فصل - و اذ قد ذكرنا امر اليقين و الظن لايخلو من مناسبة ذكر الشك اعلم ان الشك تردد في اثبات الشيء يحصل في النفس من مشاهدة ادلة الوجود و العدم و لاتقدر علي ترجيح احديهما علي الاخري فتبقي مترددة بينهما و اول التردد و احتمال المخالف ريب فاذا قوي صار شكا و الذي يستنبط من الاخبار ان الشك اعم من الظن اذا استعمل وحده و اذا اجتمعا فلكل معناه و كذا الريب في اللغة يعم الشك و الظن و لكن منفردا فاذا اجتمع معهما [ص 449] فلكل معناه الخاص به و ربما يكون الامر في الخارج صرفا و ليس الا دليل الوجود او العدم و لكن مشاعر النفس عليلة لاتدرك الواقع كما هو فتتردد كما اذا كان الخط في الواقع صريحا و العين كليلة فلاتري فيشك الانسان في المكتوب و القصور من العين لا من الخط و لذلك ربما يبلغ الامر في الخارج التواتر و يكون كالشمس في رابعة النهار و لكن النفس مسبوقة بشبهات او مصبوغة بامراض فلايحصل لها اليقين بالمتواتر و غيره اذا بلغه الامر قطع به و كذلك يسلب اليقين من اهل الوسواس حتي انه ربما يرتمس في الماء مائة و عشرين مرة و لايتيقن بانه ارتمس و بلغني انه ابتلي احدهم بهذا المرض بحيث كان يدخل يده في الماء ثم يلتمس الناس ان اخبروني هل دخل يدي الماء ام لا و ابتلي احدهم ايضا بحيث كان يشك في طلوع الفجر و يبقي مترددا لايصلي الي قريب من طلوع الشمس ثم كان يشك في طلوع الشمس و لايدري أيصلي اداء ام قضاء و ربما يمر احدهم بالنجاسة و بينه و بينها مسافة فيشك في وصول النجاسة اليها و امثال ذلك من مرض في النفس و يحصل هذا المرض كثيرا في ممارسي الشبهات و الاحتمالات و ممارسي الاقوال المختلفة و المذاهب المتشتتة و لاسيما كتب الحكماء في تشتت اقوالهم و لذلك لاتشتهر في عصر الا و يتزندق كثير من اهله و كذلك كتب اصحاب الآراء كالعامة فان الآراء لاتقف علي حد فمن نظر فيها اعوج نفسه فتجوز الاحتمالات البعيدة و النفس اذا توجهت الي جهة و اشرقت عليها ربتها و احيتها و اقامتها و قوتها حتي قامت في مقابلة ساير الجهات و ربما غلبت فلاجل ذلك ممارسوا كتب اصحاب الآراء تتشوش اذهانهم و تضطرب نفوسهم و يكثر في كل بديهي عندهم الاحتمالات ما لايخطر ببال غيرهم فلاجل ذلك انسد باب العلم علي جماعة منا و يحتملون في كل كلمة احتمالات عديدة [ص 450] و اما من خلا منا ذهنه عن الشبهات و الشكوك يسمع الخبر و يفهم معناه بلا تأمل كما اذا سمع تاريخ اليميني يقرأ يفهم المراد كما هو المعتاد و علي اي حال سبب الشك قد يكون من المشكوك فيه و قد يكون من الشاك و الله سبحانه اجل من ان يدع امره و امر اوليائه و امر دينه مشكوكا و اما ان كان الناظر مريضا فلله عليه الحجة لا له علي الله قال الصادق عليه السلام :

علم المحجة واضح لمريده و اري القلوب عن المحجة في عمي

و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجي

و قال عليه السلام في وصيته لمفضل بن عمر من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و في الكافي بسنده عن الحسين بن الحكم قال كتبت الي العبد الصالح عليه السلام اخبره اني شاك و قد قال ابرهيم رب ارني كيف تحيي الموتي فاني احب ان تريني شيئا من ذلك فكتب اليه ان ابرهيم كان مؤمنا و احب ان يزداد ايمانا و انت شاك و الشاك لا خير فيه و كتب انما الشك ما لم‌يأت اليقين فاذا جاء اليقين لم‌يجز الشك و كتب ان الله عز و جل يقول و ماوجدنا لاكثرهم من عهد و ان وجدنا اكثرهم لفاسقين قال نزلت في الشاك و عن ابي‌اسحق الخراساني قال كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول في خطبته لاترتابوا فتشكوا فتكفروا ه‍ ، و الريب اول الشك عند حدوث الاحتمال فاذا قوي الاحتمال و استوي الطرفان فهو الشك و في اللغة يطلق الريب علي الظن و الشك و عن محمد بن مسلم قال كنت عند ابي‌عبدالله عليه السلام جالسا عن يساره و زرارة عن يمينه فدخل عليه ابوبصير فقال يا باعبدالله ما تقول فيمن شك في الله فقال كافر يا بامحمد قال فشك في رسول الله صلي الله عليه و آله فقال كافر ثم التفت الي زرارة فقال انما يكفر اذا جحد و عن ابي‌بصير قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قول الله [ص 451] عز و جل الذين آمنوا و لم‌يلبسوا ايمانهم بظلم قال بشك و عن بكر بن محمد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الشك و المعصية في النار ليسا منا و لا الينا و عن عثمن بن عيسي عن رجل عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال من شك في الله بعد مولده علي الفطرة لم‌يفء الي خير ابدا و عن ابي‌جعفر عليه السلام لاينفع مع الشك و الجحود عمل و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث دعائم الكفر بني الكفر علي اربع دعائم الفسق و الغلو و الشك و الشبهة الي ان قال و الشك علي اربع شعب علي المرية و الهوي و التردد و الاستسلام و هو قول الله عز و جل فباي آلاء ربك تتماري و في رواية اخري علي المرية و الهول من الحق و التردد و الاستسلام للجهل و اهله فمن هاله ما بين يديه نكص علي عقبيه و من امتري في الدين تردد في الريب و سبقه الاولون من المؤمنين و ادركه الآخرون و وطأته سنابك الشياطين و من استسلم لهلكة الدنيا و الآخرة هلك فيما بينهما و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و لم‌يخلق الله خلقا اقل من اليقين و الشبهة علي اربع شعب اعجاب بالزينة و تسويل النفس و تأول العوج و لبس الحق بالباطل و ذلك بان الزينة تصدف عن البينة و ان تسويل النفس يقحم علي الشهوة و ان العوج يميل بصاحبه ميلا عظيما و ان اللبس ظلمات بعضها فوق بعض فذلك الكفر و دعائمه و شعبه و عن منصور بن حازم قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام من شك في رسول الله صلي الله عليه و آله قال كافر قلت فمن شك في كفر الشاك فهو كافر فامسك عني فرددت عليه ثلث مرات فاستنبطت في وجهه الغضب و عن عبدالله بن سنان عن ابي‌عبدالله عليه السلام من شك في الله و في رسول الله صلي الله عليه و آله فهو كافر و عن النبي صلي الله عليه و آله من ناصب عليا حارب الله و من شك في علي فهو كافر و عنه صلي الله عليه و آله المخالف لعلي بعدي كافر و الشاك به مشرك مغادر [ص 452] و المحب له مؤمن صادق و المبغض له منافق و المحارب له مارق و الراد عليه زاهق و المقتفي لاثره لاحق ، الي غير ذلك من الاخبار فالشك ليس من الله و لا الي الله و لايدعو الله عباده الي الشك و لايرضي منهم بالشك .

فصل - قد ذكر في الاخبار التي ذكرنا ان الشاك كافر و ليست علي اطلاقها لمكان اخبار اخر و ذلك ان الكافر بمعني الساتر للحق و الشخص لايكون كافرا الا ان يكون جاحدا للحق معاندا و اما الشك و الظن و اليقين فهي حالات قهرية لايمكن للانسان الفرار منها اذا حصلت و لا تحصيلها اذا امتنعت فلا معني لان يكون الشك ما لم‌يكن جحود كفرا و ذلك انه ربما لايطاوع نفس الرجل اياه في قبول امر او اليقين به لشبهات لها او لنقص في الادلة الواصلة اليه او لمرض و الله سبحانه اجل من ان يكلف بما لايستطيع هذا و ان كان مريض النفس و كليل الادراك لتقصير منه لكنه الآن مريض و ليس علي المريض حرج فلربما يكون الشخص في شك لعدم استبانة الدليل له و عدم اطلاعه التام و لكنه ذو نفس اذا ظهر لها الامر و استبان تقبل و تسلم بلا اكراه فكيف يكون كافرا مثل هذا الرجل نعم علي الشاك ان لايجحد فان الجحود اثر البت علي الخلاف و الشاك ليس ببات علي الخلاف فاذا لم‌يجحد لم‌يكفر و اذا جحد كفر فالشاك في علي و لمايتبين له الامر و هو امرأ اذا تبين له امره قبله و سلم بلا اكتراث ليس بكافر نعم اذا كان علي شك و جحد من غير سبب فهو كافر حقا او كان علي يقين من النبي صلي الله عليه و آله و من نصه علي امامة علي عليه السلام و مع ذلك يشك في علي عليه السلام فهو كافر جاحد في الواقع و كذلك اذا كان علي يقين من نبوة النبي صلي الله عليه و آله ثم يشك في وجوب ما صدر منه او تواتر عنه وجوبه يقينا و امثال ذلك مما مآله الجحود و الانكار و معاندة الحق و بما ذكرنا وردت اخبار فمنها [ص 453] ما سمعت في الفصل السابق من حديث محمد بن مسلم ان الشاك كافر اذا جحد و ايضا عن محمد بن مسلم قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول كل شيء يجره الاقرار و التسليم فهو الايمان و كل شيء يجره الانكار و الجحود فهو الكفر و عن ابي‌جعفر عليه السلام لو ان العباد اذا جهلوا وقفوا و لم‌يجحدوا لم‌يكفروا انتهي ، و كذلك يبلغ الاستخفاف و التهاون حد الكفر لانه جحود العظمة و الكبرياء و وجوب الطاعة و روي في الكافي عن ابي‌عمرو الزبيري عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قلت له اخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عز و جل قال الكفر في كتاب الله علي خمسة اوجه فمنها كفر الجحود و الجحود علي وجهين فالكفر بترك ما امر الله و كفر البراءة و كفر النعم فاما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية و هو قول من يقول لا رب و لا جنة و لا نار و هو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهرية و هم الذين يقولون و مايهلكنا الا الدهر و هو دين وضعوه لانفسهم بالاستحسان منهم علي غير تثبت منهم و لا تحقيق بشيء مما يقولون قال الله عز و جل ان هم الا يظنون ان ذلك كما يقولون و قال ان الذين كفروا سواء عليهم ءانذرتهم ام لم‌تنذرهم لايؤمنون يعني بتوحيد الله فهذا احد وجوه الكفر و اما الوجه الآخر من الجحود علي معرفة و هو ان يجحد الجاحد و هو يعلم انه حق قد استقر عنده و قد قال الله عز و جل و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم ظلما و علوا و قال الله عز و جل و كانوا من قبل يستفتحون علي الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله علي الكافرين فهذا تفسير وجهي الجحود و الوجه الثالث من الكفر كفر النعم و ذلك قوله تعالي يحكي قول سليمان هذا من فضل ربي ليبلوني ءاشكر ام اكفر و من شكر فانما يشكر لنفسه و من كفر فان ربي غني كريم و قال لان شكرتم لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد و قال فاذكروني اذكركم [ص 454] و اشكروا لي و لاتكفرون و الوجه الرابع من الكفر كفر ترك ما امر الله عز و جل به و هو قول الله عز و جل و اذ اخذنا ميثاقكم لاتسفكون دماءكم و لاتخرجون انفسكم الي قوله أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم فكفرهم بترك ما امر الله عز و جل به و نسبهم الي الايمان و لم‌يقبله منهم و لم‌ينفعهم عنده فقال فما جزاء من يفعل الآية و الوجه الخامس من الكفر كفر البراءة و ذلك قول الله عز و جل يحكي قول ابرهيم كفرنا بكم الي قوله بالله وحده يعني تبرأنا منكم و قال يذكر ابليس و تبريه من اوليائه من الانس يوم القيمة اني كفرت بما اشركتموني من قبل و قال انما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم في الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض و يلعن بعضكم بعضا يعني يتبرأ بعضكم من بعض انتهي الحديث الشريف ، و الثلثة الوجوه الاخيرة لاتكون سبب الكفر المعروف و انما الكفر الذي يجري عليه احكام الكفار هو كفر الجحود بقسميه فتبين و ظهر ان الشك ليس بكفر ما لم‌يؤد الي الجحود لانه حالة قهرية للنفس و هو فاحص طالب يريد الوصول الي الحق و لو وصل و عرف لقبل و هو ساخط علي نفسه لانها شاكة فما باله يكفر و اما الجحود فهو حالة اختيارية لا وجه لها لمن لايعلم حقيقة شيء و ليس الا من جهة المشاقة و العناد و اما الشاك فلا عناد له و انما هو طالب باحث ألم‌تسمع ما رواه العياشي عن محمد بن مسلم عن احدهما عليهما السلام قال في ابرهيم عليه السلام اذا رأي كوكبا قال انما كان طالبا لربه و لم‌يبلغ كفرا و من فكر من الناس في مثل ذلك فانه بمنزلته و اما قول ابي‌عبدالله عليه السلام من قال هذا اليوم فهو مشرك و لم‌يكن من ابرهيم شرك و انما كان في طلب ربه و هو من غيره شرك الخبر ، فانما هو بعد وضوح الامر و تمام الحجة فمن قال مثل ذلك فهو مشرك و اما عند عدم الوضوح [ص 455] و في اثناء الطلب و تردد النفس في المحتملات من غير جحود فلا بأس سواء اليوم و ذلك اليوم و لكل احد ألم‌تسمع قوله تعالي لئن لم‌يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين و اما قول علي عليه السلام لاترتابوا فتشكوا فتكفروا فمعناه لاترتابوا فيؤديكم الي الشك و لاتشكوا فيؤديكم الي الجحود و الكفر لا ان الريب شك و الشك كفر .

فصل - في المعرفة و قد ذكرنا انها لغة اذا انفردت تطلق علي العلم و اليقين ايضا و اذا اجتمعت فهي تختص بالوصول الي عين المعروف و لذلك لايقابلها الا الانكار و ليس هناك محل ظن و شك كقوله تعالي فعرفهم و هم له منكرون و قوله يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و قد يطلق عدم المعرفة علي الانكار كقوله عليه السلام من لم‌يعرف امام زمانه فقد مات ميتة جاهلية اي من انكر امام زمانه و اما من لم‌يعرف و لم‌يجحد و هو في الطلب ليعرف و يأتم به فليس موتته ميتة جاهلية و هي اذا اجتمعت مع اخويها تختص بما يدركه الانسان بفؤاده فلمعرفته ثلثة مقامات الاول معرفته بالعالي فهي بالوصول الي صفته التي وصف نفسه له بها و الثاني معرفته بنفسه فهي بالاعراض عن جميع ما هو غير ذاته و ادراكها بها و الثالث معرفته بساير الحقايق التي دونها فيري كل ما يري بالاحاطة و الواصل الي مقام الفؤاد قليل قليل و هو اقل من المؤمن مع ان المؤمن اقل من الكبريت الاحمر لانه مقام الوصال و الاتصال بصفة ذي الجلال و قطع مراتب الخلق بالكلية و هو مقام الحقيقة التي سأل عنها كميل اميرالمؤمنين عليه السلام و هو انه كان ذات يوم رديفا له عليه السلام علي ناقته فقال يا مولاي ما الحقيقة فقال عليه السلام ما لك و الحقيقة يا كميل فقال كميل أولست صاحب سرك فقال بلي و لكن يرشح عليك ما يطفح مني قال أومثلك يخيب سائلا قال عليه السلام الحقيقة كشف سبحات [ص 456] الجلال من غير اشارة قال زدني بيانا قال عليه السلام محو الموهوم و صحو المعلوم قال زدني بيانا قال عليه السلام هتك الستر و غلبة ( لغلبة . نسخة ) السر فقال زدني بيانا قال عليه السلام جذب الاحدية لصفة التوحيد فقال زدني بيانا قال عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره قال زدني بيانا فقال اطفئ السراج فقد طلع الصبح انتهي ، و هذه الحقيقة هي ذلك الفؤاد الذي اشار اليه الصادق عليه السلام في قوله اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و هي نور الله المشار اليه في قول النبي صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هي المثال الذي اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله فذلك المقام اذا صار في انسان بالفعل فله آثار في جميع المراتب فلايتحرك و لايسكن الا بالله و في الله و لله و لايري الا الله و لايمشي الا اليه و لايعطي الا اياه و لايدعو سواه و لايكلم غيره و لايسمع من دونه و يهيج في قلبه ريح المحبة فتنتشر في جميع اعضائه و جوارحه و ظواهره و بواطنه فيستأنس في ظلال المحبوب و يستقر في ظله لايخرج منه الي غيره و يؤثره علي ما سواه و يباشر ليلا و نهارا اوامره و يجتنب نواهيه و يقول يا نعيمي و جنتي و يا دنياي و آخرتي و يكون جميع لذاته في النظر الي وجه محبوبه و تفكره فيه و ذكر اسمه بلسانه و جريه في خدماته متوجها اليه في جميع حالاته قال الصادق عليه السلام العارف شخصه مع الخلق و قلبه مع الله لو سهي قلبه عن الله طرفة عين لمات شوقا و العارف امين ودايع الله و كنز اسراره و معدن انواره و دليل رحمته علي خلقه و مطية علومه و ميزان فضله و عدله قد غني عن الخلق و المراد و الدنيا فلا مونس له سوي الله و لا نطق و لا اشارة و لا نفس الا بالله لله من الله مع الله فهو في رياض [ص 457] قدسه متردد و من لطائف فضله اليه متزود و المعرفة اصل فرعه الايمان و في الكافي بسنده عن جميل بن دراج عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله عز و جل مامدوا اعينهم الي ما متع الله به الاعداء من زهرة الحيوة الدنيا و نعيمها و كانت دنياهم اقل مما يطؤنه بارجلهم و لنعموا بمعرفة الله جل و عز و تلذذوا بها تلذذ من لم‌يزل في روضات الجنان مع اولياء الله ان معرفة الله عز و جل انس من كل وحشة و صاحب من كل وحدة و نور من كل ظلمة و قوة من كل ضعف و شفاء من كل سقم ثم قال عليه السلام و قد كان قبلكم قوم يقتلون و يحرقون و ينشرون بالمناشير و تضيق عليهم الارض برحبها فمايردهم عما هم عليه شيء مما هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم و لا اذي بل مانقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد فاسألوا ربكم درجاتهم و اصبروا علي نوائب دهركم تدركوا سعيهم و عن ابي‌حمزة قال قال لي ابوجعفر عليه السلام انما يعبد الله من يعرف الله فاما من لايعرف الله فانما يعبده هكذا ضلالا قلت جعلت فداك فما معرفة الله قال تصديق الله عز و جل و تصديق رسوله صلي الله عليه و آله و موالاة علي و الائتمام به و بائمة الهدي عليهم السلام و البراءة الي الله من عدوهم هكذا يعرف الله عز و جل و في حديث الخيط عن علي بن الحسين عليهما السلام المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و في تفسير البرهان عن يونس بن ظبيان قال دخلت علي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام الي ان قال قال عليه السلام ان اولي الالباب الذين عملوا بالفكرة حتي ورثوا منه حب الله فان حب الله اذا ورثته القلوب استضاء به و اسرع اليه اللطف فاذا نزل منزلة اللطف صار من اهل الفوايد فاذا صار من اهل الفوايد [ص 458] تكلم بالحكمة و اذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة فاذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فاذا عمل بها في القدرة عمل بها في الاطباق السبعة فاذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في لطف و حكمة و بيان فاذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته و محبته في خالقه فاذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبري فعاين ربه في قلبه و ورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء و ورث العلم بغير ما ورثته العلماء و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون ان الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت و ان العلماء ورثوا العلم بالطلب و ان الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع و طول العبادة فمن اخذ بهذه السيرة اما ان يسفل و اما ان يرفع و اكثرهم الذي يسفل و لايرفع اذا لم‌يرع حق الله و لم‌يعمل بما امره به فهذه صفة من لم‌يعرف الله حق معرفته و لم‌يحبه حق محبته فلاتغرنك صلاتهم و صيامهم و رواياتهم و علومهم فانهم حمر مستنفرة الخبر ، و في المحاسن بسنده عن عبدالاعلي قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام هل جعل في الناس اداة ينالون بها المعرفة قال لا قال فهل كلفوا المعرفة قال لا ان علي الله البيان لايكلف الله العباد الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و عن عمر بن اذينة قال سألت اباجعفر عليه السلام عن قول الله حنفاء غير مشركين به ما الحنيفة قال هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها فطر الله الخلق علي معرفته و عن زرارة قال سألت اباجعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل فطرة الله التي فطر الناس عليها قال فطرهم علي معرفة انه ربهم و لولا ذلك لم‌يعلموا اذا سئلوا عن ( من ظ ) ربهم و لا من رازقهم و عنه قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم ألست بربكم قالوا بلي قال ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما و لولا ذلك لم‌يدر احد من خالقه و لا من رازقه و عن حسن الصيقل قال سمعت اباعبدالله [ص 459] عليه السلام يقول لايقبل الله عملا الا بمعرفة و لا معرفة الا بعمل و من عمل دلته المعرفة علي العمل و من لم‌يعمل فلا معرفة له انما الايمان بعضه من بعض و عن عبدالاعلي مولي بني‌سام عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لم‌يكلف الله العباد المعرفة و لم‌يجعل لهم اليه سبيلا و في الكافي بسنده عن مقرن قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول جاء ابن‌الكوا الي اميرالمؤمنين صلوات الله عليه فقال يا اميرالمؤمنين و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم فقال نحن علي الاعراف نحن نعرف انصارنا بسيماهم و نحن الاعراف الذين لايعرف الله عز و جل الا بسبيل معرفتنا و نحن الاعراف يعرفنا الله عز و جل يوم القيمة علي الصراط فلايدخل الجنة الا من عرفنا و عرفناه و لايدخل النار الا من انكرنا و انكرناه ان الله عز و جل لو شاء لعرف العباد نفسه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و الوجه الذي يؤتي منه فمن عدل عن ولايتنا او فضل علينا غيرنا فانهم عن الصراط لناكبون فلا سواء من اعتصم الناس به و لا سواء حيث ذهب الناس الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بامر ربها لا نفاد لها و لا انقطاع و عن الفضل بن السكن عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و العدل و الاحسان و عنهم عليهم السلام بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و في الزيارة من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و في حديث النورانية ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي ، و لعلي نقلته بالمعني الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة لمن جاس خلال الديار .

فصل - اعلم انه ليس وضع هذا الكتاب علي بيان العلوم و الحكم و الا لارخينا عنان القلم ليجول شيئا في هذا الميدان و لكن بناءه علي بيان حقايق الطريقة [ص 460] و ما لم‌يتكفل ببيانه ساير كتبنا فلاجل ذلك لايمكنني البسط في بيان المعرفة و لكني اقول ما يناسب وضع هذا الكتاب ان المعرفة في اللغة هي المعروف تقول عرفت زيدا يعني رأيته و علمت انه هو هو و تقول اعرف زيدا اي اينما اجده اعلم انه هو هو و هي ضد الانكار فاذا رأيت زيدا و لم‌تعلم به من هو قلت انكرته فان علمت انه ابن من و ابو من و من هو قلت عرفته فمعرفة الله عز و جل يتحقق لك اذا عرفت ما تجلي لك به فاينما رأيت تجليه عرفت انه هو فمن بلغ هذا المبلغ عرف الله ألم‌تر انك لو لم‌تر زيدا لم‌تعرفه معاينة و الذي تراه تجليه و لونه و هيئته و صفته فاذا رأيت صفته و رأيته في صفته و علمت به تقول عرفته فمن لايعرف صفة الله و لم‌يعلم بها لايعرف الله و اما الذات فالنبي صلي الله عليه و آله مع غيره في حقها سواء لايعرفها و لايصل اليها نبي فمن دونه فمعرفة الله المكلف بها معرفة صفته القائمة مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فمن عرف تلك الصفة معاينة عرف الله و الا فقد جهل الله و انما يذكر لفظا لايسمن و لايغني من جوع فالفرق بين الحكيم و العارف ان الحكيم يصفه انه هكذا و هكذا و لكن اذا شاهده لم‌يعرفه و اما العارف فانه يعرفه علانية و معاينة و لعله لايقدر علي ان يصفه كذلك الحكيم الذي يصفه و لايعرفه و قد حققنا في ساير كتبنا ان الله جعل محمدا صلي الله عليه و آله خليفته و القائم مقامه في خلقه و ظاهره في عباده و وجهه الذي يتوجه اليه الاولياء و صفته التي وصف بها نفسه و مثله الاعلي الذي مثل به لنفسه فهو وجه المعرفة فمن عرفه فقد عرف الله و من جهله فقد جهل الله و انما يعرف محمدا صلي الله عليه و آله كذلك من عرف عليا و آله عليهم السلام بذلك فانهم انفسه و من نوره و من طينته و من روحه هم محمد و محمد هم و هم ابواب [ص 461] محمد صلي الله عليه و آله التي لايؤتي الا منها و سبيله الذي لايوصل اليه الا به و ظاهره و صفته و تجليه و ليس معرفة محمد معرفة جثته و انما المراد معرفة حقيقته و حقيقته لاتعرف الا في آله فانهم ظواهره صلوات الله عليهم فمن عرفهم فقد عرف محمدا صلي الله عليه و آله و من جهلهم فقد جهل محمدا صلي الله عليه و آله و بذلك و بما يلزمه تواتر الاخبار عن الائمة الاطهار صلوات الله عليهم و قد ملأنا بها كتبنا و ملأت الاقطار و قد قال الله تعالي ذرية بعضها من بعض و كذب من زعم انه يعرف محمدا (ص) و لايحبه و كذب من زعم انه يحب محمدا صلي الله عليه و آله و لايحب آله و كذلك لايعرف آل‌محمد عليهم السلام حق معرفتهم من لم‌يعرف اوليائهم اذ ليس المراد معرفة جثث آل‌محمد عليهم السلام و انما المراد معرفة حقايقهم و انوارهم و هي لاتعرف الا بصفاتها و صفاتها اشعتها و اشعتها شيعتهم صلوات الله عليهم اجمعين و ذلك ان حقايقهم فوق مشاعر العباد و لايمكن ان تصل اليها الا الي ما ظهر منها في رتبتهم فبذلك صارت المعرفة الحقيقية معرفة الله في محمد صلي الله عليه و آله و معرفة محمد في آله صلوات الله عليهم و معرفة آل‌محمد عليهم السلام في شيعتهم و اوليائهم و في جميع هذه المراتب ليس المراد معرفة الجثث و انها لاتتوقف علي معرفة غيرها و بذلك ملأنا ساير كتبنا و لاجل ذلك مر في حديث جابر ان المعرفة هي المعارف السبع و الا فلا معرفة و ان المعرفة معرفة الله و معرفة رسوله و معرفة آله صلوات الله عليهم و البراءة من عدوهم و روي ان اركان الاسم الاعظم اربعة لا اله الا الله محمد رسول الله و نحن و شيعتنا و ليس هيهنا موضع التفصيل فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و مواقع الصفة هي مظاهر اظهر الله صفاته فيها و تجلي بها و اري نفسه خلقه فيها و لاجل ذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام لم‌اعبد ربا لم‌اره [ص 462] فرؤية الله رؤية مظاهره و مواقع صفاته اذ هي منظره و مرآه و اعلم ان الله جل و عز احد ليس شيء غيره كذلك كان و كذلك يكون و هو اولي بخلقه منهم و اوجد منهم في امكنة وجودهم و اقرب اليهم منهم و لكن الخلق يحجبهم الاعمال و الآمال و انياتهم عنه فمن رق حجاب انيته حتي شف يحكي ما وراءه و من غلظ حجاب انيته يشتغل به و يغفل عنه و لايشف عما وراءه و علامة الرقة ظهور صفات العالي و افعاله و انواره منه فالخلق في ذلك مختلفون فمنهم من يحكي شيئا و منهم من يحكي شيئين و هكذا و انما الكمال كل الكمال لمن يحكي جميع ما وراءه و هو من لم‌يدع لنفسه انية و فني عبوديته في ربوبيته فاخفي نفسه و اظهر ربه و فقد نفسه و وجد ربه فذلك هو خليفة الله في الارضين و القائم مقامه في الاداء في العالمين الذي من اراد الله بدأ به و من وحده قبل عنه و من قصده توجه اليه و هو منظره و مرآه و دليله و جهته و ظهوره و آيته و وجهه و سبيله و بابه و مناله و مسماه و اسمه و ما يعبر عنه به منه و ما يدرك او يعقل منه و ما يراد منه ليس للخلق شيء سواه و لا ملجأ دونه و كذلك المجلي الثاني عند المجلي الاول و المجلي الثالث عند الثاني فليس عند اهل كل رتبة من العالي الا مجلاه الذي فيه فيرونه فيه و يرومونه منه قال الله سبحانه ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها فمن زعم انه له سبيل الي العالي من غير هذا الباب فقد ضل و غوي و كذب و افتري و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و ليس كل ما طلب وجد و الله خليفتي عليك فذلك هو المعرفة التي من تقدم عليها مرق و من تخلف عنها زهق و من لزمها لحق و من عرفها سبق و ذلك منتهي المعرفة التي اراد الله من خلقه و بها نزل الكتاب و جرت السنة و اعلم انك كلما تسعي و تجهد لاتتجاوز [ص 463] رتبتك و حدك كيفما كنت و اينما كنت و الذي هو اولي بربك اعلي منك رتبة و درجة و كل فيض يصل اليك من ربك يصل اليه اولا ثم يصل اليك من فاضله و قشوره علي حسب رتبتك و ليس معني ذلك ان يكون اولي بربك من حيث و لعلك تكون اولي من حيث آخر كاللذين يكون احدهما اعرف بالفقه و الآخر اعرف بالنجوم و يكون احدهما احذق في الطب و يكون صاحبه احكم في الفلسفة فليس احد هذين واسطة علي الاطلاق نعم كل واحد باب يدخل منه الآخر فكل واحد من حيث كماله باب ينبغي حين طلب ذلك الشيء الرجوع اليه بل المراد ان الواسطة بينك و بين ربك هو الذي هو اولي بربك منك من كل جهة و انت تحتاج اليه من كل جهة فهو خليفة ربك عليك و القائم مقامه بين ظهرانيكم فلايذهبن بكم المذاهب و لاتتخذوا عباد الله اربابا و لاتلجؤا الي كل قائم و لاتؤوا الي كل ركن و لاتتخذوا من دون الله و دون رسوله و اوليائه عليهم السلام ولايج فان وجدت من يكون اولي بربك من كل جهة فهو من مراتب المعرفة و شروط التوحيد و الا فهو من الآيات الجزئية التي اراك الله في الآفاق و الانفس فاطلبها فيه من ذلك الحيث كما يطلبه فيك من حيث آخر حتي ان الحجر له صلابة ليس لغيره و يلجأ اليه عند الحاجة و المدار علي الفعلية ،

و ما ليس فيه خرزة لمحبه و لا لعداه السم ليس بحية

و لايجوز بيان هذه المطالب باوضح من ذلك و ان كنت اوضحت لمن كان له عين و الله يهدي السبيل بالجملة العارف من يعرف ربه حيث يراه و الا فليس بعارف و المراد برؤية الرب رؤية مواقع صفاته و مجاليه لا غير فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

فصل - اعلم ان جميع ما في هذا العالم جسم من العرش الي الفرش لا مزية لواحد مما بينهما علي الآخر و ليس شيء منها اقرب الي الجسم المطلق و لا احكي له [ص 464] من الآخر و لا فخر لواحد علي الآخر و منها العناصر الاربعة النار و الهواء و الماء و التراب و كل واحد منها جسم الا ان النار جسم حار يابس و قد تجلي الجسم فيها بصفة لم‌يتجل بها في اخوتها فلها من حيث الحرارة و اليبوسة مزية ليس لاخوتها و تلك المزية هي مصداق النار و المسمي به و كذلك تجلي الجسم في الهواء بالحرارة و الرطوبة و خصه به و له هذه المزية و هي مصداق الهواء و هكذا اخواهما فهي من حيث الجسمية لا مزية لواحد منها علي الآخر و انما يقاس بعضها ببعض من حيث الفعليات التي ظهرت بها فاذا قسنا النارية و الهوائية و المائية و الترابية فالنارية اشرف من الكل و هي سيدهم و ملاذهم و ملجأهم و مبدأهم يجب ان يرجعوا اليها حين دعواتهم و حوايجهم و لايتجاوزها ترقي مترق منها ثم هكذا الهواء بالنسبة الي ما دونه و الماء بالنسبة الي التراب فالنار نوعا اعلي و اقرب من المبدء ثم الهواء ثم الماء ثم التراب و جميع ما ينزل من السماء يصل الي النار ثم الي الهواء ثم الي الماء ثم الي التراب و كل عال منها بالنسبة الي الداني قبلة و وجهة حال توجهه الي السماء و باب السماء اليه في الافاضة و بابه الي السماء في الاستفاضة و الاعالي قري ظاهرة للسير الي القري المباركة السماوية و ما لم‌يقطع التراب قرية الماء ثم قرية الهواء ثم قرية النار لم‌يقدر ان يصل او يتصل الي السماء و لا بد في الوجود من التدرجات الحكمية صعودا كما خلق عليه نزولا ثم اذا ركبت هذه العناصر تركيبا و صنعت منها النباتات كان كل نبت مركبا من العناصر و لا مزية و لا فخر لواحد من هذا الحيث علي الآخر و قد ظهر في الكل النفس النباتية التي هي من صوافي العناصر و لطايفها فجميعها نام جاذب دافع هاضم ماسك مرب يزيد و ينقص بدون تفاوت نعم كل ما كان منها اعدل و اصفي و انعم كان افضل و هكذا الامثل [ص 465] فالامثل ففضل نبات علي نبات بفعلية خاصة له دون غيره و تلك الفضيلة هي مصداق اسمه و مسماه فله الشرف الاشرف و ليس لنبات دونه ان يتكبر عليه او يسوي نفسه به لاني ايضا من العناصر كما انت منها و لا فخر لك علي اذ له من اللطافة و الاعتدال ما ليس في غيره و تلك الفعلية هي هو و هي مصداق اسمه فله الشرف الذي ليس لغيره فعلي النباتات الدنيا ان يتقربوا بالنبات الاعلي الي السماوات العلي و يبتغوا به اليها الوسيلة و يتخذوه سبيلا و قبلة و وجهة و بابا و جنابا و دليلا و حجابا و اعدلها و اصفاها ما هو اقرب الي الحيوانية فلعله النخل و بورايخ او اشجار جزيرة واق‌واق و امثالها فكلما ينزل من سماء الحيوة يطلع عليها تلك الاشجار قبل ساير النباتات و تنتفع منها قبل ساير النباتات بل تنتفع منها بما لاينتفع به ساير النباتات لخفائه عليها و كونه فوق مشاعرها فتاخذ تلك الاشجار صفايا الفيوض النازلة و ترسل البواقي الي ساير النباتات الغاسقة المنحرفة فتنتفع بقشور ما انتفعت به تلك الاشجار و بعدها فتلك الاشجار تحكي من سماء الحيوة ما لايحكيه ساير النباتات و تفهم منها ما لاتفهمه و لايمكن ان تصل ساير النباتات الي سماء الحيوة الا ان تمر علي تلك الاشجار و تبلغ درجتها و ليس لنبات كثيف ان يتكبر عليها باني نبات مثلكم في ما فيكم و ان كان فيكم لطافة ليست في ففي كثافة ليست فيكم لانهم يقولون ان نحن الا نبات مثلكم و لكن الله يمن علي ما يشاء من عباده فمن علينا بان جعلنا صافية معتدلة حاكية للحيوة السماوية و انا و ان كنا لطائف في كنهنا لانفقد ما تجدونه في ادني درجاتنا فانا نزلنا اليكم ايضا و اخذنا لصافي طويتنا لباسا غاسقا من جنسكم فقمنا به في صفوفكم فلنا مزية ليست فيكم و قدرة و عين و سمع و بصر و يد ليست لكم و لنا سلطان عليكم فبذلك يجب عليكم ان تتبعونا و تقرون بفضلنا ثم لما [ص 466] صفا النبات و اعتدل مزاجه و لطف طباعه و شف عناصره اشتعل بشعاع الفلك و صار حيوانا علي حسب ركنه الفلكي و ركنه النباتي العنصري مادة و صورة و جميع الحيوانات مشترك في هذين الركنين ليس لواحد منهما فخر علي الآخر و كلها متحركة مريدة حساسة فمن هذا الحيث ليس لواحد منها فخر و مزية علي الآخر نعم كل حيوان فيه فعلية زائدة له فخر علي الذي ليس فيه تلك المزية بالفعل و تلك الفعليات هي عرصة التشريع و الحسن و القبح و العلو و الدنو و الكمال و النقصان و السعادة و الشقاوة و جميع الاضداد من عرصة التشريع فما كان من الحيوان فيه لطافة موجودة و صفاء بالفعل و قدرة و ذكاء حواس و اعتدال و تعلم بشباهته الانسان فله الفضل و المزية و الشرف علي غيره ألاتري ان الديدان و الخنافس و ان كانت تشارك الدواب في محض الحيوة و النما و لكن للدواب فضل اعتدال و ذكاء حواس و قوة و قدرة ليست فيها البتة و بذلك الفضل مقدمة رتبة عليها و تحوز من امداد الافلاك ما لاتحوزه الديدان فاذا نزل من الافلاك مدد يصل الي الدواب اول و المراد بالاول الاول الرتبي لا الزماني و امثل لك لهذه الاولية مثلا اذا كان مكان الهواء النار و كان علي الارض شجرتان رطبة و يابسة فتشتعل اليابسة بتلك النار و تحس بها و تنفعل و لاتحس بها الشجرة الخضرة ابدا الا ان تنصبغ النار في اليابسة و تغلظ حتي توافق حس الخضرة فتدركها في اليابسة و باليابسة و من اليابسة مع قرب النار منهما معا و اتصالها بهما و كذلك الامر في جميع العوالم فما ينزل من مدد من السماء لايحس به الخنافس بل يدركه الدواب و ما يشاكلها ثم بعد تغلظه فيها تدركه الخنافس و هذا معني توسط الحيوانات المعتدلة بين غير المعتدلة و المبدأ و وصول الامداد الي المعتدلة قبل وصولها الي غير المعتدلة و عدم امكان وصول غير [ص 467] المعتدلة الي المبدأ الا بواسطة المعتدلة فان حيز المعتدلة اعلي و حكايته لفعليات المبدأ اكثر و ذلك ان جميع الشهادة فعليات الغيب و تمثلاته و بعض الفعليات اقدر و اقوي و اكمل و الطف و اعلي و اغني و اصفي و اوفق بالمبدأ و انسب لظهور وحدانيته و بعضها دون ذلك و ما هو كذلك فهو باب افاضة عرضية برانية علي الذي هو دون ذلك كما ان السراج باب الافاضة البرانية و ان كان النار في جميع الفضاء مثلا فالدواب باب مفتوح بين المبدأ و بين الديدان منه يخرج ما ينزل من العالي و اليه يصعد ما يصعد الي العالي و قلنا انه منه يخرج لانه يتنبه قبل ان يتنبه غيره فكأنه يحوزه ثم يصل القشور و هي ما يخرج منه الي غيره و قلنا انه اليه يصعد فان مشاعر الدون لايتجاوزه و لايدرك ما سواه و ليس عنده من ذكر العالي الا ما ذكر في ذلك الباب و سمع من ذلك الجناب ألاتري ان الشجرة الرطبة لم‌تتنبه بالنار الخفية و لم‌تطلع عليها و لكن يتنبه بها الشجرة اليابسة و تشتعل بها فلما كثفت النار اللطيفة الخفية في بطن الشجرة اليابسة ادركتها حواس الاشجار الرطبة و استنارت بها بعد فالشجرة المشتعلة باب واسط بين الاشجار الرطبة و النار الخفية فكلما ينزل من النار الي الاشجار الرطبة من ضياء فمن هذا الباب و كلما يدرك الاشجار الرطبة من النار ففي ذلك الباب فهو خليفة النار بين الاشجار و وجهته و ملاذ الاشجار و قبلتهم اليه يرفعون الحاجات و يشخصون الابصار و يمدون الاعناق و يبسطون الايدي و يوجهون الدعوات فهو القرية الظاهرة بينهم و بين القرية المباركة و السفير بينه و بينهم و النبيء عنه لهم ينبئهم عن القرية المباركة و يعرض حوائجهم عليه بالجملة لا بد و ان يكون بين الحيوانات الضعيفة و بين الانسان واسطة هو احكي لصفات الانسان و اعلم به و اولي يصل اليه الفيوض اول ثم يصل منه الي الضعاف كما شرحنا و بينا و كذلك لا بد و ان يكون بين المؤمنين [ص 468] و بين الانبياء وسايط هم اشبه بالانبياء و احكي لصفاتهم و اعمل بسنتهم و سيرتهم و اعلم باسرارهم و حقيقتهم كما روي عن الرضا عليه السلام منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني‌اسرائيل و عن النبي صلي الله عليه و آله فضل العالم علي العابد كفضلي علي ادناكم فهم يكونون وسائط نزول الامداد و صعود حوايج الاستعداد من اهل الوداد و علي ذلك مدار العالم من آدم الي خاتم و ان كانوا مشتركين مع الجمادات في البدن الجمادي و مع النباتات في البدن النباتي و مع الحيوانات في البدن الحيواني و مع ساير الاناسي في البدن الانساني و ليس لاحد ان يساجلهم في البدن الانساني و يقول اي فخر لكم علينا تأكلون مما ناكل منه و تشربون مما نشرب منه و تنكحون الازواج و تلبسون اللباس و تركبون المراكيب و تمشون في الاسواق مثلنا فان لهم فعلية فوق ما فيهم و انما الشرف كل الشرف لتلك الفعلية و بها فضلوا علي من دونهم ألاتري ان الشمس لا فضل لها علي السجيل من حيث كونها جوهرا ذا ابعاد و لكن الفضل في فعلية النور و الحرارة و اللمعان و اللطافة التي لها دون السجيل و بذلك سادت الشمس علي السجيل و يجب ان يخضع لها و يتبعها و يكتسب منها فكذلك افراد البشر كلهم ذو نفس ناطقة لا فضل لاحد منهم علي الآخر من هذا الحيث و اما من فضله الله بالتقوي و رفعه بالعلم و زينه بالحلم و منحه مكارم الاخلاق و شرفه بالحكم فذلك الذي ظهر بفعلية يفقدها من هو دونهم و ان النار الغيبية المحيطة بالكل التي عمي عنها اعين الناقصين و لم‌يطلعوا عليها قد اشتعلت في وجوده فاضاء بنورها و اشراقها فصار ضيأ مشرقا منبئا عن النار الغيبية مخبرا بذاتها و صفاتها و افعالها فكل من رام الاطلاع علي تلك النار الغيبية يجب ان يراجع هذا المشتعل و يستبين منه و يستطلع منه و الا فهو محروم عن درك النار الغيبية [ص 469] و لايطلع عليها و ان سماها يوما ما فليس الا محض لفظ لايفهم معناها بل نار الجدران ليست الا الشعلة و انهم لعميانون عن رؤية النار الغيبية محجوبون عن دركها ممنوعون عن ارادتها فنارهم الشعلة المشتعلة بنور النار الغيبية و لايخبرون الا عنه و لايطلبون الا اياه و ليس ذلك بشرك بالنار فان النار الغيبية هي اولي بالشعلة من الشعلة و اوجد منها في مكانها و اقرب اليها منها و الشعلة هي مرأي النار و ظهورها و هي تري اذا رأي منها الشعلة فليس ذلك اخذ شعلة دون النار و لا اخذ شعلة مع النار بل هو اخذ النار في ظهورها و صفاتها و كمالاتها قال ابوعبدالله عليه السلام من عبد الله بالتوهم فقد كفر و من عبد الاسم دون المعني فقد كفر و من عبد الاسم و المعني فقد اشرك و من عبد المعني بايقاع الاسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه و نطق به لسانه في سر امره و علانيته فاولئك اصحاب اميرالمؤمنين حقا انتهي ، و الظاهر ان المراد من عبادة الله بالتوهم ان يعبده من غير ان يتوسل باسمائه و صفاته التي وصف بها نفسه فمن لم‌يتوسل بالشعلة فقد توهم النار توهما و لم‌يرها بظهورها و لايصل الي شيء فقد كفر النار و سترها بانكاره الظهور و من توجه الي الشعلة غافلا عن النار فقد كفر النار و سترها و من توجه الي النار و الشعلة معا فقد اشرك بها عبدها و ظهورها و من توجه الي النار في الشعلة و بالشعلة فقد فاز برؤية النار و اولئك اصحاب الشعلة التي هي ظهور النار حقا فهم اصحاب النار حقا فالاناسي في رتبتهم لهم مراتب فمن كان منهم ذا فعليات كاملة و هي الصفات العقلانية الروحانية التي عبر عنها الشرع فهو عقل ظاهر مقدم علي ساير المراتب و هو الواسطة بين الناقصين الابعدين و بين اوائل جواهر العلل و هو المفضل بصفاته علي الفاقدين لها و من لم‌يكن فيه الصفات الروحانية بالفعل فليس بشيء اذ [ص 470] كل شيء فيه معني كل شيء و لا فخر و ما لم‌يتلطف القابلية لم‌تحك عما ورائها علي ما هو عليه فاذا تلطفت علا حيزها و صعدت فيه و ارتفعت عن البواقي الخوالف فتوسطت بينهم و بين العلة فصارت بابا ينزل منه جميع فيوض العالي و امداده اذ هو يطلع عليها قبل الكل و يحوزها قبل الكل و يصطفي منها ما يناسبها و ينزل الغلائظ الي الغلائظ لينالوا منها حظهم و لتعلم ان الغلائظ فيها تتغلظ و بها تتكثف و الا فمن العالي لاينزل لطيف و كثيف حتي يستنقيها و يصطفي اللطيف لنفسه و يرسل الكثيف الي الباقين و انما مثلها بينهم كمثل الروح البخاري بين الاعضاء حيث لطف و رق حتي صار صفات الروح الملكوتي فيه بالفعل و بذلك علا حيزه و توسط بين الروح الملكوتي و بين ساير الاعضاء و صار حيا بالفعل مشتعلا بنار الروح الملكوتي متصفا بصفاته فبذلك تفضل علي من سواه و صار كعبة الاعضاء و وجهتهم و امامهم و مرجعهم اليه ايابهم و عليه حسابهم و امرهم و نهيهم و هو معروفهم لايعرفون سواه و لم‌يكلفهم الروح الملكوتي علي لسان ذلك الروح البخاري بغيره و لا معرفة له عندهم بغيره بالجملة اي عضو من الاعضاء تكبر علي الروح البخاري او اعرض عنه او حال بينه و بينه سدة مات و انتن و يقطع من ساير الجسد لئلايفسد الباقي و دليل وجود هذا البخار في البدن وجود الكثائف و حيوتها مع عدم استعدادها للتلقي عن الروح الملكوتي فلا بد و ان يكون من هو قابل للتلقي من الروح الملكوتي و الاشتعال بناره هذا و اوضح دليل علي ذلك ان حيوة الاعضاء و نورها برانية اشراقية من الخارج و الروح ملكوتي فلا بد من واسطة مستشرقة بالجوانية مشرقة بالبرانية و ذلك سر سار في كل غيب و شهادة أولم‌يكف دليلا علي وجود المرآة المقابلة للشمس خارجا ضوء المخزن غير المقابل للشمس و لا شك ان الاعضاء غير قابلة للتلقي من [ص 471] الروح الملكوتية فلا بد و ان يكون بينها و بينه واسطة قابلة مستشرقة فالدليل علي وجود اكابر المؤمنين وجود الاصاغر و وصول الامداد اليهم مع عدم استعدادهم للتلقي عن الانبياء مع بعد النسبة فافهم و تدبر .

فصل - ربما يتوهم بعض الناقصين غير المتدربين في الحكمة انه اي حاجة الي الوسائط بين الجهال و بين النبي صلي الله عليه و آله و نحن نري انه كان يأتيه الجاهل و يسأله و يستفيض منه كما يأتيه العالم و لم‌يكن يتوقف استفاضة الجاهل علي الاخذ عن العالم و اخذه عن النبي و كذلك كان الناس يأخذون عن الائمة عليهم السلام عالمهم و جاهلهم بلا فرق فاي حاجة الي الوسائط فاقول ان هذا العالم عالم الاعراض و ليس شيء منه علي الاصل الواقع ألاتري انه ربما كان علي عليه السلام في بعض الغزوات و منافق قاعد في جنب النبي صلي الله عليه و آله فلا عبرة بهذا القرب و ذلك البعد فلايقال ان المنافق اقرب الي النبي من علي عليه السلام و كذلك ربما يرسل النبي صلي الله عليه و آله يهوديا الي علي عليه السلام او سلمان او غيره بامر او نهي و لايمكن ان يقال ان اليهودي هو واسطة الفيض بين النبي صلي الله عليه و آله و بين علي عليه السلام و مؤمن قبيح المنظر نتن الريح و كافر حسن المنظر طيب الريح ألاتري ان النبي صلي الله عليه و آله تولد من آمنة و عبدالله و ليسا مقدمين عليه و سببي وجوده و ولد نوح في الظاهر ولده و ليس بولده في الواقع و هكذا فلا عبرة بامور هذا العالم في اجراء الاحكام الاصلية و في نظر الحكماء و اما في نظر الحكماء فلو كان طابوقة علي رأس جبل و مرآة في قعر بئر فالمرآة اقرب الي الشمس لحكايتها اياها من الطابوقة لعدم حكايتها فلا عبرة بقرب المسافة العرضية و بعدها و كذلك الاستفادات و الاستفاضات الظاهرية و استماع كلام النبي صلي الله عليه و آله ألم‌تسمع النبي صلي الله عليه و آله يقول انا [ص 472] مدينة العلم و علي بابها من اراد المدينة فلياتها من بابها مع ان المنافق كان يدخل علي النبي صلي الله عليه و آله في الظاهر من غير باب علي عليه السلام فالسماع من النبي صلي الله عليه و آله من غير واسطة الوصي صوت يطرق اذنه من فم نبي ظاهر في اللباس العرضي الدنياوي و اما اذا لاحظت مقام النبي صلي الله عليه و آله في كونه اول المخلوقات و رأيت ساير الخلق في درجات بعدهم لعرفت ان عليا عليه السلام هو المتأخر عن النبي صلي الله عليه و آله و المتقدم علي ساير الرعية فهو الواسطة بين النبي صلي الله عليه و آله و بين ساير الرعية و اللطائف الالهية التي تنزل من عند الله يحس بها النبي صلي الله عليه و آله و اللطائف النازلة من النبي صلي الله عليه و آله يحس بها الوصي دون غيره و لايتنبه بها سواه ابدا الا ما انصبغ بصبغه و اتضح بوضوحه و ايضاحه فعسي ان يدركه ساير الرعية كما مثلنا آنفا بالشجرتين و لما نزلا في دار الاعراض في عرض ساير الرعية سمع النبي المنافق كما سمعه الموافق و كلاهما بالعرض و لا عبرة به البتة و ليس منافقوا عصر النبي صلي الله عليه و آله باقرب اليه من ساير الائمة عليهم السلام و لا اسبق استفاضة منهم و لا اولي به منهم و لا وسائط فيض بينه و بينهم و انك لو وضعت اصبعك من يدك اليمني علي ثديك اليسري لكان اصبعك بالعرض اقرب الي قلبك من زندك و ساعدك و لكن الحيوة تصل الي صدرك ثم الي كاهلك ثم الي كتفك ثم الي ساعدك ثم الي مرفقك ثم الي زندك ثم الي رسغك ثم الي كفك ثم الي اصبعك فافهم المثل فلا عبرة باستماع الناس من النبي و الامام و ممر الفيض علي الترتيب الكوني و الوضع الالهي فيصل من النبي الي الامام ثم الي اولي العزم ثم الي الرسل ثم الي الانبياء ثم الي الاوصياء ثم الي النقباء ثم الي النجباء ثم الي العلماء ثم الي الصلحاء ثم الي ساير الرعية البتة و لكل درجات مما عملوا تلك الرسل فضلنا [ص 473] بعضهم علي بعض هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون ام نجعل المتقين كالفجار أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون ، الي غير ذلك من الآيات و لا شك ان الصالحات توجب القرب من الله و لا شك انه ليس القرب بقرب مكاني لان الله سبحانه ليس في مكان فالمراد بالقرب تلطيف الطينة و تصفية السريرة فاذا لطفت الطينة و صفت السريرة تنبه بما لايتنبه به كثيف الطينة و كدر السريرة فينتفع بامداد لاينتفع بها من دونه و لايطلع عليها سواه و اما الذي دونه و ابعد فله القشور الغلاظ الكدرة التي يمكنه دركها و يحيط بها مشاعره و تلك الامداد انما تكثفت من مجاريها لا من مصدرها التي صدر منها لطيفها و مجاريها هي الخلق الذي جرت عليه و فيه فجميع ما فيها من الكدورة فانما هو من المجاري كما تكدر النار و تغلظ من الدهن و في الدهن حتي ظهرت للابصار و اما من حيث نفسها فلا كدورة لها و لاتدركها الابصار فكذلك الامداد النازلة من العالي لطيفة صدورا فتنصبغ في الوسائط حتي تناسب الاداني فتصل الي الاداني منصبغة في الاوساط مشروحة كما اذا صنف عالم ماهر كتابا غامضا و شرحه من هو دونه حتي افهمه الادنين و تبين الحق لذي عينين و الله خليفتي عليك ه‍ .

فصل - ان الوسائط بين ضعفاء الشيعة المعروفين من جاهل و عالم و حكيم و بين آل‌محمد عليهم السلام صنفان صنف منهم يسمون بالنجباء و صنف منهم يسمون بالنقباء علي اصطلاح آل‌محمد عليهم السلام و ذلك ان ضعفاء الشيعة لهم مقامان فمنهم من هو واقف موقف الاجسام و هم كالعوام يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و منهم واقف موقف الاظلة فهم اصحاب الفقه و العلوم و الحكم الظاهرة علي ما في ايدي الناس و اصحاب الشريعة و الطريقة و الحقيقة علي المعروف بين الناس فهؤلاء هم ضعفاء [ص 474] الشيعة لعدم فعلية مفادات علومهم فيهم فهم اصحاب علم بلا عمل و قول بلا فعل و ان بلغوا من العبادة اقصي الغاية و مع ذلك يخبطون في العلم من غير بصيرة خبط عشواء و يمشون فيه مشي العميان بعصا الاستدلال و سحب اهل السؤال و ما يخطؤن اكثر مما يصيبون و لم‌يصر شيء مما يقولون فيهم بالفعل و لم‌يصر منشأ اثر فيهم فهم من الضعفاء المساكين الفقراء العميانين فالذين هم فوق هؤلاء بدرجة هم النجباء الذين قد صار فيهم النفس الناطقة بالفعل و صارت منشأ اثر و علامة و هي الذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و ظهر منه خاصيتاه و هما النزاهة و الحكمة فهؤلاء هم اصحاب العلم و العمل ليس علمهم علم استدلال و لا علم تعلم بل علم مشاهدة و عيان يرون جميع ما يتكلمون فيه و ينكشف لهم حقايق الاشياء و يطلعون علي نقطة العلم و يجرونها حيث يشاؤن و علمهم هذا هو نور يقذفه الله في قلب من يحب فينشرح فيشاهد الغيب و ينفسح فيحتمل البلاء فبين علمهم و علم العلماء دونهم فرق ما بين البصير و الاعمي و مايستوي الاعمي و البصير و لا الظلمات و لا النور و لا الظل و لا الحرور و مايستوي الاحياء و لا الاموات ان الله يسمع من يشاء و ما انت بمسمع من في القبور ان انت الا نذير و ليس عملهم كعمل اصحاب الجهد و التكلف و الرياضة و انما عملهم من طباعهم يلتذون به كما يلتذ اهل الاجسام بطعامهم و شرابهم و نكاحهم و يلتذون بالتوجه الي الله سبحانه و يغتذون بالتسبيح و التهليل كالملئكة و ينمون بالعمل كما ينمو ساير الناس باكلهم و شربهم و يتكلفون التوجه الي الدنيا كما يتكلف اهل الدنيا التوجه الي الآخرة و يتأذون منها و من حطامها فاين هؤلاء من الصلحاء و الزهاد الذين يجاهدون انفسهم و يحملونها علي مشاق الاعمال و يتكلفون و ينحلون من تعبها و يضعفون من ثقلها و يتحملون اعباءها و لاتزعم كالجهال ان كل عمل كان [ص 475] عليك اصعب كان ثوابك عليه اعظم لانك تجاهد نفسك فتفعله فانه لم‌يصعب عليك الا بمنافرة بين طبعك و بين ذلك العمل و بجماح لنفسك و شماس لم‌تتذلل للحق و بغلظة و كثافة فيها تمنعها عن المطاوعة و عمل كل ذي عمل اثره و علي طبق طباعه فكيف يكون هذا العمل اعظم اجرا و لو كان كذلك لكان يجب ان يكون اعمال النبي صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام و الاولياء رضوان الله عليهم اقل ثوابا من اقل الجهال الجامحين او يكون نفوس اولئك اشد جماحا عن الحق و الطاعة لله لهم اشد و المعصية عندهم اسهل و اهنأ من الطاعة نعوذ بالله فكل ما يتقرب العبد الي الله جل و عز يصير انسب بطاعة الله و ارغب اليها و تكون عليه اسهل و اهنأ حتي يكون لذته في الذكر و استهتاره بالطاعة فلو غفل ساعة لتعذب و تألم و تضور من المها فمعني ما يقال ان افضل الاعمال احمزها اي امتنها و اقويها و علي فرض ان يكون المراد اشدها فالمعني ان العمل الذي هو علي البنية البشرية اصعب افضل من العمل الذي هو اسهل و لذا كانوا اذا ترددوا بين عملين كانوا يختارون اصعبهما و لكن يفعله الولي بسهولة و يتلذذ بفعله و غيره يصعب عليه عمله و مثل ذلك ان العاشق يقوم بحضرة المعشوق من اول الليل الي الفجر لاينام و لايأكل و لايزول و لايحس بتعب و لايصعب عليه ابدا و يلتذ منه كما يلتذ اهل الراحة من راحتهم فعمله هذا افضل من ذكره اسم المعشوق مثلا لا ان افضل اعمال العاشق ما يكره فعله و يصعب عليه عمله و يتعب فيه نفسه فمن يكره عملا للمعشوق فليس بعاشق و انما هو اجنبي يعمل عملا للاجرة فمعني افضل الاعمال احمزها اشدها علي البنية البشرية لا النفس الناطقة القدسية المشتاقة الي الطاعة المستقلة كل ما تفعله قال النبي صلي الله عليه و آله افضل الناس من عشق العبادة فعانقها و احبها بقلبه و باشرها بجسده و تفرغ لها فهو [ص 476] لايبالي علي ما اصبح من الدنيا علي عسر ام علي يسر و عن ابي‌عبدالله عليه السلام العبادة ثلثة قوم عبدوا الله عز و جل خوفا منه فتلك عبادة العبيد و قوم عبدوا الله تبارك و تعالي طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء و قوم عبدوا الله عز و جل حبا له فتلك عبادة الاحرار و هي افضل العبادة و عنه عليه السلام قال الله تبارك و تعالي يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فانكم تتنعمون بها في الآخرة بالجملة ان النجباء هم اصحاب العلم و العمل لكن ليس علمهم كعلم ساير العلماء و لا عملهم كعمل ساير العاملين و هم علي ما سمعت من الوصف فهؤلاء هم ادني الوسائط و اعلي منهم النقباء و هم الذين قد تحقق فيهم العقل و صار فيهم بالفعل فصار منشأ آثار فافادهم مع العلم و العمل حكما و استيلاء فان العقل علة الموجودات و سببها و مبدأها و منشأها المحيط بها من جميع جهاتها و هو وكر مشية الله و مهبط ارادة الله و مظهر امر الله قد تجلي الله له فاشرق و طالعه فتلألأ فالقي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله ففي حديث الاعرابي قال الاعرابي و ما العقل قال عليه السلام جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب انتهي ، فمن صار العقل فيه بالفعل يحيط بالاشياء من جميع جهاتها و يكون عارفا بالشيء قبل كونه و يكون علة الموجودات و نهاية المطالب و يكون وكر مشية الله و محل ارادة الله و بهذا المعني يكون الشخص اول ما خلق الله اذ هذه الاولية هي الاولية الدهرية لا الزمانية فاذا ظهر العقل في مخلوق شخصي في اي جزء من اجزاء الزمان كان يكون هو اول ما خلق الله اذ حقيقته فوق جميع ما خلق ثم هؤلاء يختلفون في مظهرية العقل فمنهم من يظهره بشأن من شؤنه و منهم بشأنين و منهم بشؤن و منهم من يظهره بكله فمن اظهره بكله فهو صاحب العقل الكلي و من اظهره ببعض شؤنه فهو صاحب العقل الجزئي [ص 477] و كذلك يختلفون في خلوص الاظهار و عدم الخلوص فمنهم من لم‌يتصف كل التصفي فيظهره مشيبا ببعض الاصباغ و الهيئات فيصبغه قليلا و يعوجه فلاجل ذلك يحتاج في ما يدركه الي ميزان و منهم من لايصبغه بوجه من الوجوه فهو المعصوم المطهر و يكون نظره حجة و احاطته تامة كاملة و معرفته بالاشياء صحيحة عامة شاملة و لما كان العقل هو احب خلق الله الي الله و اول خلق الله و كان محل اسماء الله و صفاته باجمعها فمن اظهره ببعض جهاته ظهر فيه بعض اسمائه سبحانه بالفعل فقدر علي التصرف به في متعلقه و من اظهره بجهات منه ظهر فيه اسماء عديدة من اسمائه سبحانه علي حسبه و تصرف بها و من ظهر فيه جميع جهاته بكله ظهر فيه جميع اسماء الله و صفاته و قدر علي التصرف بها في جميع جهات متعلقاتها فاذا يكون عين الله الناظرة و اذنه السامعة و يده الباسطة و لسانه الناطق و وجهه الظاهر و ظاهره في خلقه و الوصلة و الوسيلة بين الله و بين خلقه قال الله عز و جل فلله الاسماء الحسني فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في اسمائه و اذا غلب عليه الباطن و السر و محا موهومه و هتك ستره و جذب احديته صفة التوحيد سمي باسم ما غلب عليه كما سمي الجماد نباتا و النبات حيوانا و الحيوان انسانا فافهم و احب ان اذكر هنا عبارة ذكرها السيد الاجل اعلي الله مقامه في شرح القصيدة في صفة الصنفين .