فصل - اعلم انه يظهر من هذه الاخبار و ساير الاخبار ان للعقل استعمالات فمرة يستعمل و يراد به الحقيقة المحمدية صلوات الله عليها فانها اول ما خلق الله لا غير و مرة يستعمل و يراد به نوره و شعاعه الذي في قلوب المؤمنين و هو الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و مرة يطلق و يراد الشعور الذي هو مناط التكليف في مقابلة المجنون الذي رفع القلم عنه و مرة يطلق و يراد به روح القدس [ص 233] الذي ايد به النبي و الائمة عليهم السلام فلاتغفل من مواقع استعمالاته .

فصل - اعلم ان العقل باي اعتبار هو مخلوق قبل البدن و قبل جميع الاجسام و المراد بالقبلية هو القبلية الرتبية فالمعني انه مخلوق فوق البدن و الاجسام قائم فوقها و هو اقرب الي المبدأ من البدن و كل فيض يصل الي البدن يصل الي العقل اول مرة ثم يصل الي البدن و به قوام البدن و تدبيره و قد خلقه الله حين خلقه و امره بالاقبال لقبول الايجاد ثم امره بالادبار فتنزل الي البدن و لم‌يكن تنزله بتخلية مكانه بل بظهور فعله و تدبيره في البدن كما ينزل الشمس الي المرآة فكلما كان البدن اعدل و اصفي يحكي نوره احسن و اضوء و كلما كان منحرفا عن الاعتدال كدرا معوجا يعوج الظهور و يفسده الي ان يبلغ انحرافه و كدورته مبلغا لايظهر عليه نور العقل كما كان النطفة يوم اول لشدة رطوباته و لزوجاته و عدم اعتداله حاجبا للعقل بالكلية و كلما صعد شيئا بعد شيء و انتضج و اعتدل و تصفي ظهر آثار العقل شيئا بعد شيء فظهر فيه النما اولا ثم ترقي حتي ظهر فيه الحيوة ثم تولد و ترقي فظهر فيه النفس في غاية الضعف ثم تصفي و اعتدل و ترقي بواسطة الافلاك و الطبايع و تربية ارباب العقول الي ان بلغ الحلم فظهر فيه العقل و هو معني ما سمعت من خبر العلوي و ربما قدم في بعض الافراد علي ذلك و ربما اخر في بعض و كلما كثر اعتداله و صفاؤه و نضجه قوي الظهور شيئا بعد شيء الي ان بلغ خمسة و ثلثين كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام يرف الصبي سبعا و يؤدب سبعا و يستخدم سبعا و منتهي طوله في ثلث و عشرين سنة و عقله في خمس و ثلثين و ما كان بعد ذلك فبالتجارب انتهي ، و منهم من يكمل في الاربعين فاذا بلغه كمل عقله و ازداد كمالا الي ان بلغ الخمسين او الستين و ذلك باختلاف الافراد ثم اذا انحدر من الستين و ضعفت البنية و عجزت [ص 234] الطبيعة عن تحليل الرطوبات غلبت الرطوبات في رأسه و بدنه و حجبت ظهور العقل فشرع في النقصان الي ان بلغ مبلغا لايعلم بعد علم شيئا فلايميز بين الاشياء و لايعرف الاوقات و الاشخاص و ما كان يعرفه الي ان يغلب عليه البرد فينطفي حرارته و يموت و هذا الاختلاف في جميع هذه الحالات في البدن و العقل علي ما كان اول مرة فوق البدن لايتفاوت كما اذا كان الشمس ظاهرة و وضع تحتها جسم كثيف ثم صقلته شيئا بعد شيء الي ان صار مرآة صافية حاكية ثم غلب عليها الصدا شيئا بعد شيء الي ان حجبت الشمس بالكلية فلم‌تحكها فالشمس دائما علي حالها و حصل الاختلاف في المرآة فلاجل ذلك يزداد العقل بتعديل البدن بالآداب الشرعية و تصفيته بالرياضات و المجاهدات الشرعية الي ان يبلغ مبلغا كتب له و ينقص بسبب الامراض العارضة حتي يختبط و يخبل و يجن ثم اذا عولج عاد اليه عقله و شعوره فمن ذلك يعلم ان العقل في مقامه علي ما هو عليه و انما الاختلاف في الظهور و الخفاء و كمال الظهور و نقصانه و اعلم ان لكل امرء ما ظهر فيه من العقل لا ما العقل عليه في ملكوته فان العقل الكلي لايختص باحد دون احد و هو عقل الانسان الكلي صلي الله عليه و آله و ساير الناس لهم منه ما ظهر فيهم كما ان النار الكلية في محلها و ما للشعلة المخصوصة منها ما ظهر فيها و ما اشتعلت به و هو المخصوص المصبوغ المشكل بها فيها و هو يزيد و ينقص و يثبت و ينفي و كذلك عقل زيد هو ما ظهر فيه من نور العقل و انصبغ فيه و تخصص به و هو يتفاوت بحسب اعماله و احواله فالذي كان مجنونا من اول ما تولد لم‌يثبت له عقل عند الله و من ظهر فيه و ثبت له عقل يتفاوت بحسب اعماله و افعاله و صفائه و كدورته فاما يثبت له عقل كوني هو شرط التكليف او يعدل نفسه بالتعديلات الشرعية و يظهر فيه عقل شرعي و لكل درجات [ص 235] مما عملوا و لكل ما ظهر فيه عند الله سبحانه علي حسب ترقياته و تنزلاته و ان قلت فعلي ذلك فالهِمّ الذي يزول فهمه و عقله لا عقل له عند الله قلت ليس كذلك بل الله حفيظ عليم من ثبت له عند الله عقل يوما ما فهو محفوظ عنده فان زال بحسب الامراض الطبيعية التي هي الاعراض العقلية لم‌ينف عقله عند الله و هو محفوظ اللهم الا ان يكون عقله شرعيا و يأتي بما ينافي العقل من صقعه و اتبع الجهل فينفي عند الله عقله و يمحي من لوحه و ذلك كأن يؤمن رجل بالله عز و جل فيثبت له عند الله عقل و روح ايمان فاذا اتي بكفر و هو من صقع ايمانه يمحي روح ايمانه من لوح المؤمنين و يكتب في لوح الكافرين و يعلم من ذلك انه انقلب بكله عن التوجه الي العقل و توجه الي الجهل فثبت له الجهل و اما اذا لم‌يكفر و لكن عرض له مرض طبيعي فخفي عقله فلايضره فانه اذا عولج رد الي ايمانه و اعلم ان العقل لايظهر في البدن بلا واسطة و لايتوجه البدن الي العقل بلا واسطة بل يتوجه البدن الي الروح الحيوانية و هي تتوجه الي الروح المثالية و هي تتوجه الي النفس الملكوتية و هي تتوجه الي العقل و كل مرتبة يشتعل بنار فوقه فاذا كان المرض المزيل للعقل من النفس الدهرية الملكوتية ثبت له الزوال في الدهر و اما اذا كان المرض من الجسد الزماني او الجسم البرزخي و بعروضه حجب العقل فلايضره و العقل الذي يثبت للانسان هو اشتعال النفس الملكوتية لا اشتعال المثال و البدن الزماني فافهم و لاتغفل .

فصل - اعلم انه لا شك و لا ريب في ان مناط التكليف المعروف الشعور للكليات لا النما و الحيوة و اصل الشعور العقل و هو الذي عليه مناط الامر و النهي و الخطاب و العتاب و الثواب و العقاب و هو المأمور بالمعرفة و اليقين و الثبات و العلم و العمل و لايمكن للانسان تصديق شيء الا اذا [ص 236] صدقه عقله و لا تكذيب شيء الا ما كذبه عقله و لايسعه الا ذلك و لايكلف الا بذلك فالعقل هو حجة الله علي خلقه و امينه في عباده به يعرف الله و يعرف رسوله و حججه و دينه و ما وعد به عباده و اوعد فلا شك في اعتباره و صحة الاعتداد بنظره و لم‌يرسل الله الرسل الا اليه و لم‌ينزل الكتب الا اليه و لم‌يخاطب الا اياه و لاكلف سواه و هو في اصل الفطرة علي صفة اذا عرض عليه الحق عرفه و صدقه و اذا عرض عليه الباطل انكره و كذبه لكن ان بقي علي الفطرة الاولية و اما اذا عرضه اصباغ و هيئات غيرته عما خلق عليه لم‌يبق له اعتبار و احتاج الي ميزان يوازن به ما ادركه و ذلك الميزان هو الذي لم‌يشبه شيء من الاعراض و هو علي اصل الخلقة و الجبلة و الفطرة الالهية و لذلك قال الله سبحانه و السماء رفعها و وضع الميزان الاتطغوا في الميزان و اقيموا الوزن بالقسط و لاتخسروا الميزان و لما علم الله من خلقه تغيير الفطر لم‌يرض لهم من انفسهم بالنظر و ارسل اليهم رسولا من البشر و انزل اليهم النور الانور حتي يهتدوا في جميع طرق الخير و الشر و صنوف تلك الاصباغ اصباغ جهلانية و اصباغ عادية و اصباغ طبعانية و اصباغ شهوانية و اصباغ غضبية و اصباغ الحادية و اصباغ شقائية و كل منها تصبغ العقل و تهيئه بهيئة منكرة تعوجه عما فطر عليه كما ان العين مخلوقة في اصل الخلقة للنظر و نظرها معتبر اما اذا حصل فيها خيالات او اتساع ثقبة او نزل اليها ماء او عرضها حول يري الاشياء علي خلاف الواقع فلاجل ذلك لا عبرة برأي العقول حتي يوزن بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلا فما روي ان العقل حجة باطنة فانما المراد شيئان احدهما العقل السليم الخالي عن الاصباغ و الاعوجاج فان الله جل جلاله لاينصب علي خلقه حجة غير معصوم و غير مطهر عما لايرضيه فانه يدعو الي خلاف ما يرضيه و ثانيهما انه حجة فيما يدركه كل العقول و هو من البديهيات [ص 237] العقلية فانها برأي العقول بديهية و لولا العقول لم‌تكن بديهية فما حكم العقل به بالبداهة و هو ما اجمع العقول عليه فهو حجة ينبغي متابعته و اما ما تختلف العقول فيه فحكمه الي الله و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه الي الله و ان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الرسول و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و لو رضي الله عنهم رأي عقولهم فيما اختلفوا لماارسل اليهم الرسل و لماانزل اليهم الكتب و لماذم قوما حيث يقول و جعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون و لماقال فلا و ربك لايؤمنون حتي يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما فلما سمعنا ذلك من الله علمنا ان الله سبحانه لايرضي برأي العقول و فهمها لاسيما اذا سمعناه يقول و من لم‌يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون و هم الفاسقون و هم الكافرون و الحاكم برأي العقل حاكم بغير ما انزل الله اذا العقل غير ما انزل الله من كتاب و سنة فكل حكم يحكم به فقيه و ليس له عليه برهان من كتاب الله او سنة رسول الله صلي الله عليه و آله او آثار آل‌محمد عليهم السلام فهو حكم بالرأي و هو ظن لشوب العقول غير المعصومة بما ذكرنا من الاعراض و ان الظن لايغني من الحق شيئا و لا علم الا ما خرج من عند اهل البيت عليهم السلام فاذا ثبت الخبر عنهم يقينا و هم المعصومون المطهرون يقينا فهو علم يقيني و جميع ما سواه ظنون و آراء و اهواء و شكوك و اوهام لا عبرة بها و ذلك ان العقول الجزئية لاتقدر علي درك الجزئيات و موضوعات الاحكام جزئيات فمرجعها الي عقل الكل العالم بالشيء قبل كونه المحيط بالاشياء و قد اشبعنا القول في ذلك في ساير كتبنا نعم الذي موكول الي العقول هو معرفة الصانع و ادلتها بديهية و هي الآيات المشهودة في الآفاق و الانفس و معرفة الرسول و ادلتها المعجزات المشهودة مع [ص 238] معرفة حكمة الصانع و ادلة هذين مشهودة محسوسة ثم عليها الرجوع في الجل و القل الي ذلك الرسول و كفاها الله مؤنة الاستدلال و مازاغ قوم عن الحق الا بالاستدلال في الجزئيات مع عقولهم الناقصة و لنذكر قليلا من كثير من روايات تناسب هذا المقام و ان شئت التفصيل فراجع ساير كتبنا الاصولية فانا اشبعنا القول فيها . ففي المحاسن بسنده عن حبيب عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الناس اخذوا هكذا و هكذا فطائفة اخذوا باهوائهم و طائفة قالوا بآرائهم و طائفة قالوا بالرواية و ان الله هداكم لحبه و حب من ينفعكم حبه عنده و بسنده عن زرارة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ليس علي الناس ان يعلموا حتي يكون الله هو المعلم لهم فاذا علمهم فعليهم ان يعلموا و عن عبدالرحمن بن الحجاج عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اياك و خصلتين مهلكتين ان تفتي الناس برأيك او تقول ما لاتعلم و عن زرارة بن اعين قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ما حق الله علي خلقه قال حق الله علي خلقه ان يقولوا بما يعلمون و يكفوا عما لايعلمون فاذا فعلوا ذلك فقد والله ادوا اليه حقه و بسنده عن ابي‌عبدالله عليه السلام في رسالته الي اصحاب الرأي و القياس اما بعد فانه من دعا غيره الي دينه بالارتياء و المقائيس لم‌ينصف و لم‌يصب حظه لان المدعو الي ذلك لايخلو ايضا من الارتياء و المقائيس و متي لم‌يكن بالداعي قوة في دعائه علي المدعو لم‌يؤمن علي الداعي ان يحتاج الي المدعو بعد قليل لانا قد رأينا المتعلم الطالب ربما كان فايقا لمعلمه و لو بعد حين و رأينا المعلم الداعي ربما احتاج في رأيه الي رأي من يدعو و في ذلك تحير الجاهلون و شك المرتابون و ظن الظانون و لو كان ذلك عند الله جايزا لم‌يبعث الله الرسل بما فيه الفضل و لم‌ينه عن الهزل و لم‌يعب الجهل و لكن الناس لما سفهوا الحق و غمطوا النعمة و استغنوا بجهلهم [ص 239] و تدابيرهم عن علم الله و اكتفوا بذلك دون رسله و القوام بامره و قالوا لا شيء الا ما ادركته عقولنا و عرفته البابنا فولاهم الله ما تولوا و اهملهم و خذلهم حتي صاروا عبدة انفسهم من حيث لايعلمون و لو كان الله رضي منهم اجتهادهم و ارتياءهم فيما ادعوا من ذلك لم‌يبعث الله اليهم فاصلا لما بينهم و لا زاجرا عن وصفهم و انما استدللنا ان رضا الله غير ذلك ببعثه الرسل بالامور القيمة الصحيحة و التحذير عن الامور المشكلة المفسدة ثم جعلهم ابوابه و صراطه و الادلاء عليه بامور محجوبة عن الرأي و القياس فمن طلب ما عند الله بقياس و رأي لم‌يزدد من الله الا بعدا و لم‌يبعث رسولا قط و ان طال عمره قابلا من الناس ما جاء به حتي يكون متبوعا مرة و تابعا اخري و لم‌ير ايضا فيما جاء به استعمل رأيا و لا مقياسا حتي يكون ذلك واضحا عنده كالوحي من الله و في ذلك دليل لكل ذي لب و حجي ان اصحاب الرأي و القياس مخطئون مدحضون و انما الاختلاف فيما دون الرسل لا في الرسل فاياك ايها المستمع ان تجمع عليك خصلتين احديهما القذف بما جاش به صدرك و اتباعك لنفسك الي غير قصد و لا معرفة حد و الاخري استغناؤك عما فيه حاجتك و تكذيبك لمن اليه مردك و ترك الحق سآمة و ملالة و انتجاعك الباطل جهلا و ضلالة لانا لم‌نجد تابعا لهواه جايزا مما ذكرنا قط رشيدا فانظر في ذلك و عن عبيد بن زرارة عن رجل لم‌يسمه انه سأل اباعبدالله عليه السلام رجلان تداريا في شيء فقال احدهما اشهد ان هذا كذا و كذا برأيه فوافق الحق و كف الآخر فقال القول قول العلماء فقال هذا افضل الرجلين او قال اورعهما و عن سماعة قال قلت لابي‌الحسن عليه السلام ان عندنا من قد ادرك اباك و جدك و ان الرجل منا يبتلي بالشيء لايكون عندنا فيه شيء فيقيس فقال انما هلك من كان قبلكم حين قاسوا و عن محمد بن حكيم قال قلت لابي‌عبدالله [ص 240] عليه السلام ان قوما من اصحابنا قد تفقهوا و اصابوا علما و رووا احاديث فيرد عليهم الشيء فيقولون برأيهم فقال لا و هل هلك من مضي الا بهذا و اشباهه و عن محمد بن حكيم ايضا قال قلت لابي‌الحسن موسي بن جعفر عليه السلام جعلت فداك فقهنا في الدين و اغنانا الله بكم عن الناس حتي ان الجماعة منا ليكون في المجلس مايسأل رجل صاحبه الا يحضره المسئلة و يحضره جوابها منا من الله علينا بكم فربما ورد علينا الشيء لم‌يأتنا فيه عنك و لا عن آبائك شيء فننظر الي احسن ما يحضرنا و اوفق الاشياء لما جاءنا منكم فنأخذ به فقال هيهات هيهات في ذلك والله هلك من هلك يا ابن‌حكيم ثم قال لعن الله اباحنيفة يقول قال علي و قلت و زاد في رواية اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها و وضع يده علي فيه فقلت و لم ذاك قال لأن رسول الله صلي الله عليه و آله اتي الناس بما اكتفوا به علي عهده و ما يحتاجون اليه من بعده الي يوم القيمة و عن ابي‌بصير قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام يرد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب و لا سنة فننظر فيها قال لا اما انك ان اصبت لم‌تؤجر و ان كان خطاء كذبت علي الله و عن محمد بن الطيار قال قال لي ابوجعفر عليه السلام تخاصم الناس قلت نعم قال و لايسألونك عن شيء الا قلت فيه شيئا قلت نعم قال فاين باب الرد اذا و عن محمد بن ابي‌نصر قال قال رجل من اصحابنا لابي‌الحسن عليه السلام نقيس علي الاثر نسمع الرواية فنقيس عليها فابي ذلك و قال قد رجع الامر اذا اليكم فليس معهم لاحد امر و عن علي عليه السلام قال ترد علي احدهم القضية في حكم من الاحكام فيحكم فيها برأيه ثم ترد تلك القضية بعينها علي غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ثم تجتمع القضاة بذلك عند الامام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا و الههم واحد و نبيهم واحد و كتابهم واحد فامرهم الله سبحانه بالاختلاف فاطاعوه او نهاهم عنه [ص 241] فعصوه ام انزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم علي اتمامه ام كانوا شركاء له فلهم ان يقولوا و عليه ان يرضي ام انزل دينا تاما فقصر الرسول عن ابلاغه و ادائه و الله سبحانه يقول مافرطنا في الكتاب من شيء و فيه تبيان كل شيء و ذكر ان الكتاب يصدق بعضه بعضا و انه لا اختلاف فيه فقال سبحانه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و عن الصادق عليه السلام قال سألني ابن‌شبرمة ما تقول في القسامة في الدم فاجبته بما صنع رسول الله صلي الله عليه و آله قال ارأيت لو ان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يصنع هذا كيف كان يكون القول فيه قال قلت له اما ما صنع النبي صلي الله عليه و آله فقد اخبرتك و اما ما لم‌يصنع فلا علم به و سئل عليه السلام عن مسألة فاجاب فقال الرجل أرأيت ان كان كذا و كذا ما كان يكون القول فيه فقال له مه ما اجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله صلي الله عليه و آله لسنا من أرأيت في شيء و قال ان الله فرض ولايتنا و اوجب مودتنا والله مانقول باهوائنا و لانعمل بآرائنا و لانقول الا ما قال ربنا عز و جل و عن علي بن الحسين عليهما السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقائيس الفاسدة و لايصاب الا بالتسليم فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من دان بالقياس و الرأي هلك و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم و عن علي عليه السلام في وصيته لكميل بن زياد قال يا كميل لا غزو الا مع امام عادل و لا نقل الا من امام فاضل يا كميل هي نبوة و رسالة و امامة و ليس بعد ذلك الا موالين متبعين او معادين مبتدعين انما يتقبل الله من المتقين يا كميل لاتأخذ الا عنا تكن منا ، الي غير ذلك و هي كثيرة اوردناها في فصل الخطاب و غيره و من تتبع فيها وجد بلا غبار ان مذهب آل‌محمد عليهم السلام حرمة القول بالرأي في الدين كحرمة الخمر و لحم [ص 242] الخنزير و الميسر بل هو بمنزلة الشرك بالله العظيم و لايجوز لشيعي ان يعتمد علي عقله في المسائل الجزئية سواء كان في الفروع او الاصول اصول الفقه او اصول العقايد و مردها الي كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله فما استنبطه العالم منا منهما فهو العلم و هو الحق و هو الصواب و ما لم‌يكن منهما فلا عبرة به و لايجوز التدين به و ان اتي عليه بالف دليل عقلي و انهاه علي زعمه الي البديهيات الاولية أوليس غيره يقول بغير قوله أوليس قد جاء الاختلاف و التنازع و التشاجر أوليس الحكم الي الله في ما اختلفوا فيه و تنازعوا و تشاجروا فيجب ترك التنازع و قول كل برأيه و الرجوع الي الله و رسوله و الي اولي الامر فما اجابوا فيه فهو المتبع و ان سكتوا يجب السكوت فيه لما روي من قولهم اسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله اللهم الا ان يكون المسألة مما ليس فيه اختلاف فحينئذ يكون الحجة عليه السلام ايضا في القائلين و فيه الحجة فالذي هو طريقتي و ديني و به ادين الله في الدنيا و ارجو ان اموت عليه و احشر عليه انه يجب اثبات الصانع الحكيم القادر اولا بالعقل بمشاهدة آياته ثم اثبات نبي بينه و بين خلقه ثم اثبات نبي خاص شخصي ثم الرجوع اليه من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه و الاخذ بنصوص اقواله و مطلقاته و عموماته سواء فان الكل صادر من المعصوم و في الكل حجة لمن احتج به ثم بعد ما تدينا بما قال لا علينا ان نتفكر في دليل ما قال من العقل و استنباط سر ما اخبر به فان عرفنا فهو من الله برسوله صلي الله عليه و آله و ان لم‌نعرف رجعنا الي الامر الثابت من قوله يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك .

الباب الخامس

من ابواب الكتاب في النباهة و فيه ايضا مقدمة و فصول :

[ص 243] المقدمة - في بيان حقيقة النباهة و فيها مطالب :

المطلب الاول - اعلم ان النباهة كضخامة بمعني الشرافة و الشهرة يقال نبه نباهة كضخم ضخامة اذا شرف و اشتهر فهو نبيه و نابه و نبه كسبب و هو خلاف الخامل و عن بعضهم نبه مثلثة العين بمعني شرف و هي من صفات الانسانية لان الانسان مشرف من بين جميع المخلوقات و اعلي من كلها مكانا و مكانة و قد سخر الله له جميع ما في السموات و ما في الارض كما قال و سخر لكم ما في السموات و ما في الارض جميعا منه و كرمه تكريما كما قال و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و سر هذه النباهة و الشرافة ان الانسانية اي الناطقة القدسية ليس لها انبعاث من هذا البدن فلاتنبعث من الكبد كالنباتية و لا من القلب كالحيوانية و لا من الدماغ كالنفسانية و انما هي ناشئة ارض العلم منها نشأت و فيها استقرت و هي فوق جميع هذه السموات و الارضين و خارجة من هذا الصقع بالكلية و من زعم ان الانسانية من الدماغ فلاجل عدم معرفته بلحن آل‌محمد عليهم السلام و بسر قوله تعالي لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و بسر قوله عليه السلام الناس كلهم بهائم الا قليل من المؤمنين المؤمن عزيز المؤمن عزيز المؤمن عزيز و في رواية المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر فمن رأي منكم الكبريت الاحمر فلو كان هؤلاء الاشباح انسانا لماسماهم الله بالانعام و لماسماهم حجته بالبهائم فهم انعام و ان كان لهم نفوس يشقون بها الشعر فهذه التي فيهم هي لها انبعاث [ص 244] و هو دماغهم و اصلها الكرسي و اما الانسانية اي الناطقة القدسية فليست من الافلاك و ليس منبعثها الدماغ و انما انبعاثها من ارض العلوم الحقة و الشريعة المقدسة الطاهرة التي هي شعاع الشارع و نوره الذي بيانه في المنطوق كتاب الله و سنة نبيه صلي الله عليه و آله ألم‌تسمع مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام يقول في صفتها قوة لاهوتية بدء ايجادها عند الولادة الدنياوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية الخبر ، و من البين ان الكفار و المنافقين و النواصب ليس لهم علوم حقيقية دينية و معارف ربانية و ان كانوا يشقون الشعر في العلوم السجينية التي لم‌يذكر اسم الله عليها أليس ان ابليس كامل في تلك العلوم و لاتنافي شيطنته فساير اشباه الناس اناس كونية ظاهرية و لا حظ لهم من الانسانية الشرعية و انسانيتهم الكونية ناشية من الكرسي و اما انسانية المؤمنين فهي ناشئة من ارض الشريعة الطاهرة التي هي العلوم الدينية المستعلية علي جميع هذا العالم المحيطة به المخلوقة قبله باربعة‌آلاف سنة فمن كان له حصة من تلك الارض فهو انسان شرعي حقيقي و من لم‌يكن فيه حصة منها فهو انسان كوني و لاينافي البهيمية الشرعية و النعمية بالجملة الانسانية الشرعية نور مهيمن علي جميع هذا العالم من سمواته و ارضه قد سخر له جميع ما في هذا العالم و اخذ الله ميثاق جميع العالم بطاعته و الانقياد له كما قال و سخر لكم الليل و النهار و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بامره ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون و ما ذرأ لكم في الارض مختلفا الوانه ان في ذلك لآية لقوم يذكرون فهو شرف شرفه الله به و اما ساير الاناسي الظاهرية فلم‌يسخر لهم شيء و لم‌يتسلطوا علي شيء و لايطيعهم شيء الا بالتغلب الظاهري و التصرفات الظاهرية بل هم مسخرون للانسان علي رغم آنافهم طوعا و كرها و اذلاء [ص 245] منقادون لهم ألم‌تسمع الزيارة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم و خضع كل جبار لفضلكم و ذل كل شيء لكم مع انهم في الظاهر كانوا مقهورين مظلومين و كذلك حال ساير الاناسي الحقيقية و اولئك اي الاناسي الشرعية هم بنو آدم عليه السلام الشارع المتشرع فان الولد جزء والده و من سنخه و البهائم و الانعام ليست من اولاد آدم عليه السلام بل هم من ولد الشيطان لما فيهم من الشيطنة و النكراء و شاركهم في الاموال و الاولاد يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس فتبين معني قوله تعالي و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و ان بني الشيطان اهون علي الله تعالي من البهائم و قال فيهم كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فكيف يكرمهم و لا كرامة فان الله سبحانه كرم بني آدم حيث ميزهم عن ساير الحيوانات بالصفات الانسانية و حملهم في البر علي الظهور و في البحر علي بطون السفن لتحمل اثقالهم الي بلد لم‌يكونوا بالغيه الا بشق الانفس و اوقفهم علي الظاهر و الباطن و سخر لهم النباتات و الحيوانات و في بر الامن و بحر الفتن و في الظاهر و الباطن و الغيب و الشهادة و الارض و السماء و رزقهم من طيبات علوم آل‌محمد عليهم السلام و جنبهم من خبائث علوم اعدائهم و فضلهم علي كثير مما خلق تفضيلا و الكثير هم الجمادات و النباتات و الحيوانات و الاناسي الظاهرية و الجن و الملائكة و اما من لم‌يفضلوا عليه فهم الانبياء و الاوصياء هذا علي ان يراد من بني آدم الشيعة المؤمنون و اما اذا اريد من آدم آدم الاول فمن لم‌يفضل بنوه عليه هم الاربعة‌عشر صلوات الله عليهم و ان قلت كيف يكون هذه النباهة من القوي و هي صفات من صفات الانسان كالعزة و الذلة و الغنا و الفقر مثلا قلت ان المراد بالقوة هي الصورة النوعية الصالحة للظهور بجزئيات شخصية [ص 246] كالباصرة فانها صورة نوعية صالحة لان تظهر بادراك كل لون و هي كمال من كمالات روح الحيوان و له صورة كلية صالحة للظهور بساير الانواع و الاشخاص فله القوة العظمي فوق جميع القوي فالنباهة هي صورة نوعية تصلح للظهور بصفات و كمالات و انا قد قدمنا في صدر الكتاب ان النباهة هي قوة جامعة بين الذكر و الفكر و العلم و الحلم كما ان المربية قوة جامعة بين الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة فكما ان الجاذبة من طبع النار و الهاضمة من طبع الهواء و الدافعة من طبع الماء و الماسكة من طبع التراب فاذا تركبت هذه العناصر بعد تشاكلها و تداخلها و تمازجها و تفاعلها و اتحادها صارت مرآة للنفس النباتية الرحمانية المهيمنة علي عرش تلك الاربع و هي مربية تستعمل كلا من تلك الاربع في مقتضاها فتربي الجسم الظاهر و تزيد في اقطاره و تنميه و كذلك اللامسة هي قوة جامعة لمقتضي كل من الطبايع ألاتري انك تحس بها الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و الثقل و الخفة و الخشونة و الملاسة و في الحقيقة ساير المشاعر الاربعة جهات اللامسة اذ درك الاصوات لمسها و درك الالوان لمسها و درك الروايح و الطعوم لمسها غاية الامر ان الشيء اللطيف يلمس بعضو لطيف و الشيء الكثيف بالعضو الكثيف فالطبايع اذا تركبت تعلق بها النفس الحيوانية الدراكة فادركت بالمركب كل ما يمسها فكذلك لما تسوي الاركان الاربعة اي الذكر و الفكر و العلم و الحلم تعلق بالمجموع المركب النفس الناطقة القدسية التي من عرفها عرف ربه و هي المعبر عنها بالفؤاد و هو المشرف علي جميع مراتب الوجودات المقيدة و ظهر من المجموع شرفها و استعلاؤها و هيمنتها و شرفها بمعرفة الله و معرفة رسوله صلي الله عليه و آله و معرفة حججه و اوليائه عليهم السلام و ولاية اوليائه و البراءة من اعدائه و الايمان [ص 247] بكتبه و شرايعه و استقامته و اعتداله في كل من تلك الاربع و باستقامة اخلاقه و كرمه و زهده و تقواه و في معارفه و يقينه و حفظه و اقواله و افعاله و ساير صفاته اذ جميع ذلك من الشرف و العلو الذي للنفس الناطقة الرحمانية المستوية علي عرش تلك الاربع فهي قوة جامعة تصير بالفعل في مواقع الفعلية فبذلك الاستعلاء و النباهة يكون عارفا مواليا عاملا معتدلا فهي قوة جامعة مهيمنة علي جميع القوي مشرفة علي جميع الموجودات ناظرة اليها من اعلاها مطلع علي حقايقها مستعلية علي المثل الملقاة في هوياتها فلها فروع لاتحصي و ظهورات لاتستقصي الا اننا نذكر منها في هذا الكتاب ما يتيسر ان شاء الله تعالي فلا بد من رسم فصول .

المطلب الثاني - اعلم ان هذا الانسان هو انسان واحد في المنظر و لكنه اناس عديدة في المخبر فظاهره انسان جمادي قد تألف من عناصر هذا العالم و ستتفرق و يعود كل عنصر منها الي حيزه و اصله و في جوف هذا الانسان انسان نباتي قد تألف من صوافي الاغذية و المركبات الدنياوية و في هذا الانسان النباتي انسان آخر حيواني فلكي حساس متحرك مريد و في جوف هذا الانسان الحيواني انسان ظلي برزخي له فكر و خيال و وهم و علم و عقل بمقتضي البرزخ و مدركاته مقرونة بالمواد بدءا و ان لم‌تكن مقرونة بالفعل و في جوف هذا الانسان الظلي البرزخي انسان ملكوتي دهري و هو حقيقة الانسان و عينه و كله و نفسه التي من عرفها عرف ربه و من لم‌يعرفها لم‌يعرف ربه و من كان بها اعرف كان بربه اعرف و هي المشار اليها بانا و المخاطب بانت و هو السلطان علي الكل المهيمن علي جميع اولئك الاناسي فالظلي حاملها و الحيواني مركبها و النباتي مرعي حيوانها و مركبها و الجمادي منبت [ص 248] مرعيها و انما الخطاب الي ذلك الانسان و العتاب عليه و الثواب له و العقاب عليه فذلك الانسان هو صاحب العلم و الحلم و الذكر و الفكر في حامله و صاحب النباهة و الشرف و الاستعلاء في ظهور ذاته الكلي فبنباهته يعلم و بنباهته يحلم و بنباهته يذكر و يفكر فالنباهة هي الرحمانية المستوية علي عرش اولئك الاربع و السلطان المستعمل لها في محالها قد صدر عنها اي عن الذات شعاع وحداني و فعل واحد قد اشرق علي مرايا عاقلتها فبها حلمت و عالمتها فبها علمت و ذاكرتها و بها تخيلت و فاكرتها فبها تفكرت كل ذلك بفعلها الدراك الاطلاقي كما ان النفس الحيوانية قد اشرق منها نور دراك و وقع علي باصرتها فبها بصرت و علي سامعتها فبها سمعت و علي شامتها فبها شمت و علي ذائقتها فبها ذاقت و كل ذلك فعلها فهي الباصرة السامعة الشامة الذائقة و جميع ذلك بالتماس تلك النفس فانها الملتمسة من العين و الاذن و الانف و اللسان ما تلتمس و تدرك فافهم راشدا موفقا ما شرحناه باوضح بيان حتي كأننا اوصلناك الي العيان .

المطلب الثالث - اعلم ان هذه النفس الانسانية علي ما شرحنا هي النفس الانسانية الكونية القابلة للتزكية و التدسية المشار اليها بقوله و نفس و ما سويها فالهمها فجورها و تقويها قد افلح من زكيها و قد خاب من دسيها اي سويها الله تسوية علي عرش ساير المشاعر فاستوت عليها فالهمها فجورها و تقويها و هديها النجدين نجد الخير بواسطة الهداة الدعاة الي الخير و نجد الشر بواسطة الهداة الدعاة الي الشر و طريق جهنم فالهمها فجورها في سلوكها مسلك الاشرار و اجابتها لدعاة الشر و تقويها في سلوكها مسلك الاخيار و اجابتها لدعاة اهل التقوي و اهل المغفرة قد افلح من زكيها الله بالتوفيق و اصلحها باجراء الخير علي يديه و قد خاب من [ص 249] دسيها الله و افسدها بالخذلان و اجراء الشر علي يديه لسابق علمه فيها و علمه اولي بحقيقة التصديق فهذه النفس امكان الصلاح و الفساد و الفجور و التقوي و لكن تقويها نور يشرق عليها من اهل التقوي و فجورها ظلمة وقعت عليها من اهل الفجور و ليسا سواء و هو قوله تعالي ام نجعل المتقين كالفجار فالتقوي نور اشرق عليها من اهل التقوي و المغفرة فتستنير بذلك النور و تتصور بصورته كما تتصور المرآة بشبح الشاخص الملقي فيها فلذلك الشبح فيها مادتان و صورتان مادة نوعية و صورة نوعية هما صادرتان من الشاخص قائمتان به سواء كانت مرآة او لم‌تكن و مادة شخصية هي حصة منهما قد وقعت في المرآة و هي علي صفة ما صدرت و صورة شخصية مكتسبة من هيئة المرآة و صبغها فذلك النور المشرق من اهل التقوي المنطبع في نفس الشخص الكونية هو الانسان الشرعي قد تشخص بخصوصية تلك النفس و تصورت تلك النفس بذلك الانسان الشرعي و تزكت به و صلحت و صارت عليينية به و صارت من اهل الجنة و مجاوري اهل التقوي و المغفرة و مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا و افلحت و تزكت بذلك الانسان و اذا توجهت الي اهل الشر وقع عليها كذلك ظلهم و تشخص بها و تصورت به و تدست و فسدت و صارت سجينية و من اهل النار بالجملة ذلك الانسان الشرعي هو النفس القدسية التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام في هذا الذي نحن بصدد شرحه و هي النبات النابت من ارض العلم و هي التي لها تلك القوي و الخواص و ليس لها منبعث من البدن اذ ليست بامر طبيعي ينشأ من البدن و الطبايع بل هي ظل الشارع و نوره و هي الانسان الحقيقي و علي صورة الانسان التي هي اكبر حجة الله علي خلقه و اذا توجه تلك النفس الكونية الي مبدء الشر و وقع عليها ظله كان ذلك النور علي هيئة مبدء الشر [ص 250] و لما كان مبدأ الشر في سجين و انما يصعد ظله الي النفس من بطن الجمادات و النباتات و الحيوانات و الشياطين يكون هيئة ذلك الظل علي هيئة الغالب عليه من تلك المراتب و يقع في النفس و تتخصص به فاما يكون علي هيئة الجماد و هو قوله تعالي ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة و اما يكون علي هيئة النباتات كما قال سبحانه و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة و اما يكون علي هيئة الحيوانات كما قال سبحانه ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و اما يكون علي صورة الشياطين كما قال سبحانه شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض ، و شاركهم في الاموال و الاولاد و الولد جزء والده و علي صورته بالجملة تلك النفس الكونية ليس لها صورة من ذات نفسها و انما هي كالمرآة الصافية و انما يكون صورتها علي حسب المقابل كالعين الدراكة الباصرة الصافية ليس فيها صبغ و لا شكل و انما هيئتها علي حسب ما يقابلها من صورة حسنة و قبيحة فنباهة تلك النفس و شرفها بما يقع فيها من مثال مبدء الخير من العلم و العمل و الاعتدال و الصفات المحبوبة لله جل و عز فنباهة النفس في معرفتها بالله سبحانه و اسمائه و صفاته و توحيدها لله سبحانه في ذاته و صفاته و افعاله و عبادته و معرفة رسوله صلي الله عليه و آله و فضائله و مقاماته في مراتب البيان و المعاني و الابواب و الامامة و تصديقه و التسليم له في جميع ما صدر منه او لم‌يصدر و بلغها او لم‌يبلغها و معرفة الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين و معرفة مقاماتهم في المراتب الاربع و الاقرار بفضائلهم و القبول من حملتها و التسليم لرواتها و معرفتهم في المراتب الاربع و معرفة فضائلهم و الاخلاق المعتدلة الزكية و الصفات الكريمة الحسنة و الاعمال المعتدلة الصالحة علي حسب ما امر به حبيب الله صلي الله [ص 251] عليه و آله فاذا كانت مصورة بصورة مبدأ الخير كانت متصفة بهذه الصفات و كان لها النباهة و الشرف و الاستعلاء و الا و كانت بعكس ذلك كان لها الخساسة و الدناءة و الرذالة و ليس لها نباهة و لا شرف و اي نباهة لهم و الله سبحانه يقول ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و يقول كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فالنباهة التي هي الصورة الكمالية الحاصلة لها من ظل العالي الكلية المجملة في ذاتها المفصلة في ساير مراتبها هي القوة الجامعة لها و ساير القوي جهات كمالها فافهم .

المطلب الرابع - اعلم ان الانسان الحقيقي علي ما عرفت هو المستعلي علي جميع الخلق و اقرب الي المبدء من الجميع فهو المشرف المستعلي علي ما سواه و قد خلق الله جميع ما سواه من نوره و شعاعه فهو ناظر اليه من الاعلي مطلع علي جميع ما فيه شاهد لظاهره و خافيه عارف بحقائقه عالم بدقائقه قادر علي التصرف فيه لانه من نوره و شعاعه متحرك بتحريكه ساكن بتسكينه و ذلك ان الله سبحانه لما خلق الانسان و علمه البيان جعله مسكن ارادته و ممكن مشيته و القي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله فاكمل نوره و قوي ظهوره فخلق من شعاعه و نوره و فضل ظهوره حقائق الجن و من فضل نورهم الملئكة و من فضل نورهم الحيوانات و من فضل نورها النباتات و من فضل نورها الجمادات فالانسان هو الذي سخر له ما في الارض و السموات و النور مسخر للمنير مطيع لامره منقاد لحكمه و ما ادريك ان ما تري من العجز و الضعف و المقهورية في نفسك و الخوف حتي من بقة فانما هو لعدم تحقق الانسانية فيك فلا كل من يمشي علي رجلين انسان ألم‌تسمع قوله تعالي لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم [ص 252] آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فلاجل تسفلنا و اتباعنا مبدأ الشر هبطنا الي اقصي البعد من الله و حصل لنا الافول و غلب علينا الخمول قال الله سبحانه و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون فلاجل ذلك يتسلط علينا نملة و تؤذينا بعوضة و لانقدر علي دفعها قال الله تعالي و ان يسلبهم الذباب شيئا لايستنقذوه منه ضعف الطالب و المطلوب و جميع ذلك لاجل اعراضنا عن مبدء الخير و عدم توجهنا اليه و ايثارنا ما سواه عليه و لا شك ان من عبد الله اعبده الله كل شيء و ملكه نواصي كل شيء قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية و من خاف الله اخاف الله منه كل شيء قال الصادق عليه السلام من خاف الله اخاف الله منه كل شيء و من لم‌يخف الله اخافه الله من كل شيء و من احب الله حببه الله عند كل احد فعن النبي صلي الله عليه و آله اذا احب الله عبدا من امتي قذف في قلوب اصفيائه و ارواح ملئكته و سكان عرشه محبته ليحبوه فذلك المحب حقا الخبر ، و كفي به فخرا ان المرء مع من احب و من كان الله معه كان معه بلا نهاية اذ لا نهاية له و من كان الله معه بلا نهاية لم‌يأل عن شيء و ما يري من تسلط بعض الجمادات و النباتات و الحيوانات علي اولياء الله فانما هو بتمكينهم مجاري قدر الله و عادة ايجاد الله لحكم اراده الله صلي الله عليهم من مسلمين لامر الله الراضين بقضاء الله بالجملة ان الانسان الذي هو روح الايمان قد صعد اعلي درجات الاكوان و اشرف علي جميع الاعيان فهو من اهل المشاهدة و العيان و القدرة و القوة و الامتهان قد ذل له كل شيء و انقاد له كل شيء و وضع علي عنقه نير طاعته كل شيء طوعا و كرها و من [ص 253] ليس كذلك فهو ليس ممن هنالك و ان لم‌يكن بهالك و انما مقام الانسان مقام عال و هو وجه ذي الجلال و يأتي في ضمن الفصول ما يزيل عنك الكلال ان شاء الله المتعال .

فصل - من نباهة الانسان و شرفه بلوغه مبلغ المعرفة و الايمان و انا و ان كان كتبنا مملوة من شرح معرفة الله سبحانه و لكن فيها بيان نفس المعرفة و اما فضلها و ثمرتها و غايتها فما اتيح لنا ذكرها في شيء منها و ارجو الله سبحانه ان يكون قد اتاح لي ذكرها هنا فاذكر منه ما يناسب وضع هذا الكتاب و فيه لعبرة لاولي الالباب اعلم ان مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام قال في خطبة له انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، و ذلك امر مسلم في الحكمة قد حققناه بما لا مزيد عليه فلا بد و ان يكون مشعر ادراك كل مُدْرَك من عرضه و جنسه مصاقعا له حتي يدركه و الا فلا ادراك ألاتري انك لاتدرك بالعين الاصوات و بالاذن الالوان و بهما الروايح و بالانف الاصوات و الالوان و بها الطعوم و باللسان الاصوات و الالوان و الروايح و هكذا بالحواس الظاهرة لاتدرك الاعيان البرزخية و بالمشاعر الصورية لاتدرك المعاني الغيبية فلا بد من المجانسة و المصاقعة بين المدرك و المدرك و شرف كل مدرك بقدر شرف مدركه و من المدركات الصور الجزئية المقارنة بالمواد و قد قدر الله لها الحواس الظاهرة و منها الصور الجزئية المفارقة و ان كانت في بدأ الامر مقارنة و قد قدر الله لها الحواس البرزخية و منها الصور المطلقة المفارقة المجردة و قد قدر الله لها النفس و منها المعاني الكلية و قد قدر الله لها العقل فبه تدرك و لاتدرك بغيره و منها الحقايق المجردة عن الصورة و المعني و الكلية و الجزئية و الشهادة و الغيب و قد قدر الله لها الفؤاد و هو اعلي مشاعر الانسان و اول اذكاره و اسني مراتبه فهو حقيقته و من جنس الحقائق فبه [ص 254] يدرك الحقائق و جميع ذلك مراتب خلقية تعرف الخلق بالمجانسة و ليس لواحد منها معرفة الله سبحانه فان المشعر الخلقي لايعرف الا خلقا و قد كلف الله عباده المعرفة بل خلقهم للمعرفة كما في القدسي المشهور كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف قال الحسين بن علي عليه السلام ايها الناس ان الله ماخلق العباد الا ليعرفوه فاذا عرفوه عبدوه فاذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة سواه فقال له رجل يا ابن رسول الله بابي انت و امي فما معرفة الله قال معرفة اهل كل زمان امامهم الذي تجب عليهم طاعته انتهي ، فاذا خلقهم للمعرفة وجب في الحكمة ان يمنحهم مشعرا يدركون به ما عرفهم من نفسه و يعرفون به اياه و لا بد و ان يكون ذلك المشعر من جنس ما ينبغي ان يدركوا به فلاجل ذلك منحهم مشعرا منه و عينا و نورا منه يدركون به ما يعرفهم من نفسه و لنعم ما قال الشاعر :

اذا رام عاشقها نظرة و لم‌يستطعها فمن لطفها

اعارته طرفا رآها به فكان البصير بها طرفها

و ذلك المشعر هو نور الله الذي خلق الله المؤمن منه المشار اليه في قوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و قال الرضا عليه السلام لسليمان بن جعفر يا سليمان ان الله تبارك و تعالي خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و اخذ ميثاقهم لنا بالولاية فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة فاتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه انتهي ، و ذلك النور هو وصف الله الذي وصف به نفسه له لما روي عن النبي صلي الله عليه و آله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و من الانجيل يا ابن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا فلو كان الوصف مخالفا لصفة الموصوف لكان كذبا و تعالي [ص 255] الله من ان يخلق العبد للمعرفة ثم يصف نفسه له بخلاف الواقع فذلك النور هو علي ما اراد الله ان يعرفه العبد عليه و يصفه به و يعتقد فيه فلا بد و ان يكون علي ما ندب الله عبده من الايمان بتوحيده في ذاته و في صفاته و في افعاله و في عبادته و في جميع جماله و كماله و جلاله و بهائه و سنائه الي غير ذلك من صفاته و ذلك امر كان يقال و يكتب و لكن قل من يعقله و يعتقد به و يعمل بمقتضاه و هذا النور منحة من الله جل و عز ليس للعباد فيها صنع كما قيل لابي‌عبدالله عليه السلام المعرفة من صنع من هي قال من صنع الله عز و جل و ليس للعباد فيها صنع و قال عليه السلام ليس لله علي خلقه ان يعرفوا قبل ان يعرفهم و لله علي الخلق اذا عرفهم ان يقبلوه و قيل له اصلحك الله هل جعلت في الناس اداة ينالون بها المعرفة فقال لا فقيل فهل كلفوا المعرفة قال لا علي الله البيان لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها الخبر ، فقد بين روحي فداه في هذا الحديث ان الله سبحانه لم‌يجعل في خلقه اداة ينالون بها المعرفة فلاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار و لاتناله الاوهام فكل ما ميزوه بادق اوهامهم و ادركوه بغوامض عقولهم و عرفوه بحقايقهم هو مخلوق و هو جل و عز بخلافه فهم بمداركهم و ادواتهم الخلقية لايكادون يعرفون الله سبحانه الا ان يعرفهم نفسه و يبين لهم و تعريفه و بيانه هو ذلك النور الذي من عرفه عرف ربه و به احتج علي خلقه فالخلق من حيث الخلق ليس في وسعه معرفة الرب فلايكلفه المعرفة و اما من حيث ما آتاه الله فيمكنه فكلفه بما آتاه و قال لايكلف الله نفسا الا ما آتاها قال الصادق عليه السلام ان الله عز و جل احتج علي الناس بما آتاهم و عرفهم الخبر ، و آتاهم ذلك النور الذي هو الوصف العنواني و التعريف الفحواني له سبحانه و ذلك [ص 256] النور يمكنه معرفة الله جل و عز علي ما ظهر له به و علي ما وصف نفسه له به و هذا هو معني قول ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام اعرفوا الله بالله و الرسول بالرسالة و اولي الامر بالامر بالمعروف و العدل و الاحسان انتهي ، فمن عرف الله بما وصف نفسه به فقد عرف الله بالله و من عرفه بغيره فقد شبهه و من لم‌يصفه بما وصف به نفسه فقد عطله و التوحيد ان تخرجه من الحدين حد التعطيل و حد التشبيه و سئل ابوجعفر الثاني عليه السلام يجوز ان يقال لله انه شيء قال نعم تخرجه من الحدين حد التعطيل و حد التشبيه انتهي ، فمن عرف الله بذلك النور فقد عرف ربه به و وحده كما ينبغي و يرضي فاذا جميع ما عرفت و اعتقدت من التوحيد هو ما قرأته في لوح ذلك النور ليس عندك ذكر من ربك غيره و لا خبر منه سواه و ما ادركت من نفسك المخالفة فانت ناظر بمشاعرك الخلقية و هي غير مدركة لصفة الرب جل و علا و ان ادركت الموافقة فانت ناظر اليه بعينه و تدرك ما اراد منك من وصفه و لاتزعم انك اذا نظرت الي حقيقتك من حيث الآئية ادركت ما اريد منك و وصلت اليه حاشا بل و لا ذي الآية فانه مضاف بل اذا رأيته جل جلاله بعينه و لم‌تر نفسك و لا غيرها و محوتها محو الامتناع فانت اذا بالغ كامل في التوحيد فافهم ان كنت تفهم و الا فلاتفسدنه و اعط القوس باريها .

فصل - اعلم ان هذا النور منحة من الله سبحانه في جميع خلقه و ليس بامر طبيعي ناشئ من الطبايع الخلقية في رتبة من المراتب و انما هو موهبة الهية خارجة عن مقتضي الطبايع الخلقية الا ان الطبايع الخلقية تختلف في المراتب ففي بعضها تكون الطبيعة رقيقة لطيفة بحيث قد فنيت في جنب ذلك النور و لا تحقق لها اصلا بحيث لاتكون منشأ اثر و لا ظل [ص 257] لها ابدا و تكون فانية العين مضمحلة متلاشية بحيث لايري منها عين و لا ظهور و لا تاصل و لا تاثير الا من ذلك النور علي حذو ما قال الشاعر :

رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

فيكون المخالفة المشار اليها في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي فانية مضمحلة فتكون في تلك الرتبة طبيعتها علي وفق الكينونة بسبب الفناء عند سطوع ذلك النور و لا تحقق لها الا بقدر استمساك ذلك النور و في بعضها تكون اغلظ بدرجة و في بعضها بدرجتين و هكذا الي ان تبلغ غاية البعد فيكون تمام التأصل و التحقق لتلك الطبيعة و يكون ذلك النور فيها خامدا خاملا لا اثر له و لا تأصل و لا تحقق و هذه الطبيعة و ذلك النور هما المشار اليهما بجهة الرب و جهة النفس فذلك النور هو جهة الرب و تلك الطبيعة هي جهة النفس و هما في مراتب الوجود كالمثلثين المتداخلين رأس كل مثلث علي قاعدة الاخري كما تري في الهامش فالنور في القرب الاقرب غالب و يضعف شيئا بعد شيء الي ان يبلغ غاية البعد و ينتهي الي نقطة بقدر استمساك الظلمة اذ لولا ذلك النور لم‌يبق لتلك الظلمة استمساك اذ خلق الله الخلق لكي يعرف و لولا المعرفة لم‌يبق للخلق غاية و فائدة و لم‌يكن الله الحكيم يخلق خلقا بلا غاية و العلة الغائية هي المهيجة للفاعل علي الفعل و لولاها لم‌يصدر منه فعل و لم‌يترجح وجوده علي عدمه و لولا الفعل لم‌يصدر مفعول و الظلمة في البعد الابعد غالبة و تضعف شيئا بعد شيء الي ان تنتهي الي نقطة في القرب الاقرب عند قاعدة النور بقدر ظهور النور اذ لولا الظلمة لم‌يبق للنور ظهور فعرصة النور حق و عرصة الظلمة خلق اما في الكائن الاول في الرتبة الاولي فخلقيته هو مادته و صورته اللتان منهما تركب وجوده [ص 258] و هو مخلوق بمشيته سبحانه مادته شبح منفصل من المشية و صورته نهايات ذلك الشبح و اما حقيته فهو نور من نار الكينونة المشتعلة في المشية المظهرة نفسها بها المفنية اياها عن نفسها فلا ظاهر في المنظر سوي تلك النار فلما اشتعلت المشية بها اشرق منها نور شعشعاني و شعاع حقاني فلاح علي هيكل ذلك الخلق فاستضاء به و استشرق حتي اشتعل به و هو قوله عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره و قوله تعالي يكاد زيتها يضيئ و لو لم‌تمسسه نار فذلك النور الشعشعاني هو الروح الموحي اليه في قوله و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و انك لتهدي الي صراط مستقيم و هو نور علي نور يهدي الله لنوره من يشاء و هو النور المشار اليه بقوله يسعي نورهم بين ايديهم و قوله و من لم‌يجعل الله له نورا فما له من نور بالجملة هذا النور الملقي عليه هو الحق الملقي عليه و الروح و التوحيد الموحي اليه في قوله انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد و هو الذي من عرفه فقد عرف ربه و من انكره فقد انكر ربه و هو شيء خارج عن طبيعة المكون و المخلوق و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم ففي العوالم بسنده عن محمد بن مروان عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول خلقنا الله من نور عظمته ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فاسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقا و بشرا نورانيين لم‌يجعل لاحد في مثل الذي خلقنا منه نصيبا الخبر ، الي غير ذلك من الاخبار الوافرة التي يعرفها العارف بالحانهم و لما اكمل الله ذلك الخلق الاول و اشرق عليه من نور الكينونة استضاء و استشرق بذلك النور و اشتعل به حتي فني من حيث نفسه و وجد بذلك النور و خفي نفسه و ظهر منه ذلك النور كالدخان [ص 259] المشتعل بنور النار فاضاء علي حقايق الخلق الثاني اي الكروبيين اي الانبياء و المرسلين فاستضاؤا به كما مر ثم اضاءت حقيقتهم علي من دونهم من مؤمني الانس و حقيقتهم علي مؤمني الجن و حقيقتهم علي الحيوانات و حقيقتها علي النباتات و حقيقتها علي الجمادات فاشرق بنوره تعالي الارضون و السموات و ذلك قوله تعالي الله نور السموات و الارض الآية ، فذلك النور في كل مقام هو نور التوحيد و سر التفريد و هو روح الايمان في قوله كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و اليه الاشارة في قول ابي‌عبدالله عليه السلام حيث سأله فضل ابوالعباس البقباق عن قوله تعالي كتب في قلوبهم الايمان هل لهم في ذلك صنع قال لا و عن الحسن بن زياد قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن الايمان هل للعباد فيه صنع قال لا و لا كرامة بل هو من الله و فضله انتهي .