قوله عليه السلام : و حبس في الجو سحائب مكفهرات لما فرغ الامام عليه السلام عن ذكر المبادي و علل الكينونات التي هي السموات و الكواكب المضيئات في عالم التفصيل و مقام التحويل اراد ان يبين كينونة المعلولات و كيفية تلقيها الفيض عن العلل العاليات فابتدأ بذكر سحائب ( السحائب . نسخة ١٤٢ خ ) المكفهرات فهو كلام جامع للمقامات و حاو للامور الشتات و الاشارة الي مجمل بيانه اعلم انا قد ذكرنا ان المبادي هي الحديدة المحماة بالنار او انها خلقت من النار و المعلول و السافل هو الارض التي هي مطرح اشعة المبادي و قابلية فيضها و لما ان المبادي فعلها و تأثيرها في المفاعيل ليس في رتبة ذاتها اذا لاحترق المفاعيل اذ لاتقوي فيجب ان يكون ذلك الفعل و التأثير تحت الحجاب لتتمكن التلقي من ذلك الباب بذلك الجناب و يجب ايضا ان يكون ذلك الحجاب من رتبة مقام المفعول و الا لارتفعت فائدة اخذ الحجاب و جعل الجناب و الامر بقرع الباب و لما كان نظر الفاعل الي جميع مفعولاته علي حد السواء كان حجابه ايضا كذلك و اختلاف الحجب لاقتضاء كينونة المفعول وجب ان يكون ذلك الحجاب هو عين حقيقة المفعول و تجلي الفاعل له به و لما قررنا ان السموات هي المبادي بالكواكب و هي لاتؤثر في المفعولات اي المتولدات بذاتها اذا لنفدت و فسدت و اختلفت ( اختلت خ ) و انما هي ذوات مستقلة لايطرأ عليها الفساد و البيود و الدثور بالنسبة الي سافلها كانت لاتؤثر الا بمثالها و هو اشعتها و ذلك المثال من حيث حكايته لتأثير المبدأ من حيث هو تأثير المبدأ نار لما ذكرنا و شرحنا فظهرت الكرة النارية التي هي [ص 196] مجمع اشعة الكواكب من حيث كونها حاملة لنار الشجرة الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية و كانت شجرة موسي حكاية و مثالا لها ان قلت انك ( قد خ ) قررت سابقا ان الكواكب مختلفة في الطبايع نارية و هوائية و مائية و ترابية فكيف تكون الكرة النارية اشعة الكواكب علي الاطلاق قلت لا منافاة لان تلك الطبايع في صقعها و نسبة بعضها مع بعض و اما بالنسبة الي السافل كلها نار بل اشد لكونها حينئذ حاملة للمثال الملقي في هويتها كالفتاة الغربية المعبر عنها بالحمامة عند اهل الصناعة و يحكمون عليها بالبرودة و الرطوبة مع انها في الشدة و الحرارة اشد من النار المعروفة و كذلك الماء الاول الذي يأخذون عند ( عنده خ ) تفصيل المادة الي النطفتين يحكمون عليه بالبرودة و الرطوبة مع انه في الحرارة بحيث لو استشم انسان بخاره المتصاعد منه لمات في ساعته و هم انما قالوا بالاضافة ففي الفتاة الغربية بالنسبة الي الفتي الشرقي و الفتي الكوشي و في الماء الاول بالنسبة الي الماء الثاني الغليظ الذي هو في قوام العسل و كذلك اذا قلنا ان القمر بارد رطب و زحل بارد يابس و الزهرة حار رطب و المريخ حار يابس فافهم و لما كانت الارض هي القابلية باردة يابسة لاتقوي علي الحرارة النارية الفلكية لاحتراقها و فنائها و عدمها اذ البرودة ماتبقي عند ظهور سلطان الحرارة و اليبوسة من سنخها فتعدم الغريب و تجذب اليها القريب فيبطل تركيب ذلك الشئ و اليه الاشارة بقول اميرالمؤمنين عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد بعد قوله عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم و في هذا فناء المعلول و عدمه و هو [ص 197] خلاف ما هو المقصود و المراد وجوده و تحققه و ربط الاسباب بالمسببات و العلل بالمعلولات احتاجت الي وقاية لتحفظ وجودها باستمرار اشراق نار الايجاد عليها و تلك الوقاية هي الرطوبة المعتدلة لانها تحفظ تأثير النار لعدم الغرابة الكلية و تحفظ اليبوسة ايضا عن الاعدام بالمرة و لذا كانت الوقاية هي النون اذا ارادوا ان يقوا الفعل عن الكسر الذي هو من خواص الاسم في قولهم ضربني زيد و النون هي الرطوبة و هي مداد القلم في قوله عز و جل ن و القلم و ما يسطرون فافهم ضرب المثل و لما كانت هذه الرطوبة ببساطتها يضاد الطرفين اي اليبوسة النارية و اليبوسة الارضية و في ذلك اعدامها اذ الضد لايقوم مع الضد الآخر فجعل معها شيئا من طبيعتهما لتكون رابطة حافظة فانقسمت الي قسمين قسم اضيفت اليه الحرارة فالطفت ( فلطفت خ ) و رقت و صعدت الي العلو و قسم اضيفت اليها البرودة فثقلت و كثفت و نزلت الي السفل روحك من روحي و طبيعتك خلاف كينونتي سبحان من حكمه متقن و امره محكم تعالي ربي لا اله الا هو فتمت هذه المراتب و صارت اصولا للمبادي اي لظهوراتها و حقائق و موادا للمفاعيل و خزينة خامسة لا نفاد لها ينفق منها كيف يشاء و هي العناصر الاربعة التي تحت كرة القمر الاول او الثاني او الثالث و هكذا الي ان يتم اربعون او الف‌الف و هكذا الي ما لا نهاية له من الاكوار و الادوار و الاطوار و لما كانت النسمات و حقائق الذرات من الملأ الاعلي الذي وصفهم مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام بانهم ( بانه خ ) صور عارية عن المواد خالية عن القوة و [ص 198] الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فابان عليه السلام انها كالحديدة المحماة لقربها الي عالم النور و ان فيها مثال الفاعل و قد عرفت ان مثال الفاعل ليس الا النار لان الله سبحانه خلق الفاعل من نار الشجرة و تلك النسمات لما اراد الله عز و جل اظهار القهارية و الجبروت و يعرفهم توحده في الملك و الملكوت و تقدسه في عالم اللاهوت انزلهم من عالم الي عالم و من مقام الي مقام حتي انتهي بهم الي عالم الاجسام فرمي بهم الي الكثافات و الكدورات لينالوا نصيبهم من الكتاب و يستوفوا حظهم من الخطاب و يثبت وقوفهم بذلك الباب و لواذهم بذلك الجناب فانزلهم الي الارض الجسمي فاستجنوا و استكنوا فيها عند نهايات الادبار فلما دعاهم الي الاقبال وجب فلق الارض لتظهر منها تلك الحقايق و الانوار لتمكين قابليتهم للاجابة و الفلق علي انحاء و مراتب من الظاهري و الباطني اما الباطني فقد مضي الكلام في شئ يسير منه عند قوله عليه السلام فتق الاجواء و اما الظاهري فهو علي قسمين قسم هو الشق المعروف كالينابيع و العيون و البئار او الشق لاستخراج الكنوز و هذا لايراد به الا في المواضع التي يكون المستجن فيها استجنانا ظاهريا وعائيا و لا هكذا استجنان الارواح في الاجسام بل استجنانها استجنان غيبي لا بد من حل الارض و ذوبانها لتخلص عن الاعراض المانعة و تحكي تلك الحقايق الالهية و الحل لايكون الا بالحرارة و الرطوبة و اليبوسة اذ الحرارة تفرق المجتمع و الرطوبة تربط الاجزاء المنحلة بعضها مع بعض و [ص 199] اليبوسة تجمعها قبل التفصيل و الذوبان و بعدهما و اليبوسة اذا كانت يبوسة ارضية كثيفة غاسقة لايلينها و لايحلها الا الرطوبة التي هي من سنخها و جنسها و اما الرطوبات اللطيفة فلاتنفع لتليين الكثيف الغاسق لانك ان زيدت الحرارة تحترق و ان قللتها يحتاج الي مدة طويلة يفوت بها المقصود و هذا امر ظاهر بديهي مايحتاج الي البيان فثبت ان الرطوبات الهوائية اللطيفة لمجاورة النار ماتؤثر في حل الاجزاء الارضية الكثيفة فيجب ان تضاف اليها عند الحل الرطوبة ( الرطوبات خ ) المناسبة لمقامها و ليس ذلك الا الماء و لما كانت الانوار المستجنة من النباتية و الحيوانية و الانسانية امورا غيبية يجب ان يكون الحل الواقع مؤثرا في الجهات الغيبية علي حسب مقامه و لا شك ان الكثيف من هذا الكثيف لو فرض حله يبلغ الي ادني مرتبة اللطافة و في ذلك طول العمل من غير طائل و كذا الرطوبة التي تحل الاجزاء كلما كان الطف و اعلي كانت في النفوذ اشد و لما كان الانحلال في غير الكبد ما يتحصل لحكم الحرارة و الرطوبة اللائقة وجب ان يكون ذلك الانحلال في الهواء فحصلت ثلاثة اشياء الاول الاجزاء الارضية اللطيفة الغير الكثيفة الغير المجاورة للارض و هذه هي الهباء و اذا اطلقنا الهباء نريد في هذا المقام هذه الاجزاء الثاني الاجزاء المائية اللطيفة المتصاعدة عن وجه الماء المختلطة بالاجزاء الهوائية و هي البخار الثالث الهواء بنفسه في الربع الاخير من حيث كونه حاملا لتأثير النار مترجما له عنها و لما وجب ميل السافل الي العالي و ميل العالي الي السافل في تكون الشئ صعدت الاجزاء الارضية الي العلو الي جهة السماء و نزلت التأثيرات الكوكبية من كرة النار بحاملها الي الهواء فاجتمعت الامور الثلثة [ص 200] كلها في الهواء فلما انضمت الرطوبة مع اليبوسة بالحرارة و نفخ عليها بريح الجنوب مالت اليبوسة الي الانحلال و الي الرطوبة و مالت الرطوبة الي الانعقاد و الي اليبوسة الي سبعة ايام من ايام الشأن فانعقدت هذه الاربعة انعقادا لطيفا فصارت بالنسبة الي الذوبان و البساطة كثيفة فبقت ( فبقيت خ ) في الجو و انعقدت فكانت سحابا مكفهرا و هذا هو المادة لكل ما يتكون في الجو من الامطار و الثلوج و الطل و الرعد و البرق و البرد و الشهب و غيرها و لو اردنا شرح تفاصيل هذه الامور ان كان كما ذكروا فلا فائدة لذكرنا و ان كان علي ما عندنا من دليل الحكمة فيطول به الكلام و ليس لي الآن اقبال ذلك لكن الذي ذكرنا من دليل الحكمة من بيان مادة السحاب يظهر الباقي لمن له نوع فطانة و ذكاوة و انس بكلماتنا و هذا معني قوله عليه السلام و حبس في الجو سحائب مكفهرات اي مغلظات و انما وصفها عليه السلام بها للاشارة الي اسرار كثيرة يضيق الصدر باظهارها و لايضيق بكتمانها ان في ذلك لآيات للمتوسمين و هذه الكثافة امر عرضي ليست بذاتية و انما هي لتحقق الاعراض و استخراج الذوات فجاء سر المتشابهات و هذه انما كانت من المفعول قد حجبت عن الفاعل الذي قوامها به و هو العلويات من الافلاك و النجوم فقل النور علي وجه الارض و تكدرت ،

تغيرت البلاد و من عليها فوجه الارض مغبر قبيح

لكن هذا الحجب ليس كليا و انما هي جزئي اسرع ما يكون في الاضمحلال لانه مجتث و انما اوتي به اتماما لقابلية المفعول و استنطاقا لطبايعهم مع انه ليس محيطا بكل اقطار الارض ليحتجب نور الشمس بالكلية و انما هو محاذي جزء من اجزاء الشمس او القمر بالنسبة الي الناظر فاذا تطرف عنه الناظر يري الشمس ظاهرا عيانا من غير حجاب و يشاهد جمال المحبوب المطلوب من غير نقاب ان في ذلك لآيات [ص 201] لاولي الالباب و اليه الاشارة بقوله تعالي الذين تتوفيهم الملائكة ● [ص 202] ظالمي انفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم‌تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأويهم جهنم و ساءت مصيرا الا المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان الذين لايستطيعون حيلة و لايهتدون سبيلا عسي الله ان يعفو عنهم و كان الله عفوا غفورا و من يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرا و سعة و من يخرج من بيته مهاجرا الي الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره علي الله و كان الله غفورا رحيما ، و قوله عليه السلام و حبس في الجو الخ ، جواب عن كل الاعتراضات و رد لكل الشبهات و متمم لما سبق من الكلمات فانه اثبت عليه السلام بقوله الحمد لله الذي فتق الاجواء الولاية المطلقة الظاهرة في جلال القدرة رتبة الواحدية حضرة الاسماء و الصفات و الاضافات و مقام قل من بيده ملكوت كل شئ و هو يجير و لايجار عليه و اثبت بقوله عليه السلام خلق السموات بلا دعائم الخ ، مقام حامل اللواء و قوله تعالي و ان الله هو العلي الكبير و مقام قوله تعالي و ماقدروا الله حق قدره و الارض جميعا قبضته يوم القيمة و السموات مطويات بيمينه سبحانه و تعالي عما يشركون فلما تمت البراعة و اظهر السر التفت الي ما القي الشيطان في قلوب اوليائه اما لذاته او باللطخ و الخلط من ان الامر لو كان كذلك فما وجه الضعف و عدم الظهور لان العلة ماتخفي و لاتهان فاجاب عليه السلام و نسخ ما القي الشيطان بقوله و حبس في الجو سحائب مكفهرات ، اشارة الي ان الخالق هو الحابس و [ص 203] السحاب هو جهات انية المفعول القابل حيث حجبته عن مشاهدة نور الظهور الساطع علي الطور فلو كشف الحجاب لرأوا الامر واضحا ظاهرا فهو احتجب بهم فلو تطرفوا عن هذا الحجاب و دخلوا الباب لوجدوا الشمس ظاهرة بارزة تشرق الكون و تمد الخلق من المعني و العين و لذا لما قيل لطلحة و هو يجود بنفسه من رماك يا طلحة قال رماني علي بن ابي‌طالب عليه السلام قيل انه مايرمي بالنبل و انما يقاتل بالسيف قال ويحك اما تنظر اليه كيف يصعد الي السماء و يخرق الارض و يذهب الي المشرق و المغرب و يقاتل بالسيف و يرمي بالنبل و يقول مت يا عدو الله فيموت في ساعته و ذلك عند ارتفاع السحاب و صرح عليه السلام بالذي فهمنا من التلويح من ان هذا جواب لما يتوهمه المتلونون او اثبات حقيقة الامر و الواقع و لابدية الوجود المشوب بالظلمة من ذلك بقوله عليه السلام و كأني بضعيفكم يقول الاتسمعون الي ما يدعيه ابن ابي‌طالب في نفسه و بالامس تكفهر عليه عساكر اهل الشام فلايخرج اليها و باعث محمد الخ ، و انما اتي بلفظ تكفهر للاشارة الي ان ذلك من تلك السحب و نحن ان شاء الله العزيز نكشف عن الواقع و الحقيقة علي التصريح اذا بلغنا شرح هذه الكلمات .

[ص 204] قال عليه السلام و خلق البحار و الجبال علي تلاطم تيار رقيق رتيق فتق رتاجها فتغطمت امواجها .

لما فرغ الامام عليه السلام عن بيان تفاصيل المبادي و الاصول و مظاهر العلل الفاعلية و كيفية ربط الفاعل بالمفعول و اتصال المسبب بالسبب و معني الايجاد و الاحداث و الاختراع و الابتداع و الامر الفعلي و المفعولي و براعة هذه الخطبة الشريفة و الي مظاهر التوحيد و هياكل التنزيه و التفريد الي غير ذلك من الامور التي جهلنا اكثرها و اشرنا الي بعض ما عرفنا شرع عليه السلام في بيان العلل المادية و يلزمه بيان العلة الصورية و ان الشئ في مكانه له مكانان مكان ذاتي طبيعي بحسب كينونته الثانية و مكان غير طبيعي في الظاهر المتوقف الي المعين لا القاسر فيتحلي حينئذ بحلية اهل ذلك المكان و يلزمه بيان ان الشئ قد يتعلق به النور فيصعد به الي اعلي المقامات و مكانه الاصلي في اسفل الدرجات بل الدركات الا انه مايتحلي بحلية اهل ذلك المكان لان هذا الصعود و البلوغ عرضي يزول حكمه سريعا و لاتتوهم ان الذي ذكرنا هو المتحصل من هذه العبارات خاصة بل هذا و غيره و امور اخر مما لم‌يحط به علمنا و لم‌تبلغ اليه سعتنا و قد قالوا عليهم السلام ان حديثنا ذكي اي طري ابدا لاتفني عجائبه و لاتبيد غرائبه كلما يتغوص السابح في تلك اللجة يري البحر اعمق و الساحل ابعد كيف لا و هو طمطام بحر الاحدية و لجة يم الوحدانية و لا ساحل لذلك و قد قال سبحانه و تعالي و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله [ص 205] و هم تلك الكلمات الاربعة التي بني عليها الاسلام المكررة ثلث مرات قال مولينا الكاظم عليه السلام نحن الكلمات التي لايستقصي فضلنا و لايستحصي و بالجملة اياك ان تحصر معاني كلماتهم عليهم السلام فيما تفهم او فهم العلماء و ان بلغوا ما بلغوا لانهم مااوتوا العلم الا قليلا و هم سلام الله عليهم اوتوا العلم كله قال تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول فاحفظ وصيتي و الله خليفتي عليك .

قوله عليه السلام : خلق البحار اعلم انه لما كانت البينونة بينه تعالي و بين خلقه بينونة صفة لا بينونة عزلة بمعني ان الخلق صفات له سبحانه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له سري سر الوحدة في ذرات الوجود في الغيب و الشهود فلم‌تجد شيئا و ان عم و كثر الا واحدا و لذا تري رتبة الاعداد اذ كل رتبة تفرض فيها تفرض انها واحد اذ الكسور التسعة لايترتب الا علي ما يفرض انه واحد و الواحد لا كسر له و كل مرتبة تفرض من مراتب العدد و ان تبلغ الي ما تبلغ تري الواحد امامه فكلما تترقي في العدد لايمكنك الوصول الي ذلك الواحد و هو امام كل عدد قال عليه السلام تدلج بين يدي المدلج من خلقك فالواحد عاد العدد و لاينتهي الي امد الي الابد و ذلك الواحد الساري في كل العدد من الاعداد الكونية و الذاتية و الصفتية و المقدارية و الغير المقدارية من المتصلة و المنفصلة من جهة حدوثه و امكانه له شؤن و اطوار و درجات و مقامات و له فيها اوطار و تلك الشؤن و الاطوار لها مقامان مقام ظهور عيني كوني [ص 206] مشروح العلل مبين الاسباب ظاهرا بالكثرات خارجا عن طور الوحدة بكثرة الاضافات و القرانات و مقام ظهور غيبي استجناني اي استجنان الاستعداد ( الاعداد خ ) و الصلوح لا الشجرة في النواة ظاهرا بالوحدة بتكثر الاسماء و الصفات فان الاسماء و الصفات لاينبئان الا عن الذات و هذا الامر الواحد الساري في الشئون و الاطوار هو البحر عند اهل الاسرار و الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار كما دلت عليه الاخبار و شهد له صحيح الاعتبار و هو بحر حال ذوبانه و جبل حال انجماده نور في وحدته و ظلمة في كثرته نار في ظهور مبدأه و لحاظ حرارة تعينه و ماء في كينونته و بحر لامواجه او للواقف بساحله او للسابح في لجته او للصدف في قعره او لبعده في عمقه و عدم وصول المحاول اليه و غرقه او لحمله متاع غيره بسفينة ارتباطه و هكذا من ملاحظة الاطوار و الاوطار قال الشاعر :

انظر الي العرش علي مائه سفينة تجري باسمائه

و اعجب له من مركب دائر قد اودع الخلق باحشائه

يسبح في لج بلا ساحل في جندل الغيب و ظلمائه

و موجه احوال عشاقه و ريحه انفاس ابنائه

فلو تراه بالوري سائرا من الف الخط الي يائه

و مرجع العود الي بدئه و لا نهايات لابدائه

يكور الليل علي صبحه و صبحه يفني باسمائه

و هذا المعني الجامع هو المحصل من مفاهيم الفاظ اخبار اهل البيت عليهم السلام و اما في الحقيقة فليس لاطلاقه في اغلب المواضع حقيقة [ص 207] جامعة فيكون الاشتراك بين تلك المواضع و الموارد في اللفظ لا الحقيقة و لاتسمع الي ما يقولون من ان الاشتراك خلاف الاصل فيجب الحمل علي الماء الكثير المالح لان المجاز لايتصور قبل الوضع و الوضع لايتصور قبل حصول المعني الموضوع له و لا شك ان تلك المعاني التي اطلق عليها لفظ البحر و الماء قبل خلق السموات و الارض فيكون بحار السموات و الارض كلها تابعة لتلك الابحر و تأبي الحكمة الالهية ان يجعل التابع متبوعا في اللفظ فان الالفاظ صفات الكينونات فيجري علي طبقها لئلاتتناقض احكام الله و تختلف و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فاوسع البحار و اشملها و اعمها و اكثرها هو العمق الاكبر بحر الامكان و هذا بحر لا ساحل له و لا نهاية له و لا بداية له يجري من عين الرحمة الواسعة الي ما لا نهاية ثم بعده شمولا و احاطة بحر الوجود و الماء الذي كان العرش عليه و الماء الذي منه كل شئ حي و هو بحر الصاد و اول المداد مجراه في الفؤاد بلا نفاد و هكذا في المراتب من البحر الابيض و البحر الاخضر و الماء الاحمر و البحر الكمد و البحر الاسود و البحر الاشقر و بحر الظلمة التي تحت الحجب و بحر الحيوان الذي فوق السماء السابعة و البحر الذي بين السماء و الارض و البحر المحيط علي الارض و البحر القلزم و البحر الاخضر المسمي ببحر الفارس و هكذا الي آخر البحور التي ذكرها العلماء في كتبهم في هذا الشأن و اشرف البحار و اعظمها و احسنها بل لا بحر سواه هو بحر الاحدية و هو بحر الوجوب و الازل الظاهر في الامكان للممكن و السابح في هذا البحر يسبح الي ما لا نهاية له [ص 208] و لا سفينة له سواه و لا ساحل له غيره و لا ملاح سواه و لا شراع غيره و ذلك البحر هو بحر و سفينة و ملاح و راكب و سائر و مطلوب و مقصود و ساحل يسير به الي ربه في مقامات الامكان فلا نهاية لهذا السير و لا خروج عن هذا البحر و لا بلوغ الي الساحل و لا وصول الي المقصود و لا خروج عن المقصود و هو سبيل الله و لاينقطع السبيل كلما يقطع مسافة يجد بعدها اخري فلا وصول و لا اتصال و لا انفصال و لا اجتماع و لا افتراق سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و هذا البحر ليس هو ذات الله تعالي ربي عن ذلك و انما هو ظهور من ظهوراته لخلقه و هذا البحر هو الذي قال اميرالمؤمنين عليه السلام في الدعاء رب ادخلني في لجة بحر احديتك ، و لا موج لهذا البحر و لا اضطراب و لا اغتشاش و لا حركة و لا خوف و لا سارق و لا التنين و لا الحيتان و لا شئ و انما هو صرف التجلي و ماء الظهور الخالص الصفي و هذا بحر المحبة محل الانس و الشفقة و مقام ايثار المحبوب علي ما سواه و مقام الفرق و الفناء و مقام البقاء و البهاء و مقام سكر المعرفة فلايري السابح في هذه اللجة بحرا ابدا و لايتوهم و انما لشموله و احاطته و سعته يفني كل البحور قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد ثم بعد هذا البحر في الشرف و البهاء و الفخر بحر الوحدانية و هو بحر الواحدية قال اميرالمؤمنين عليه السلام و طمطام يم وحدانيتك و هذا البحر قد تموج بموج الاسماء و ظهرت فيه سفن الصفات و شرعت بشراع المقامات و [ص 209] العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و يسير السائر الراكب في تلك السفن الي انحاء التجليات و ساحل الظهورات و لا نهاية لذلك و هذا اول العدد و صاحب الابد بلا امد مع انه قد صح ان الواحد ليس من العدد ثم بحر القدر و هو بحر زاخر مظلم كالليل الدامس كثير الحيات و الحيتان يعلو مرة و يسفل اخري في قعره شمس تضيئ لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في ملكه و نازعه في سلطانه و باء بغضب من الله و مأويه جهنم و بئس المصير و هذا البحر مادته نهر يجري من تحت جبل الازل الي ما لا نهاية له و لايسبح في هذا البحر بالاصالة احد الا محمد و اهل بيته الطيبون صلي الله عليه و عليهم و ليس معني سباحتهم احاطتهم و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء بل لزيادة التحير في عظمة الله سبحانه لشدة فوران هذا البحر و غليانه فافهم و هذا هو اللجج الغامرة التي لايسبح و لا يسير فيها الا السفن العامرة قال عليه السلام اللهم صل علي محمد و آل‌محمد السفن الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها و يخذل من تركها ، ثم البحور الاثني‌عشر التي تغوص فيها النبي صلي الله عليه و آله في العالم الاول حين استخلصه الله في القدم علي سائر الامم اقامه مقامه في سائر عالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و تلك هي النجوم الاثني‌عشر و البروج الاثني‌عشر و الشهور الاثني‌عشر و حروف لا اله الا الله المنبسطة في اقطار الكون و هم الائمة الاثني‌عشر عليهم سلام [ص 210] الله ابدا و كل واحد منهم سلام الله عليهم بحر قد احاط بشأنه كل الوجودات و لذا نقول ان كل واحد منهم علة مستقلة كلية في الايجاد بالله سبحانه و تعالي و الله من ورائهم محيط عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايشفعون الا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين و معني سباحة النبي صلي الله عليه و آله في هذه الابحر ظهوره فيهم كالعرش الظاهر في الكرسي في البروج الاثني‌عشر و المنازل الاربعة‌عشر النورية ثم البحور الاثني‌عشر او العشرين التي هي وجوه و ظهور هذه الاثني‌عشر عند الامداد و الافاضة و تلك الابحر انما وجدت من نور محمد صلي الله عليه و آله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الله خلق من نور محمد صلي الله عليه و آله عشرين بحرا من نور في كل بحر علوم لايعلمها الا الله سبحانه ثم قال لنور محمد صلي الله عليه و آله انزل في بحر العز ثم في بحر الصبر ثم في بحر الخشوع ثم في بحر التواضع ثم في بحر الرضا ثم في بحر الوفا ثم في بحر الحلم ثم في بحر التقي ثم في بحر الخشية ثم في بحر الانابة ثم في بحر العمل ثم في بحر المزيد ثم في بحر الهدي ثم في بحر الصيانة ثم في بحر الحياء حتي تقلب في عشرين بحرا و هذه الابحر هي جهات العبودية المشار اليها بقوله اياك نعبد اذ العبد المخلص له في كل مقاماته انكسار و انفعال و تسبيح لله عز و جل و ذلك هو البحر الذي يسبح فيه في ذلك المقام فاذا تم الانكسار و الانفعال [ص 211] في كل المراتب و المقامات و الحالات فتصفو طويته عن كل الرذائل و السيئات فتبلغ مرتبة الاكسيرية فيدعو الله باسميه الحي القيوم و يخاطب بخطاب انك لعلي خلق عظيم و لما كان الانسان قد خلق من عشر قبضات في الظاهر و الباطن و الغيب و الشهادة فيكون له عشرون مقاما و لما كان في كل مقام له حال ذل و مسكنة بالنسبة اليه فتظهر جهة الحق فيه فيتسع المقام بظهور القادر العلام فيكون بحرا واسعا و طمطاما بالغا فيؤثر في غيره و يصفي بفاضل نوره و لذا قال عليه السلام فلما خرج من آخر الابحر قال الله تعالي يا حبيبي و يا سيد رسلي و يا اول مخلوقاتي و آخر رسلي انت الشفيع يوم الحشر ( المحشر خ ) فخر النور ساجدا ثم قام فقطرت منه قطرات كان عددها مائة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق الله من كل قطرة من نوره نبيا من الانبياء فلما تكاملت الانوار صارت تطوف حول نور محمد صلي الله عليه و آله كما يطوف الحجاج حول بيت الله الحديث ، ثم البحور السبعة التي اشار الحق سبحانه في كتابه المجيد قل لو كان في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله و هذه الابحر هي التي يسبح الخلق فيها علي اختلاف مراتبهم و مقاماتهم علي اختلاف مراتبها و مقاماتها و في كل بحر للسابحين تسبيح فالبحر الاول هو البحر الابيض و الماء الابيض الذي في قرب الجزيرة الخضراء بلاد القائم عليه السلام في المغرب و في هذا البحر يسبح الله سبحانه بقوله سبوح قدوس ربنا و رب الملائكة و الروح و سبحان الله ذي العزة و الجبروت و البحر الثاني بحر الرقائق و الماء الاصفر الذي لونه تسر الناظرين و في هذا البحر يسبح الله سبحانه بقوله سبحان ذي العظمة و الجلال و البحر الثالث [ص 212] البحر المحيط و القلزم المواج الذي يصعد باللئالي التي تحته و يلقي في اطرافه بحر كثير الموج و شديد الزلزال قد غرقت فيه سفن كثيرة و له جزيرتان احديهما في المغرب و هي الجزيرة الخضراء التي فيها اولاد القائم عليه السلام و الاخري في المشرق المكان الذي اغرق الله فيه فرعون و جنوده و مراكبه و هو من الخاسرين و في هذا البحر يسبح الله بقوله سبحان ذي القدرة و الملكوت و البحر الرابع بحر القوة و الاستعداد و مقام الرجوع الي الطين و هو بحر شديد الحمرة و في هذا البحر يسبح الله تعالي بقوله سبحان ذي الغلبة و القهر لا اله الا هو له الملك و اليه يرجعون و البحر الخامس بحر الهيولي و لجة الهباء و الماء الكمد و كل لئاليه زبرجد و في هذا البحر يسبح الله تعالي بقوله سبحان ذي القوة و السلطان و البحر السادس البحر الاخضر المائل الي السواد و في هذا البحر يسبح الله تعالي بقوله سبحان من خلق فسوي و قدر فهدي و البحر السابع البحر الاسود كالليل الدامس و هو القلزم الاعظم و في هذا البحر يسبح الله بقوله سبحان من خلق و برأ و قدر و قضي و امضي سبحان ذي الملك و الملكوت و هذا البحر بين السماء و الارض بل هو البحر الذي كان رتقا ففتق الله سبحانه من السموات و الارض بدخانه و زبده و من هذا البحر تشعب بحور كثيرة كبحر الحيوان و بحر الظلمة و البحر الذي بين السماء و الارض و بحار الارض كالمحيط و غيره مما تشعب منه كما هو مذكور في كتب القوم ثم البحور السبعة التي اشار اليها مولينا الكاظم عليه السلام في تفسير قوله تعالي كما تقدم انها عين اليمين و عين الكبريت و عين ابرهوت و عين الطبرية و جمة ماسيدان و جمة ناجروان و في نسخة [ص 213] بلعوران و عين افريقية الحديث ، و هذه الابحر هي الروابط و الوحدة الرابطية كما ان الاصول تنقسم الي سبعة لظهور الكمال كذلك الروابط و المناسبات و الحدود الشخصية المجتمعة و بيان ذلك مجملا ان الوجود في نفسه واحد ينقسم باعتبار قربه من المفيض و بعده و باعتبار قابلياته الي اقسام سبعة اشارة الي كماله في نفس انقسامه الي العدد الكامل و هذه الخمسة العيون و الجمتان مختلفان فطيب بارد كعين اليمين و خبيث منتن اسود حار كعين ابرهوت و مختلط بين الحار و البارد فاذا اخذ كان الجميع باردا كعين الطبرية و بين الجاري كالعيون و الراكد كالجمتين و في المركبات الجسمية كعين الكبريت و غيرها و كل ذلك اشارة الي اقسام الوجود و انقسامه يعني ان الوجود المقيد ثقيله و خفيفه و كثيفه و لطيفه لو كان مدادا للكلمات و حصر فضائلها لنفدت قبل ان تنفد الكلمات عليهم السلام هكذا ذكره شيخنا الاستاد اطال الله ظلاله علي رؤس العباد و هو كما قال سلمه الله و اما معرفة تفاصيل هذه الابحر فيحتاج الي معرفة تلك البلدان و طبايعها و احوالها و الكواكب المربية لها و معرفة عرضها و طولها و حرها و بردها و مقتضيات خواصها و قرانات اوضاعها و طبايع احوالها و اشخاصها و لم‌يحضرني الآن تلك الاحوال و علي الله قصد السبيل ثم الابحر الاربعة و هي الانهار الاربعة كما ذكر الله عز و جل في كتابه العزيز الاول الماء الغير الآسن و هو الجاري من ميم بسم و هذا الماء يجري تحت الحجاب الابيض الاعلي في عالم الوجود المطلق النازل بظهوره الذي هو اثره في اول رتبة الوجود [ص 214] المقيد النازل بظهوره الي ريح الصبا المستكن المستجن في الركن اليماني و عنده مجمع الرياح الثاني اللبن الذي لم‌يتغير طعمه و هو الحجاب الاصفر النور الاصفر المشرق من صبح الازل عند ظهور الصبح و اسفاره و تبين الحمرة و هو النازل بظهوره في ثاني رتبة الوجود المقيد رتبة البراق مركب النبي صلي الله عليه و آله عند عروجه الي عالم القدس و مقام الانس الآخذ بزمامه اسرافيل النازل بظهوره الي ريح الجنوب المستكن المستجن في الركن العراقي من الكعبة شرفها الله تعالي الثالث الخمر الذي هو لذة للشاربين و هو الجاري من ميم الرحمن تحت الحجاب الاخضر في عالم الوجود المطلق مقام القدر و الهندسة الايجادية النازل بظهوره و اثره الي النور الاخضر المشرق من صبح الازل الذي هو القدر من عالم الامر و هو اللوح المنشور بين يدي عزرائيل النازل بظهوره الي ريح الشمال المستجن في الركن الشامي من الكعبة عظمها الله تعالي ظاهرا و باطنا الرابع العسل المصفي و هو النابع الجاري من ميم الرحيم تحت الحجاب الاحمر في عالم الوجود المطلق مقام القضاء و التركيب و الالزام النازل بظهوره الي رابع رتبة الوجود المقيد و هو النور الاحمر المشرق من صبح الازل الذي هو نفس الوجود المطلق النازل بظهوره الي ريح الدبور المستكن المستجن في الركن المغربي ( الغربي خ ) و الواقف عليه جبرائيل رسول الله الي انبيائه و هذا معني قوله عز و جل مثل الجنة التي وعد المتقون [ص 215] فيها انهار من ماء غير آسن و انهار من لبن لم‌يتغير طعمه و انهار من خمر لذة للشاربين و انهار من عسل مصفي و لهم فيها من كل الثمرات و مغفرة من ربهم و انما اشير الي الاول بالماء الغير الآسن لانه بحر الحيوة و هو الرحمة قال تعالي انظروا الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها و هو الماء الذي به كل شئ حي و الي الثاني باللبن لانه مادة الحيوة و طارد الممات و هو البقرة الصفراء التي فاقع لونها تسر الناظرين قال الله عز و جل فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتي لعلكم تعقلون و اللبن اسرع الاشياء الي الاستحالة بالنطفة و الظاهر طبق الباطن و الصورة مثال الحقيقة فافهم و الي الثالث بالخمر لانه مقام السكر و حالة الاضطجاع و الكسالة قال تعالي لاتقربوا الصلوة و انتم سكاري حتي تعلموا ما تقولون و قال تعالي و لايأتون الصلوة الا و هم كسالي و هناك مقام الكثرة الحاجبة عن الوحدة و مشاهدة جمالها و جلالها فيظهر مقتضاها ان عمل فيها بمقتضاها في دار الآخرة من غير ما يترتب عليها مقتضاها الدنيوية فاشار بالظاهر الي الباطن فافهم و الي الرابع بالعسل لانه حار يابس طبع النار نار الطبيعة المهيجة للاشواق الساكنة قال تعالي فيه بالطف اشارة للمؤمن الممتحن و اوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و مما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف الوانه فيه شفاء للناس ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون و الابحر الثلثة الاول بحر النور و هو عالم السرور عالم الجبروت و حجاب اللاهوت و خزانة الحي [ص 216] الذي لايموت و هو اول العدد و صاحب الابد روحه نسخة الاحدية في اللاهوت و جسده صورة معاني الملك و الملكوت و قلبه خزانة الحي الذي لايموت طاوس الكبرياء و حمامة الجبروت كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام الثاني بحر الظلمة و هو ظاهر اسم ذلك البحر و باب ذلك السور قال تعالي فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب اذلة علي المؤمنين و اعزة علي الكافرين و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و في الزيارة السلام علي رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار الاتري كوكب زحل فانهم حكموا له بالسواد المائل الي الحمرة و هو كذلك و قالوا انه نحس اكبر و دلت اخبارنا بانه كوكب اميرالمؤمنين عليه السلام و هو النجم الثاقب يأمر بالورع و التزهد و لبس الخشن الثالث بحر النار و هو مهيج الاشواق و راعي الاذواق و مملي الآفاق بالاشراق و لايخاف في الله لومة لائم لشدة حرارة المحبة الغريزية و النائرة الطبيعية و لذا ظهر بالحمرة عند وفاته صلي الله عليه و آله ظهرت له الحمرة في آفاق السماء و اعناق الهواء فاحرق بتلك النار الرطوبات و اليبوسات الفضلية العارضية و هيج حرارة الشوق في الرطوبة الذاتية السليمة المعتدلة فاخذت تلك بالنضج و تلك بالاحراق الي ان يتم النضج و يحترق الاكدار فهناك تظهر شمسا مضيئة تستأهل اراضي القلوب لاشراقها و لاتطلب احتجابها بالسحب و الليل فينادي منادي الحق الا ان الحق مع علي و اصحابه من دون النداء الثاني لاحتراق [ص 217] النداء و المنادي قال عليه السلام علي ما رواه علي بن مهزيار في تفسيره في قوله تعالي سئل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج تعرج اليه في يوم كان مقداره خمسين‌الف سنة فاصبر صبرا جميلا انهم يرونه بعيدا و نراه قريبا قال عليه السلام انه هو القائم عليه السلام و هو الغاشية في قوله عز و جل هل اتيك حديث الغاشية و التفسير الآخر لهذه البحور الثلاثة فاعلم ان بحر النور هو الحق لانه من بحر الصاد و النون و المزن و هذا الماء نور في القلوب و شفاء للصدور و بحر الظلمة هو الباطل لانه عكسه و ضده و خلافه قال عليه السلام الرشد في خلافهم و بحر النار هو الامران المتضادان المتعاكسان احدهما النار التي بها تنضج ثمار الجنة و هي نار الشجرة في قوله تعالي و لو لم‌تمسسه نار و ثانيهما نار الله التي تطلع علي الافئدة قال الله تعالي و ما ادريك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع علي الافئدة انها عليهم مؤصدة في عمد ممددة و البحران قال تعالي هو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح اجاج و جعل بينهما برزخا و حجرا محجورا و قال ايضا سبحانه و تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان الاول البحر العذب و هو ماء الوجود لانه نور الله سبحانه قال عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال مولينا الصادق عليه السلام في تفسيره اي من نوره الذي خلق منه ه‍ ، و هو الوجود لان الله عز و جل خلق الاشياء منه و هو نور الله لانه متعلق الجعل الذاتي و هو كالحديدة المحماة و هو بحر حقيقة لذوبانه و سريانه [ص 218] في كل امواجه و حدود تعيناته و الثاني بحر الماهية و هو بحر الانية مقام الصورة و هو ملح اجاج لانه في سجين بل تحته و هو الطمطام فلايسوغ شربه و هذان البحران مختلطان في غاية الاختلاط بحيث يصدق علي المجموع اسم واحد لكن بينهما برزخ و حاجز من قدرة الله سبحانه يمنعهما عن استهلاك احدهما في الآخر بل هما باقيان بفعلهما و تأثيرهما و مقتضياتهما و خواصهما و احوالهما ( افعالهما خ ) كما كان قبل الاختلاط و هذا كمال القدرة و بالغ الحكمة اماتري الرجل فانه مرة يعصي و الاخري يطيع فلو كان البحران فيه ممزوجين مختلطين وجب ان يصدر عنه امر ثالث لا طاعة و لا معصية كسائر المركبات و لو لم‌يكونا مختلطين ممزوجين وجب ان لايصدق عليهما في حال التركيب اسم واحد فصح المزج و الاختلاط من غير استهلاك و امتزاج و هذا شأن البرزخ و كل الوجود يدور علي هذين البحرين و لم‌يخرج منهما شئ و هما الزوجان في قوله عز و جل و من كل شئ خلقنا زوجين و قولهم كل ممكن زوج تركيبي فمن خرج عنهما فني و لحق بالبحر الاعظم و هناك ايضا رائحة منهما و قال الله تعالي في سورة الرحمن مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان الآية ، و فسر في الاخبار ان البحرين الملتقيين هما علي و فاطمة صلي الله عليهما و البرزخ بينهما هو رسول الله صلي الله عليه و آله و اللؤلؤ و المرجان الخارجان من هذين البحرين الحسن و الحسين سيدا شباب اهل الجنة صلي الله عليهما و علي جدهما و ابيهما و امهما و ابنائهما فعلي عليه السلام بحر [ص 219] الولاية و فاطمة عليها السلام بحر وعاء الحكمة و رسول الله صلي الله عليه و آله بحر النبوة قد ظهرت المراتب كلها في الحسن و الحسين عليهما السلام كما يشهد عليهما اسمهما الشريف كما نذكره ان شاء الله تعالي فيما بعد ثم البحر الواحد و هو بحر الصاد و اول المداد و هو البحر الذي توضأ منه رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة عرج فيها الي المعراج و صلي صلوة الظهر و هو دليل علي ان هذا البحر هو مبدأ الوجود و علة الموجود و هو الماء الذي كان عرش الرحمن عليه قال تعالي و كان عرشه علي الماء و هو الماء الذي يسقي به جنان الصاقورة و قد سئل اميرالمؤمنين عليه السلام كم بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض قال عليه السلام اتحسن ان تحسب قال بلي قال عليه السلام اخاف ان لاتحسن قال بلي قال عليه السلام لو صب خردل بحيث ملأ الفضاء و سد ما بين الارض و السماء ثم لو عمرت مع ضعفك ان تنقل حبة حبة من المشرق الي المغرب لكان ذلك اقل من جزء من مائة‌الف جزء من رأس الشعير مما بقي العرش علي الماء قبل خلق السموات و الارض و استغفر الله عن التحديد بالقليل ، فكان الوجود باسره قد تشعب عن ذلك البحر و هو امر الله الذي قام به كل شئ فكل البحار خلجان من هذا البحر الواحد و هو ماء يجري من تحت جبل الازل الي ما لا نهاية له قال تعالي ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و اعلم ان اطلاقات البحار في اخبار الائمة الاطهار و كذا في كلام الله كثيرة و يريدون بها ما اشرنا اليه بالنوع بالاجمال و لو اردنا شرح ذلك كله لضاقت الدفاتر الا ان الذي له ادني تأمل يعرف [ص 220] النوع مما ذكرنا و يحمل عليه ما لم‌نذكر و اطلاق البحر علي المراتب المذكورة و المقامات المسطورة ليس علي سبيل المجاز كما يتوهمون و انما هو علي سبيل الحقيقة الا ان في بعض الموارد كاطلاق الكلي علي افراده من حيث انه كلي و في المواضع الاخر علي سبيل الحقيقة بعد الحقيقة و قد اشرنا في اول الكلام الي ذلك فراجع تفهم و لكن الذين ماانسوا بالعوالم الاخر و لاسمعوا منها رسما و اسما و لا خبرا مايتبادر عندهم البحر الا علي مجمع المياه الكثيرة كما هو المعروف عندهم حتي حملوا قوله عليه السلام ان البحر الذي بين السماء و الارض علي مثل هذا البحر الماء الجسم الثقيل السيال و لعمري لو كان الامر كما يقولون لوجب ان لايستقر ذلك البحر هناك و يلزم بذلك الطفرة اذ كل ثقيل يميل الي مركزه و هو الارض و قد وقع النص عن مولينا الصادق (ع) بذلك في جوابه لاسولة ذلك الزنديق علي ما في الاحتجاج و لما كان الامر كذلك احببت ان اورد حقيقة هذه البحار الموجودة في الارض من المحيط و غيره و اصل منشأها و مبدأها و وجه كون مياهها مالحة و حقيقة المد و الجزر علي جهة الاجمال و الاختصار ، فاقول اعلم ان الشئ له جهتان و حالتان و هما وسم جميع المخلوقات حالة و جهة ينظر بها الي مبدئه و الجهة الثانية ينظر بها الي قابليته و له مقامان مقام بساطة و مقام تركيب و التركيب مرتان الاولي لذكر المركب و صلوحه و الثانية لتمام التركيب و التشخيص و التعيين و الاولي يحتاج الي رطوبة تامة زائدة مع البرودة و اليبوسة و الثانية الي نصف الاولي كما [ص 221] هو مبرهن في العلم الطبيعي و اشرنا اليه ايضا فيما تقدم و قد علمت فيما ذكرنا سابقا ان الحل يحتاج الي اجزاء يابسة لطيفة في غاية اللطافة و تكون صاعدة الي جهة المبدأ لتتحقق المقابلة و كذلك و الي اجزاء رطبة لطيفة و تكون صاعدة ايضا و الا فلايتكون ذلك الشئ كما قال مولينا علي بن الحسين عليهما السلام و انك لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك ، فوجب قطع الآمال لتحصيل المقابلة و يرتفع الحجاب و هو معني الصعود في كل عالم بحسبه فان الآمال اذا ارتفعت خفت جهة الانية و الخفة تقتضي الصعود الي العلو و قد قلنا سابقا ان هذه الكرات الاربعة اعني النار و الهواء و الماء و التراب اجزاء وجود الشئ و بسائط مركباته و ان الارض هي اليبوسة الحافظة الماسكة لاثر الفاعل و ان الماء هو الرطوبة المائلة القابلة و ان الهواء هي الرطوبة الهابطة الواقفة و النار هي الحرارة الهابطة الحافظة لتأثير الفاعل فباجتماع هذه الاربعة يتكون الشئ و لا شك ان الاجتماع لايكون الا بالمناسبة فوجب ان يكون للنار رابطة ثقل و للارض رابطة خفة و للماء رابطة حرارة و للهواء رابطة يبوسة فلو كان كل شئ في مكانه لم‌تتحقق الرابطة لانها لاتحصل الا بالسير و السفر و الميل الي الآخر فوجب ان يكون للارض صعود لتلحق الحرارة في تكون الشئ لتمام قابليته لا لتمكين القابلية فان الحرارة تقع عليها اولا حتي تمكنها من قبول اثرها لحصول المناسبة بينهما و الفرق في المقامين ظاهر ان شاء الله و لا شك ان هذه العناصر لترتبها في الوجود مترتبة الوجود فيكون العالي محيطا بالسافل احاطة حقيقية فيكون [ص 222] سطح محدب كل منها مماسا لسطح مقعر الاعلي علي مقتضي الكون و الايجاد لكن لو كان الامر كذلك كليا لم‌يحصل النظام كليا من جهة الاسباب و حكم الله علي الاشياء كذلك و الا فهو القادر علي ما يشاء كما يشاء بما يشاء لما يشاء مما يشاء علي ما يشاء لايسئل عن فعله و لاينازع في ملكه و لايضاد في حكمه لا اله الا هو العلي الكبير و لما اجري سبحانه عادته ان يجري الاشياء علي نهج الاسباب ليتم كمال الصنع و يظهر تمام الحكمة قلنا ان ذلك لايكون لان الماء لو كان محيطا علي الارض بكلها لم‌يصعد من الارض شئ لان الماء بنفسه ثقيل لا يميل الا الي اسفل ( السفل خ ) و كذا الارض و انما هو اثقل من الماء فلو كانت تحت الارض ماامكن لها الصعود لان الصعود لايكون الا بمعين خارجي فان طبعها الظاهري يقتضي النزول و ذلك المعين لايجوز ان يكون ماء لما هو المعلوم و لا هواء لمكان رطوبته المناسبة لرطوبتهما و المقوية لهما فلاتقاوم الحرارة وحدها فوجب ان يكون هو النار و لما كانت هذه العناصر اجساما و التأثير الجسمي لايكون الا بالمحاذات و المقابلة فاذا كانت تحت الماء المانع المخالف بطبعه لطبع النار لم لاتحصل المقابلة و صعود الابخرة المائية من دون الاجزاء اليابسة ما ينفع اذ العقد لايكون الا باليبوسة و لاتنعقد اليبوسة الا اذا مازجها الحرارة و الرطوبة و لاتمازجها الا اذا قابلتها فاقتضت الحكمة الالهية و الولاية الربانية ان يكون جزء من الارض بارزا ظاهرا لتقع عليها اشعة الشمس و القمر فترطبها اشعة القمر و تيبسها اشعة الشمس ثم تلطفها بكر الليل و النهار حتي تخف عنها الكثافات و العوارض فناسب [ص 223] المبادي العالية فانجذبت اليها و صعدت لديها فتنعقد في الجو سحابا مكفهرا باختلاطها مع الاجزاء البخارية الباردة الرطبة مع اختلاطها بالاجزاء الهوائية الحارة الرطبة مع تكرر وقوع الشعلات النارية عليها فاذا وجب بروز الارض علي خلاف مقتضي الطبيعة الاولية و وفاق مقتضي الطبيعة الايجادية لايجوز ان يكون البروز كليا لان الضرورات انما تتقدر بقدرها و لانه يستلزم تكثر اليبوسة و هو مناف للانعقاد و الانحلال كما بينا في مباحثاتنا فوجب ان يكون جزءا يسيرا من الارض فيكون الماء محيطا علي الارض بكلها الا المقدار الظاهر منها و هو البحر المحيط ثم لما كانت القابلية تحتاج الي رطوبة زائدة لتكثر الحل و الربط و الميل في الصورة التي هي القابلية اقتضت الحكمة الالهية ان يكون القمر بفلكه الجوزهر آخر الافلاك و اقربها الي الارض و القوابل السافلة لكونه مدبرا للحيوة فيفيض عليها البرودة و الرطوبة جبرا لكسر ما ظهر من الارض من اليبوسة فان الاحتياج الي اليبوسة في الحل الاول انما هو قليل فلانت الارض اليابسة بتكرر الرطوبات النازلة من صفة الرحمن الظاهرة في القمر و نعمت و صلحت و تخللت فيها باعانة ذوبان الشمس فاحاطت بظاهرها و باطنها و لما كانت الحاجة الي الرطوبة اكثر و القمر دائما يؤثر بامر الله بالملائكة الموكلين به برئيسهم الذي هو اسمعيل الرطوبة في الارض بالشمس التي هي امر الله سبحانه لتليين الارض و اصلاحها و لزيادة الرطوبة عند الحل الاول و الثاني و عند تحقق صورة التركيب و من جهة اتصال تلك الرطوبات بالاجزاء الارضية انعقدت المياه و تفجرت العيون اذا تخللت [ص 224] الابخرة في الارض و اصابها برد هناك و كانت مسام الارض مفتوحة فلما كان القمر دائم الفيضان كثرت المياه الظاهرة من جهة الاخلاط و لما كان ذلك يستلزم اجتماع المياه علي وجه الارض لكثرة الرطوبات و ذلك يبطل فائدة ابراز الارض و لم‌تكن الارض مهادا خلق الله سبحانه الرياح و جعل مهب الشمال ارفع من مهب الجنوب لينحدر الماء عن وجه الارض و يجعلها في جهة من الجهات و طرف من الاطراف علي حسب اقتضاء الحكمة التي لو شرحنا بعض ما ظهر لنا يطول به الكلام فاجتمعت المياه كلها او اكثرها في جهة دون الاخري و تراكمت و تكاثفت و تزايدت باتصال العيون و الانهار و تكثر البخار من الاعلي و الاسفل و اعانة الامطار و الثلوج و السيول و اشباه ذلك مع الرطوبة النازلة الدائمة القمرية و مجمع تلك المياه هو البحر الجسماني المائي و قد قال مولينا و امامنا الصادق (ع) و من تدبير الحكيم ان مهب الشمال ارفع من مهب الجنوب لينحدر الماء عن وجه الارض فيسقيها و يرويها ثم يفيض آخر ذلك الي البحر كما يرفع احد جانبي السطح و يخفض الآخر لينحدر الماء عنه و لولا ذلك لبقي الماء متحيرا علي وجه الارض فكان يمنع الناس من اعتمالها و يقطع الطرق و المسالك الحديث ، فلما انعقدت البحار فاختلفت بالقلة و الكثرة و العظم و الصغر فاختلفت باتصالها بالمحيط و عدمه و لما كان صنع الحكيم تعالي شأنه لايخلو من فائدة و حكمة اذ كلما تفرض انه شئ وجبت فيه المصلحة و هي تامة في مقامها و رتبتها و ان تفاوتت بعضها بالنسبة الي الآخر جعل الله سبحانه قطعة من الجبل الذي اندك لتجلي [ص 225] الرب علي موسي علي ذلك الجبل و جعل هباء منبثا فامتزج بماء البحر حاملا لحرارة اشراق شمس التجلي الظاهر بهذه الشمس الظاهرة و استجنت تلك الحرارة في تلك الاجزاء و اختلطت و امتزجت بالبحر و هو الماء الخالص فغلبت الرطوبة علي ظاهرها فحدثت في الماء الملوحة و لذا كان ماء البحر مالحا و لذا كان الملح ابيض في الصورة و الظاهر و لاينعقد الا في الاراضي الرطبة و يذيب اذا اصابته الرطوبة و يجمد اذا اصابته الحرارة و لما كان الماء قد غلب علي تلك الاجزاء اليابسة و الحرارة النارية من الشمس الاصلية و الفرعية بقي طعم الملح لا جرمه و خاصيته علي مقدارها لا حقيقته فتكون بذلك ( ذلك خ ) بامر الله سبحانه بالملائكة الموكلين علي البحار الحيوانات البحرية بانواعها و اقسامها فعرض عليهم ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و اولاده الطيبين الطاهرين و فاطمة الصديقة الطاهرة عليها و عليهم صلوات الله ما دامت الدنيا و الآخرة فصارت تلك الحيوانات بقبولهم لها و عدمه مختلفي المراتب و المقامات في الحلية و الحرمة و المنفعة و المضرة و الحسن و القبح و حسن الصورة و قبحها و طيب الخلقة و رديها قال رسول الله صلي الله عليه و آله مااختلف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي و لاتستغرب عن تكليف حيوانات البحر لطاعتهم فانه قد ورد عنهم بما لايسع لاحد انكاره ان الاعراض مكلف ( مكلفة خ ) بطاعتهم و قصة الحسين عليه السلام مع الحمي حيث خاطبها و قال يا كباسة فسمع الحاضرون الصوت و لم‌يروا الشخص يقول لبيك قال عليه السلام الم‌يأمرك اميرالمؤمنين عليه السلام ان لاتقربي الا عدوا او مذنبا [ص 226] لتكوني كفارة لذنوبه فما بال هذا الرجل مشهور و يأتي تحقيق هذا الكلام ان شاء الله الرحمن و بالجملة لهذا السر اختلفت مراتب الحيوانات البحرية في الطبيعة ايضا و كذلك اللئالي المتكونة ( المكنونة خ ) في الاصداف و المرجان النابت في قعر البحر و سائر المعادن مما غلبت عليهم الرطوبة قال تعالي و من كل تأكلون لحما طريا و تستخرجون حلية تلبسونها ، ان قلت ان الاجزاء الهبائية الحاملة لحرارة الشمس لا شك انها في العيون و الانهار موجودة و الغلبة للماء ظاهرة فلم لم‌يكن طعمها مالحا قلت اني ( قد خ ) قلت لك ان تلك الاجزاء من اجزاء الجبل المندك كما عن اميرالمؤمنين عليه السلام حين سأله ابنه محمد بن الحنفية عن الغبار الظاهر في الكوة و الرواشن اذا اشرقت عليها الشمس قال عليه السلام ما معناه ان الجبل الذي اندك عند تجلي الرب لموسي صارت اربع قطع الاولي انبثت في الجو فصارت ما تري من الهباء و الثانية وقعت في البحر فصارت غذاء للحيوانات البحرية و الثالثة ساخت الي الارض و هو ( هي خ ) تهوي و الرابعة بقيت علي وجه الارض ه‍ ، بابي هو و امي قد جمع في هذه الكلمات كل الحكم و الارشادات و جعل لشيعته المفر و المخلص في كل الشبهات فلله الحمد و له الشكر علي هدايتنا لدينه و التوفيق للتمسك بحبله و الاستمساك بعروته الوثقي التي لا انفصام لها فان ابيت الا الكلام الظاهري في الجواب قلت ان الاجزاء المختلطة بالعيون و الانهار اذا لم‌تجر علي الارض السبخة او ارض الكبريت قليلة سيما اذا كانت جارية متجددة دائمة فان الجريان و السير و السفر يلطف البنية و يذهب الكثافة و يقرب الاشياء الي اصولها [ص 227] و مباديها مع ما لحقت تلك الاجزاء من البرودة الهوائية العرضية و المائية و الارضية الجوهريتان و اما البحر فهو راكد واقف فالمزج فيه اكثر الاتري الماء اذا كان راكدا في حوض او غير ذلك كيف يغلظ بعد كم يوم سيما اذا كان مكشوف الرأس و ان لم‌يتفاوت الحال الا انه في تلك الحالة تقع الاجزاء الهبائية فيه اكثر لان تلك اجزاء ( الاجزاء خ ) ارضية انما صعدت بتلطيف الشمس بتخفيفها ( بتجفيفها خ ) فاذا حازت الماء و البخار اللطيف المتصاعد عن وجهه تتصل تلك الاجزاء بذلك البخار و تتثاقل و تميل الي المركز فتقع علي الماء فكلما كان الماء اكثر كان الوقوع اكثر فان كان الماء جاريا تنزل تلك الاجزاء الي الارض و تلحق بالمركز و يبقي وجه الماء صافيا و ان كان واقفا تختلط به فتغلظ فتعفن ( فتتعفن خ ) و يحصل منها رائحة منتنة لكونها في ذلك الحين ميتة مسترخية لانقطاع روح الحيوة التي هي الحرارة عنها و اما اذا كان الماء متحركا متموجا في مكانه يصعد بما في قعره الي وجهه و ينزل بما في وجهه الي قعره فحينئذ تعود الروح الحيوانية لتلك الاجزاء و هي الحرارة الحاصلة من شدة الحركة فلايزال يشتد في الحركة و التموج و تقع الاجزاء الهبائية و تشرق عليها الشمس و الكواكب الاخر كالمريخ و الزهرة و زحل بباطنه و البروج النارية و القرانات الحارة و كل الاشعة انما هي تستجن في الماء عند محاذاته له ( لها خ ) و مقابلته اياها مع الحركة الباعثة للحرارة مع الاجزاء الهبائية اللطيفة الحاملة للحرارة و مع الاجزاء الارضية الاخري التي يصعد بها من قعر البحر حين الحركة فتستجن الحرارة في تلك الاجزاء الهبائية لانها هي الرابطة و الانفحة و القاضي فتناسب النور ( النار خ ) بيبوستها و تناسب الماء ببرودتها فتقوي تلك الحرارة المستجنة و تغلب الرطوبة الظاهرة فيذهب [ص 228] العفونة و ينعقد ملحا ذائبا فلو استعمله الانسان و باشره بجسده فاذا يبس يجد آثار الملوحة فيه كما جربنا مرارا و اما سر الحركة فباستجنان تلك الاجزاء الحارة باعانة الهواء المناسب لتلك الاجزاء و لذا تري حيتان البحر المالح احلي و الذ و اقوي و اسمن من الحيتان التي تصطاد من الماء العذب و اما سر نتن بعض البحار كبحر الفارس الذي هو البحر الاخضر فهو من جهة قلة تموجه و تحركه كما في بحر القلزم المواج المتحرك فليس فيه الا الملوحة و لا نتن فيه كما جربنا و لما كانت الحيوانات المتولدة من البحر انما هو مددها بعد وجودها من استنشاق الماء كانت لاتعيش في البر لعدم المدد الذي بها قوام اجسادهم و ارواحهم كالحيوانات البرية فانها لاتعيش في الماء لكون مددهم من الهواء و من التراب فدائما يستنشقون من الهواء الممتزج بالهباء فلو كانوا في الماء لماتوا من جهة عدم المدد و لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا كذلك صنع الله ربنا لا اله الا هو و لكل من الحيوانات البحرية خواص ينتفع بها الانسان كما هي مذكورة في كتب الاطباء في باب مفرداتها و مركباتها و في كتاب خواص الحيوان و سائر الكتب فلانطول الكلام بذكرها و اما سر المد و الجزر فان ملكا من الملائكة موكل بالبحار فاذا وضع قدميه فيها يحصل المد و اذا رفعهما يكون جزرا و سبب وضع الملك هو محاذاة القمر فانه يحدث الرطوبات فتكثر الابخرة فتخلخل في ماء البحر فيكون المد فاذا انحرف عن المحاذاة عاد الي ما كان ثم لما كان الله سبحانه تفضلا علي عباده يريد بهم اليسر و لايريد بهم العسر و يريد الله ان يخفف [ص 229] عنهم و خلق الانسان ضعيفا فقصر بهم المسافة و رفع عنهم المؤنة و جعل لهم مراكب في البحر تحمل الثقيل من الامور التي لو كانت علي ظهر الدواب تعسر حملها بل ربما تعذر و جعل لهم رياحا يسير بالمراكب حسب ما قدر لهم من السرعة و البطؤ و الشدة و الراحة هو الذي يسيركم في البر و البحر قال مولينا الصادق عليه السلام في حديث المفضل فان شككت في منفعة هذا الماء الكثير المتراكم في البحار فهو مكتنف ما لايحصي من اصناف السمك و دواب البحر و معدن اللؤلؤ و الياقوت و العنبر و اصناف شتي تستخرج من البحر و في سواحله منابت العود و ضروب من الطيب و العقاقير ثم هو بعد مركب الانسان و محمل لهذه التجارات التي تجلب من البلدان البعيدة كمثل ما يجلب من الصين الي العراق فان هذه التجارات لو لم‌يكن لها محمل الا علي الظهر لبادت و بقيت في بلدانها الحديث ، ثم اعلم ان ما وصفنا لك من احوال البحر و اوضاعه كل ذلك امثال ضربها الله سبحانه لقوم يعقلون و اشارات لقوم يسمعون و ان جميع ما ذكرنا دلالات علي احوال و اوضاع غريبة في عالم الغيب و فيما ذكرنا كفاية لمن له قلب او القي السمع و هو شهيد بشرط ان ينظر ايضا فيما ذكرنا من المعاني الحقيقية التي للبحر تغوص في هذا البحر تستخرج اللئالي التي لا عين رأت و لا اذن سمعت و لاخطر علي قلب بشر و الله خليفتي عليك و اعلم ان مادة كل عالم من العوالم السبعة بحر يتموج بالحدود و الصور و الموج هو شؤنات تلك المادة و ظهوراتها و صورها و [ص 230] اطوارها و احوالها و انفصالها و اتصالها و تفرقها و بينونتها و كلها متقومة بتلك المادة تقوم الموج بالبحر فاذا سكنت غابت الحدود و خفيت عند ظهورها و عاد و انمحت و انعدمت انعدام الجزء في الكل و الفرع في الاصل .