الجزء الاول من شرح الخطبة الطتنجية
من مصنفات السيد الاجل الاوحد الامجد
المرحوم الحاج سيد كاظم الحسيني الرشتي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة الله علي مخالفيهم و ظالميهم اجمعين ابد الآبدين و دهر الداهرين .
اما بعد فيقول العبد الفقير الحقير الفاني الجاني ابن محمدقاسم محمدكاظم الحسيني الرشتي ان بعض السادة الاجلاء النبلاء حرسه الله تعالي عن كل ضراء و لأواء و ايده بصنوف النعماء و الآلاء بمحمد و آله السادة النجباء النقباء عليهم سلام الله ما دامت الارض و السماء قد التمس من الفقير بيان الخطبة الغراء العلية العلوية الموسومة بالطتنجية و كشف رموزها و رفع استارها علي نهج الحقيقة الواقعية الاولية لا الثانوية و كان ذلك امرا منيع الوصال و بعيد المنال لاشتمالها علي اسرار و حقايق و بدايع و معان لميسمح به الافكار و لمتحظ لادراكها الانظار لكونها من اسرار ظهورات ولي الملك الجبار القهار و قد ضل دونها اسرار اولي الاخطار و الذي طفح علينا رشح من قطرة من بحار تلك الانوار كثير منها ليست له عبارة و لماعط بيانا و لا اشارة و منها ما لايمكن بيانه لقول مولينا الصادق عليه السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و منها ما يتوقف بيانه علي ذكر المقدمات الغريبة البعيدة عن الافهام فيجب طيها لقوله عليه السلام لاتتكلم بما تسارع العقول الي انكاره و ان كان عندك اعتذاره و ليس كل ما تسمعه نكرا اوسعته عذرا و منها ما يطول بذكر جميع ما يتوقف عليه الكلام فيخل بالمقام مع ما ظهر [ص 3] في هذه الخطبة الشريفة من الاحوال و الامور الغريبة العجيبة التي كانت مطوية في بواطن القرآن و سائر اخبارهم عليهم السلام بحيث ماتحملها العلماء و طرحوها و امثالها محتجين بانها من وضع الغلاة و حيث كان الامر كذلك تسوفت بالجواب لعلمي بالناس و ما يوسوس في صدورهم الخناس فعاد سلمه الله تعالي في الالتماس و الح في السؤال فاجبت مسألته و التزمت طاعته الا اني آتي بما يسهل بيانه و لايعسر برهانه و اعتذر من البسط في المقال و شرح الحال و ذكر الاحوال لتبلبل البال و تراكم الاعراض و الامراض و انواع الاختلال و الميسور لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و اني امهد قبل الشروع في المقصود مقدمة لتنبيه الغافلين و ارشاد المسترشدين .
مقدمة - اعلم ان العلماء في هذه الخطبة الشريفة و امثالها من الخطب كخطبة البيان و خطبة الافتخار و غيرها و الاخبار كخبر معرفتهم بالنورانية و خبر بيان مقامات المعرفة و غيرها تشعبوا علي اربع شعب :
الاولي - طرحوا هذه الاخبار و اسقطوها عن نظر الاعتبار و قالوا انها اخبار آحاد لاتفيد علما و لا عملا و من قال بحجية الظن المطلق قال و ان استفيد الظن بصحة مضمون هذه الاخبار الا انه لايعول عليه في مثل هذه المطالب و من قال بحجية الخبر الواحد قال ان ذلك هو الخبر الصحيح من العدل الامامي و تلك الاخبار اكثرها ضعيفة سيما الخطب و اغلبها في مشارق الانوار للشيخ رجب البرسي و قد حكم العلماء بغلوه و ما هذا شأنه لا حجية فيه مع ان هذه الاخبار و الخطب تخالفها العقول و فيها رفع الامكان عن مكانه و اثبات الربوبية للمخلوق و استلزام التفويض الذي اطبق [ص 4] الشيعة وفاقا للاخبار الصحيحة الصريحة المحكمة علي بطلانه و تكفير القائل به و مخالفة الكتاب الصريح حيث يقول الله سبحانه هل من خالق غير الله اروني ماذا خلقوا من الارض و هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون و قد دلت الاخبار و شهد صحيح الاعتبار ان الخبر اذا خالف الكتاب المجيد يضرب علي عرض الحائط و قد شاع و ذاع شيوع الغلاة القائلين بالالوهية لاميرالمؤمنين و اولاده الطيبين الطاهرين كالنصيرية و الخطابية و الشلمغانية و امثالهم و اغلب رواة هذه الاخبار هم فثبت ان هذه الخطب ليست من اميرالمؤمنين عليه السلام و لا الاخبار من اولاده المعصومين عليهم سلام الله ابد الآبدين و انما هي من موضوعات الغلاة و المفوضة .
الثانية - توقفوا في تصديقها و تكذيبها حيث رأوا شيوع هذه الاخبار و تكررها و تواردها في كتب الفرقة المحقة و ورود الادعية الكثيرة بمضمونها و الزيارات الواردة عن اهل بيت العصمة و الطهارة و ورود الاخبار الكثيرة بمعناها عن اخبار الثقات ايضا الا ان هنا اخبارا بظاهرها تنفي هذه المضامين و يؤيدها ظواهر بعض الآيات مع ان العقل يقصر عن ادراكها و معرفتها فالتوقف و السكوت فيها اولي لما قالوا عليهم السلام الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات .
الثالثة - تلقوها بالقبول و شهدوا علي حقيتها لكنهم حاولوا معرفتها بالعقول و لميستندوا فيها الي آل الرسول عليهم السلام بباطن دعويهم [ص 5] بلسان اعمالهم و ان ادعوا خلافه بظاهر مقالهم فجروا في بيان هذه الخطب مجري الصوفية الملاحدة القائلين بوحدة الوجود قال الملا محسن في قرة العيون قال بعض العارفين اذا تجلي الله بذاته لاحد يري كل الذوات و الصفات و الافعال متلاشية في اشعة ذاته و صفاته و افعاله و يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها و هي اعضاؤه لايلم بواحد منها شئ الا و هو يراه ملما به و يري ذاته الذات الواحدة و صفته صفتها و فعله فعلها لاستهلاكه بالكلية في عين التوحيد و لما انجذب بصيرة الروح الي مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الاشياء في غلبة نور الذات القديمة و ارتفع التميز بين القدم و الحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق الي ان قال و لعل هذا هو السر في صدور بعض الكلمات الغريبة من مولينا اميرالمؤمنين (ع) في خطبة البيان و في خطبة الموسومة بالطتنجية و غيرها من نظائرهما كقوله (ع) انا آدم الاول انا نوح الاول الي آخر ما قال من امثال ذلك صلوات الله و سلامه عليه انتهي كلامه .
الرابعة - عملوا بمقتضي قوله تعالي فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فاولئك المؤمنون الممتحنون الذين امتحن الله قلوبهم للايمان و شرح صدورهم للاسلام و هم المتبعون لقادة الدين الائمة الهادين الذين يتأدبون بآدابهم و ينهجون نهجهم فهجم بهم العلم علي حقيقة الايمان فاستجابت ارواحهم لقادة العلم و استلانوا من احاديثهم ما استوعر علي [ص 6] غيرهم و انسوا بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون فانقطعوا الي ربهم و حاولوا قراءة الالواح الآفاقية و الانفسية التي قد نقش الله سبحانه فيها جميع اسراره المخزونة في ملكوته و جبروته و لاهوته فعرفوها بتعليم الله سبحانه و تعالي بالسنة اوليائه بعد ما جاهدوا في الله حق جهاده فنظروا في العالم و الكتاب و السنة من غير معاندة و لجاج و لا قاعدة مأخوذة من غير اهل الحق عليهم السلام ليقبلوا ما يوافقها و يتركوا ما يخالفها او يأولوا اليها و لا استيناس بطائفة ليميلوا بقلوبهم اليهم ليمنعهم عن اصابة الواقع بتلون مرآة حقائقهم بلون ذلك الميل بل نظروا الي الكتاب و السنة و الآيات الآفاقية و الانفسية بخالص الفطرة و صافي الطوية طالبي الحق و الصواب من الله سبحانه باهل فصل الخطاب عليهم سلام الله في المبدأ و المآب فقابلت مرايا قلوبهم عالم النور الذي هو وجه الله سبحانه قال تعالي الله نور السموات و الارض فظهرت في قلوبهم صور الحقائق المنتزعة من كتاب الابرار في عليين فنطقوا بالحق و الصواب و هو قوله عز و جل و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و هذه كيفيتها و طريقها فعرفوا الشئ الواحد في مقامات عديدة هي خزائن وجوده قال تعالي و ان من شئ الا عندنا خزائنه فعرفوه في جميع الخزائن و ان قال تعالي و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو لكنه قال تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و قالوا عليهم السلام نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون اذ كلهم محمد (ص) اولهم محمد و آخرهم محمد و اوسطهم محمد صلي الله [ص 7] عليه و عليهم اجمعين و لما كان الشئ الواحد له اطوار و احوال قال تعالي ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا طور الاجمال و طور التفصيل و طور البساطة و طور التركيب و طور التصوير و طور التجريد كما قال عز و جل ما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا و عرفوا كل هذه الاطوار و ما تقتضيه من الاوطار في عالم الانوار بتعليم الائمة الاطهار عليهم سلام الله الملك الجبار صار لايشتبه عليهم شئ في مقام الاختلاف و الكثرة و عدم الايتلاف فيعطون كل ذي حق حقه من الاحكام و ان ظهر بالف طور مختلف اذ عرفوا اللطيفة الواحدة السارية في المجموع فلايحصل عندهم تعارض و لا تناقض و لا تضاد لا في الاكوان و لا في الصفات و لا في الالفاظ و العبارات و لا في اخبار سادة البريات و لا في الآيات من المحكمات و المتشابهات فهم مطمئنوا القلب باردوا الفؤاد بالغوا المراد يعرفون الغريب من القريب و يأخذون الحظ النصيب من المعلي و الرقيب فلايحتاجون الي طرح الاخبار و لا الي اختلاف الانظار و هم الذين قال الله تعالي فيهم فهدي الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه لان اهل البيت سلام الله عليهم علماء حكماء عارفون بمواقع الكلام و لحن الخطاب و لميتكلموا بشئ الا جعلوا فيه من تسديدهم قرينة تنفيه او تثبته و الا لميكونوا حجة بالغة و القول بانهم يتكلمون بلسان قومهم و ماجرت عادة العرب علي نصب القرينة في كل مقالاتهم و لايمكن لكل احد معرفة القرينة لو فرض وجودها باطل لانهم مايتركون نصب القرينة الا اذا عجزوا عن ذلك و الا فمهما يمكنهم لايتركونها و هو معلوم بديهي لكل [ص 8] عاقل و اما عدم الفهم فانما يتصور اذا لميمكنه ان يجري كلماته علي نهج واحد و طور متسق فيختلف في المقال فتختل معرفة كلامه و اما الذي يقدر علي ان يجري كلماته علي اختلافها علي نظم محكم متقن مضبوط متسق يتميز مقاله عن غيره لمن عرف السياق و نظم الكلام فلايترك ذلك و انما يتكلم كذلك البتة الاتري القرآن فانه علي نظم و سياق محكم مضبوط لايشتبه غيره لمن عرفه و قرأه و واظب عليه و لا ريب ان الامام عليه السلام يقدر ان يجري كلامه كما ذكرنا فلايشتبه بكلام غيره فلايضره دس الداسين و افتراء المفترين اذ في كلامهم سلام الله عليهم قرائن صدق علي حقيته و في كلام غيرهم قرائن صدق علي بطلانه الاتري الي الذين ارادوا ان يأتوا في مقابلة القرآن بسورة كمسيلمة و سجاح فأتوا بشئ يقطع كل من سمع القرآن انه لايشبهه و لاينسب اليه و كذلك اخبارهم سلام الله عليهم عند من يعرف سياقهم و يطلع علي نظم كلامهم و عنده موازين قسط من اخبارهم المحكمة و قد قالوا عليهم السلام لكل حق حقيقة و علي كل صواب نور و قالوا ايضا عليهم السلام ان نخلة مريم كانت عجوة نزلت من السماء فما نبت من اصلها كانت عجوة و ما كان من لقاط فهو لون ه ، و الناس لما لميطلعوا علي سياق كلامهم و نظم مقالهم و طور بيانهم و لميعرفوا كيفية الوزن و اخذ القواعد الكلية من الاخبار المحكمة و رد غيرها اليها وقعوا فيما وقعوا من التحير فاحتاجوا الي طرح الاخبار و اختلاف الانظار و هم عليهم السلام الذين اوقعوا الخلاف فيهم لعلمهم بانهم في مقام المجادلة بالتي هي احسن فذكروا الشئ [ص 9] الواحد بوجوه كثيرة و اطوار مختلفة غير مؤتلفة ليختلفوا و يسلم رقابهم عن شر الاعادي لكونهم لميكونوا من اهل تلك الوادي مثالهم مثال العميان و الفيل و اما الذي عرف نظام كلامهم و علم سياق مقالهم فهو علي بصيرة من ربه فيجري هذه الاخبار المتكثرة المختلفة مجري الشئ الواحد الظاهر بالاطوار المختلفة كالتراب الجامع بين الانسان و الحيوان و الجماد و النبات و في كلما يقول و يحكم و يجمع و يفرق مستند الي كتاب محكم تفسيره او الي خبر واضح تأويله او الي عقل تعرف العقول السليمة عدله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و هذا معني قول مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام كما سبق معناه ان المتبعين لقادة الدين الي ان قال عليه السلام فيستلينون من احاديثهم ما استوعر علي غيرهم و يأنسون بما استوحش منه المكذبون و اباه المسرفون و اولئك اتباع العلماء صحبوا اهل الدنيا بطاعة الله تبارك و تعالي و لاوليائه و دانوا بالتقية عن دينهم و الخوف من عدوهم فارواحهم معلقة بالمحل الاعلي فعلماؤهم و اتباعهم خرس صمت في دولة الباطل منتظرون لدولة الحق و سيحق الله الحق بكلماته و يمحق الباطل طوبي لهم علي صبرهم علي دينهم حال هدنتهم و يا شوقاه الي رؤيتهم في حال ظهور دولتهم و سيجمعنا الله و اياهم في جنات عدن و من صلح من آبائهم و ازواجهم و ذرياتهم ه ، و هؤلاء تلقوا هذه الخطبة و اشباهها من الخطب و الاخبار بالقبول و عرفوها و بينوها علي ما فهموا من كلمات آل الرسول عليهم السلام كما نبين ان شاء الله تعالي في خلال الشرح .
[ص 10] و اما الطائفة الاولي الذين طرحوا هذه الخطبة الشريفة و شبهها من الاخبار و اسقطوها عن الاعتبار و نسبوها الي الغلاة و المفوضة و غيرهم من الاشرار فاخطأوا جدا و استعجلوا كثيرا اما دعويهم بانها من الاخبار الآحاد فليست بصحيحة لانها فوق الاستفاضة بل لايبعد ان تدعي تواترها معني لكثرة تكررها و ورودها في الكتاب في مواضع عديدة و الادعية المأثورة سيما في دعاء رجب المروي عن القائم (ع) علي ما رواه الشيخ في المصباح و الزيارات سيما الزيارة الرجبية و الزيارات الخارجة عن الناحية المقدسة للحجة عليه السلام سلام علي آل يس و زيارات اميرالمؤمنين عليه السلام و شيوع انهم عليهم السلام يد الله و عين الله و لسان الله و اذن الله و الزيارة الجامعة الكبيرة و احاديث خلق انوارهم قبل الخلق و امثالها من الامور التي لايشكون و لايختلفون في صحتها و انها منهم سلام الله عليهم و نشير الي كل ذلك ان شاء الله تعالي علي حسب الجهد و السعة و الاقبال فيما بعد ان شاء الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله و كذلك هذه الخطبة الشريفة برواية جابر بن عبدالله الانصاري و خطبة الافتخار برواية اصبغ بن نباتة و خطبة البيان و خطبة اخري ايضا من هذا القبيل و حديث معرفتهم بالنورانية برواية سلمان و ابيذر و حديث البيان و المعاني برواية جابر بن يزيد الجعفي و حديث مقامات المعرفة برواية جابر في كتاب انيس السمراء و سمير الجلساء للشيخ سليمان الحلي و حديث الاكوان الستة برواية المفضل و حديث الرتق و الفتق بروايته و الاخبار في هذا المعني كثيرة و ربما يزيد علي الف بل الالفين و ليت شعري اي حكم من الاحكام الذي ( التي خ ) [ص 11] يثبتونها ( فيها . نسخة ٢٥٣ د ) عندهم عشرة احاديث او عشرون فاذا امكن رد هذه الاخبار امكن رد غيرها الذي لميبلغ معشارها و كلها في كتب الشيعة الفرقة المحقة و في ذلك خروج من الدين و كفر بما اتي به سيد المرسلين و طرح الاخبار الكثيرة لعدم المعرفة و البصيرة ليس من شأن المؤمنين الممتحنين و لئن سلمنا انها من الاخبار الآحاد فقول ( نقول خ ) ان الخبر الواحد اذا طابق العقل الصحيح الصريح وجب القول به و العمل عليه و كذلك هذه الاخبار فان الادلة القطعية العقلية دالة علي مضامينها و مدلولاتها بل لايستقيم التوحيد الا بالقول به و لعمري ان المنكرين يقرون بها من حيث لايشعرون كما نذكرها ان شاء الله تعالي عند الشرح فوجب اعتبارها و قبولها و ايضا ان الخبر الواحد اذا لميكن له معارض اقوي من الكتاب و السنة و اجماع الفرقة المحقة يجب العمل به لكونه حجة لتقرير المعصوم عليه السلام علي ما بينا في سائر رسائلنا بالبراهين العقلية و النقلية و ذكرها هنا يؤدي الي التطويل و من اراد ذلك فعليه بما كتبنا في جواب من سأل عن الادلة الاربعة التي يذكرها الاصوليون و بيانها فان ما فيه كفاية للمستوضح المسترشد و هذه الاخبار كذلك و دعوي معارضتها ببعض الاخبار باطلة لصحة الجمع بينها و وجدان الدليل عليه من الاخبار الصحيحة او ما يقوم مقامها و القول بانها من حيث السند ضعيفة فيه انه ليس كلها كذلك بل فيها اخبار صحيحة الاسانيد باصطلاحهم و الذين حكموا عليهم بالغلو ماثبت عندنا ذلك و ماوجدنا منهم شيئا يدل عليه و ليس الحكم بغلوهم اجماعيا حتي يحصل القطع به و اخبار [ص 12] الخطابية و الشلمغانية و اضرابهم ليست معمولا بها عندنا الا اذا كانت محفوفة بقراين الصدق لقولهم عليهم السلام ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لتنقلها اليكم فخذوها و صفوها تجدوها نقية صافية و اياكم و الاوعية فانها اوعية سوء فنكبوها ه ، مع ان القميين الذين كان اكثر الجرح و التعديل في الاخبار و الرواة عنهم كانوا يحكمون بالغلو بادني شئ فعلي قولهم نحن كلنا غلاة عندهم كما قال الصدوق في الفقيه عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد ان ادني الغلو انكار سهو الانبياء و الائمة عليهم السلام و لا شك انا ننكر ذلك بل نجعلهم معصومين مطهرين عن كل دنس فتبصر و القول بانها تخالف العقول باطل لما ذكرنا و لما نذكره ان شاء الله من دلالة العقول الصحيحة عليها نعم تخالف العقول المعوجة و ليس فيها رفع الامكان عن مكانه و انما هي تنزيه القديم و الازل عن شوائب الجهات الامكانية كما ستعرف ان شاء الله تعالي و لا فيها اثبات الربوبية للمخلوق و انما هي كما قال عز و جل عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لاتستلزم التفويض المجمع علي بطلانه و انما هي كما قال الله تعالي الله يتوفي الانفس حين موتها الآية ، و قال تعالي قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و لاينافي قوله تعالي هل من خالق غير الله و انما هي كما قال سبحانه فتبارك الله احسن الخالقين ، و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني و الخبر اذا خالف الكتاب المجيد لا شك انه يضرب علي الحائط الا ان هذه الخطبة و الاخبار موافقة للكتاب المجيد و مفسرة و مفصلة له كما ستعرف ان شاء الله [ص 13] العزيز فثبت ان هذه الخطبة من مولانا علي اميرالمؤمنين عليه السلام علي القطع و اليقين اذ فيها كلمات و مقامات يقصر مقام المخلوقين سواه عليه السلام عن ذلك .
و اما الطائفة الثانية فهم و ان سلموا في ظاهر الامر حيث اقروا بعجزهم و قصورهم عن ادراكها الا ان دعوي معارضتها مع الاخبار و ظاهر الكتاب باطلة كما عرفت و اما موافقة الجمهور فليست شرطا سيما في مثل هذه الامور التي معرفتها حظ المؤمنين الممتحنين الذين هم اقل من الكبريت الاحمر و العوام ليسوا مخاطبين بامثال هذه المعارف المطوية في هذه الخطبة الشريفة فيلهي عنهم ليظهر لهم الامر يوم القيمة يوم يقوم الناس لرب العالمين .
و اما الطائفة الثالثة فقد اصابوا في القبول و التصديق و اخطأوا في التعيين و التحقيق حيث اولوها علي غير مرادهم صلي الله عليهم بل بما يلزم منه المفسدة العظيمة و الزندقة الكبيرة الاتري قول الملا محسن حيث قال عن بعض العارفين اذا تجلي الله بذاته لاحد الخ ، فانه مبني علي القول بوحدة الوجود و معني تجلي الله لاحد بذاته عندهم كشف حجاب الانية و التعين الفارقة بين القدم و الحدوث فان ذات العبد عندهم هو الوجود الصرف الذي هو ذات الله قد تعين بالتعين المخصوص كما قال هو في كلماته المكنونة كما ان وجودنا بعينه هو وجوده سبحانه الا انه بالنسبة الينا محدث و بالنسبة اليه عز و جل قديم كذلك صفاتنا من الحيوة و القدرة و الارادة و غيرها فانها بعينها صفاته سبحانه الا انها [ص 14] بالنسبة الينا محدثة و بالنسبة اليه قديمة لانها بالنسبة الينا صفة لنا ملحقة بنا و الحدوث اللازم لنا لازم لوصفنا و بالنسبة اليه سبحانه قديمة لان صفاته لازمة لذاته القديمة و ان شئت ان تتعقل ذلك فانظر الي حياتك و تقييدها بك فانك لاتجد الا روحا تختص بك و ذلك هو المحدث و متي رفعت النظر عن اختصاصها بك و ذقت من حيث الشهود ان كل حي في حياته كما انت فيها و شهدت سريان تلك الحيوة في جميع الموجودات علمت انها بعينها هي الحيوة التي قامت بالحي الذي قام به العالم و هي الحيوة الالهية و كذلك سائر الصفات الا ان الخلائق متفاوتون فيها ه . و هذا القول هو كفر بالله العظيم العلي العظيم و اثبات للكثرة في ذاته تعالي لاستلزامه الاقتران و الانفعال و الحركة و التغير و امثال ذلك مما شرحنا تفصيلها في تفسيرنا علي آية الكرسي مع التهافت العظيم الذي في كلامه اذ قوله اذا تجلي الله لاحد بذاته ، يريد به ظهوره بذاته علي زعمه و ذلك الظهور لايتم الا اذا انكشف الحجب بكلها و اعظم الحجب بل حقيقتها هي نفس العبد فلايظهر المتجلي الا بكشفها و لا معني لكشفها الا عدم النظر اليها بالوجدان و نسيانها و تنزلها ( تنزيلها خ ) منزلة الفقدان من دون النظر الي الوجدان و الفقدان فهناك يظهر له بذاته علي زعمه و وجهه ( بوجهه خ ) و دليله و آيته عندنا فاذن اين الذوات و اين الصفات و اين الافعال حتي يريها متلاشية في اشعة ذاته لانه نسي نفسها فلايريها فضلا عن غيرها لان النظر الي الغير بالكثرة فرع النظر الي نفسه و الالتفات الي المدرك الذي يدرك و يعرف به الغير فاذا نسي نفسه فاين يجد غيره و اذ لمينس [ص 15] نفسه فاين يجد ربه بتجليه له بذاته لانه يري غيره فلايمكن ان يري غيره حين يري ربه او يري ربه حين يري غيره و النظر علي جهة الاضمحلال دليل رقة الحجاب و هو دليل عدم تجلي الذات تعالي ربي عما يقولون علوا كبيرا فماصح كلامه علي مقتضي مقامه في مرامه . و قوله و يري ذاته الذات الواحدة ، فيه انه يمتنع عند تجلي الذات و كذا في مقام رقة الحجاب لانه كلما يقرب يعدم نفسه فيري نفسه باطلة زائلة مضمحلة فانية بحيث يستحيي ان يقول انا او يجدها شيئا ليري ذاته ذاتا واحدة مستولية علي كل الذوات و صفته و فعله واحدة ( صفته واحدة خ ) تستولي علي كل الصفات فان وجدان ذاته دليل الفرق و هو هناك عند رقة الحجاب يريه باطلا زائلا لاينسب الي نفسه شيئا و لذا قال عليه السلام و ان كل معبود مما دون عرشك الي قرار ارضك السابعة السفلي باطل مضمحل ما عدا وجهك الكريم ، فظهر ان في مقام رقة الحجاب فقر محض و احتياج صرف و عدم بحت فانقطع قوله انا كما قال مولينا الحسين (ع) الهي حكمك النافذ و مشيتك القاهرة لميتركا لذي مقال مقالا و لا لذي حال حالا ، و اما في مقام كشف الحجاب فلا حس و لا محسوس فلايجد شيئا لينسب الي نفسه برؤية تجلي ربه شيئا فاين يري ذاته ذاتا واحدة و الصفة صفتها و الفعل فعلها . و بالجملة فقوله هذا ان كان في مقام رقة الحجاب ، فباطل لكونه مقام الفقر و ان كان في مقام الكشف فكذلك ايضا لانه مقام عدم الوجدان و لاينبئك مثل خبير . و من العجب قوله لاستهلاكه في عين التوحيد ، و كيف يكون مستهلكا في عين التوحيد من يري نفسه و الذات و [ص 16] الصفة و الفعل و الكثرة و يفرق بينها و يجعل الكل واحدا ليس هذا في ذلك المقام بل في مقام الجبروت لكنه لو فرض نفسه اثرا لوجد الفقر المحض في هذا المقام لكنه يعتقد ان ذاته هو الله مع التعين ففي مقام المعاني يتخيل له هذا الخيال الفاسد سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم . ثم الاعجب قوله و لما انجذب بصيرة الروح الي مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الاشياء في غلبة نور الذات القديمة و ارتفع التميز بين القدم و الحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحق ، اذ بعد الاغماض عما يستلزم ( تستلزم خ ) هذه الكلمات من الكفر الصريح نقول اذا شاهد جمال الذات و ارتفع التميز بين القدم و الحدوث علي زعمه فهل حينئذ يشاهد جمال الاحدية او الواحدية فان قلت الواحدية قلت هل فيها كثرة الاسماء و الصفات ام لا فان قلت لا قلت اذن ما الفرق بين الاحدية و الواحدية و لايسعك تدعي الترادف بينهما فان قلت بلي قلت اذن بطلت الاحدية اذ جعلتم رتبة الذات مقام الواحدية و بطل توحيدكم لان مقام الواحدية مقام الكثرة الذكرية الصلوحية الغيبية و ان لمتكن محسوسة اذ فيها مقام الاسماء المتمايزة و الصفات المختلفة فقوله هذا يتم لو قيل ان مقام الذات مقام الواحدية و لايقول به عاقل فان قلت الاحدية قلت اين هناك ذكر للغير حتي يقول انا نوح الاول و آدم الاول انا خالق السموات و الارض بامر ربي ثم لو كان الامر كما يقول كان الحق متكلما بلسانه لاستغراقه في عين التوحيد فحينئذ فما معني قوله عليه السلام انا خالق السموات و الارض بامر ربي اذ ليس هذا كلام العبد [ص 17] من حيث هو عبد فانما لسانه علي زعمه كالشجرة لموسي و الرب لايقول انا خالق السموات و الارض بامر ربي اذ ليس له رب يؤب اليه سبحانه و تعالي و لايمكن التوجيه لهذا الكلام بعد ما قال استهلاكه في عين التوحيد و يري ذاته الذات الواحدة و صفته صفتها و فعله فعلها و ايضا لو كان الامر كما يقول فلم لميقل ما قاله علي عليه السلام رسول الله صلي الله عليه و آله مع انه افضل منه و اكمل و كان يحصل له ما كان يحصل له عليهما السلام من الاستهلاك في عين التوحيد بل ربما كان اكثر و كذلك الائمة المعصومون عليهم السلام ماتكلموا بذلك مع ما هم عليه من عين الاضمحلال في عين التوحيد حتي قالوا سلام الله عليهم لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن فيها هو و هو هو و نحن نحن و كذلك احد من شيعتهم المخلصين كسلمان الذي بلغ في المعرفة و التوحيد ما بلغ و لميسمع منه مثل هذه الكلمات ، نعم قد سمع ذلك من الصوفية لعنهم الله و اتباعهم من الملاحدة مثل قول الحلاج انا الحق و قول ابييزيد البسطامي سبحاني سبحاني ما اعظم شأني و ليس في جبتي سوي الله و قول مميتالدين انا الله بلا انا سبحان من اظهر الاشياء و هو عينها و قول الآخر :
انا ذلك القدوس في قدس العماء محجب
انا قطب دائرة الرحي و انا العلي المستوعب
انا ذلك الفرد الذي فيه الكمال الاعجب
الي ان قال : انا غافر و المذنب
انظر كيف خلطوا كلام هؤلاء الكفرة الفسقة مع كلام ائمتهم و اولوا كلماتهم الشريفة المنيفة الي كلمات هؤلاء الفجرة و مع ذلك يدعون انهم من شيعتهم و محبيهم حاشا و كلا يحلفون بالله انهم لمنكم و ما هم منكم و لكنهم قوم يفرقون .
[ص 18] و اذ قد عرفت هذه المقدمة عرفت ان هذه الخطبة الشريفة و ما في معناها ( من الاخبار خ ) كلها صحيحة واردة عنهم عليهم السلام و بيانها لما كانت مشتملة علي اسرار و عجائب و غرائب لايجوز بل لايمكن الا من تفسيرهم و ارشادهم و تسديدهم و تأييدهم سلام الله عليهم فان لهم مع كل ولي اذنا سامعة .
ثم اعلم ان الادلة ثلثة كما قال تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فدليل المجادلة للعوام و اهل الظاهر فانه لايوصل الا الي الصور و القشور و الظواهر و هو دليل الزامي اقناعي مسكت مفحم و لايوصل الي البصيرة التامة و المعرفة الكاملة و هو كما ذكر اهل المنطق و اهل الاصول من بيان الحجة و القول الشارح و كيفية الاستدلالات اللفظية و مواقع جريان الاصول الاربعة من الاستصحاب و الظاهر و القاعدة و الدليل و دليل الموعظة الحسنة للخواص و لاهل الطريقة لانه يوصل الي مرتبة اليقين الذي لا شك فيه و صاحبه ابدا علي برد اليقين من غير اضطراب و اغتشاش و ان لميوصل الي المعرفة الكاملة و البصيرة التامة و دليل الحكمة لاهل الحقيقة و اهل الاسرار السالكين بل الواصلين الي عالم الانوار لانه يوصل الي المشاهدة و المعاينة و البصيرة التامة و المعرفة الكاملة و انت تعلم ان المدلول نتيجة للدليل فاذا كان سريا باطنيا فدليله ايضا كذلك لانه المنبئ عن دليله فلايمكن الاستدلال عليه الا بدليل باطني عياني شهودي و من دونه لايزداد السائر الا بعدا و هو قولهم عليهم السلام و سر لايفيده الا سر فمن [ص 19] حاول معرفة البواطن و الاسرار بدليل المجادلة فقد اخطأ الطريق و لما كانت هذه الخطبة من اسرار باطن باطن القرآن و هو قد خفي علي اهل الزمان لصعوبة مسلكه و دقة مأخذه و غموض دليله فلو كان يعرف بدليل المجادلة لماجهله احد فنحن ان شاء الله تعالي نتكلم في هذه الخطبة الشريفة بذلك الدليل و نشاهدها بعين الفؤاد فمن ورد موردنا و اكل زادنا يبلغ مرادنا و من لميفرق بين ادراك العقل و الفؤاد و لميحصل لقلمه مدادا ففرضه التسليم لعل الله يفتح له الباب و يلهمه الصواب قال الشاعر :
فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فتأخذه عنا
فما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
و نحن نذكر الخطبة برواية الشيخ رجب الحافظ البرسي في مشارق الانوار :
قال رحمه الله : خطبة لعلي عليه السلام يقال لها الطتنجية ظاهرها انيق و باطنها عميق فليحذر قاريها من سوء ظنه فان فيها من تنزيه الخالق ما لايطيقه احد من الخلايق خطبها عليه السلام بين الكوفة و المدينة .
اقول انما يقال لها الطتنجية لاشتمالها علي اكوار الوجود و ادواره المنحصرة في الكرتين و الدائرتين المتعاكستي السيرين المتحاذي السطحين المتقابلي الميلين في حال اجتماعهما مفترقتان و في افتراقهما مجتمعتان و هما الطتنجان اي الخليجان المنشعبان من البحر المحيط و ذلك البحر هو الماء الذي خلق الله منه بشرا فجعله نسبا و صهرا فجري خليجان احدهما من باطنه و هو الماء العذب الفرات السائغ شرابه و منه [ص 20] انشعبت اربعة انهار فالنهر الذي من الماء من ميم بسم الله الرحمن الرحيم و الذي من اللبن الذي لميتغير طعمه من ميم الرحمن و الذي من العسل المصفي من هائها و الذي من الخمر من ميم الرحيم و ثانيهما من ظاهره و هو الماء المالح الاجاج و منه انشعبت اربعة انهار عين الكبريت و عين ابرهوت و عين افريقية و جمة ماسيدان و هو الماء الذي نزله الله سبحانه و تعالي من القرآن فجعل منه خليجين احدهما شفاء و رحمة للمؤمنين و ثانيهما عذاب و نقمة للكافرين قال الله تعالي و ننزل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الا خسارا و لما كانت هذه الخطبة الشريفة مشتملة علي بيان دوران الكاف المستديرة علي نفسها السارية باثرها و كينونتها في هذين الخليجين اللذين هما الطتنجان سميت بهما فقيل للاستعمال الطتنجية تخفيفا او تغليبا جهة النور لسر نسوا الله فنسيهم و سيأتي زيادة شرح و بيان لهذا في محله ان شاء الله تعالي .
قوله : ظاهرها انيق لاشتمالها علي اسلوب غريب و ترتيب عجيب يدهش العارف الناظر لحسن التأدية قائلا الله اعلم حيث يجعل رسالته لان الامام سر الله المكنون و امره بين الكاف و النون و لما كان في غاية الاعتدال و الاستقامة ظهرت الخطبة حاكية لها في دار الخلد و دار المقامة اذ الاثر علي مثال ظهور مؤثره و الفرع علي هيكل تجلي اصله ، و باطنها عميق جريا لحكاية الاثر لقوله (ع) ظاهري امامة و باطني غيب لايدرك و ظاهرها شرح ظاهر الصنع و الصناعة و باطنها ذكر باطن الصنع و الصناعة ظاهرها ذكر [ص 21] ظاهر الاكوار و باطنها شرح حقيقة الادوار و ظاهرها ظهور الكور في الدور و الدور في الكور و الحركات الوضعية الكروية من المستقيمة و المعوجة و باطنها حركات الاقطاب و جريان الالباب و ظاهرها مقام الاسباب و باطنها مقام المسبب و ظاهرها بيان الاتصال و باطنها حقيقة الانفصال و ظاهرها مقام الفصل و باطنها رتبة الوصل و ظاهرها عالم الاسماء و الصفات و باطنها عالم التوحيد و الذات و ظاهرها مقامات التجلي و باطنها علامات المتجلي و ظاهرها مقامات السر و سر السر و باطنها مراتب السر المستسر بالسر و السر المقنع بالسر و ظاهرها مقامات الواحدية و باطنها مظاهر الاحدية و ظاهرها قوابل الدلالة و باطنها الكلمة التامة بحروفها و الفها و نقطتها و ظاهرها اقليم الاسماء و باطنها عالم المسمي و ظاهرها ظهور الفاعل و باطنها لب الهوية و ظاهرها حقيقة الفاعل و باطنها العماء المطلق الي غير ذلك من الاحوال و الامور التي اكثرها لميجر بها قلمي و لمينطق بها فمي و كل المراتب التي يمكن تصورها في عالم الكينونة و عالم البينونة و عالم الصفة و عالم الاسم و عالم التجلي و عالم التقدس و عالم العزة و عالم الحمد في عوالم الف الف كل احوالها مشروحة في هذه الخطبة الشريفة بظاهرها و باطنها و هي كما قال رحمه الله ظاهرها انيق و باطنها عميق .
قوله : فليحذر قاريها الغير المطلع علي اسرارها من ظاهرها و خافيها الغير المتحمل لعلومها الغير الوارد علي حوض صاحبها من سوء ظنه بامامه و سيده صلوات الله عليه و آله في احتمال ادعائه امرا عظيما [ص 22] او كما صنع ايوب حيث شك و بكي قال هذا امر عظيم و خطب جسيم او سوء ظنه براويه ليؤل امره الي الانكار الذي هو الكفر فيقول ليس هذا و ليس هذا او سوء ظنه في ادراكه و فهمه لعدم استقامته و اقامته فيفهم منها ما لاينبغي و يتوهم الغلو لجهله بالمراد او يعتقد ذلك لعدم ادراكه بالفؤاد و يصغر عظمة الله قهار العباد او سوء ظنه كما ظنه الملائكة لما تجلي نور صاحبها عليهم في عالم الانوار فقالوا هذا هو الاله القديم فقال هو و اخوه و زوجته و ابناؤه صلي الله عليهم لا اله الا الله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قوله : فان فيها من تنزيه الخالق ما لايطيقه احد من الخلائق و هو كما قال و هذا التنزيه في الظاهر و ما اشتمل عليه ظاهر الخطبة الشريفة ظاهرة و اما التنزيه الحقيقي فهو الذي فعل صلوات الله عليه في مطاوي كلماته الشريفة عند قوله عليه السلام انا الآمل و المأمول ( و قول مولينا الصادق عليه السلام علي ما رواه المفضل في رسالة الرتق و الفتق ان كنت تريد الله الذي هو خالق كل شئ فانا و ان كنت تريد الله الذي ليس كمثله شئ فنحن فذلك ( شيء فذلك . نسخة ٢٥٣ د ) لايعلمه الا نحن و هو قوله جل جلاله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول خ ) و هذا و اشباهه مما يدل علي تنزيه الخالق بما لايطيقه الخلائق و هو قول الحجة المنتظر عجل الله فرجه فبهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و هو معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله الطريق مسدود و الطلب مردود دليله آياته و وجوده اثباته و قال ايضا عليه السلام رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك و عجز القلب عن الفهم و الفهم عن الادراك الخطبة ، و شرح هذا المعني مولينا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة الهي امرت بالرجوع [ص 23] الي الآثار فارجعني اليها بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شئ قدير ، و هذه الخطبة و امثالها شرح و بيان لكيفية انتهاء المخلوق الي مثله و رجوع الوصف من الوصف الي الوصف و دوام الملك في الملك و فيها تنزيه لله سبحانه و تعالي عن الاكتناه و الاقتران و الانتساب و تعدد الجهات و الاعتبارات و عدم الاسماء و الصفات و تعظيم لله سبحانه بعموم القدرة و شمول السلطنة و عظم الالوهية و يلزم هذا و اشباهه الذي ينكر هذا المعني المذكور في الخطبة الشريفة و يزعم ان الله سبحانه فاعل بذاته و الفاعل يصدق عليه بذاته و لميعلم المسكين ان الفاعل اذا كان هو ذات الله سبحانه لزم التغير و الاقتران ضرورة ان الفاعل مقترن بمفعوله لايذكر من حيث هو فاعل الا و المفعول معه و هو مقام الواحدية و مقام الكثرة الاسمائية فاذا صح الاقتران صح الانفعال و اذا صح الانفعال صح التركيب و اذا صح التركيب صح الافتقار و اذا صح الافتقار صح الحدوث و اذا صح الحدوث صح له محدث فننقل الكلام فيه فان اثبت له الفاعلية و العلية فيجب ان تثبت له هذه الامور و اذا نزهت الذات الحق سبحانه و تعالي عن الكثرة الاسمائية و الصفاتية فلا بد ان تنسبها كلها الي الفعل و الفعل ( و الفعل لايتقوم الا بالمتعلق و المحل فانتهت الامور كلها مما فيه اقتران و ارتباط و اضافة و مساوقة و تحادر ( تحاو . نسخة ٢٤٤ خ ) و تعاقب و امتزاج و حركة و سكون و غير ذلك كلها الي الفعل خ ) من حيث ظهوره بالمحل الذي هو الفاعل المشتق من الفعل فهناك يتم لك التنزيه الصرف الغير المشوب بشئ من التشبيه و يصفو لك [ص 24] التصديق بقوله عز و جل سبحان ربك رب العزة عما يصفون و معني الحديث الذي اخبرني به شيخي و ثقتي و معتمدي جعلني الله فداه عن النبي صلي الله عليه و آله في جواب اليهودي الي ان قال صلي الله عليه و آله فان الله عز و جل اوحي الي ان فضلك علي الانبياء كفضلي و انا رب العزة علي كل الخلق ، انظر في تصريح ما لوح بقوله و انا رب العزة و يأتي الكلام في ذلك ان شاء الله تعالي و الظاهرية ارادوا بانكار هذه الخطبة و الاخبار التي في معناها تنزيه الخالق لكنهم وقعوا في التشبيه و التشريك من حيث لايشعرون و انما قال بما لايطيقه الخلائق نظرا الي قوله صلي الله عليه و آله لاميرالمؤمنين عليه السلام يا علي ماعرف الله الا انا و انت فكان وصفهما فوق وصف الواصفين و تنزيههما فوق طاقة المخلوقين لانه سبحانه استخلصهما في القدم علي سائر الامم و اقامهما مقامه في سائر عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار فافهم .
قوله : خطبها (ع) بين الكوفة و المدينة هذا الذي دعاه الي بيان الطتنجين و ذكر ملتقي البحرين و مزج العالمين لانطباق الظاهر مع الباطن و الصورة مع الحقيقة فان المدينة منتسبة الي النبي صلي الله عليه و آله لانها اول ارض آمنت بالله سبحانه و بولاية ولاة الامر عليهم السلام بعد ارض مكة و لذا شرفها الله تعالي بمحمد صلي الله عليه و آله لانه (ص) اول من آمن بربه و اول من قال بلي حين قال لهم الست بربكم و الكوفة منتسبة الي مولينا اميرالمؤمنين عليه السلام لانها اول ارض آمنت بالله و اذعنت بالولاية [ص 25] لولاة الامر بعد رسول الله عليه و عليهم السلام بعد ارض مدينة ( المدينة خ ) فشرفها الله سبحانه بعلي عليه السلام فجري لارض الكوفة ما جري لصاحبها المتمكن فيها من حكم الطتنجين و جري عليها حكم زحل الذي هو كوكب اميرالمؤمنين (ع) الاتري الي الذم الذي ورد عن اهل العصمة عليهم السلام لهم و ما قال ( فيهم خ ) اميرالمؤمنين عليه السلام حتي قال (ع) فيهم اللهم اني سأمتهم و سأموني و خاطبهم مولينا علي بن الحسين عليه السلام يا اهل الكوفة و يا اهل الغدر و الحيلة و يكفيهم ذما و خسرانا ما فعلوا بالحسين عليه السلام سيد شباب اهل الجنة و تري ما في ارض الكوفة من غور مياهها و يبس انهارها و عدم نمو اشجارها و ملوحة مائها و قد سمعت الممادح الكثيرة التي لها و لاهلها من كونها قطعة من ارض الجنة و اليها تأوي ارواح المؤمنين و هي مختلف الملائكة و قد صلي في مسجدها الف نبي و الف وصي و ان القائم (ع) اذا خرج يكون محل حكمه و قضاه مسجد الكوفة و بيت ماله مسجد السهلة و خلوته النجف الاشرف علي ساكنها آلاف التحية و الشرف و في آخر الرجعات تظهر الجنتان المدهامتان عند مسجد الكوفة و ما وراءها الي ما شاء الله و امثال ذلك من الفضائل الجمة و المناقب الكثيرة فجري فيها بالتبع تأويل قوله تعالي باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و قوله تعالي اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين و هما الطتنجان و لما كان ينبوعهما واحدا و مجمعهما هو البحر المحيط و كانت المدينة مظهرا لذلك السطوع و حاملا لذلك الينبوع و جري فيها ذلك بحكم المجاورة و [ص 26] المناسبة اقتضي المقام ان يكون بيان هذه المقامات و الاحكام بين المدينة و الكوفة لانهم يضعون الاشياء في مواضعها و يجرون الامور في اوقاتها الصالحة لها لانهم سلام الله عليهم مظاهر الرحمانية التي استوي بها الرحمن علي العرش فاعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مخلوق رزقه .
فقال عليه السلام : الحمد لله الذي فتق الاجواء و خرق الهواء و علق الارجاء و اضاء الضياء و احيي الموتي و امات الاحياء .
( اقول خ ) مادة الحمد بيان الشكل المربع و صورته شرح الشكل المثلث فعند الجمع هو السبع المثاني و القرآن العظيم فاستنطق منه اليد قال الله تعالي قالت اليهود اهل الغرب اول المنكرين لنبوة خاتم النبيين عليه و آله سلام الله في عالم الذر الاول اي اوله في القابلية الاولي اي الثانية الظلية و من تبعه من الاولين و الآخرين الي ما لا نهاية له في التشريع و التكوين و ان كان بعد امتياز الغث و السمين فان رحمة الله لاتتناهي فكذا غضبه لعدم تخلف الظل الاصل و الظلمة النور فافهم يد الله مغلولة توهموا ذلك حسب دعويهم المجتثة عند ملاحظة انياتهم المشركة الملعونة و الا فلا استقلال و لا تذوت لهم الا بها و يسجدون للشمس من دون الله قالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا و طردوا عن الرحمة المكتوبة و عن التجليات الشهودية السرمدية الالهية بلا حجاب ان قالوا ذلك بلسان اعمالهم عند المباحات و عدم حفظ السر و في الحجاب الابيض الاعلي ان قالوا ذلك بلسان اعمالهم عند المرجوحات الغير المحرمة و في الحجاب [ص 27] الزبرجد ان قالوا ذلك بما ذكر عند المحرمات مع التألم الحسي الذي هو في الحجاب الاسود اي الاخضر كل ذلك مع الدوام الابدي السرمدي ان قالوا ذلك بلسان اعتقادهم و في الدنيا مع كل ذلك ان قالوا ذلك بلسان مقالهم بل يداه مبسوطتان يد الفضل و يد العدل و هما الطتنجان المنشعبان من الحمد من ظاهره و باطنه و موافقته و مخالفته ينفق كيف يشاء في التكوين و التشريع و التأصيل و التفريع من احكام الخزائن الغيبية و القياسات اليقينية و البراهين العلمية و الكشوف الحقيقية في الاكوار و الادوار في الليل و النهار في عالم الانوار و الاكدار في الاعلان و الاسرار فدلت الآية الشريفة بالمعرفة العيانية ان باليد ظهر الكون و الوجود فامتاز الشاهد و المشهود و الموجود و المفقود و تبين العابد من المعبود فاليد هي مجمع الكمالات و ينبوع الخيرات و هي مشتقة من الحمد و مستنطقة عنه فهي واحد في مقام الجمع و اربعة في مقام الصفة و سبعة في مقام الفرق و اربعةعشر في مقام التفصيل فلما استنطقت منه اليد استنطق منه الجواد و الوهاب اذ كل الممكن في جميع احوالهم و اطوارهم و اوطارهم من فاضل جود الجواد و هبة الوهاب اذ لميتصور للممكن حال الا و هو طارق باب جوده و رشحة من رشحات عطاياه و مننه التي هي عين حمده فكلهم لسان للحمد بل نفس الثناء الذي هو الحمد بل مشتق من الجواد و الوهاب المشتقين من اليد المشتقة من الحمد فلما اشتقت هذه الثلثة منه ظهر مقام الوجه و الجناب فان المشتق منه وجه للمشتق ( المشتق وجه للمشتق منه خ ) و ظهور له قال تعالي كل شئ هالك الا وجهه [ص 28] فالحمد هو الوجه للذات التي هي ذو الوجه و لذا تقول لله مطلقا سواء كان وجها للتوحيد و آية للتنزيه و التفريد او وجها للتجليات الاسمائية و الصفاتية و الفعلية و لظهور الجلال و العظمة و الكبرياء بجميع مراتبها و احوالها و هو قوله عز و جل سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فالحمد هو المدار في عالم ( عوالم خ ) الاكوار و الادوار و في الاظلال و الانوار و هو السبع المثاني و لقد فسر قوله تعالي و لقد آتيناك سبعا من المثاني بسورة الحمد لكونها سبع آيات تثني في كل صلوة في التكوينية في اول مقام الفرق اياك نعبد الي آخر مراتب نهايات التفصيل و الكثرة و في التشريعية كذلك الي هذه الصورة ذات الاركان و الاوضاع و الحمد في كل صلوة يتكرر لتمام اربعةعشر لكمال ظهور الوجهية في الحروف النورانية و هذا التكرار و تفاصيل الآيات في السورة المباركة انما هي وجوه لفظ الحمد المطابق لمعناه لما بينا ان الكثرة في مقام التفصيل هي وجوه الواحد في مقام الاجمال و هذا الذي ذكرنا ملاحظة الصورة مع المادة مجتمعتين و ان لاحظتهما مكعبتين فيدل علي ظهور العرش في الكرسي في منطقته التي هي اكمل مقامات ظهوره علي اثنيعشر برجا تسير الشمس فيها فتمد العوالم الكلية و الجزئية بالشموس الكلية و الجزئية فيكون مكث الشمس في كل برج شهرا كاملا شمسيا في كليات العوالم العلوية و السفلية التي آخرها العالم الجسماني و الشمس الجسمية قال الله عز و جل ان عدة الشهور عند الله اثنيعشر شهرا في [ص 29] كتاب الله يوم خلق السموات و الارض علي جهة العموم و التفصيل و الشمس هي النبوة و القمر هو الولاية فالحمد ظاهر بالولاية المطلقة و ( في خ ) مقام التفصيل اي تفصيل الشجرة الي الاصول و الاغصان و مالك لها بتمليك الله الذي هو اولي بالتملك بل هو المالك حقيقة قال سبحانه و تعالي هنالك الولاية لله الحق في مقام الوحدة فصار الحمد هو الكلمة الاولي العليا و المثل الاعلي و النبي و الولي من شجرة واحدة قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا الشجرة و علي اصلها و فاطمة فرعها و الائمة اغصانها و علومهم ثمرها و هذه الشجرة هي الشجرة الالهية الزيتونة التي ليست شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار ، فظهر في الحمد العدد الكامل بنفسه مصرحا و بمثناه كناية و ملوحا في الظهورات الغيرية و العدد التام بمثناه مصرحا و بنفسه ضمنا و كل الكمالات العددية و الحرفية ترجع اليهما و الظاهر مثال الباطن و الصورة علي طبق الحقيقة قال مولينا الرضا (ع) قد علم اولوا الالباب ان ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و ليس الحمد الا اظهار صفة الكمال من حيث هو من غير مقابلته بشئ بل نفس الظهور فان المظهر حقيقة انما هو الظهور اذ لو كان في المظهر جهة غير جهة الظهور كان بتلك الجهة حاجبا لا مظهرا فدل علي ان الحمد المطلق هو الكمال المطلق و هو في الحقيقة واحد لكونه اما مثال الواحد و اثره الحاكي له لما تحقق عندنا ان الاثر علي مثال مؤثره من حيث هو هو او نفس الواحد الذي هو تجلي من تجليات الاحد و الامران مرادان الا ان كل واحد في صقع غير الآخر اذ [ص 30] الواحد هو استنطاق البسملة و ظهر ذلك في الحمد اذ استنطاق الواحد هو الالف القائم المعبر عنها بالهمزة التي لها من العدد واحد و الواحد لما تكرر و تضاعف صار منه اثنان و كذلك الالف القائم لما تنزل اي انبسط صار منه الباء و هي الالف المبسوطة في اصطلاح اهل الجفر و الباء لما تكررت و انبسطت صار منها الدال فهي تكرار الباء لفظا و معني كما ان الباء تكرار الالف كذلك و الدال هي اول المربع و المربعات كائنة ما كانت و بالغة ما بلغت انما تنتهي اليها و هو هيئة الولاية الظاهرة بالتدبير و التأليف و التصوير و التكييف و لذا يقال للولي المطلق ابوتراب و هو مقام الدال و السر في ذلك ان المقبول لايوجد عينا الا بالقابل فوجوده من شرايط وجود المقبول و وجود المقبول من متممات وجود القابل فوجبت بينهما المساوقة و الحواية و قد ينسب التقدم الي المقبول للاصل و الذات و قد ينسب الي القابل للظهور و البقاء و الاستمرار و التعبير كذلك انما هو لبيان حكم المساوقة و لذا ورد تقدم خلق السماء علي الارض و العكس و ذلك لان حرارة حركة الفاعل لكونها في مقام الاسم المستقر في ظله فلايخرج منه الي غيره لحقتها اليبوسة فكانت نارا و الاثر الصادر منها لكونه يشابهها و هو الرابطة بين الفاعل و القابل لحقته الرطوبة فكان هواء و المنفعل و هو حيثية القبول و وجهه من نفسه لكونه ناظرا الي الاثر و مرتبطا به لحقته الرطوبة و لانفعاله لحقته البرودة فكان ماء و من جهة امساكه و حفظه لاثر الفاعل لحقته اليبوسة فكان ترابا فبالاربعة ظهر الايتلاف و التثبت و بالرابع يتم لانه جزء اخير العلة ( للعلة خ ) التامة و لذا قلنا انها [ص 31] هيئة الولاية المطلقة فظهرت الدال في الحمد دون الالف و الباء لسر التربيع علي ما ذكرنا فان الالف و الباء لهما حكم التثليث فقد ظهر حكمهما في صورة الحمد لا في مادته فلما تكررت الدال نطقت الحاء لبيان حملة العرش و انها من ظهورات الاصل الواحد ● في مقام التفصيل لا التأثير ● و العرش هو مبدأ البداء و علل الاشياء و علم الكيفوفة و لما تكررت الحاء خمس مرات ظهر الميم و هي تمام ميقات موسي و انما كررت خمسا للاشارة الي المقامات و العلامات الخمسة في كل من هذه المراتب و توسطت الميم لانها محاط او لانها شرح الحاء و الدال و تقدمت الحاء لكونها حيوة العالم و بها قد جري القلم لان الحيوة من الصورة و تأخرت الدال لكونها المداد و منه يستمد القلم فالمادة انما تظهر بعد الصورة و ان كانت مقدمة عليها فلوح بما يشار به اليهما بما ( مما خ ) يقتضيان من حكم الظهور و البطون و التقدم و التأخر في الوجود و الظهور فتم بذلك صوغ الحمد ظاهرا مطابقا لصوغ معناه باطنا فالحمد هو الصفة الكمالية المطلقة الكلية التي لها هيمنة علي كل الكمالات و هو في اعلي مقامات المعاني اذ كل المعاني تؤل اليه و تنتهي لديه لان الحمد هو الثناء و هو فعل المثني من حيث هو اي اثره الصادر من فعله فالثناء ركن المثني فلايظهر بل لايوجد كونه مثنيا الا بالثناء فالمثني انما هو كذلك بالثناء فان كان في ظهوره في مقام الثناء فيتحد الثناء و المثني و ان كان لا في مقامه فلميكن مثنيا به بل بغيره و هذا خلف فان كان في مقامه فان قلت باتحادهما صح و ان قلت باختلافهما فصار المختلف من حيث هو كذلك متفقا و بالعكس هذا هو الحكم في كل [ص 32] المشتقات فصار معني المثني هو الظاهر بالثناء و ظهور الفاعل بالثناء ليس الا عين الثناء و الا لزم ان تكون الذات عين الظهور هذا خلف و لا شك ان ظهور الشئ هو صفته كالصورة في المرآة فانها صفة المقابل و ظاهريته لها بها او لك بها فانت تصف المقابل بما ( مما خ ) تجلي بفعله فيها فاذا نظرت الي المرآة تشاهد المقابل فيها مع ان تلك الصورة المشهودة انما هي اثر المقابل بفعله فصار ظاهرية المقابل اثرا لفعله و هذا معني قولنا ان اسماء الفاعلين كلها مشتقة من الفعل و معني قولهم انها مشتقة من المصدر و نحن نجتمع معهم في اسم الفاعل في المصداق و الواقع لا المراد فاذا عرفت ان الثناء فعل المثني و فعله صفته و هو الحمد و لا شك ان كل الثنايا تقصر عن ثناء الحق سبحانه الا ما اثني به نفسه قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا لااحصي ثناء عليك انت كما اثنيت علي نفسك ، فثناء الله علي نفسه ليس الا ايجاد تلك الصفة ( السارية خ ) الجارية في كل شئ بجميع انواع الجريان و السريان في جميع انواع الاكوان و الاعيان في بعضها سريان المؤثر بظهوره بفعله في الاثر و في بعضها سريان الباطن في الظاهر و في بعضها سريان المطلق في المقيد و تلك الصفة هي الحمد لله سبحانه و هو اللايق لجناب قدسه و كل ثناء رشحة من رشحات ذلك و قطرة من بحر ظهوره فلا ثناء يصل اليه و لا حمد يتصل به و ذلك الحمد لله سبحانه و الولاية المطلقة ظهوره و تفصيله اماسمعت قوله صلي الله عليه و آله اعطيت لواء الحمد و علي حاملها و اعطيت الحوض و علي ساقيها و اعطيت الجنة و النار و علي قسيمهما هذا [ص 33] معني الحمد علي الظاهر ثم تلك الصفة المعنوية الالهية لوحظ فيها من حيث ظهور الفاعل فزيد فيها الواو و الياء اللتان هما من حروف اللين في الوسط فقيل محمود و حميد و الثاني مبالغة للاول قال تعالي انا المحمود و انت محمد شققت لك اسما من اسمي و قال تعالي صراط العزيز الحميد الله الذي الآية ، و قال عز و جل و من الليل فتهجد به نافلة لك عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا فافهم السر المعمي و الرمز المنمنم فانه من الاسرار المقنعة بالسر و لوحظ فيها جهة التعلق و الارتباط فزادوا في التكرار تارة و في اظهار الاصل الواحد المكرر اخري فقالوا محمد و احمد فزادوا الميم الذي هو تكرار الحاء الذي هو تكرار الدال ( الذي هو تكرار الباء خ ) الذي هو تكرار الالف القائم و انما زادوا الميم في الاول و شددوا الميم الثاني لبيان ثمانينالف سنة التي كان يطوف حول جلال القدرة قبل ان يصل الي جلال العظمة و زادوا الهمزة في احمد في الاول لبيان الاصل الواحد الذي نشأ منه الحمد و انه شئ واحد تضاعف و تكرر الي ان ظهرت منه الاربعةعشر المنازل النورانية و اثنيعشر البروج في الاكوار و الادوار الكونية فافهم فكم من خبايا في زوايا لايمكن البيان خوفا من فرعون و ملأهم و اما سر الالف و اللام و ايثار الجملة الاسمية علي الفعلية مع انها ادخل في المقام و اوفق بمدارك الافهام فاعلم ان الالف و اللام للتعريف و التعريف هو الظهور و عدم الخفاء و لما كان الحق سبحانه اظهر الاشياء بل لا ظهور الا ظهوره و لايري نور الا نوره و لايسمع صوت الا صوته و هو سبحانه و تعالي لايظهر بذاته و انما يظهر [ص 34] بادلته و آياته كان ( لان خ ) وجهه و دليله و آيته هي المعرفة التي لاتنكير فيه بوجه من الوجوه فان النكارة جهة الكثرة و لما كانت الالف اللينية هي آية ظهوره و مثال تجلي نوره في عالم الحروف و كانت صورة لا حركة لها و لا تعين اضافوا اليها و قارنوا بها اللام التي هي مظهر الالف لان اللام هي الثلاثون ليلة لميقات موسي و هي مراتب القابليات و الالف هي الواحدة و مقام الواحد الذي هو رتبة المقبول فبالقابل ظهر المقبول فناسب ان تنضم الي الالف اللينية اللام و خصوها بها دون غيرها و من هذه الجهة توهم بعض اهل الجفر ان اللام و الالف حرف مستقل فجعلوا الحروف تسعة و عشرين حرفا و مادروا ان الالف هو سر الحروف و محقق حقائقها و تذوت ( مذوت خ ) ذواتها و هي ابوها و كل الحروف اولاده فصارت الالف و اللام هما باجتماعهما حرف التعريف يفيد تعريف مدخولهما و هي للحقيقة و الاصل انما هو ذلك لا الاستغراق و لا العهد الذهني و لا الخارجي و توهم انها للعهد الخارجي اشارة الي الثناء الذي يثني الله سبحانه به نفسه جهل بذلك الثناء و نسبته مع غيره فادخلت الالف و اللام التعريف علي الحمد لبيان انه صفة الله و وصفه و دليله و تحلي بحليته و اقامه مقامه في ساير عوالمه فدل بالالف و اللام علي ان الظهورات كلها تنتهي اليه لانه اول من تجلي ( تحلي خ ) بالالف و اللام بعد الله الرحمن الرحيم و لذا ورد في الكتاب الكريم بعد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و لاحظ ما سبق ملوحا في المبدأ و المشتق و دل بالجملة الاسمية علي انه خلق ساكن لايدرك بالسكون و انه [ص 35] ذات الذوات و الذات في الذوات للذات و دل بالرفع علي انه مثال الاسماء الحسني و الصفات العليا و لذا ذكره بعد البسملة و مثال الفاعل هو الرفع قال عليه السلام كل فاعل مرفوع و دل بالابتدائية علي انه ينبوع كل خير و مبدأ كل احسان بل هو العرش للرحمن و لذا صار في كل الاستعمالات و الاطلاقات مختصا بالله سبحانه و راجعا اليه تعالي فكان عرش الرحمن و معدن الامتنان و دل بالمصدرية علي انه حدث صادر عن محدث مؤثر و معني رابط فاصل واصل ماتمحض في الاسمية و لا في الاثرية بل امر بين الامرين قال تعالي لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و الله اسم للظاهر بالالوهية و هي الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية من صفات القدس و الاضافة و الخلق و له هيمنة و تسلط علي كل الاسماء و الصفات و التعلقات و لذا يوصف و لا يوصف به قال تعالي قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و هو مشتق من اله و الاله يقتضي مألوها و الاسم غير المسمي فمن قال ان الله علم للذات المقدسة القديمة تقدست و تعالت اخطأ الصواب فان المسمي امر خارج عن حقيقة الذات مع ما في المسمي و الاسم من الاقتران و الاتصال و الانفصال و النسبة الذاتية و لا اقل من الوضعية و من قال انه كلي جامع اخطأ لان الكلية و الجزئية من صفات المخلوقين و الله تعالي منزه عن ذلك و ذلك يستلزم الكثرة النسبة الاضافية الذاتية و ذلك يستلزم التركيب و من قال انه صفة مشتركة في اصل الوضع و انحصر في الفرد اخطأ لان الاشتراك يستلزم [ص 36] اتحاد الاصقاع و في ذلك رفع للواجب و الامكان عن مكانهما و مرتبتهما و من قال انه اسم للذات الظاهرة بالالوهية فمن قال انها هي الذات القديمة من حيث اعتبارها مع الالوهية فقد قارنه بشئ فثناه و من ثناه فقد جزاه و من جزاه فقد حده و من حده فقد عده و من عده فقد انكر ازله و من قال انها هي الظاهرة بالالوهية بنفسها بها و الرحمن اسم للذات الظاهرة بالرحمانية نفسها بها و هي آية و دليل و علامة و مقام للذات القديمة سبحانه و تعالي حال التوجه و الالتفات لا فرق بينها و بينها في التعريف و التعرف و المعرفة الا انها خلقها و عبدها فتقها و رتقها بيدها بدؤها منها و عودها اليه ( اليها خ ) قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال ايضا عليه السلام لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، فمعني الاسماء اللفظية هي الاسماء المعنوية و هي الدوال علي مسماها المقارن بها و المتصف بها و المجموع وجه لله ( الله خ ) الواحد القهار تلتفت اليه سبحانه من غير التفاتك الي الاسم و المسمي و الدال و المدلول كما اني اذا قلت لك يا قائم فاني مااعني الا ذاتك من غير ملاحظة القيام و لا جهة اقترانك به و انما جعلته وجها اتوجه به اليك كالصورة في المرآة لملاحظة المقابل الخارج فالاسماء في مقام الواحدية و كذا مسمياتها و الذات رتبتها الاحدية فمن قال هذا المعني و اراد هذا المعني و عرف هذا المعني فقد اصاب فان الاسم ليس لصرف الذات بالضرورة و انما هي ( هو خ ) لظهوراتها اي ظهورات الفعل و الظهور علي قسمين عام و خاص فالظهور العام لعمومه يخص و هو اسم الله و المراد بالعموم سريانه في كل الاسماء [ص 37] و الصفات بحيث يكون الاسماء كلها وجه ( وجها خ ) من وجوهه و طور ( طورا خ ) من اطواره و لما كانت الالوهية هي المعبودية و هي الاستيلاء التام القائم علي كل نفس بما كسبت كانت الاسماء كلها جهات ظهوراتها فان المعبود يجب ان يكون خالقا و ما يتعلق به و كاملا و ما يتعلق به من الكمال و الاحوال و منزها عن جميع الشوائب و اللواحق المتعلقة بالمخلوقين العابدين و الاسماء و الصفات كلها لاتخلو عن هذه الثلثة فمنها صفات الخلق كالخالق البارئ المصور الرازق المحيي المميت المهلك الغافر المنعم و امثالها و منها صفات الكمال الذي يعتبر في مفهومها الاضافة و ان لميتعلق بالخلق من حيث هو كذلك كالعالم و القادر و السميع و البصير و الحي و امثالها و منها صفات القدس و هي صفات التنزيه كالقدوس و السبحان و العزيز و امثالها و كل هذه من ظهورات الالوهية التي هي المعبودية و لذا لايضاف العبد الا الي الله كما في قوله تعالي اياك نعبد و اياك نستعين و اما الاسم الخاص فقد يكون اضافيا و انحاء الاضافيات تختلف فالعام الكلي بعد اسم الله هو الرحمن و هو الجامع للقسمين من الصفات اعني الاضافة و الخلق فان الرحمن اسم للذات الظاهرة بالرحمة الواسعة مقام الاستواء علي العرش فلايعتبر فيه الا الاضافة و ليس له مقام التنزيه الصرف و ليس من اركانه الاحدية كما في اسم الله قال تعالي قل هو الله احد فالظاهر بالرحمة الواسعة انزل من الظاهر بالالوهية بمرتبة واحدة و يشتركان في كل الاحوال قال تعالي قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و تفصيل المقال في شرح هذه الاحوال يطلب في تفسيرنا [ص 38] علي آية الكرسي و كتابنا اللوامع الحسينية عليه السلام اعلم ان هنا كلمات و اسرار عجيبة غريبة طويت اكثرها و رمزت بعضها فان شافهتني ربما تحظي ببعض ذلك فان ايراد كل ما يخطر بالبال يؤدي الي تكثير المقال فان لبيان هذه الخطبة الشريفة مقامين الاول شرح العبارات و الفقرات المذكورة و حل العبارات و استخراج المراد من غامض الاشارات و الثاني خصوصات ( خصوصيات خ ) التعبير و جهات التقدير و سر التقديم و التأخير و كل واحد خصوصا الثاني يحتاج بيانه الي تمهيد مقدمات غريبة ليفهم السامع المراد و لايمكن ايراد كل ذلك نعم نشير ان شاء الله تعالي الي المجموع اشارة ليقف الجاهل و يعرف الحق من سبقت له من الله الحسني .