فصل - و مما يجري هذا المجري بلاء الفقر بل لعله اشدها فلا علينا ان نذكر هنا شطرا في فضل الفقر و سر ابتلاء الله به عباده المؤمنين تسلية لقلوب اخواننا الفقراء و تصبيرا لهم علي محنته اعلم ان الله سبحانه لم‌يجعل هذه الدنيا دار ثواب و لا عقاب و انما جعلها دار عمل و جعل الثواب و العقاب اللذان هما ثمرتا الاعمال في الآخرة التي هي ثمرة شجرة الدنيا و انما انزل الله العبيد الي هذه الدنيا للعمل و الاكتساب و جعل في تقديره ان يكون المؤمنون منهم في هذه الدنيا محتاجين الي غيرهم ليكون احتياجهم معينا لهم علي عبوديتهم و خشوعهم و خضوعهم لربهم و استشعارهم الفقر و الفاقة الي مغن لهم و علي دعائهم و تبصبصهم و تضرعهم و سؤالهم ربهم و يكونوا بذلك دائمي التوجه الي ربهم و يكونوا فارغين عن كد الغني و مشقته لطاعة ربهم و خلق فيها اسباب غناء و طغيان و نسيان للرب و ترك للتضرع و التبصبص و الخضوع و الخشوع لعباده الكافرين حتي يستدرجهم و يملي لهم ليزدادوا اثما و ليشتغلوا بها عن الله و التوجه اليه و الدعاء له و قال ان الانسان ليطغي ان رآه استغني فقال للمؤمنين و لاتمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه و رزق ربك يعني الاخروي و رزق الايمان خير و ابقي ثم لما اختلط هؤلاء بهؤلاء و هؤلاء بهؤلاء اختلط الغني بالفقير فوجد [ص 86] في المؤمنين غني و فقير و في الكافرين غني و فقير و الا ففي الاصل الفقر شعار الصالحين و صفة النبيين و شيمة الوصيين و الغناء صفة الكافرين فلاجل ذلك قالوا صلوات الله عليهم الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر فهل تري في السجن سعة و غني لمسجون هذا و في الفقر راحة عن كد الدنيا و محنها في طلبها و فراغ له الي العبادة و تحصيل العلم و العمل و في الغناء والله اشتغال بضبط الاموال و مشارة الرجال و كثرة المقال و الاسفار مع تبلبل البال و اين فراغ الفقير الذي لايبالي بشيء من المال و لايبالي اي قرصيه اكل او اي طمريه لبس و في اي جحر نام يصبح طاويا و يمسي شبعانا لايبالي بشيء من امر الدنيا و اهلها هاه هاه والله لو يعلم المؤمن ما له في الفقر لتمني من الله ان لايرزقه ازيد من قوت يومه و ستر بدنه و لاجل ذلك امر الله الانبياء اممهم بالزهد في الدنيا و بذل الفاضل و ترك الكد في الطلب و القناعة بل و الرياضة و ترك ملاذ الدنيا حتي يتفرغوا لما خلقوا لاجله و لو بني الانسان علي الطلب و جمع المال و اصلاحه لمايزيد وقته علي خدمة نفسه فمتي يخدم ربه هذا مع ما فيه من التولي عن الله و الانكباب علي الدنيا و الاعراض عن اولياء الله و التوجه الي حطام الدنيا و حصول الطغيان و اي عبرة اعظم لسوء الغنا و المال من سوء حال الاغنياء و كثرة معاصيهم و غفلتهم و طغيانهم و عدم تفرغهم لعبادة ربهم و تحصيل دينهم فمن طلبه مع ما يري منهم فهو من قلة عقله و ضعف ايمانه فالمؤمن العاقل يرجح الفقر علي الغناء و البلاء علي الرخاء و يسأل الله الصبر عليهما و اعلم ان الفقر مع الصبر غناء لا عديل له و البلاء مع الصبر رخاء لا نظير له فان كنت سائلا و ظننت استجابة الدعاء فاسأل الله ان يرزقك الصبر تحز به خير الدنيا و الآخرة و اعلم ان الفقر فقران فقر الي الله سبحانه بان تجد نفسك عادمة كل شيء و ربك واجد كل شيء و تري في نفسك حاجة اليه عز و جل لا غير في كل شيء [ص 87] و ان كان لك كل شيء و تكون واجد كل شيء بحسب الظاهر و هذا هو الفقر المحمود و هو فخر للمؤمن و كمال و غناء عن العالمين و فقر الي الدنيا و هو ان تجد نفسك عادم بعض متاع الدنيا و غيرك واجده فتتذلل له و تتملق لطلبه و تتوق نفسك الي ما في يديه فيشغلك ذلك عن الله سبحانه و يتعلق قلبك ابدا به و بما في يديه فهذا هو سواد الوجه في الدارين و الي هذا الفقر اشار فيما روي انه اوحي الله تعالي الي ابرهيم فقال يا ابرهيم خلقتك و ابتليتك بنار نمرود فلو ابتليتك بالفقر و رفعت عن عينيك الصبر فما تصنع قال ابرهيم يا رب الفقر الي اشد من نار نمرود قال الله تعالي و عزتي و جلالي ماخلقت في السماء و الارض اشد من الفقر و قال صلي الله عليه و آله كاد الفقر ان يكون كفرا و قال صلي الله عليه و آله الفقر الموت الاكبر و لنتبرك بذكر شيء من الاخبار في فضل الفقر و الفقراء تسلية للقلوب و ترغيبا للمؤمنين الي الرضا بالفقر و تفريجا لكربهم و تفريحا عن همهم فلنعنون لذلك فصلا .

فصل - في الكافي بسنده عن ابن ابي‌يعفور عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل اغنيائهم باربعين خريفا ثم ساضرب لك مثل ذلك انما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما علي عاشر فنظر الي احديهما فلم‌ير فيها شيئا فقال اسربوها و نظر في الاخري فاذا هي موقرة فقال احبسوها و عن سعدان قال قال ابوعبدالله عليه السلام المصائب منح الله و الفقر مخزون عند الله و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي ان الله جعل الفقر امانة عند خلقه فمن ستره اعطاه الله مثل اجر الصائم القائم و من افشاه الي من يقدر علي قضاء حاجته فلم‌يفعل فقد قتله اما انه ماقتله بسيف و لا رمح و لكنه قتله بما نكأ من قلبه و عن مفضل قال قال ابوعبدالله عليه السلام كلما ازداد العبد ايمانا ازداد ضيقا في معيشته و عنه [ص 88] عليه السلام لولا الحاح المؤمنين علي الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها الي حال اضيق منها و عنه عليه السلام مااعطي عبد من الدنيا الا اعتبارا و لازوي عنه الا اختبارا و عنه عليه السلام ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل الا القوت شرقوا ان شئتم او غربوا لن‌ترزقوا الا القوت و عن سعدان قال قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل يلتفت يوم القيمة الي فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر اليهم فيقول و عزتي و جلالي ماافقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي و لترون ما اصنع بكم اليوم فمن زود منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده و ادخلوه الجنة قال فيقول رجل منهم يا رب ان اهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء و لبسوا الثياب اللينة و اكلوا الطعام و سكنوا الدور و ركبوا المشهور من الدواب فاعطني مثل ما اعطيتهم فيقول تبارك و تعالي لك و لكل عبد منكم مثل ما اعطيت اهل الدنيا منذ كانت الدنيا الي ان انقضت الدنيا سبعون ضعفا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ماكان من ولد آدم مؤمن الا فقيرا و لا كافر الا غنيا حتي جاء ابرهيم عليه السلام فقال ربنا لاتجعلنا فتنة للذين كفروا فصير الله في هؤلاء اموالا و حاجة و في هؤلاء اموالا و حاجة و عن حفص بن غياث عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال في مناجات موسي عليه السلام يا موسي اذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين و اذا رأيت الغني مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته و عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله طوبي للمساكين بالصبر و هم الذين يرون ملكوت السموات و الارض و عنه صلي الله عليه و آله يا معشر المساكين طيبوا نفسا و اعطوا الله الرضا من قلوبكم يثبكم الله عز و جل علي فقركم فان لم‌تفعلوا فلا ثواب لكم و عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال لي أماتدخل السوق أماتري الفاكهة تباع و الشيء مما تشتهيه فقلت بلي [ص 89] فقال اما ان لك بكل ما تراه فلاتقدر علي شراه حسنة و عن هشام بن الحكم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة قام عنق من الناس حتي ياتوا باب الجنة فيضربوا باب الجنة فيقال لهم من انتم فيقولون نحن الفقراء فيقال لهم أقبل الحساب فيقولون مااعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه فيقول الله عز و جل صدقوا ادخلوا الجنة و عن مبارك غلام شعيب قال سمعت اباالحسن موسي عليه السلام يقول ان الله عز و جل يقول اني لم‌اغن الغني لكرامة به علي و لم‌افقر الفقير لهوان به علي و هو مما ابتليت به الاغنياء بالفقراء و لولا الفقراء لم‌يستوجب الاغنياء الجنة و عن اسحق بن عمار و المفضل بن عمر قالا قال ابوعبدالله عليه السلام مياسير شيعتنا امناؤنا علي محاويجهم فاحفظونا فيهم يحفظكم الله و عن هشام بن سالم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام الفقر ازين للمؤمن من العذار علي خد الفرس و عن سعيد بن المسيب قال سألت علي بن الحسين عليه السلام عن قول الله عز و جل و لولا ان يكون الناس امة واحدة قال عني بذلك امة محمد صلي الله عليه و آله ان يكونوا علي دين واحد كفارا كلهم لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و لو فعل الله ذلك بامة محمد لحزن المؤمنون و غمهم ذلك و لم‌يناكحوهم و لم‌يوارثوهم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال جاء رجل موسر الي رسول الله صلي الله عليه و آله نقي الثوب فجلس الي رسول الله صلي الله عليه و آله فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس الي جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه فقال رسول الله صلي الله عليه و آله أخفت ان يمسك من فقره شيء قال لا قال فخفت ان يصيبه من غناك شيء قال لا قال فخفت ان يوسخ ثيابك قال لا قال فما حملك علي ما صنعت فقال يا رسول الله ان لي قرينا يزين لي كل قبيح و يقبح لي كل حسن و قد جعلت له نصف مالي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 90] للمعسر أتقبل قال لا فقال له الرجل و لم قال اخاف ان يدخلني ما دخلك و في جامع الاخبار سئل رسول الله صلي الله عليه و آله ما جزاء مؤمن فقير يصبر علي فقره قال ان في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر اليها اهل الجنة كما ينظر اهل الارض الي نجوم السماء لايدخلها الا نبي فقير او شهيد فقير او مؤمن فقير و ثانيها يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام و ثالثها اذا قال الغني سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و قال الفقراء مثل ذلك لم‌يلحق الغني الفقير و ان انفق فيها عشرة‌آلاف درهم و كذلك اعمال البر كلها فقالوا رضينا و عنه صلي الله عليه و آله انه قال كلمني ربي فقال يا محمد اذا احببت عبدا اجعل معه ثلثة اشياء اولها اجعل قلبه حزينا و بدنه سقيما و يده خالية من حطام الدنيا و اذا ابغضت عبدا اجعل معه ثلثة اشياء اجعل قلبه مسرورا و بدنه صحيحا و يده مملوة من حطام الدنيا و قال النبي صلي الله عليه و آله من جاع و احتاج فكتمه عن الناس و افشاه الي الله كان حقا علي الله ان يرزقه رزق سنة من الحلال و قال صلي الله عليه و آله اللهم احيني مسكينا و امتني مسكينا و احشرني في زمرة المساكين و قال صلي الله عليه و آله الفقراء ملوك اهل الجنة و الناس كلهم مشتاقون الي الجنة و الجنة مشتاقة الي الفقراء و قال ابوالحسن موسي عليه السلام ان الانبياء و اولاد الانبياء و اتباع الانبياء خصوا بثلث خصال السقم في الابدان و خوف السلطان و الفقر و عن النبي صلي الله عليه و آله اطلعت علي الجنة فوجدت اكثر اهلها الفقراء و المساكين و اذا ليس فيها احد اقل من الاغنياء و النساء و في عدة الداعي عن عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام بحق اقول لكم ان اكناف السماء لخالية من الاغنياء و لدخول جمل في سم الخياط ايسر من دخول غني الجنة ، و كان في ارشاد الديلمي عبارة بليغة في معني الفقر احب ان اذكرها بلفظها الا ما اتركه من بعض الفاظه و نقلناه مع انه [ص 91] ليس من ديدننا النقل الا من امام عادل لانها كان مستنبطا من الاخبار و توافق الآثار قال الشاهد علي فضيلة الفقراء علي الاغنياء قول النبي صلي الله عليه و آله تدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بنصف يوم و مقداره خمسمائة عام و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل اغنيائهم باربعين خريفا ثم ذكر الحديث كما مر من الكافي و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا كان يوم القيمة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من اهل الجنة فقير و غني فيقول الفقير يا رب علي ما احاسب فوعزتك لقد علمت اني ماوليت ولاية فاعدل فيها او اجور و لم‌تملكني مالا فاعطي حقه او امنعه و لقد كان يأتيني رزقي كفافا فيقول الله تعالي صدق عبدي ادخل الجنة و يبقي الغني حتي يسيل منه العرق ما لو شرب منه اربعون بعيرا لاصدرها ثم يدخل الجنة فيقول له الفقير ما اخرك عني فيقول طول الحساب مازال يحاسبني بالشيء بعد شيء و يغفر الله لي ثم يحاسبني بآخر حتي تغمدني الله برحمته فمن انت فيقول له انا الفقير الذي كنت واقفا معك في الحساب فيقول له الغني لقد غيرك النعيم بعدي و هذا من اعظم نعم الله علي الفقير خفة حسابه و دخوله الجنة قبل الغني و من سعادة الفقير و راحته انه لايطالب في الدنيا بخراج و لا في الآخرة بحساب و لايشغل قلبه عن الله تعالي بهموم الغني من حراسة المال و الخوف عليه من السلطان و اللصوص و الجاسة كيف يدبره و كيف ينميه و مقاسات عمارة الاملاك و الكلأ و الاكاري و قسمة الزروع و تعب الاسفار و غرق المراكب و تمني الوارث موته ليرثه و اذا خلا من آفة تذهبه في حال حيوته كان حسرة له عند الموت و طول الحساب في الآخرة و يرثه منه اما من يتزوج بامرأته او امرأة ابنه او زوج ابنته لا بد من احد هؤلاء يرثه و يحصل هو التعب و الهموم و شغله به عن العبادة و تحظي به اعداؤه الذين لايغنون عنه شيئا و لايزال الغني مخاطرا [ص 92] بنفسه و بالمال في البراري و القفار ان كان في بحر غرق هو و المال و ان كان في بر حتي اخذ منه القطاع و قتلوه ثم لايزال علي خطر به و بنفسه و الفقير قد انقطع الي الله و قنع بما يسد فورته و يواري عورته و قال بعض العلماء استراح الفقير من ثلثة اشياء و بلي بها الغني قيل و ما هن قال جور السلطان و حسد الجيران و تملق الاخوان و قال بعضهم اختار الفقير ثلثة اشياء اليقين و فراغ القلب و خفة الحساب و اختار الاغنياء ثلثة اشياء تعب النفس و شغل القلب و شدة الحساب و لا شك ان الفقر حلية الاولياء و شعار الصالحين و فيما اوحي الله الي موسي عليه السلام اذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين و اذا رأيت الغنا مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته ثم انظر في قصص الانبياء و خصايصهم و ما كانوا من ضيق العيش فهذا موسي كليم الله الذي اصطفاه الله بوحيه و كلامه يري خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله و ما طلب حين آوي الي الظل بقوله رب اني لما انزلت الي من خير فقير الا خبزا يأكله لانه كان ياكل بقلة الارض و روي انه عليه السلام قال يوما يا رب اني جائع فقال تعالي انا اعلم بجوعك قال رب اطعمني قال الي ان اريد و فيما اوحي الله الي موسي عليه السلام يا موسي الفقير من ليس له مثلي كفيل و المريض من ليس له مثلي طبيب و الغريب من ليس له مثلي مونس يا موسي ارض بكسرة من شعير تسد بها جوعتك و بخرقة تواري بها عورتك و اصبر علي المصائب و اذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل انا لله و انا اليه راجعون عقوبة عجلت في الدنيا و اذا رأيت الدنيا مدبرة عنك فقل مرحبا بشعار الصالحين يا موسي لاتعجبن بما اوتي فرعون و ما متع به فانما هي زهرة الحيوة الدنيا و اما عيسي بن مريم عليه السلام روح‌الله و كلمته فانه كان يقول خادمي يداي و دابتي رجلاي و فراشي الارض و وسادي الحجر و وقاي في الشتا مشارق الارض و سراجي [ص 93] بالليل القمر و ادامي الجوع و شعاري الخوف و لباسي الصوف و فاكهتي و ريحانتي ما انبتت الارض للوحوش و الانعام ابيت و ليس لي شيء و اصبح و ليس لي شيء و ليس علي وجه الارض احد اغني مني و اما نوح عليه السلام مع كونه شيخ المرسلين و عمر في الدنيا مديدا ففي بعض الروايات انه عاش الفي عام و خمسمائة عام و مضي من الدنيا و لم‌يبن فيها بيتا و كان اذا اصبح يقول لاامسي و اذا امسي يقول لااصبح و كذلك نبينا محمد صلي الله عليه و آله فانه خرج من الدنيا و لم‌يضع لبنة علي لبنة و رأي رجلا من اصحابه يبني بيتا بجص و آجر فقال الامر اعجل من هذا و اما ابرهيم عليه السلام ابو الانبياء فقد كان لباسه الصوف و اكله الشعير و اما يحيي بن زكريا عليهما السلام فكان لباسه الليف و اكله ورق الشجر و اما سليمان عليه السلام فقد كان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر و اذا جنه الليل شد يديه الي عنقه فلايزال قائما حتي يصبح باكيا و كان قوته من سفايف الخوص يعملها بيده و انما سأل الملك لاجل القوة علي ملوك الكفار ليقهرهم بذلك و قيل سأل القناعة و اما سيد البشر محمد صلي الله عليه و آله فقد عرفت ما كان من لباسه و طعامه و روي انه عليه السلام اصابه يوما الجوع فوضع صخرة علي بطنه ثم قال الا رب مكرم لنفسه و هو لها مهين الا رب مهين لنفسه هو لها مكرم الا رب نفس جايعة عارية في الدنيا طاعمة في الآخرة ناعمة يوم القيمة الا رب نفس كاسية ناعمة في الدنيا جايعة عارية في الآخرة الا رب متخوض متنعم فيما افاء الله علي رسوله ما له في الآخرة من خلاق الا ان عمل الجنة حبة بربوة الا ان عمل النار كله سهلة بشهوة الا رب شهوة ساعة اورثت حزنا طويلا يوم القيمة و اما علي سيد الوصيين و تاج العارفين و صنو رسول رب العالمين فحاله في الزهد و التقشف اظهر من ان يحكي قال سويد بن عقلة دخلت علي اميرالمؤمنين عليه السلام بعد ما بويع [ص 94] بالخلافة و هو جالس علي حصير صغير ليس في البيت غيره فقلت يا اميرالمؤمنين بيدك بيت المال و لست اري في بيتك شيئا مما يحتاج اليه البيت فقال عليه السلام يا بن عقلة ان البيت لايتأثث في دار النقلة و لنا دار قد نقلنا اليه خير متاعنا و انا عن قليل اليه صايرون و كان عليه السلام اذا اراد ان يكتسي دخل السوق فيشتري الثوبين فيخير قنبرا في اجودهما و يلبس الآخر ثم يأتي النجار فيمد له احد كميه و يقول خذه بقدومك فيقول هذه تخرج في مصلحة اخري و يبقي الكم الاخري بحالها و يقول هذه ناخذ فيها من السوق للحسن و الحسين عليهما السلام فلينظر العاقل بعين صافية و فكرة سليمة و يتحقق انه لو يكون في الدنيا و الاكثار منها خير لم‌يفت هؤلاء الاكياس الذين هم خلاصة الخلق من خلقه و حجج الله تعالي علي ساير الناس بل تقربوا الي الله بالبعد عنها حتي قال اميرالمؤمنين عليه السلام قد طلقتك ثلثا لا رجعة فيها و قال رسول الله صلي الله عليه و آله مايعبد الله تعالي بشيء مثل الزهد في الدنيا فروي ان الله تعالي يقول للفقراء يوم القيمة لم‌افقركم لهوانكم علي و لكن لما هو خير لكم في بعض كتبه اني لم‌اغن الغني لكرامته علي و لم‌افقر الفقير لهوانه علي و انما ابتليت الاغنياء بالفقراء و لو لم‌يكن الفقراء لم‌تستوجب الاغنياء الجنة ثم ذكر اخبارا في مدح صلة الفقراء و بعض ما اوردنا من الاخبار ثم قال اعلم ان احياء دين الله و اعزاز كلمته و امتثال اوامر الرسل و الشرايع و نصرة الانبياء و انتشار دعوتهم من لدن آدم الي زمان نبينا محمد صلي الله عليه و آله لم‌يقم الا باولي الفقر و المسكنة أولاتسمع الي ما قص الله سبحانه و تعالي في كتابه العظيم علي لسان نبيه الكريم و بين لك ان المتصدي لانكار الشرايع هم الاغنياء المترفون و الاشراف المتكبرون فقال سبحانه مخبرا عن قوم نوح عليه السلام اذا عيروه أنؤمن لك و اتبعك الارذلون و مانريك اتبعك الا الذين هم اراذلنا يعني بذلك [ص 95] الفقراء هنا و قالوا لشعيب انا لنريك فينا ضعيفا اي فقيرا و لولا رهطك لرجمناك و ما انت علينا بعزيز و قال المستكبرون من قوم صالح للذين استضعفوا أتعلمون ان صالحا مرسل من ربه قالوا انا بما ارسل به مؤمنون قال الذين استكبروا انا بالذي آمنتم به كافرون و قال فرعون مزدريا لموسي عليه السلام مفتخرا عليه فلولاالقي عليه اسورة من ذهب و قالوا لمحمد صلي الله عليه و آله لولاالقي عليه كنز او يكون له جنة ياكل منها و كفي بهذا كله مدحا للفقراء الراضين و ذما للاغنياء المتكبرين انتهي كلامه و ذكرناه في تلو الاخبار لما فيه من بعض الآثار و اعلم ان الفقر و العدم بنفسه لا كمال فيه فان الله هو الغني لا الفقير و كمال المؤمن في الاتصاف بصفات الله فلا كمال في الفقر لاحد و انما هو دواء ذعاق مر المذاق يختاره المؤمن لاحد امور و يختاره الله لعبده المؤمن لاحد تلك الامور فاما يجعله الله عقوبة حاضرة في الدنيا لما ارتكب المؤمن في الدنيا من ذنب فيأخذه الله بذهاب ماله فيكون كفارة له فينبغي ان يشكر الله عز و جل عليه بان قدم الله عقوبته في الدنيا ليطهره و ينبغي ان يصبر عليه لما يعلم انه دواؤه المر الذعاق يسقيه الله لمعالجته و تخليص روح ايمانه من شوائب تلك الاكدار و اما ان يبتليه الله بالفقر حفظا عليه ايمانه لما يعلم الله انه لو استغني طغي و اضر بايمانه و ازواء متاع قليل من الدنيا عنه لينال به الدرجات العلي احب الي الله سبحانه فينبغي له ان يصبر عليه لما يعلم ان فيه صلاح حاله كما يحمي الطبيب الانسان من غذاء اذا علم ان فيه ضرره و هلاكه و ينبغي ان يشكر الله علي هذه النعمة العظيمة حيث حفظه من الهلاك بازواء الغني المطغي له و ابداله عنه بنعيم الآخرة المسعد له فيختاره المؤمن خوفا علي نفسه حيث سمع ربه يقول ان الانسان ليطغي ان رآه استغني فيحمي نفسه عنه كما يحمي نفسه عن السم و اما ان يبتليه بالفقر ليتفرغ لعبادة [ص 96] ربه و التوجه اليه و عدم الاشتغال بالطاعة الدنيا عن الطاعة العليا فان درجات الطاعة مختلفة و بعضها اعظم من بعض فطاعة الله بوضع متاع الدنيا مواضعها ليس كالتفرغ لعبادته و الابتهال له بالليل و النهار و لذلك كان الانبياء و الاولياء يختارون لانفسهم الفقر و الخلوة و الانزواء و الاصحار مع انهم لو كانوا اغنياء وضعوا المال مواضعه و لو عاشروا عاشروا علي ما يحب الله و مع ذلك كانوا يختارون الفقر و الخلوة فمن ابتلاه الله بذلك ينبغي له ان يصبر عليه لما يعلم من عظيم فائدته و يشكر عليه لما يعلم ان ذلك من الآلاء الجليلة عليه و اما ان يبتليه به لتهوين الحساب عليه يوم القيمة فان حلالها حساب و حرامها عقاب و لا شك ان ذلك ايضا نعمة عظيمة ينبغي للانسان ان يشكر الله عليه و يصبر علي عدمه و فقره و يعلم ان ذلك موجب لسرعة قطعه مواقف القيمة و وصوله الي الجنة و نجاته من اهوال العرصات و اما ان يبتليه الله به ليتعب في الدنيا فيمقتها و يمقت العيش في الدنيا و يشتاق الي الموت و الراحة من الكد و الجهد و العدم و الحاجة و ضنك العيش و في ذلك ايضا نعمة جليلة ينبغي ان يشكر عليها و يصبر علي مرارته علما بان ذلك خيره و هو احد اسباب تردد الله في قبض روح عبده المؤمن حتي يرضي بالموت و يشتاق الي لقاء الله و الجنة و لربما يختاره الرئيس و الامام لنفسه ليقتدي به الفقراء و المساكين و لايحتقروا في اعين الناس و يسلوا انفسهم بفقر رئيسهم و له في ذلك ثواب عظيم و درجة كبيرة و لربما يختاره المؤمن رياضة لنفسه و قطعا لعلايقها و تصفية لها عن شوائب التعلقات بمتاع الدنيا و تخفيفا لاثقالها المهبطة اياها الي مقامات البعد الي غير ذلك من الوجوه و علي اي حال يجب علي المؤمن الصبر عليه و الشكر لله فان فيه خيرا كثيرا له و اختياره و الرضا به و السرور و لما كان الفقر الاختياري هو الزهد في الدنيا احب ان اعنون فصلا في الزهد و فوائده و فضله .

[ص 97] فصل - اعلم ان الزهد هو ضد الرغبة و الاحسن ان يقال هو الرغبة عن الشيء فمن رغب عن الدنيا فهو الزاهد و من رغب الي الدنيا فهو الطالب المائل المريد و الواجب علي المؤمن ان يكون راغبا الي كل شيء يؤل الي الله و يرغب عن كل شيء يؤل الي غيره فمن فعل ذلك دل علي ان نفسه ربانية رحمانية فان كل شيء يميل الي نده و ينفر عن ضده فمن كان نفسه من انوار الله جل جلاله كما روي ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته فهو مائل ابدا الي التوجه الي الله و راغب اليه و الي جميع ما يؤل اليه و ينفر من كل ما يحجب الرب عنه و يمنعه عن التوجه اليه فالزهد سجية لمن خلق من انوار الله جل جلاله و الرغبة الي ما سوي الله من سجية من خلق من الظلمة و انما امر الناس بالزهد و منعوا من الرغبة الي الدنيا و كذلك كل صفة هو من سجية الايمان و الكفر ليهيئوا قوابلهم بالهيئة الكاملة لتكون سائلة من ربها روح الايمان و روح الانسان ألاتري انه اذا انعقد في الرحم بدن علي هيئة كلب نفخ فيه روح الكلب و اذا انعقد علي هيئة انسان نفخ فيه روح الانسان فكذلك اذا تهيأ الانسان في الدنيا علي هيئة الايمان الكامل باتباع الشارع صلوات الله عليه نفخ فيه روح الايمان و هو قوله تعالي يهديهم ربهم بايمانهم و اذا تهيأ في الدنيا علي هيئة الكفر بمخالفة الشارع صلوات الله عليه نفخ فيه روح الكفر و هو قوله بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و هذا هو سر التكليف و به يظهر تقلب الخلق ما داموا في الدنيا في الايمان و الكفر فلربما يصبح و اسمه في ديوان الاشقياء و يمسي و اسمه في ديوان السعداء و لربما يصبح و اسمه في ديوان السعداء و يمسي و اسمه في ديوان الاشقياء و هو سر الاستثناء في قوله تعالي فاما الذين شقوا ففي النار خالدين فيها ما دامت السموات و الارض الا ما شاء ربك ان ربك فعال لما يريد و اما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت [ص 98] السموات و الارض الا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ و هو سر ما في دعاء ليلة القدر ان كنت من الاشقياء فامحني من الاشقياء و اكتبني من السعداء فانك قلت في كتابك المنزل علي نبيك صلواتك عليه و آله يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و هذا هو سر جميع الدعوات و الصدقات و دعاء الانبياء الي الايمان و امرهم و نهيهم و قد مكن الله جل جلاله خلقه من هذا التهيؤ و جعلهم مختارين بقوته و قدرته حيث خلقهم بقدرته و جعلهم علي صفة مشيته فهم متمكنون من التهيؤ بالهيئات الحسنة و السيئة فمن تهيأ بهيئات الايمان نفخ فيه روح الايمان فان انسلخ عنها سلب عنه روح الايمان و اذا تهيأ بهيئات الكفر نفخ فيه روح الكفر فان انسلخ عنها سلب عنه روح الكفر فلاجل ذلك امروا صلوات الله عليهم رعيتهم بالزهد مع انه من سجايا روح الايمان فمن زهد بتكلف و مشقة هو رياضة له حتي يتهيأ بهيئة الايمان حتي اذا نفخ فيه الروح سهل عليه الزهد و صدر عنه بيسر ألاتري ان النبات اذا اراد ان يحصل خصال الحيوان يحصلها بتكلف و مشقة حتي اذا نفخ فيه روح الحيوان ابصر و سمع و شم و ذاق و لمس و تحرك و اراد بسهولة علي يسر لانها سجيته و كذلك اذا اراد الحيوان ان يتصف بصفات الانسان يكون له مشقة و كلفة و تعب حتي اذا نفخ فيه روح الانسان صار عليما حليما ذكورا فكورا نبيها من غير كلفة و تكون ميسورة له لانها سجيته و من ذلك يعلم ان الانسان ما دام في الدنيا و دار الطبيعة التي هي علي خلاف كينونة الله يكون في دار التكليف و يكون امتثال الشارع له تكلفا و اذا مات و دخل الجنة فيكون في غير دار التكليف لانه يكون حينئذ علي حسب الكينونة فيعمل بمراضي الله جل جلاله بسجيته و طبيعته و يكون لذته منه كما يكون التسبيح طعام الملئكة و شرابهم و به قوامهم و كذلك المؤمن في الجنة يكون لذته في امتثال [ص 99] اوامر الله و تقويه به دعويهم فيها سبحانك اللهم و تحيتهم فيها سلام و آخر دعويهم ان الحمد لله رب العالمين وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة بالجملة الزهد كلفة و مشقة لغير الانسان اي النفس الحيوانية فيصعب عليها ان تمنعها من تناول ما شاءت و التصرف فيما شاءت و تحصيل ما شاءت فاما اذا تعلق بها روح الانسان و الايمان هو بنفسه زاهد في الدنيا راغب في الآخرة زاهد فيما سوي الله راغب اليه جل جلاله بطباعه و سجيته من غير كلفة و لذلك امر الناس بتكرير الطاعات حتي تصير لهم ملكة تصدر عنهم بسهولة من غير تعب و مشقة فافهم . و اعلم ان للزهد فوايد جمة و لايمكنني احصاؤها و لكن يحصيها الزاهد و يعرفها عند توارد الحالات عليه فمن فوائده الفراغ لعبادة الله و تعمير الآخرة فان الراغب في الدنيا الساعي في تعميرها يضيق وقته عن عمارتها فمتي يتفرغ لتعمير الآخرة فتعمير الآخرة و عبادة الرب مخصوص بالزاهدين و منها صدق المحبة لله و لرسوله و حججه صلوات الله عليهم و اوليائهم حيث ابغض ما ابغضوا و كره ما يحول بينه و بين محبوبه و لو لم‌يكن للراغب الا حبه ما ابغض الله و تعظيمه ما صغر الله لكفي به شقاقا لله و محادة لرسول الله صلي الله عليه و آله و منها العزة فانه بزهده يستغني عن التملق عند اللئام و معاشرة الطغام و التذلل لدي العوام و منها الغني فان الزاهد اغني من جميع سلاطين الدنيا و هم مع ما لهم فقراء مساكين يستعينون بجيوشهم و حلفائهم علي ما يريدون و الزاهد لايريد شيئا حتي يستعين باحد و منها راحة البدن عن كد سفر البحر و البر و ركوب المخاوف و اهوال قطاع الطريق و السهر لاجل حساب المال و حفظه و منها توفير نعيم الآخرة فلايقال له اذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا و استمتعتم بها و منها تخفيف الحساب و عدم الوقوف الطويل في عرصات [ص 100] القيمة للحساب و ان الراغب يمكث ما شاء الله حتي يخرج من عهدة ما حصله و طلبه و منها الفراغ لطلب العلوم اذ الراغب المسكين ليس له فراغ حتي يطلب فيه دينه و يقدر ان يخلو ساعة فيتفكر في آيات الآفاق و الانفس و منها تمكنه من التوجه الي الله سبحانه لخلو باله عن هموم الراغبين و افكار الطالبين و تمكنه من الذكر و الصلوة مع حضور القلب و منها ان الدنيا و الآخرة ضرتان تضر احديهما بالاخري و المقبل الي الدنيا يحرم عن تحصيل الاخري و تثقيل الجسد يمنع تخفيف الروح و المنهمك في الدنيا منهمك في نار جهنم و المنهمك في الآخرة منهمك في الجنة و منها ان الرغبة تكثف القابلية و تغلظها و تبعدها من الرحمن فيقل حبه لله و حب الله له و الزهد يلطف القابلية و يرققها و يقربها من الرحمن فيكثر حبه لله و حب الله له و كذلك يزيد بالزهد ولاية آل‌محمد عليهم السلام و تقل بالرغبة لبعد المجانسة و المشابهة فالزاهدون هم اهل الولاية و الراغبون هم المدعون و منها ان الراغب مشاكل لجميع الكفار و الفجار و المنافقين و اينما بلغ في الدنيا يوجد كافر او منافق هو اقوي منه و اعلي و اما الزاهد فهو مباين لهم و مجانس للانبياء و منها ان الزاهد يأمن حسد الحاسدين و بغي الباغين و كيد الكايدين من جهة طلب الدنيا فانه يري محبوبهم اليهم و اما الراغب فهو مبتل بالتعاند و التحاسد و التباغي و التماكر نعوذ بالله و منها ان الزاهد لايحتاج ابدا الي اعوان و انصار و خدم و حشم و دواب و سفن و بيوت و غير ذلك من متاع الراغبين و الراغب المسكين مبتل بجميع ذلك يحتاج الي كلها الي غير ذلك من الفوايد الكثيرة التي يطلع عليها الانسان في آناء الليل و النهار و تعاقب الاعصار و ما ذكرناه كاف للاعتبار و ربما يظهر من خلال الاخبار فوايد اخر . و اعلم ان للزهد درجات الاولي ان يزهد في الدنيا و نفسه مشتاقة اليها [ص 101] طالبة لها غير مطمئنة في الاعراض عنها فيزهد فيها خوفا من عذاب الله و من الاغترار بها و لان حبها رأس كل خطيئة فهذا زهد المجاهدين و المرتاضين و يخاف عليه ان يغلب عليه نفسه و توقعه في الدنيا يوما ما الثانية ان يزهد في الدنيا لما عرف من نعيم الآخرة و جليل آلاء الجنة و علم ان الدنيا حقيرة زهيدة و متاع قليل ان رغب اليها منع من الآخرة و حرم عظيم اجرها فلاجل ذلك يزهد في الدنيا لينال به الآخرة و ذلك كرجل يجد علي مائدته غذائين متنافيين احدهما غذاء خسيس و الآخر غذاء لذيذ و يعلم انه لو اكل الخسيس منع من اللذيذ فيترك الغذاء الخسيس ليقدر علي تناول اللذيذ الثالثة ان يزهد في الدنيا لانها مبغوضة الله و مبغوضة رسله و اوليائه و يزهد في الآخرة لانها غير الله و فيها حظ النفس و لذتها و لانها تمنع عن التوجه الي الله تعالي فيتركها حتي لايشتغل بها عن محبوبه و هذا الرجل في الحقيقة زاهد فيما سوي الله راغب الي الله وحده و هو ان رغب الي الجنة و نعيمها فانما يرغب اليها لانها محبوب الله و دار رضاه و قربه و لولا ذلك لم‌يكن يميل اليها و لاجل ذلك يرغب الي كل شيء كان فيه رضا الله و محبته ايضا فيستوي عنده الدنيا و الآخرة و مداره علي محبة محبوبه اينما وجدها طلبها و هذا هو اعلي درجات الزهد و علي ذلك ليس الزهد هو ترك الدنيا باسرها و انما الزهد هو الرغبة عما يلهي عن الله فما امر الله سبحانه به من استعمال الدنيا فهو لازم عليه فيحصله طاعة لله جل جلاله الا انه يقتصر علي مدلول امر الله و علي حسب ما يرضاه الله لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة فانه كان يأكل و يشرب و يلبس و يركب و ينكح و يسكن و هو ازهد الخلق لانه كان يفعل جميع ذلك لله لا لنفسه و لامر الله لا لشهوة نفسه و لاجل ذلك كان لايلهيه شيء من ذلك عن الله كما قال تعالي رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة ، فمن تفسير النعماني باسناده [ص 102] عن علي عليه السلام قال ان جماعة من الصحابة كانوا حرموا علي انفسهم النساء و الافطار بالنهار و النوم بالليل فاخبرت ام‌سلمة رسول الله صلي الله عليه و آله فخرج الي اصحابه فقال أترغبون عن النساء اني آتي النساء و آكل بالنهار و انام بالليل فمن رغب عن سنتي فليس مني و انزل الله لاتحرموا طيبات ما احل الله لكم و لاتعتدوا ان الله لايحب المعتدين و كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا و اتقوا الله الذي انتم به مؤمنون ، و عن سكين النخعي و كان تعبد و ترك النساء و الطيب و الطعام فكتب الي ابي‌عبدالله يساله عن ذلك فكتب اليه اما قولك في النساء فقد علمت ما كان لرسول الله من النساء و اما قولك في الطعام فكان رسول الله يأكل اللحم و العسل و عن العباس بن هلال الشامي مولي ابي‌الحسن عليه السلام قال قلت له جعلت فداك ما اعجب الي الناس من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يتخشع فقال أماعلمت ان يوسف نبي ابن نبي كان يلبس اقبية الديباج مزرورة بالذهب و يجلس في مجالس آل فرعون الي ان قال ان الله لم‌يحرم طعاما و لا شرابا من حلال انما حرم الحرام قل او كثر و قد قال جل و عز قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق انتهي ، و كان علي بن الحسين يلبس ثوبين في الصيف يشتريان بخمسمائة درهم و كان رسول الله صلي الله عليه و آله يلبس الساج و الطاق و الخمايص و لبس علي عليه السلام مع زهده ذاك حلة قيمتها الف دينار و كان رسول الله صلي الله عليه و آله كساه اياها نعم كان يقتصر غالبا من الدنيا باقل ما يكفيه فانه وجد رضا الله في ذلك فان الانسان في الدنيا عابر سبيل يكفيه البلغة و ما يسد جوعته و يستر عورته و كذلك كان سليمان نبيا زاهدا و كذا يوسف كان نبيا زاهدا و كان ذوالقرنين زاهدا تقيا مع ما كان لهم من الملك فان ذلك كان منهم لله و في الله فلايلهيهم عن الله و كانوا زهادا عن غير الله . [ص 103] و اعلم انه باعتبار آخر ينقسم الزهد الي اقسام فادني اقسامه ان يزهد في حرام الدنيا و ما كرهه الله منها و لايرغب عما سواه لعدم النهي التحريمي عنها و هو علي سبيل نجاة و اعلي من ذلك ان يزهد في المحرمات و الشبهات فيرغب عنها و يقتصر علي المحللات و اعلي من ذلك ان يزهد في المحرمات و الشبهات و المكروهات و يقتصر علي المباحات و ينال منها نصيبا وافرا و اعلي من ذلك ان يزهد فيما ذكر و في كثير من المحللات من فضولها و يستريح من تعبها فان جل عناء ابن آدم من تحصيل الفضول و لنعم ما قيل :

لقد ذلت و دقت و استدقت فضول العيش اعناق الرجال

و لكن ينال من الاصول حظا كافيا و اعلي من ذلك ان يزهد فيما تقدم و يترك من الاصول كثيرا و يكتفي بقدر ما يقيم ظهره و يقتصر علي ما يقوته و يكسي عورته و ذلك هو اعلي درجات هذه الاقسام و قد سمعت عن عيسي عليه السلام انه قال خادمي يداي و دابتي رجلاي و فراشي الارض و وسادي الحجر و وقاي في الشتاء مشارق الارض و سراجي بالليل القمر و ادامي الجوع و شعاري الخوف و لباسي الصوف و فاكهتي و ريحانتي ما انبتت الارض للوحوش و الانعام ابيت و ليس لي شيء و اصبح و ليس لي شيء و ليس علي وجه الارض احد اغني مني انتهي ، و علي اي حال يجب ان يكون المقصود التفرغ لله في جميع الاحوال فلينل من كل شيء بقدر ما ينسيه الدنيا و بدنه و يكون ذاكرا لله جل و عز عاملا له و لايحتاج الي تفصيل و كتب الاخلاق ببعض التفاصيل مشحونة .

فصل - في ذكر بعض الاخبار الواردة في هذا المضمار فان كلامهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و لان فيها شواهد جميع ما قلنا و حث علي الزهد علي اكمل وجه ففي الكافي بسنده عن الهيثم بن واقد الحريري عن [ص 104] ابي‌عبدالله عليه السلام قال من زهد في الدنيا اثبت الله الحكمة في قلبه و انطق بها لسانه و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها و اخرجه من الدنيا سالما الي دار السلام و عن حفص بن غياث عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سمعته يقول جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا ثم قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لايجد الرجل حلاوة الايمان حتي يزهد في الدنيا و عن ابي‌حمزة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان من اعون الاخلاق علي الدين الزهد في الدنيا و سئل علي بن الحسين عليهما السلام عن الزهد فقال عشرة اجزاء فاعلي درجة الزهد ( ادني درجة ظ ) الورع و اعلي درجة الورع ادني درجة اليقين و اعلي درجة اليقين ادني درجات الرضا الا و ان الزهد في آية من كتاب الله لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما آتيكم ، و عن سفيان بن عيينة قال سمعت اباعبدالله عليه السلام و هو يقول كل قلب فيه شك او شرك فهو ساقط و انما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة و عن محمد بن مسلم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا اما ان زهد الزاهد في هذه الدنيا لاينقصه مما قسم الله عز و جل له فيها و ان زهد و ان حرص الحريص علي عاجل زهرة الدنيا لايزيده فيها و ان حرص فالمغبون من حرم حظه عن الآخرة و عن طلحة بن زيد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ما اعجب رسول الله شيء من الدنيا الا ان يكون فيها جايعا خائفا و عن عبدالله بن سنان عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال خرج النبي صلي الله عليه و آله و هو محزون فاتاه ملك و معه مفاتيح خزاين الارض فقال يا محمد هذه مفاتيح خزاين الارض يقول لك ربك افتح و خذ منها ما شئت من غير ان تنقص شيئا عندي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله الدنيا دار من لا دار له و لها يجمع من لا عقل له فقال الملك و الذي [ص 105] بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقول في السماء الرابعة حين اعطيت المفاتيح و عن عبدالله بن القسم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا اراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا و فقهه في الدين و بصره عيوبها و من اوتيهن فقد اوتي خير الدنيا و الآخرة و قال لم‌يطلب احد الحق بباب افضل من الزهد في الدنيا و هو ضد لما طلب اعداء الحق قلت جعلت فداك مما ذا قال من الرغبة فيها و قال الا من صبار كريم فانما هي ايام قلائل الا انه حرام عليكم ان تجدوا طعم الايمان حتي تزهدوا في الدنيا قال و سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول اذا تخلي المؤمن من الدنيا سما و وجد حلاوة حب الله و كان عند اهل الدنيا كأنه قد خولط و انما خالط القوم حلاوة حب الله فلم‌يشتغلوا بغيره قال و سمعته يقول ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو و عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب قال سئل علي بن الحسين عليهما السلام اي الاعمال افضل عند الله عز و جل فقال ما من عمل بعد معرفة الله جل و عز و معرفة رسوله صلي الله عليه و آله افضل من بغض الدنيا و ان لذلك لشعبا كثيرة و للمعاصي شعبا فاول ما عصي الله به الكبر و هو معصية ابليس حين ابي و استكبر و كان من الكافرين و الحرص و هي معصية آدم و حوا حين قال الله عز و جل لهما كلا من حيث شئتما و لاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فاخذا ما لا حاجة بهما اليه فدخل ذلك علي ذريتهما الي يوم القيمة و ذلك ان اكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به اليه ثم الحسد و هي معصية ابن آدم حيث حسد اخاه فقتله فتشعب من ذلك حب النساء و حب الدنيا و حب الرياسة و حب الراحة و حب الكلام و حب العلو و الثروة فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا فقال الانبياء و العلماء بعد معرفة ذلك حب الدنيا رأس كل خطيئة و الدنيا دنياءان دنيا بلاغ و دنيا ملعونة و عن ابي‌عبيدة الحذاء قال قلت لابي‌جعفر عليه السلام حدثني بما انتفع [ص 106] به فقال يا باعبيدة اكثر ذكر الموت فانه لم‌يكثر انسان ذكر الموت الا زهده في الدنيا و عن الوشا قال سمعت الرضا عليه السلام يقول قال عيسي بن مريم عليه السلام للحواريين يا بني‌اسرائيل لاتأسوا علي ما فاتكم من الدنيا كما لايأسي اهل الدنيا علي ما فاتهم من دينهم اذا اصابوا دنياهم و عن عمرو بن هلال قال قال ابوجعفر عليه السلام اياك ان يطمح بصرك الي من هو فوقك فكفي بما قال الله عز و جل لنبيه صلي الله عليه و آله و لاتعجبك اموالهم و لا اولادهم و قال لاتمدن عينيك الي ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا فان دخلك من ذلك شيء فاذكر عيش رسول الله صلي الله عليه و آله فانما كان قوته الشعير و حلواه التمر و وقوده السعف اذا وجده و في جامع الاخبار عن علي بن موسي الرضا عليه السلام باسناده عن اميرالمؤمنين عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله قال اتاني جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرئك السلام و يقول ان شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهبا فرفع رأسه الي السماء و قال يا رب اشبع يوما و اجوع يومين فاذا شبعت فاحمدك و اذا جعت فاسالك و عن جابر بن عبدالله عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال يا علي من عرضت له دنياه و آخرته (ظ) فاختار الآخرة و ترك الدنيا فله الجنة و من اخذ الدنيا استخفافا بآخرته فله النار و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من جمع ست خصال لم‌يدع للجنة مطلبا و لا عن النار مهربا اولها عرف الله فاطاعه و عرف الشيطان فعصاه و عرف الدنيا فرفضها و عرف الآخرة فطلبها و عرف الباطل فاتقاه و عرف الحق فاتبعه و قيل لمحمد بن علي عليهما السلام من اعظم الناس قدرا قال من لم‌يبال الدنيا في يد من كانت فمن كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه و من هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه و قال علي بن ابي‌طالب عليه السلام من اشتاق الي الجنة سارع الي الخيرات و من اشفق عن النار انتهي عن الشهوات و من [ص 107] راقب الموت ترك اللذات و من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات و في الوسائل عن النبي صلي الله عليه و آله من اصبح معافي في جسده آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا يا بن‌جعشم يكفيك منها ما سد جوعتك و واري عورتك فان يكن بيت يكنك فذاك و ان يكن دابة تركبها فبخ بخ و الا فالخبز و ماء الجرة و ما بعد ذلك حساب عليك و عذاب و عن علي عليه السلام يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فانت فيه خازن لغيرك و قال عليه السلام كل مقتصر عليه كاف و قال الزهد بين كلمتين من القرآن لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم من لم‌يأس علي الماضي و لم‌يفرح بالآتي فقد استكمل الزهد بطرفيه و قال الصادق عليه السلام اغني الغني من لم‌يكن للحرص اسيرا و قال لاتشعرن قلوبكم الاشتغال بما قد فات فتشغلوا اذهانكم عن الاستعداد لما لم‌يأت و قال ابعد ما يكون العبد من الله عز و جل اذا لم‌يهمه الا بطنه و فرجه و قال حرم الحريص خصلتين و لزمه خصلتان حرم القناعة فافتقد الراحة و حرم الرضا فافتقد اليقين و في ارشاد الديلمي قال النبي صلي الله عليه و آله لابي‌ذر كن في الدنيا كأنك غريب و اعدد نفسك من الموتي فاذا اصبحت لاتحدث نفسك بالمساء و اذا امسيت لاتحدث نفسك بالصباح و خذ من صحتك لسقمك و من شبابك لهرمك و من حيوتك لفواتك فانك لاتدري ما اسمك غدا قال سعد لسلمان رضي الله عنه في مرضه كيف تجد نفسك فبكي فقال ما يبكيك فقال والله ماابكي حزنا علي الدنيا و لكن ابكي لان رسول الله صلي الله عليه و آله قال ليكن بلاغ احدكم من الدنيا كزاد الراكب فاخاف ان اكون قد تجاوزت ذلك و ليس حوله في بيته غير مطهرة و اجانة و قصعة و قال ثوبان لرسول الله صلي الله عليه و آله يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا فقال ما سد جوعتك و واري عورتك و ان كان لك بيت يظلك فبخ بخ و انت مسؤل عما [ص 108] بعد ذلك و قال تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فانه من كانت الدنيا همته قسي قلبه و كان فقره بين عينيه و لم‌يعط من الدنيا غير نصيبه المكتوب له و من كانت الآخرة همته جمع الله له امره و جعل غناه في قلبه و اتته الدنيا راغمة و قال موسي بن جعفر عليه السلام اهينوا الدنيا فانها اهنأ ما يكون لكم اهون ما يكون عليكم فانه مااهان قوم الدنيا الا هنأهم الله العيش و مااعزها قوم الا ذلوا و تعبوا و كانت عاقبتهم الندامة و قال صلي الله عليه و آله لابي‌ذر يا اباذر ان الدنيا سجن المؤمن و القبر امنه و الجنة مأواه و ان الدنيا جنة الكافر و القبر عذابه و النار مثواه و قال الزاهد في الدنيا يريح قلبه و بدنه و الراغب فيها يتعب قلبه و بدنه و قال المؤمن يتزود و الكافر يتمتع يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا و ارض بما قسم الله لك تكن غنيا و احسن جوار من جاورك تكن مسلما و صاحب الناس بما تحب ان يصحبوك تكن منصفا انه قد كان قبلكم قوم جمعوا كثيرا و بنوا مشيدا و املوا بعيدا فاصبح جمعهم بورا و مساكنهم قبورا يا ابن آدم انك مرتهن بعملك متعرض علي ربك فجد بما في يديك لما بين يديك و طئ الارض بقدمك فانها عن قليل مسكنك و لم‌تزل في هدم عمرك منذ سقطت علي الارض من بطن امك و قال من استغني بالله احوج الله الناس اليه و في الوسائل عن ابي‌عبدالله عليه السلام ما اقبح بالمؤمن ان يكون له رغبة تذله و عن علي بن الحسين عليهما السلام رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في ايدي الناس و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الذي يثبت الايمان في العبد قال الورع و الذي يخرجه منه الطمع و قال علي عليه السلام اكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع و قيل لرسول الله صلي الله عليه و آله اوصني و اقله لعلي احفظه فقال اوصيك بخمس باليأس مما في ايدي الناس فانه الغني الحاضر و اياك و الطمع فانه الفقر الحاضر و صل صلوة مودع و اياك و ما [ص 109] تعتذر منه و احب لاخيك ما تحب لنفسك و قال اميرالمؤمنين عليه السلام الدنيا منتهي بصر الاعمي لايبصر مما وراءها شيء و البصير ينفذها بصره و يعلم ان الدار وراءها فالبصير منها شاخص و الاعمي اليها شاخص و قال الزهد قصر الامل و الشكر علي النعم و الورع عن المحارم فان عزب ذلك عنكم فلايغلب الحرام صبركم و لاتنسوا عند النعم شكركم فان الله تعالي قد اعذر اليكم بحجج ظاهرة مستقرة و كتب بارزة ظاهرة و قال عليه السلام الزاهدون في الدنيا ملوك الدنيا و الآخرة و من لم‌يزهد في الدنيا و يرغب فيها فهو فقير الدنيا و الآخرة و من زهد في الدنيا ملكها و من رغب فيها ملكته و قال سويد بن عفلة دخلت علي اميرالمؤمنين عليه السلام داره فلم‌ار في البيت شيئا فقلت فاين الاثاث يا اميرالمؤمنين فقال يا ابن‌عفلة نحن اهل بيت لانتأثث في الدنيا نقلنا اجل متاعنا الي الآخرة انما مثلنا كراكب ظال تحت شجرة ثم راح و تركها و في مصباح الشريعة الزهد مفتاح باب الآخرة و البراءة من النار و هو تركك كل شيء يشغلك عن الله من غير تأسف علي فوتها و الاعجاب في تركها و لا انتظار فرح منها و لا طلب محمدة عليها و لا عرض لها بل تري فوتها راحة و كونها آفة و تكون ابدا هاربا من الآفة معتصما بالراحة و الزاهد الذي يختار الآخرة علي الدنيا و الذل علي العز و الجهد علي الراحة و الجوع علي الشبع و عافية العاجل علي محنة الآجل و الذكر علي الغفلة و يكون نفسه في الدنيا و قلبه في الآخرة الخبر ، و في الوسائل بسنده عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قيل لامير المؤمنين عليه السلام ما الزهد في الدنيا قال تنكب حرامها و عن اميرالمؤمنين عليه السلام يقول الزهد في الدنيا قصر الامل و شكر كل نعمة و الورع عما حرم الله عليك و عن اسمعيل بن مسلم قال قال ابوعبدالله عليه السلام ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال و لا بتحريم الحلال بل الزهد [ص 110] في الدنيا ان لاتكون بما في يدك اوثق منك بما في يد الله عز و جل و عن حفص بن غياث قال سمعت موسي بن جعفر عليه السلام عند قبر و هو يقول ان شيئا هذا آخره لحقيق ان يزهد في اوله و ان شيئا هذا اوله لحقيق ان يخاف من آخره و عن الحسن بن علي العسكري عن آبائه عن الصادق عليه السلام انه سئل عن الزاهد في الدنيا قال الذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عقابه و في وصية النبي لعلي عليهما السلام قال يا علي ان الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر يا علي اوحي الله الي الدنيا اخدمي من خدمني و اتعبي من خدمك يا علي ان الدنيا لو عدلت عند الله جناح بعوضة لماسقي الكافر منها شربة من ماء يا علي ما احد من الاولين و الآخرين الا و هو يتمني يوم القيمة انه لم‌يعط من الدنيا الا قوتا و قال صلي الله عليه و آله ما قل و كفي خير مما كثر و الهي و في وصية علي عليه السلام لمحمد بن الحنفية لا مال اذهب للفاقة من الرضا بالقوت و من اقتصر علي بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة و تبوأ خفض الدعة الحرص داع الي التقحم في الذنوب و الاخبار في هذا الباب تزيد علي حد الحصر و لايمكنني جمعها في هذا المختصر فنكتفي بما ذكرنا و فيها كفاية و بلاغ .