فصل - و لما ذكرنا شطرا من معني الجود و شطرا من معني البخل ناسب ان نذكر شيئا من معني الاسراف و التبذير و هل لذلك حد ام لا اعلم ان الاسراف لغة مجاوزة القصد و التبذير هو التفريق من غير قصد كما يبذر الزارع الحب من غير ان يلاحظ الموضع و هما يجتمعان و يفترقان فكل مبذر مسرف و لا كل مسرف مبذر و نحن نذكرهما في معني واحد لان علم الذم فيهما واحد فهو خلق مذموم لان العبد لايملك في الدنيا شيئا و انما المال مال الله يجب ان يضعه حيث امره الله فيصرفه علي نفسه بقدر ما امره الله لا ازيد و علي واجب النفقة بقدر ما امر الله لا ازيد و علي اصحاب الحقوق بقدر ما وضعه الله و رخصه لا ازيد و علي الفقراء و المساكين بقدر ما امر الله لا ازيد فمن فعل ذلك فهو جواد و من قصر عن ذلك فهو بخيل و من زاد علي ذلك فهو مسرف و ليس اقول كما يقول اصحاب علم الاخلاق ان الممدوح من كل صفة ما كان بين الافراط و التفريط مطلقا فان القصد ان لميكن لله فهو اسراف و يجب ان يكون لله و في الله و بامر الله فذلك المحبوب أرأيت من كان مالك بيده و انفقه بالقصد من غير اسراف و لا بخل بغير اذنك هو محمود حاشا و انما المحمود من يصرفه باذنك فان امرته بتفريق الكل ففعل فليس بمسرف و ان امرته بامساك الكل ففعل فليس ببخيل و ان امرته بالقصد ففعل فهو محمود و الا فهو مذموم كالاولين بلا تفاوت فلاتنظروا الي الصفات من حيث هي فان جميعها من الطبايع و لا خير فيها و اغلب من تراه من اهل الدنيا و ان كانوا ذوي خصال حميدة في الظاهر فهي فيهم من اجل طبايعهم فلرب طبع له اعتدال ما فيظهر منه صفات معتدلة و لا خير فيها نعم هو في الدنيا في راحة و هو ثوابه [ص 137] و يستريح من يعاشره في الدنيا و اما الثواب الاخروي و كمال النفس الناطقة فانما هو بفعل لله و في الله و صفة اتصف بها لله و في الله فافهم فليس الاسراف بذل الكل و لا البخل امساك الكل بل الاسراف تعدي حدود الله في المال و البخل التفريط في حق الله في المال و هذا منظورنا هنا و في كل صفة كما اشرنا اليه سابقا فلاتغفل فلا بد من النظر في حدود الله فلنذكر اولا شيئا من الاخبار في مدح مطلق الاقتصاد و ذم مطلق التقتير و الاسراف ثم ننظر في وجوه الانفاق قال الله سبحانه و يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو ، قال ابوعبدالله عليه السلام العفو الوسط ، و كفي في ذم الاسراف قوله تعالي و ان المسرفين هم اصحاب النار و في فرعون انه كان عاليا من المسرفين و لاتسرفوا انه لايحب المسرفين ، و في الوسائل عن داود الرقي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان القصد امر يحبه الله عز و جل و ان السرف امر يبغضه الله عز و جل حتي طرحك النواة فانها تصلح لشيء و حتي صبك فضل شرابك و عن اميرالمؤمنين عليه السلام القصد مثراة و السرف متواة و عن مدرك بن الهزهاز عن ابيعبدالله عليه السلام قال سمعته يقول ضمنت لمن اقتصد ان لايفتقر و عن حماد اللحام عن ابيعبدالله عليه السلام قال لو ان رجلا انفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ماكان احسن و لاوفق أليس الله يقول و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و احسنوا ان الله يحب المحسنين يعني المقتصدين اقول يعني صورته صورة سبيل الله فان ما نهي الله احدا عنه فليس بسبيل الله له و ان امر به آخر و كان له سبيل الله و عن ابيعبدالله عليه السلام يا عبيد ان السرف يورث الفقر و ان القصد يورث الغني و عن رفاعة عن ابيعبدالله عليه السلام قال اذا جاد الله تبارك و تعالي عليكم فجودوا و اذا امسك عنكم فامسكوا و لاتجاودوا الله فهو اجود و عن موسي بن بكر قال سألت اباالحسن عليه السلام [ص 138] يقول الرفق نصف العيش و ماعال امرأ في اقتصاد و عن عبدالله بن ابان قال سألت اباالحسن الاول عليه السلام عن النفقة فقال ما بين المكروهين الاسراف و الاقتار و عن ابيعبدالله عليه السلام اربعة لايستجاب لهم احدهم كان له مال فافسده فيقول يا رب ارزقني فيقول ألمآمرك بالاقتصاد و عن محمد بن سنان عن ابيالحسن عليه السلام في قول الله عز و جل و الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما قال القوام هو المعروف علي الموسع قدره و علي المقتر قدره علي قدر عياله و مؤنته التي هي صلاح له و لهم لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و عن ابيعبدالله عليه السلام ليس فيما اصلح البدن اسراف و قال انما الاسراف فيما افسد المال و اضر بالبدن قيل فما الاقتار قال اكل الخبز و الملح و انت تقدر علي غيره قيل فما القصد قال الخبز و اللحم و اللبن و الخل و السمن مرة هذا و مرة هذا ، اقول المراد من اكل الملح ان يكون بخلا او المراد بالاكل هو الانفاق كما قال الله الذين يأكلون اموال اليتامي اي ينفقونها في مصارفهم فمن الاقتار ان تطعم اهلك الخبز و الملح و انت تقدر علي غيره لا اكلك بنفسك فانك لعلك تأكل ذلك رياضة للنفس كما ان الائمة عليهم السلام كانوا يأكلون خبز الشعير و الخل و الزيت و هم يقدرون علي غيره و لكن يطعمون الاهل و الضيف غير ذلك علي حسب الاقتصاد فلا بأس بالتقتير علي النفس رياضة لها و عن عبدالله بن سنان عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله تبارك و تعالي و الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما فبسط كفه و فرق اصابعه و مناها شيئا و عن قوله تعالي و لاتبسطها كل البسط فبسط راحتيه و قال هكذا و قال القوام ما يخرج من بين الاصابع و يبقي في الراحة منه شيء و عن ابيعبدالله عليه السلام قال رب فقير هو اسرف من الغني ان الغني ينفق مما اوتي و الفقير ينفق من غير ما اوتي و تلا [ص 139] ابوعبدالله هذه الآية و الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما قال فاخذ قبضة من حصي فقبضها بيده فقال هذا الاقتار الذي ذكره الله في كتابه ثم اخذ قبضة اخري و ارخي كفه كلها ثم قال هذا الاسراف ثم اخذ قبضة اخري فارخي بعضها و امسك بعضها و قال هذا القوام بالجملة يظهر من هذه الاخبار ان جميع ما هو افساد المال و اتلافه بحيث لاينتفع هو و لا غيره به هو اسراف محض لايجوز و كذا جميع ما يضر بالبدن هو اسراف محض لايجوز و كذا الانفاق علي النفس او العيال علي خلاف ما يقتضيه القصد كأن يشتري بجميع ماله شملة غالية يلبسها هو او عياله او دابة فارهة يركبها ثم لايبقي في يده شيء و يحتاج الي السؤال و لو فرقه فيما يحتاج من مأكلهم و ملبسهم لكان يكفيهم في غير سرف فذلك مسرف حقا و ذلك ما رواه في كنز الدقايق من تفسير العياشي عن ابيعبدالله عليه السلام قال أتري الله اعطي من اعطي من كرامته عليه و منع من منع من هوان به عليه لا و لكن المال مال الله يضعه عند الرجل ودايع و جوز لهم ان يأكلوا قصدا و يشربوا قصدا و يلبسوا قصدا و ينكحوا قصدا و يعودوا بما سوي ذلك علي فقراء المؤمنين و يلموا به شعثهم فمن فعل ذلك يأكل حلالا و يشرب حلالا و يركب و ينكح حلالا و من عدا ذلك كان عليه حراما ثم قال و لاتسرفوا انه لايحب المسرفين أتري الله ائتمن رجلا علي ما خوله له ان يشتري فرسا بعشرةآلاف درهم و يجزيه فرس بعشرين درهما و يشتري جارية بالف دينار و يجزيه بعشرين دينارا و قال و لاتسرفوا انه لايحب المسرفين و عن ابيعبدالله عليه السلام للمسرف ثلث علامات يشتري ما ليس له و يلبس ما ليس له و يأكل ما ليس له و كذا استعمال ما به تصون عرضك في غير محل الحاجة الي الصيانة و في محل المهنة و الصنعة التي يفسد فيها الثياب الجياد و امثالها في ساير الامور و يدل علي ذلك ما رواه من الكافي [ص 140] بسنده عن سليمان بن صالح قال قلت لابيعبدالله عليه السلام ادني ما يجيء من حد الاسراف فقال بذلك ثوب صونك و اهراقك فضل انائك و اكلك التمر و رميك بالنوي هيهنا و هيهنا بالجملة جميع ما فيه اتلاف مال الله و لو حبة من خردل فهو اسراف حتي ان الطعام متعلق بيدك فتغسلها من غير مص او الاناء متلطخ ببعض الغذاء فتغسله من غير لطع او تترك فتاة الطعام في البيت و يدل علي ذلك ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله يلطع القصعة و يقول من لطع القصعة فكأنما تصدق بمثلها و عن ابيعبدالله عليه السلام اني لالعق اصابعي حتي اري ان خادمي يقول ما اشره مولاي و عن محمد بن الوليد الكرماني قال اكلت بين يدي ابيجعفر الثاني حتي اذا فرغت و رفع الخوان ذهب الغلام يرفع ما وقع من فتاة الطعام فقال له ما كان في الصحراء فدعه و لو فخذ شاة و ما كان في البيت فتتبعه و القطه و عن عبدالله الارجائي قال كنت عند ابيعبدالله و هو يأكل فرأيته يتتبع مثل السمسمة من الطعام ما يسقط من الخوان فقلت جعلت فداك تتبع هذا قال يا عبد الله هذا رزقك فلاتدعه لغيرك اما ان فيه شفاء من كل داء و من ذلك التقاط ما وجد من كسرة او تمرة و اكلها و لو كانت في قذر استحب له غسلها و اكلها فعن ابيعبدالله عليه السلام انه قال في التمرة و الكسرة تكون في الارض مطروحة فياخذها انسان و ياكلها لاتستقر في جوفه حتي تجب له الجنة و قال رسول الله صلي الله عليه و آله من وجد كسرة فاكلها كان له حسنة و من وجدها في قذر فغسلها ثم رفعها كان له سبعون حسنة و دخل علي عايشة فرأي كسرة كاد ان يطأها فاخذها و اكلها و قال يا حميرا اكرمي جوار نعم الله عليك فانها لمتنفر عن قوم فكادت تعود اليهم و من الاسراف الاكل ازيد من الحاجة و الاكل علي الشبع لقوله تعالي كلوا و اشربوا و لاتسرفوا و قوله عليه السلام ان الاسراف ما اتلف المال و اضر بالبدن و قول [ص 141] النبي صلي الله عليه و آله يا علي اربعة يذهبن ضياعا الاكل علي الشبع و السراج في القمر و الزرع في السبخة و الصنيعة عند غير اهلها و روي عن ابيعبدالله عليه السلام الاكل علي الشبع يورث البرص و من الاسراف تعدي الاعطاء عند الحصاد و الجذاذ و الاعطاء بالكفين بل يعطي بكف واحدة مرة او مرارا و يدل علي ذلك ما رواه عن ابن ابينصر عن ابيالحسن عليه السلام قال سألته عن قول الله تعالي و آتوا حقه يوم حصاده و لاتسرفوا قال كان ابي يقول من الاسراف في الحصاد و الجذاذ ان يصدق الرجل بكفيه جميعا و كان ابي اذا حضر شيئا من هذا فرأي احدا من غلمانه يتصدق بكفيه صاح به اعط بيد واحدة القبضة بعد القبضة و الضغث بعد الضغث من السنبل و عن محمد بن مسلم عن ابيجعفر عليه السلام في قوله و لاتسرفوا انه لايحب المسرفين قال كان فلان بن فلان الانصاري سماه كان له حرث و كان اذا جذه تصدق به و بقي هو و عياله بغير شيء فجعل الله ذلك مسرفا و من ذلك تكثير الانفاق بحيث يفقر كفه و عياله كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال لو ان رجلا انفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ماكان احسن و لاوفق أليس الله يقول و لاتلقوا بايديكم الي التهلكة و احسنوا ان الله يحب المحسنين يعني المقتصدين و عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله عز و جل و يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو قال العفو الوسط و كل ذلك اسراف و اعظم الاسراف ان يكون الرجل فقيرا لا شيء له و له جاه فيستقرض بجاهه و لا وفاء له ثم ينفقه في غير الوجوه الذي يحبها الله او يغصب مال المسلمين ثم ينفقه في ما لايحل فذلك له عقاب الاسراف و اتلاف مال المسلمين و هذا النوع من الاسراف غالب علي ابناء زماننا علي ان جميع المعاصي قد ترقي في زماننا و هو قول ابيعبدالله عليه السلام رب فقير هو اسرف من الغني ان الغني ينفق مما اوتي و الفقير ينفق من غير ما اوتي و روي الرخصة في توسيع [ص 142] الانفاق في سفر الحج لانه موضوع لبذل المال في سبيل الله و ذلك ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما من نفقة احب الي الله عز و جل من نفقة قصد و يبغض الاسراف الا في حج او عمرة و كذلك لا اسراف في انفاق فضول المال في الصدقات بعد رفع حاجة من يجب عليك الانفاق عليه و يدل علي ذلك قول النبي صلي الله عليه و آله لامير المؤمنين عليه السلام اوصيك في نفسك بخصال احفظها عني ثم قال اللهم اعنه الي ان قال و اما الصدقة فجهدك جهدك حتي تقول قد اسرفت و لمتسرف و كذلك لا اسراف في الطعام اذا كان بقدر الحاجة اي حاجة نفسه و عياله و ضيفه و يسعي في تنويقه و تجويده و ذلك مشروط بان لايتجاوز حدك و يدل علي ذلك ما رواه صاحب كنز الدقايق من الخصال عن ابيعبدالله عليه السلام ليس في الطعام من سرف و يجوز ان يكون الحديث بلفظ الخبر و المعني نهي و ما ذكرناه بذلك الشروط ليس بسرف لوقوع الامر به فعن ابيعبدالله عليه السلام اعمل طعاما و تنوق فيه و ادع عليه اصحابك و قال اذا اتاك اخوك فأته بما عندك و اذا دعوته فتكلف له و كذا لا اسراف في تعدد اللباس كما قيل لابيعبدالله عليه السلام يكون للمؤمن عشرة اقمصة قال نعم قيل عشرون قال نعم قيل ثلثون قال نعم ليس هذا من السرف انما السرف ان تجعل ثوب صونك ثوب بذلتك و سئل عليه السلام عن الرجل الموسر يتخذ الثياب الكثيرة الجياد و الطيالسة و القمص الكثيرة يصون بعضها بعضا يتجمل بها أيكون مسرفا قال لا لان الله عز و جل يقول لينفق ذو سعة من سعته انتهي ، و ذلك انه ليس تضييع مال و انما هي مال موضوع لكن ذلك اذا كان موسرا و اما الفقير فلايجوز له ان يجعل ما في يده ثيابا ثم يتكفف لمأكله فيجب مراعاة يساره ان وسع الله عليه يوسع و ان ضيق يضيق بل يستحب للموسر التوسيع علي نفسه و عياله [ص 143] و انه التحدث بنعمة الله بالفعل فعن الصادق عليه السلام ان الله يحب الجمال و التجمل و يبغض البؤس و التباؤس فان الله اذا انعم علي عبده بنعمة احب ان يري عليه اثرها قيل كيف ذلك قال ينظف ثوبه و يطيب ريحه و يجصص داره و يكنس افنيته حتي ان السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر و يزيد في الرزق انتهي ، و لاينبغي بعد ارخاء الدنيا عزاليها و حصول السعة في الاسلام ان يتشعث المؤمن و يزعم انه ينبغي ان يقتدي بامير المؤمنين عليه السلام دون ساير الائمة عليهم السلام فانه عليه السلام كان في زمان مقتر و في الاسلام ضيق و اكثر المسلمين فقراء فكان يضيق علي نفسه لضيق الزمان و تسلية لفقراء المسلمين و اما بعد حصول السعة فلميفعل ساير الائمة مثل فعله و ينبغي الاقتداء بهم لمشاكلة الزمان بزمانهم دون زمانه نعم ينبغي لرياضة النفس ان يكون له تحت ثيابه ثوب خشن و الغذاء الخاص به غير جيد و البيت الخاص به في خلوته غير منجد خضوعا لله سبحانه و تعويدا للنفس رسم العبودية و لئلاتطغي في نفسه و يدل علي هذه الجملة انه دخل سفيان الثوري علي ابيعبدالله عليه السلام فرأي عليه ثيابا بيض كأنها غرقئ البيض فقال له ان هذا اللباس ليس من لباسك فقال له اسمع مني و ع ما اقول لك فانه خير لك عاجلا و آجلا ان انت مت علي السنة و لمتمت علي بدعة اخبرك ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان في زمان مقفر جدب فاما اذا اقبلت الدنيا فاحق الناس بها ابرارها لا فجارها و مؤمنوها لا منافقوها و مسلموها لا كفارها فما انكرت يا ثوري فوالله اني لمع ما تري مااتي علي مذ عقلت صباح و لا مساء و لله في مالي حق امرني ان اضعه موضعا الا وضعته و مر سفيان الثوري في مسجد الحرام فرأي اباعبدالله و عليه ثياب كثيرة القيمة فقال والله لآتينه و لاوبخنه فدنا منه فقال يا ابن رسول الله والله مالبس رسول الله مثل هذا اللباس و لا علي [ص 144] و لا احد من آبائك فقال له ابوعبدالله عليه السلام كان رسول الله في زمان قتر مقتر و كان يأخذ لقتره و اقتاره و ان الدنيا بعد ذلك ارخت عزاليها فاحق اهلها بها ابرارها ثم تلا قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق فنحن نأخذ منها ما اعطانا الله غير اني يا ثوري ما تري علي من ثوب انما لبسته للناس ثم اجتذب يد سفيان فجرها اليه ثم رفع الثوب الاعلي و اخرج ثوبا تحت ذلك علي جلده غليظا فقال هذا لبسته لنفسي غليظا و مارأيته للناس ثم جذب ثوبا علي سفيان اعلاه غليظ خشن و داخل ذلك ثوب لين فقال لبست هذا الاعلي للناس و لبست هذا لنفسك تسرها و عن كامل بن ابرهيم انه دخل علي ابيمحمد عليه السلام فنظر الي ثياب بياض ناعمة قال فقلت في نفسي ولي الله و حجته يلبس الناعم من الثياب و يأمرنا نحن بمواساة الاخوان و ينهانا عن لبس مثله فقال مبتسما يا كامل و حسر عن ذراعيه فاذا مسح اسود خشن علي جلده فقال هذا لله و هذا لكم انتهي ، و اعلم انه لايجوز للانسان ان يلبس لباسا يشتهر به و يقع علي السن الناس و ذلك بثلثة انواع الاول ان يلبس الرجل السري لباسا خشنا خلقا و الثاني ان يلبس الرجل الدني لباسا ليس من زيه و رتبته و الثالث ان يتهيأ بهيئة عجيبة يصير به مطمح الانظار و يذكر به في المجامع و الاحسن ان يكون الانسان في الناس كاحد من الناس فلايتوجه اليه احد و بذلك يسلم دينه و دنياه و يدل علي ذلك ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال كفي بالمرء خزيا ان يلبس ثوبا يشهره او يركب دابة تشهره و قال عليه السلام الشهرة خيرها و شرها في النار و عن الحسين عليه السلام من لبس ثوبا يشهره كساه الله يوم القيمة ثوبا من النار و قال عليه السلام بينا انا في الطواف و اذا برجل يجذب ثوبي و اذا عباد بن كثير البصري فقال يا جعفر تلبس مثل هذه الثياب في مثل هذا الموضع مع المكان الذي انت فيه [ص 145] من علي فقلت فُرْقُبيّ اشتريته بدينار و كان علي عليه السلام في زمان يستقيم له ما لبس فيه و لو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مرائي مثل عباد و قال له رجل اصلحك الله ذكرت ان علي بن ابيطالب كان يلبس الخشن كان يلبس القميص باربعة دراهم و ما اشبه ذلك و نري عليك اللباس الجيد فقال له ان علي بن ابيطالب كان يلبس ذلك في زمان لاينكر و لو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به فخير لباس كل زمان لباس اهله غير ان قائمنا اذا قام لبس لباس علي و سار بسيرته و عن الحسن الزيات البصري قال دخلت علي ابيجعفر عليه السلام انا و صاحب لي فاذا هو في بيت منجد و عليه ملحفة وردية و قد حف لحيته و اكتحل فسألنا عن مسائل فلما قمنا قال لي يا حسن قلت لبيك قال اذا كان غدا فاتني انت و صاحبك فقلت نعم جعلت فداك فلما كان من الغد دخلت عليه و اذا هو في بيت ليس فيه الا حصير و اذا عليه قميص غليظ ثم اقبل علي صاحبي فقال يا اخا اهل البصرة انك دخلت علي امس و انا في بيت المرأة و كان امس يومها و البيت بيتها و المتاع متاعها فتزينت لي علي ان اتزين لها كما تزينت لي فلايدخل قلبك شيء فقال له صاحبي جعلت فداك قد كان والله دخل في قلبي فاما الآن فلا فقد والله اذهب الله ما كان و علمت ان الحق فيما قلت انتهي ، و كان جلوس الرضا عليه السلام في الصيف علي حصير و في الشتاء علي مسح و لبسه الغليظ من الثياب حتي اذا برز للناس تزين لهم و يؤيد ذلك ما روي عن علي عليه السلام كن عند الله خير الناس و كن عند نفسك شر الناس و كن عند الناس واحدا من الناس .
فصل - لما ان عرفت معني الجود و الاسراف و البخل احب ان اذكر شيئا من امر الاقتصاد و انه من المطالب الجليلة اعلم ان الاقتصاد مجملا هو ما شرحه الله سبحانه في كتابه و قال لاتجعل يدك مغلولة الي عنقك و لاتبسطها [ص 146] كل البسط فتقعد ملوما محسورا و قال الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما و قد مثل الامام عليه السلام للتقتير بان تجمع اصابعك فلاينزل منها شيء و للاسراف بان تفتحها فينزل جميع ما فيها و للقوام بان تفتحها قليلا فينزل شيء و يبقي شيء و اعلم ان ذلك عام في الانفاق علي النفس و العيال و الارحام و علي ساير المؤمنين ففي جميع هذه المراتب يجب الاقتصاد و التوسط و لعلك تلتفت ان التوسط يختلف في كل احد بحسب سعة ذات يده و ضيقها فتوسط الغني غير توسط الفقير فلو ذهب الغني يتوسط كالفقير فهو مقتر و لو ذهب الفقير يتوسط كالغني فهو مسرف قال الله سبحانه لينفق ذو سعة من سعته ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان المؤمن يأخذ بآداب الله اذا وسع الله عليه اتسع و اذا امسك عنه امسك و قال الرضا عليه السلام صاحب النعمة يجب عليه التوسعة علي عياله انتهي ، فتبين ان كل احد توسطه يختلف بحسب احواله و كذلك يختلف التوسط بحسب البلدان فان سعة بلد ضيق بلد آخر فينبغي ان يراعي ايضا حال البلد و الا يشتهر في ذلك البلد اما بالاسراف او بالتقتير و الشهرة خيرها و شرها في النار و كذلك يختلف بحسب شرف عياله و خساستهم فان كانت اهله من بيت عز و شرف او من اوساط الناس فتختلفان قال الله سبحانه و عاشروهن بالمعروف و قال فامساك بمعروف او تسريح باحسان ، و قال ابوالحسن عليه السلام في قول الله عز و جل و الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما قال القوام المعروف علي الموسع قدره و علي المقتر قدره علي قدر عياله و مؤنته التي هي صلاح له و لهم لايكلف الله نفسا الا ما آتيها فتبين انه ينبغي ان يكون انفاق الرجل في وجوه الانفاق علي حسب منزلته التي انزله الله فيها و علي حسب زيه و ماله و لايجوز له ان يسرف في تلك المنزلة فيتجاوز الاقتصاد [ص 147] و لايجوز ان يقتر في تلك المنزلة فيذل نفسه بين الاكفاء و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين قال علي بن الحسين عليه السلام لينفق الرجل بالقسط و بلغة الكفاف و يقدم منه الفضل لآخرته فان ذلك ابقي للنعمة و اقرب الي المزيد من الله و انفع في العاقبة و روي عن الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل و يسألونك ما ذا ينفقون قل العفو قال العفو الوسط و روي الكفاف و روي الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما قال نزلت هذه بعد هذه هي الوسط و عن النبي صلي الله عليه و آله من المنجيات القصد في الغنا و الفقر و اما اذا اختلف شرف الرجل و ماله فالمدار علي المال فان الله يقول لينفق ذو سعة من سعته لا ذو شرف علي حسب شرفه و عرفت من الحديث ان المدار علي المال و روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام للمسرف ثلث علامات يأكل ما ليس له و يشتري ما ليس له و يلبس ما ليس له انتهي ، و الائمة عليهم السلام كانوا يراعون مالهم يوسعون متي وسع الله عليهم و يمسكون متي ما امسك الله عليهم هذا و الشريف الذي لا مال له اذا اراد الانفاق بمقتضي شرفه لا بد من ان يسأل الناس او يستدين ما لا وفاء له و كلاهما مذمومان فالواجب عليه الاقتصار علي ما يمكنه من غير ارتكاب محرم و قال علي بن الحسين عليهما السلام ضمنت علي ربي انه لايسأل احد من غير حاجة الا اضطرته المسئلة يوما الي ان يسأل من حاجة و عن ابيعبدالله عليه السلام من سأل الناس شيئا و عنده ما يقوت يوما فهو من المسرفين و سمع رسول الله صلي الله عليه و آله يقول اعوذ بالله من الكفر و الدين قيل يا رسول الله أتعدل الدين بالكفر قال نعم و قال ابوعبدالله عليه السلام لايستقرض علي ظهره الا و عنده وفاء و لو طاف علي ابواب الناس فردوه باللقمة و اللقمتين و التمرة و التمرتين الا ان يكون له ولي يقضي دينه من بعده الخبر ، و قال ابوالحسن عليه السلام من طلب هذا الرزق من حله [ص 148] ليعود به علي نفسه و عياله كان كالمجاهد في سبيل الله فان غلب عليه فليستدن علي الله و علي رسوله ما يقوت به عياله الحديث ، و اعلم ان حاجة الناس الي السؤال و الدين فانما هي للفضول من المعاش و ترك الاقتصاد و الا فقد ضمنوا صلوات الله عليهم علي من اقتصد الايفتقر شعر :
لقد ذلت و دقت و استدقت فضول العيش اعناق الرجال
و اما وجوه الانفاق فعن الصادق عليه السلام انه قال و اما الوجوه التي امر فيها اخراج الاموال في جميع وجوه الحلال المفترض عليهم و وجوه النوافل كلها فاربعة و عشرون وجها منها سبعة وجوه علي خاصة نفسه و خمسة وجوه علي من يلزمه نفقته و ثلثة مما يلزمه فيها من وجوه الدين و خمسة وجوه مما يلزمه فيها من وجوه الصلات و اربعة اوجه مما يلزمه النفقة من وجوه اصطناع المعروف فاما الوجوه التي يلزمه فيه النفقة علي خاصة نفسه فهي مطعمه و مشربه و ملبسه و منكحه و مخدمه و عطاؤه فيما يحتاج اليه من الاجراء علي مرمة متاعه او حمله او حفظه و معني ما يحتاج اليه فبين نحو منزله او آلة من الآلات يستعين بها علي حوائجه و اما الوجوه الخمس التي تجب عليه النفقة لمن يلزمه نفقته فعلي ولده و والديه و امرأته و مملوكه لازم له ذلك في العسر و اليسر و اما الوجوه الثلث المفروضة من وجوه الدين فالزكوة المفروضة الواجبة في كل عام و الحج المفروض و الجهاد في ايامه و اما الوجوه الخمس من وجوه الصلات النوافل فصلة موقوفة و صلة القرابة و صلة المؤمنين و التنفل في وجوه الصدقة و البر و العتق و اما الوجوه الاربع فقضاء الدين و العارية و القرض و اقراء الضيف واجبات في السنة انتهي الحديث الجامع الشريف و يجب عليك في جميع ذلك الاقتصاد الا الحج فقد روي فيه نفي الاسراف و لعل المراد منه التوسعة فان الاسراف محرم [ص 149] مطلقا فانه ما يضر بالبدن و يتلف المال و لا شك انه لا يجوز ان ينفق الحاج جميع بلغته في يوم ثم يبقي علي الارض لايقدر علي المسير و اعلم ان وجوه الانفاق المستحب كثيرة و لو شئنا ان نفصلها يطول بنا المقال و هي علي الاجمال الصدقة علي الفقراء و المساكين سواء سألوا او لميسألوا و قبل سؤالهم افضل و لايحتشم من القليل فان المنع اقل و الهدية و هي مجلبة المحبة و روي انها احب من الصدقة و الضيافة و لها فضل عظيم و الحق المعلوم و هو شيء يفرضه الرجل علي نفسه في ماله علي قدر طاقته و سعة ماله فيؤدي الذي فرض علي نفسه ان شاء في كل يوم و ان شاء في كل جمعة و ان شاء في كل شهر و اقراض المحتاج و له فضل عظيم و الماعون و هو المتاع يعيره و المعروف يصنعه و صلة الارحام و لها فضل عظيم جسيم و مواساة الاخوان بالمال و ايثارهم بشيء هم احوج اليه منه و صلة الجار المسلم و حق الحصاد و الجذاذ تؤتيه الفقراء الحاضرين و الاوقاف يوقفها الرجل علي الفقراء المؤمنين و بناء المساجد و الخانات و الجسور و اصلاح الطرق و الانفاق في اقامة عزاء الحسين عليه السلام و استنابة من يزور الائمة عليهم السلام او يحج لنفسه او لوالديه او لاحد من المؤمنين و استيجار من يقرأ القرآن له او لامواته او لاموات العلماء و المؤمنين و الانفاق في انقاذ غريق او رفع بلاء مبتل ببلاء او قبول دين مديون لا وفاء له و الانفاق في معالجة مريض لا شيء له يداوي به نفسه او ايصال منقطع عن بلده او شراء اسير و فداء اسير مسلم بيد كافر او عتق رقبة و امثال ذلك من وجوه المعروف يعمل بما شاء من ذلك علي حسب سعة ذات يده و الله المستعان .
فصل - و لما بلغ الكلام الي هنا احب ان اذكر شيئا من امر المواساة و الايثار فان امرهما كاكثر الامور مشتبه اعلم ان المواساة لغة هي التسوية فمن [ص 150] سوي اخاه بنفسه في ماله و جاهه فقد واساه و انما ذلك من الكفاف فمن انال اخاه من فضل ماله فلميواسه و الايثار هو ان تختار اخاك علي نفسك فتنيله من النصف الآخر و اصل ذلك ان تعلم ان المال مال الله وحده لا شريك له خزنه عند عباده و ينبغي ان يصرف في سبيله و لاجله فمن كان يساويك في قوة الايمان و مقدار العلم و العمل فنسبته في العبودية كنسبتك و ليس احدكما اولي بالله من اخيه فليس احدكما اولي بمال الله من صاحبه فينبغي ان تجريا في ذلك المال الذي هو مال الله وحده لا شريك له كفرسي رهان لايسبق احدكما صاحبه بلا اولوية و كونك خازنا للمال لا عبرة به بل هو فتنة و امتحان من الله و ان كان اخوك اولي بالله و رسوله و هو اقوي ايمانا و اكثر علما و عملا فهو اولي بالمال منك لانه مال من هو اولي به فتؤثره علي نفسك و تنال من فضل ماله كما اذا كان اخوك اضعف منك ايمانا و اقل علما و عملا فتنيله من فضل مالك و هذا هو الذي امر اميرالمؤمنين عليه السلام الطبيب اليوناني الذي آمن فقال آمرك ان تواسي اخوانك المطابقين لك علي تصديق محمد و تصديق وصيه و الانقياد له و لي مما رزقك الله و فضلك علي من فضلك به منهم تسد به فاقتهم و تجبر به كسرهم و خلتهم و من كان منهم في درجتك ساويته في مالك بنفسك و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بمالك علي نفسك حتي يعلم الله منك ان دينه آثر عندك من مالك و ان اولياء الله اكرم عليك من اهلك و عيالك الخبر ، و هذا هو حكم عدل المؤمنين العارفين و ليس فيه كرامة و لكن الكرامة ان تؤثر علي نفسك من ينبغي ان تواسيه او تواسي من ينبغي ان تنيله فضلا فمن فعل ذلك فله كرامة و سخاء و زهد في الدنيا هذا هو حكم العقل السليم في الواقع و لكن اختلفت الاخبار في حكم نفس الامر فلنسرد الاخبار اولا ثم ننظر فيما تقتضيه ففي الوسائل بسنده عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث قال ان [ص 151] من اشد ما افترض الله علي خلقه ثلاثا انصاف المرء من نفسه حتي لايرضي لاخيه من نفسه الا بما يرضي لنفسه منه و مواساة الاخ في المال و ذكر الله علي كل حال ليس سبحان الله و الحمد لله و لكن عند ما حرم الله عليه فيدعه انتهي ، و هذا الخبر يعطي وجوب المواساة كاختيها و عن ابان بن تغلب عن ابيعبدالله في حديث انه قال له اخبرني عن حق المؤمن علي المؤمن فقال يا ابان دعه لاترده قلت بلي جعلت فداك فلمازل اردد عليه فقال يا ابان تقاسمه شطر مالك ثم نظر الي فرأي ما دخلني فقال يا ابان أماتعلم ان الله قد ذكر المؤثرين علي انفسهم قلت بلي جعلت فداك فقال اذا انت قاسمته فلمتؤثره بعد انما انت و هو سواء انما تؤثره اذا اعطيته من النصف الآخر و عن ابياسمعيل قال قلت لابيجعفر عليه السلام جعلت فداك ان الشيعة عندنا كثير فقال فهل يعطف الغني علي الفقير و هل يتجاوز المحسن عن المسيئ و يتواسون فقلت لا فقال ليس هؤلاء شيعة الشيعة من يفعل هذا و عن الصادق عليه السلام في حديث قال ثلث دعوات لايحجبن عن الله منها رجل مؤمن واساه فينا و دعاؤه عليه اذا لميواسه مع القدرة عليه و الاضطرار اليه و عن الوصافي عن ابيجعفر عليه السلام قال قال لي أرايت من قبلكم اذا كان الرجل ليس عليه رداء و عند بعض اخوانه رداء يطرحه عليه قال قلت لا قال فاذا كان ليس عنده ازار يوصل اليه بعض اخوانه بفضل ازاره حتي يجد له ازارا قال قلت لا قال فضرب بيده علي فخذه ثم قال ما هؤلاء باخوة و عن اسحق بن عمار قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام فذكر مواساة الرجل لاخوانه و ما يجب له عليهم فدخلني من ذلك امر عظيم فقال انما ذلك اذا قام قائمنا وجب عليهم ان يجهزوا اخوانهم و ان يقووهم و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثلاثة لاتطيقها هذه الامة المواساة للاخ في ماله و انصاف الناس من نفسه و ذكر الله علي كل حال ليس [ص 152] سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر فقط و لكن اذا ورد علي ما يحرم خاف الله و عن مسعدة بن صدقة عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله للمؤمن علي المؤمن سبعة حقوق واجبة من الله عز و جل الاجلال له في عينه و الود له في صدره و المواساة له في ماله و ان يحرم غيبته و ان يعوده في مرضه و ان يشيع جنازته و ان لايقول فيه بعد موته الا خيرا و الاخبار في باب المواساة كثيرة فلننظر في المراد منها و موضعها و حدها و انت تعلم ان المؤمنين الفقراء كثيرون فلو كان يجب عليه ان يواسي الكل كان يجب ان يواسي مؤمنا اولا في مائة ديناره ثم في خمسين ديناره مؤمنا آخر ثم في خمسة و عشرينه مؤمنا آخر ثم في اثنيعشره مثلا ثم في ستته ثم في ثلثته ثم في ديناريه مثلا ثم في ديناره و هكذا فيمسي و ليس عنده درهم واحد و لايعود الي داره الا بعد التكفف فلا بد و ان يكون له حد محدود لايبلغ العسر و الحرج و الذي يستنبط من الاخبار ان الائمة عليهم السلام ماكانوا يصنعون كذلك و كبار اصحابهم و زهادهم و عبادهم ماكانوا يصنعون كذلك و ان الله سبحانه انما اوجب علي الانسان نفقة والديه ان كانا فقيرين ثم نفقة ولده ثم نفقة زوجته ثم نفقة مملوكه ثم ما بعد ذلك ان كان بقدر الحج يجب عليه ان يحج بماله و ان كان عليه نذر او انفاق واجب او كفارة يجب عليه صرفه فيه فان فضل شيء فارحامه و قراباته ان كانوا مؤمنين يصلهم به لما قرن الله صلة الارحام بتوحيده و لعن قاطعه فان فضل من ذلك شيء يحسن له ان ينفقه في سبل الله و يواسي به اخوانه او يؤثرهم علي نفسه فيه و لايجوز له اليوم ان ينفق ما في يديه علي اخوانه و يتكفف بعد ذلك لنفسه و عياله فان الله الذي خوله ماله و اودعه عنده خوله امر جمع من عبيده و امائه و اوجب عليه الانفاق عليهم و الواجب مقدم علي المندوب فاذا ادي اولا من الزكوة الواجبة و الخمس الواجب يعود [ص 153] بالبقية علي نفسه من غير اسراف ثم علي عياله من غير تبذير ثم علي ارحامه لما ندب الله اليه من صلة الرحم و لعن قاطع الرحم ثم ان فضل فهو محل البذل به في السبل المندوبة اليها فلايكنزه و لايمنعه عباد الله و عياله من ماله و الظاهر ان المواساة مندوب اليه ايضا مع الاخ الذي واخاه و هو في درجته كما يظهر من حديث الطبيب اليوناني و لحن احاديث حقوق الاخوان بل صريحها لا مع كل مؤمن و انما يساعد ساير المؤمنين بفضل ماله و لايمكن مواساة الجميع و لمتنقل من احد من الاولياء كسلمان و ابيذر و غيرهما و لا من احد من الائمة عليهم السلام فليس المراد بالمواساة ان يفرق فضل ماله في جميع المؤمنين البتة فهي في بعض المؤمنين و قد ظهر من خبر اليوناني و كثير من الاخبار انه في الاخ المساوي و هو الذي يقتضيه صريح الاعتبار و اما الايثار فهو بالطريق الاولي فلايجوز للانسان ان يهلك نفسه او من يجب عليه نفقته و يؤثر الغير عليهم فان الله فرض عليه انفاقات و ندب الي انفاقات و لا قربة بالنوافل اذا اضرت بالفرايض و يدل علي ذلك ما رواه في الكافي في باب دخول الصوفية علي ابيعبدالله عليه السلام و ذكر دخول سفيان الثوري علي ابيعبدالله عليه السلام كما ذكرناه الي ان قال و اتاه قوم ممن يظهر التزهد و يدعو الناس ان يكونوا معهم علي مثل الذي هم عليه من التقشف فقالوا له ان صاحبنا حصر عن كلامك و لمتحضره حججه فقال لهم فهاتوا حججكم فقالوا له ان حججنا من كتاب الله فقال لهم فادلوا بها فانها احق ما اتبع و عمل به فقالوا يقول الله تبارك و تعالي مخبرا عن قوم من اصحاب النبي صلي الله عليه و آله يؤثرون علي انفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون فمدح فعلهم و قال في موضع آخر و يطعمون الطعام علي حبه مسكينا و يتيما و اسيرا و نحن نكتفي بهذا فقال رجل من الجلساء [ص 154] انا رأيناكم تزهدون في الاطعمة الطيبة و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من اموالهم حتي تمتعوا انتم منها فقال له ابوعبدالله عليه السلام دعوا عنكم ما لاينتفع به اخبروني ايها النفر ألكم علم بناسخ القرآن و منسوخه و محكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل و هلك من هلك من هذه الامة فقالوا له او بعضه فاما كله فلا فقال لهم فمن هيهنا اتيتم و كذلك احاديث رسول الله صلي الله عليه و آله فاما ما ذكرتم من اخبار الله عز و جل ايانا في كتابه عن القوم الذين اخبر عنهم بحسن افعالهم فقد كان مباحا جايزا و لميكونوا نهوا عنه و ثوابهم منه علي الله عز و جل و ذلك ان الله جل و تقدس امر بخلاف ما عملوا به فصار امره ناسخا لفعلهم و كان نهي الله تبارك و تعالي رحمة منه للمؤمنين و نظرا لكي لايضروا بانفسهم و عيالاتهم منهم الضعفة الصغار و الولدان و الشيخ الفاني و العجوز الكبيرة الذين لايصبرون علي الجوع فان تصدقت برغيفي و لا رغيف لي غيره ضاعوا و هلكوا جوعا فمن ثم قال رسول الله صلي الله عليه و آله خمس تمرات او خمس قرص او دنانير او دراهم يملكها الانسان و هو يريد ان يمضيها فافضلها ما انفقه الانسان علي والديه ثم الثانية علي نفسه و عياله ثم الثالثة علي قرابته الفقراء ثم الرابعة علي جيرانه ثم الخامسة في سبيل الله و هو اخسها اجرا و قال صلي الله عليه و آله للانصار حين اعتق احدهم عند موته خمسة او ستة من الرقيق و لميكن يملك غيرهم و له اولاد صغار لو اعلمتموني امره ماتركتكم تدفنونه مع المسلمين ترك صبية صغارا يتكففون الناس ثم قال حدثني ابي ان رسول الله صلي الله عليه و آله قال ابدأ بمن تعول الادني فالادني ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم و نهيا عنه مفروضا من الله العزيز الحكيم قال و الذين اذا انفقوا لميسرفوا و لميقتروا و كان بين ذلك قواما أفلاترون ان الله تبارك و تعالي قال غير ما اراكم تدعون الناس اليه من الاثرة [ص 155] علي انفسهم و سمي ما تدعون اليه سرفا في غير آية من كتاب الله انه لايحب المسرفين فنهاهم عن الاسراف و نهاهم عن التقتير و لكن امر بين امرين لايعطي جميع ما عنده ثم يدعو الله ان يرزقه فلايستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلي الله عليه و آله ان اصنافا من امتي لايستجاب لهم دعاؤهم و هم رجل يدعو علي والديه و رجل يدعو علي غريم ذهب له بمال فلميكتب عليه و لميشهد عليه و رجل يدعو علي امرأته و قد جعل الله تخلية سبيلها بيده و رجل يقعد في بيته و يقول رب ارزقني و لايخرج و لايطلب الرزق فيقول الله عز و جل له عبدي ألماجعل لك السبيل الي الطلب و الضرب في الارض بجوارح صحيحة فيكون قد اعذرت فيما بيني و بينك في الطلب لاتباع امري و لكي لاتكون كلا علي اهلك فان شئت رزقتك و ان شئت قترت عليك و انت معذور عندي و رجل رزقه الله عز و جل مالا كثيرا فانفقه ثم اقبل يدعو يا رب ارزقني فيقول الله عز و جل ألمارزقك رزقا واسعا فهلااقتصدت فيه كما امرتك و لمتسرف و قد نهيتك عن الاسراف و رجل يدعو في قطيعة رحم ثم علم الله عز و جل نبيه صلي الله عليه و آله كيف ينفق و ذلك انه كانت عنده اوقية من الذهب فكره ان تبيت عنده فتصدق بها فاصبح و ليس عنده شئ و جاءه من يسأله فلميكن عنده مال يعطيه فلامه السائل و اغتم هو حيث لميكن عنده ما يعطيه و كان رحيما رفيقا صلي الله عليه و آله فادب الله عز و جل نبيه عليه السلام بامره فقال و لاتجعل يدك مغلولة الي عنقك و لاتبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا يقول ان الناس قد يسألونك و لايعذرونك فاذا اعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال فهذه احاديث رسول الله صلي الله عليه و آله يصدقها الكتاب و الكتاب يصدقه اهله من المؤمنين و قال ابوبكر عند موته حيث قيل له اوص فقال اوصي بالخمس و الخمس كثير فان الله عز و جل قد رضي بالخمس [ص 156] فاوصي بالخمس و قد جعل الله عز و جل له الثلث عند موته و لو علم ان الثلث خير له اوصي به ثم من قد علمتم بعده في فضله و زهده سلمان الفارسي رضي الله عنه و ابوذر رحمه الله فاما سلمان فكان اذا اخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتي يحضر عطاءه من قابل فقيل له يا باعبدالله انت في زهدك تصنع هذا و انت لاتدري لعلك تموت اليوم او غدا فكان جوابه ان قال ما لكم لاترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء أماعلمتم يا جهلة ان النفس قد تلتاث علي صاحبها اذا لميكن لها من العيش ما تعتمد عليه فاذا هي احرزت معيشتها اطمأنت و اما ابوذر رضي الله عنه فكان له نويقات و شويهات يحلبها و يذبح منها اذا اشتهي اهله اللحم او نزل به ضيف او رأي باهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور او من الشاء علي قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم فيقسمه بينهم و يأخذ هو كنصيب واحد منهم لايتفضل عليهم و من ازهد من هؤلاء و قد قال فيهم رسول الله صلي الله عليه و آله ما قال و لميبلغ من امرهما ان صارا لايملكان شيئا البتة كما تأمرون الناس بالقاء امتعتهم و شيئهم و يؤثرون به علي انفسهم و عيالاتهم و اعلموا ايها النفر اني سمعت ابي يروي عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال يوما ماعجبت من شئ كعجبي من المؤمن ان قرض جسده في الدار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له و ان ملك ما بين مشارق الارض و مغاربها كان خيرا له و كل ما يصنع الله عز و جل به فهو خير له فليت شعري هل يحق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم ام ازيدكم أماعلمتم ان الله عز و جل قد فرض علي المؤمنين في اول الامر ان يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له ان يولي وجهه عنهم و من وليهم يومئذ دبره فقد تبوء مقعده من النار ثم حولهم عن حالهم رحمة منه لهم فصار الرجل منهم عليه ان يقاتل رجلين من المشركين [ص 157] تخفيفا من الله عز و جل للمؤمنين فنسخ الرجلان العشرة و اخبروني ايضا عن القضاة أجورة هم حيث يقضون علي الرجل منكم نفقة امرأته اذا قال اني زاهد و اني لا شيء لي فان قلتم جورة ظلمتم اهل الاسلام و ان قلتم بل عدول خصمتم انفسكم و حيث يردون صدقة من تصدق علي المساكين عند الموت باكثر من الثلث اخبروني لو كان الناس كلهم كالذين تريدون زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلي من كان يتصدق بكفارات الايمان و النذور و الصدقات من فرض الزكوة من الذهب و الفضة و التمر و الزبيب و سائر ما وجب فيه الزكوة من الابل و البقر و الغنم و غير ذلك اذا كان الامر كما تقولون لاينبغي لاحد ان يحبس شيئا من عرض الدنيا الا قدمه و ان كان به خصاصة فبئس ما ذهبتم اليه و حملتم الناس عليه للجهل بكتاب الله عز و جل و سنة نبيه و احاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل و ردكم اياها بجهالتكم و ترككم النظر في غرايب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ و المحكم و المتشابه و الامر و النهي و اخبروني اين انتم عن سليمان عليه السلام حين سأل الله ملكا لاينبغي لاحد من بعده فاعطاه الله جل اسمه ذلك و كان يقول الحق و يعمل به ثم لمنجد الله عز و جل عاب عليه ذلك و لا احدا من المؤمنين و داود النبي عليه السلام قبله في ملكه و شدة سلطانه ثم يوسف النبي عليه السلام حيث قال لملك مصر اجعلني علي خزائن الارض اني حفيظ عليم فكان من امره الذي كان ان اختار مملكة الملك و ما حولها الي اليمن و كانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة اصابتهم و كان يقول الحق و يعمل به فلمنجد احدا عاب ذلك عليه ثم ذوالقرنين عبد احب الله فاحبه الله طوي له الاسباب و ملكه مشارق الارض و مغاربها و كان يقول الحق و يعمل به ثم لمنجد احدا عاب ذلك عليه فتأدبوا ايها النفر بآداب الله عز و جل للمؤمنين و اقتصروا علي امر الله و نهيه [ص 158] و دعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به و ردوا العلم الي اهله توجروا و تعذروا عند الله تبارك و تعالي و كونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه و محكمه من متشابهه و ما احل الله فيه مما حرم فانه اقرب لكم من الله و ابعد لكم من الجهل و دعوا الجهالة لاهلها فان اهل الجهل كثير و اهل العلم قليل و قد قال الله عز و جل و فوق كل ذي علم عليم ، انتهي فهذا الخبر الشريف شارح لتلك الاخبار و دستور للمرء المؤمن فلاينافي الزهد ترك الاسراف و ليس من علاماته التقتير بل الزهد هو ما فسروه بان لاتكون بما في يدك اوثق مما في يد الله و فسره الله في آية من كتابه لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم و ان تري المال مال الله و تضعه حيث امر الله و ما امر الله الانفاق علي نفسك و من يجب عليك الانفاق عليه علي الموسع قدره و علي المقتر قدره متاعا بالمعروف و تلبس و تلبسهم لباس اهل زمانهم و بقدر سعتك حتي لاتشتهر في السن الناس بالاقتار و التضييق و لاتتجاوز قدرك فتشتهر بالاسراف و التضييع بل تقتصد علي حسب حالك ثم تساعد اخوانك و تواسيهم و تؤثرهم لا بكل مالك بل بحيث تمتثل امر الله لاتجعل يدك مغلولة الي عنقك و لاتبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا و تأس بائمتك سلام الله عليهم حيث كان لهم اموال كثيرة و ماكانوا يبذرونها علي الفقراء و المساكين في ساعة واحدة و اما ما سمعت من امر النبي صلي الله عليه و آله في اول الامر و من امر اميرالمؤمنين فانهما كانا في بدء الاسلام و كان تكليفهم ذلك لان اغلب اهل الاسلام فقراء و ليميلوا قلوب اهل الدنيا الي الدين و يؤلفوا قلوبهم و قد نسخ ذلك السلوك بل لميكن تكليف كل اهل زمانهم ذلك ألمتسمع احتجاج اميرالمؤمنين عليه السلام علي عاصم بن زياد حين لبس العباء و ترك الملاء و شكا اخوه الربيع بن زياد الي اميرالمؤمنين عليه السلام انه قد غم [ص 159] اهله و احزن ولده بذلك فقال اميرالمؤمنين عليه السلام علي بعاصم بن زياد فجيئ به فلما رآه عبس في وجهه فقال أمااستحييت من اهلك أمارحمت ولدك أتري الله احل لك الطيبات و هو يكره اخذك منها انت اهون علي الله من ذلك أوليس الله يقول و الارض وضعها للانام فيها فاكهة و النخل ذات الاكمام أوليس يقول مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان الي قوله يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان فيا لله لابتذال نعم الله بالفعال احب اليه من ابتذاله لها بالمقال و قد قال عز و جل و اما بنعمة ربك فحدث فقال عاصم يا اميرالمؤمنين فعلي ما اقتصرت في مطعمك علي الخشونة و في ملبسك علي الجشوبة فقال ويحك ان الله عز و جل فرض علي ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعفة الناس كيلايتبيغ بالفقير فقره فالقي عاصم بن زياد العباء و لبس الملاء أوماسمعت ما روي الوليد بن صبيح قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام و عنده جفنة من رطب فجاءه سائل فاعطاه ثم جاءه آخر فاعطاه ثم جاءه آخر فاعطاه ثم جاءه آخر فقال يسع الله عليك ثم قال ان رجلا لو كان له مال يبلغ ثلثين او اربعينالف درهم ثم شاء ان لايبقي منها الا وضعها في حق لفعل فيبقي لا مال له فيكون من الثلاثة الذين يرد دعاؤهم قال من هم قال احدهم رجل كان له مال فانفقه في وجهه ثم قال يا رب ارزقني فيقال له ألماجعل لك سبيلا الي طلب الرزق و قال عليه السلام اطعموا ثلثة و ان شئتم ان تزدادوا فازدادوا و الا فقد اديتم حق يومكم بل يظهر من الاخبار ان المواساة بالتسوية وقع منهم مرات عديدة و لميكونوا يفعلون ذلك في كل مالهم في كل يوم كما رواه في حلية الابرار من التهذيب بسنده عن الحلبي قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن فضل المشي فقال الحسن بن علي قاسم ربه ثلث مرات حتي نعلا و نعلا و ثوبا و ثوبا و دينارا و دينارا و حج عشرين حجة علي قدميه انتهي ، و انما ذلك جايز اذا [ص 160] كان النصف الباقي كافيا لمعاش الرجل و مع ذلك عد من فضله عليه السلام انه قاسم ربه ثلث مرات فعلم انه لميكن ذلك فعله دائما و لميكن يبذل جميعفضل ماله دائما بالبداهة فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الطريق المندوب اليه هو الاقتصاد في كل حال و هو الحسنة بين السيئتين و ينبغي السلوك بالمعروف و اصلاح النفس و امتثال الامر و النهي في كل حال و قد اشبعنا البحث في ذلك لنخرج اخواننا عن الافراط و التفريط فلنعد الي ما كان كلامنا فيه من متعلقات الحلم و مناسباته .
فصل - اعلم ان الذي ينساق من الاخلاق مساق الحلم و هو من الاخلاق الكريمة التي بها يعمر الدنيا و الآخرة الرفق و المداراة اعلم ان الله جل جلاله لعلمه بنقصان القوابل الخلقية و قصورها ان يتلقين عن مشيته تعالي قدره ما يحتجن اليه لشدة لطافة المشية و كثرة كثافة القوابل و بعد المناسبة خلق علي حسب استدعائها بينها و بين مشيته اسبابا جعلها اكمام مشيته و حجب ارادته حتي يطقن تحمل انوارها و يقدرن علي تلقي الفيض منها و هذا هو قول ابيعبدالله عليه السلام ابي الله ان يجري الاشياء الا باسباب فجعل لكل شيء سببا و جعل لكل سبب شرحا و جعل لكل شرح علما و جعل لكل علم بابا ناطقا عرفه من عرفه و جهله من جهله ذاك رسول الله صلي الله عليه و آله و نحن انتهي بالجملة لكل شيء سبب به يمكن الله سبحانه كل قابلية من تلقي الفيض من الله جل جلاله و الاشياء تختلف في سرعة التمكن و بطئه لصفائها و كدورتها و ما لميتمكن شيء من قبول شيء لايكاد يقبله مع انه في قابليته فلاجل ذلك رفق الله سبحانه بخلقه و هيأ له اسباب التمكين و التقريب و ادارها عليه شيئا بعد شيء حتي هيأه للقبول و التلقي و استنطق صامته و استخرج كامنه ألمتعتبر بان الله سبحانه كان قادرا ان يخلق العالم في طرفة عين و انما خلق السموات [ص 161] و الارض في يومين و قدر فيها اقواتها في اربعة ايام رفقا بها و هو قادر ان يخلق الانسان في آن واحد و لكن خلقه اطوارا في ستة ايام يوم نطفة و يوم علقة و يوم مضغة و يوم اكساء لحم و يوم انشاء خلق آخر و يوم اخراج و كذلك رفق بعباده في هدايتهم فارسل اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب و اقام فيهم الحجج و لميعاجلهم بالعقوبة و امهل الامم المشركة و الفرق الكافرة مدة مديدة حتي يتزيلوا و يؤمن منهم من يؤمن حتي اذا صاروا لنيؤمن منهم الا من قد آمن و لايلدون الا فاجرا كفارا نفحهم بسيف عذابه و مسحهم باليم عقابه نعوذ بالله و لو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي اليهم اجلهم و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ماترك عليها من دابة و هكذا جري في خلق جميع ما خلق و تغيير جميع ما قدر فجري في جميعها بالرفق و المداراة و الاملاء و الامهال و امر رسله و حججه عليهم السلام الذين هم ايدي ارادته و السنة مشيته بالرفق و المداراة فكانوا رفيقين بالخلق بحيث لايدرك شأو رفقهم و لايشق غبار مداراتهم فرفقوا بعباد الله حتي يتنبه راقد و يقوي عاجز و يقوم مريض و يتخلص مقيد و يستعد غافل و بالرفق اوصلوا العباد الي درجاتهم و وسعوا دائرة الاسلام و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و لاجل ذلك ندبوا المؤمنين المقتفين آثارهم بالرفق ما امكنهم و بالمداراة ما استطاعوا و بالرفق ينضج الني و يكبر الصغير و يقرب البعيد و يصعد النازل و ينزل الصاعد و يشهد الغايب و يغيب الشاهد و من لا رفق له لايهنأه عيش ابدا فلاجل ذلك وردت اخبار عديدة و آثار اكيدة في الحث عليه و الامر به فمن ذلك ما رواه في الكافي بسنده عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثلث من لميكن فيه لميتم له عمل ورع يحجزه عن معاصي الله و خلق يداري به الناس و حلم يرد به جهل الجاهل و جاء جبرئيل الي النبي [ص 162] صلي الله عليه و آله فقال يا محمد ربك يقرئك السلام و يقول لك دار خلقي و قال صلي الله عليه و آله امرني ربي بمداراة الناس كما امرني باداء الفرايض و قال صلي الله عليه و آله مداراة الناس نصف الايمان و الرفق بهم نصف العيش و قال ابوعبدالله عليه السلام خالطوا الابرار سرا و خالطوا الفجار جهارا و لاتميلوا عليهم فيظلموكم فانه سياتي عليكم زمان لاينجو فيه من ذوي الدين الا من ظنوا انه ابله و صبر نفسه علي ان يقال ابله لا عقل له و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان قوما من الناس قلت مداراتهم للناس فالقوا من قريش و ايم الله ماكان باحسابهم بأس و ان قوما من غير قريش حسنت مداراتهم فالحقوا بالبيت الرفيع ثم قال من كف يده عن الناس فانما يكف عنهم يدا واحدة و يكفون عنه ايدي كثيرة و قال ابوجعفر عليه السلام ان لكل شئ قفلا و قفل الايمان الرفق و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي رفيق يحب الرفق فمن رفقه بعباده تسليله اضغانهم و مضادتهم لهواهم و قلوبهم و من رفقه بهم انه يدعهم علي الامر يريد ازالتهم عنه رفقا بهم لكيلايلقي عليهم عري الايمان و مثاقلته جملة واحدة فيضعفوا فاذا اراد ذلك نسخ الامر بالآخر فصار منسوخا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله الرفق يمن و الخرق شوم و قال ابوجعفر عليه السلام ان الله عز و جل رفيق يحب الرفق يعطي علي الرفق ما لايعطي علي العنف و عن النبي صلي الله عليه و آله ان الرفق لميوضع علي شيء الا زانه و لانزع من شيء الا شانه و قال ان في الرفق الزيادة و البركة و من يحرم الرفق يحرم الخير و قال لو كان الرفق خلقا يري ماكان مما خلق الله شيء احسن منه و قال لو كان الخرق خلقا يري ماكان في شيء من خلق الله اقبح منه و قال مااصطحب اثنان الا كان اعظمهما اجرا و احبهما الي الله عز و جل ارفقهما بصاحبه و قال ابوعبدالله عليه السلام ايما اهل بيت اعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم [ص 163] في الرزق و الرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال و الرفق لايعجز عنه شيء و التبذير لايبقي معه شيء ان الله عز و جل رفيق يحب الرفق و قال من كان رفيقا في امره نال ما يريد من الناس و قال مازوي الرفق عن اهل بيت الا زوي عنهم الخير و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله يحب الرفق و يعين عليه فاذا ركبتم الدواب العجف فانزلوها منازلها فان كانت الارض مجدبة فانجو عنها و ان كانت مخصبة فانزلوها منازلها و في الوسائل قال عليه السلام يا اسحق صانع للمنافق بلسانك و اخلص ودك للمؤمن و ان جالسك يهودي فاحسن مجالسته و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في وصيته لمحمد بن الحنفية قال و احسن الي جميع الناس كما تحب ان يحسن اليك و ارض لهم ما ترضاه لنفسك و استقبح لهم ما تستقبحه من غيرك و حسن مع الناس خلقك حتي اذا غبت عنهم حنوا اليك و اذا مت بكوا عليك و قالوا انا لله و انا اليه راجعون و لاتكن من الذين يقال عند موته الحمد لله رب العالمين و اعلم ان رأس العقل بعد الايمان بالله عز و جل مداراة الناس و لا خير فيمن لايعاشر بالمعروف من لا بد من معاشرته حتي يجعل الله الي الخلاص منه سبيلا فاني وجدت جميع ما يتعايش به الناس و به يتعاشرون ملأ مكيال ثلثاه استحسان و ثلثه تغافل و عنه عليه السلام قال لبنيه يا بني اياكم و معاداة الرجال فانهم لايخلون من ضربين عاقل يمكر بكم او جاهل يعجل عليكم و الكلام ذكر و الجواب انثي فاذا اجتمع الزوجان فلا بد من النتاج ثم انشأ يقول :