كتاب طريق النجاة المجلد الثالث
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان هذا هو المجلد الثالث من كتاب طريق النجاة في علم الطريقة و قد تم الباب الثالث من ابواب الكتاب في المجلد الثاني علي ما شاء الله و اشرع الآن بحول الله و قوته في الباب الرابع من ابواب الكتاب فاقول :
من ابواب الكتاب في الحلم و فيه مقدمة و فصول :
الاول - اعلم ان الحلم لغة الصفح و الستر و الاناة و العقل و رزانته و ضده السفه و هو خفة العقل علي ما في المعيار و لكن ضده السفه اذا كان بمعني رزانة العقل و اما اذا كان بمعني الصفح فضده الانتقام و اذا كان [ص 3] بمعني الستر فضده الهتك و اذا كان بمعني الاناة فضده التسرع و اذا كان بمعني العقل فضده الجهل و لعل معناه الظاهر المتبادر رزانة العقل فان في حديث جنود العقل و اضداده قال ابوعبدالله عليه السلام الحلم ضده السفه و الصفح ضده الانتقام و التؤدة ضدها التسرع فيظهر من هذا الخبر الشريف ان المعني المتبادر الشايع من الحلم هو رزانة العقل فان السفه خفته و علي اي حال يلزمها الصفح و الستر و الاناة فانها من فروع العقل الكامل و شعبه و ذلك انه اذا كان الانسان عاقلا كان له استعلاء علي من ليس بعاقل مثله و كان متنزها عن الخسايس و الرذائل متحليا بالفضائل عالما بلوازم كل مرتبة كريم النفس جليل القدر فلايسارع الي الانتقام عمن اساء اليه بمقتضي دناءة رتبته عالما بان الانتقام من لوازم تساوي الرتبة و هو مستعل علي ما سواه فيصفح عمن اساء اليه تكرما و يغمض عن اساءته لتنزه ساحته عن التضرر بها و يستر علي الادنين عيوبهم و لايهتك حجبهم و كذا يكون العاقل عالما بعدم الفوات متيقنا ان من دخل عرصة الوجود لايخرج عنها و انه كما بدأكم تعودون و ما يعمله العاملون يحضر يوم القيمة و يلزمهم كما قال تعالي و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و ان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره فيعلم ان كل احد ملزم به ماخوذ بعمله فلايعجل و لايسارع في المكافاة و ينشأ من ذلك الاناة و التؤدة كما في الدعاء في صفة الله ذي اناة لايعجل و في آخر و انما يعجل من يخاف الفوت فالتأني في الامور و عدم المبادرة يورث له العلم بالاصلح و قد كثر في الاخبار و كلمات الاكابر الابرار قرن العلم بالحلم فعن اميرالمؤمنين في علامات المؤمن يمزج الحلم بالعلم و العقل بالصبر و عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله نعم وزير الايمان العلم و نعم وزير العلم الحلم و نعم وزير الحلم [ص 4] الرفق و نعم وزير الرفق الصبر و عن ابيعبدالله عليه السلام اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم و لاتكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم و عن ابيالحسن الرضا عليه السلام ان من علامات الفقه الحلم و الصمت ، الي غير ذلك من الاخبار المتكثرة و لمار من كشف عن سر ذلك من العلماء و سر ذلك ان للانسان مقامين مقام طبيعة و هوية و مقام روح و هو من امر الله و آية الله في القدسي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و مرادي بالروح هنا النفس الناطقة القدسية التي هي آية الله و عنوانه و مرادي بالطبيعة القابلية الحيوانية و النباتية و الجمادية التي هي مؤلفة من الطبايع الاربع المتضادة ففي عرصة الطبايع يكون بين الاشياء تعاد و تضاد لان تكثر الاشياء باختلافها في الكم و الكيف فمن غلب عليه النار يضاد من غلب عليه الماء و يعاديه و ينافيه و يتنافر منه و بالعكس و من غلب عليه الهواء يضاد من غلب عليه التراب و يعاديه و ينافيه و بالعكس فلاجل ذلك يكون دار الطبايع دار التعادي و التضاد فان توالف شيئان من جهة تخالفا من جهات و تعاديهم تعاد طبيعي من غير رويّة و ان توالفوا في جهة يوما ما توالفوا بالطبع من غير روية و هو قوله تعالي و ان كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم علي بعض الا الذين آمنوا و ذلك انه قد اوجد الله في الذين آمنوا روح الايمان و النفس الناطقة القدسية آية الواحد جل شأنه و هي فوق الطبايع و الغالب عليها جهة الرب و لا تعادي بين المؤمنين و لا تنافر انما المؤمنون اخوة و اذكروا اذ كنتم اعداء اي في الطبايع فألف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا بايجاد روح الايمان فيكم و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها علي ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه [ص 5] النور و امه الرحمة فالذين هم في عرصة الطبايع و التضاد اذا حصلوا العلم ينصبغ علمهم في طبايعهم و يجري مجري طبايعهم فيعادي صاحب العلم المصبوغ بالصفراء مثلا صاحب العلم المصبوغ بالبلغم و يحاسده و يتكبر عليه و يتطاول عليه و يخاصمه و يجادله و يسابه و يشاتمه و يأنف عن الاخذ عنه و الرجوع اليه فيما يجهل و هكذا و بالعكس و كذا صاحب العلم المصبوغ بالدم بالنسبة الي صاحب العلم المصبوغ بالسوداء فلاجل ذلك يكون بين هذا النوع من العلماء غاية اللجاج و التعادي و التخاصم و التخاذل و التجادل و التحاسد و التكفير و التبري و التنافر و هم بمقتضي قوله تعالي بل هم اضل صاروا اسوء في كل عيب من الجهال و هم احسن حالا من العلماء بكثير و لذلك قال الصادق عليه السلام يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب فهؤلاء هم العلماء السوء الذين قد مر ذمهم في باب العلم و انما يمكن هؤلاء طلب العلم لانهم خلقوا لاجل الايمان و الانسانية فهم مستعدون من حيث القابلية للتعلم فيتعلمون و لكن ينصبغ العلم في طبايعهم فيصير كاحد الطبايع فلايثمر العلم لهم ثمرا و لايحدث لهم خوفا من الله و لا خضوعا لاجل انه لهم علم طبيعي غير حاصل لهم عن شعور ألمتسمع قوله تعالي لهم قلوب لايفقهون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها كل ذلك يعني به الحق و الا فهم يفقهون و يسمعون و يبصرون بمقتضي الحيوانية الناطقة ، و اما النفس الناطقة القدسية الانسانية الايمانية فانها اذا كملت و حصل لها العلم فعلمها يثمر لها ثمر الخوف و الهرب من المعاصي و الرجاء و اليقين و مشاهدة الفضل و المعرفة و المحبة و ايثار المحبوب علي ما سواه و يورث له التودد مع اخوانه و الحلم الذي هو الصفح و التكرم عن اهل الطبايع [ص 6] و الستر عليهم و التؤدة و الاناة في حقهم لعدم المضادة بينه و بينهم فذلك العلم هو مقارن مع الحلم و ملازم له فهو العلم الذي زانه الحلم و ذلك هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام لايكون السفه و الغرة في قلب العالم فهذا العالم هو العالم المؤمن العامل بعلمه لا العالم الطبيعي الذي لا عقل له فالعلماء الطبيعيون سفهاؤ اخفاء العقول و اما العلماء الصمدانيون فهم علماء حلماء كادوا من الحكمة ان يكونوا انبياء فاولئك الذين ورد في شأنهم ذلك الفضل الجزيل الذي سمعته في باب العلم و منه فضل العالم علي العابد كفضل القمر علي ساير النجوم ليلة البدر و ان العلماء ورثة الانبياء ان الانبياء لميورثوا دينارا و لا درهما و لكن ورثوا العلم فمن اخذ منه اخذ بحظ وافر انتهي ، فمن علامات العلم الايماني ان يؤثر له التأثيرات التي ذكرناها حتي يسعد بعلمه و يكون مقرونا بالحلم و الورع و التقوي و ساير الصفات الحميدة بالجملة هذا هو سر اقتران العلم بالحلم و له ايضا وجه ظاهر و هو ان العالم لا بد و ان يكون في عالم الطبايع حار المزاج اذ العلم لايحصل الا من حرارة لطيفة نافذة في الاعماق و له تأويل قوله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم فاذا كان حار المزاج كان ذا حدة و عجلة و طيش و خرق و تهور و تكبر و استعلاء و غضب و جدال و سفك و سب و امثال ذلك و اما الحلم فلايكون الا من البرودة و اليبوسة و يعينها الرطوبة و منها التحمل و الصبر و الرفق و البشاشة و اللينة و مزاجه ضد مزاج العلم فاذا قرن العلم بالحلم اعتدل و زان كل الآخر و اذا كان العلم بلا حلم لميكن له موقع في القلوب و لايؤثر فيها مع تلك الصفات الردية و لايقرب احد منه و لايقدر علي التعلم منه و يذهب ضياعا و انما خلق العالم لهداية الناس و تعليمهم و تقريبهم و الناس متنفرون عن تلك الصفات اللازمة للعلم لولا الحلم فلاجل [ص 7] ذلك لايزين العلم شئ مثل الحلم فافهم قال الله تعالي لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم الآية ، و لنختم هذا المقصد بذكر حديث شريف و ان كان طويلا ففي الكافي عن ابيعبدالله عليه السلام قال طلبة العلم ثلثة فاعرفهم باعيانهم و صفاتهم صنف يطلبه للجهل و المراء و صنف يطلبه للاستطالة و الختل و صنف يطلبه للفقه و العقل فصاحب الجهل و المراء موذ ممار متعرض للمقال في اندية الرجال بتذاكر العلم و صفة الحلم قد تسربل بالخشوع و تخلي من الورع فدق الله من هذا خيشومه و قطع به حيزومه و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب و ملق يستطيل علي مثله من اشباهه و يتواضع للاغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم فاعمي الله علي هذا خبره و قطع من آثار العلماء اثره و صاحب الفقه و العقل ذو كأبة و حزن و سهر قد تحنك في برنسه و قام الليل في حندسه يعمل و يخشي وجلا داعيا مشفقا مقبلا علي شأنه عارفا باهل زمانه مستوحشا من اوثق اخوانه فشد الله من هذا اركانه و اعطاه يوم القيمة امانه انتهي ، فهذا الاخير هو الذي قد تعلم نفسه الناطقة القدسية و هي لاتتعلم و لاتعلم و لاتعمل الا لله و اما الاولان فهم اهل الطبيعة و المكر و الخدع و التعادي فلا حلم لاولئك و ان حلموا يوما فهو مكر و خديعة و سيفضحهم الله تعالي بعلامة اخري و الا فلا حلم لهم و هم اهل بغي و عدوان نعوذ بالله و اعلم ان من الطبايع الارض و السوداء و هي تورث البلادة و الجمود و ليس اهلها مستعدين لتحصيل العلم نعم هم اهل حفظ لما انطبع في حجر طبيعتهم بعد جد جهيد و منها البلغم و هو بليد ناس لايستعد لشيء و منها الدم و هو مستعد للشهوات و الاهواء قليل الحفظ و ان كان مستعدا لشيء من العلم و احسن من الطبعين المتقدمين و منها الصفراء و هي مستعدة للعلم و الغوص و النفوذ و الدقة [ص 8] و شق الشعر و الحفظ و لكن لها نزق و طيش و خرق و عجلة و تسارع و تخاصم و تحاسد و ظلم و غشم و هتك و جدال فقلما يخلو العالم الطبيعي من هذه الصفات فمن مزج بعلمه الوقار و الحلم و الرفق و التؤدة و الاناة و التوادد و الكرم و العدل و الستر و العفة فذلك الذي ليس علمه من الطبايع بل علمه من روح الايمان المستعلي عليها الخارج عن حدودها فيستعمل الصفراء في العلم و الدم في التودد و التكرم و البلغم في اللين و الرفق و السوداء في الحلم و الصبر و الوقار و السكون و هكذا فذلك العالم كل العالم فبه فتشبثوا و بعروة ولايته فتمسكوا فافهم فقد انكشف الغمام عن وجه المرام ببركة ائمة الانام عليهم صلوات الله العلام .
الثاني - اعلم ان الحلم كما قدمنا في اول الكتاب هو قوة من قوي النفس كالذكر و الفكر و العلم و مستقره القبضة التي في الانسان من فلك زحل فانه فلك العاقلة و الحلم هو رزانة العقل و وقاره و اناته و تؤدته و سكونه فهو اي الحلم مستقره تلك القبضة فاذا تجلي ضياء النفس الوحدانية التي هي آية الرب الواحد علي فلك الزهرة و المريخ احدثت فيهما ذكرا و اذا اشرقت علي فلك عطارد احدثت فيه فكرا و اذا اشرقت علي فلك المشتري احدثت فيه علما و اذا اشرقت علي فلك زحل احدثت فيه حلما و اذا اشرقت في فلك الشمس احدثت فيه نباهة كما ان الروح الحيوانية الواحدية بالنسبة اذا اشرقت علي العين احدثت فيها ابصارا و اذا اشرقت علي الاذن احدثت فيها سمعا و هكذا ساير الحواس و اما نفس الروح في عالمها فواحدة دراكة مطلقة و يقال فيها من اجل ذلك الاشراق في تلك الحواس انها اي ان الروح بصيرة سميعة شامة ذائقة لامسة و يتدارك ذلك بانها بصيرة بكلها سميعة بكلها لا ان ذلك الكل له بعض بل يراد به التعبير عن كمالها في وحدتها و قيام [ص 9] الحواس باشراقها و كذلك حال النفس الناطقة بل هي اعظم و اعظم و اشد توحدا فهي الذاكرة الفكورة العليمة الحليمة النبيهة ذاكرة بكلها فكورة بكلها و هكذا الا ان هذه القوي تظهر منها في افلاك بدن الانسان فهي حليمة في فلك زحل يكون في بدن الانسان و هي عاقلته و كذلك الامر في جميع اخلاقها و صفاتها فهي تغضب في الصفراء و تحب في الدم و تشهو في البلغم و تخاف في السوداء و هكذا ساير خصالها فجميعها في مراتب القابلية و هي في عالمها واحدية بالنسبة وحدة قد وصف الله نفسه لها بها اذ من عرف نفسه عرف ربه و انت لو راجعت الي نفسك لوجدتها وحدانية ليس فيها تكثر اجزاء و لا صفات و لا افعال و انما تحصل لها في مظاهر قوابلها و هذا اصل لو حفظته لاهتديت به الي كثير من المسائل .
الثالث - اعلم ان الحلم كما عرفت هو رزانة العقل فهو فرع العقل و اذا رزن العقل و كمل تفرع منه فروع و تشعب منه خيرات كثيرة اذ هي من لوازم الرزانة و لذا اختاره الائمة عليهم السلام قرينا للعلم و قرنوه به و مدحوا العلم و اهله بمقارنته و في الزيارة في صفتهم و خزان العلم و منتهي الحلم و في حديث ابيعبدالله عليه السلام عن زينالعابدين عليه السلام عن الحسين عليه السلام حيث قال للعسكر انشدكم بالله هل تعلمون ان عليا عليه السلام كان اولهم اسلاما و اعلمهم علما و اعظمهم حلما و انه ولي كل مؤمن و مؤمنة قالوا اللهم نعم و في حديث همام قال عليه السلام في صفة المؤمن كثير علمه عظيم حلمه فاما الصفات التي تتشعب من الحلم فتعرف مما ذكره النبي صلي الله عليه و آله لشمعون بن لاوي بن يهودا من حواري عيسي عليه السلام حين سأله عن العقل الي ان قال صلي الله عليه و آله فتشعب من العقل الحلم و من الحلم العلم و من العلم الرشد و من الرشد العفاف و من العفاف الصيانة [ص 10] و من الصيانة الحياء و من الحياء الرزانة و من الرزانة المداومة علي الخير و من المداومة علي الخير كراهة الشر و من كراهة الشر طاعة الناصح فهذه عشرة اصناف من انواع الخير و لكل واحد من هذه العشرة الاصناف انواع فاما الحلم فمنه ركوب الجميل و صحبة الابرار و رفع من الضعة و رفع من الخساسة و تشهي الخير و تقرب صاحبه من معالي الدرجات و العفو و المهل و المعروف و الصمت فهذا ما تشعب للعاقل بحلمه و اما العلم فيتشعب منه الغني و ان كان فقيرا و الجود و ان كان بخيلا و المهابة و ان كان هينا و السلامة و ان كان سقيما و القرب و ان كان قصيا و الحياء و ان كان صلفا و الرفعة و ان كان وضيعا و الشرف و ان كان رذلا و الحكمة و الحظوة فهذا ما يتشعب للعاقل بعلمه فطوبي لمن عقل و علم و اما الرشد فيتشعب منه السداد و الهدي و البر و التقوي و المنالة و القصد و الاقتصاد و الثواب و الكرم و المعرفة بدين الله فهذا ما اصاب العاقل بالرشد فطوبي ( لهم . نسخة ) لمن اقام علي منهاج الطريق و اما العفاف فيتشعب منه الرضا و الاستكانة و الحظ و الراحة و التفقد و الخشوع و التذكر و التفكر و الجود و السخا فهذا ما يتشعب للعاقل بعفافه و رضي بالله و بقسمه و اما الصيانة فيتشعب منها الصلاح و التواضع و الورع و الانابة و الفهم و الادب و الاحسان و التحبب و الخير و اجتناب الشر فهذا ما اصاب العاقل بالصيانة فطوبي لمن اكرمه مولاه بالصيانة و اما الحياء فيتشعب منه اللين و الرأفة و المراقبة لله في السر و العلانية و السلامة و اجتناب الشر و البشاشة و السماحة و الظفر و حسن الثناء علي المرء في الناس فهذا ما اصاب العاقل بالحياء فطوبي لمن قبل نصيحة الله و خاف فضيحته و اما الرزانة فيتشعب منها اللطف و الحزم و اداء الامانة و ترك الخيانة و صدق اللسان و تحصين الفرج و استصلاح المال و الاستعداد للعدو و النهي عن [ص 11] المنكر و ترك السفه فهذا ما اصاب العاقل بالرزانة فطوبي لمن توقره و لمن لمتكن له خفة و لا جاهلية و عفا و صفح و اما المداومة علي الخير فيتشعب منه ترك الفواحش و البعد من الطيش و التحرج و اليقين و حب النجاة و طاعة الرحمن و تعظيم البرهان و اجتناب الشيطان و الاجابة للعدل و قول الحق فهذا ما اصاب العاقل بمداومة الخير فطوبي لمن ذكر ما امامه و ذكر قيامه و اعتبر بالفناء و اما كراهية الشر فيتشعب منه الوقار و الصدق و النصر و الصبر و الاستقامة علي المنهاج و المداومة علي الرشاد و الايمان بالله و التوفر و الاخلاص و ترك ما لايعنيه و المحافظة علي ما ينفعه فهذا ما اصاب العاقل بالكراهة للشر فطوبي لمن اقام الحق لله و تمسك بعري سبيل الله و اما طاعة الناصح فيتشعب منها الزيادة في العقل و كمال اللب و محمدة العواقب و النجاة من اللوم و القبول و المودة و الاسراج و الانصاف و التقدم في الامور و القوة علي طاعة الله فطوبي لمن سلم من مصارع الهوي فهذه الخصال كلها تشعبت من العقل الحديث ، اما قوله صلي الله عليه و آله فتشعب من العقل الحلم فلأن من عقل ارتفع درجته علي جميع من سواه لانه اول ما خلق الله فيتكرم عن الجهال و اصحاب الطبايع و مجادلتهم و مخاصمتهم و الانتقام منهم و يختار الاحسن و الافضل و يعلم ان ما يناله بالصفح و الاناة لايناله بغيره لقول ابيعبدالله عليه السلام كفي بالحلم ناصرا و لأن جميع الناس نصار الحليم و لائمون للسفيه البذي الفاحش و لقول النبي صلي الله عليه و آله مااعز الله بجهل قط و لااذل بحلم قط و لأنه من صفات الله الغفور الحليم و لما في التأني من تبصر العواقب و قوله صلي الله عليه و آله و من الحلم العلم فلأن بالحلم و التؤدة يتمكن الانسان من النظر و الفكر في العواقب و تبصر مواطئه و لأن العلماء يتنفرون من السفاهة و يقلون السفيه و يحرمونه من علومهم و يمنع الله فيوضه [ص 12] من السفيه فلايجعله مودع اسراره و علومه لعدم ضبطه و حفظه و خرقه و نزقه و لانه يطغي ان رآه استغني و يترتب علي تعليمه المفاسد فمن كان حليما كان قابلا لجميع ذلك مستعدا متحملا للعلوم و الاسرار و قوله صلي الله عليه و آله و من العلم الرشد فالرشد الصلاح و هو خلاف الغي و الضلال و اصابة الصواب و الاهتداء كما في المعيار و من البين ان بالعلم يهتدي الي كل صواب و صلاح و لولا العلم لمااهتدي احد الي صواب ابدا و قوله صلي الله عليه و آله و من الرشد العفاف فالعفاف هو الامتناع عن محارم الله و لا شك انه يحصل بالرشد و الاهتداء الي الخير و الشر و الخطاء و الصواب و الحرام و الحلال فما لميرشد الانسان الي الشر لميقدر علي التعفف عنه و قوله صلي الله عليه و آله و من العفاف الصيانة فهي الحفظ فمن عف عن المحرمات فقد صان نفسه عما يضرها و عما يهلكها و عما يذلها في الدنيا و الآخرة فان الله جل و عز مامنع العباد من شئ الا و هو ضار به في الدنيا و الآخرة فمن عف عنها فقد صان عرضه في الدنيا و الآخرة و ماله و اهله و ولده و جميع ما خوله الله و قوله صلي الله عليه و آله و من الصيانة الحياء فلأن من صان عرضه و اهله و ولده و تعود ذلك لميستأنس بالخلع و الانتزاع الي القبايح بل ينزوي عنها جميعا و الانزواء هو الحياء فمن صان نفسه فقد زواها و الانسان يستحيي عما لايعتاده فاذا حصل العادة بترك الشر حصل الحياء عن فعله و اذا اكثر من الشر ذهب الحياء و قوله صلي الله عليه و آله و من الحياء الرزانة فذلك لأن من حيي من الله فلميخلع عنده ستر الطاعة من نفسه و حيي من الرسول و الحجج عليهم السلام فلميخالفهم و لميعصهم و حيي من الناس فانزوي عن كل قبيح فهو من ارزن الناس و اوقرهم و اجلهم و اعظمهم و ذلك ان ما امر الله به و نهي عنه هي من مقتضيات مشيته الثابتة الدائمة الساكنة و هي [ص 13] مطابقة مع صفاته فمن وافقها فهو ارزن الناس و اوقرهم و اكثرهم تأنيا و تثبتا و تؤدة و يكون كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف لانه اصله ثابت و فرعه في السماء فلاينزعج بكل داع و لايتبع كل ناعق و لايتزلزل في كل فتنة و لايخاف من كل داهية و لايضطرب في الفقر و المرض و البلاء و المصيبة و هو واثق بربه متوكل عليه و يستحيي من ربه ان ينزعج بشئ من ذلك في حضوره و هو حافظه و كاليه و ناصره و رزاقه و شافيه و ربه و قوله صلي الله عليه و آله و من الرزانة المداومة علي الخير فان الرزين مديم ما اشتغل به و ليس به خفة و تنقل بل هو ثابت و فعل الطاعات خير و ترك المعاصي ايضا خير و هو رزين ثابت علي الخير فيديمها و قوله صلي الله عليه و آله و من المداومة علي الخير كراهة الشر فلاجل ان من عمل بالخير زمانا و ذاق حلاوته و رأي سلامته و عرف محاسنه و شاهد آثاره كره الشر و قلاه البتة كما يكره المرارة من كان ذائقته مشغولة بالحلاوة و قوله صلي الله عليه و آله و من كراهة الشر طاعة الناصح فان من ذاق حلاوة الدرياق و كره السم و عرف وخامة عاقبته و احب حفظ نفسه اطاع من اخبره بالسم في طعامه و لو حصل له الظن من كلامه ابقاء علي نفسه و خوفا عليها منه و كل من لايطيع الناصح اما ان يظنه كاذبا او لايبالي بشر يخبره و المفروض صدق الناصح فمن كره الشر اطاع الناصح الصادق لا محالة بابي هو صلي الله عليه و آله من عالم بحقايق الامور هاد الي الحق و الي صراط مستقيم و اما قوله صلي الله عليه و آله فاما الحلم فمنه ركوب الجميل اي ارتكاب الجميل مع السفهاء و المجاملة معهم و هي اللين مع الناس فالحليم يركب الجميل اي يلاين السفهاء و صحبة الابرار لانهم يصاحبون الحلماء دون السفهاء و رفع من الضعة و رفع من الخساسة لما فيه من العزة و الترفع عن مقام الارذال و التنزه [ص 14] عن الخرق و السفاهة و تشهي الخير لما مر من ان الرزانة يتشعب منه المداومة علي الخير و من داوم علي شيء استأنسه و تشهاه و تقرب صاحبه من معالي الدرجات لرفعة شأنه عند الناس و حبهم له و نصرتهم له و بغضهم لمن جهل عليه و العفو و المهل و هو ظاهر و المعروف اي يعاشر الناس بما يعرفونه و يسكنون له و يعرفونه من الحق و هو ظاهر و الصمت اي عن جواب السفيه و الرد عليه و عند التلقي ممن فوقه علما او غيره فلايسفه عليه حتي يحوزه منه و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما العلم فيتشعب منه الغني و ان كان فقيرا لانه يستغني بعلمه عن الدنيا و ما فيها و يجد منه لذة و قوة يغفل معهما عن كل طعام و شراب فلايبالي و لايعتني بشيء من الدنيا ان كان علمه لغير الدنيا و الجود و ان كان بخيلا اي في اصل طبعه فانه ان وجد ما هو اشرف لايبالي بما هو ارذل لاسيما ان وجده مانعا عن نيل الاشرف و المهابة و ان كان هينا لاستعلاء نفسه علي نفوس الجهال و اتصافه بصفة الله و احتياج الناس اليه و السلامة و ان كان سقيما فانه يعرف الضار من النافع و يمشي بحكمة آلمحمد عليهم السلام و فيها سلامة الدنيا و الآخرة فيصح بدنه و القرب و ان كان قصيا اي يقرب من كل احد و من الله و من رسله و حججه عليهم السلام و من المؤمنين و ان كان غير ذي رحم و بعيدا في النسب و بعيدا قبل العلم فيقرب بالعلم اليهم و يقربونه منهم و الحياء و ان كان صلفا فالصلف هو من يتكلم بما يكرهه صاحبه فمن علم يحصل له الحياء من التكلم بما يقبح و ان كان في طبعه صلفا خبيث القول و الرفعة و ان كان وضيعا لقوله تعالي يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات كيف لا و العلماء حكام الله في الخلق و ورثة الانبياء و مرجع الخلق و الآمرون الناهون و خلفاؤ الله و خلفاء رسوله و خلفاء حججه عليهم السلام و الشرف و ان كان رذلا فينسي الله [ص 15] الناس نسبه فعين جميع الناس مادة الي علمه و حسبه غافلون عن نسبه و الحكمة فهي ظاهرة و الحظوة بالحاء المهملة و الظاء المعجمة و هي الرفعة و المنزلة و الشرف عند الناس و تحيتهم له و جميع ذلك بالنسبة الي العلماء في حد الكمال و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما الرشد فيتشعب منه السداد و هو الصواب من القول و الفعل و الهدي اي الدلالة علي الحق و البر و التقوي و هو ظاهر و اما قوله صلي الله عليه و آله و المنالة فيحتمل فيه التحريف و لعلها كانت و التأله بمعني التنسك و التعبد و هو يلايم الرشد و يتشعب منه و اما المنالة فلااعرفها و اما قوله صلي الله عليه و آله و القصد و الاقتصاد فالفرق بينهما ان القصد هو العدل و عدم الجور و بمعني الاعتماد و الاقتصاد هو عدم الافراط و كلاهما تابعان للرشد يتشعبان منه و اما قوله صلي الله عليه و آله و الثواب و الكرم فلعل المراد ان الراشد يثيب من احسن اليه و يجزيه مكافاة لاحسانه و يؤيده الكرم بعده و يحتمل التحريف و اما قوله صلي الله عليه و آله و المعرفة بدين الله فهو واضح و اما قوله صلي الله عليه و آله و العفاف فيتشعب منه الرضا فان ذا العفاف عن الحرام و الشبهة يرضي بما قسم الله له فلايحوم حولهما و الاستكانة لعدم تطاوله علي من سواه و عدم طغيانه بجمع مال و اكل الحلال يرقق القلب و يورث الخضوع و التذلل لله سبحانه و لمن هو اقدم عليه في الدين البتة و الحظ و الراحة اي النصيب من الرزق في الدنيا و الآخرة فان من عف عن الحرام و تورع يفتح الله عليه من الحلال ابواب الرزق و من عف بطنه و فرجه استراح من عنائهما و دواعيهما في الدنيا و من مقتضيات شهواتهما في الآخرة و التفقد و هو الطلب بعد الغيبة و لعل المراد منه ان صاحب العفة يحصل له الفراغ و يتمكن من تفقد حالات نفسه بعد غفلته عنها و اعراضها و امراضها او يتفقد دينه و معرفة الحلال [ص 16] و الحرام او يتفقد حقيقة ما يستعمله خوف الوقوع في الحرام و الخشوع و هو لازم اكل الحلال فان التهتك يورث القسوة و التذكر و التفكر لفراغه و تمكنه و لنور اكل الحلال و صفائه و الجود و السخاء و لعل الفرق بينهما ان الجود هو بذل المال فيما ندب الله اليه و السخاء هو بذل النفس في رضاء الله او هو من سخا فلان اذا سكن حركته و لعله انسب فانه بالعفة يسكن عن كثير من حركاته في جمع المال و علي اي حال هما من لوازم العفة فان من عالج نفسه حتي اعرضت عن الحرام و جمع المال و الدنيا و عف عن الشبهات يصير غير محب لجمع المال و يسخو نفسه به لطلابه و العفة حقيقة اس الجود و السخا و العفيف عن الحرام لايمنع الخمس و الزكوة فان مال الفقراء و السادة عليه حرام و من بذل ما افترض الله عليه فهو من اجود الناس و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما الصيانة فيتشعب منها الصلاح فان من صان نفسه عما كره الله لمتفسد و حصل لها الصلاح و التواضع لله و رسوله و حججه عليهم السلام فان اعظم التواضع الانقياد لامر الآمر و نهي الناهي و اجتناب ما يكرهه و الورع و هو التقوي و اجتناب المحارم و صاحب الصيانة يحصل له الورع لا محالة و الانابة و هي التوبة و الرجوع الي الله فان الله مانهي الا عما يبعد منه و صاحب الصيانة عن المحارم ينوب الي الله و يرجع اليه و يتقرب منه و الفهم فان من صان نفسه عن المحرمات المكدرة للقلب المظلمة له استنار قلبه و ذكا حواسه البتة و ازداد فهمه فان البلادة عن الحق من ارتكاب المحرمات و الادب اذ كل الادب في اجتناب ما حرمه الله و كرهه بالنسبة اليه و الي رسوله و الي حججه عليهم السلام و الي اوليائهم و الاحسان و التحبب و الخير فان من لميسئ يحسن و من لميرتكب من الله و من رسله و حججه عليهم السلام و المؤمنين ما يكرهونه يحبونه و من لميصدر منه الشر [ص 17] صدر منه الخير و اجتناب الشر فان من صان نفسه عن المحرمات اجتنب الشرور و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما الحياء فيتشعب منه اللين و الرأفة فان من حيي من الله و من خلقه و لميرتكب المناهي لان جانبه للخلق و رؤف بهم و المراقبة لله فان من حيي من الله و علم انه رقيبه لمينسه و راقبه دائما و السلامة و اجتناب الشر فان من استحيي من الله ترك ما يكرهه فسلم من مقتضيات المناهي و ترك الشرور و البشاشة و السماحة فان الحيي يستحيي عن العبوس في وجه الخلق و يلطف في المسألة و يبذل في العسر و اليسر لانه يستحيي من منع السائلين و الاعتذار اليهم و ممن بذل ماء وجهه له ان لايعطيه ما سأل و الظفر فان من حيي من ارتكاب الآثام يظفر بخير الدنيا و الآخرة و حسن الثناء اذ هو لازم الحياء من اتيان القبايح و السيئات و الخصال المذكورة تسعة و لعله صلي الله عليه و آله جعل المراقبة في السر و العلانية خصلتين و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما الرزانة فيتشعب منه اللطف فذلك ان الرزين غير النزق المتأني في الامور يتمكن من اللطف و هو الرفق و الدنو و العلم بالدقايق و الخفايا بخلاف النزق الخفيف المستعجل و الحزم و هو الاخذ بالثقة و ضبط الامر و الاتقان و هو لازم الرزانة و النزق لايمكنه ذلك و اداء الامانة و ترك الخيانة فانهما يصدران ممن له حزم و كذا صدق اللسان فان الكذب قول اسفه الخلق و ارذلهم و كذا تحصين الفرج و اما استصلاح المال فهو من التأني و اللطف و كذا الاستعداد للعدو من اللطف و الحزم و اما النهي عن المنكر و لعل المراد نهي النفس عن الهوي او نهي الاهل و الولد لئلايظهر منهم ما يخالف الرزانة او هو عام فان النزق المستعجل لايسمع منه احد و ليس لكلامه وقع و اما الرزين الوقور العظيم النفس فيستمعون له قهرا فهو يتمكن من النهي عن المنكر و ترك السفه ظاهر فان السفه هو خفة العقل و هي ضد [ص 18] الرزانة و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما المداومة علي الخير فيتشعب منه ترك الفواحش و البعد من الطيش و هو الخفة و ذلك ظاهر و التحرج و هو ترك الاثم و اليقين لأن بمداومة الخير يستنير القلب و يذهب رجز الشيطان و الوساوس و الريب و النجوي فيحصل له اليقين و حب النجاة و طاعة الرحمن ظاهران و تعظيم البرهان هو الرسول من الله و الكتاب المنزل و سنة الرسول و اخبار الحجج و العقل السليم الموزون فالمداوم علي الخير هو منقاد البرهان اينما قاده يذهب و لايخالف ما دل عليه البرهان القاطع من الله و اجتناب الشيطان اي الداعي الي خلاف البرهان الحق و الآمر بالمنكر الناهي عن المعروف و مخالفة الرحمن و الاجابة للعدل و قول الحق ظاهران و يمكن رفع القول و خفضه و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما كراهية الشر فيتشعب منه الوقار الي آخر فظاهر فان اضداد الخصال المذكورة كلها شر و التوفر رعي الحرمات و ما لايعنيه اي لايهمه و اما قوله صلي الله عليه و آله و اما طاعة الناصح فيتشعب منها الزيادة في العقل و كمال اللب فانه يضم عقله و لبه الي عقله و لبه و محمدة العواقب و النجاة من اللوم فظاهران و القبول اي عند الله فيقبله و يقبل اعماله و قبول الخلق له لحسن اعماله و كذا المودة و اما الاسراج فان لميكن مصحفا فهو تحسين الوجه و تبهيجه اي يحسن الوجه عند الناس و يكون نير الوجه عندهم و لعله تصحيف الاستراحة او الانشراح و الانصاف و هو المعاملة بالعدل مع الخلق و التقدم في الامور لان من عمل بقول الناصح الحق يتقدم علي الناس في جميع الامور و القوة علي الطاعة لاعانة قوة نفس الناصح و ذلك مجرب مشهود ان الاستاد الناصح اذا امر بامر يكون اوقع في النفس و يكون الانسان اشد مواظبة عليه من ان يتخير بنفسه لنفسه شيئا و ذكرت الحديث بطوله مع الاشارة الي بعض [ص 19] بياناته لكثرة محصوله و كل هذه الخصال يتشعب من الحلم كما عرفت و هو يتشعب من العقل و العقل اصل كل خير .
الرابع - اعلم ان اصل الحلم هو صفة الله جل جلاله كما قال و كان الله عليما حليما و قال انه كان حليما غفورا و هو بمعني الاناة فانه جل و عز ذو اناة لايعجل و يداري عبده برفق لعله يتذكر او يخشي و من حلمه تقليبه عبده في المرض و الصحة و الخوف و الامن و الجوع و الشبع و الفقر و الغني و التنقص و التوفر و امثال ذلك حتي ينزجر عن الدنيا و ينزعج عن مقتضيات الطبايع و يتوجه اليه و يشتاق الي لقائه و هو معني قوله في القدسي ماترددت في شئ انا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت و اكره مساءته فكلما يظهر منه الميل الي الدنيا و زخارفها يشدد عليه حتي ينزجر فاذا خاف عليه اليأس و القنوط ارخي باله و اسبل عليه نواله حتي اذا خاف منه الطغيان و الغفلة عنه سلب عنه بعض نعيمه و هكذا يتردد معه حتي يعالجه و يصلح باله و يوجهه اليه و يعرفه فناء الدنيا و بقاء الآخرة و يشوقه الي لقائه و هذا من حلمه سبحانه بعبده المؤمن و كذا هو حليم بالعصاة فلايعاجلهم بالعقوبة فانما يعجل من يخاف الفوت فيمهلهم حتي ينالوا نصيبهم من الكتاب و يدركوا ثواب بعض اعمالهم الحسنة ثم يؤاخذهم بما كسبت ايديهم و بعصيانهم بالجملة ان الله هو الحليم و وصف نفسه بذلك في كتابه و قال و الله غفور حليم ، و الله غني حليم ثم وصف به انبياءه عليهم السلام و قال ان ابرهيم لأواه حليم و قال فبشرناه بغلام حليم و وصف نبيه صلي الله عليه و آله بما يجمع ذلك و غيره حيث قال انك لعلي خلق عظيم و قال لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم و وصف المتقين من عباده بذلك فقال و سارعوا الي مغفرة من [ص 20] ربكم و جنة عرضها السموات و الارض اعدت للمتقين الذين ينفقون اموالهم في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين فسمي الكاظمين العافين الذين هم الحلماء محسنين و اخبر بحبه لهم فمن اتصف بصفة الحلم و عامل الناس بالحلم فقد صار مظهر اسم الله الحليم و مرآة نبيه الكريم و نال بذلك المقام العظيم و ملك زمام تلك الخيرات و الخصال التي عرفتها و صار كاملا فهو اصل كل خير بعد العقل و سنخ كل حسن فلاجل ذلك ذكر اميرالمؤمنين عليه السلام انه من خواص الانسانية هذا و الحلم هو من خواص الانسان لانه الذي يعفو بعد القدرة و يصبر علي المكروه و اما النفس الحيوانية فان كانت سبعية فهي بالطبع مفترسة لايسعها الحلم و الرفق و التأني لانها مقهورة في الطبايع و كما لايسع النار الحلم عن الاحراق و الرفق و العفو فلاتحرق كذلك السبع لايسعه العفو و الصفح و الاغماض و الاناة و ان كانت بهيمة فعدم انتقامها ليس من باب التأني و العفو فانما طباعها عدم المؤاخذة كما لايؤاخذ الحجر من يشتمه او يسيئ اليه و ليس ذلك من حلمه و تأنيه في الامور فالحلم بعد القدرة علي الانتقام و الاناة بعد القدرة علي العجلة و العفو بعد القدرة علي المؤاخذة من صفات الانسان المستعلي علي الطبايع غير المقيد بشئ منها فلاجل ذلك اخبر عليه السلام بان الحلم من قوي النفس الناطقة القدسية هذا و هو اول ولد يتولد من العقل و يصير اصل ساير الصفات الحميدة فافهم .
فصل - في ذكر بعض الاخبار الواردة في فضل الحلم ففي الكافي بسنده عن محمد بن عبيدالله قال سمعت الرضا عليه السلام يقول لايكون الرجل عابدا حتي يكون حليما و ان الرجل كان اذا تعبد في بنياسرائيل لميعد عابدا حتي يصمت قبل ذلك عشر سنين و عن ابيحمزة قال المؤمن خلط [ص 21] علمه بالحلم يجلس ليعلم و ينطق ليفهم لايحدث امانة الاصدقاء و لايكتم شهادته الاعداء و لايفعل شيئا من الحق رياء و لايتركه حياء ان زكي خاف مما يقولون و استغفر الله مما لايعلمون لايغره قول من جهله و يخشي احصاء ما قد عمله و عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول انه ليعجبني الرجل ان يدركه حلمه عند غضبه و عن جابر عن ابيجعفر عليه السلام قال ان الله عز و جل يحب الحيي الحليم و قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله مااعز الله بجهل قط و لااذل بحلم قط و عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال كفي بالحلم ناصرا و قال اذا لمتكن حليما فتحلم و عنه عليه السلام قال اذا وقع بين رجلين منازعة نزل ملكان فيقولان للسفيه منهما قلت و قلت و انت اهل لما قلت ستجزي بما قلت و يقولان للحليم منهما صبرت و حلمت سيغفر الله لك ان اتممت ذلك قال فان رد الحليم عليه ارتفع الملكان و عن حفص قال بعث ابوعبدالله عليه السلام غلاما له في حاجة فابطأ فخرج ابوعبدالله عليه السلام علي اثره لما ابطأ فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتي انتبه فلما انتبه قال له ابوعبدالله عليه السلام يا فلان والله ما ذلك لك تنام الليل و النهار لك الليل و لنا منك النهار و من مجموعة الورام عن علي عليه السلام اول عوض الحليم من حلمه ان الناس كلهم اعوانه و في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام الحلم سراج الله يستضيئ به صاحبه الي جواره و لايكون حليما الا المؤيد بانوار المعرفة و التوحيد و الحلم يدور علي خمسة اوجه ان يكون عزيزا فيذل او يكون صادقا فيتهم او يدعو الي الحق فيستخف به او ان يؤذي بلا جرم او ان يطالب بالحق فخالفوه فيه فاذا اتيت كلا منها حقه فقد اصبت و قابل السفيه بالاعراض عنه و ترك الجواب ان يكون الناس انصارك لأن من جاوب السفيه فكأنه قد وضع الحطب علي [ص 22] النار قال رسول الله صلي الله عليه و آله مثل المؤمن مثل الارض منافعهم منها و اذاهم عليها و من لايصبر علي جفاء الخلق لايصل الي رضي الله لان رضاء الله تعالي مشوب بجفاء الخلق و حكي ان رجلا قال للاحنف بن قيس اياك اعني قال و انا عنك احلم قال رسول الله صلي الله عليه و آله بعثت للحلم مركزا و للعلم معدنا و للصبر مسكنا و في الوسائل بسنده عن ابن ابييعفور عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان شيعة علي كانوا خمص البطون ذبل الشفاه اهل رأفة و علم و حلم يعرفون بالرهبانية فاعينوا علي ما انتم عليه بالورع و الاجتهاد و عنه عليه السلام المؤمن حليم لايجهل و ان جهل عليه يحلم و لايظلم و ان ظلم غفر و لايبخل و ان بخل عليه صبر و عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان علي بن الحسين عليه السلام يقول ان المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لايعنيه و قلة مرائه و حلمه و صبره و حسن خلقه و عن النبي صلي الله عليه و آله ماجمع شئ الي شئ افضل من حلم الي علم و عنه صلي الله عليه و آله ان لمتكن حليما فتحلم فانه قل من تشبه بقوم اوشك ان يكون منهم و عن السكوني عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ثلث من لميكن فيه لميتم له عمل ورع يحجزه عن معاصي الله و خلق يداري به الناس و حلم يرد به جهل الجاهل و عن الحلبي عن ابيعبدالله لاتسفهوا فان ائمتكم ليسوا بسفهاء و قال ابوعبدالله عليه السلام من كافي السفيه بالسفه فقد رضي بمثل ما اتي اليه حتي احتذي مثاله و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لايكون السفه و الغرة في قلب العالم و عن ابيعبدالله عليه السلام السفه خلق لئيم يستطيل علي من دونه و يخضع لمن فوقه .
فصل - و لما كان الحلم من الصفات الكريمة العظيمة و اصل خيرات كثيرة و ما لمير الانسان حلم الحلماء او يسمع لميؤثر فيه محض الامر به كل التأثير [ص 23] و لذلك امر الناس بمعاشرة الكاملين حتي يتأثر طباعهم من طباعهم فان الطبع مكتسب من الفعال ما لايكتسب من الاقوال احببت ان اذكر شطرا من حلمهم صلوات الله عليهم مما يتيسر لي بسهولة جمعها فان اخبار ذلك ليست بمذكورة في موضع واحد فمن ذلك ما رواه في حلية الابرار بسنده عن موسي بن جعفر عليهما السلام عن ابيه عن آبائه عليهم السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان يهوديا كان له علي رسول الله صلي الله عليه و آله دنانير فتقاضاه فقال له يا يهودي ما عندي ما اعطيك قال فاني لاافارقك يا محمد حتي تعطيني فقال صلي الله عليه و آله اذا اجلس معك فجلس صلي الله عليه و آله حتي صلي في ذلك الموضع الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الغداة و كان اصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله يتهددونه و يتواعدونه فنظر رسول الله صلي الله عليه و آله فقال ما الذي تصنعون به فقالوا يا رسول الله يهودي يحبسك فقال صلي الله عليه و آله لميبعثني ربي عز و جل ان اظلم معاهدا و لا غيره فلما علا النهار قال اليهودي مافعلت الذي فعلت الا لانظر الي نعتك في التورية محمد بن عبدالله مولده بمكة و مهاجره بطيبة ليس بفظ و لا غليظ و لا سخاب و لا متزين بالفحش و لا قول الخنا اشهد ان لا اله الا الله و انك رسول الله و هذا مالي فاحكم بما انزل الله عز و جل و كان اليهودي كثير المال و عن زرارة عن ابيجعفر عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي باليهودية التي سمت الشاة للنبي صلي الله عليه و آله فقال لها ما حملك علي ما صنعت فقالت قلت ان كان نبيا لميضره و ان كان ملكا راحت الناس منه قال فعفي رسول الله عنها و عن جابر بن عبدالله ان النبي صلي الله عليه و آله نزل تحت شجرة فعلق بها سيفه ثم نام فجاء اعرابي فاخذ السيف و قام علي رأسه فاستيقظ عليه السلام فقال يا محمد من يعصمك الآن مني قال الله تعالي [ص 24] فرجف و سقط السيف من يده و في خبر انه بقي جالسا و لميعاقبه عليه السلام و عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال نزل رسول الله صلي الله عليه و آله في غزاة ذاترقاع تحت شجرة علي شفير واد فاقبل سيل فحال بينه و بين اصحابه فرآه رجل من المشركين و المسلمون قيام علي شفير الوادي ينتظرون السيل فقال رجل من المشركين لقومه انا اقتل محمدا فجاء فشد علي رسول الله بالسيف ثم قال من ينجيك مني يا محمد فقال ربي و ربك فنسفه ● جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط علي ظهره فقام رسول الله صلي الله عليه و آله فاخذ السيف و جلس علي صدره و قال من ينجيك مني يا غورث ● فقال جودك و كرمك فتركه و قام قال والله لانت خير مني و اكرم و عن حريز عن ابيعبدالله عليه السلام قال لما قدم رسول الله صلي الله عليه و آله مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فامر بصور في الكعبة فطمست ثم اخذ بعضادتي الباب فقال لا اله الا الله وحده لا شريك له صدق وعده و نصر عبده و هزم الاحزاب وحده ما ذا تقولون و ما ذا تظنون قالوا نظن خيرا و نقول خيرا اخ كريم و ابن اخ كريم و قد قدرت قال فاني اقول كما قال اخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو ارحم الراحمين و عن انس قال كنت امشي مع رسول الله و عليه برد نجراني غليظ الحاشية فادركه اعرابي فجذبه بردائه جذبة شديدة حتي نظرت الي صفحة عنق رسول الله قد اثرت بها حاشية البرد من شدة جذبته قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت اليه رسول الله ثم ضحك ثم امر له بعطاء و قد مر في الباب المتقدم ذكر حلم ابيعبدالله عليه السلام عن غلامه و عن صفوان بن جمال قال وقع بين ابيعبدالله و بين عبدالله بن الحسن كلام حتي وقع الضوضاء بينهم و اجتمع الناس فافترقا عشيتهما بذلك و غدوت في حاجة فاذا بابيعبدالله [ص 25] عليه السلام علي باب عبدالله بن الحسن و هو يقول يا جارية قولي لابيمحمد قال فخرج فقال يا باعبدالله ما بكر بك قال اني تلوت من كتاب الله عز و جل البارحة آية فاقلقتني قال قول الله عز و جل ذكره الذين يصلون ما امر الله به ان يوصل و يخشون ربهم و يخافون سوء الحساب فقال صدقت لكأني لماقرأ هذه الآية من كتاب الله قط فاعتنقا و بكيا و فيه ان رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يوذي اباالحسن موسي عليه السلام و يسبه اذا رآه و يشتم عليا عليه السلام قال له بعض جلسائه يوما دعنا نقتل هذا الفاجر فنهاهم عنه اشد نهي و زجرهم اشد زجر و سأل عن العمري فذكر انه يزرع بناحية من نواحي المدينة فركب فوجده في زرعه فدخل المزرعة بحماره فصاح به العمري الا لاتوطئ زرعنا فتوطاه ابوالحسن عليه السلام بالحمار حتي وصل اليه فنزل و جلس عنده و باسطه و ضاحكه و قال له كم غرمت في زرعك هذا فقال مائة دينار قال و كم ترجو ان تصيب فيه قال لست اعلم الغيب قال انما قلت كم ترجو ان نجيبك فيه قال ارجو فيه مائتي دينار فاخرج له ابوالحسن صرة فيها ثلثمائة دينار و قال هذا زرعك علي حاله و الله يرزقك فيه ما ترجو قال فقام العمري فقبل رأسه و سأله ان يصفح عن فارطته فتبسم اليه ابوالحسن عليه السلام و انصرف قال و راح الي المسجد فوجد العمري جالسا فلما نظر اليه قال الله اعلم حيث يجعل رسالته قال فوثب اصحابه اليه فقالوا ما قصتك كنت تقول غير هذا قال فقال لهم قد سمعتم ما قلت الآن و جعل يدعو لابيالحسن عليه السلام فخاصموه و خاصمهم فلما رجع ابوالحسن الي داره قال لحاشيته الذين سألوه في قتل العمري ايما كان خيرا ما اردتم او ما اردت انني اصلحت امره بالمقدار الذي عرفتم و كفيت به شره و عن معتب قال كان ابوالحسن موسي عليه السلام في حائط له يصرم فنظرت الي غلام له قد اخذ كارة من [ص 26] تمر فرمي بها وراء الحائط فاتيته فاخذته و ذهبت به اليه فقلت له جعلت فداك اني وجدت هذا و هذه الكارة فقال للغلام فلان قال لبيك قال أتجوع قال لا يا سيدي قال فتعري قال لا يا سيدي قال فلأي شئ اخذت هذا قال اشتهيت ذلك قال اذهب فهي لك و قال خلوا عنه و في البحار مسندا انه وقف علي علي بن الحسين عليهما السلام رجل من اهل بيته فاسمعه و شتمه فلميكلمه فلما انصرف قال لجلسائه لقد سمعتم ما قال هذا الرجل و انا احب ان تبلغوا معي اليه حتي تسمعوا مني فقالوا له نفعل و لقد كنا نحب ان تقول له و تقول فاخذ عليه و مشي و هو يقول و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين فعلمنا انه لايقول له شيئا قال فخرج حتي اتي منزل الرجل فصرخ به فقال قولوا له هذا علي بن الحسين قال فخرج الينا متوسما للشر و هو لايشك انه انما جاء مكافئا له علي بعض ما كان له منه فقال له علي بن الحسين يا اخي انك كنت قد وقفت علي آنفا و قلت و قلت فان كنت قلت ما في فاستغفر الله منه و ان كنت قلت ما ليس في فغفر الله لك قال فقبل الرجل بين عينيه و قال بل قلت فيك ما ليس فيك و انا احق به و روي انه جعلت جارية لعلي بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه و هو يتوضا للصلوة فسقط الابريق من يد الجارية علي وجهه فشجه فرفع علي بن الحسين عليهما السلام رأسه اليها فقالت الجارية ان الله عز و جل يقول الكاظمين الغيظ فقال لها قد كظمت غيظي قالت و العافين عن الناس قال لها قد عفي الله عنك قالت و الله يحب المحسنين قال اذهبي فانت حرة و عن معوية بن عمار عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان بالمدينة رجل بطال يضحك الناس منه فقال قد اعياني هذا الرجل ان اضحكه يعني علي بن الحسين عليه السلام قال فمر علي عليه السلام و خلفه موليان له قال فجاء الرجل حتي انتزع رداءه من رقبته ثم مضي فلميلتفت [ص 27] اليه عليه السلام فاتبعوه و اخذوا الرداء منه فجاؤا به فطرحوه عليه فقال لهم من هذا فقالوا هذا رجل بطال يضحك اهل المدينة فقال قولوا له ان لله يوما يخسر فيه المبطلون و روي انه شتم بعضهم زينالعابدين عليه السلام فقصده غلمانه فقال دعوه فان ما خفي منا اكثر مما قال ثم قال له ألك حاجة يا رجل فاستحيي الرجل فاعطاه ثوبه و امر له بالف درهم فانصرف الرجل صارخا يقول اشهد انك ابن رسول الله و شتمه آخر فقال يا فتي ان بين ايدينا عقبة كؤدا فان جزت منها فلاابالي بما تقول و ان اتحير فيها فانا شر مما تقول و سبه عليه السلام رجل فسكت عنه فقال اياك اعني فقال عليه السلام و عنك اغضي و روي ان مولي لعلي بن الحسين يتولي عمارة ضيعة له فجاء ليطلعها فاصاب فيها فسادا و تضييعا كثيرا غاظه من ذلك ما رأي و غمه فقرع المولي بسوط كان في يده و ندم علي ذلك فلما انصرف الي منزله ارسل في طلب المولي فاتاه فوجده عاريا و السوط بين يديه فظن انه يريد عقوبته فاشتد خوفه فاخذ علي بن الحسين السوط و مد يده اليه و قال يا هذا قد كان مني اليك ما لميتقدم مني مثله و كانت هفوة و زلة فدونك السوط و اقتص مني فقال المولي يا مولاي والله ان ظننت الا انك تريد عقوبتي و انا استحق للعقوبة فكيف اقتص منك قال ويحك اقتص قال معاذ الله انت في حل و سعة فكرر ذلك عليه مرارا و المولي كل ذلك يتعاظم قوله و يحلله فلما لميره يقتص قال له اما اذا ابيت فالضيعة صدقة عليك و اعطاه اياها و روي انه انتهي عليه السلام الي قوم يغتابونه فوقف عليهم فقال لهم ان كنتم صادقين فغفر الله لي و ان كنتم كاذبين فغفر الله لكم و روي انه كان عنده قوم اضياف فاستعجل خادما له بشواء كان في التنور فاقبل به الخادم مسرعا فسقط السفود منه علي رأس بني لعلي بن الحسين عليه السلام تحت الدرجة [ص 28] فاصاب رأسه فقتله فقال علي للغلام و قد تحير الغلام و اضطرب انت حر فانك لمتتعمده و اخذ في جهاز ابنه و دفنه و عن ابيجعفر عليه السلام قال ان ابي ضرب غلاما له قرعة واحدة بسوط و كان بعثه في حاجة فابطأ عليه فبكي الغلام و قال يا علي بن الحسن تبعثني في حاجتك ثم تضربني قال فبكي ابي و قال يا بني اذهب الي قبر رسول الله و صل ركعتين ثم قل اللهم اغفر لعلي بن الحسين عليهما السلام خطيئته يوم الدين ثم قال للغلام اذهب فانت حر لوجه الله قال ابوبصير فقلت جعلت فداك كان العتق كفارة الضرب فسكت و روي انه اذنب غلام لعلي بن الحسين عليه السلام ذنبا استحق به العقوبة فاخذ له السوط و قال قل للذين آمنوا يغفروا للذين لايرجون ايام الله فقال الغلام و ما انا كذلك اني لارجو رحمة الله و اخاف عذابه فالقي السوط و قال انت عتيق و روي انه دعا علي بن الحسين عليهما السلام عبدا له فلميجبه مرات فقال له ما منعك من جوابي قال امنت عقوبتك فقال امض فانت حر لوجه الله و عن الصادق عليه السلام قال جاء الي النبي صلي الله عليه و آله سائل يسأله فقال رسول الله صلي الله عليه و آله هل من احد عنده سلف فقام رجل من الانصار من بنيالجبلي فقال عندي يا رسول الله قال فاعط هذا السائل اربعة اوساق تمر قال فاعطاه قال ثم جاء الانصاري بعد الي النبي صلي الله عليه و آله يتقاضاه فقال يكون ان شاء الله ثم عاد اليه فقال يكون ان شاء الله ثم عاد اليه الثالثة فقال يكون ان شاء الله فقال قد اكثرت يا رسول الله من قول يكون ان شاء الله فضحك رسول الله صلي الله عليه و آله و قال هل من رجل عنده سلف قال فقام رجل فقال له عندي يا رسول الله قال و كم عندك قال ما شئت قال فاعط هذا ثمانية اوسق من تمر فقال الانصاري انما لي اربعة يا رسول الله قال رسول الله صلي الله عليه و آله و اربعة ايضا و روي ان اعرابيا دخل المسجد متقلدا بسيفه فقال يا محمد انك ساحر [ص 29] كاذب فاراد الاصحاب قتله فزبرهم رسول الله صلي الله عليه و آله و قال يا اخا العرب من تريد قال محمدا الساحر الكاذب فقال انا محمد و لست بساحر و لا كذاب بل رسول الله فقال الاعرابي و اللات و العزي لولا جمال وجهك لملأت سيفي منك و اللات لااومن حتي يؤمن بك هذا الضب و رمي بضب معه فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله يا ضب قال لبيك يا رسول الله فقال من انا قال انت رسول الله فقال الاعرابي اشهد ان لا اله الا الله و اشهد ان محمدا رسول الله و عن رجل من اهل الشام قال دخلت المدينة و كنت امشي يوما في بعض سككها فرأيت رجلا جميلا علي بغلة فسألت عنه فقالوا الحسن بن علي فدنوت منه فقلت انت ابن علي بن ابيطالب قال نعم فشتمته و شتمت اباه و كان ساكتا حتي حييت فلما تم مقالي ضحك فقال احسبك شاميا غريبا قلت نعم قال فمل معي ان احتجت الي منزل انزلناك او الي مال ارفدناك او الي حاجة عاوناك فحييت منه و دخل حبه في قلبي و في البحار في حديث انه اتي الحسن عليه السلام رجل فقال ان فلانا يقع فيك فقال القيتني في تعب اريد الآن ان استغفر الله لي و له و روي ان غلاما له عليه السلام جني جناية توجب العقاب فامر به ان يضرب فقال يا مولاي و العافين عن الناس فقال عفوت عنك قال يا مولاي و الله يحب المحسنين قال انت حر لوجه الله و لك ضعف ما كنت اعطيك ، الي غير ذلك من حلمهم صلوات الله عليهم و حسن اخلاقهم و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله فلنكتف بورق من شجر و حفنة من بيدر و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .