فصل - في اليقين و هو من كرائم مقامات السالكين و شرايف درجات المتقين و الفايز به اقل الاقلين و اعز المؤمنين و هو من صفات القلب الذي هو العقل فهو ثبات و اطمئنان يحصل في العقل اذا كان خالصا عن شوائب الاكدار و الواث الاغيار و كان علي الفطرة التي فطره الله عليها و ذلك ان الله سبحانه خلق عقل كل شيء اول جميع مراتبه محيطا علي جميع ما دونه خارجا عن الاوقات ناظرا الي ما مضي و ما هو آت و لذلك قال فيه علي اميرالمؤمنين عليه السلام و العقل وسط الكل لكيلايعقل احدكم شيئا من الخير و الشر الا بقياس معقول و قال عليه السلام العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب انتهي فهذا الجوهر دراك بالطبع كلما يتوجه اليه محيط بالاشياء التي دونه من جميع جهاتها فيعرفها بجميع حيوثها و جهاتها لايخفي عليه خافية و لخروجه عن الاوقات مشرف علي جميع الآنات و يعرف المواضي و الاوات بخلاف المدارك التي تدرك الاشباح الزمانية فانها تدرك الحال و اما المدارك البرزخية فاسفلها مقترن بالحال و اعلاها يدرك المواضي فقط و اما العقل فانه يدرك ما لميأت و ان اتي كيف ينبغي ان يكون و هو علة الموجودات اما الفاعلية فلانه خلق الله الاشياء به و اما الغائية فانه قد خلق جميع الاشياء لظهوره و بروزه و اما المادية و الصورية فان الكل من شعاعه بمادته و صورته و هذه الكمالات علي الاطلاق للعقل الكلي الا ان من ذلك في كل شيء بحسبه فهذا العقل اذا كان علي الفطرة كان علي حسب مشية الله صافي الادراك نافذ النظر [ص 421] يدرك كلما يقابله علي ما هو عليه ثابتا جازما لايتزلزل في ادراكه و اما اذا كان مشيبا بشوائب النفس يعمي عن درك الحق الواقع و يحصل فيه جهتان جهة الفطرة الاصلية و جهة الفطرة المغيرة فيري بكل جهة شيئا و يلتبس عليه الامر و يتردد فاما ان يرجح احدي الجهتين فيظن و يتوهم الاخري او يتساوي فيشك و علي اي حال لايخلو الانسان من يقين بشيء مما في الدنيا فمن عمل بما يتيقن به يستبصر فيما يشك فيه و يزداد بصيرة فيما يتردد فيه و يوفق لليقين و من ترك ما يتيقن به لما يشك فيه يعمي عن درك الحق و يزول يقينه و كذلك يفسد العقل الوسوسة في التوهمات و التجويزات و الامكانات و كلما يزداد وسوسته فيها تزداد قوة و تقرب من الوقوع عنده فتساوي الواقع و يحصل الشك فالواجب اذا صار الانسان علي يقين في شيء ان يثبت عليه و يعرض عن التجويزات و يعمل به و يديم عليه و لاينقضه بشكه في شيء آخر ابدا و انما يزول يقين الناس لاجل انهم ينقضون يقينهم بشيء بشكهم في شيء آخر فيعرضون عنهما معا و اكمل آلات العقل في تحصيل اليقين في السلوك الي الله جل و عز بعد شوبه و تلوثه دليل الموعظة الحسنة و هو ان تنظر في كل شيء الي جهته التي لا شك فيه و لا ريب يعتريه فتأخذ به و تنظر الي جهته المشكوكة عندك فتتركه و هو طريق الاحتياط في كل شيء و هو ما قاله النبي صلي الله عليه و آله دع ما يريبك الي ما لايريبك و عن الصادق عليه السلام خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد اليه سبيلا و مثال ذلك ما رواه في الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال لابن ابيالعوجاء ان يكن الامر علي ما يقول هؤلاء و هو علي ما يقولون يعني اهل الطواف فقد سلموا و عطبتم و ان يكن الامر علي ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم و هم و ما رواه في العيون عن الرضا عليه السلام في مكالمة زنديق أرأيت ان كان [ص 422] القول قولكم و ليس هو كما تقولون ألسنا و اياكم شرعا شرعا و لايضرنا ما صلينا و صمنا و زكينا و اقررنا فسكت فقال ابوالحسن عليه السلام و ان يكن القول قولنا و هو قولنا و كما نقول ألستم قد هلكتم و نجونا الخبر ، و كقوله تعالي قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضل ممن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي قل أرأيتم ان كان من عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بنياسرائيل علي مثله فآمن و استكبرتم ان الله لايهدي القوم الظالمين فاذا فهمت ان شقا من الامر قطعي لا شك فيه و شق منه يحتمل الخلاف فالعقل يحكم حينئذ بلزوم الاخذ بالمقطوع به فاذا حكم بوجوب الاخذ به فشرطه ان تنصف عقلك و تصدقه في حكمه و تسلم لامره و تعمل بمقتضاه و مستنده القلب فانه مقر اليقين و صاحبه الموصوف به و الحافظ له الكتاب و السنة فانهما اصل كل خير و بهما يؤيد العقل و يسدد و يوفق و يعتدل و يستوي و يعدل في قضائه و بهذا الدليل يستخرج مسائل علم الطريقة اي السلوك العملي و تهذيب الاخلاق و تعديل احوال النفس و معرفة كيفية التخلق باخلاق الله و تجنب ما فيه الضرر و امثل لك امثلة تعتبر بها و تستخرج الباقي علي حذوها فاذا اردت ان تتكلم بكلام في مجلس مثلا فانظر بعقلك هل عليك وصمة ان لمتتكلم بذلك الكلام في دينك فتري انه لا وصمة عليك في ذلك بوجه ثم تنظر ان تكلمت فيحتمل ان يترتب عليه اثر ردي فتتركه و ان اردت ان تضرب احدا تنظر و تري انك لو لمتضربه لايكون عليك وصمة ابدا و لكن ان ضربته يحتمل فيه مكروه فلاتضربه و اذا اردت ان تقوم الي طاعة فتنظر و تقول ان بادرت الي الطاعة فلا نقص فيه ابدا و ان تثبطت يحتمل وقوع المكروه فبادر و ان اردت ان تنفق في سبيل الله تنظر و تقول ان انفقت فلايكون علي منه ضرر ديني و ان لمانفق يحتمل الضرر في ديني فانفق و هكذا فتدور [ص 423] ابدا مدار القطع و اليقين و من العجايب ان امور الدين كلها موضوعة في جانب الاحوط المسلمي و الحمد لله و بهذا الدليل يمكن الانسان الوصول الي اليقين في كل شيء و هو اقوي عصا للسالك الي الله سبحانه يتوكأ عليها و يستأنس بها و يدفع المضرة عن نفسه و اخوانه بها و من توكأ عليها لايخيب و لايخزي و اما المجادلة بالتي هي احسن فلايفيد اليقين لان مدارها علي الالفاظ و دلالاتها و هي لاتخلو من الاحتمالات نعم تفيد الالتزام و حصول صورة الملتزم في النفس و اما هذا الدليل فلاجل انه معنوي لايتطرق فيه الاحتمالات اللفظية و لما كان مبناه علي الاحتياط و الاخذ بما لا ريب فيه يأمن الانسان فيه عن الشكوك و ان كان الانسان في مسألة لايعرف وجها لا ريب فيه فيها و هو متردد في جميع اطرافها فبحكم الموعظة الحسنة يكون سكوته عنها اولي و فيه يقين النجاة فيذرها في سنبلها حتي يحصل له يقين بجهة فيمضي فيها و يدع الآخر ثم قد يكون متعلق اليقين الصانع جل و عز و صفاته و اسماؤه و قد يكون متعلقه افعال الله و مقاديره و قد يكون الرسول صلي الله عليه و آله و صفاته و قد يكون الامام عليه السلام و صفاته و قد يكون اولياؤهم و ما يتعلق بهم او اعداؤهم و ما يتعلق بهم و قد يكون ساير مسائل الدين الشرعية من الحلال و الحرام و قد يكون ساير مسائل الطريقة و الاخلاق و الصفات المحمودة و المذمومة و قد يكون ساير مسائل الحقيقة و المعاملات مع الله سبحانه و قد يكون ساير امور العالم و جميعه من خواص الانسان الكامل و من نباهته و شرفه و ليس يوجد في شيء من الخلق الذين دونه و لايخفي ما فيه من الروح و الراحة و الفرح و السرور في الدين و الدنيا و الآخرة و ما في الظن و الشك من الضنك و الضيق و الحرج و التعب و الهم و الغم الدائم فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله [ص 424] يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون .
فصل - اعلم ان اليقين علي قسمين قسم مقرون بالعمل و قسم غير مقرون بالعمل و ذلك انه قد يحول الآمال و الشهوات و العادات و الطبايع و امثالها بين الانسان و يقينه فمتي ما يلتهي بهذه الحجب و الموانع ينسي اليقين فيصير كأنه لا يقين له و في الواقع له يقين بدليل انه اذا خرق الحجب و نظر الي يقينه سكن عنده و ثبت عليه و قد لايحول شيء بين الانسان و يقينه فهو ملتفت اليه شاهد اياه اما الاول فكاليقين بالموت فان كل احد متيقن بالموت لايشك فيه و لكن قد حال بينه و بين يقينه الشهوات و العادات و امثالها فهو ملته بها غافل عنه و اذا ما رفع الحجب و نظر الي اليقين رآه و علم انه يموت و كل نفس ذائقة الموت فاذا رفع الحجاب و فك الباب رآه بلا ارتياب و اشرق نوره علي القلب و الاعضاء و الجوارح و اعرض عن الدنيا و زهد فيها و لميتعلق بشيء منها ثم اذا عادت الحجب و ارخي السجف توجه الي الدنيا و مقتضياتها و انما ذلك كمن يعلم يقينا ان له مالا كثيرا في بيته فكلما توجه اليه و ذكره سر به و زاد اعتماده و اذا ما اشتغل بمصيبة من مصائب الدنيا نسيه و اهتم لها فليس هذا القسم من جهة شك الانسان في متعلق يقينه و انما هو لاجل غفلته عنه فعن سلام المستنير قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن اعين و سأله عن اشياء فلما هم حمران بالقيام قال لابيجعفر عليه السلام اخبرك اطال الله بقاك لنا و امتعنا بك انا نأتيك فمانخرج من عندك حتي ترق قلوبنا و تسلو انفسنا عن الدنيا و يهون علينا ما في ايدي الناس من هذه الاموال ثم نخرج من عندك فاذا صرنا مع الناس و التجار احببنا الدنيا قال فقال ابوجعفر عليه السلام انما هي القلوب تصعب مرة و تسهل ثم قال ابوجعفر عليه السلام اما [ص 425] ان اصحاب محمد صلي الله عليه و آله قالوا يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال فقال لهم و لم تخافون ذلك قالوا اذا كنا عندك فذكرتنا و رغبتنا وجلنا و نسينا الدنيا و زهدنا حتي كأنا نعاين الآخرة و الجنة و النار و نحن عندك فاذا خرجنا من عندك و دخلنا هذه البيوت و شممنا الاولاد و رأينا العيال و الاهل يكاد ان نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك و حتي كأنا لمنكن علي شيء أفتخاف علينا ان يكون ذلك نفاقا فقال لهم رسول الله صلي الله عليه و آله كلا ان هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا والله لو تدومون علي الحالة التي وصفتم انفسكم بها لصافحتكم الملائكة و مشيتم علي الماء و لولا انكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتي يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم ان المؤمن مفتن تواب أماسمعت قول الله عز و جل ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين و قال استغفروا ربكم ثم توبوا اليه انتهي ، و روي عن النبي صلي الله عليه و آله لولا ان الشياطين يحومون علي قلوب بني آدم لنظروا الي ملكوت السموات و الارض و قال اميرالمؤمنين عليه السلام مارأيت يقينا لا شك فيه اشبه بشك لا يقين فيه من الموت انتهي ، فهذه الغفلات لاتضر باليقين الذي منح الله الانسان اياه نعم اذا نزل نفس الانسان الي دار الطبايع و انهمكت فيها الي ان جمدت و تجسمت و صارت علي حسب مقتضيات تلك الحجب و زال عنها اليقين و صارت في شك هلكت و اما الثاني فهو كاليقين الذي انت ذاكره متوجه اليه و لميحل بينك و بينه حجاب فصار منشأ آثار في حواسك و مشاعرك و اعضائك و جوارحك و استعمل كلا في مقتضاه و لميبق في نفسك شيء يحول بينك و بينه و ازلت جميعه بالرياضات و المجاهدات فهذا هو الكمال و كل الكمال و هذا هو المقرب من الله المتعال المرقي للانسان الي درجات الكمال الباعث [ص 426] لمشاهدة فضل الرب الفضال فلا شك ان ذلك يحصل للانسان اذا عمل بمقتضي يقينه و اعرض عما سواه و سعي في تصفيته البدن و تعديله و مجانبة مقتضيات الجمادية و النباتية و الحيوانية التي هي خطوات الشياطين حتي ترق تلك الحجب و تشف عما وراءها و الا فرفعها بالكلية مما لايمكن و انما المطلوب ترقيقها و صيرورتها شافة عما وراءها فروي عن ابيعبدالله عليه السلام العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل عنه و هذا هو اليقين بالفعل فهذا الانسان هو الذي صار اليقين فيه بالفعل و صار منشأ آثار فمن رام الفوز الي مقام اليقين فليجانب اسباب الغفلة و ما يحول بينه و بين يقينه و ليدم علي العمل بمقتضاه دائما حتي يثبت له و يكون نصب عينيه دائما و يصير منشأ آثار فكلما عملت قوي اليقين و كلما ازداد اليقين دعا الي العمل كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام لانسبن الاسلام نسبة لمينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الا بمثل ذلك ان الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء ان المؤمن لميأخذ دينه عن رأيه و لكن اتاه من ربه فاخذه ان المؤمن يري يقينه في عمله و الكافر يري انكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ماعرفوا امرهم فاعتبروا انكار الكافرين و المنافقين باعمالهم الخبيثة انتهي ، فاليقين اذا صار بالفعل صار منشأ عمل بالاركان بحسب مقتضاه كما اذا تيقن الانسان ان من ورائه عدوا قاهرا شاهرا سيفه عازما علي قتله و يدركه الآن يفر منه لا محالة و يستعمل جميع جوارحه في النجاة من شره و اذا تيقن ان من امامه ملك جواد يعطي من سأله و لايخيب امله و هو في غاية الحاجة الي نائله يستعمل يقينه جميع اعضائه في طلب نائله و يسعي في الوصول اليه البتة و لذلك قال [ص 427] اميرالمؤمنين عليه السلام يزعم انه يرجو الله كذب و العظيم ما باله لايتبين رجاؤه في عمله و كل من رجا عرف رجاؤه في عمله يرجو الله في الكبير و يرجو العباد في الصغير فيعطي العبد ما لايعطي الرب الخبر ، فاذا حصل اليقين في القلب شاهد الفضل فانه لا مشاهدة بعد الوصول اعظم من اليقين و اذا شاهد الفضل رجا و اذا رجا طلب و اذا طلب وجد فان الله جواد كريم فعلامة فعلية اليقين في الباطن مشاهدة الفضل و حصول الرجا و علامتها في الظاهر الطلب و الوجدان و لايصل الانسان الي خير الدنيا و الآخرة الا باليقين فانه الحاكم المسلط المستعمل للاعضاء و الجوارح في مقتضاه و غيره قد يستعمل و قد لايستعمل لعدم ثباته و امالة كل ريح له فلايثبت و لايستقر علي شيء و ليس فيه نجاة قطعية و وصول قطعي فقد يصيب و يصل و قد يخطي و لايصل و الله سبحانه دعا عباده الي اليقين لانه اليقين و لما كان متعلق اليقين امور عديدة يختلف آثاره علي حسب اختلافها فاذا كان علي يقين باحدية الله سبحانه و كان فيه بالفعل يكون بريئا من الشرك غير متماسك النفس مضمحلا متلاشيا تحت سطوع انواره و اذا كان علي يقين بوحدته في صفاته فلايرجو معه سواه و لايخاف معه غيره و يري دائما نفسه في حضرة الجبار فيراعي رسم ادبه و لايجسر علي عصيان بحضرته و لا علي النظر الي غيره في مشهده و يدعو موقنا بسماعه دعوته و يتقلب موقنا برؤيته اياه و يسأله موقنا بقدرته علي قضاء حاجته و يرضي و يسر بما جري عليه موقنا بحكمته و هكذا اذا كان موقنا بكل صفة و بوحدته فيها يعمل بمقتضاه و لايشرك به احدا و اذا كان موقنا بافعاله و مجاري قدره و قضائه عالما بوحدته فيها فلايري محركا في الوجود سواه و لايري خالقا غيره و يعلم ان جميع ما يجري من الحوادث بامره و حكمه فلايرجو سواه و لايخاف غيره و لايسأل دونه و لايري لاحد [ص 428] استقلالا معه و يعلم ان ما اصابه لميكن ليخطئه و ان ما اخطأه لميكن ليصيبه فيسكن عند مجاري القدر و يحب ما يحبه الله و يبغض ما يبغضه الله و هكذا و اذا كان موقنا بعظمته و استحقاقه جل جلاله للعبادة و بمالكيته لازمة الخلق و نواصيهم و تفرده في جميع الكمالات اخلص له العبادة و لميشرك بعبادة ربه احدا و قطع النظر عما سواه و ادام التوجه اليه و اذا كان موقنا برسوله صلي الله عليه صدق اخباره و افترض طاعته و اخلص في امتثال اوامره و اجتناب نواهيه و صدق احاديثه من مقاماته و فضائله و صدقه في عترته و فضائلهم و في اخباره عن البرزخ و يوم القيمة و الجنة و النار و غير ذلك و اذا كان موقنا باوصيائه سلام الله عليهم تولاهم و تبرأ من عدوهم و صدقهم في احاديثهم و افترض طاعتهم و سلم لهم تسليما في جميع ما ورد عنهم و اذا كان موقنا باوليائهم تولاهم و تبرأ من مخالفيهم و اعترف بفضائلهم و ادي حقوقهم و آثر من ينبغي ايثاره منهم و واسي من ينبغي مواساتهم منهم و انفق علي من ينبغي الانفاق عليهم منهم و هكذا و اذا كان موقنا بشرايع دينه و بثمراتها عمل ثلج الفؤاد ساكن القلب عالما بان منفعته في الدنيا و الآخرة في العمل بالطاعات و مضرته في الدنيا و الآخرة في العمل بالمعاصي راغبا الي الطاعات مشتاقا اليها اشتياق السليم الي الدرياق متنفرا عن المعاصي متأذيا منها تأذي الضلع من السياق و هكذا و علي هذه فقس ما سواها فبأي شيء حصل اليقين في القلب و صار بالفعل اشرق نوره علي الاعضاء و الجوارح و ظهر آثاره و من لميظهر منه آثار اليقين فليس يقينه بالفعل فاما هو ذو يقين و لكن حال بينه و بينه الحجب فستر انواره و لكن اذا توجه الي يقينه هو متيقن ساكن مطمئن فذلك اذا مات و زال عنه الاعراض يعود الي اليقين و لكن يقينه كأصل لا فروع له و لا اوراق و اما ليس له يقين و اغلب [ص 429] المؤمنين يقينهم من القسم المستور بالحجب فلايظهر آثاره الا بعد رفع الحجب و التذكر و كذلك اغلب اهل العلم و الاستدلال يقينهم مأخوذ من الادلة فلايوجد في قلوبهم يقين الا عند الالتفات الي الادلة فاذا اعرضوا عن الادلة و اشتغلوا بغيرها فلا يقين لهم و المطلوب ان يحصل في القلب نور يقين و ثبات و اطمئنان غير محتاج الي الادلة و المقدمات حتي لاتشغله عن التوجه الي ربه و الاخلاص في عبادته و ذلك يحصل بالمواظبة علي الادلة اولا و مداومة ذكر الموت و قطع العلايق و هتك الحجب حتي يصير اليقين مستقرا منقطعا عن المقدمات منفطما عن ابويه المنتجان له مفارقا عما نشأ منه مستقلا فهنالك يكون سببا للوصول الي الدرجات و الفوز بالقربات و تتمكن معه من الاخلاص و تفوز به بالخلاص و اعلم انه بعد ما عرفت ان اليقين هو بصيرة العقل بالشيء و سكونه و اطمئنانه تعرف انه لا معني لزيادة نفس اليقين و لكن كما عرفت قد يحول بين اليقين و بين القلب سحب العادات و الشهوات و الطبايع و امثالها فلايظهر نوره بالكلية و قد يرق تلك الحجب فيظهر من ورائها كما يظهر نور الشمس اذا جللها السحاب و هذه الحجب رقتها تقبل الزيادة و النقيصة و كلما تزداد رقة يزداد ظهور النور و ظهور آثار اليقين فمدار زيادة اليقين علي ترقيق حجاب الانية و التمحض في نور العقل و لذلك روي في حق عيسي لو زاد يقينه لمشي علي الهواء و ذلك ان العقل هو صاحب اليقين و هو علة الاشياء فلو صار في احد بالفعل لصار منشأ آثار و يفعل بالله ما يشاء و انما يعوق الانسان عن ذلك الحجب بينه و بينه و كلما ترق الحجب يزداد يقينا و كلما يزداد يقينا يظهر منه المعجزات و خوارق العادات اكثر اذا كان من اهل المعجز و الا فالكرامات فتنبه ، و اعلم انه وقع الاصطلاح علي تقسيم مراتب اليقين علي ثلث الاول علم اليقين و هو الاعتقاد الثابت الجازم المطابق [ص 430] للواقع و الثاني عين اليقين و هو مشاهدة المطلوب معاينة و الثالث حق اليقين و هو مقام اتحاد العاقل بالمعقول كذا قال بعضهم و الذي يدل عليه الخبر عن ائمة البشر ان علم اليقين هو المعاينة و في حديث آخر انه حين يؤتي بالصراط فينصب بين جسري جهنم و لا مشاحة في الاصطلاح اذا لميفسر به الكتاب .
فصل - ينبغي ان ازين كتابي بذكر اخبار الباب كما هو عادتي في هذا الكتاب فقد روي الديلمي في الارشاد ان سعد بن معاذ دخل علي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال كيف اصبحت يا سعد فقال بخير يا رسول الله اصبحت بالله مؤمنا موقنا فقال يا سعد ان لكل قول حقيقة فما مصداق ما تقول قال يا رسول الله مااصبحت فظننت اني امسي و لاامسيت فظننت اني اصبح و لامددت خطوة فظننت اني اتبعها باخري و كأني بكل امة جاثية و كل امة معها كتابها و نبيها و امامها تدعي الي حسابها و كأني باهل الجنة و هم يتنعمون و باهل النار و هم يعذبون فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله يا سعد عرفت فالزم و عن النبي صلي الله عليه و آله الصبر نصف الايمان و اليقين الايمان كله و عن الصادق عليه السلام اليقين يوصل العبد الي كل حال سني و مقام عجيب كذلك اخبر رسول الله صلي الله عليه و آله عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده ان عيسي بن مريم عليهما السلام كان يمشي علي الماء فقال لو زاد يقينه لمشي علي الهواء فدل بهذا ان رتب الانبياء عليهم السلام مع جلالة محلهم من الله كانت تتفاضل علي حقيقة اليقين لا غير و لا نهاية بزيادة اليقين الي الابد و المؤمنون ايضا متفاوتون في قوة اليقين و ضعفه فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبري من الحول و القوة الا بالله و الاستقامة علي امر الله و عبادته ظاهرا و باطنا قد استوت عنده حالتا العدم و الوجود و الزيادة و النقصان و المدح و الذم و العز و الذل لانه يري كلها من عين [ص 431] واحدة و من ضعف يقينه تعلق بالاسباب و رخص لنفسه بذلك و اتبع العادات و اقاويل الناس بغير حقيقة و السعي في امور الدنيا و جمعها و امساكها مقر باللسان انه لا مانع و لا معطي الا الله و ان العبد لايصيب الا ما رزق و قسم له و الجهد لايزيد في الرزق و ينكر ذلك بقوله و فعله قال الله عز و جل يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم و الله اعلم بما يكتمون انما عطف الله بعباده حيث اذن لهم في الكسب و الحركات في باب العيش ما لميتعدوا حدوده فلايتركوا من فرايضه و سنن نبيه صلي الله عليه و آله في جميع حركاتهم و لايعدلوا عن محجة التوكل و لايقفوا في ميدان الحرص و اما اذا ابوا ذلك و ارتبطوا بخلاف ما حد لهم كانوا من الهالكين الذين ليس معهم في الحاصل الا الدعاوي الكاذبة و كل مكتسب لايكون موكلا فلايستجلب من كسبه الي نفسه الا حراما و شبهة و علامته ان يؤثر ما يحصل من كسبه و يجوع و ينفق في سبيل الدين و لايمسك و المأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسبا و بقلبه متوكلا و ان كثر المال عنده قام فيه كالامين عالما بان كون ذلك المال عنده و فوته سواء و ان امسك امسك لله و ان انفق انفق فيما امره الله عز و جل و يكون منعه و اعطاؤه في الله و في الكافي عن اسحق بن عمار قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان رسول الله صلي الله عليه و آله صلي بالناس الصبح فنظر الي شاب في المسجد و هو يخفق و يهوي برأسه مصفرا لونه قد نحف جسمه و غارت عيناه في رأسه فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله كيف اصبحت يا فلان قال اصبحت يا رسول الله موقنا فعجب رسول الله صلي الله عليه و آله قوله و قال ان لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك فقال ان يقيني يا رسول الله هو الذي احزنني فاسهر ليلي و اظمأ هواجري فعزفت نفسي عن الدنيا و ما فيها حتي كأني انظر الي [ص 432] عرش ربي و قد نصب للحساب و حشر الخلايق لذلك و انا فيهم و كأني انظر الي اهل الجنة يتنعمون في الجنة و يتعارفون علي الارائك متكئون و كأني انظر الي اهل النار و هم فيها معذبون مصطرخون و كأني الآن اسمع زفير النار يدور في مسامعي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله لاصحابه هذا عبد نور الله قلبه بالايمان ثم قال له الزم ما انت عليه فقال الشاب ادع الله لي يا رسول الله ان ارزق الشهادة معك فدعا له رسول الله صلي الله عليه و آله فلميلبث ان خرج في بعض غزوات النبي فاستشهد بعد تسعة نفر و كان هو العاشر اقول الظاهر ان الرجل حارثة بن مالك النعمن الانصاري كما يظهر من خبر آخر و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال ليس شئ الا و له حد قال قلت جعلت فداك فما حد التوكل قال اليقين قلت فما حد اليقين قال ان لاتخاف مع الله شيئا و عن عبدالله بن سنان عن ابيعبدالله عليه السلام قال من صحة يقين المرء المسلم ان لايرضي الناس بسخط الله و لايلومهم علي ما لميؤته الله فان الرزق لايسوقه حرص حريص و لايرده كراهة كاره و لو ان احدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه كما يدركه الموت ثم قال ان الله بعدله و قسطه جعل الروح و الراحة في اليقين و الرضا و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط و عن هشام بن سالم قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول ان العمل الدائم القليل علي اليقين افضل عند الله من العمل الكثير علي غير يقين و عن زرارة عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين علي المنبر لايجد احد طعم الايمان حتي يعلم ان ما اصابه لميكن ليخطئه و ما اخطأه لميكن ليصيبه و عن زيد الشحام عن ابيعبدالله عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام جلس الي حائط مائل يقضي بين الناس فقال بعضهم لاتقعد تحت هذا الحايط فانه معور فقال اميرالمؤمنين عليه السلام حرس امرءا اجله فلما قام [ص 433] سقط الحائط قال و كان اميرالمؤمنين عليه السلام مما يفعل هذا و اشباهه و هذا اليقين و عن صفوان الجمال قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل و اما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما فقال اما انه ماكان ذهبا و لا فضة و انما كان اربع كلمات لا اله الا انا من ايقن بالموت لميضحك سنه و من ايقن بالحساب لميفرح قلبه و من ايقن بالقدر لميخش الا الله و عن علي بن هاشم بن البريد عن ابيه قال قال علي بن الحسين عليهما السلام الزهد عشرة اجزاء اعلي درجة الزهد ادني درجة الورع و اعلي درجة الورع ادني درجة اليقين و اعلي درجة اليقين ادني درجة الرضا و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث صفة الايمان و اليقين علي اربع شعب تبصرة الفطنة و تأول الحكمة و معرفة العبرة و سنة الاولين فمن ابصر الفطنة عرف الحكمة و من تأول الحكمة عرف العبرة و من عرف العبرة عرف السنة و من عرف السنة فكأنما كان مع الاولين و اهتدي الي التي هي اقوم و نظر الي من نجي بما نجي و من هلك بما هلك و انما اهلك الله من اهلك بمعصيته و انجي من انجي بطاعته و عن جابر قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا اخا جعف ان الايمان افضل من الاسلام و ان اليقين افضل من الايمان و ما من شيء اعز من اليقين و عن الوشا عن ابيالحسن عليه السلام قال سمعته يقول الايمان فوق الاسلام بدرجة و التقوي فوق الايمان بدرجة و اليقين فوق التقوي بدرجة و ماقسم في الناس شيء اقل من اليقين و في رواية بمعناه ثم قال الراوي قلت فأي شيء اليقين قال التوكل علي الله و التسليم لله و الرضا بقضاء الله و التفويض الي الله و في المحاسن عن صفوان بن يحيي قال سألت اباالحسن الرضا عليه السلام عن قول الله لابرهيم أولمتؤمن قال بلي و لكن ليطمئن قلبي أكان في قلبه شك قال لا كان علي يقين و لكنه اراد من الله الزيادة في يقينه و عن هشام بن سالم عن ابيعبدالله [ص 434] عليه السلام في قول الله لو تعلمون علم اليقين قال المعاينة و عن عبدالله بن سنان عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله كفي باليقين غني و بالعبادة شغلا و عن محمد الحلبي عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله الذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انهم الي ربهم راجعون قال يعملون ما عملوا من عمل و هم يعلمون انهم يثابون عليه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة ايها الناس سلوا الله اليقين و ارغبوا اليه في العافية فان اجل النعمة العافية و خير ما دام في القلب اليقين و المغبون من غبن دينه و المغبوط من غبط يقينه قال و كان علي بن الحسين عليهما السلام يطيل القعود بعد المغرب يسأل الله اليقين و عن زرارة عن ابيعبدالله عليه السلام قال لو ان العباد وصفوا الحق و عملوا به و لميعقد قلوبهم علي انه الحق ماانتفعوا و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال علي عليه السلام اعلموا انه لايصغر ما ضر يوم القيمة و لايصغر ما ينفع يوم القيمة فكونوا فيما اخبركم الله كمن عاين و يؤيد ذلك ما روي عنه عليه السلام ما من احد منكم الا قد عاين الجنة و النار ان كنتم تصدقون بالقرآن و عن عبدالله بن سنان قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول الايمان في القلب و اليقين خطرات و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان القلب ليترجج فيما بين الصدر و الحنجرة حتي يعقد علي الايمان فاذا عقد علي الايمان قر و ذلك قول الله و من يؤمن بالله يهد قلبه قال يسكن و عن خضر بن عمرو قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان المؤمن اشد من زبر الحديد ان الحديد اذا دخل النار لان و ان المؤمن لو قتل و نشر ثم قتل لميتغير قلبه و عن محمد الحلبي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فاذا اصابه اطمأن و قر ثم تلا ابوعبدالله عليه السلام هذه الآية فمن يرد الله ان يهديه يشرح [ص 435] صدره للاسلام الي قوله كأنما يصعد في السماء ، و عن علي بن جعفر عن ابيالحسن موسي عليه السلام قال ان الله خلق قلوب المؤمنين مطوية مبهمة علي الايمان فاذا اراد استثارة ما فيها نضحها بالحكمة و زرعها بالعلم و زارعها و القيم عليها رب العالمين .
فصل - اعلم ان اليقين تطول من الله يتطول به علي عبده و ليس له فيه صنع و لايقدر احد ان يحدث لنفسه يقينا و ان اكتسب الفالف دليل فانا نري اناسا لايكادون يتيقنون بالبديهيات فكيف بالنظريات فاليقين بمنزلة الصحة و الشك بمنزلة المرض كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام الروح حيوتها في علمها و موتها في جهلها و مرضها شكها و صحتها يقينها و نومها غفلتها و يقظتها حفظها و كما انه لايقدر احد ان يصحح نفسه الا ان يرزقه الله الصحة و يلبسه العافية كذلك لايقدر احد ان يحصل يقينا الا ان يرزقه الله اليقين و لذلك وقع سؤاله في دعوات آلمحمد عليهم السلام فمن اسباب استزادة اليقين السؤال من الله جل جلاله كما روي في تعقيب المغرب اللهم اني اسألك بحق محمد و آلمحمد عليك ان تصلي علي محمد و آلمحمد و ان تجعل النور في بصري و البصيرة في ديني و اليقين في قلبي و الاخلاص في عملي و السلامة في نفسي و السعة في رزقي و الشكر لك ابدا ما ابقيتني ، و قد عرفت ان علي بن الحسين عليهما السلام كان يطيل القعود بعد المغرب يسأل الله اليقين و هذا لاستزادة اليقين لا اصل اليقين فان المرء ما لميكن علي يقين لايستجاب دعاؤه و الذي يدل علي ان اليقين منحة من الله ما رواه في المحاسن عن صفوان قال قلت لعبد صالح هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة قال لا انما هو تطول من الله قلت أفلهم علي المعرفة ثواب اذا كان ليس فيهم ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي امروا به ففعلوه قال لا انما هو تطول من الله [ص 436] عليهم و تطول بالثواب و عن الحسن بن زياد قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الايمان هل للعباد فيه صنع قال لا و لا كرامة بل هو من الله و فضله و قد مر ما يدل علي ذلك و عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال ليس علي الناس ان يعلموا حتي يكون الله هو المعلم لهم فاذا علمهم فعليهم ان يعلموا و عن سليمان بن خالد قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا سليمان ان لك قلبا و مسامع و ان الله اذا اراد ان يهدي عبدا فتح مسامع قلبه و اذا اراد به غير ذلك ختم مسامع قلبه فلايصلح ابدا و هو قول الله عز و جل ام علي قلوب اقفالها ، و عن معوية الاسدي قال قال ابوعبدالله عليه السلام ما انتم و الناس ان الله اذا اراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء فاذا هو يجول لذلك و يطلبه فاصل اليقين موهبة من الله يهبها من يشاء من عباده و هو قوله سبحانه من يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس علي الذين لايؤمنون و هو بمنزلة العين فلايري من لا عين له و اما في الظاهر فمن اسبابه النظر في السماوات و الارض و آيات الآفاق و الانفس كما قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم أفلاتبصرون فلا بد لطالب اليقين ان يكثر النظر في الآفاق و الانفس كما قدمنا في باب الفكر و يعتبر عن الاشياء حتي يصير الغيب له كالشهادة و البعيد كالقريب و النتيجة كالمقدمات و يكثر النظر في هاذم اللذات و يذكره و يعتبر بمن سبقوه الي دار الآخرة و هم في بحار جزاء اعمالهم يغوصون و هو قوله سبحانه أولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون فاذا صار بهذه المنزلة قر قلبه و اطمأن و انما يحتاج الانسان الي الدليل [ص 437] و المقدمات اذا كان المطلب بعيدا منه خفيا عنه فاذا ادام النظر حتي قرب البعيد و شاهد الخفي استغني عن الدليل و استقل في مشاهدة المدلول عليه و من اسبابه تحصيل البرهان و الادلة الواضحة البينة علي المطلوب و يداوم عليها و يكثر النظر فيها حتي يصير انتاجها للنتيجة بديهيا ثم يديم العمل بمقتضاها و يذكرها دائما بالعمل حتي تثبت و تستقر في قلبه و ترسخ و يطمأن ان كتب له كما روي ان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل عنه و من لميعمل بمقتضاه ارتحل عنه و بقي له الشكوك و الشبهات و من اسبابه ان يركن الي يقينه الذي حصل له و يعرض عن الريب و الشك و الشبهة فان نفس الانسان اذا توجهت الي جهة او الي خلط من اخلاط بدنه او الي صفة و ادامت اشرقت عليها و احياها و قويها فاذا ادام التفكر في الشبهة احياها لا محالة و قويها و اعانه عليها الشياطين و هيئوا لها مقربات و مؤيدات و شواهد حتي يقووها و يقيموها في مقابلة اليقين كما يظهر من الوسواس و كثير الشك من انه لايكاد يستيقن بشيء و يقوي عنده الشك و يجد له مؤيدات و شواهد عديدة ما لايعتني به السليم فالواجب ان يسعي الانسان في تحصيل اليقين فاذا حصل له اليقين اخذ به و اعرض عما سواه اعراض نسيان و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون و هذا هو الصراط المستقيم في الامور الظاهرة و الباطنة و لاجل ذلك وقع عليه التكليف كما قال علي عليه السلام لاترتابوا فتشكوا فتكفروا و من اسباب تحصيل اليقين المداومة علي الاعمال الصالحة و الاخلاق الزكية و اجتناب العادات و الشهوات و الطبايع و عدم تغليبها علي العقل و نصرة العقل و ما يقتضيه و الحكم له دائما اذا ظهر قوله و ميله فان الحكم لها و عليه يعمي العقل و كذلك تصديق الحق من كل من ظهر و ابطال الباطل و انكاره من كل من سمع و تعويد النفس بذلك حتي تجري عليه في [ص 438] الظاهر و الباطن و يكون دائما طالبا للحق مشتاقا اليه مبغضا للباطل مجتنبا عنه فمثل ذلك حري بان يشرق في قلبه نور اليقين و يصل الي مقام الروح و الراحة و برد القلب و السكون و الاطمينان قال الله تعالي و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين علي ان يكون حتي تعليلية و ذلك ان بالعبادات تطرد الشياطين المشككة الموسوسة في الصدور و يطهر القلب و الصدر عن ارجاسها فيشرق نور اليقين الكامن في العقل و يظهر و ذلك معني قوله عليه السلام الايمان في القلب و اليقين خطرات يعني كلما يران علي القلب يخفي اليقين و يظهر الشك و كلما يجلو القلب يظهر اليقين كما اذا كان فانوس فيه سراج فمهما طليت ستره بحاجب خفي ضوء السراج و اذا نظفته ظهر ضوؤه فافهم و من اسباب تحصيل اليقين تعديل الطبع بممارسة الادلة الحقة و العلماء الربانيين و مجالستهم و استماع ادلتهم و الرجوع الي كتبهم و اعظم من جميع ذلك ممارسة الاخبار فان كلامهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و لكلامهم اثر خاص عن تجربة في تنوير القلب و ترقيقه و امالته الي الحق و الي صراط مستقيم و ذلك مشهود مجرب و كذا قراءة القرآن بتدبر و تذكر و اعتبار فان هذه الامور تعود النفس علي الاخذ باليقين و من اسبابه مجالسة اهل اليقين و المضاء في الامور و مجانبة اهل الهوس و الوسوسة و اهل الشبهات و الآراء و البدع و كتب الحكماء و المتكلمين و اهل الملل الباطلة فان كل ذي صفة قوية يقوي ما في قوة النفس من جنس صفته و يخرجه من القوة الي الفعلية و يزين للانسان نوع صفته و ذلك مجرب مشهود فالواجب ان يجالس اهل اليقين و الايمان و التقوي و يجانب اهل البدع و الآراء و الاهواء و اعظم من ذلك ترك مراجعة كتب الضلال و اهل المذاهب الباطلة فلا كل نفس يقدر علي تمييز الغث من السمين و السراب من الماء المعين [ص 439] فيقع في احتمالات و شكوك و شبهات و ان وسوس في نفسك الوسواس ان المنع من مراجعة المذاهب و كتبها و اهلها بسبب عدم الاطلاع علي المذاهب و اغترار الانسان بما في يده و جموده عليه و لعل في ساير المذاهب ايضا حقا قلت انا لانقول ان يهجر الانسان قبل يقينه بمذهب المذاهب و يأخذ بمذهب عميانا بل نقول اذا ظهر لك بالبرهان الحق و بآيات الله و بيناته ان الاسلام مثلا حق فاعرض عن كتب النصاري و اليهود و المجوس فانها حينئذ كتب ضلال و مراجعتك لها صرف العمر في ضلال و احياء للشبهات و تقوية لها و تضعيف لايمانك فاذا عرفت الحق بالبينات فالزمه و الزم مقتضياته و اعرض عما سواه و هذا لازم واجب و تركه مفسد حتي في الامور المحسوسة و من تردد في الريب سبقه الاولون و لحقه اللاحقون و وطئته سنابك الشياطين و شابه المجانين و فسد عليه دينه و دنياه قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون .
فصل - اعلم ان من فضل الله علي الخلق ان خلق الخلق علي صفة مشيته و طبق ارادته و علي جبلة و فطرة لاتكاد تستيقن الحق باطلا و الباطل حقا و هذا من تمام حجة الله علي الخلق فلا احد في الدنيا يستيقن الباطل حقا ابدا انهم الا يظنون او يسامحون و لايعتنون و الا فلو راجعوا انفسهم و طالبوها بالجزم لرأوا انه لا جزم لها علي حقية شيء هو في الحقيقة باطل و علي بطلان شيء هو في الحقيقة حق و لو كان غير ذلك لميقم للحق عمود و لميتم لله حجة علي خلقه و لميكن لاحد علي احد حجة و كان يسع كل كافر ان يقول اني علي يقين من امري فلا فائدة في دعوتك اياي الي دينك و لميكن لاحد ان يدعو احدا الي حق فان ثمرته الوصول الي اليقين و هو واصل هذا و لميبق اطمئنان لاحد وصل الي حق لانه يجوز ان يكون ما وصل اليه و تيقنه و علم انه حق في الواقع باطلا و هو علمه حقا او بالعكس فلاكان لتحصيل يقين [ص 440] فائدة و لاانقطع كلام اهل دين عن دين و لميكن لاحد فضل علي احد و بذلك يدل الخبر كما رواه خثيمة بن عبدالرحمن الجعفي قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول ان القلب ينقلب من لدن موضعه الي حنجرته ما لميصب الحق فاذا اصاب الحق قر ثم ضم اصابعه و قرأ هذه الآية فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ، و عن هشام بن سالم عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله تبارك و تعالي و اعلموا ان الله يحول بين المرء و قلبه فقال يحول بينه و بين ان يعلم ان الباطل حق و عن عبدالله بن ابييعفور عن ابيعبدالله عليه السلام قال ابي الله ان يعرف باطلا حقا ابي الله ان يجعل الحق في قلب المؤمن باطلا لا شك فيه و ابي الله ان يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقا لا شك فيه و لو لميجعل هذا هكذا ماعرف حق من باطل ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة لمن جاس خلال الديار فاهل الباطل كاذبون في دعوي اليقين و انهم الا يظنون الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و من ذلك يعلم احوال الحكماء المختلفين في المسئلة الواحدة المدعي كل واحد منهم انه ينهي دليله و برهانه الي البديهيات الاولية و يقول ان دليلي قطعي فان احدهم مصيب و الباقون مخطئون و لميجعل الله ان يصير المخطي قاطعا بحقية خطائه فانهم الا كاذبون او مقصرون او اشتبه عليهم الامر او سامحوا و ليسوا بمستيقنين قطعا و لاجل ذلك لميترك الله خلقه سدي و لميكلهم الي عقولهم المختلفة و ارسل اليهم رسلا بالبينات المحسوسة المرئية و المعجزات الواضحة حتي لايبقي لاحد علي الله حجة بعد الرسل فاذا تبين امر الرسل بالبينات الواضحة تبين كل سر خفي و صار واضحا جليا باخباره و ثبت كل ما يقول بالبينات الواضحات فله الحمد من كريم ما اجوده و من حكيم ما اعلمه و من ذلك علم ان اهل الشرع الآخذين بالكتاب و السنة هم اشد يقينا علي امرهم [ص 441] من الحكماء الذين يشقون الشعر و هم مختلفون في المسائل فانا باختلافهم عرفنا ان المصيب واحد منهم و الباقون حاكمون بالظن فان القلب لايمكنه ان يتيقن بالباطل قطعا فالحكماء و المتكلمون اهل الظن و اهل الشرع اهل اليقين و ان لميعرفوا حقيقة الاشياء فافهم فاذا قد تبين ان اهل الباطل ليسوا علي يقين من امرهم فهم علي ظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و قال ابوعبدالله عليه السلام من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و لو كان البناء علي الظن جائزا لكان لاهل الباطل عذر في ظنهم بحقية طريقتهم فلميقم لله علي خلقه حجة و علي كفاية الظن و حصوله لاهل الباطل كان كامكان حصول اليقين لاهل الباطل علي حقية باطلهم فحينئذ لميكن لله علي خلقه حجة و غاية البراهين احداث اليقين فاذا جاء اليقين ذهب فائدة اقامة البرهان علي خلافه فافهم فانه مطلب شريف فما تيقنت بحقيته فاعلم انه حق و ما تيقنت ببطلانه فاعلم انه باطل في الواقع فان الله لميجعل في حكمته ان يظهر الباطل حقا و الحق باطلا بان يجعل الباطل خالصا في العلائم الحقية و الحق خالصا في علائم البطلان هذا و العقل صاحب اليقين من نور مشية الله و علي صفتها فلايمكن ان يكون مجبولا علي ان يعرف الحق باطلا و الباطل حقا و الا لكانت المشية ايضا كذلك بل لكان علم الله كذلك و ما علمه الله حق لا باطل فيه و ذلك من فضل الله علينا و علي الناس و لكن اكثر الناس لايشكرون .
فصل - اعلم ان لليقين فوايد جمة و آثارا عديدة نذكر منها ما يسنح بالبال في هذه الحال و لا قوة الا بالله المتعال فمنها النجاة الاخروية فانه لا نجاة لاهل الظن و الشك كما سمعت من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله و عن زرارة عن ابيعبدالله عليه السلام لو ان العباد وصفوا الحق و عملوا [ص 442] به و لميعقد قلوبهم علي انه الحق ماانتفعوا و عن بكر بن محمد الازدي عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال علي عليه السلام ان الشك و المعصية في النار ليسا منا و لا الينا و عن ابيعبيدة الحذاء عن ابيجعفر عليه السلام قال ان اناسا اتوا رسول الله صلي الله عليه و آله بعد ما اسلموا فقالوا يا رسول الله أيؤخذ الرجل منا بما عمل في الجاهلية بعد اسلامه فقال من حسن اسلامه و صح يقين ايمانه لميأخذه الله بما عمل في الجاهلية و من سخف اسلامه و لميصح يقين ايمانه اخذه الله بالاول و الآخر و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و منها السرور الدائم و الروح و الراحة لانه اذا آمن الرجل بالله و شاهد فضل الله و سمع وعد الله و ما تواتر من آلمحمد عليهم السلام من نجاة شيعتهم و لحوقهم بهم و كفايتهم امر دنياه و آخرته و تيقن بجميعها و تيقن بما وعده الله في كتابه من حسن الكفاية و انه سبحانه لايقدر لعبده الا ما هو خير له استراح و سر و فرح بفضل الله و برحمته لاسيما اذا سمع ما رواه ابن ابييعفور عن ابيعبدالله عليه السلام قال عجبت للمرء المسلم الايقضي الله عز و جل له قضاء الا كان خيرا له ان قرض بالمقاريض كان خيرا له و ان ملك مشارق الارض و مغاربها كان خيرا له انتهي ، فهو ابدا في الروح و الراحة و السرور و انه في الجنة و هو في الدنيا لان بناء الجنة علي اليقين و بناء النار علي الشك و الظن و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله بعدله و قسطه جعل الروح و الراحة في اليقين و الرضا و جعل الهم و الحزن في الشك و السخط و عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال لاصحابه اعلموا يقينا ان الله لميجعل للعبد و ان عظمت حيلته و اشتد طلبه و قويت مكائده اكثر مما سمي له في الذكر [ص 443] الحكيم و العارف بهذا العاقل له اعظم الناس راحة في منفعته و التارك له اعظم الناس شغلا في مضرته و الحمد لله رب العالمين و منها استجابة الدعاء و بلوغ المآرب و عدم خيبته و ذلك انه يدعو الله عارفا بان بيده مقاليد العطاء و مغاليق المنع و ليس غيره نافع و لا ضار منقطعا عن الخلق الي الله جل و عز داقا باب فضله نازلا بفنائه سائلا اياه من بابه فلايرد له حينئذ دعوة و لايخيب له طلبة فعن الحسن بن علي عليهما السلام في حديث انا الضامن لمن لميهجس في قلبه الا الرضا ان يدعو الله فيستجاب له و منها كونه دائما في عبادة و طاعة ليس فوقها عبادة و طاعة فانه اصل كل عبادة و ثمرة جميع العبادات قال الله تعالي و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين علي ان يكون حتي تعليلية و صاحب اليقين دائما في التوجه و الذكر و العمل الصالح قال ابوعبدالله عليه السلام ان العمل الدائم القليل علي اليقين افضل عند الله من العمل الكثير علي غير اليقين و روي عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه من اعطي نصيبه من اليقين و الصبر لايبالي بما فاته من صيام النهار و قيام الليل و قال اليقين الايمان كله و منها ظهور الكرامات و خوارق العادات من صاحبه فانه بيقينه مرتبط بالمبدء مفوض لله مسلم له راض بقضائه متوكل عليه لايريد الا ما يريد الله و لايحب الا ما يحب الله فيكون محل مشيته و موضع ارادته جل شأنه و لذلك قال النبي صلي الله عليه و آله في حق المسيح عليه السلام لو زاد يقينه لمشي علي الهواء و حكي ان بعض الاولياء كان في سفينة فاشتد بهم الموج و اشرفوا علي الغرق فالتجأوا اليه ان يدعو الله فقال ليس لي ان اعترض علي ربي فلما اشتد الامر ضجوا و تضرعوا اليه فحرك شفتيه فسكن الموج علي الفور كأن لميكن فقال له شخص كثير الملازمة له و الخدمة اخبرني باي شيء دعوت الله فقال انا نترك ما نريد لما يريد [ص 444] فاذا اردنا ترك ما يريد لما نريد و منها الامن من المخاوف و الانقطاع من الخلق و السكون و كفاية الشرور و الآفات و العاهات في الدنيا و الآخرة قيل لابيعبدالله عليه السلام ما حد اليقين قال ان لاتخاف مع الله شيئا و قال عليه السلام من صحة يقين المرء المسلم ان لايرضي الناس بسخط الله و لايلومهم علي ما لميؤته الله و قال علي عليه السلام علي المنبر لايجد احد طعم الايمان حتي يعلم ان ما اصابه لميكن ليخطئه و ان ما اخطأه لميكن ليصيبه و جلس اميرالمؤمنين عليه السلام تحت حائط معور فقيل له في ذلك فقال حرس امرءا اجله فلما قام سقط الحائط و منها سرعة السير و الترقي و التقرب الي الله فان صاحب اليقين كالساير في متن الطريق يقرب الي مقصده بكل خطوة بل و لو مشي شعيرة او شعرة و اما الحيران المتردد في الريب يبقي دايرا حول مركزه و يسبقه السابقون و يلحقه اللاحقون و يطأه سنابك الشياطين الي غير ذلك من الفوائد ثبتنا الله و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و رزقنا و اياكم العلم و اليقين و المعرفة بحق محمد و آله صلوات الله عليهم اجمعين .
فصل - و اذ قد اتينا علي ما قدر الله من امر اليقين لا علينا ان نذكر كلمات مختصرة في امر الظن من باب المناسبة . اعلم ان الظن هو حالة في النفس يرجح احد طرفي الشيء من الوجود و العدم فاما يرجح وجود شيء لاجل ما يري من امارات الوجود الغالبة و اما يرجح عدمه لاجل ما يري من امارات العدم الغالبة فقد تكون النفس سليمة و تحكم بحسب الامارات برجحان احد طرفي الشيء و اما ان تكون مؤفة و في ادراكها مرض و عوج و ربما لايكون للشيء في الخارج الا امارات جهة واحدة و لكن لنقصان مشاعرها تظن اذ لاتصرح لها الامر كخط دقيق يروم قراءتها ضعيف العين فيظن انه مكتوب كذا و الخط [ص 445] جزم و ليس فيه من نفسه دليل خلاف و لكن المرض في العين فلاتقطع بالواقع و تظن و ربما يبلغ به المرض مبلغا تشك فسبب الظن شيئان اما من تعارض الامارات في الخارج و اما من نقص في المشاعر يعارض الحق و علي اي حال لايكون ماشيا الي الله سبحانه مستمرا في مشيه بل اذا رفع قدمين يرجع قدما و هو متردد في ريبه بخلاف المستيقن فانه يستمر في مشيه و يختلف سرعته و بطؤه بحسب مضائه في يقينه و قوته قال ابوجعفر عليه السلام العامل علي غير بصيرة كالساير علي غير الطريق لايزيده سرعة السير الا بعدا و سبب الظن ان كان من نفس الشيء في الواقع يكون من نقص الداعي و ان كان من مرض في الناظر فهو حجة علي الناظر و الله كامل و فعله كامل و دينه كامل و نعمته تامة و له الحجة البالغة فلايكون الظن في شيء من دينه منه و اليه و لذلك ذم الظن و الظانين في كتابه بابلغ بيان و قال هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم الا تخرصون و قال ما لهم به من علم ان يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا و قال ان يتبعون الا الظن و ما تهوي الانفس و لقد جاءهم من ربهم الهدي الي غير ذلك من الآيات و ذم الذين لايعملون بالعلم و هو ما صدر من اهل اليقين و الحجج ذوي البينات من ربهم لا غير و قال انما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الاثم و البغي بغير الحق و ان تشركوا بالله ما لمينزل به سلطانا و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون اي ما لمتأخذوه من العلماء و الحجج هم العلماء و الآخذون عنهم المتعلمون و ساير الناس غثاء و قال انما يامركم بالسوء و الفحشاء و ان تقولوا علي الله ما لاتعلمون و قال لاتقف ما ليس لك به علم الي غير ذلك من الآيات و قد بلغ بها العد الي سبعين فالعمل بالظن ليس من الله و لا الي الله و كيف يمكن ان يكون من الله و ليس هو المضاء الصرف الي [ص 446] الله و لا بد في الظن من التولي و الاعراض و التردد و الله لايأمر بالاعراض عنه و التولي و لاجل ذلك تواتر الاخبار بالنهي عن العمل بالظن و بغير علم فعن النبي صلي الله عليه و آله اذا تطيرت فامض و اذا ظننت فلاتقض و قال ابوعبدالله عليه السلام من شك او ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه الي ان قال و من نجا من ذلك فمن فضل اليقين و قال الصادق عليه السلام من افتي الناس برأيه فقد دان بما لايعلم و من دان بما لايعلم فقد ضاد الله حيث احل و حرم فيما لايعلم و عن ابيالحسن عليه السلام اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به و ان جاءكم ما لاتعلمون فها و اهوي بيده الي فيه ه ، قوله عليه السلام ما تعلمون يعني به ما تروون من العلماء فيه شيئا و الا فلا علم و الشاهد قول الصادق عليه السلام لايسعكم فيما ينزل بكم مما لاتعلمون الا الكف و التثبت و الرد الي ائمة الهدي حتي يحملوكم فيه علي القصد و يجلو عنكم فيه العمي و يعرفوكم فيه الحق قال الله فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ، و عن علي بن الحسين عليه السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم و عن الصادق عليه السلام ان الله تبارك و تعالي حصر عباده بآيتين من ان لايقولوا حتي يعلموا و لايردوا ما لميعلموا قال الله عز و جل ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ان لايقولوا علي الله الا الحق و قال بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمايأتهم تأويله ، و عن الرضا عليه السلام يا ابنمحمود اذا اخذ الناس يمينا و شمالا فالزم طريقتنا فان من لزمنا لزمناه [ص 447] و من فارقنا فارقناه ان ادني ان يخرج الرجل من الايمان ان يقول للحصاة هذه نواة ثم يدين بذلك و يبرأ ممن خالفه احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا و الآخرة و عن الرضا عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من افتي الناس بغير علم لعنته ملائكة السموات و الارض و عن ابيجعفر عليه السلام من افتي الناس بغير علم و لا هدي لعنته ملئكة الرحمة و ملئكة العذاب و لحقه وزر من عمل بفتياه و سئل عليه السلام ما حق الله علي العباد قال ان يقولوا ما يعلمون و يكفوا عن ما لايعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد ادوا الي الله حقه و عن علي عليه السلام في وصيته لكميل بن زياد يا كميل لا غزو الا مع امام عادل و لا نقل الا من امام فاضل يا كميل هي نبوة و رسالة و امامة و ليس بعد ذلك الا موالين متبعين او معادين مبتدعين انما يتقبل الله من المتقين يا كميل لاتأخذ الا عنا تكن منا الي غير ذلك و قد ذكرنا ما يتجاوز حد التواتر منها في كتابنا فصل الخطاب و ساير الكتب و في جميع هذه الاخبار المراد بالاخذ بالعلم هو الاخذ بما صدر عنهم لا بما حصل العلم به بالرأي و الاستدلال فرضا علي ما يظنون فانك لنتجد علما صحيحا الا ما خرج من بيتهم و هم العلماء و يشهد بذلك اخبار اخر انه لايحل لاحد النظر في الدين و الرأي و الهوي في شيء من الاشياء فكل ما صدر عنهم فهو علم و هو نور يقذفه الله في قلب من يحب و لايحب الا من اتبع محمدا و آلمحمد قال فاتبعوني يحببكم الله فمن لميأخذ بالعلم فانما هو آخذ بالظن ان يتبعون الا الظن و ان الظن لايغني من الحق شيئا فالواجب علي المؤمن ان يكون في دينه علي بصيرة من ربه عاملا باليقين و اليقين هو ما صدر منهم فانه دين الله يقينا و ان قلت فما نصنع اليوم بعد انطماس الآثار و فساد الاخبار بدس الاشرار و تحريف الفجار و سهو الاخيار و طول الزمان و اختلاف اللغات و انسداد باب [ص 448] العلم و عدم حصول غير الظن مع بقاء التكليف قلت انا قد كتبنا في ذلك كتبا عديدة و هي المتكفلة ببيان ذلك مفصلا و لكني اقول هنا ان الانصاف يقتضي ان يقال انه لو كان الامر كما يقولون و ليس كما يقولون من صدور هذه الاخبار عن الحجج الاطهار و وقوعها في ايدي الاشرار في جميع الادوار و خفاء القرائن بتقلبات الليل و النهار و ساير ما حدث فيها في اثناء القرون و الاعصار ثم لا حافظ من ورائها لماحصل لنا اليوم منها الا الشك و اني لعمرك اعجب من ادعائهم حصول الظن منها اذ لايحصل منها بنفسها و عندنا قلوب كما هو عندهم و تتبع كما يتتبعون و خبرة كخبرتهم و لايحصل لنا من انفسها الا الشك فالاصوليون القائلون بالظن مفرطون و اذا كان الامر كما نقول و هو كما نقول فلايقف علي الظن بل يحصل العلم و ان قال القائلون بالظن انتم علي اشتباه و لايحصل لكم الا الظن و تسمونه علما فلقائل ان يقول لهم انتم ايضا علي اشتباه و ليس يحصل لكم الا الشك و تسمونه ظنا و الجواب الجواب و ان اردت ان تعلم انه كيف يحصل العلم فراجع كتبنا الاصولية لاسيما الدرة اليتيمة و البينة حتي تصدق و ليس هيهنا موضع ازيد من ذلك و اعجب من ذلك انه آل ببعضهم الحال الي ان جوز مطلق الظن الا ما اخرجه الدليل و اعجب من ذلك تجويز بعضهم الظن في اصول العقائد و المعصوم من عصمه الله تعالي .