فصل - اعلم ان هذا العالم علي ما تري له مراتب فمنها العرش فهو يدور في حيزه لايصعد عنه و لاينزل و منها الكرسي و هو ايضا يدور في حيزه لايصعد عنه و لاينزل و لايصل الي العرش كلما دار في حيزه و منها الافلاك فكل فلك له حيز خاص به يدور ابدا في حيزه لايصعد بكثرة الدوران و لاينزل و منها العناصر و لكل منه حيز معلوم لايصعد عنه و لاينزل و المبدأ جل جلاله ليس [ص 478] من سنخ واحد من هذه الاجزاء و تنزه عن مجانسة مخلوقاته و مشاكلة مبروءاته فما صدر من مشيته يكون صفة مشيته منزها عن الكثرات و الكدورات فلايطلع عليه واحد من هذه الاجزاء مع تساوي نسبته الي الكل و تسوية قربه و بعده من العرش و الفرش فالذي يصدر منه لاينفعل له و لايحس به غير العرش فيظهر ذلك عليه دون ساير الاجزاء فينبأ عن المبدأ و ينبئ هو دون غيره من الاجزاء فاذا وقع النبأ في قلبه و جري علي لسانه سمعه الكرسي لانه ناسب اذنه بعد جريه علي لسان العرش و لكن الصبغ العرشي لميصبغه باكثر مما يسمعه الكرسي فلايسمع الافلاك صوت العرش الا بعد جريه من حلقوم الكرسي و انصباغه فيه و هكذا علي هذا الترتيب الي التراب و كذلك حكم الاشخاص المخلوق منها فمن خلق مبدأه من التراب فلايصل اليه النبأ الا بواسطة من خلق من الماء و كذلك من خلق مبدأه من العناصر لايصل اليه النبأ الا بواسطة من خلق من الافلاك و كذلك من خلق من الكرسي الا بواسطة من خلق من العرش فان كل من خلق من رتبة هو بلطافة تلك الرتبة و تنبهه مثل تنبه تلك الرتبة فما يصدر من المبدأ جل شأنه المستوي نسبته الي البر و الفاجر و العالي و الداني لايفهمه و لاينفعل له و لايشتعل به و لايحس به الا الذي خلق من حصة عرشية و حيزه العرش و لطافته بلطافة العرش فينزل اليه ما ينزل الي العرش فيكون باب علم الغيب و علم الكيف و الكون و القدر و الحد و الاين و المشية و صفة الارادة و علم الالفاظ و الحركات و الترك و علم العود و البدأ كما يكون العرش كذلك فيطلع علي الغيب قبل ان يطلع عليه احد من الخلق و لو لميشرحه لبقي علم الغيب ابدا في حجاب الغيب و لميطلع عليه احد و لكنه اذا شرحه و ترجمه المخلوق من العرش سمعه المخلوق من الكرسي دون غيره و لميطلع عليه احد سواه فان المخلوق من العرش لايصبغه باكثر من [ص 479] صبغه ثم يسمع من المخلوق من الكرسي المخلوق من الافلاك و هكذا الي ان يسمعه المخلوق من التراب كل علي حسب رتبته و كذا الامداد الوجودية فاذ لميحس الداني ما يصدر من الاعلي لاينفعل به الا ان يغلظه العالي و يجعله مناسبا للداني و كذلك الامر في المراتب الباطنية من الفؤاد الي الجسم فالذي فيه العقل بالفعل و هو مبدأه و غايته لايحس بما يصدر من المشية المنزهة الا بعد وصوله الي الذي فيه الفؤاد بالفعل و انصباغه فيه و هكذا الذي فيه النفس بالفعل و هي مبدأه و غايته لايحس به الا بعد وصوله الي العقل و انصباغه فيه و علي هذه فقس ما سواها و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و ان عرفت ذلك عرفت ان ما ينزل من مشية الله من الامداد الكونية او الشرعية لاينفعل بها و لايستمد منها الا الخلق الاول مع استواء نسبة المشية الي الكل و لكن لايحس بها الا الخلق الاول اي محمد و آلمحمد عليهم السلام فاذا وصلت اليهم انصبغت فيهم و غلظت ثم نزلت منهم فانفعل بها و استمد منها الانبياء عليهم السلام و بدون ذلك لايطلعون عليها و لايحسون بها البتة و هكذا اذا وصلت اليهم انصبغت فيهم و غلظت حتي امكن ان يدركها و ينفعل بها و يستمد منها النقباء و اذا وصلت اليهم انصبغت فيهم و غلظت حتي امكن ان يدركها و ينفعل بها و يستمد منها النجباء و اذا وصلت اليهم انصبغت فيهم و غلظت حتي امكن ان يدركها و ينفعل بها و يستمد منها العلماء و هكذا الي آخر درجات الخلق و هذا هو حكم نوعي يعني نوع الانبياء مقدمون في الدرجة و يصل المدد اليهم نوعا و ينصبغ في نوعهم ثم ينزل من نوعهم الي نوع النقباء ثم من نوعهم الي نوع النجباء ثم من نوعهم الي نوع العلماء ثم من نوعهم الي نوع الضعفاء و ليس ذلك حكم كل فرد فرد فيحوز جميع ما ينزل من الخلق الاول موسي مثلا او عيسي او غيرهما بل ذلك حكم النوع و جميع ما ينزل من [ص 480] الخلق الاول ينتشر في الانبياء و ما ينزل من نوعهم ينتشر في النقباء فلايحوز الكل الا الواحد الاول فاذا حصل التكثر في رتبة يحكي جميع اولئك المتكثرين الواحد الاعلي فعند كل واحد منهم جزء منه فلاجل ذلك اختلف درجات الانبياء و الاولياء في العلم و العمل و الحكم علي حسب استعدادهم بقي شيء و هو ان اختلاف درجات النوع الاعلي يكون فيما بين افراده في رتبته و لاينافي شرفهم و فضلهم علي من دونهم فاذا كان جماعة مبدأهم من العقل و لهم حصص منه مختلفة فجميع تلك الحصص من عرصة الجبروت و حيزها عرصة الجبروت و هي اعلي من عرصة الملكوت برمتها و يطلع اهل عرصة الجبروت علي لطائف لايطلع عليها اهل عرصة الملكوت و يصل الامداد اليهم قبل ان يصل الي هؤلاء و ان كانوا فيما بينهم مختلفين في درجاتهم و ذلك كاجزاء العرش مثلا او اجزاء الكرسي و كواكبه فهي و ان كانت مختلفة فيما بينها الا ان كل كوكب منها حيزها محل الكرسي فلو خلي و طبعه صعد اليه و وقف موقفه و هو بلطافة الكرسي و يدرك ما لايدركه ساير الافلاك البتة فتفاوت الكواكب فيما بينهم لا بالنسبة الي فلك ادني و اعلم ان الانسان بالنسبة كلمة تامة ليس علي حد ساير الموجودات فهو جامع لجميع ما في العالم كما ينسب الي علي عليه السلام :
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و عنه عليه السلام ما معناه الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هو انموذج صور العالمين و هي الجسر الممدود بين الجنة و النار انتهي ، فالانسان هو كلمة [ص 481] جامعة تحتوي علي انموذجات حروف جميع العالم فكل فرد منه كلمة جامعة عنده جميع ما عند الآخر و ان كان بينهما تفاوت كان في اللطافة و الكثافة و العلو و الدنو و الا فكل واحد من افراده عنده من نوع ما عند الآخر ألاتري ان كل واحد منهم يجب عليه ان يوحد الله و يعرف صفاته و اسماءه و يعرف النبي صلي الله عليه و آله و صفاته و يعرف الحجج و صفاتهم و يعرف شرايع دينه و احكامه و يعبد الله بها فلا بد و ان يكون في كل واحد منهم مشعر لكل واحدة من هذه الفرايض يدركها بما يناسبها فكل واحد منهم يوحد ربه بفؤاده و الفرق ان فؤاد واحد غليظ كثيف و فؤاد واحد آخر لطيف شريف و هكذا ففي كل واحد من الكاملين ما في كل واحد منهم و ان تفاوتوا ففي اللطافة و الكثافة و العلو و الدنو و الرقة و الغلظة و لكن ادناهم اعلي من الضعفاء و جميع ما عنده اشرف مما عندهم فلايضره بالنسبة الي الادني و التوسط كونه انقص من واحد آخر في عرضه فهما بمنزلة المصنع و البحر فكل واحد منهما يملأ الكاس و ان تفاوتا عندهما فان كان الرجل كاملا قد صار فيه المراتب الوجودية و الشرعية بالفعل ففيه غنية عن البواقي و ان لميعرفهم الرجل أرأيت ان النبي المبعوث في عصر أليس كان يكفيهم و ألميكن فيه غنية اذا كان في الانبياء احد اكمل منه بلي في كل نبي غنية عن غيره فانه يكفي من دونه و هو كلمة جامعة فيه جميع الحروف الكونية أوليس ان عليا عليه السلام ادني درجة من النبي صلي الله عليه و آله و الحسن عليه السلام ادني درجة من علي و الحسين ادني درجة من الحسن و علي بن الحسين عليهما السلام ادني درجة من الحسين عليهم السلام و هكذا و مع ذلك كل واحد منهم كان يكفي من يليه من عصره مع انه ماكان يدري ما يخص به الافضل و يفقد فضل الافضل الذي به كان افضل و لكن فقدان الناقص ليس بنقصان [ص 482] حرف من الكلمة و انما النقصان بغلظة الحروف و كثافتها كما اذا كتبت زيدا و قابلت به المرآة ففي الشاخص و الشبح كليهما زاء و ياء و دال الا ان ما في المرآة تابع لما في الخارج فمن هذا اعتبر امرك فاذا صار الرجل كاملا و ظهر عليه فعلية الكمال و هو استجماع المراتب الثماني و العشرين الوجودية فيه غنية عن كامل آخر هذا و الكاملون من نور واحد و روح واحد و طينة واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و الغالب عليهم جهة الوحدة و الرب و انت اذا توجهت الي واحد لمتتوجه الي خصوصية شخصيته و انما تكشف عنه سبحات الجلال فلايبقي فيه الا مقام الوحدة و ذلك جار في كل واحد و علي ذلك مدار العالم من المبدأ الي الخاتم قال السيد السناد اعلي الله مقامه اعلم ان ابواب الباب و وجوه الجناب كلها واحدة اذا كان الالتفات و النظر الي ما في البيت و المدينة و ان كان النظر و الالتفات الي نفس الابواب فارتفع الباب و انقطع الجناب و كان الباب عين البيت و انقلب السافل عاليا و لميكن الباب باب حطة بل بيت ارتفع من غير ان يرفعه الله بل ارتفاعه ادعاء ماانزل الله بها من سلطان انتهي كلامه اعلي الله مقامه و هنا شبهة تعترض بعض الخواطر و هي انه هل يطلع الجناب علي من وقف بفناء الباب اينما كان ام لا فان كان مطلعا فهو و ان لميطلع فكيف يلتجي الي ما لايسمع و لايبصر و لايغني عنك شيئا قلت ان الكامل هو الذي قد اشتعل بنور الايمان بالله عز و جل و بنور معرفته و معرفة رسوله و حججه عليهم السلام و صار المعرفة و الايمان و ما يعتقد و يقول فيه بالفعل و ليس ايمانه و معرفته بالله عز و جل محض خيال او الفاظ يقولها و صار فيه الاسماء الثمانية و العشرون فيه بالفعل و هي جميعها في غيره بالقوة فاذا كان علي ذلك الحد و جميع ما يقول و هو فوق ما تقول فيه بالفعل فهو اعظم مما تقول الا ان له مقامين مقام حقيقته اللاهوتية التي هي [ص 483] مظهر اسماء الله و صفاته و مقام ظاهره الزماني فان لميستجمع الزماني جميع ما في الحقيقة و لها في كل آن فلا ضير فان الظاهر الزماني لايسع غير ذلك ألاتري ان اللسان لايتكلم في آن بكلامين و اليد لاتتحرك في آن بحركتين كذلك الخيال لايتخيل في آن بخيالين و الفاكرة لاتتفكر في آن بفكرين و ذلك ان الجسد ظاهره و باطنه زماني لايسعه الاتصاف بصفتين في آن واحد نعم اذا كان كاملا يمكن ان يجري عليه جميع ما في نفسه في آنات فينطق بكل علوم نفسه و يصنع جميع صنايع نفسه و الناقص ليس جميع ذلك في نفسه و لا في جسده و كذلك كان الانبياء و الحجج عليهم السلام فلميك بدنهم الشخصي يحتوي في كل آن بجميع ما في انفسهم البتة و كذلك الامر فيما نحن فيه فان المفروض انه كامل قد صار ما يقوله فيه بالفعل فاذا كان كذلك و بلغ هذا المبلغ كان عالما بمن بفناء الباب في نفسه و ان لميكن عالما في شخصية ظاهره و لذلك ان شاء ان يعلم علم قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون نحن خزان الله في الدنيا و الآخرة و شيعتنا خزاننا فهم في مقام نفسانيتهم وسائط و انما نزل الفيض اليهم و صدر منهم الي غيرهم فمن اعرض عنهم شرعا حرم الفيض الشرعي و من اعرض عنهم كونا حرم الفيض الكوني بالجملة جميع ما لك من مبدأك الي منتهاك منهم صدر و اليهم يعود فان استقبلتهم استمدت و ان اعرضت عنهم حرمت و هم في مقام دهريتهم و نفسانيتهم مطلعون و ان كانوا في شخصيتهم غافلين و لايشترط اطلاع الشخصية في الامداد و انما المعتبر اطلاع النفسانية .
فصل - قال السيد الاستاد اعلي الله مقامه في صفة الجناب و عبر عنه بالرواق فقال هو الجناب و باب الباب و حجاب الحجاب الموصل الي الاحباب الدليل الي الدليل و السبيل الي السبيل و الحجة من الحجة و الداعي الي الخليفة [ص 484] و هو سلم الطريق و هو اول الرفيق و الركن الوثيق و الجار اللصيق و المرشد علي التحقيق و نور النور و حجاب الظهور السفينة في البحر القمقام و الساحل للتيار الطمطام و الركن الذي يلجأ اليه الانام و القطب الذي يدور عليه الايام بدر الظلام السبب العام و السلطان العام كهف الضعفاء و عون الفقراء منجي الهلكي منقذ الغرقي معز الاولياء مذل الاعداء جامع الكلم علي التقوي و العدل الذي ينفي عن الدين القويم تحريف الغالين و انتحال المبطلين و الحاكم علي الرعية و خليفة الامام الامين الواقف علي الثغر الذي يلي ابليس و جنوده من الشياطين المكمل للاسفار الاربعة الساير في العوالم الاربعة الشارب من حوض الولاية اوفي كأس الواقي لمن التجأ اليه من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس الكلمة العليا و شجرة التقوي من لولاه لانطمست آثار النبوة و لولاه لانهدمت اركان بنيان ظهور الولاية الناظر في الاشياء بنور التوسم العالم بغير التعلم العارف باسرار الوجود من الغيب و الشهود و المطلع علي نقطة العلم التي كثرها الجاهلون و انكرها الضالون المضلون و اقر بها المخلصون العالمون و العالم بسر المذهب و سر التوحيد و سر الولاية و سر القيمة و احكام يوم الطامة و سر الجنة و النار و سر الوحدة و الاختلاف و سر الكثرة و الايتلاف و سر الجمع و جمع الجمع و سر الثواب و العقاب و سر مبدأ المعاصي و السيئات و سر الاقبال و الادبار و سر الاكوار و الادوار و سر اليمين و اليسار و سر الصغار و الكبار و سر القلب و الاطوار و سر النفس التي من عرفها عرف الله و سر النفس الامارة و سر النفس الملهمة و سر النفس اللوامة و سر النفس المطمئنة و سر النفس الراضية و سر النفس المرضية و سر النفس الكاملة و سر النفس النامية النباتية و سر النفس الحيوانية الفلكية و سر النفس الناطقة القدسية بقواها و اطوارها و سر النفس الملكوتية [ص 485] الالهية التي هي شجرة طوبي و سدرة المنتهي و جنة المأوي من عرفها لميشق ابدا و من جهلها ضل و غوي و سر الروح من امر الله و سر العقل المرتفع و سر العقل المستوي و سر العقل المنخفض و سر العقل بالملكة و سر العقل بالمستفاد و سر العقل بالفعل و سر الظهورات و الآيات و سر المقامات و العلامات و سر الآيات في قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فاذا عرف هذه الاسرار و جاس خلال تلك الديار فهو العروة الوثقي و النور الاعلي رواق مدينة العلم و القرية الظاهرة للسير الي القري المباركة و الحاكم الذي من انكر حكمه كفر و اشرك فالعناية من الغوث انما تتوجه اليه و به و له تصل الفيوضات الي غيره فان كان مع علمه بهذه الاسرار و غيرها من الاطوار خضعت له الاشياء و انقادت له الامور و يسرت له الاسباب و خشعت له الرقاب و ذلت له الملوك و نزلت عليه الملئكة و بشرته بالمساعدة و المعاونة كما في قوله تعالي الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ان لاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و اعطي الاسم الاعظم بالمعاني كلها لاسيما الاسم اللفظي فاعطي به اجابة الدعاء متي ما اراد و كان هو المضطر الذي اذا دعي اجيب فتطوي له الارض و تحمله السحاب و الدنيا كلها له خطوة واحدة و يتصرف في الوجود كيفما شاء و اراد بما شاء و اراد فان ارادته لاتخالف ارادة الله كمشيته فيكون لهذا العالم نيابتان عن الولي المطلق احديهما نيابة في بذل العلوم و التصرف في الاسرار كيفما يريد الولي المختار و ثانيتهما نيابة في التصرف في الوجود من الغيب و الشهود و انفعال الاشياء و ذوات الموجودات و صفاتها و اعراضها و اطوارها له تمتثل امره و تنقاد بحكمه و تخبره بخبرها و تعلمه باثرها و يشاهد الشعور و الارادة فيها [ص 486] و يعرف اللغات لغات الجمادات و النباتات و الحيوانات فاذا اجتمعت فيه النيابتان و تمت فيه الخصلتان فذلك يسمي في عرف اهل الحقايق و الشهود نقيبا و هم ثلثون نفسا كما نص عليه اميرالمؤمنين عليه السلام و هؤلاء عددهم لاينقص و لكن اشخاصهم تتبدل و لذا سموا بالابدال اذ متي مات واحد منهم جاء بدله مثله من اهل الطبقة الثانية فلاينقص عددهم عن قوي لام التعريف لانهم مصلحوا القوابل و هي لاتصلح الا بعد ثلثين دورة كما اشرنا اليه سابقا و ربما نصرح اليه لاحقا في مقام يقتضي ذلك ان ساعد القدر و الله هو المساعد و المعين و هنا اشخاص موصوفون بهذه الصفات المذكورة و فوقها و لهم الهيمنة علي هؤلاء النقباء ايضا يسمون بالاركان و هم اربعة لاتتبدل اشخاصهم و لا صفاتهم فهم باقون الي يوم الوقت المعلوم فان كان جامعا للعلوم خاصة و له نيابة في العلوم و الاسرار يعطي من يشاء و يمنع عمن يشاء فهو المسمي بالنجيب و الاشخاص الذين في مقامهم يسمون بالنجباء و هؤلاء يقال انهم اربعون و الدليل العقلي و الاعتبار الاستحساني و ان كان يساعد ما ذكروا و يقوي ما علموا الا انا ماوجدنا بذلك حديثا عن النبي و اهل بيته و خلفائه صلي الله عليه و عليهم و لاوجدنا آية من الكتاب تدل علي هذا العدد و لذا توقفت عن العدد و اقتصرت بالصفة و بالجملة فالرواق في هذا المقام ينقسم الي ثلثة اقسام :
احدها الاركان و هم اربعة موجودون باشخاصهم و اعيانهم لايتغيرون و لايتبدلون و لايختلفون و لهم الهيمنة علي الاشياء كلها حتي علي النقباء و ذلك اعلي المقامات و اعلي الدرجات و اقرب الي البيت .
و ثانيها النقباء و هم ثلثون نفسا و لهم هيمنة علي الاشياء بطاعة الله سبحانه و ظهرت عليهم احكام الاسماء العظام الثمانية و العشرين و كل اسم له هيمنة علي عالم من العوالم و طور من الاطوار كالبديع المربي لعالم العقول [ص 487] و قد ظهر عليه سر هذا الاسم فيتصرف في العقول كيف شاء الله من الزيادة و النقصان و الصحة و الفساد و الخلل و الثبات و كالباعث المربي لعالم الارواح و النفوس باحوالها يتصرف في الارواح و النفوس كيفما يريد مما اراد الله و هكذا الي تمام الثمانية و العشرين من الاسماء المربية لقوسي النزول و الصعود و المراتب كلها مجتمعة في الانسان الصغير لكونه انموذجا من العالم الانسان الكبير فاذا ظهرت عليه آثار تلك الاسماء تظهر تصرفاته لظهور تلك الاسماء فيدعو الله سبحانه بالاسم المربي لذلك العالم فيقع الامر كما يريد و بالجملة فالنقباء قد كملوا الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و الذوات و كملوا الاسفار الاربعة في مقام الاسماء و الصفات و كملوا الاسفار الاربعة في مقام الحروف و القوي و الاعداد فصاروا مظاهر للحق سبحانه في كل المقامات فيكون لهم التصرف في كل الجهات و هؤلاء الثلثون لهم الاتصال بالغوث الاكبر و السر الاعظم بواسطة الاركان و يتصلون به ما ارادوا و شاؤا في كل الاحيان فكل منهم الانسان الكامل و البشر الواصل قد ظهرت فيه النفس الناطقة القدسية التي من عرفها فقد عرف الله و من جهلها فقد جهل الله و من تخلي منها فقد تخلي من الله قد ظهرت فيه القوي الخمس و الخاصيتان اما القوي فهي علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و اما الخاصيتان فالنزاهة و الحكمة فنزهوا عن مقتضي الكثرات و امتلؤا حكمة من باري السموات و سامك المسموكات و هؤلاء هم الرواق الثاني بعد الرواق الاول .
و ثالثها النجباء و هم اربعون علي ما ذكروا و قالوا و هؤلاء هم الذين اكملوا الاسفار الاربعة في التكوين و لميصلوا الي مقام الاسماء و الصفات و مقام سلب القيود و الانيات مهما شاؤا و ارادوا و هم العلماء الاعلام و الامناء و القوام و الحفاظ و الحكام و هم الذين كلفوا بحفظ الدين و سد الثغور التي [ص 488] فيها طرق للشياطين و حفظ القلوب عن تطرق ابليس اللعين بجنوده من الجن و الانس اجمعين و علموا طريق التعليم بامارات الحق و اليقين و معاونة الضعفاء و المساكين في امر الدين من غير ان يتصرفوا في التكوين و لايلزم ان تنقاد الاشياء و تنفعل لهم و للنقباء هيمنة و استيلاء عليهم و نسبتهم الي النقباء نسبة النقباء الي الاركان و هم الذين ورد فيهم عن طرق اهل البيت عليهم السلام ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين الليل عبارة عن الليل (ظ) و اليوم عن العلم و اليقين و الامان عن الغلط و الفساد و هم الذين في علومهم مستندون الي كتاب الله و سنة نبيه و الدليل العقلي الواضح و آية من العالم فانه الكتاب الاكبر من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و هم اصحاب الشريعة و الطريقة و الحقيقة و هؤلاء آخر الرواق او الرواق الثالث و بعض المشايخ قال ان بعد النجباء قوم صالحون و هم ثلثمائة و ستون نفسا و هم العلماء الا ان مقامهم دون مقام النجباء و لميثبت لنا ذلك بواضح الدليل و الذي دل عليه الدليل من وسائط الخلفاء و رواق مدينة العلم هو الذي ذكرناه و نص عليه سيد الساجدين و زينالعابدين عليه السلام في كلام له يخاطب جابر بن عبدالله الانصاري الي ان قال عليه السلام أتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا و معرفة المعاني ثانيا و معرفة الابواب ثالثا و معرفة الامام رابعا و معرفة الاركان خامسا و معرفة النقباء سادسا و معرفة النجباء سابعا و الحديث طويل و ذكر كلاما طويلا ثم قال اعلم ان الذي ذكرناه من بيان النقباء و النجباء محصله ان الفرق بينهم باعتبار صعودهم [ص 489] لاكمال الاسفار الاربعة فمن سافر متصاعدا الي ان بلغ مقام مبدأ تكوينه و قطع المنازل الثمانية و العشرين في التكوين و المنازل الثمانية و العشرين في التدوين و هو مراتب الحروف ثم صعد منها الي ان قطع المنازل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء التي هي ارباب الانواع حافظة وجود كل مرتبة من مراتب التكوين و التدوين و مفيضة عليهما بالفيض المقدس من خزانة الفيض الاقدس فاذا قطع تلك المنازل و سري تلك المراحل فقد حصل الاسم الاعظم الجامع الكلي بالنسبة الي جميع مراتب العوالم و الاسماء العظام المختصة كل اسم منها بمرتبة من المراتب فعال مؤثر في جميع شؤن تلك المرتبة و اطوارها و احوالها و كل ما لها بها منها اليها عندها فهو الواقف علي فوارة القدر الجاري بامر مستقر و يفيض علي كل مرتبة بحسب اطوارها و شؤنها ما يناسب مقامها و مرتبتها فقد بلغ من المقام الي ان حصل الاسماء العظام و الاسم الجامع الكلي التام منفعل له الاشياء لما عنده من تلك الاسماء و تخضع لديه و تخشع عنده فهو الفعال في مراتب الوجود مما يختص بمرتبة في السلسلة العرضية و هذا الواصل الكامل هو النقيب و النجيب هو الذي اكمل الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و التدوين و لميقطع منازل الاسماء و لميرحل اليها فما دام هو في هذا المقام نجيب و اذا رحل عنه الي مراحل الاسماء و منازلها و قطع تلك المراحل الي ان وصل الي مقام الاسم الجامع يكون نقيبا فالنجيب قبل النضج التام و الاعتدال العام و النقيب هو المعتدل الفعال فالنجباء يصلون الي مقام النقباء و النقباء هم في كمال المرتبة و لايصلون الي رتبة الاركان لان سلسلة النقباء مع الاركان طولية و مع النجباء عرضية . هذا ملخص ما ذكرناه و محصل ما بيناه و لكنه في هذه الايام قد ورد وارد غيبي من عالم اللاهوت علي القلب و عرفت ان النقباء و النجباء هم قسمان لايوصل [ص 490] كل منهما الي ما يصل اليه الآخر .
ثم قال اعلي الله مقامه بعد كلام طويل في التمثيل بسبق بعض كرات هذا العالم علي بعض سبق وجودي لا زماني و سبق بعض المراتب الثمانية علي بعض سبق وجودي : فان تحقق لك هذا المثال و عرفت حقيقة الحال فاعلم ان العالم ينحل الي شيئين احدهما الاجزاء و الثاني الكل فالموجودات لها مقام في الجزئية و لها مقام في التمامية و الجامعية فكما ان الاجزاء تحتاج في تحققها الي وجود ما هو اقرب منها كذلك الكليات و مرادي بها الحقايق الجامعة كافراد الانسان مثلا فان كل واحد تام في الجامعية و جامع للاجزاء الحقيقية و تمام هذا النوع لايتحقق الا بالوسايط كالاجزاء ففي الانسان من هو بمنزلة القطب الذي يدور عليه الكون بتمامه و هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليها مع ما تشتمل عليه من المراتب و المقامات التي ذكرها سيد الساجدين و سند العابدين علي جده و عليه آلاف التحية و الثناء من مقام التوحيد الذي هو مقام البيان و مقام المعاني اركان التوحيد و مقام الابواب مقام الانبياء الذين هو سرهم و مبدأ تحققهم و كلهم قطرات من فاضل سباحتهم في ابحر التفريد و التجريد و لجة بحر الاحدية و طمطام يم الوحدانية كما ذكره الشيخ الاكبر في الدعاء رب ادخلني في لجة بحر احديتك و طمطام يم وحدانيتك و لذا روي انس بن مالك عن النبي صلي الله عليه و آله انه سئل عن تفسير قوله تعالي اولئك الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا قال صلي الله عليه و آله اما النبيون فانا الخ ، فهو صلي الله عليه و آله جامع لمقام الابواب بعد مقام التوحيد و المعاني و من مقام الامام الذي هو مقام خلفائه و اولاده الحقيقيين الذين من سنخ ذاته و نفسه فهو صلي الله عليه و آله و خلفاؤه و اولاده هو القطب الذي يدور عليهم الوجود من الغيب و الشهود و الموجود و [ص 491] المفقود و لولا احد من خلفائه الحامل لولايته لساخت الارض باهلها و لذا اشتهر عند الناس كلمة صحيحة و هي قولهم لو خليت لقلبت و من هو بمنزلة العرش الاركان الاربعة المذكورين و من هو بمنزلة الكرسي الحامل للمنازل التي بالسير فيها يكمل القمر شهرا تاما ثلثين يوما هم النقباء ثلثين نفسا علي ما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام و من هو بمنزلة الافلاك السبعة هم النجباء فعلي هذا البيان التام تبين لك ان النجباء لهم مركز يدورون حوله و مقام يقفون عنده لايصلون الي مقام النقباء في حال من الاحوال و وقت من الاوقات كما ان الافلاك السبعة لاتصل الي العرش و الكرسي في حال من الاحوال و وقت من الاوقات فالسبعة في مقامها تدور و تستمد بلا انقطاع و الكرسي في محله و مركزه يدور بلا انقطاع و العرش في محله و مركزه يدور بلا انقطاع و كل عال منها محل فيض للسافل و كذلك النجباء لهم مقام و مرتبة لايصل اليها احد مما تحتهم من المؤمنين و غيرهم و ان ترقوا ما ترقوا و بلغوا ما بلغوا و وصلوا الي ما وصلوا و هم قدامهم اينما ترقوا يدلجون بين يدي المدلج من عباد الله و خلقه من الذين تحت مرتبتهم و المستقهرين لسلطانهم و المحاطين تحت احاطتهم فهم اكملوا الاسفار و جاسوا خلال تلك الديار و بلغوا اعلي مراتب الانوار و وصلوا الي سر الاسرار و ساروا و قطعوا مراحل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء و بلغوا الي الاسم الاعظم و عرفوا بسرهم المقدم الاقدم و استداروا علي نقطة وجودهم و فنوا غيبهم و شهودهم فاشرق عليهم الجبار مقدار سم الابرة من نور عظمته فامدوا و استمدوا و لميزل هذا شأنهم و دأبهم الي ما لا نهاية له و اليهم اشرت فيما قلت سابقا :
فيا لهم بشرا عزت مدارجهم حتي علوا رتبة الاوهام و الفكر
ساروا فطاروا فداروا اذ احاط بهم لطف الحبيب بلا عين و لا اثر [ص 492]
فهؤلاء هم النجباء تنفعل لهم الاشياء و تنقاد لهم الامور و تخضع لهم الرقاب الصعاب و هم من حيث لايشعرون و اما النقباء فهم علي وصفهم المتقدم و لهم رياسة عامة و سلطنة تامة تصدر النجباء و ترد عن امرهم و ينفذ عليهم حكمهم و لذا سموا بالنقباء و النقيب انما سمي نقيبا لعلو شأنه و نفوذ امره و حكمه و هم نافذوا الحكم في الاشياء مما هي تحت رتبتهم علي جهة العموم و الله سبحانه يريد لارادتهم و يشاء لمشيتهم علي حد ما قال ذلك العارف الكامل الذي لعله منهم انا نترك ما نريد لما يريد الله فهو سبحانه يترك ما يريد لما نريد و لايريدون الا ما يريد الله و لايشاؤن الا ما يشاء الله و هو قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هؤلاء و ان ظهروا بالثلثين عدد قوي لام التعريف و عدد اول ميقات موسي و لكنهم اذا مات منهم واحد يقوم بدله ما هو من سنخه و رتبته لا انه يترقي احد من النجباء بل الذي يقوم بدله شخص من رتبته و مقامه و مرتبته و كذلك اذا مات رجل من النجباء يقوم شخص من سنخه و مرتبته و مقامه لا ان رجلا من المؤمنين الاتقياء يترقي و يكون بدله حاشا و كلا لايكون ذلك ابدا الي ان قال اعلي الله مقامه هذا مجمل احوال الرواق علي ما عند اهل الاشراق من اهل الوفاق و الاتفاق و هو ثلثة في عين كونها واحدة الرواق الاول الاركان و الرواق الثاني النقباء و الرواق الثالث النجباء فالاول مظهر التوحيد في مقام التابعية و الثاني مظهر النبوة في ذلك المقام و الثالث مظهر الولاية في ذلك المقام و ان كان الكل مظهر التوحيد و الكل مظهر النبوة و الكل مظهر الولاية و الكل مظهر البعض و الكل مظهر الكل قال تعالي و ما امرنا الا واحدة ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فالناظر الي الوجه الواحد اعور و الناظر الي الوجهين في الوجه الواحد من حيث هو واحد احول و الناظر الي [ص 493] الجميع بالوجه الواحد لا من حيث هو كذلك بصير كامل فافهم و ابن عليه امرك . و اعلم ان ابواب الباب و وجوه الجناب كلها واحدة اذا كان الالتفات و النظر الي ما في البيت و المدينة و ان كان النظر و الالتفات الي نفس الابواب فارتفع الباب و انقطع الجناب و كان الباب عين البيت و انقلب السافل عاليا و لميكن الباب باب حطة بل بيت ارتفع من غير ان يرفعه الله بل ارتفاعه ادعاء ماانزل الله بها من سلطان لقد قال مولانا و سيدنا علي بن محمد الهادي عليهما آلاف التحية و الثناء في بعض احاديثه و كلماته اذا صرت بالباب فاشهد الشهادتين و انت علي غسل ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه .
و كان غرضي من ذكر كلامه امور منها ان يسلم له المسلمون منه المنكرون لي ما اقوله زعما منهم اني مخالف له في ما اقول و منها ان عبارته اكمل العبارات و كانت وافية مفصلة فذكرتها بطولها و منها ان يكون ختم هذا المجلد ببيانه انار الله برهانه ، و ظهر مما بينا في هذا الباب نباهة الانسان و شرفه علي ساير المخلوقات بقدر استطاعة الزمان و نكتم الآن منه ما لايستطيعه اهل الطغيان الي ان يشاء الله صلاح الاوان و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ، فلنختم الباب و نختم بختمه هذا المجلد و ارجو الله جل و عز ان يوفقني لاتمام المجلد الرابع انه الموفق المسدد فختم هذا المجلد علي يد مؤلفه و مصنفه كريم بن ابرهيم في قرية لنجر في الثامن و العشرين من شهر صفر من شهور السنة التاسعة و السبعين من المائة الثالثةعشرة الهجرية حامدا مصليا مستغفرا سائلا ان يوفقني الله للعمل به و يوفق اصحابي له .
تمت .