميع خلقه جعله الله قيما علي العباد و حفيظا و شاهدا و داعيا الي الله و هاديا الي سبيله و وجهه الذي يتقلب في الارض و عينه الناظرة في عباده فكاك الازمات المعضلة و فاتح الحصون المقفلة و القصر المشيد و البئر المعطلة ملجأ الهاربين و عصمة المعتصمين و امن الخائفين و عون المؤمنين فالامام في مقام الامامة هذا موضع الرسالة ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه و رفع شأنه و علي كلمته انما ذكرته بطوله لما فيه من الاسرار مما اردنا بيانه و قد ذكر اطال الله بقاه جميع انواع الرسالة و فيما ذكره كفاية لاولي الفهم و الدراية ثم اعلم ان حكم الله سبحانه في الايجاد علي جهة الاطلاق لما كان علي نهج التكليف و هو يستلزم الرسول ينقسم التكليف و الرسول الي قسمين تكويني و تشريعي و الشريعة و الكتاب ايضا كذلك و المجموع الي قسمين عام و خاص و العام علي قسمين اضافي و حقيقي فأجر هذه المذكورات فيما ذكره شيخنا اطال الله بقاه من المراتب المذكورة ينتج لك المطلوب و تطلع علي ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و تفهم ان محمدا صلي الله عليه و آله في كل مقام و كل رتبة تفرض سيد السابقين و امام الفائقين لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراك مقامه طامع و الاشارة اليه اكثر مما بين سلمه الله تعالي و بينا فضح بالحكمة .