فصل - قد سنح لي هنا خاطر ان اذكر مطلبا شريفا و سرا لطيفا في باب الاخلاق و هو ان الله سبحانه قد خلق النفس الناطقة الانسانية ظل ربوبيته و آية [ص 30] سلطنته و خلق لها ملكا قد جعل فيه اسباب احداث جميع ما اودع فيها من الكمالات و لولا تلك الاسباب لمتقدر ان تبرز الي عرصة الفعلية ما اودع فيها من القوة و لميودع الله ما فيها من القوي فيها الا لتكون آية له جل شأنه في قوته و قدرته علي ما يشاء و جعل ملكها آية ملكه و اسباب ملكها آية اسباب ملكه و كما انه جل ذكره يجري مقدوراته باسباب هيأها في ملكه كذلك تفعل النفس ما تشاء مما اودع فيها من القدرة عليه باسباب هيأها الله في ملكها و امرها بالطاعة في جميع تلك القوي و بجميع تلك الاسباب لانه خلقها للطاعة و العبادة و مكنها في ذلك الملك لاجل العبادة و هي تقدر ان تطيع الله بجميع تلك القوي و الادوات و الآلات فانها خلقت للعبادة اولا و بالذات و انما جعلها صالحة للمعصية لاجل اثبات الاختيار فلميخلق في ملكها شيئا من تلك الادوات و الآلات غير صالح للطاعة اطاعت به او عصت و ليس شئ منها في خلقه مذموما او اذا استعمل في محله من الطاعة مبغوضا فمن تلك الاسباب مناشئ الاخلاق و مباديها و لا بد من وجودها و لو لميكن واحد منها في الانسان لكان ناقصا رديا مذموما اذ لايقدر علي الطاعة في تلك الجهة و ان الله يحب لعبده ان يعبده بجميع جهات العبودية حتي يحوز به جميع انوار الربوبية و بذلك يزدادون الناس ايمانا و ينتقصون فمن تلك المبادي مبدأ الغضب مثلا فلو لميكن في الانسان مبدأ الغضب لميقدر الانسان علي الجهاد في سبيل الله و لميقدر علي النهي عن المنكر و ازالته و لميقدر علي كراهة اعداء الله و كراهة صفاتهم و اخلاقهم و امثال ذلك فقد خلق مبدأ الغضب لاجل الغضب و امر الانسان بالعبادة به في هذه الوجوه فمن لميكن فيه مبدأ الغضب يفوت عنه هذه العبادات و يكون ناقصا فكيف يكون الغضب من الاخلاق الردية و من لميكن فيه غضب فهو من البهائم او النباتات او الجمادات [ص 31] و لا كمال للضأن و الشجر و الحجر في عدم غضبها و كذلك منها مبدأ الحرص مثلا فلو لميكن في الانسان مبدأ حرص لماقدر ان يحرص علي العلم و علي العبادة و علي اكثار الخير و امثال ذلك و منها مبدأ الجبن فمن لميكن فيه مبدأ جبن لايخاف من الله و لا من رسوله و حججه عليهم السلام و لايخاف من الهلاك بالمعاصي و لا من النار و لا من اذية الاخيار و غضب الجبار و منها مبدأ الشهوة فمن لميكن فيه مبدأ الشهوة لايتمكن من تشهي الطاعات و الخيرات و الجنة و الحورالعين و محبة الاخيار و صفاتهم و اخلاقهم و هكذا و علي هذه فقس ما سواها و المذموم استعمال تلك المبادي و الاسباب في غير وجه الطاعة و في غير رضاء الله جل شأنه فالبخل في الله و لله علي الناصب فلايقطر في حلقه قطرة من الماء و لو مات عطشا ممدوح و بذل المال له مذموم و هكذا الغضب علي ولي الله مذموم و اللين علي عدو الله مذموم و لست اقول كما يقول اهل العلوم الظاهرة الغافلون عن هذه الاسرار ان كل صفة افراطه و تفريطه مذمومان و الوسط بينهما ممدوح فافراط الغضب تهور و تفريطه جبن و الوسط ممدوح و هو الشجاعة و افراط البذل مثلا تبذير و اسراف و تفريطه بخل و الوسط ممدوح و هو الكرم و السخاوة مثلا و سموا هذا الوسط اعتدالا و صاحبه عادلا و انا لااعرف ذلك فان تلك كلمات لميذكر اسم الله عليها و اقتفوا فيها اثر الحكماء المستغنين بحكمتهم عن الانبياء فتكلموا في الاشياء من حيث هي و اما الانبياء فيتكلمون في الاشياء من حيث الرب فاقول ان الغضب افراطه و وسطه و تفريطه ان كانت لغير الله فهي مذمومة و ان كانت لله و في رضاء الله فهي ممدوحة و لايجوز لك ان تبغض عدو الله قليلا لاجل ان الصفات افراطه و تفريطه مذمومان و الوسط اعتدال و لايجوز لك ان لاتبخل بدينك علي الشيطان او بمالك [ص 32] علي الناصب علي ان البخل تفريط و العادل ينبغي ان لايكون مفرطا و لا مفرطا بل ذلك من مزخرفات الحكماء حيث انقطعوا عن الرب جل جلاله فجميع الصفات يجب في الطريقة الافراط فيها اذا امرك الله بالافراط و التوسط فيها اذا امرك الله بالتوسط و التفريط فيها اذا امرك الله بالتفريط ذلك و هذه الجهات الثلاث من اسباب الملك التي قد خلقت لطاعة النفس حتي لاتكون معذورة في ترك طاعة فكيف يكون شيء منها مذموما فتدبر و انصف نعم اذا شئت ان اقول بلسان الحكمة اقول ان النفس خلقت من حيث هي متوحدة مجردة عن جميع الخصوصيات و خلق الله لها هذا البدن مظهرا و مركبا و ركبه من اخلاط و جعل كل خلط مبدأ صفة و مرآة خلق فاذا اشرق نور النفس علي الصفراء مثلا احياها و حركها فظهر من ورائها الغضب و يقال غضبت النفس و اذا اشرق علي البلغم مثلا و احياها و حركها فظهر من ورائه الشهوة و يقال شهيت النفس و انما مثلهما كنور الشمس و المرايا الصفر و الخضر و السود و البيض و ظهور الانوار المصبوغة من ورائها و ليس من امامها الوان فاذا كان في البدن خلط من الاخلاط غالبا و ضده مغلوبا مضمحلا لميظهر نور علي صفة المغلوب و يصدر دائما علي صفة الغالب فهو ناقص و مذموم و اما من كان فيه جميع الاخلاط متكافية صافية امكنت النفس من الظهور من باب كل خلط و ضده فامكنها الغضب كيفما امرت به في محله و الشهوة كيفما امرت به في محله و الحب كيفما امرت به في محله و البغض كيفما امرت به في محله بلا اكتراث فيحصل التوسط للنفس حيث تكون مستوية علي عرش الاخلاط ليس شيء منها اقرب اليها من شيء آخر و تطيع الله في كل جهة من جهات تلك المظاهر علي حد سواء فلو مزج الصفراء و البلغم مثلا بحيث كسر البلغم سورة الصفراء و اطفاها [ص 33] و كسرت الصفراء سورة البلغم و جففته قليلا فحصل من بينهما شيء ثالث ليس بصفراء محض و لا ببلغم محض لعجز الانسان عن مقتضي الصفراء المحض و عن مقتضي البلغم اذ ليس في بدنه شيء منهما و لكان دائما عاملا بامر متوسط فيبغض الناصب قليلا بغضا مشوبا بالشهوة و يحب الولي قليلا حبا مشوبا بالبغض نعوذ بالله من هذا الرأي الفاسد و القول الكاسد فتبين ان الواجب ان يكون فيه مبادي جميع الصفات كائنة ما كانت بالغة ما بلغت و ينبغي للمؤمن ان يكون واقفا موقف الطاعة فان امره الشارع بالافراط يرفع آلته و يفرط و ان امره بالتفريط يرفع آلته و يفرط و ان امره بالتوسط يرفع آلته و يتوسط و ليس ان الشارع امر في كل شيء بالتوسط ألاتري انه لميأمر بالتوسط في حبه و الاخلاص له و الايمان به و توحيده و تصديقه و امثال ذلك و لميامر بالتوسط في محبة محمد و آلمحمد عليهم السلام و تصديقهم و الايمان بهم و طاعتهم و ليس الغلو افراطا في محبتهم و التقصير تفريطا فيها و ان كان ظاهرا كذلك و اي حب لمن يكذب عليا عليه السلام اذ هو يدعي العبودية و هو يكذبه و يدعي في حقه الربوبية و كيف يحب عليا و علي بريء الي الله منه و القلوب مرتبطة و شواهد و لكن الواجب ان تضع عليا في موضعه الذي وضعه الله فيه و تحبه حبا لا غاية له و لا نهاية و ليس ذلك بمذموم و سبب هلاك البتة بالجملة ليس جميع ما امر الشارع به متوسطا اللهم الا ما كان التوسط فيه خيرا كقوله تعالي لاتجعل يدك مغلولة الي عنقك و لاتبسطها كل البسط و نحو لاتجهر بصلوتك و لاتخافت بها فمعني عليك بالحسنة بين السيئتين يكون في موضع طرفاه سيئة لا مطلقا و معني خير الامور اوسطها اشرفها فان الاوسط بمعني الاشرف فاذ لميكن التوسط في كل شيء ممدوحا فكيف يكون الصفات المتوسطة [ص 34] هي المعتدلة و صاحبها هو العادل فالحق ما ذكرنا و ان قلت كيف يغفل الكل عن ذلك و كيف تنكر ذلك و قد ملأ القوم منه كتبهم قلت :
فهب اني اقول الصبح ليل أيعمي الناظرون عن الضياء
و بناء اكثر المصنفين علي تقليد السلف و ترك الروية و التوزين بميزان الله فلاجل ذلك يمشي آخرهم حذو اولهم و لكن المؤمن اذا راجع كلماتنا تنبه انا في ذلك علي الحق و غرضنا في هذا الفصل ان جميع الصفات مخلوق من الله خلقه للطاعة و مكنه منها و من المعصية اتماما للاختيار و جميعها لازم في المملكة اي مملكة بدن الانسان و من عدمها ناقص و انما العيب و النقص علي من يستعملها في المعصية و ما ورد من الذم في بعض الصفات فانما هو فيما استعملت في المعاصي لا ما استعملت في الطاعات و مثل الصفات جميع الاعيان فالدنيا مثلا ليست بمذمومة و لا ملعونة و انما الذم و اللعن علي من يستعملها لغير الله و المدح لمن يستعملها في رضاء الله و طاعته فالدنيا الملعونة كل دنيا استعملت في معصية الله و الدنيا البلاغ كل دنيا استعملت في بلوغ درجات الآخرة فافهم راشدا موفقا .
فصل - اعلم ان النفس الانسانية كما بينا لكونها آية الله الذي ليس كمثله شيء ليس لها في نفسها بداوات و اعراض تشاهد منها بحسب الظاهر و انما هذه البداوات و الاعراض تعرض مركبها و منشاها و مبداها النفس الحيوانية و النباتية و الجمادية فمن تلك الاعراض ما ليس للشعور و الارادة فيها مدخل كالجوع و العطش و امثال ذلك و ان كان ادراكها بالشعور فانها امور طبيعية تعرض ادركتها النفس او لمتدرك كما ان الزرع يعطش و ليس يدرك العطش فامثال ذلك مباديها من الجمادية و النباتية و منها ما للشعور و الارادة [ص 35] فيها مدخل كالرضا و الغضب فمبداهما من النفس الحيوانية و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام انهما من خواص الحيوانية و الحواس الخمس قويها و هي فرع الشعور و الارادة فالنفس الحيوانية لانهماكها في الطبايع حصل لها اصباغ و تعينات و خواص فاذا كان نفس حيوانية مشاكلة نفس اخري في الطبع و الصورة المكتسبة من الطبايع تستأنس و تميل الي مشاكلتها كما يميل الحمام الي الحمام و الصقر الي الصقر و تنفر عن مخالفتها كما تنفر الشاة عن الذئب و البقر عن الاسد ضرورة ان الاشياء تتقوي باشكالها و اندادها و تتضعف باضدادها كما تتقوي النار بالنار و تضعف بالماء فاذا مالت النفس الي ما يقويها من شكلها يقال رضيته و اذا تنفرت عما يضعفها يقال كرهته فهي دائرة بين الرضا و الغضب دائما فلاجل ذلك قال عليه السلام ان من خواصها الرضا و الغضب اي الميل و التنفر و المحبة و الكراهة و الاقبال و الاعراض و عبر الحكماء عنهما بالشهوة و الغضب و اصلهما الحب و البغض و جميع الخصال التي تعرض الشخص حال الاقتران بالغير فروع هاتين الخاصتين و لكل منهما ان تكونا تحت سلطان الايمان مقام قوة و مقام ضعف فالشهوة اذا ضعفت بلغت مقام الخمود و عدم الميل الي شيء و اذا قويت بلغت مقام الشره و شدة الميل الي المجانس و الغضب اذا ضعف بلغ مقام الكراهة من غير دفع للمنافر و هو الجبن و اذا قوي بلغ مقام الدفع بلا تأمل و هو التهور و بين المقامين في كل منهما مراتب لاتحصي و جميع الخصال الاقترانية راجعة الي مراتب هاتين الخصلتين منفردة و مجتمعة فالتي تتعلق بمراتب القوة الشهوية فهي كحب الدنيا و حب الغنا و الحرص و الاكل و الشرب و الجماع و الملابس و المراكب و الزينة و طلب المال و القول السوء قال الله سبحانه زين للناس حب الشهوات من النساء و البنين و القناطير [ص 36] المقنطرة من الذهب و الفضة و الخيل المسومة و الانعام و الحرث و التي تتعلق بالقوة الغضبية فهي كالخوف و الامن و الخيبة و اليأس و ضعف النفس و قوتها و دناءتها و شرافتها و الحمية و الغيرة و عدمهما و العجلة و التؤدة و سوء الظن و حسنه و الغضب و الحلم و كظم الغيظ و العفو و الانتقام و الفظاظة و الغلظة و اللين و الرفق و العداوة و حسن الخلق و سوئه و السوء من القول و العجب و الكبر و تزكية النفس و الغصب و كتمان الحق و قساوة القلب و امثال ذلك و التي تحدث من تركيبهما فهي كالحسد و الاهانة و العدوان و اعانة اهله و الخذلان و المسامحة و مباعدة الناس و القطع و العقوق و التعيير و طلب العيب و النمامة و افشاء السر و الافساد و الشماتة و المراء و الاستهزاء و الغيبة و الكذب و الريا و النفاق و الغرور و طول الامل و الاصرار و الغفلة و عدم الرضا و الحزن و الكفران و الجزع و امثال ذلك فجميع الخصال المذمومة راجعة الي هاتين الخاصتين اذا كانتا آمرتين غالبتين علي الناطقة القدسية التي هي العالمة و اما اذا كانتا مطاوعتين للناطقة القدسية التي هي علي صفة الشارع الذي هو علي صفة مشية الله كانتا حسنتين و من اسباب الطاعة و مباديها و مناشئها و ينبغي وجود جميع فروعها في الحكمة و جريانها في مواضع الطاعة فان الله سبحانه لميخلق السموات و الارض و ما بينهما الا بالحق و ماخلق الجن و الانس و ما فيهما من الخصال و القوي و الخواص الا ليعبدوه و انما يحصل العصيان بوضعها في غير موضعها و ان شئت ان تري ما اخترناه من اخبار العترة الاطهار صلوات الله عليهم فانظر الي ما رواه في الكافي بسنده عن الاصبغ بن نباتة قال جاء رجل الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال يا اميرالمؤمنين ان ناسا زعموا ان العبد لايزني و هو مؤمن و لايسرق و هو مؤمن و لايشرب الخمر و هو مؤمن و لايأكل الربوا و هو مؤمن و لايسفك [ص 37] الدم الحرام و هو مؤمن فقد ثقل علي هذا و حرج منه صدري حين ازعم ان هذا العبد يصلي صلوتي و يدعو دعائي و يناكحني و اناكحه و يوارثني و اوارثه و قد خرج من الايمان لاجل ذنب يسير اصابه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام صدقت سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول و الدليل عليه كتاب الله خلق الله عز و جل الناس علي ثلث طبقات و انزلهم ثلث منازل و ذلك قول الله عز و جل في الكتاب اصحاب الميمنة و اصحاب المشأمة و السابقون فاما ما ذكر من امر السابقين فانهم انبياء مرسلون و غير مرسلين جعل الله فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و غير مرسلين و بها علموا الاشياء و بروح الايمان عبدوا الله و لميشركوا به شيئا و بروح القوة جاهدوا عدوهم و عالجوا معايشهم و بروح الشهوة اصابوا لذيذ الطعام و نكحوا الحلال من شباب النساء و بروح البدن دبوا و درجوا فيها فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم قال قال الله عز و جل تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسي بن مريم البينات و ايدناه بروح القدس ثم قال في جماعتهم و ايدهم بروح منه يقول اكرمهم بها ففضلهم علي من سواهم فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ثم ذكر اصحاب الميمنة و هم المؤمنون حقا باعيانهم جعل الله فيهم اربعة ارواح روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فلايزال العبد يستكمل هذه الارواح الاربعة حتي يأتي عليه حالات فقال الرجل يا اميرالمؤمنين ما هذه الحالات فقال اما اولهن فهو كما قال الله عز و جل و منكم من يرد الي ارذل العمر لكيلايعلم من بعد علم شيئا فهذا ينتقص منه جميع الارواح و ليس بالذي يخرج من دين الله لان الفاعل به رده الي ارذل عمره فهو لايعرف للصلوة وقتا [ص 38] و لايستطيع التهجد بالليل و لا بالنهار و لا القيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الايمان و ليس يضره شيئا و فيهم من ينتقص منه روح القوة فلايستطيع جهاد عدوه و لايستطيع طلب المعيشة و منهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به اصبح بنات آدم لميحن اليها و لميقم و يبقي روح البدن فيه فهو يدب و يدرج حتي يأتيه ملك الموت فهذا بحال خير لان الله عز و جل هو الفاعل به و قد ياتي عليه حالات في قوته و شبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة و يزين له روح الشهوة و يقوده روح البدن حتي يوقعه في الخطيئة فاذا لامسها نقص من الايمان و تفصي منه فليس يعود فيه حتي يتوب فاذا تاب تاب الله عليه فان عاد ادخله الله نار جهنم فاما اصحاب المشأمة فهم اليهود و النصاري يقول الله عز و جل الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ابناءهم يعرفون محمدا و الولاية في التورية و الانجيل كما يعرفون ابناءهم في منازلهم و ان فريقا منهم ليكتمون الحق من ربك انك الرسول اليهم فلاتكونن من الممترين فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم بذلك فسلبهم روح الايمان و اسكن ابدانهم ثلثة ارواح روح القوة و روح الشهوة و روح البدن ثم اضافهم الي الانعام فقال ان هم الا كالانعام لان الدابة انما تحمل بروح القوة و تعتلف بروح الشهوة و تسير بروح البدن فقال السائل احييت قلبي باذن الله يا اميرالمؤمنين و في حديث جابر الجعفي قال قال ابوعبدالله عليه السلام فالسابقون هم رسل الله و خاصة الله و جعل فيهم خمسة ارواح ايدهم بروح القدس فبه عرفوا الاشياء و ايدهم بروح الايمان فبه خافوا الله عز و جل و ايدهم بروح القوة فبه قدروا علي طاعة الله و ايدهم بروح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله عز و جل و كرهوا معصيته و جعل فيهم روح المدرج الذي يذهب الناس و يجيئون و جعل في المؤمنين اصحاب الميمنة روح الايمان [ص 39] فبه خافوا الله و جعل فيهم روح القوة فبه قووا علي طاعة الله و جعل فيهم روح الشهوة فبه اشتهوا طاعة الله و جعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس و يجيئون و في حديثه عن ابيجعفر عليه السلام فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش الي ما تحت الثري ثم قال يا جابر ان هذه الاربعة يصيبها الحدثان الا روح القدس فانها لاتلهو و لاتلعب و في حديث مفضل بن عمر عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي جعل في النبي خمسة ارواح روح الحيوة فبه دب و درج و روح القوة فبه نهض و جاهد و روح الشهوة فبه اكل و شرب و اتي النساء من الحلال و روح الايمان فبه امن و عدل و روح القدس فبه حمل النبوة الخبر ، فالمراد بروح البدن في هذه الاخبار النيرة روح الحيوة اي الروح الحيوانية فانها منشأ الحركة الارادية و بها يدب و يدرج صاحبها و بروح القوة هو القوة الغضبية اذ بها يجاهد العدو و منها المرة التي بها يعالج المعاش و ذكر بعض الصفات من باب التمثيل و بروح الشهوة هو القوة الشهوية و بها الميل الي الطاعة و الاكل و الشرب و الجماع و تخصيصها بالذكر تمثيل و بروح الايمان هو النفس الناطقة القدسية الانسانية فان الناس كلهم بهائم الا المؤمن و بروح القدس هو العقل الذي في جنان الصاقورة ذاق من حدايقهم الباكورة و هي اعظم من الملئكة و غيرهم و رئيسهم فالخمسة آلات لروح الله و الاربعة آلات للقدسية و الثلثة آلات للانسانية و الاثنان آلتان لروح الحيوان فهاتان تصرفان الي حاجات الحيوانية ان كان الامير عليهما الحيوانية فتصرف روح القوة في حمل الاثقال و الظلم و الغشم و ما يناسبها و روح الشهوة في الاعتلاف و النزو علي الانثي و الحنين علي ولدها و امثالها مما يناسبها و اما اذا صارت الثلثة آلات النفس الناطقة القدسية تصرف كل واحدة منها في حاجات النفس [ص 40] الناطقة فتستعملها فيما يناسبها فتستعمل الحيوانية في الحركة الي صنوف الطاعات و مراضي الله سبحانه و لولا امر الناطقة لكانت تتحرك علي رأسها بمقتضي طبعها سواء كانت من مراضي الله او مساخطه و اذا انقادت للناطقة فهي تمشي الي جهات الطاعات علي وجه الطاعة و تستعمل روح القوة في الجهاد في سبيل الله و بغض اعداء الله و نصرة اولياء الله و حمل اعباء الطاعات و غيرها مما يناسب القوة و القدرة و لولا انقيادها لكانت مصروفة في حمل الحمول و الظلم و الغشم و العض و الرفث سواء كانت في وجه طاعة او معصية و تستعمل روح الشهوة في حب الله و حب رسوله و حججه و حب الطاعات و حب الجنة و دار القرب و امثال ذلك و ذلك ان نور الناطقة نور ادراك و انقياد لله علي وجه التعقل و التعمد و هذا النور اذا وقع في مرآة روح الشهوة و روح القوة انصبغ فيهما فلما انعكس عنهما انعكس منصبغا بصبغهما و يكون الصبغ المنعكس مستنيرا بنور الناطقة فيكون المنعكس شيئا مركبا منهما فلذلك قلنا ان النفس تصرفهما في طاعتها و علي ما يناسبها فتكون الحيوانية حيوانية الانسان و القوة قوته و الشهوة شهوته لا حيوانية الحيوان و قوته و شهوته فافهم و اما الاربعة فهي آلات لروح القدس فاذا اشرق عليها تستعمل كل واحدة في الامور النبوية لان نور روح القدس ينصبغ في مراياها ثم ينعكس منها فروح الايمان هو ايمان النبي و هو غير ايمان الرعية و روح الحيوان هو حيوان النبي و حيوته غير حيوة الانسان و حيوة الحيوان و روح القوة هو قوة النبي و هو غير قوة الانسان و الحيوان و روح الشهوة هو شهوة النبي لا شهوة الانسان و الحيوان لاستشراقها باشراق روح القدس و جريها مجري ارادته فيصرفها فيما يناسبه فلاجل ذلك يفضل جميع اعمال النبي علي اعمال ساير الناس فبروح الايمان يؤمن ايمانا [ص 41] لايوازيه ايمان و بروح الحيوة يتحرك حركة لايوازيه حركة متحرك و بروح القوة يجاهد جهادا لايوازيه جهاد احد و بروح الشهوة يشتهي و يحب الطاعة بحيث لايوازيه شيء فتبين و ظهر من هذا الحديث الشريف ان روح الشهوة و روح القوة آلتان تابعتان صالحتان لخدمة الحيوان و الانسان و النبي فايهم استعملهما تنصرفان في خدمته و ليس خلقهما عبثا و لا لغوا و ليست القوة الحيوانية عاصية دائما و مذمومة و كذلك ساير الخصال الجزئية التي هي من فروعهما فجميعها محتاج اليه اما للنبي و اما للانسان فلا بد في النبي و الانسان من البخل الشديد حتي لايقطر به قطرة ماء في حلق الناصب و لايصرف ماله في سبيل الشيطان و لولاه لماقدر علي ذلك و لا بد فيهما من الشره حتي يتوق الي الطاعات و العبادات فلولاهما لماحرصا علي طاعة الله و البر و الاحسان و علي هذه فقس ما سواها فلا ذم علي خصال جبل الله الانسان عليها و انما الذم علي استعمالها في غير مراضي الله و ليس واحدة منها في نفسها ممدوحة و انما المدح علي استعمالها في مراضيه جل و علا فليس كل حلم و كل شجاعة و كل سخاوة و عفو و صفح ممدوحة و انما هي اذا استعملت في محالها في رضاء الله فهي ممدوحة و الا فهي مذمومة و من اخلاق اهل سجين و تؤدي الي نار جهنم فان هي الا كالعين و الاذن و اليد و الرجل ليس لها في نفسها سعادة و لا شقاوة و لكن اذا استعملت في وجه الطاعة تصورت بصورة الطاعة و ان استعملت في وجه المعصية تصورت بصورة المعصية فافهم .
فصل - مما يناسب الحلم من الصفات هو كظم الغيظ فلا علينا ان نذكر شطرا من امره اعلم انه لما حصل الدم في الكبد و صار منها الي القلب و حصل في القلب قسط من الدم الاصفر و عمل فيه حرارة القلب بمعونة شعلات الافلاك بخر ذلك الدم بخارا اسافله اغلظ و اشبه بالدم و متصلة به و اعاليه الطف [ص 42] و ارق و اقل شبها به علي انا حققنا في محله ان البخار هو الاجزاء الرشية من الجسم الرطب تتفرق في الهواء و ذلك البخار هو انحلال الدم و قد ثبت في الفلسفة ان كل جسم انحل ظهر علي ظاهره سر باطنه كما ان الزيبق مثلا ظاهره بارد رطب و باطنه حار يابس و لايظهر الحرارة و اليبوسة الا ان ينحل فاذا انحل ظهر عليه الحرارة و اليبوسة و اثر في ما يلاقيه الحرارة و اليبوسة دون البرودة و الرطوبة فاذا انحل الدم ظهر باطنه الذي هو الفلكية علي ان جميع الطبايع ظواهرها طبايع ميتة و بواطنها ارواح حية كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم فاذا انحلت الطبايع الانحلال التام ظهر ما كان كامنا فيها من الروحانية الفلكية و حييت و في الحقيقة كل دان بالنسبة الي العالي كذلك العبودية جوهرة كنهها الربوبية فاذا اشتد انحلال العبد بحرارة التكليف و رطوبة الامتثال ظهر عليه باطن الربوبية فلما بخر الدم ظهر عليه الحيوة الحيوانية منصبغة بصبغ ذلك البخار انصباغ النار بصبغ الدخان المشتعل و ذلك البخار تابع لطبايع ذلك الدم في الاعتدال و الانحراف مرتبط به فاينما يميل ذلك الروح يميل ذلك البخار و اينما يميل ذلك البخار يميل الدم هذا في الظاهر و لكن في الحقيقة ميل الروح تابع للبخار الحي به و ميل البخار تابع لطبايع الدم الحية به فالروح يميل بالبخار و البخار بالدم كما قدمنا الاشارة اليه فالثلثة تميل معا اينما مالت فلاجل ذلك اذا توجع عضو مال الروح و البخار و الدم اليه فاذا للروح لاجل التناسب و التخالف و الدفع و الهرب حركات و هو ساكن في اقليم البدن و ثغر هذا الاقليم الجلد و هو الطرف الخارج من البدن و دار الولاية و السلطنة القلب و هو ادخل عضو في البدن فالروح اذا احس بمناف تنفر عن ظاهر الجلد الي داخل القلب و اذا احس بمناسب او اراد دفعا مال من داخل القلب الي ظاهر الجلد فاذا مال [ص 43] الي ظاهر الجلد مال بالبخار و الدم فتهلل الوجه و اشرق بسبب ميل الروح و البخار و انبساط الجلد و ترطبه بسبب البخار و الدم و احمر الوجه و اذا تحرك الي الداخل و مال الي القلب مال معه البخار و الدم فينكسف الوجه و يصفر و يكمد علي لون الميت و هاتان الحركتان هما الاصل فالحركة الي ظاهر الجلد تنشأ من الشهوة و الحركة الي الداخل تنشأ من الكراهة ثم كل منهما قد يكون بالتدريج شيئا بعد شيء و قد يكون بغتة و دفعة فبذلك تنقسم الحركة الي اربعة فاذا مال الروح الي الخارج شيئا بعد شيء و ذلك عند احساس الملائم المقوي فهو السرور فيتهلل الوجه و يشرق و اذا مال الي الداخل شيئا بعد شيء عند احساس المنافي فهو الهم ان كان لما يتوقع و الغم ان كان لما وقع فيكمد الوجه و يتغير الي الكمودة او الصفرة و قد يحس بمنافر فينفر و يشمئز ثم يري في نفسه غلبة عليه و قدرة علي دفعه فيميل دفعة الي الخارج فهو الغضب و اذا مال الي الباطن دفعة فهو الخوف فهذه الاربع هي الاصول و ساير الحركات يدور عليها و يختلف بحسب اختلاف القوة و الضعف و التفذذ و التركيب و من كل حركة يحصل صفة من الصفات و اذا قلت ما بال الحيي يحمر وجهه و يعرق قلت ان الحيي يلتفت الي منافر من نفسه لا من الخارج فيهرب الي الداخل كالخائف و لايري مناسبا في الخارج فيميل الي الخارج فيريد ان يختفي بعيبه فلايطلع عليه غيره فيستتر من ظاهر الدم الي باطن الدم فيحمر الوجه بظهور الدم لستر الروح و لاجل ذلك قد لايكفيه هذا الاستتار فيطامن رأسه و قد لايكفيه فيغمض عينه و قد لايكفيه فيتستر بكفه و قد لايكفيه فيقوم و يذهب و يستتر بالجدر و البيوت بالجملة الروح يلتحف بالدم عند الحياء فلاجل ذلك يحمر الوجه و يعرق الانسان برطوبة الدم و حرارته بالجملة الغيظ هو الغضب و الغضب هو بحركة الروح الي الخارج دفعة لاجل [ص 44] دفع المنافر عند مشاهدة القوة من نفسه علي الدفع و لاجل دفعية الحركة و البطش و الدفع يحتاج الي مزج الصفراء لترقيق الدم و امكان الدفع فيشتعل الدم بحرارة الصفراء و يسرع حركته و يميل دفعة الي الخارج و يدفع المنافي بقوة الصفراء و هذا الدفع دفع احراق و افناء و اهلاك و هو بالنار لا بالماء فعند الغضب يشتعل الانسان نارا و يتسع عينه و فمه و مناخره و حنجره و يحمر وجهه و لربما يصير من تراكم الدم بنفسجيا و يأخذه الارتعاش اذا تردد الروح بين الاقبال و الادبار و يعلو صوته و يشتد تنفسه و يتواتر و يرتفع يده و يكثر البخار في بدنه فينتفخ وجهه و اعضائه و يعمل غلبة الحرارة في رطوبات بدنه فتدخنها و يتصاعد الادخنة الي دماغه و حواسه فكأنه من تراكم الادخنة لايكاد يري عينه شيئا و يسمع اذنه شيئا بل لايكاد يعقل شيئا و ربما يتعلق بتلك الادخنة الشياطين و يصعدون في سلمها الي سموات دماغه فان لميجدوا رجوما من توجهات العقل و العلم يصعدون الي دماغه فيأمرونه بالمنكرات فلربما يسب الله و الحجج او يسب اباه و امه و لربما يقتل نفسه و لربما يخرق علي نفسه ثيابه و يصير كالذي يتخبطه الشيطان من المس مجنونا لايعقل شيئا و لكن ان كان في سماوات دماغه عقل و كانت الحيوانية و قواها تابعة له تحركت علي حسب الايمان و الطاعة و ان اشتد الغضب في المؤمن و حصل ادخنة لايتعلق بها الشيطان لطهارة تلك الادخنة و صفائها و اعتدالها و يرجم الشيطان بنور كواكب يقينيات مراتب ايمانه ان تعلق احيانا فلايتخبط و يبقي سمواته صاحية صافية فهو شاعر في اثناء الغضب ملتفت الي امر الله و نهيه فلو وصل اليه نهي في اثناء شدة غضبه يسكن فورا لان سماوات مشاعره صافية و عقله ظاهر لا مستور و لميتراكم الدخان في فضاء دماغه حتي يحول بين شمس عقله و ارض بدنه فبدنه دائما مشرق بنور العقل و زمام حيوانيته بيده [ص 45] و هي مطيعة منقادة له فمتي ما اراد كظمه اي تجرعه اي صرف الروح و الدم الي الداخل فعل و سكن عنه فورة الغضب بالكلية فليس الغضب مطلقا بمذموم عند الحكيم و انما الذم في عدم كون رجوم نجوم الايمان في سماء الدماغ و عدم بسط عدل الايمان في طبايع البدن و كثافة اخلاطه بعدم الاعتدال و نجاستها باكل المحرمات حتي ناسبتها الشياطين و ركبوا علي تلك الادخنة و صعدوا في سلمها الي سموات دماغه و تخبطوها و لذلك يكون الغضب اصعب مطايا الشيطان و اجمحها و اشمسها و اما في المؤمن و ان كان شديدا يكون ذلولا يركبه ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لو نظرت الي مطاوي عباراتي بعين الانصاف لرأيت ان شدة الغيظ ليس بمذموم و ليس شدة الغضب تهورا و انما التهور جنون شيطاني مذموم و ليس توسط الغضب محمودا اذا امر الله بالغضب الشديد فتدبر و انصف .
فصل - و ينبغي ان اشرف كتابي هذا بذكر بعض الاخبار في ذم الغضب في غير محال الطاعة و مدح كظم الغيظ فقد مدح الله سبحانه قوما و قال و سارعوا الي مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الارض اعدت للمتقين الذين ينفقون اموالهم في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين فبين ان الجنة اعدت للمتقين و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و سماهم محسنين و اثبت محبته لهم و ذلك فضل لايساويه فضل و في ذلك فليتنافس المتنافسون ففي الوسائل بسنده عن صفوان الجمال قال قال ابوعبدالله عليه السلام انما المؤمن الذي اذا غضب لميخرجه غضبه من حق و اذا رضي لميدخله رضاه في باطل و اذا قدر لميأخذ اكثر مما له و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل و عن داود بن فرقد قال قال [ص 46] ابوعبدالله عليه السلام الغضب مفتاح كل شر و عن ميسر قال ذكر الغضب عند ابيجعفر عليه السلام قال ان الرجل ليغضب فما يرضي ابدا حتي يدخل النار فايما رجل غضب علي قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلك فانه يذهب عنه رجز الشيطان و ايما رجل غضب علي ذي رحم فليدن منه فليمسه فان الرحم اذا مست سكنت و عن ابيحمزة عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كف نفسه عن اعراض الناس اقال الله نفسه يوم القيمة و من كف غضبه عن الناس كف الله تبارك و تعالي عنه عذاب يوم القيمة و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول من كف غضبه ستر الله عورته و عن حبيب السجستاني عن ابيجعفر عليه السلام قال مكتوب في التورية فيما ناجي الله به موسي عليه السلام يا موسي امسك غضبك عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي و عن ابيعبدالله عليه السلام الغضب ممحقة لقلب الحكيم و قال من لميملك غضبه لميملك عقله و عن ابيحمزة الثمالي عن ابيجعفر عليه السلام قال ان هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم و ان احدكم اذا غضب احمرت عيناه و انتفخت اوداجه و دخل الشيطان فيه فاذا خاف احدكم ذلك من نفسه فليلزم الارض فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال الحواريون لعيسي عليه السلام اي الاشياء اشد قال اشد الاشياء غضب الله عز و جل قالوا بما نتقي غضب الله قال ان لاتغضبوا قالوا و ما بدو الغضب قال الكبر و التجبر و محقرة الناس و عن عبدالله بن سنان قال قال ابوعبدالله عليه السلام اوحي الله عز و جل الي بعض انبيائه يا ابن آدم اذكرني في غضبك اذكرك في غضبي لاامحقك فيمن امحق و ارض بي منتصرا فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك و في الكافي بسنده عن هشام الحكم عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول مااحب ان لي بِذُلِّ النفس [ص 47] حمر النعم و ماتجرعت جرعة احب الي من جرعة غيظ لااكافي بها صاحبها و عن زيد الشحام عن ابيعبدالله عليه السلام قال نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها فان عظيم الاجر لمن عظيم البلاء و مااحب الله قوما الا ابتلاهم و عن عمار بن مروان عن ابيالحسن الاول عليه السلام قال اصبر علي اعداء النعم فانك لنتكافي من عصي الله فيك بافضل من ان تطيع الله فيه و زاد في رواية ان الله اصطفي الاسلام و اختاره فاحسنوا صحبته بالسخاء و حسن الخلق و عن حريز عن ابيعبدالله عليه السلام قال كظم الغيظ عن العدو في دولاتهم تقية حزم لمن اخذ به و تحرز من التعرض للبلاء في الدنيا و معاندة الاعداء في دولاتهم و مماظتهم من غير تقية ترك امر الله فجاملوا الناس يسمن ذلك لكم عندهم و لاتعادوهم فتحملوهم علي رقابكم فتذلوا و عن السكوني قال قال ابوعبدالله ما من عبد كظم غيظا الا زاده الله عز و جل عزا في الدنيا و الآخرة و قد قال الله عز و جل و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين و اثابه الله مكان غيظه ذلك و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول من كظم غيظا و لو شاء ان يمضيه امضاه ملأ الله قلبه يوم القيمة رضاه و عن الوصافي عن ابيجعفر عليه السلام قال من كظم غيظا و هو يقدر علي امضائه حشي الله قلبه امنا و ايمانا يوم القيمة و عن ابيحمزة عن علي بن الحسين عليهما السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من احب السبل الي الله عز و جل جرعتان جرعة غيظ تردها بحلم و جرعة مصيبة تردها بصبر و عن ابيحمزة قال قال ابوعبدالله عليه السلام ما من جرعة يتجرعها العبد احب الي الله من جرعة غيظ يتجرعها عن ترددها في قلبه اما بصبر و اما بحلم انتهي ، المراد بالصبر تسلية النفس عند عدم القدرة علي الدفع و ترك الجزع و الحلم هو ترك الطيش عند القدرة علي الدفع و من الخصال ثلث من كن فيه استكمل خصال الايمان من صبر علي الظلم و كظم غيظه [ص 48] و احتسب و عفي و غفر كان ممن يدخله الله تعالي الجنة بغير حساب و يشفعه في مثل ربيعة و مضر و في جامع الاخبار قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كظم الغيظ و هو يقدر علي ان ينفذه دعاه الله يوم القيمة علي رؤس الخلايق حتي يخير من اي الحور شاء .
فصل - و مما يناسب هذا الباب من الصفات و ينخرط في نظامه العفو لان الله سبحانه قرنه بكظم الغيظ و قال و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و هو خصلة محمودة عند جميع العقلاء و اصله بمعني المحو يقال عفوت عن حقي اذا اسقطته فانك محوته عن الذي هو عليه و الصفح و ترك عقوبة المستحق فتقول عفا عنه ذنبه و عفا له ذنبه و عن ذنبه فان قلت عفا عنه او له ذنبه فتريد به محا و ان قلت عفا عن ذنبه تريد صفح عن ذنبه و قد ورد الحث الاكيد علي ذلك في كتاب الله و الاخبار المأثورة عن الآل عليهم صلوات الله ذي الجلال فقد قال الله سبحانه كما سمعت و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين و قال خذ العفو و أمر بالعرف و قال لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و قال فليعفوا و ليصفحوا و قال و ان تعفوا اقرب للتقوي و قال فمن عفي و اصلح فاجره علي الله ، و في الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله في خطبته ألااخبركم بخير خلائق الدنيا و الآخرة العفو عمن ظلمك و تصل من قطعك و الاحسان الي من اساء اليك و اعطاء من حرمك و عن حمران بن اعين قال قال ابوعبدالله عليه السلام ثلث من مكارم الدنيا و الآخرة تعفو عمن ظلمك و تصل من قطعك و تحلم اذا جهل عليك و عن ابيحمزة الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام قال سمعته يقول اذا كان يوم القيمة جمع الله تبارك و تعالي الاولين و الآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد اين اهل الفضل قال فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملئكة فيقولون و ما [ص 49] كان فضلكم فيقولون كنا نصل من قطعنا و نعطي من حرمنا و نعفو عمن ظلمنا قال فيقال لهم صدقتم ادخلوا الجنة و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله عليكم بالعفو فان العفو لايزيد العبد الا عزا فتعافوا يعزكم الله و عن حمران عن ابيجعفر عليه السلام قال الندامة علي العفو افضل و ايسر من الندامة علي العقوبة و عن ابنفضال قال سمعت اباالحسن عليه السلام يقول ماالتقت فئتان قط الا نصر اعظمهما عفوا و عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال ثلث لايزيد الله بهن المرء المسلم الا عزا الصفح عمن ظلمه و اعطاء من حرمه و الصلة لمن قطعه و عن علي بن الحسين عليه السلام في قوله فاصفح الصفح الجميل قال العفو من غير عتاب و عن علي عليه السلام اذا قدرت علي عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه و قال عليه السلام اولي الناس بالعفو اقدرهم علي العقوبة و عن ابيجعفر عليه السلام قال ثلث لايزيد الله بهن المرء المسلم الا عزا الصفح عمن ظلمه و اعطاء من حرمه و الصلة لمن قطعه و روي في جامع الاخبار اذا كان يوم القيمة نادي مناد من كان اجره علي الله فليدخل الجنة فيقال من هم فيقال العافين عن الناس يدخلون الجنة بلا حساب و في الوسائل عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله ألااخبركم باشبهكم بي قالوا بلي يا رسول الله قال احسنكم خلقا و الينكم كنفا و ابركم بقرابته و اشدكم حبا لاخوانه في دينه و اصبركم علي الحق و اكظمكم للغيظ و احسنكم عفوا و اشدكم من نفسه انصافا في الرضا و الغضب و في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام العفو عند القدرة من سنن المرسلين و المتقين و تفسير العفو ان لاتلزم صاحبك فيما اجرم ظاهرا و تنسي من الاصل ما اصبت منه باطنا و تزيد علي الاختيارات احسانا و هل يجد الي ذلك سبيلا الا من قد عفي الله عنه و غفر له [ص 50] ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و زينه بكرامته و البسه من نور بهائه لان العفو و الغفران صفتان من صفة الله عز و جل اودعها في اسرار اصفيائه ليتخلقوا مع الخلق باخلاق خالقهم و جاعلهم لذلك قال الله عز و جل و ليعفوا و ليصفحوا ألاتحبون ان يغفر الله لكم و الله غفور رحيم و من لايعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملك جبار قال النبي صلي الله عليه و آله حاكيا عن ربه يامره بهذه الخصال قال صل من قطعك و اعف عمن ظلمك و اعط من حرمك و احسن الي من اساء اليك و قد امرنا بمتابعته بقول الله عز و جل ما آتيكم الرسول فخذوه و ما نهيكم عنه فانتهوا و العفو سر الله في القلوب قلوب خواصه فمن يسر له سرا و كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقول أيعجز احدكم ان يكون كابيضمضم كان اذا اصبح يقول اللهم اني قد تصدقت بعرضي علي الناس عامة ، الي غير ذلك من الاخبار و اعلم ان العفو بمعني المحو فالمراد منه ان تمحو ذنب المذنب اليك عن لوح خاطرك و تنساه فلاتعامله معاملة المذنب و محض ترك الانتقام مع تذكر ذنبه و الكراهة عنه عفو ظاهري لا حقيقي فالعفو الكامل هو المحو عن لوح النفس باطنا و ترك العتاب و الانتقام ظاهرا .
فصل - قد تذكرت هنا مطلبا كليا شريفا و لمارض بان اتجاوزه و اهمل ذكره فاعلم ان العبد اذا اخلص لله العبودية و ائتمر اوامره و اجتنب نواهيه و اعرض عما سواه بكله و توجه الي ربه بكله استنار بانوار ربه حتي ان يفنيه من نفسه و يبقيه به و يخفيه بالكلية و يبدي نفسه منه الي ان يصل الي مقام يكون مرآه مرآه و مسمعه مسمعه قال تعالي في القدسي انما يتقرب الي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سكت عني ابتدأته و قال علي عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله [ص 51] خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و ان اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد فغاية الايجاد العبادة كما قال ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و غاية العبادة التقرب قال تعالي و اسجد و اقترب و غاية الاقتراب الاتصاف بصفات الربوبية و الاشتعال بانوار الالوهية و الاتحاد بظهور انوار الحي القديم القاهر القادر الذي يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته قال تعالي لهم ما يشاؤن فيها و لدينا مزيد و فيها ما تشتهي الانفس و تلذ الاعين فاذا تمحض العبد في الرب و اخلص و تزكي و تصفي حكي انوار الرب فاشرق منه تلك الانوار و ظهر منه الآثار فظهور آثار الانوار منه دليل الحكاية و هي دليل تعلق الانوار به و اشراقه بتجليها و تلألئه بمطالعتها و عدم ظهور الآثار منه دليل عدم الحكاية و هو دليل عدم التعلق به و عدم اشراقه بتجليها و عدم تلألئه بمطالعتها و ذلك مشهود لمن له عينان انظر الي المرآة اذا كان لها لحك أليس هذا اللحك دليل توجهها الي الشمس و صفائها و خلوصها في الشمس حتي حكتها و أليس هذا اللحك دليل ان الشمس متجلية لها مشرقة عليها متوجهة عليها فكذلك الانسان اذا ظهر منه العفو عمن اساء اليه و ظلمه تقربا الي الله و مداراة و ترحما علي عباد الله و تحننا عليهم لله و في الله و رعاية لان الله خلقهم لفائدة و ينبغي بقاؤهم الي ان يبلغوا تلك الفائدة و ليس من اسباب ذلك الانتقام و انما من اسبابه العفو حتي يبلغ الكتاب اجله و يظهر ما اراده الله من خلقه فاذا عفا عن الخلق بهذه النيات و العفو من صفات الله و هو العفو الغفور و يعفو عن كثير دل ذلك العفو علي انه تعلق به عفو الله جل و عز و تجلي له به حتي اشرق و طالعه به حتي تلألأ و القي في هويته مثال اسمه العفو فلاجل ذلك اظهر منه فعله ففي الحقيقة ما لميعف الله عن عبده لايقدر العبد [ص 52] علي العفو عن الخلق و ما لميصفح الله عن ذنب عبده لايقدر العبد علي الصفح عن ذنوب العباد و ما لميرحمه الله لايقدر علي الرحم علي الخلق و هكذا أليس انه اذا كان لحك المرآة كالانسان دل علي انه قابله انسان و اذا كان لحكها علي صورة حيوان دل علي انه قابلها حيوان و اذا كان لحكها علي صورة شجر دل علي انه قابلها شجر فكذلك نور اي فعل يسطع من الانسان يدل علي انه قابله منير كذلك فان كان الظاهر منه من الاخلاق الزكية و الصفات الحسنة التي يرضاها و يحبها دل علي انه تعلق به افعال الله و اسماؤه و صفاته و ان كان الظاهر منه الاخلاق السيئة و الصفات القبيحة التي يسخطها الله سبحانه دل علي انه قد تعلق به صفات الشيطان و اظلاله و ارجاسه و ذلك محسوس مشهود عند من له عينان فكل محسن مظهر الرحمن و كل مسيئ مظهر الشيطان فلاجل ذلك امر الانبياء عليهم السلام رعيتهم باكتساب الصفات الحسنة و الاخلاق الزكية و المكارم و المحاسن و نهوهم عن الاخلاق الردية و الاخلاق السيئة ان الله يامر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون و من البين ان الفحم اذا توجه الي النار و جاورها و ادام التوجه اليها يحتمي شيئا بعد شئ حتي يحمر و يصير نارا و يسمي بالنار و يصدر منه افعال النار و يصير مرآه و مخبره مرأي و مخبر النار و يصير خليفة النار و القائم مقامها في الاداء و ليس يبلغ هذا المقام الا بالتوجه الي النار و دوام التوجه و ليس رب الارباب جل شأنه باضعف تاثيرا من النار فاذا توجه العبد اليه و ادام التوجه و تخلق باخلاقه و تشبه به فيوشك ان يشتعل بنور تجليه و يحتمي بحرارة انواره و يصير خليفته في ارضه و لسانه المعبر عنه و عينه الناظرة و اذنه الواعية و وجهه الظاهر و يده الباطشة ألمتسمع قوله تعالي و من يتولهم منكم فانه منهم و قوله [ص 53] من تبعني فانه مني ، و قوله عليه السلام من تشبه بقوم اوشك ان يكون منهم و ارسال الرسل و انزال الكتب لاجل ذلك لا غير و العبودية جوهرة كنهها الربوبية و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد الا ان الاشتعال التام بجميع الاسماء و الصفات في كل مقام لميحصل الا لمحمد و آلمحمد عليهم السلام و من يقل منهم اني اله من دونه فذلك نجزيه جهنم و اما السايرون فكل بقدر سعة مرآة قابليته و صفائها و ما توجه اليه فافهم فانه لايمكن الافصاح بازيد من ذلك في مكان و انما ينبغي ذكر الحكمة متفرقا كما فعل الله سبحانه في كتابه و صنعه الحجج في سننهم و اخبارهم و هذا هو السر في تفريقنا الحكمة في الكتب العديدة و انما يجمعها من سبق له من الله الحسني و كتب له ان يكون من اخواننا بالجملة من تلك الصفات العفو و الصفح الذي نحن بصدده فالعفو هو صفة الله جل و عز و هو عفو غفور و هو صفة مظاهر صفاته قال تعالي لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم فمن توجه الي الله و اليهم و اخلص في التوجه و ادام حتي انفعل باسمه العفو و اشتعل بناره قدر علي الانارة بالعفو و اظهار العفو و الا فلا فالعفو عن الخلق دليل عفو الله عن عبده و دليل تعلق العفو به حتي صار معفوا كما ان اضاءة السراج دليل تعلق النار المضيئة حتي استضاء فاذا كمل الاستضاءة اضاء و الا فلا فمن كان منكم طالبا لعفو الله جل و عز ان يتعلق به و يعفو الله عن ذنوبه فليعف عن المسلمين كما امر الله رب العالمين و ليصفح عنهم فاذا عفوت عن الناس و يضرك ظلمهم فالله اولي بالعفو عنك و لايضره ظلمك وفقنا الله و اياكم بالتخلق باخلاقه و الاتصاف بصفاته انه رؤف رحيم و ان قلت اذا كان عفوي عن الخلق بعد اشتعالي باسم الله العفو و هو بعد عفو الله عن ذنبي فكيف يكون عفوه عن ذنبي جزاء عفوي عن الناس و هكذا [ص 54] ساير الصفات و كيف اكتسب العفو عن الناس و لميتعلق بي عفوه قلت انك اذا نظرت الي المرآة نظر الشبح اليك و ان اعرضت عنه اعرض عنك و لا شك في ذلك و لكن اذا كان النظر نزوليا رأي تقدم نظر الشاخص علي نظر الشبح قال الصادق عليه السلام ما لميذكر الله العبد بالتوفيق لذكره لايقدر العبد علي ذكره ه ، و اما اذا نظرت صعودا فيكون ذكرك مقدما و ذكره جزاء مؤخرا قال تعالي اذكروني اذكركم و كذلك حال هذه الصفات ففي النظر النزولي ما لميعف الله عن عبده لايقدر العبد علي العفو عن عباد الله و اما صعودا فاذا عفوت عن العباد عفا الله عنك جزاء لعفوك و في الحقيقة هما معا و لميعف الله عنك الا لاجل عفوك عن الخلق و لمتعف عن الخلق الا لاجل عفوه عنك فهما كالكسر و الانكسار و هو سر الاختيار و ثمرة سابق علم الله بالاخيار و الاشرار .
فصل - و من الاخلاق الزكية التي ينتظم في هذا النظام الصبر و هو اصل كثير من المكارم و الخصال و من عزايم الله جل جلاله فاحببت ان اشرحه في هذا المقام تذكيرا لنفسي و لاخواني المؤمنين اعلم ان الصبر لغة هو حبس النفس عن الجزع علي المكروه و الجزع هو ضعف المتن عن حمل ما نزل فاذا له اقسام ثلثة صبر علي الطاعة فانها ثقيلة علي النفس مضعفة لها و منافية لما به قوتها و اشار الله جل شأنه اليه و أمر اهلك بالصلوة و اصطبر عليها و لاترضي علي تحملها فهي مكروهة لها و صبر عن المعصية فان ترك المعصية شاق علي النفس ثقيل عليه لان مددها من المعصية و عدم وصول المدد مضعف لها و لربما يقتلها فيثقل عليها الترك و تكرهه و عليه يدل قوله تعالي ستجدني ان شاء الله صابرا و لااعصي لك امرا ، و صبر علي المصائب و البلايا النازلة فانها مكروهة للبنية البشرية و لاتطيقها او تقدر عليها فهي مشقة و عليه يدل قوله تعالي [ص 55] و بشر الصابرين الذين اذا اصابتهم الآية ، و جميعها مكروهة و الانسان في جميع الحالات لايخلو من شئ من هذه الحالات قال الله تعالي و الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس اولئك الذين صدقوا و اولئك هم المتقون فالصبر في الاعمال علامة الصدق في العلوم و علامة التقوي فلا بد له من الصبر اذ به نجاة الدنيا و الآخرة و بتركه هلاك الدنيا و الآخرة اذ بتركه يترك الطاعة و يرتكب المعاصي و يجزع عن نزول البلاء و في ذلك كله هلاك الدنيا و الآخرة فتبين انه من الصفات الكريمة و يجب الاهتمام في تحصيله و الصابرون ثلثة فمنهم من يصبر علي المكروه تجلدا و اظهارا لتحمل المكاره و التثبت في النوائب و هو صبر المرائين ينال به ثواب الدنيا من حفظ المال و البدن و العز و ذلك ان اوامر الله سبحانه فيها خير الدنيا و الآخرة فمن عمل بها للدنيا نال بها خير الدنيا و من عمل بها للآخرة نال بها ثواب الآخرة و منهم من يصبر طلب الاجر و الثواب و هو يجد مرارة المكروه و مضضه و لكن يتحمل علي مشقته علما بانه يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب فذلك يناله ثواب الآخرة و الله اكرم من ان يعد عبده علي عمل ثم يعمل ذلك العبد ذلك العمل رجاء ذلك الثواب فلميعطه و لكنه عبادة الاجراء و منهم من يصبر صبر الاكارم علما بان البلاء هدية من الله سبحانه اليه و انزله عليه من جهة محبته اياه فيصبر فرحا مسرورا بما اختاره الله له قال الله سبحانه بشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة و اولئك هم المهتدون فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الي الله سبحانه به فتقربوا و سنذكر ان شاء الله بعد ذلك شرح احوال البلاء حتي تتلقاه راضيا مسرورا فهذا الرجل يصبر علي الطاعة فانها قرة عينه و عن المعصية لان فيها سخط محبوبه و علي البلاء لانها هدية ربه اليه و لاجل [ص 56] شرافة هذه الخصلة الشريفة قد حث الله عليه في كتابه ما لميحث مثله علي ساير الخصال و امر به في مواضع من كتابه و وعد عليه ثواب الدنيا و الآخرة فقال و اتبع ما يوحي اليك و اصبر حتي يحكم الله فوعده الحكم له بصبره في الدنيا و الآخرة و قال و اصبر علي ما يقولون في آي عديدة و قال و اصبر فان الله لايضيع اجر المحسنين فسمي الصابر محسنا و وعده ان لايضيع اجره و قال و اصبر لحكم ربك فانك باعيننا و قال و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم الآية و قال و ان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به و لئن صبرتم لهو خير للصابرين و اصبر و ما صبرك الا بالله و لاتحزن عليهم و لاتك في ضيق مما يمكرون ان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون فاخبر ان الصبر او الله هو خير للصابرين من المعاقبة و سمي الصابر متقيا و محسنا و اخبر ان الله مع المتقين المحسنين كما قال و اصبروا ان الله مع الصابرين و ذلك شرف للصابرين لايضاهي و فخر لايساوي اذ معية الله مع عبده لايتناهي و هو الاجر بغير حساب حيث يقول انما يوفي الصابرون اجرهم بغير حساب و قال و اصبروا ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين فوعدهم بالعاقبة المحمودة بعد ما سماهم المتقين و وعدهم استيراث الارض و قال يا ايها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون فوعدهم الفلاح و قال و أمر اهلك بالصلاة و اصطبر عليها و قال فاعبده و اصطبر لعبادته و قال فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل و لاتستعجل لهم و قال فاصبر ان العاقبة للمتقين و قال فاصبر ان وعد الله حق و قال فلربك و اصبر و قال فاصبر لحكم ربك و قال فاصبر صبرا جميلا و قال و استعينوا بالصبر و الصلوة ان الله مع الصابرين فامرهم بالاستعانة بالصبر علي كل صعب و وعدهم الظفر بالمطلوب بدليل ان الله مع الصابرين و لايمتنع عن حكمه شئ و قال ام حسبتم ان تدخلوا [ص 57] الجنة و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين و قال لنبلونكم حتي نعلم المجاهدين منكم و الصابرين فوعد الصابرين الجنة و قال و ان تصبروا خير لكم و الله غفور رحيم فوعدهم المغفرة و الرحمة و قال و ان تصبروا و تتقوا لايضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيط فوعدهم الحفظ من كيد الاعداء و قال فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مأتين الآية ، فوعدهم الغلبة علي الاعداء كما قال و تمت كلمة ربك الحسني علي بنياسرائيل بما صبروا و دمرنا ما كان يصنع فرعون و قومه و ما كانوا يعرشون و قال سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار فوعدهم دار السلام و قال و لنجزين الذين صبروا اجرهم باحسن ما كانوا يعملون فوعدهم الاجر الاحسن من غير حد و قال اني جزيتهم اليوم بما صبروا انهم هم الفائزون فاخبر انهم الفائزون المجزيون بصبرهم و قال و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا و قال اولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا فوعدهم تثنية الاجر بصبرهم و قال اولئك يجزون الغرفة بما صبروا و يلقون فيها تحية و سلاما و قال ثواب الله خير لمن آمن و عمل صالحا و لايلقيها الا الصابرون و قال بشر الصابرين الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله و انا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة و اولئك هم المهتدون فوعدهم الصلوات و الرحمة و الهداية و سمي انبياءه بالصابرين و قال و اسمعيل و ادريس و ذاالكفل كل من الصابرين و قال في اسمعيل ستجدني ان شاء الله من الصابرين و قال في ايوب انا وجدناه صابرا نعم العبد انه اواب و قال في موسي ستجدني ان شاء الله صابرا و اخبر عن انبيائه قال و لقد كذبت رسل من قبلك فصبروا علي ما كذبوا و اوذوا حتي اتيهم نصرنا و قال و ما لنا ان لانتوكل علي الله و قد هدانا سبلنا و لنصبرن علي ما آذيتمونا و علي الله فليتوكل المتوكلون و اخبر عن قوم صالحين قالوا ربنا افرغ علينا صبرا و توفنا [ص 58] مسلمين و كذا ربنا افرغ علينا صبرا و ثبت اقدامنا و انصرنا علي القوم الكافرين و قال و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر و ذكر ان الصبر من عزائم الامور و قال و ان تصبروا و تتقوا فان ذلك من عزم الامور و قال و اصبر علي ما اصابك ان ذلك من عزم الامور اي من الامور المحكمة او اللازمة و قال و لمن صبر و غفر ان ذلك لمن عزم الامور و قال في آي ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور فاخبر ان الصابرين اهل الاستبصار و النظر و المعرفة بالآيات ثم ما مدح الصابرين في اصحاب ساير الصفات الحميدة فكثير اعرضنا عنها خوف الاطالة فلو تدبرت فيما نوه الله سبحانه باسمهم و مدحهم و وعدهم لعلمت انه من عزائم الامور و كرائم الخصال و ان الله سبحانه مامدح صفة من الصفات مثل ما مدحه كيف و بالصبر يبقي الانسان موحدا و مسلما و عابدا و تاركا للمعاصي و الشهوات و تاركا للدنيا و ظافرا علي اعدائه و حافظا لماله و بدنه و روحه و حواسه و مشاعره و عقله و يفوز به بعاقبة الدار و الجنة و الاجر بغير حساب و يصير من اهل الصلوات و الرحمة و الهداية و يصير مع الله و الله معه و يدخل في المقتفين اثر الانبياء و الرسل و الصالحين فاي عمل يساوي هذا العمل و اي خصلة تضاهيه كيف لايكون كذلك و كل خصلة تنفع ان صبرت عليها و صارت ملكة لك و اغلب الخصال من حقيقة الصبر و لكن يسمي باسم آخر فان صبر عن الشهوة يسمي عفة و ان كان عن الغيظ يسمي كظما و ان كان عن السفه يسمي حلما و ان كان في الحرب يسمي شجاعة و ان كان علي السر يسمي كتمانا و ان كان في النوائب يسمي سعة الصدر و ان كان عن الدنيا يسمي زهدا و ان كان عن الفضول يسمي قناعة و ان كان عن طيش يسمي وقارا و هكذا و اجمل لك القول ان كل صفة قبيحة يضادها صفة حسنة فمن صبر عن [ص 59] القبيحة يتصف بتلك الحسنة فهي في الحقيقة من حقيقة الصبر فلاجل ذلك امر الله به كل هذا و حث عليه و مدح به و وعد عليه الاجر و الظفر و الفوز و الفلاح و الغلبة و السلامة و العاقبة و الجنة و الدرجات العالية و مضاعفة الاجر و الاجر بغير حساب و كون الله معه و هو رأس كل خير و لميحث علي غيره كل هذا فينبغي للمرء المؤمن ان يحصله و لو بشق الانفس و اعلم ان فضيلة الصبر تختلف بحسب ما يصبر عليه او عنه او فيه و بحسب مدة الصبر و نيته فليس الصبر علي طاعة كالصبر علي طاعات و تختلف ايضا و ليس الصبر عن اللغو كالصبر عن الكذب و تختلف المعاصي ايضا و ليس صبر يوم كصبر يومين و ليس الصبر بنية الاجر كالصبر علي وجه الرضا و السرور و لو تدبرت فيما ذكرت لقدرت علي معرفة مراتب الصبر ان شاء الله و جزئيات موارد الصبر لاتكاد تحصي كالصبر علي العلم فلاتدعي ما ليس لك من نبوة او امامة او ولاية و علي العافية فلاتبطر و علي المال فلاتطغي و علي الاولاد و الخدم فلاتبغي و علي الطاعات فتديمها و بعدها فلاتحرقها و تمحوها و عن المعاصي فلاتفعلها و عن الشهوات فلاترتكبها و عن الدنيا فلاتطلبها و علي الحق فلاتتجاوزه و هكذا و ان تفكرت بعد ما نبهناك تقدر علي استخراج امثالها و اعلم ان الصبر منك علي المصيبة مصيبة لعدوك و فرح لصديقك و الجزع مصيبة ثانية عليك و علي صديقك و فرح لعدوك اذ به حبط اجرك و ضرر مالك و بدنك و شماتة عدوك و سخط ربك و في الحقيقة الصبر رضاء عن الرب فيرضي الله به عنك و الجزع سخط عليه فيسخط الله به عليك فانظر لنفسك و تدبر هل يبلغك الجزع الي مأمولك في الدنيا و الآخرة ام لا فان لميبلغك الي مأمولك فعليك بالصبر فان الله وعدك احد الامرين اما الظفر بمطلوبك و هو حظك الاحسن و اما الاجر الجزيل [ص 60] و الصلوات و الرحمة و الهداية و كونه معك و كفي به حظا و لو تمكنتك و رضيت بتلف نفسك و اهلك و ولدك و مالك رجاء ان يكون الله معك لكان قليلا في كثير ما ترجوه في كونه معك بلا نهاية و انت لو كان معك ناصر او ناصرون لرجوت ان تنال بغيتك فكيف و ان الله رب العالمين يعدك ان يكون معك .