فصل - لعلك تزعم انه ينال احد ما عند الله الا بطاعة الله و اتيانه من بابه الذي فتحه علي عباده و لاجل ذلك كان انبياؤ الله و حججه صلوات الله عليهم اعبد الناس و ازهدهم و اتقاهم و اورعهم و لم‌ينالوا تلك الدرجة الا بالطاعة و السبق علي الناس في الاجابة و قد كان لهم زهد و رياضة يقصر دونهما همم ساير الخلق و لايسع احدا من الخلق ان يرتاض مثل رياضتهم او يلحق بهم في زهدهم و احب ان اذكر هنا شيئا من زهدهم و رياضتهم ليكون مشوقا لشيعتهم حاثا لهم علي الزهد و الرياضة فان من سجية الانسان ان يسهل عليه الامر اذا رأي انسانا آخر يعمل عملا لاسيما اذا رأي عدم تضرره به بل انتفاعه به و لكن اذكر [ص 111] القصص مع حذف الاسانيد اختصارا لانها اكثر من ان تحصي فان اردت زهد رسول الله صلي الله عليه و آله فانه مااكل خبز بر قط و كان طعامه الشعير اذا وجده من غير ادم و ماشبع من خبز شعير قط و حلواه التمر و وقوده السعف مع انه كان يجيز الرجل الواحد بالمائة من الابل و عرضت عليه بطحاء مكة ذهبا فقال يا رب اشبع يوما و اجوع يوما فاذا شبعت حمدتك و شكرتك و اذا جعت دعوتك و ذكرتك و جاع يوما جوعا شديدا فاتي الكعبة و تعلق باستارها فقال يا الله لاتجع محمدا اكثر مما اجعته و افطر عشية خميس في مسجد قبا فقال هل من شراب فاتاه اوس بن خولي الانصاري بعس مخيض بعسل فلما وضعه علي فيه نحاه ثم قال شرابان يكتفي باحدهما من صاحبه لااشربه و لااحرمه و لكن اتواضع لله فان من تواضع لله رفعه الله و من تكبر خفضه الله و من اقتصد في معيشته رزقه الله و من بذر حرمه الله و من اكثر ذكر الموت احبه الله و دخل علي ام‌سلمة فقربت اليه كسرة فقال هل عندك ادام فقالت لا يا رسول الله ما عندي الا خل فقال نعم الادام الخل ماافقر بيت فيه خل و خرج يوما قبل الغداة و معه كسرة خبز قد غمسها في اللبن و هو يأكل و يمشي و بلال يقيم الصلوة فصلي بالناس و مااكل متكئا منذ بعثه الله عز و جل الي ان قبضه و كان يأكل اكلة العبد و يجلس جلسة العبد تواضعا لله عز و جل و يأكل بثلث اصابع لا كما يفعله الجبارون باصبع واحد و من طريق المخالفين كان ضجاعه ( ضِجعته . نسخة ) من ادم محشو ليفا و ماشبع آل‌محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلث ليال تباعا حتي قبض و كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا و اهله لايجدون عشاء و كان اكثر خبزهم خبز الشعير و لما حفر هو و اصحابه الخندق اصابهم جهد شديد حتي ربط النبي صلي الله عليه و آله علي بطنه حجرا من الجوع و كان يمر هلال و هلال مايوقد في بيت من بيوت رسول الله نار و كانوا يعيشون علي الاسودين [ص 112] التمر و الماء و قبض و ان درعه لمرهونة عند رجل من يهود علي ثلثين صاعا من شعير و روي بعشرين اخذها رزقا لعياله و مارفع قط غداء لعشاء و لا عشاء لغداء و لااتخذ من شيء زوجين و لا قميصين و لا ردائين و لا ازارين و لا من النعال و لارأي قط فارغا في بيته اما يخصف نعلا لرجل مسكين او يخيط ثوبا لارملة و ان فاطمة جاءت بكسرة خبز الي النبي صلي الله عليه و آله فقال ما هذه الكسرة يا فاطمة قالت قرص خبزته فلم‌تطب نفسي حتي اتيتك بهذه فقال اما انه اول طعام دخل فم ابيك منذ ثلث ليال و من طرقنا انه دخل علي ابنته فاطمة و اذا في عنقها قلادة فاعرض عنها فقطعتها و رمت بها فقال رسول الله صلي الله عليه و آله انت مني يا فاطمة ثم جاء سائل فناولته القلادة و كان صلي الله عليه و آله اذا قدم من سفر بدأ بفاطمة و اطال عندها المكث فخرج مرة في سفره فصنعت مسكتين من ورق و قلادة و قرطين و ستر باب البيت لقدوم ابيها و زوجها فلما قدم رسول الله صلي الله عليه و آله دخل عليها فوقف اصحابه لايدرون يقفون او ينصرفون لطول مكثه عندها فخرج رسول الله صلي الله عليه و آله و قد عرف الغضب في وجهه حتي جلس عند المنبر فظنت فاطمة عليها السلام انه انما فعل ذلك رسول الله صلي الله عليه و آله لما رأي من المسكتين ● و القلادة و القرطين و الستر فنزعت قلادتها و قرطيها و مسكتيها و نزعت الستر فبعثت به الي رسول الله صلي الله عليه و آله و قالت للرسول قل له تقرأ عليك السلام و تقول ابنتك اجعل هذا في سبيل الله فلما آتاه قال فعلت فداؤها ابوها ثلث مرات ليست الدنيا من محمد و لا من آل‌محمد و لو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ماسقي منها كافرا شربة ماء ثم قام فدخل عليها و دخل رجل عليه و هو علي حصير قد اثر في جسمه و وسادة ليف قد اثرت [ص 113] في خده فجعل الرجل يمسح و يقول مارضي بهذا كسري و لا قيصر انهم ينامون علي الحرير و الديباج و انت علي هذا الحصير فقال رسول الله صلي الله عليه و آله لانا خير منهما والله لانا اكرم منهما والله ما انا و الدنيا انما مثل الدنيا كمثل رجل راكب مر علي شجرة و لها فيء فاستظل تحتها فلما ان مال الظل عنها ارتحل فذهب و تركها و كان صلي الله عليه و آله يجلس علي الارض و يأكل علي الارض و يعتقل الشاة و يجيب دعوة المملوك علي خبز الشعير و كان يحلب عنز اهله و كان فراشه عباءة و مرفقته ادم حشوها ليف فثنيت له ذات ليلة فلما اصبح قال لقد منعني الفراش الليلة عن الصلوة فامر ان يجعل بطاق واحد و ان رجلا من الانصار اهدي الي رسول الله صلي الله عليه و آله صاعا من رطب فقال رسول الله صلي الله عليه و آله للخادم التي جاءت به ادخلي فانظري هل تجدين في البيت قصعة او طبقا فاتيني به فدخلت ثم خرجت اليه فقالت مااصبت قصعة و لا طبقا فكنس رسول الله صلي الله عليه و آله مكانا من الارض ثم قال لها ضعيه هيهنا علي الحضيض ثم قال و الذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة مااعطي كافرا و لا منافقا منها شيئا و جاء رجل اليه فشكي اليه الجوع فبعث رسول الله صلي الله عليه و آله الي بيوت ازواجه فقلن ما عندنا الا الماء فقال رسول الله صلي الله عليه و آله من لهذا الرجل الليلة فقال علي بن ابيطالب عليه السلام انا يا رسول الله فاتي فاطمة عليها السلام فقال لها ما عندك يا ابنة رسول الله فقالت ما عندنا الا قوت الصبية لكنا نؤثر ضيفنا فقال علي عليه السلام يا ابنة محمد نومي الصبية و اطفئ المصباح فلما اصبح علي عليه السلام غدا علي رسول الله صلي الله عليه و آله فاخبره الخبر فلم‌يبرح حتي انزل الله عز و جل و يؤثرون علي انفسهم و لو كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون و ماشبع آل‌محمد عليهم السلام ثلثة ايام تباعا حتي لحق بالله عز و جل و مااعجب [ص 114] رسول الله صلي الله عليه و آله شيء من الدنيا الا ان يكون جايعا خايفا و قال خمس لاادعهن حتي الممات الاكل علي الحضيض مع العبيد و ركوب الحمار مؤكفا و حلب العنز بيدي و لبس الصوف و التسليم علي الصبيان ليكون ذلك سنة من بعدي و كان لايثبت عنده دينار و لا درهم فان فضل و لم‌يجد من يعطيه و يجنه الليل لم‌يأو الي منزله حتي يتبرأ منه الي من يحتاج اليه لايأخذ مما آتاه الله الا قوت عامه فقط من يسير ما يجد من التمر و الشعير و يضع ساير ذلك في سبيل الله و لايسأل شيئا الا اعطاه ثم يعود الي قوت عامه فيؤثر منه حتي ربما احتاج قبل انقضاء العام ان لم‌يأته شيء و كان يجلس علي الارض و ينام عليها و ياكل عليها و يخصف النعل و يرقع الثوب و يفتح الباب و يحلب الشاة و يعقل البعير فيحلبها و يطحن مع الخادم اذا اعيا و يضع طهوره بالليل بيده و لايجلس متكأ و يخدم في مهنة اهله و يقطع اللحم و اذا جلس علي الطعام جلس محقرا و كان يلطع اصابعه و لم‌يتجشأ قط و يجيب دعوة الحر و العبد و لو علي ذراع او كراع و يقبل الهدية و لو انها جرعة لبن و كان يعصب الحجر علي بطنه من الجوع يأكل ما حضر و لايرد ما وجد و لايلبس ثوبين و اذا لبس جديدا اعطي خلق ثيابه مسكينا و كان له عباء يفرش له حيث ما ينقل تثني ثنيتين يردف خلفه عبده او غيره يركب ما امكنه من فرس او بغلة او حمار و يركب الحمار بلا سرج و عليه العذار و يمشي راجلا و حافيا بلا رداء و لا عمامة و لا قلنسوة يجالس الفقراء و يؤاكل المساكين و يناولهم بيده لايرتفع علي عبيده و امائه في مأكل و لا ملبس و كان يأكل مع خدمه و اهله اذا اكلوا او مع من يدعوه من المسلمين علي الارض و علي ما اكلوا عليه و مما اكلوا و اما علي عليه السلام فكان يجلس جلسة العبد و يأكل اكلة العبد و يطعم الناس الخبز و اللحم و في رواية خبز البر و اللحم و يرجع الي اهله فيأكل الخل و الزيت و كان يشتري القميص [ص 115] السنبلانيين ثم يخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر فاذا جاز اصابعه قطعه و ان جاز كعبه حذفه و ماورد امران كلاهما لله رضا الا اخذ باشدهما علي بدنه و لقد ولي الناس خمس سنين ماوضع آجرة علي آجرة و لا لبنة و لاقطع قطيعة و لااورث بيضاء و لا حمراء الا سبعمائة درهم فضلت من عطائه اراد ان يبتاع بها لاهله خادما و كان طويل السهاد قليل الرقاد يحب الله بمهجته و يواليه بعبرته لاتغلق له السور و لايدخر عن اصحابه البدور و لايستلين الاتكاء و لايستحسن الجفاء و لو رأيته اذ مثل في محرابه و قد ارخي الليل سدوله و غارت نجومه و هو قابض علي لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين و يقول يا دنيا أبي تعرضت ام الي تشوقت هيهات لا حاجة لي فيك ابنتك ثلثا لا رجعة لي عليك ثم يقول واه واه لبعد السفر و قلة الزاد و خشونة الطريق و اشتري ثلثة اثواب بدينار القميص الي فوق الكعب و الازار الي نصف الساق و الرداء من يديه الي ثدييه و من خلفه الي اليتيه ثم رفع يده الي السماء فلم‌يزل يحمد الله علي ما كساه حتي دخل منزله ثم قال هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين ان يلبسوه و كان اذا لبس القميص مد يده فاذا طلع علي اطراف الاصابع قطعه و لقد اعتق الف مملوك من صلب ماله كل ذلك يحفي فيه يداه و يعرق جبينه التماس وجه الله عز و جل و الخلاص من النار و ماكان قوته الا الخل و الزيت و حلواه التمر اذا وجده و ملبوسه الكرابيس فاذا فضل من ثيابه شيء دعا بالجلم فجزه و كان اشبه الناس طعمه برسول الله كان ياكل الخل و الزيت و يجعل نفقته تحت طنفسته و اتي بخبيص فابي ان ياكله فقالوا أتحرمه قال لا و لكنني اخشي ان تتوق اليه نفسي فاطلبه ثم تلا هذه الآية اذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا و استمتعتم بها و كان لايرضي بنخل دقيق الشعير و يقول ذلك احري ان يذل النفس و يقتدي بي المؤمنون و الحق باصحابي و اتي يوما البزازين فقال [ص 116] لرجل بعني ثوبين فقال الرجل يا اميرالمؤمنين عندي حاجتك فلما عرفه مضي عنه فوقف علي غلام و اخذ ثوبين احدهما بثلثة دراهم و الآخر بدرهمين فقال يا قنبر خذ الذي بثلثة قال فانت اولي به تصعد المنبر و تخطب الناس قال و انت شاب فلك شره الشباب و انا استحيي من ربي ان اتفضل عليك سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول البسوهم مما تلبسون و اطعموهم مما تاكلون فلما لبس القميص مد كم القميص فامر بقطعه و اتخاذه قلانس للفقراء فقال الغلام هلم اكفه قال دعه كما هو فان الامر اسرع من ذلك فجاء ابو الغلام فقال ان ابني لم‌يعرفك و هذان درهمان ربحهما فقال ماكنت لافعل قد ماكست و ماكسني و اتفقنا علي رضا و كان يجعل خبزه في جراب و يختم عليه خوفا من ان يجعل فيه شيء طيب و ربما يفتح جرابه و يخرج الخبز و يفته في قصعة و يصب عليه الماء ثم يذر عليه الملح و يقول لقد خابت هذه و يمد يده الي محاسنه و خسرت هذه ان ادخلها النار من اجل الطعام و هذا يجيزني و قال ادركت رسول الله صلي الله عليه و آله ياكل ايبس من هذا و يلبس اخشن من هذا فان انا لم‌آخذ به خفت ان لا الحق و يقول :

علل النفس بالقنوع و الا طلبت منك فوق ما يكفيها

و كان يحتطب و يستسقي و يكنس و كانت فاطمة تطحن و تعجن و تخبز و كان يشتري تمرا بالكوفة فيحمله علي طرف ردائه فيبادر الناس الي حمله فيقول رب العيال احق بحمله و يقول :

لاينقص الكامل من كماله ما جر من نفع الي عياله

و كان يمشي حافيا و يعلق نعليه بيده اليسري يوم الفطر و النحر و الجمعة و عند العيادة و تشييع الجنازة و يقول انه تواضع لله تعالي و احب ان اكون فيها حافيا و مشي اصحابه معه و هو راكب فالتفت اليهم و قال ألكم حاجة قالوا لا و لكنا نحب ان نمشي معك فقال لهم انصرفوا فان خفق النعال [ص 117] خلف اعقاب الرجال مفسدة قلوب النوكي و نزل له دهاقين الانبار و اشتدوا بين يديه فقال ما هذا الذي صنعتموه قالوا خلق منا نعظم به امراءنا فقال والله ماينتفع بهذا امراؤكم و انكم لتشقون به علي انفسكم و تشقون به في آخرتكم و ما اخسر المشقة وراءها العقاب و ما اربح الراحة معها الامان من النار و ان رجلا و ابنه وردا عليه فقام اليهما و اجلسهما في صدر مجلسه و جلس بين ايديهما ثم امر بطعام فاحضر فاكلا منه ثم اخذ الابريق ليصب علي يد الرجل فتمرغ الرجل في التراب فقال يا اميرالمؤمنين كيف الله يراني و انت تصب علي يدي قال اقعد و اغسل فان الله يراني اخوك الذي لايتميز منك و لاينفصل عنك و يزيد بذلك في خدمه في الجنة عشرة اضعاف عدد اهل الدنيا و علي حسب ذلك في ممالكه فيها فقعد الرجل و غسل يده فلما فرغ ناول الابريق محمد بن الحنفية و قال يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون ابيه لصببت علي يده و لكن الله يابي ان يسوي بين ابن و ابيه اذا جمعهما مكان قد صب الاب علي الاب فليصب الابن علي الابن و لقد رقع عليه السلام مدرعته حتي استحيي من راقعها و كان يقول ان امامكم قد اكتفي من دنياه بطمريه يسد فورة جوعه بقرصيه لايطعم الفلذة في حوله الا في سنة اضحيته و لن‌تقدروا علي ذلك فاعينوني بورع و اجتهاد و نظر الي فقير انخرق كم ثوبه فخرق كم قميصه و القاه اليه و ماكان له الا اهاب كبش يبيت مع فاطمة بالليل عليها و يعلف عليها الناضح بالنهار و ماكان له ليلة اهدي اليه فاطمة الا جلد كبش و كان يقول من يشتري سيفي هذا و لو كان عندي ثمن ازار مابعته و قال ان الله جعلني اماما لخلقه ففرض علي التقدير في نفسي و مطعمي و مشربي و ملبسي كضعفاء الناس كي يقتدي الفقير بفقري و لايطغي الغني غناه و قال عليه السلام والله لدنياكم هذه اهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم و دخل رسول الله صلي الله [ص 118] عليه و آله علي علي فوجده و فاطمة يطحنان الجاورس فقال النبي صلي الله عليه و آله ايكما اعيي فقال علي عليه السلام فاطمة يا رسول الله فقال لها قومي يا بنية فقامت فجلس النبي صلي الله عليه و آله موضعها مع علي فواساه في طحن الحب و اما فاطمة و علي عليه السلام و الحسنان مجتمعين فقصص جوعهم و ايثارهم و لباسهم و فرشهم لاتحصي من الكثرة و لايتحمل قلب استماعها نذكر منها بعض ما يتيسر مختصرا و هي كما اصبح علي بن ابيطالب عليه السلام ذات يوم قال يا فاطمة عندك شيء تغذينيه قالت لا و الذي اكرم ابي بالنبوة و اكرمك بالوصية مااصبح الغداة عندي شيء و ماكان شيء اطعمناه مذ يومين الا شيء كنت اوثرك به علي نفسي و علي ابني هذين الحسن و الحسين فقال علي يا فاطمة ألاكنت اعلمتني فابغيكم شيئا فقالت يا اباالحسن اني لاستحيي من الهي ان اكلف نفسك ما لاتقدر عليه فخرج علي عليه السلام و قصته مع مقداد معروفة و في حديث جابر انه دخل رسول الله صلي الله عليه و آله عليها و اذا وجهها اصفر كأنه بطن جرادة فقال رسول الله صلي الله عليه و آله ما لي اري وجهك اصفر قالت يا رسول الله الجوع فدعا لها النبي صلي الله عليه و آله و في حديث آخر لجابر ان النبي صلي الله عليه و آله اقام اياما لم‌يطعم طعاما حتي شق ذلك عليه و طاف في منازل ازواجه فلم‌يصب عند واحدة منهن شيئا فاتي فاطمة فقال يا بنية هل عندك شيء آكله فاني جايع فقالت لا والله بابي انت و امي و تلك قصة مأثورة و في حديث الاعرابي قال النبي صلي الله عليه و آله من يزود الاعرابي اضمن له علي الله عز و جل زاد التقوي فمضي سلمان حتي طاف تسعة ابيات من بيوت رسول الله صلي الله عليه و آله فلم‌يجد عندهن شيئا فلما ان ولي راجعا نظر الي حجرة فاطمة فقال ان يكن خير فمن منزل فاطمة بنت محمد فقرع الباب فاجابته من وراء الباب من بالباب فقال لها انا سلمان [ص 119] الفارسي فقالت له يا سلمان و ما تشاء فشرح قصة الاعرابي و الضب مع النبي صلي الله عليه و آله قالت له يا سلمان و الذي بعث محمدا بالحق نبيا ان لنا ثلثا ماطعمنا و ان الحسن و الحسين قد اضطربا علي من شدة الجوع ثم رقدا كأنهما فرخان منتوفان و لكن لاارد الخير فاعطته درعها ليرهنها عند شمعون اليهودي بصاع من الشعير و قصته معروفة و تقاضا علي و فاطمة سلام الله عليهما الي رسول الله صلي الله عليه و آله في الخدمة فقضي علي فاطمة بخدمة ما دون الباب و قضي علي علي عليه السلام بما خلفه قالت فاطمة فلايعلم ما داخلني من السرور الا الله باكفائي رسول الله تحمل رقاب الرجال و دخل عليها رسول الله و في عنقها قلادة من ذهب فقال لها رسول الله يا فاطمة لايقول الناس ان فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة فقطعتها و باعتها و اشترت بها رقبة فاعتقتها فسر بذلك رسول الله و انها استسقت بالقربة حتي اثرت في صدرها و طحنت بالرحي حتي مجلت يداها و كسحت البيت حتي اغبرت ثيابها و اوقدت النار تحت القدر حتي دكنت ثيابها فلما شكت الي ابيها علمها تسبيح الزهراء و رآها النبي صلي الله عليه و آله يوما و عليها كساء من اجلة الابل و هي تطحن بيديها و ترضع ولدها فدمعت عيناه فقال يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقالت يا رسول الله الحمد لله علي نعمائه و الشكر لله علي آلائه فانزل الله و لسوف يعطيك ربك فترضي و التفت ذات يوم بشملة لها من صوف خلقة قد خيطت في اثني‌عشر مكانا بسعف النخل و نظر سلمان الفارسي الي الشملة و بكي و قال واحزناه ان قيصر و كسري لفي السندس و الحرير و ابنة محمد عليها شملة صوف خلقة قد خيطت في اثني‌عشر مكانا و لم‌يكن لها و لعلي خمس سنين الا مسك كبش تعلف بالنهار عليها بعيرهم فاذا كان الليل افترشوه و مرفقتهما لمن ادم حشوها ليف و لعلك عرفت ان جهازها يوم عرسها قميص بسبعة دراهم [ص 120] و خمار باربعة دراهم و قطيفة سوداء خيبرية و سرير مزمل و فراشين من خيش مصر حشو احدهما ليف و حشو الآخر من جز الغنم و اربع مرافق من ادم الطايف حشوها اذخر و ستر من صوف و حصير هجري و رحا لليد و مخضب من نحاس و سقاء من ادم و قعب للبن و شن للماء و مطهرة مزفتة و جرة خضراء و كيزان خزف و هذه كانت لعرسها ثم بليت و فنيت و في رواية كان فراش علي و فاطمة عليهما السلام حين دخلت عليه اهاب كبش اذا ارادا ان يناما عليه قلباه فناما علي صوفه و كان صداقها درع حطمية تساوي ثلثين درهما و كان من تجهيز علي عليه السلام داره انتشار رمل لين و نصب خشبة من حائط الي حائط للثياب و بسط اهاب كبش و مخدة ليف و كان اميرالمؤمنين عليه السلام يحتطب و يستسقي و يكنس و كانت فاطمة تطحن و تعجن و تخبز و اما الحسن و الحسين صلوات الله عليهما فكانا يمشيان الي الحج علي اقدامهما و يتنكبان الطريق لئلايشق علي الناس فيمشوا لاجل حرمتهما و حج الحسن (ع) عشرين حجة ماشيا و في رواية خمسة و عشرين و قاسم الله ماله مرتين و روي ثلث مرات حتي تصدق بفرد نعله و اما علي بن الحسين عليهما السلام فمااتي بطعام نهارا قط و لا فرش له فراش بليل قط و رأي ليلة باردة مطيرة و علي ظهره دقيق و حطب و هو يمشي فقيل له يا ابن رسول الله ما هذا قال اريد سفرا اعد له زادا و احمله الي موضع حريز فقال له الذي رآه هذا غلامي يحمله عنك فان قبلت فانا احمله عنك فاني ارفعك عن حمله فقال عليه السلام و لكنني لاارفع نفسي عما ينجيني في سفري و يحسن ورودي علي ما اورده عليه و لما وضع علي السرير ليغسل رأي علي ظهره مثل ركب البعير مما كان يحمل علي ظهره الي منازل الفقراء و المساكين و كان في يوم صومه يأمر بشاة فتذبح و تقطع اعضاء و تطبخ فاذا كان عند المساء اكب علي القدر حتي يجد [ص 121] ريح المرق و هو صائم ثم يقول هاتوا القصاع اغرفوا لآل فلان و اغرفوا لآل فلان ثم يؤتي بخبز و تمر فيكون ذلك عشاؤه و لما مات نظروا فاذا يعول في المدينة اربعمائة بيت من حيث لم‌تقف الناس عليه و وصله يزيد بعد الوقعة بمأتي‌الف مثقال من الذهب الاحمر فمافارق دمشق حتي فرق ذلك علي الفقراء و المساكين و باقيه علي اهل المدينة و كان يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصرر من الدنانير و الدراهم حتي يأتي بابا بابا فيقرعه ثم ينيل من يخرج اليه فلما مات علموا ان عليا عليه السلام كان يفعله و اعطي رجلا قرصين من خبز طعامه فزهد الرجل فيهما و عوضهما بسمكة بايرة و ملح فردهما عليه بايع السمكة و قال يا عبدالله جهدنا ان نأكل نحن او احد من عيالنا هذا القرص فلم‌تعمل فيه اسناننا و مانظنك الا و قد تناهيت في سوء الحال و مرنت علي الشقا قد رددنا اليك هذا الخبز فلما اخذهما و استقر اتاه رسول علي بن الحسين عليهما السلام اردد الينا طعامنا فانه لايأكله غيرنا و قصة اللؤلؤتين معروفة و مافقد صدقة السر حتي مات عليه السلام و كان لايسافر الا مع رفقة لايعرفونه و يشترط عليهم ان يكون من خدم الرفقة و مر عليه السلام علي مجذومين و هو راكب حمار و هم يتغدون فدعوه الي الغداء فقال اما لولا صائم لفعلت فلما صار الي منزله امر بطعام و امر ان يتنوقوا فيه ثم دعاهم فتغدوا عنده و تغدي معهم و اما ابوعبدالله عليه السلام فانه كان اذا اعتم و ذهب من الليل شطره اخذ جرابا فيه خبز و لحم و الدراهم فحمله علي عنقه ثم ذهب به الي اهل الحاجة من اهل المدينة فقسمه فيهم و لايعرفونه فلما مضي ابوعبدالله عليه السلام فقدوا ذلك فعلموا انه كان ابوعبدالله و كان يأكل الخل و الزيت و يقول ان هذا طعامنا طعام الانبياء و كان يعمل في حايط له بالمسحاة و عليه قميص شبه الكرابيس كأنه مخيط عليه من ضيقه و عليه ازار غليظ و العرق [ص 122] يتصاب عن ظهره و كان يكيل التمر بيده و اصاب اهل المدينة غلاء و قحط و كان عند ابي‌عبدالله عليه السلام طعام جيد فقال لبعض مواليه اشتر لنا شعيرا فاخلط بهذا الطعام او بعه فانا نكره ان ناكل جيدا و ياكل الناس رديا و تزيد السعر مرة بالمدينة فباع طعامه و اشتري مع الناس يوما بيوم و رأي و عليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه و فوقه جبة صوف و فوقها قميص غليظ فقيل له ان الناس يكرهون لباس الصوف فقال كلا كان ابي محمد بن علي يلبسها و كان علي بن الحسين يلبسها و كانوا يلبسون اغلظ ثيابهم اذا قاموا الي الصلوة و نحن نفعل ذلك و كان يلبس لباسا غليظا تحت لباسه لنفسه و يجيد الاعلي لاجل الناس و كان يعمل ابوالحسن موسي بن جعفر عليه السلام في الارض حتي يعرق و كان يقول قد عمل باليد من هو خير مني في ارضه و من ابي فقيل و من هو فقال رسول الله صلي الله عليه و آله و آبائي كلهم قد عملوا بايديهم و هو من عمل النبيين و المرسلين و الاوصياء و الصالحين و كان جلوس الرضا عليه السلام في الصيف علي الحصير و في الشتاء علي المسح و لبسه الغليظ من الثياب حتي اذا برز للناس تزين لهم و كان يجمع علي مائدته السودان و غيرهم حتي البواب و السائس و كان قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي لياليه من اولها الي الصبح و كان كثير الصيام و كان اذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير و الكبير فيحدثهم و يأنس بهم و يونسهم و في حديث مرض المتوكل و نذر امه للهادي عليه السلام مالا انه بعث سعيد خادمه فهجم عليه بالليل فوجده عليه السلام و عليه جبة صوف و قلنسوة منها و سجادة علي حصير بين يديه ففتش البيت فلم‌يجد فيه شيئا الا البدرة التي ارسلها ام المتوكل و سيفا في جفن غير ملبس فاخذهما و ذهب بهما الي المتوكل بالجملة زهد الائمة عليهم السلام مشهور معروف بين الخاصة و العامة و زهد [ص 123] كبار اصحابهم اظهر من الشمس و ابين من الامس هذا سلمان فقد روي انه مثل لقمان الحكيم و ادرك العلم الاول و الآخر و هو بحر لاينزح و هو منا اهل البيت فدعا سلمان اباذر رحمة الله عليهما الي منزله فقدم اليه رغيفين فاخذ ابوذر الرغيفين يقلبهما فقال له سلمان يا باذر لأي شيء تقلب هذين الرغيفين قال خفت ان لايكونا نضيجين فغضب سلمان من ذلك غضبا شديدا ثم قال ما اجراك حيث تقلب هذين الرغيفين فوالله لقد عمل في هذا الخبز الماء الذي تحت العرش و عملت فيه الملئكة حتي القوه الي الريح و عملت فيه الريح حتي القته الي السحاب حتي امطره الي الارض و عمل فيه الرعد و الملئكة حتي وضعوه مواضعه و عملت فيه الارض و الخشب و الحديد و البهائم و النار و الحطب و الملح و ما لااحصيه اكثر فكيف لك ان تقوم بهذا الشكر فقال ابوذر الي الله اتوب و استغفر الله مما احدثت و اليك اعتذر مما كرهت و دعا سلمان اباذر رحمة الله عليهما ذات يوم الي ضيافة فقدم اليه من جرابه كسرا يابسة و بلها من ركوته فقال ابوذر ما اطيب هذا الخبز لو كان معه ملح فقام سلمان و خرج فرهن ركوته بملح و حمله اليه فجعل ابوذر يأكل ذلك الخبز و يذر عليه ذلك الملح و يقول الحمد لله الذي رزقنا هذه القناعة فقال سلمان لو كانت قناعة لم‌تكن ركوتي مرهونة و ابوذر زهده آية زهد عيسي عليه السلام فما حال سلمان و كان علي سلمان كساء من صوف فيه طعامه و هو دثاره و رداؤه فدخل عيينة بن حصن علي النبي صلي الله عليه و آله و سلمان عنده فتأذي عيينة بريح كساء سلمان و قد كان معرقا و قد كان يوم شديد الحر فعرق في الكساء فقال يا رسول الله اذا نحن دخلنا عليك فاخرج هذا و اصرفه من عندك فاذا نحن خرجنا فادخل من شئت فانزل الله و لاتطع من اغفلنا قلبه الآية ، و دخل سعد علي سلمان رحمة الله عليه يعوده فجعل يبكي و يقول لاابكي [ص 124] جزعا من الموت او حزنا علي الدنيا و لكن رسول الله صلي الله عليه و آله عهد الينا ليكن بلغة احدكم مثل زاد الراكب و هذه الاساور حولي و ما حوله الا مطهرة و اجانة و جفنة و تزوج سلمان رحمة الله عليه امرأة من كندة فدخل عليها فاذا لها خادمة و علي بابها عباءة فقال سلمان ان في بيتكم لمريضا او قد تحولت الكعبة فيه فقيل ان المرأة ارادت ان تستر علي نفسها فيه قال فما هذه الجارية قالوا كان لها شيء فارادت ان تخدم قال اني سمعت رسول الله يقول ايما رجل كانت عنده جارية فلم‌يأتها او لم‌يزوجها من يأتيها ثم فجرت كان عليه وزر مثلها و ذهب ابووائل و صاحب له الي سلمان فجلسا عنده فقال لولا ان رسول الله صلي الله عليه و آله نهي عن التكليف لتكلفت لكم ثم جاء بخبز و ملح ساذج لا ابزار عليه فقال صاحبي لو كان لنا في ملحنا هذا سعتر فبعث سلمان بمطهرته فرهنها علي سعتر فلما اكلوا قال صاحبه الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا فقال سلمان لو قنعت بما رزقك لم‌تكن مطهرتي مرهونة و قيل لابي‌ذر رحمه الله عند الموت ما مالك قال عملي قالوا انما نسألك عن الذهب و الفضة قال مااصبح و لاامسي و ماامسي و لااصبح لنا كندوج فيه حر متاعنا سمعت خليلي رسول الله صلي الله عليه و آله يقول كندوج المرأ قبره و قال رحمه الله جزي الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير اتغدي باحدهما و اتعشي بالآخر و بعد شملتي الصوف اتزر باحديهما و ارتدي بالاخري و قال رسول الله صلي الله عليه و آله من اراد ان ينظر الي زهد عيسي بن مريم فلينظر الي ابي‌ذر و كان عليه جبة واحدة الي ان نفي الي ربذة و بكي من خشية الله عز و جل حتي اشتكي بصره فقيل له يا اباذر لو دعوت الله ان يشفي بصرك فقال اني عنه لمشغول و ما هو اكبر همي قالوا و ما يشغلك عنه قال العظيمتان الجنة و النار و روي في حديث ان عيال علي عليه السلام لم‌يكن عندهم شيء يومين فخرج و استقرض [ص 125] دينارا فعرض له مقداد بن الاسود في يوم شديد الحر قد لوحته الشمس من فوقه و آذته من تحته فلما رأي علي عليه السلام ذلك انكر شأنه فقال يا مقداد ما ازعجك هذه الساعة من رحلك فقال يا اباالحسن خل سبيلي و لاتسألني عما ورائي قال يا اخي لايسعني ان تجاوزني حتي اعلم علمك فقال يا اباالحسن رغبت الي الله عز و جل و اليك ان تخلي سبيلي و لاتكشفني عن حالي قال يا اخي لايسعك ان تكتمني حالك فقال يا اباالحسن اما اذا ابيت فو الذي اكرم محمدا بالنبوة و اكرمك بالوصية ماازعجني من رحلي الا الجهد و قد تركت عيالي جياعا فلما سمعت بكاهم لم‌تحملني الارض فخرجت مهموما راكبا رأسي هذه حالي و قصتي فهملت عينا علي بالبكاء حتي بلت دموعه لحيته فقال احلف بالذي حلفت به ماازعجني الا الذي ازعجك و قد اقترضت دينارا فهاك هو فقد آثرتك علي نفسي فدفع الدينار اليه و رجع حتي دخل المسجد الي آخر الخبر و هو معروف بالجملة هكذا كان احباؤ الله و انبياؤه و حججه و المؤمنون في زهدهم في الدنيا و عدم الولع في تحصيلها و عدم الاعتناء بها و الاخبار في ذلك اكثر من ان تحصي و ازيد من ان تستقصي و من عرف انه مركب من جسد و من روح ايمان و عرف ان الدنيا مدد جسده و الاعمال الصالحة مدد روح ايمانه و شاهده علانية انهما متنافيان كلما ثقل الدنيا خف الاخري و كلما ثقل الاخري خف الدنيا و كلما غلظ الجسد رق الايمان و اذا رق الجسد غلظ الايمان زوي نفسه عن تقوية الجسد و تكثير امداده و اعراضه و شده بحبال التعلقات و اخلاده الي الارض و كلما يزوي عنه الدنيا يستبشر و يفرح بتقوية روح ايمانه و استكمال انسانيته و انما امرونا بالزهد لاجل رفع التعلق عن البدن و الفراغ لتحصيل الايمان و التقرب الي الله و انكشاف الغيوب و انما ينهمك في الدنيا من لم‌يعرف لذة الزهد و لم‌يذق راحة الفقر و حلاوتهما [ص 126] و لم‌يعرف نفعهما و الله المستعان .

فصل - اعلم ان الزهد و ان كان جميعه في كلمتين من القرآن لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم و يتحقق الزهد بان لايحب الانسان الدنيا و لايستر باقبالها و لايحزن بادبارها بوجه من الوجوه و لاينافي الزهد كثرة الاموال و الاولاد و الحشم كما كان ذلك لسليمان بن داود عليه السلام و لذي‌القرنين و ليوسف عليه السلام و للائمة عليهم السلام من بعد علي عليه السلام و مع ذلك كل واحد منهم زاهد علي حسب درجته و كان الائمة عليهم السلام ازهد الخلق و لكن ليس الصبر علي الزهد مع كثرة الاموال و الاولاد و الخدم حد كل احد و لا كل احد يقدر ان يمسك نفسه عن الميل الي الدنيا و لايغتر بزخارفها و ان لم‌يكن ذلك فلم‌يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه يتوجه بواحد الي الدنيا و بواحد الي الآخرة و لايخفي احتياج ضبط الدنيا الي التوجه التام و تعب الليل و النهار و سفر البر و البحر و معاشرة الناس و مزاولة الوسواس و ان لم‌يكن ذلك فلايخلو من ضرر قوله تعالي اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا و استمتعتم بها فينبغي للمؤمن ان يجتنب من تكثير الاموال و الاولاد و العيال و ان جمع له شيء من ذلك فليؤد شكره و ليضعه حيث امره الله و يقنع بالكفاف و يحفظ روح ايمانه و ان راض نفسه و قتر عليها في المأكل و المشرب و الملبس فبخ بخ فهو احلي و احسن و لكن العيال لايطيقون ذلك و لايقبلونه فان كان و لا بد فليدبر معيشتهم بادني ما يرضون به و ليريض نفسه ما امكنه و ليسع في عدم تعلق قلبه بشيء من حطام الدنيا و يكون وجودها و عدمها عنده سواء و اعلم ان كل هذه النصايح و المواعظ لرياضة النفس الحيوانية و اما الناطقة القدسية فاذا جاءت فجميع المكارم سجيتها و طباعها فلو ملك الشرق و الغرب هو زاهد في الدنيا غير [ص 127] راغب اليها و يتنزه عنها و لكن الخطب كل الخطب في تعديل الحيوانية و رفع جمحها و شماستها و رياضتها و كيف كان فان احرز حر ماله و جياد متاعه في مكان حريز ليوم حاجته فاحسن و احسن و مرادي التصدق بكل ما يزيد عن كفافه و ما يعجبه اياه متابعة لقوله تعالي لن‌تنالوا البر حتي تنفقوا مما تحبون فذلك ارغم لانف الشيطان و النفس و اعون علي الزهد في الباقي الفاني و لما بلغ الكلام الي هنا فلا علينا ان نذكر فصلين في الانفاق و الجود لعلك تجود بما تجد وثوقا بما جعل الله فيه من الفضل و تحصيلا لدرجات جعلها الله جزاء للجود و السخاء و الانفاق في سبيل الله عز و جل .

فصل - في معني الجود و السخاء و الكرم اعلم ان الله جل جلاله خلق الانسان في قدس ملكوته ثم انزله الي هذا العالم ليتجر فيه و يكتسب ما ينفعه اذا رجع الي الملكوت و ذلك ان سعادته و شقاوته بما يكتسب من هذه الدنيا فمن نزل الي الدنيا و اكتسب فيها مما ينفع روح ايمانه من طاعة الله و طاعة رسله و حججه الذين هم علي صفة محبة الله جل جلاله و مظاهر اسمائه و صفاته سعد و رجع الي ملكوته قرير العين و نجا و فاز بجوار اولئك الرسل و الحجج و اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا و من نزل الي الدنيا و استحلاها و اتخذها دار قرار و لم‌يكتسب ما ينفع روح ايمانه و ادام في تعمير ممره و ترك تعمير مقره فاولئك الذين خسروا انفسهم فلاتعجبك اموالهم و لا اولادهم انما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا و تزهق انفسهم و هم كافرون فالدنيا لم‌تخلق مقصودة بالذات و انما خلقت للتزود للآخرة و التروي لها و ينبغي ان يحصل الانسان منها بلغته و فيها زاده و الزاد للآخرة الاعمال الصالحة و الاخلاق الزكية و البلغة منها ما تعيش الي منتهي اجلك فما توجهت الي الدنيا لتحصيل البلغة [ص 128] فانت معاف اذ ما لم‌تعش لم‌تتزود و كلما توجهت اليها لما وراء اجلك فانت عامل غيرك و تارك تزودك لاجل غيرك و ما اشد حمقك ان تترك تزودك لآخرتك و تسعي ليلك و نهارك لتعمير دنيا غيرك نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين و اما البلغة فهو ما يسد جوعتك و يستر عورتك و يكن جثتك و ما وراء ذلك فهو فضل و اني وجدت جميع تعب الناس من اجل تحصيل الفضول و الا فيواري عورتك طمراك و يسد جوعتك قرصاك و كلما تصرف من عمرك في تحصيل الفضول تنقص من تزودك لدار الخلود قطعا و تتحمل المشاق لغيرك فاما يسعد به و لك الحسرة و اما يشقي به و لك الاسف و اما الاصول فانت معذور و انت لم‌تخلق لتعمير الدنيا و نيل شهواتها و الانهماك فيها كما قال الله جل جلاله و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و قال تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الارض و لا فسادا و العاقبة للمتقين ، فالذي ينبغي للمؤمن ان يقنع بتحصيل الاصول و هو حينئذ اشد الناس راحة و لايبالي من اكل فضول الدنيا و يتركها فهو حينئذ اغني الناس و اعزهم و ان اجتمع له الدنيا فليأخذ منها مقدار بلغته و ليبذل الباقي علي المستحقين و هو حينئذ اجود الناس و ازهدهم و من لم‌يبذل ماله في سبيل محبوبه فهو ببذل نفسه اشح و عن درجة الاحباء ساقط قال علي بن الحسين عليه السلام لينفق الرجل بالقسط و بلغة الكفاف و يقدم منه الفضل لآخرته فان ذلك ابقي للنعمة و اقرب الي المزيد من الله و انفع في العاقبة و من علامة الجود ترك طلب الحرام و الرضا بان يكون مال الناس لهم فمن لم‌يرض بان يكون مال الناس في ايديهم و هو في ايديهم فهو بمنعها عن الناس اشد و اولي اذا وقع في يديه فاول درجات الجود ان تسخو نفسك عن الحرام و تريد ان [ص 129] يكون مال الناس لهم فتتورع عن الحرام ثم تبذل ما في يديك من الحلال كما قال ابوعبدالله عليه السلام السخاء ان تسخو نفس العبد عن الحرام ان تطلبه فاذا ظفر بالحلال طابت نفسه ان ينفقه في طاعة الله عز و جل و رأيت كلاما لاميرالمؤمنين عليه السلام ينبغي ان يكتب بالنور علي صفحات الصدور و هو قوله اعط من شئت تكن اميره و سل من شئت تكن اسيره و استغن عمن شئت تكن نظيره و قال من جاد ساد بالجملة و لما كان المال مال الله و انت عبد الله يجب ان تضعه حيث امر الله و ان خالفت عصيت و ان بذلت في غير محله فخَسَرْتَ الدنيا و الآخرة و تصرفت في مال الله بغير اذنه و ليس هذا عند اهل البصيرة جودا بل هو اسراف و تبذير و الجود ان ترد مال الله اليه و لاتمسكه عنه و ايدي اخذ الله من امر الله باعطاء المال لهم و السنة مطالبة الله رسله و حججه و في الحقيقة لا جود للعبد غير ذلك فان الجود الحقيقي ان يجود الانسان بماله و العبد لا مال له و انما المال مال المولي فاذا رد مال المولي اليه فقد احسن و ليس متلف مال المولي باحسن من ممسك مال المولي عنه اذ في الحالين لم‌يرد المال اليه فسواء اذا طالبتك مالي الذي في يدك ان تمنعنيه او ترميه في البحر فان الاسراف احد المنعين عن رب المال و هذا الذي قد اشتبه علي كثير من الناس فالمسرف بخيل اذ بخل بمال الغير و لم‌يرده اليه كما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الشحيح من منع حق الله و انفق في غير حق الله و قال ان البخيل من كسب مالا من غير حله و انفقه في غير حقه و الجواد من رد مال الغير اليه اذا طالبه فالواجب علي المؤمن ان يري المال مال الله و يضعه حيث امره الله فان العبد و ما يملك لمولاه و اعلم ان وضع المال حيث امر رب المال دليل الطاعة لرب المال و محبته و العبودية و الشح عليه دليل حب المال و الاعراض عن ربه و العصيان و ايداع الله [ص 130] عباده الاغنياء ماله ثم طلبه منهم امتحان منه و فتنة كما روي عن جميل بن دراج عن ابي‌عبدالله عليه السلام مابلي الله عز و جل العباد بشيء اشد عليهم من اخراج الدرهم فمن تخلص من هذا الامتحان و لم‌يزو عن رب الوديعة وديعته فهو العبد الموحد المخلص و من انكب عليها و منعها ربها فهو المشرك بربها شرك طاعة سواء امسكها او اتلفها و من وطن نفسه علي ما ذكرنا و اقتصد علي ما شرحنا فهو العبد الجواد الممتحن المخلص الموحد و يجب ان يكون المؤمن في غير المحل ابخل الناس و احفظهم علي المال فلايبذل منه درهما لانه مال الغير لا ماله و في المحل اجود الناس بحيث لايخطر بباله تعلق به و يرده بلا تكلف هذا و الانسان في حال وضع المال حيث امر رب المال يد الله الباسطة بالجود و خليفته في الانفاق علي عياله و تربيتهم و في حال امساكه عن غير المحل امين الله علي ماله و حافظه لقنية عياله و هو خطب جسيم و مقام عظيم و لاتزعمن ايها العبد الفقير الذي لايقدر علي شيء انك مختار و تملك جسدك ألاتري انك لاتقدر علي قطع يدك و قلع عينك او تملك ولدك و اهلك فانك لاتقدر ان تقتلهم و تجرحهم و تؤذيهم او تملك مالك فانك ليس لك المنع عما امرت بالانفاق عليهم و الانفاق علي من نهيت عن الانفاق عليه او نبذه في اليم او انفاقه علي نفسك بغير ما امرت به فاني لك الملك و انت مملوك و اني لك التصرف علي ما شئت و انت مأمور و منهي بالجملة ان الجود من اشرف الخصايل و الجواد حبيب الله و حبيب رسوله و حججه و حبيب ملئكته و حبيب اهل الارض كلهم و لايبغض الجواد احد الا الشحيح بل و لعله يحبه نظرا الي ان يعطيه شيئا فيضمه اليه و يبخل به و هو كرامة للنفس لاتخفي و دليل استعلاء للنفس عن الركون الي متاع الدنيا و انقطاع النفس الي الله اذا كان جوده لله و في محله و دليل حبه لله و لرسوله اذا اعرض عن [ص 131] محبوب اهل الدنيا لهما و لعمري هو خلق ينبغي ان يريض الانسان نفسه حتي يصير سجية له و حسبك انه من اشهر خصال الانبياء و الاولياء و يمدحه كل احد و يذم البخل كل احد حتي ان البخيل اذا قيل له انك جواد يفرح و اذا قيل انك بخيل يسوؤه ذلك فاذ قد عرفت ما ذكرنا فلنذكر شواهده من الاخبار لتعلم انها من ينبوع علم الائمة الاطهار .

فصل - في نبذة من الاخبار الواردة في فضل الجود و شرحه ففي الوسائل عن مسعدة بن صدقة قال قال ابوعبدالله عليه السلام لبعض جلسائه ألااخبرك بشيء يقرب من الله و يقرب من الجنة و يباعد من النار فقال بلي فقال عليك بالسخاء فان الله خلق خلقا برحمته لرحمته فجعلهم للمعروف اهلا و للخير موضعا و للناس وجها يسعي اليهم لكي يحيوهم كما يحيي المطر الارض المجدبة اولئك هم المؤمنون الآمنون يوم القيمة و عن ابي‌جعفر المدايني عن ابي‌عبدالله عليه السلام شاب سخي مرهق في الذنوب احب الي الله من شيخ عابد بخيل و عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال لابنه الحسن ما السماحة قال البذل في العسر و اليسر و عن الحسن بن علي الوشا قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس و قال السخاء شجرة في الجنة من تعلق بغصن من اغصانها دخل الجنة و عن مهدي عن ابي‌الحسن موسي عليه السلام قال السخي الحسن الخلق في كنف الله لايتخلي الله منه حتي يدخله الله الجنة و مابعث الله نبيا و لا وصيا الا سخيا و ماكان احد من الصالحين الا سخيا و مازال ابي يوصيني بالسخا حتي مضي و قال من اخرج من ماله الزكوة تامة فوضعها في موضعها لم‌يسأل من اين اكتسبت مالك و عن النبي صلي الله عليه و آله السخي محبب في السموات محبب في الارض خلق من طينة عذبة و خلق ماء عينيه من الكوثر و البخيل مبغض في [ص 132] السموات مبغض في الارضين خلق من طينة سبخة و خلق ماء عينيه من ماء العوسج و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله تعالي كذلك يريهم الله اعمالهم حسرات عليهم قال هو الرجل يدع ماله و لاينفقه في طاعة الله بخلا ثم يموت فيدعه لمن يعمل فيه بطاعة الله او في معصية الله فان هو عمل فيه بطاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة و قد كان المال له فان كان عمل به في معصية الله قواه بذلك المال حتي عمل به في معصية الله عز و جل و عن ابي‌الحسن عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من ايقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة و قال صلي الله عليه و آله الايدي ثلثة سائلة و منفقة و ممسكة فخير الايدي منفقة و عن حسين بن ايمن عن ابي‌جعفر عليه السلام قال يا حسين انفق و ايقن بالخلف من الله فانه لم‌يبخل عبد و لا امة بشيء فيما يرضي الله الا انفق اضعافه فيما يسخط الله و دخل علي ابي‌الحسن الرضا عليه السلام مولي له فقال هل انفقت اليوم شيئا قال لا والله قال فمن اين يخلف الله علينا انفق و لو درهما واحدا و عن معوية بن وهب عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال من يضمن لي اربعة باربعة ابيات في الجنة انفق و لاتخف فقرا و انصف الناس من نفسك و افش السلام في العالم و اترك المراء و ان كنت محقا و عن ابي‌الحسن الاول عليه السلام في حديث الجواد الذي يؤدي ما افترض الله عليه و البخيل من بخل بما افترض الله عليه و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن حد السخا فقال تخرج من مالك الحق الذي اوجب الله عليك فتضعه في موضعه و قال السخاء ان تسخو نفس العبد عن الحرام ان تطلبه فاذا ظفر بالحلال طابت نفسه ان ينفقه في طاعة الله عز و جل و عن الصادق عليه السلام السخاء من اخلاق الانبياء و هو عماد الايمان و لايكون مؤمن الا سخيا و لايكون سخي الا ذو يقين و همة عالية لان السخاء شعاع نور اليقين من عرف ما قصد هان عليه ما بذل و قال النبي صلي الله عليه و آله [ص 133] ماجبل ولي الله الا علي السخاء و السخاء ما يقع علي كل محبوب اقله الدنيا و من علامة السخاء ان لايبالي من اكل الدنيا و من ملكها مؤمن او عاص كافر او مطيع شريف او وضيع فيطعم غيره و يجوع و يكسو غيره و يعري و يعطي غيره و يمتنع من قبول عطاء غيره و لايمتن بذلك و لايمن و لو ملك الدنيا باجمعها و لم‌ير نفسه الا اجنبيا و لو بذلها في ذات الله تعالي في ساعة واحدة مامل قال رسول الله صلي الله عليه و آله السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار و البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار و لايسمي سخيا الا باذل في طاعة الله و لوجهه و لو كان برغيف او شربة ماء قال النبي صلي الله عليه و آله السخي بما يملك و اراد به وجه الله و اما المتسخي في معصية الله فحمال سخط الله و غضبه و هو ابخل الناس لنفسه فكيف غيره حيث اتبع هواه و خالف امر الله قال الله عز و جل و ليحملن اثقالهم و اثقالا مع اثقالهم و قال النبي صلي الله عليه و آله يقول الله تعالي ابن آدم ملكي ملكي و مالي مالي يا مسكين اين كنت اين كنت حيث كان الملك و لم‌تكن و هل لك الا ما اكلت فافنيت او لبست فابليت او تصدقت فابقيت اما مرحوم به او معاقب عليه فاعقل ان لايكون مال غيرك احب اليك من مالك فقد قال اميرالمؤمنين علي عليه السلام ما قدمت فهو للمالكين و ما اخرت فهو للوارثين و ما معك ليس لك عليه سبيل سوي الغرور به كم تسعي في طلب الدنيا و كم ترعي أفتريد ان تفقر نفسك و تغني غيرك ، و الاخبار في ذلك لاتحصي و كفي بنفس هذا الخلق الشريف دليلا علي حسنه و لايحتاج الي دليل آخر و ما ورد من جود الانبياء و الاولياء اكثر من ان تحصي و هي في محالها مذكورة .

فصل - و لما ذكرنا شيئا من السخا فلنذكر ايضا شيئا من البخل و الشح اعلم ان البخل و الشح من ارذل الخصائل فانه ينبئ بشدة تعلق المرء بالدنيا [ص 134] و حطامها حتي رجح جمادات علي ربه و علي دينه و علي نفسه فيهلك نفسه لاجل احجار جمعها فلايضعها حيث امرها الله فيهلك نفسه في الدنيا و الآخرة و يحفظ الاحجار و يحب الجمادات و يخالف رب البريات و البخيل يعيش دائما فيما يفر منه فانه يخاف الفقر و ابدا هو فقير لايأكل و لاينفق و يبغض نفسه عند عشيرته و احبابه و يقطعهم عن صلته و يقطع عنهم يدا واحدا و يقطعون عنه ايد كثيرة و لا خليل لبخيل قط يمقته الاحباب لامساك يده عنهم و يمقته الاهل لعدم انفاقه عليهم يتمنون موته عن قريب ليتوسع عليهم الدنيا بعده و يمقته الله و رسوله و حججه لعدم ادائه حقوقهم الواجبة يعيش عيش الفقراء و يحاسب حساب الاغنياء ذليل عند الاعداء خسيس عند الاولياء يتحمل كل ذلة خوفا علي ماله و يصبر علي كل نكبة و اعلم ان الشح شيطان امار بالسوء يأمر صاحبه بسوء الظن بالله و بمعصية الله و بمعصية رسوله و اوليائه و بالكذب و الظلم و عقوق الوالدين و قطيعة الرحم و منع الزكوة و منع الخمس و منع اداء الحقوق و منع الانفاق في سبيل الله و تضييع العيال و الذلة بين الناس و مقت السائلين و الاستخفاف بالفقراء و المساكين و مقت الله و رسله الداعين الي الانفاق و الفقر العاجل و مقت جميع الناس و الحرص علي الدنيا و حبها الذي هو راس كل خطيئة و السهر الدائم و التعب ما دام الحيوة و امثال ذلك و لايزال في هم حراسة المال و يشقي نفسه بالليل و النهار ليسعد ماله بالجملة هو خلق رذيل و كفي بما ذكره الحجج عليهم السلام في ذمه ففي الوسائل عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه سمع رجلا يقول ان الشحيح اعذر من الظالم فقال كذبت ان الظالم قد يتوب و يستغفر و يرد الظلامة علي اهلها و الشحيح اذا شح منع الزكوة و الصدقة و صلة الرحم و قري الضيف و النفقة في سبيل الله و ابواب البر و حرام علي الجنة ان يدخلها شحيح و عن جابر عن [ص 135] ابي‌جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ليس البخيل من ادي الزكوة المفروضة من ماله و اعطي النائبة في قومه انما البخيل حق البخيل من لم‌يؤد الزكوة المفروضة من ماله و لم‌يعط النائبة في قومه و هو يبذر فيما سوي ذلك و عن النبي صلي الله عليه و آله مامحق الاسلام محق الشح شيء ثم قال ان لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل و شعبا كشعب الشرك و سأل علي عليه السلام الحسن عليه السلام قال ما الشح قال ان تري ما في يديك شرفا و ما انفقت تلفا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في حديث الشحيح اشد من البخيل ان البخيل يبخل بما في يديه و ان الشحيح يشح بما في ايدي الناس و علي ما في يديه حتي لايري بايدي الناس شيئا الا تمني ان يكون له بالحل و الحرام و لايشبع و لايقنع بما رزقه الله تعالي و عن الصادق عليه السلام ان لله بقاعا تسمي المنتقمة فاذا اعطي الله عبدا مالا لم‌يخرج حق الله منه سلط الله عليه بقعة من تلك البقاع فاتلف ذلك المال فيها ثم مات و تركها و عن النبي صلي الله عليه و آله خصلتان لاتجتمعان في مسلم البخل و سوء الخلق و عنه صلي الله عليه و آله لايجتمع الشح و الايمان في قلب عبد ابدا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لايؤمن رجل فيه الشح و الحسد و الجبن و لايكون المؤمن جبانا و لا حريصا و لا شحيحا و عن النبي صلي الله عليه و آله اياكم و الشح فانما هلك من كان قبلكم بالشح امرهم بالكذب فكذبوا و امرهم بالظلم فظلموا و امرهم بالقطيعة فقطعوا و قال ابوعبدالله عليه السلام ما من رجل يمنع درهما في حقه الا انفق اثنين في غير حقه و ما من رجل يمنع حقا من ماله الا طوقه الله به حية من نار يوم القيمة اقول هو قوله تعالي لايحسبن الذين يبخلون بما آتيهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة ، و سمع الرضا عليه السلام يقول ان صاحب النعمة علي خطر انه يجب عليه حقوق الله فيها والله انه لتكون علي النعم من الله عز و جل [ص 136] فماازال منها علي وجل و حرك يده حتي اخرج من الحقوق التي تجب لله علي فيها .