الثالث‌عشر اذ رأي الاستاد صلاحك في علم فلاتكلفه غير ذلك العلم فانك كالمريض و هو كالطبيب و هو اعلم بصلاحك فما عالجك به فلاتتجاوزه و اصبر علي ما رأي صلاحك فيه و انت لاجل مرضك ربما تشتهي علما لاتنتفع به و هو اذا جرب فهمك و سليقتك يعلم ما يتيسر لك فاتبعه فيما اشار اليك البتة .

الرابع‌عشر اعلم اني مانلت ما نلت من استادي السيد السند اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه الا بجعلي عنده كالخادم اخدمه كبعض خدمه و كنت اخلص له المحبة و لم‌يكن غرضي من خدمته حطام الدنيا و لا الرياسة العلمية و لا الدنياوية و ماكنت اريد ان اصير قاضيا و لا مجتهدا و لا رئيسا بل خدمتي له عن صرف المحبة و الاخلاص في ولائه و قد قلت فيما قلت في محبته :

اخلصت حبي في ولا كاظم و ان لحاني فيه من فيه

احبه حبا علي رغم من قد بدت البغضاء من فيه

و اني ماقرأت عليه ازيد من سنتين و نصف تقريبا و لاقرأت ايام قراءتي كساير الطلاب فلاطالعت و لاتفكرت فيما يقول و لاباحثت كثيرا و كان حظي حضور مجلسه فقط بل لم‌اصغ كما ينبغي فلم‌انل منه بشدة التحصيل و انما نلت ما نلت لمحض الخدمة و صرافة المحبة و الحمد لله و لاانزلت نفسي منزلة جلسائه بل منزلة الواقفين علي ارجلهم من الطوافين عليه و الخدام و كان ساير التلاميذ جلوسا و انا اخدمهم بحضرته و اني كنت قبل وصولي الي خدمته قرأت قليلا في الصرف و قليلا في النحو و قليلا في المنطق و لما وصلت الي خدمته نسيت ما كنت اعلمه ايضا علي حذو ما قال الشاعر :

[ص 489]

كانت لنفسي اهواء مشتتة فاستجمعت اذ رأتك النفس اهوائي

تركت للناس دنياهم و دينهم شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي

فصار يحسدني من كنت احسده و صرت مولي الوري اذ صرت مولائي

بالجملة نسيت ما كنت قرأت و كان درسه اعلي الله مقامه في الحكمة و كان في بعض الاوقات يقول في شرح اللمعة و انا قليل التوجه الي الفقه غير ضابط له و مع ذلك حصل لي من بركاته في تلك الايام القلائل قوة ماراجعت شيئا و ارجع خائبا الا قليلا و حصل لي نفاذ في اكثر العلوم حتي انه اعلي الله مقامه قد شهد لي ان فلانا اطلع علي نقطة العلم و الغرض من ذكر ذلك ان محبة الاستاد و خدمته هما المرقيتان بالبرهان و العيان .

الخامس‌عشر ينبغي للمتعلم ان يكون معه اذا حضر مجلس المعلم سواء كان في الدرس ام غيره محبرة و بياض ليقيد ما يعجبه من كلام المعلم مما لايعلمه و بذلك امرونا عليهم السلام و قد مر ما يدل عليه ثم اذا خلا بنفسه يفصل ذلك الاجمال مبرهنا مشروحا و اذا كان في اثناء الدرس يقيد رأوس المطالب ثم يصغي الي مقاله تفهما و كلما مر مطلب لايعلمه او يخاف ان ينساه يقيد رأسه علي نحو الاشارة ثم اذا تم الدرس و ذهب الي خلوته يفصل ذلك الاجمال علي نحو التفصيل و الاستدلال فلو واظب علي ذلك يحصل له في كل اسبوع خمس او ست فوايد و في شهر عشرون او اربع و عشرون فائدة و هو كتاب واف شاف و في السنة يصنف من غرر العلم اثني‌عشر كتابا ان لم‌يعق عائق ان شاء الله فاذا واظب علي ذلك يحصل له الترقي الكامل في ايام قلائل و ليكن همه دائما في التفصيل و اني اري ان فوارة الامداد تفور في اثناء التصنيف ما لاتفور في غيره اللهم الا عند الدرس و البيان فان ابواب الفيض تنفتح علي المعلم و المتعلم فيلهم المعلم و المتعلم ما لايعلمانه و ما ذلك الا لنزول الرحمة [ص 490] و الملائكة و نزول الخلف علي المنفق و الفيض علي المنفق عليه و لاجل ذلك يزول عن التلميذ في مجلس الدرس اكثر وساوسه و شبهاته و لايرد في قلبه اعتراض علي ما يقوله الاستاد غالبا اذا كان من اهل المحبة و التسليم و اما غيرهم فليسوا كذلك و لايصغون الي ما يقوله الاستاد بل هم متوجهون الي قلوبهم المنكوسة و يرون ما ينطبع فيها من سجين من الشبهات و الشكوك بالجملة الآداب كثيرة و تفاصيلها علي النفس عسيرة فالاكتفاء بما ذكرنا احري و من خلقه الله لاجلها يهديه سبيلها و من خلقه لا لاجلها يضله عن دليلها و لا قوة الا بالله العلي العظيم بقي شيء اختم به هذا المطلب .

السابع - اعلم ان الله سبحانه لما خلق الخلق خلقهم علي ما هم عليه فمنهم من كان من اهل عليين و منهم من كان من اهل سجين فجعل اهل عليين اهل النور و الخير و الحق و العلم و اهل سجين اهل الظلمة و الشر و الباطل و الجهل و كانوا في العالم الاول يعرف كل منهم بسيماهم كما قال الله عز و جل و لو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و قال سيماهم في وجوههم من اثر السجود و لما انزلهم الي دار البلاء و الاختبار اختلط كل طائفة منهما بطينة ضده فصار في هؤلاء مسحة من هؤلاء و في هؤلاء مسحة من هؤلاء فما كان في اهل عليين جهل او خطاء او سهو او نسيان فمن مسحة اولئك فلاجل ذلك تعرض عنها و لاتأخذ بها و لاتعتمد عليها لانها من سجين و الي سجين فكذلك بحكم المقابلة ما كان في اهل سجين من وثاقة او صدق او علم او خير او كمال او ضبط او حفظ فمن مسحة اولئك فينبغي ان تأخذ بها لانها منك و لك و عند اهل سجين عارية و انت طالب للحق و الصواب لانه من مولاك و الي مولاك فاينما تجده تأخذ به فبمقتضي هذه القاعدة السديدة اذا وجدت علما حقا عند غير متصف بصفة الشيخوخة كما ذكرنا تأخذه و تصفيه عن كدوراته فاذا [ص 491] جاء عندك طهر و نظف و صار خيرا و انما مثل ذلك كمصحف وجدته علي يد يهودي فمايمنعك يهوديته ان تأخذ المصحف و تنظفه و تحفظه او كدرة في فم خنزير و انما تاخذها و تطهرها و تحفظها فلاتبال من جمع الحق اينما وجدته غاية الامر انك تزن ما تسمع من غير اصحابك بميزان الحق فان وافقه تأخذ به و الا تتركه له و لكن ذلك رخصة لمن يقدر علي التوزين و النقد و اما الذي لايميز الغث من السمين فانما يجتنبهم لان الاجتناب عن الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة اما ما يدل علي الرخصة ففي البحار عن ابي‌مسعود الميسري رفعه قال قال المسيح عليه السلام خذوا الحق من اهل الباطل و لاتأخذوا الباطل من اهل الحق كونوا نقاد الكلام فكم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما زخرف الدرهم من نحاس الفضة المموهة النظر الي ذلك سواء و البصراء به خبراء و عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال غريبتان كلمة حكم من سفيه فاقبلوها و كلمة سفه من حكيم فاغفروها و عن علي بن سيف قال قال اميرالمؤمنين خذوا الحكمة و لو من المشركين و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال المسيح معشر الحواريين لم‌يضركم نتن القطران اذا اصابكم سراجه خذوا العلم ممن عنده و لاتنظروا الي عمله و عن علي بن سيف رفعه قال سئل اميرالمؤمنين عليه السلام من اعلم الناس قال من جمع علم الناس الي علمه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان كلمة الحكمة لتكون في قلب المنافق فتجلجل حتي يخرجها و عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام الهيبة خيبة و الفرصة خلسة و الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا احق بها و اهلها و عن علي بن الحسين عليهما السلام لاتحقر اللؤلؤة النفيسة ان تجتنبها من الكبا الخسيسة ● فان ابي حدثني قال سمعت اميرالمؤمنين عليه [ص 492] السلام يقول ان الكلمة من الحكمة ليتلجلج في صدر المنافق نزاعا ● الي مظانها حتي يلفظ بها فيسمعها المؤمن فيكون احق بها و اهلها فيلقفها و اما ما يدل علي ان من كان يخاف عليه لايجوز له الرجوع الي غير الشيعة ففي البحار عن هرون بن خارجة قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام انا نأتي هؤلاء المخالفين فنسمع منهم الحديث يكون حجة لنا عليهم قال لاتأتهم و لاتسمع منهم لعنهم الله و لعن مللهم المشركة انتهي ، بالجملة انت تطلب الحق الذي من مولاك اينما وجدته اخذته ثم انت احق به و اهله و عن ابي‌جعفر عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب الا شيء اخذوه منا اهل البيت و لا احد من الناس يقضي بحق و عدل و صواب الا مفتاح ذلك القضاء و بابه و اوله و سببه علي بن ابيطالب عليه السلام فاذا اشتبهت عليهم الامور كان الخطاء من قبلهم اذا اخطأوا و الصواب من قبل علي بن ابيطالب ، الي غير ذلك من الاخبار و قد روي ما معناه ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لتحمله اليكم فخذوه فصفوه و اياكم و الاوعية فتنكبوها فانها اوعية سوء فافهم و تدبر فيما مر .

المطلب السادس - فيما يرجع الي رفيقه و في هذا المطلب ايضا مقاصد :

الاول - اعلم انه قد جرت عادة الله بان يجري الاشياء باسبابها كما روي ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و سر ذلك انه لما اقتضت العدل و الحكمة ان يخلق الله كل شيء هو هو و كثرة الاشياء و تدرجها و ترتبها و تركيبها و تكثرها امتنعت عن قبول الوجود الا بعد حصول اسباب هي بها هي خلق الله لكل شيء اسبابا و اجري كل شيء باسبابه و ذلك من نقص المسببات بالفتح لا من نقص المسبب بالكسر و عجزه و مثال ذلك [ص 493] اذا كان بدن الانسان بدنا جسمانيا هكذا اذا كان مركبا من عناصر و مربي بدوران افلاك و تربية نجوم و حاصلة من نطفة ذكر و انثي و مغذي بدم و لبن و ساير الاغذية الي غير ذلك مما به هو هو بحيث لو تخلف واحد من تلك الاسباب لم‌يكن البدن هو هو فلا بد و ان يخلق العادل الحكيم اسبابه اولا اذا اراد ان يخلقه هو هو فلو لم‌يخلق سببا من تلك الاسباب لماصار هو هو البتة فبذلك ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها و لما كان الناقص اي الكامن في القوة لايخرج الي الفعلية و لايكمل الا بذي فعلية كامل يستخرج تلك القوة بفضل كماله من الامكان الي الكون لزم في الحكمة ان يهيئ الله لاستخراج القوي الشرعية من امكان الاشخاص الكائنة اسبابا كاملة اي اشخاصا كاملين في الصفات الشرعية و تلك الاسباب كما بينا هم الانبياء و الرسل و الاوصياء و الحكماء و العلماء و ان كان بعضهم تكمل ببعض و خرج من القوة الي الفعلية ببعض آخر و ينتهي الامر الي امر واحدة شرعي و ما امرنا الا واحدة و هو محمد صلي الله عليه و آله و آله الاطهار الذين هم من نوره و طينته و هم الذين كملوا بانفسهم ثم بهم تكمل ما سواهم من الانبياء و الاوصياء و الحكماء و العلماء و غيرهم بالجملة الحكماء و العلماء بعد ما تكملوا هم من اسباب التكميل فلا بد للناقصين ان يتصلوا و يقترنوا بشيخ كامل حتي يشرق علي زيت قوابلهم نار كماله فيتكلس و يشتعل بفضل حرارته و كماله و هدايته و قد جرت العادة بان لايكمل احد بغير هذا الوجه و في الحقيقة طلب الكمال من غير هذا الوجه طلب خرق العادة و هو لايحصل الا للامر الاول الكامل بالنفس و قد قال الله عز و جل ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها اي من وجوهها التي جعلها الله لها و من رام دخول البيوت من الظهور فهو سارق و بيوت الله حصينة منيعة لايمكن [ص 494] السرق منها فبذلك قلنا بوجوب اتصال المرء المستكمل بشيخ كامل و استاد عالم عامل و مرشد فاضل باذل و الا فهو محروم من الكمال مطرود من فيض قرب ذي الجلال البتة و من تلك الاسباب اللازمة وجود رفيق يستعين به الانسان اذ الواحد شيطان و قد قيل الرفيق ثم الطريق و سل عن الرفيق قبل الطريق و الوحدة الحق من صفات الله جل جلاله و الوحدة الباطل من دعاوي ابليس اللعين في السجين ثم قال الله سبحانه و من كل شيء خلقنا زوجين و قال الحكماء كل ممكن زوج تركيبي و قال الرضا عليه السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره و قد آخي رسول الله صلي الله عليه و آله بين اصحابه و آخي بينه و بين علي عليه السلام و ندب الي المؤاخاة و قال الله سبحانه انما المؤمنون اخوة و هذا السر جار في كل مفعول و ناقص و دان في التشريع و الاكوان من الدرة الي الذرة فلا بد للناقص ان يكون مثني او مثلثا او مربعا حتي يقوم و يتكمل بل لا بد و ان يكون مثلثا او مربعا و غاية الكثرة سبعة و مايزيد سفر علي السبعة الا و زاد لغطهم و كثر الاختلاف فيهم و لاينبغي فقد روي عن النبي صلي الله عليه و آله الرفيق ثم السفر و قال عليه السلام الرفيق ثم الطريق و قال عليه السلام احب الصحابة الي الله اربعة و مازاد قوم علي سبعة الا زاد لغطهم و قال عليه السلام ألاانبئكم بشر الناس قيل بلي قال من سافر وحده و منع رفده و ضرب عبده و قال عليه السلام يا علي لاتخرج في سفر وحدك فان الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين ابعد يا علي ان الرجل اذا سافر وحده فهو غاو و الاثنان غاويان و الثلثة نفر و روي سفر و قال عليه السلام لعن الله ثلثة الآكل زاده وحده و النائم في بيت وحده و راكب الفلاة وحده و عن الصادق عليه السلام واحد شيطان و اثنان شيطانان و ثلثة صحب و اربعة رفقاء و روي البائت في بيت وحده و الساير [ص 495] وحده شيطانان و الاثنان لمة و الثلثة انس و عنه عليه السلام من صحب اخاه المؤمن في طريق فتقدمه بقدر ما يغيب عنه بصره فقد اشاط بدمه و اعان عليه ، الي غير ذلك من الاخبار و هي بعضها عامة و بعضها و ان كان مخصوصا بالسفر الا ان السفر مطلق و السفر الي الله و السلوك اليه اعظم الاسفار و اطولها و اهولها و ذلك ان الله سبحانه خلق الانسان مدنيا بالطبع و سمي الانس انسا لانس بعضهم ببعض و لزوم استيناس بعضهم ببعض فاينما تفرد الانسان و توحد اغتنم عدوه الفرصة و تعلق به و آذاه بما يقدر عليه و قد جعل الله الاستيحاش من الوحدة طبيعي الانسان لان الاستيناس و التمدن من ضروريات وجوده كما جعل الجوع في طباعه لان الاكل من ضرورياته حتي ان استصحاب حيوان احسن للانسان من توحده و استصحاب عصا احسن من توحده و يستأنس بعصاه بالطبع حتي ان الشارع آنس الميت بالجرايد لئلايكون وحده فيستوحش و ذلك شيء مجرب حتي ان الحيوان يستأنس بالحيوان و يستوحش من فقده البتة و لولا انه يلزم في وجوده الاستيناس و الانس لماجعل في طباعه بهذه الشدة و كل هذا و لما اعتني الشارع به كل هذا الاعتناء و سر ذلك و حقيقته ان الشيء يتقوي بمثله و يضعف بضده حتي انه خرج من الامكان الي الكون بمشاكل قوي و لايعود الي العدم الا بمنافر قوي ألاتري ان الحرارة تخرج من كمون الحديدة بحار قوي كالنار فانها تكمل ما فيها من الحرارة الكامنة الضعيفة و اذا استولي عليها البرد يطفي حرارتها و يبطلها و يفنيها فالشيء الموجود بصفة يتقوي بمشاكله و يضعف بضده فهو يحب مشاكله لان به قوة وجوده و دوامه و يبغض منافره لان به ضعف وجوده و قصر دوامه و سرعة فنائه فاذا كلما يشتد المشاكلة يشتد التقوي و يشتد الميل و المحبة و الانس و كلما تقل تقل حتي انه اذا كان المشاكل مشاكلا من جميع [ص 496] الجهات بحيث لايكون فيه جهة منافرة يبلغ الميل و المحبة و الانس اقصي الغاية و تبلغ رتبة العشق و كلما جاءت منافرة من جهة قلت المحبة الي ان يبلغ المنافرة في جميع الجهات فيشتد البغض و الوحشة الي اقصي الغاية و من ذلك علم ان المحبة التامة في المشاكلة في الذات و الصفات جميعا و البغض التام في المنافرة الذاتية و هي التناقض في الوجود و العدم فابغض الاشياء للشيء الموجود العدم و الفناء و المنافرة في الصفات اهون من المنافرة في الذات و في بعض الصفات اهون من كل الصفات فالاستيناس التام للمؤمن العادل العالم بالمؤمن العادل العالم و بالجاهل اقل و بالفاسق اقل و بالكافر اقل لانه في صورة الانسان اقلا و ان لم‌يكن انسان فحيوان اقلا للمشاكلة في الحيوانية و ان لم‌يكن حيوان فنبات اقلا حتي ان الانسان في سفره يستأنس بالاشجار اذا وصل اليها و ان لم‌يكن نبات فجماد اقلا حتي ان الانسان اذا وصل الي ماء في طريقه يستأنس به لانه مادة الحيوة و لذلك يستأنس الميت بصب الماء علي قبره و بقدر منافرة هذه الاشياء يحصل الاستيحاش فاذا عرفت السر و الحقيقة علمت حد الرفيق و من الذي ينبغي ان تصحبه و من الذي يدوم الخلة بينكما و من لايدوم و لنعم ما قال العباس بن الاحنف :

و قائل كيف تهاجرتما فقلت قولا فيه انصاف

لم‌يك من شكلي فهاجرته و الناس اشكال و الاف

و لو عرفت هذا السر لزال عجبك من ان الناس كيف عدلوا عن الولي الحق الي اولئك الحمير و الثيران فانهم والله لم‌يكونوا من جنسه فعدلوا عنه الي جنيسهم و قد قلت سابقا في اشعار :

لا غرو اذا تخلفوا عنك الجنس الي الجنيس مايل [ص 497] 

الثاني - اذا عرفت هذا السر فاعلم انك عرفت بعقد عزيمة ايمانك ان فيك بعض اعراض مكروهة و شهدت علي نفسك بالانحراف عن نهج الاعتدال فلاينفعك ان تأخذ رفيقا لك موافقا لك في جميع الصفات فانه يعين انحرافاتك و ذلك خلاف حكم ايمانك عليك و انما يحكم الايمان ان ترافق من يوافق اهل الحق و حجج الله علي الخلق و تصبر علي كراهة الامارة اياه بقوة ايمانك و تسعي في تغيير اخلاقك بمجاورته حتي تعتدل و توافق الحق في جميع صفاتك و كذلك رفيقك يعتدل بصفاتك المعتدلة فتراعيان في ذلك الحق و تزنان بالقسطاس المستقيم فلاتطلب من يوافقك في كل باب و يزين لك ما انت عليه بل اطلب من يزين لك الشرع و يدعوك الي سنة محمد و آل‌محمد عليهم السلام و من تفرد عن مثل هذا الرفيق اي الرفيق الايماني و لم‌يكن له رفيق ايماني يحشر مع اهل ضد الايمان لا محالة و هم الشياطين الذين استولوا عليه و يضلونه و يحرفونه عن الحق و يضعف روح ايمانه بمجاورتهم و مساورتهم و معاشرتهم لا محالة لمكان المضادة و في ضعف الايمان غلبة الشيطان و في نقصان النور غلبة الظلمة لا محالة فقد روي في المجالس عن المفضل بن عمر رحمه الله قال قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام من لم‌يكن له واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لم‌يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه انتهي ، و ذلك العدو هو كل من هو خلاف القرين المرشد و غيره فانه غير مناسب للايمان فيكون عديل الشيطان و هذا في الباطن ظاهر و اما في الظاهر فقد قلنا ان الشيء يتقوي بجنسه و يضعف بضده فاذا كان الانسان في سفر و لا انسان معه او في بيت وحده فانه يكون معه من ليس بانسان لا محالة فيضعف انسانيته و يستوحش و يقل نورانيته فيستولي عليه الشيطان الساكن في غير الانسان من ذلك البيت و الجدران و الارض و الفضاء و هكذا الشياطين الذين هم في [ص 498] الفيافي و الحشايش و ان كان البعض اهون من بعض كما ذكرنا بالجملة الشيطان يقرب من الانسان حال كونه وحده و يجتري عليه و اصل وحشة الانسان في الوحدة و خوفه علي نفسه الحاصل من غير المجانس يضعف بنيته و يشجع الشيطان عليه و يقويه و يجريه و ذلك من المجربات و من لايخاف هو آمن من الذي يخاف البتة فينبغي كثرة الذكر في تلك الحال و التوجه الي الله و الالتجاء اليه و استشعار انك حاضر بحضرة الله و محضر اوليائه و ملئكته و انهم معك حتي تستأنس بهم و يتقوي انسانيتك و نورانيتك و لايستولي عليك الشيطان فقد روي من خرج في سفر وحده فليقل اللهم آنس وحشتي و اعني علي وحدتي و اد غيبتي و من بات في بيت وحده او في دار او في قرية وحده فليقل اللهم آنس وحشتي و اعني علي وحدتي ه‍ ، و انما ذلك لتقوي جهة انسانيته حتي ينهزم عنها الشيطان و اعلم ان كل احد اذا فقد المجانس المقوي لصفة يضعف منه تلك الصفة حتي ان الحارث اذا فقد الرفيق يهن عزمه عن الحرث و يتكاهل و يتكاسل عن حرثه و ينسي كثيرا من قوانينه و الصائغ اذا لم‌يجد من يعاضده يكسل عن الصياغة بل ينسي كثيرا منها و هكذا لان تك الصفة لاتستمد الا من المجانس و ليست تضعف الا من الضد و هو كثير فلا بد و ان يضعف فاذا لا بد لطالب العلم ان يكون له رفيق طالب علم حتي يزيد شوقه شيئا فشيئا و لو رافق جنديا وهن عزمه عن طلب العلم في ايام قلائل بلا شك و تقوي جنديته لا محالة و كذلك ينبغي ان يكون رفيقه مؤمنا متقيا خالصا ذا اخلاق زكية و خصال حسنة و نية خالصة حتي يتقوي في جميع تلك الجهات و لذا قيل ان المرء علي دين خليله فانظر من ترافق و نحن قد كتبنا في ذلك كتابا منفردا سميناه بابواب الجنان و لايقبل نفسي الي التكرير لاسيما و اري الدواعي الي طلب هذه الامور في نفوس الناس قليلة حتي ان الذي انا [ص 499] كاتب الآن لااظن ان يمر عليه احد الا قليلا من المؤمنين فلذلك لا اقبال لي الي التفصيل الا اني اذكر علي نحو الاختصار فذلكة ما في الاخبار فالصفات التي ينبغي ان يكون منزها عنها هي اربعون ان لايصف الله بما لايليق و ان لايكون جاحدا للحق و منكرا لفضائل آل‌محمد عليهم السلام و الهداة و ان لايكون مفتيا بغير ما انزل الله او راغبا عن ذكر آل‌محمد عليهم السلام الي ذكر اعدائهم او صادا عن آل‌محمد عليهم السلام بباطله او ناصبا لمواليهم و ان لايكون من اهل البدع او الريب و ان لايكون من اهل التهمة و الريبة و ان لايكون تاركا للجماعة و اتيان المساجد من غير عذر و غير حافظ لمواقيت الصلوات و تاركا للبر بالاخوان و ان لايكون من لاتنتفع بدينه و لا دنياه و ان لايكون فاجرا و لا احمق و كذابا و ماجنا و ان لايكون بخيلا و لا قاطع الرحم و ان لايكون عبدا و لا من السفلة و ان لايكون جبانا و لا من الانذال و لا من الاغنياء و لا من النساء و ان لايكون مجذوما و لا ابرص و لا مجنونا و لا ولد الزنا و لا الاعرابي و ان لايكون غاشا و ان لايكون من الاشرار و ان لايكون محدثا لا عهد له و لا امان و لا ذمة و لا ميثاق و ان لايكون شارب الخمر و لا صاحب شطرنج و نرد و بربط و طنبور و لا مخنثا و لا شاعرا يقذف المحصنات و لا عاملا للتماثيل اجمل لك القول بما اجمله العزيز الجبار ان الله يأمر بالعدل و الاحسان و ايتاء ذي القربي و ينهي عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون و قال حبب اليكم الايمان و زينه في قلوبكم و كره اليكم الكفر و الفسوق و العصيان اولئك هم الراشدون فمن عرفته كاملا في صفة مكروهة قويا فيها فاهرب منها هربك من الاسد و من رأيته قويا في صفة خير صاحبه فانك تستكمل به و تهتدي بهداه و تنتفع بلقياه هذا هو الميزان القويم المعادل بالميزان المستقيم فطالب العلم لا بد له من رفيق متق عادل ذكور فكور مقبل علي [ص 500] شأنه معرض عن اهل زمانه طالب للعلم مشتاق اليه فان كان اسبق منه قدما فاحسن و احسن و الا فكفاه التسوية و ان عازه ذلك فليكن دوينه و لاتكونن متوحدا فتهلك و تهلك نعوذ بالله .

الثالث - اذا رأيت رفيقا صالحا و استفدت اخا علي ما وصفنا فاجعله منك بمنزلة نفسك و سمعك و بصرك و يدك فاحفظه و اد اليه حقوقه علي ما وصفنا في المطلب السابق آنفا و اجعله ردأك و عونك علي تحصيل العلم و اعلم انه اعظم حقوقه عليك ان لاتزوي عنه علما ينتفع به في دينه و دنياه و تواسيه بعلمك فتلقي اليه في غاية الرفق ما حزته من معلمكما و يلقي اليك ما حاز و توقفه علي خطائه و يوقفك علي خطائك فيقبل منك و تقبل منه و اذا اشكل عليكما امر تردانه الي الاستاد ليفتح عليكما و احذر ان تخاصمه في مسألة او تجادله لما يأتي ان شاء الله و ان سفه عليك يوما ما فتحمل منه و اصرفه برفق و لين و لاتنضجر عن صحبته بذلك فان المعصوم من عصمه الله و ليس من الانصاف مطالبة الاخ بالانصاف و هذا القدر ايضا كاف في امر الرفيق هيهنا اذ قد كتبنا نحن كتابا مستقلا في امر الاخوان و سميناه بابواب الجنان و الله المستعان .

المطلب السابع - فيما يرجع الي علمه و في هذا المطلب ايضا مقاصد :

الاول - اعلم ان حقيقة العلم كمال حاصل للعالم من حضور المعلوم لديه او احضاره كما في رواية هشام بن الحكم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال العلم هو من كماله انتهي ، و اما قولنا انه حاصل للعالم من حضور المعلوم لديه فلانه مطابق للمعلوم و اما ان كان من احضاره فهو واقع عليه و ليس هيهنا مقام تحقيق هذه المسئلة الا انه لا بد من مجمل القول فيها حتي يوضع كل شيء منها في محله [ص 501] اعلم ان الله سبحانه ذات احدية يمتنع معها ما سواها فلايعقل ان تكون علما بشيء بل لايعقل ان تكون علما بنفسها فضلا عن غيرها اذ هي ذات احدية قدوسة عن الحيوث فان شئت فسمها علما و ان شئت فسمها معلومة و لما كان جميع مخلوقاته بامره و مشيته و مشيته بعلمه فعلمه بخلقه كمال له به احضر المعلومات لديه فلم‌يستفد العلم من معلوماته تعالي عما يقول الظالمون علوا كبيرا فليس علمه تابعا لمعلومه بل معلومه تابع لعلمه و كذلك حال علم كل علة بمعلوله فعن الكاظم عليه السلام بعلمه كانت المشية و عن الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها و خلق الاشياء بالمشية و قال عليه السلام فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم الخبر ، هذا حال علم العالي بالداني و اما حال علم المصاقع بالمصاقع فهو كمال مستفاد من حضور المعلوم يعني لما حضر المعلوم لديه و انطبع في مشاعره شبحه صعد الي النفس جوهرية ذلك الشبح فكانت كمالا لها مستفادا و هو صفة حاصلة للنفس مكتسبة من شبح المعلوم و ذلك واضح ان شاء الله و جميع ما في ملك الله سبحانه علوم له قد كتبها في اللوح و معلوم له قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب و قال كل شيء احصيناه في امام مبين و جميع هذه العلوم منطوية تحت ذلك العلم السابق الذي اشرنا اليه علي حذو قول الشاعر :

كثرة لاتتناهي عددا قد طوتها وحدة الواحد طي

و ذلك العلم السابق اي الكمال الاعظم الاعظم الاعظم هو نقطة العلم التي كثرها جهال القوابل و ظهرت في كل قابلية علي حسبها و هي النقطة تحت الباء التي فيها جميع علم الكتاب المشار اليها بالنبوية ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم و لايصل الي تلك النقطة وصولا احد من الخلق لان [ص 502] الخلق كلهم بالمشية و المشية بها فكيف يصل اليها احد فهي العلم الذي لايحيطون بشيء منه الا بما شاء نعم يمكن الوصول الي آيتها التي في حد المخلوقات و معرفة وجهها فالنقطة التي يطلع عليها الخلق انما هي وجه تلك النقطة و آيتها و ظهورها لا غير فلهذه النقطة ملاحظات فمرة ينظر اليها من حيث ذاتها و مرة ينظر اليها من حيث ظهورها و مرة ينظر اليها من حيث مظهرها فمن النظر الي ذاتها يحصل للعالم علم البيان و علم الكان و علم الاحدية و علم الظاهر و علم الغيب الاول و علم العماء المطلق و علم الحق و علم الازل و علم الوجوب و علم الغناء و علم الوصال و علم الطي و النفوذ و علم التحير و علم لايتناهي و علم اللاتعين و علم الوجود البحت و امثال ذلك و من النظر الي ظهوره يحصل له علم المعاني و السر الامكاني و الامر الاعياني و علم الاطلاق و سر التلاق و علم القوي و علم الاتحاد و علم القبض و البسط و علم الخزائن التي لاتنفد و علم القدرة و الهيمنة و علم الولاية و السلطنة و علم الاختراع و علم الابتداع و علم الالف و علم الواحدية و المعية و علم الرحمانية و علم الازل الثاني و الغيب الثاني و علم التعين الاول و علم اللاهوت و علم الماهوت و علم السرمد و العلم الالهي الخاص و علم اللاكيف و علم الجمع و علم النفي و العدم و علم الموجود و المفقود و امثال ذلك مما لايخفي علي اهله و من النظر الي المظاهر تكثر لهم العلوم و هنا انشعبت لهم العلوم فمن نظرهم الي ذوات الدهريات و حقايقها حصل لهم العلم الالهي بالمعني الاعم و علم الاطوار و الادوار و الاكوار و علم الانوار و الآثار و علم العنوان و علم الاسرار و الاعلان و علم المحبة و الولاية و علم الاسماء و الصفات و علم الحقايق و الهويات و علم الجبروت و الملكوت و الناسوت و علم الكلية و الجزئية و علم الجوهرية و العرضية و علم الثبات [ص 503] و الدوام و علم الحقائق و علم الصور و الرقايق و علم الحل و العقد و امثال ذلك و من حيث نظرهم الي صفاتها و حالاتها يحصل لهم علم النشر و الحشر و علم الموت و القبر و علم الصراط و الميزان و علم الجنة و النيران و علم العدل و المجازات و علم عود الكائنات و علم الحساب و الكتاب و الشهود و الغياب و السؤال و الخطاب و علم القصاص و علم الابتلاء و الخلاص الي غير ذلك من العلوم و من حيث نظرهم الي طريق اهتداء الفؤاد و استنباطه يحصل لهم علم الحكمة بالمعني الاخص و علم المحبة و علم حق اليقين و علم معرفة الله عز و جل و اسمائه و صفاته و انواره و افعاله و علم الحقيقة و علم حقايق الاشياء من حيث الامثلة الملقاة في هوياتها و امثال ذلك و من حيث نظرهم الي طريق اهتداء العقل و استنباطه يحصل لهم علم الموعظة الحسنة و علم الرجاء و مشاهدة الفضل و علم الكليات و علم اليقين و علم الطريقة و تزكية الاخلاق و امثال ذلك و من حيث نظرهم الي طرق اهتداء النفس و استنباطها يحصل لهم علم المجادلة بالتي هي احسن و علم الجزئيات و علم الخوف و علم التخلية عن الرذائل و العلوم التخيلية و علم المثل و الاشباح و علم المحو و الارتسام و علم مبادي الانطباعات و علم مبادي العلوم اللفظية و علم الحقيقة و الطريقة و الشريعة الرسمية و علم الكلام المعروف و علم الحكمة المعروفة و علم مبادي الاجسام و اوائل الارتسام و علم الجواهر و امثال ذلك و من نظرهم الي الاجسام ينشعب لهم علوم لاتحصي كثرة فان نظروا الي طرق وصولهم اليها حصل لهم علم الميزان و علم البرهان و علم المحاورات و المخاطبات و علم المباحث و المناظرات و ان نظروا الي الذوات الشهودية حصل لهم علم المواد و علم القوة و الاستعداد و علم الطبيعيات و الصناعيات و علم الطبايع و الامزجة [ص 504] و علم القرانات و علم الضم و الاستنتاج و علم التركيب و التوليد و علم الاتصال و الافتراق و المباعدة و التلاق و علم الصعود و النزول و علم الخروج و الحلول و علم الجواهر و الاعراض و علم الموت و الحيوة و علم مبادي الحركات و السكنات و امثال ذلك و ان نظروا الي المقادير حصل لهم علم الرياضي بفروعه من علم المقادير المتصلة و المنفصلة و علم الجسم التعليمي و علم المساحات و علم التأليفات و الايقاعات و علم الحساب و علم استخراج المجهولات و علم الحركات و السكنات و علم الارثماطيقي و علم الهيئة و علم جغرافيا و امثال ذلك و ان نظروا الي الكيفيات حصل لهم علم الفعل و الانفعال و علم الامزجة و علم الانوار و الظلمات و علم الاصباغ و علم الحل و العقد و علم الحر و البرد و التلطيف و التكثيف و الرطوبات و اليبوسات و علم الجذب و الدفع و ما يتعلق بذلك و العلوم الحاصلة من هذا النظر لاتحصي كثرة و ان نظروا الي الوقت حصل لهم علم الزمان و علوم تحديداته الصناعية و المقادير و علم امتداد ما بين الكون و الفساد و علم الآجال و امثال ذلك و ان نظروا الي المكان حصل لهم علم الاحياز و علم الاوضاع و علم اللبث و الانتقال و علم القرب و البعد و ما يتعلق بآلاته الصناعية و علم الرفع و الخفض و علم العلو و الدنو و امثال ذلك و ان نظروا الي الجهة حصل لهم علم المبدء و المنتهي و علم الحجب و الحكاية و علم العلة و المعلول و السبب و المسبب و علم الفاعل و المنفعل اي الذكر و الانثي و علم القابل و المقبول و امثال ذلك و ان نظروا الي الرتبة حصل لهم علم تعدد الكرات و علم نضد الموجودات و علم ترتب الكائنات و علم الترقيات و التنزلات و علم الادبار و الاقبال و علم الطفرة و الاتصال و امثال ذلك و ان نظروا الي نسبة الذوات الكاملة الي الناقصة حصل لهم علم الكيمياء [ص 505] و علم التركيبات و علم الترقيات و علم التكميل و الاستكمال و علم ما يحصل من الاقترانات و علم القوي و الفعليات و علم الاسباب و المسببات و علم التمكين و امثال ذلك و ان نظروا الي الانطباعات حصل لهم علوم لاتحصي من علم الاحكام و علم الرمل و علم الحصيات و علم الخيوط و علم الحبات و علم استنباط الاحكام من المجالس و التكلمات و الاوضاع و الاراضي و الجبال و الاودية و الاكتاف و علم النفس بفتح الفاء و علم الالواح و القيافة و علم الطلسمات و امثال ذلك و من نظرهم الي نسب الاوضاع الفلكية و مقتضياتها حصل لهم علم النجوم و علم التقدير و علم الاحكام و علم استنباط الخبايا و الضماير و الدفاين و علم الملاحم و الوقايع و علم المنايا و البلايا و امثال ذلك ثم ان نظروا الي الصفات المنفصلة يحصل لهم علوم كثيرة فمن نظرهم الي دلالتها يحصل لهم علم اللغة و من نظرهم الي هيئاتها و صفة ادائها يحصل لهم علم القراءة و التجويد و من نظرهم الي طبايعها و قواها يحصل لهم علم الجفر و علم الاوفاق و علم السؤال و الجواب و علم التصريفات و علم الهيميا و امثال ذلك و من نظرهم الي مواد الكلمات و اشتقاقاتها يحصل لهم علم التصريف و من نظرهم الي احوال حركاتها و سكناتها و اقتراناتها يحصل لهم علم النحو و من نظرهم الي حسن السبك و التأدية و التعبير يحصل لهم علم البيان و المعاني و من نظرهم الي تأليف الكلمات و تناسبها و موافقتها للموازين يحصل لهم علم العروض و من نظرهم الي كيفية استنباط المعاني منها يحصل لهم علم الاصول اي اصول الفقه و علم اللحن و المعاريض ثم ان نظروا الي اسباب التصفية و الترقي حصل لهم علوم شتي فمن نظرهم الي التكاليف السرية يحصل لهم علم الحقيقة و علم المحبة بمقتضي ظاهر هذا العالم و من نظرهم الي التكاليف القلبية يحصل لهم علم الطريقة و من نظرهم [ص 506] الي تكاليف الاجسام يحصل لهم علم الشريعة و يمكن ان يلحق بهذا النظر و يتفرع عليه علم الكيميا و ساير الصنايع كاخذ الجواهر و تنقية المعادن و النباتات و ساير الجمادات و امثال ذلك ثم ان نظروا الي تدابير المقترنات و المؤتلفات الدنياوية حصل لهم علوم كثيرة فمن نظرهم الي مصالح الاهل و الاولاد و العبيد و تدبير معاشهم يحصل لهم علم تدبير المنزل و من حيث نظرهم الي تدبير المدينة و اسباب الايتلافات بين اهلها حصل لهم علم سياسة المدن و من حيث نظرهم الي امالة القلوب و تنفيرها بالسلوك حصل لهم علم عظيم و هو علم المعاشرة و من حيث نظرهم الي استمالة القلوب بالكلام حصل لهم علم المحاورات و هو ايضا علم عظيم شريف لايعلمه الا الاقلون و من حيث نظرهم الي طريق التفهيم و تمكين القوابل و الترقية و التعليم حصل لهم علم البيان و التقرير و هو علم عجيب لايعرفه الا الحكيم الماهر ثم ان نظروا الي صلاح الابدان و فسادها و ما يتعلق بها حصل لهم علوم كثيرة فان نظروا الي معرفة العقاقير و الادوية حصل لهم علم الصيدلة و ان نظروا الي معرفة طبايعها حصل لهم علم المفردات و ان نظروا الي تراكيبها و موازينها حصل لهم علم القرابادين و المعاجين و الشربات و الحبوب و امثال ذلك و ان نظروا الي تركيبها بحيث تجذب من الافلاك ارواحا رافعة او خافضة او دافعة او جاذبة او مفرقة او موصلة و امثالها من اشباه المعجزات حصل لهم علم الليميا و ان نظروا الي حفظ الصحة و دفع المرض حصل لهم علم الطب فان تعلق بالجروح حصل لهم علم الجراحة او بالعين حصل لهم علم الكحالة او بتفرق الاعضاء حصل لهم علم الخلع و الكسر الي غير ذلك من فنون الطب و ان نظروا الي اسباب استيلاء النفس علي غيرها يحصل لهم علوم كثيرة فمن نظرهم الي تسخير ملائكة فلك عطارد و حملته حصل لهم علم السيميا [ص 507] و من نظرهم الي تسخير الارواح السفلية حصل لهم علم العزايم و الاقسام و من نظرهم الي تسخير ذوات الحمة و السموم من الحيوانية و النباتية حصل لهم علم الرقي و المناطر و ان نظروا الي سرعة الحركات و الحيل في اظهار اشباه المعجزات حصل لهم علم الريميا و علم الحقق و ان نظروا الي ما اودع في النباتات و كيفية تنميتها و ريعها و تغييرها و سرعة انباتها حصل لهم علم الفلاحة و ان نظروا الي كيفية نزول الاشياء في خزائنها و تصورها في كل خزانة علي حسبها حصل لهم علم الرؤيا و التعبير و هكذا يحصل لهم من كل نظر في الجهات الخلقية علوم لاتحصي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و الانسان اذا وجد فيه الانسانية اي النفس القدسية يلزمها القوة العالمة و هي مشعر كالباصرة التي اذا وجدت يري الانسان بها كل ذي لون و شكل و لايحتاج الي ان يسأل غيره في لون كل شيء و شكله و يعرف جميعها من غير مسألة كذلك اذا حصل في الانسان العالمة فانها قوة دراكة يدرك بها الانسان كلما واجهها و قابلها فالي اي جهة توجه الانسان يعرفها علي ما ينبغي و لايحتاج الي تعلم و لذا روي ليس العلم بالتعلم و انما هو نور يقذفه الله في قلب من يحب كما ان الباصرة نور غير مكتسب فاذا حصل ذلك النور في قلب الانسان يعرف كل شيء توجه اليه و احب ان اذكر هنا حديثا رواه البهائي رحمه الله في كشكوله و الظاهر انه نقله من مشكوة الانوار عن عنوان البصري و كان شيخا كبيرا اتي عليه اربع و سبعون سنة قال كنت اختلف الي مالك بن انس في طلب العلم فلما قدم جعفر بن محمد عليه السلام المدينة اتيت اليه فاحببت ان آخذ عنه كما اخذت عن مالك فقال لي يوما اني رجل مطلوب و مع ذلك لي اوراد في كل ساعة من ساعات الليل و النهار قم عني لاتشغلني عن وردي و رح الي مالك [ص 508] و اختلف اليه كما كنت تختلف فاغتممت من ذلك و خرجت من عنده و قلت في نفسي لو تفرس في خيرا لمازجرني عن الاختلاف اليه و الاخذ عنه فدخلت مسجد النبي صلي الله عليه و آله و سلمت عليه ثم رجعت من الغد الي الروضة و صليت فيها ركعتين و قلت اسألك يا الله ان تعطف علي قلب جعفر بن محمد و ترزقني من علمه ما اهتدي به الي الصراط المستقيم و رجعت الي داري مغتما و لم‌اختلف الي مالك بن انس لما شرب قلبي من حب جعفر عليه السلام فماخرجت من داري الا للصلوة المكتوبة حتي عيل صبري فلما ضاق صدري تنعلت و ترديت و قصدت جعفرا عليه السلام فلما حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال ما حاجتك فقلت السلام علي الشريف فقال هو قائم في الصلوة فجلست بحذاء بابه فمالبثت الا يسيرا اذ خرج خادم آخر فقال ادخل علي بركة الله فدخلت و سلمت عليه فرد علي السلام و قال اجلس غفر الله لك فاطرق مليا ثم رفع رأسه و قال ابو من قلت ابوعبدالله قال ثبت الله كنيتك و وفقك لكل خير فقلت في نفسي لو لم‌يكن من زيارته و التسليم عليه الا هذا الدعاء لكان كثيرا ثم رفع رأسه فقال ما مسألتك قلت سألت الله ان يعطف علي قلبك و يرزقني من علمك و ارجو ان الله تعالي اجابني في الشريف ما سألته فقال يا اباعبدالله ليس العلم بكثرة التعلم انما هو نور يضعه الله في قلب من يريد ان يهديه فان اردت العلم فاطلب في نفسك اولا حقيقة العبودية و اطلب العلم باستعماله و استفهم الله بفهمك قلت يا شريف فقال قل يا اباعبدالله قلت يا اباعبدالله ما حقيقة العبودية فقال ثلثة اشياء ان لايري العبد في نفسه فيما خوله الله ملكا لان العبد لايكون له ملك يري المال مال الله يضعه حيث امره الله و لايدبر العبد لنفسه تدبيرا و جملة اشغاله فيما امره الله تعالي و نهاه عنه فاذا لم‌ير العبد فيما خوله الله ملكا هان عليه الانفاق فيما امره الله تعالي [ص 509] ان ينفق و اذا فوض العبد تدبير نفسه الي مدبره هانت عليه المصايب و اذا اشتغل العبد بما امره الله تعالي و نهاه عنه لايتفرغ منها الي المراء و المباهاة مع الناس و اذا اكرم الله تعالي العبد بهذه الثلثة هانت عليه الدنيا و المسيس بالخلق فلايطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا و لايطلب عند الناس عزا و علوا و لايدع ايامه باطلا فهذا اول درجة المتقين قال الله تعالي تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الارض و لا فسادا و العاقبة للمتقين قلت يا اباعبدالله اوصني قال اوصيك بتسعة اشياء فانها وصيتي لمريد الطريق الي الله تعالي و الله اسأل ان يوفقك لاستعمالها ثلثة منها في رياضة النفس و ثلثة منها في الحلم و ثلثة منها في العلم فاحفظها و اياك و التهاون بها قال عنوان ففرغت قلبي فقال اما اللواتي في الرياضة فاياك ان تأكل ما تشتهيه ● فانه يورث الحمق و البله و لاتأكل الا عند الجوع فاذا اكلت فكل حلالا و سم الله تعالي و اذكر حديث النبي صلي الله عليه و آله ماملأ الآدمي وعاء اشد شرا من بطنه فان كان و لا بد فثلث لطعامه و ثلث لشرابه و ثلث لنفسه و اما اللواتي في الحلم فمن قال لك ان قلت واحدة سمعت عشرا فقل ان قلت عشرا لم‌تسمع واحدة و من شتمك فقل ان كنت صادقا فيما تقول فاسأل الله ان يغفر لي و ان كنت كاذبا فاسأل الله ان يغفر لك و من وعدك بالخيانة فعده بالنصيحة و الدعاء و اما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت و اياك و ان تسألهم تعنتا و تجربة و اياك ان تعمل برأيك شيئا و خذ بالاحتياط في جميع امورك ما تجد اليه سبيلا و اهرب من الفتيا فرارك من الاسد و الذئب و لاتجعل رقبتك جسرا للناس قم عني يا اباعبدالله فقد نصحت لك و لاتفسد علي وردي فاني رجل ضنين بنفسي و الحمد لله رب العالمين [ص 510] ذكرته بطوله لكثرة محصوله و ان كان من طرق العامة و احاديث الحكمة مؤيدة بالادلة العقلية و المراد من قوله عليه السلام و اسأل العلماء اي الائمة و لاتتجاوز نصوصهم الي الترائي و التظني و اعتبارات عقلك كما هو دأب كثير من منتحلي العلم .

الثاني - اعلم ان العلم علي ما عرفت له اقسام كثيرة و تحصيله للمكلفين علي اقسام فمنها ما هو واجب و منها ما هو مستحب و منها ما هو حرام و منها ما هو مكروه و منها ما هو مباح و لا بد و ان نشير الي اقسامه علي نهج الاختصار و علي ما ينبغي ان نذكره في هذا الكتاب فلنعنون لها انواعا :

النوع الاول - هو الواجب و من البين ان العلم الواجب هو الذي لايعذر احد في تركه و بني عليه الاسلام فهو كعلم معرفة الله عز و جل بقدر ان يحصل له اليقين بان لجميع العالم صانعا قديما احديا في ذاته كما قال الله جل جلاله في كتابه قل هو الله احد و واحدا في صفاته كما قال ليس كمثله شيء و واحدا في افعاله كما قال هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه و قال الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و واحدا في عبادته كما قال من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا لا شريك له في شيء من ذلك و يعترف بجميع صفاته التي وصف نفسه بها في كتابه و علي السنة رسله صلوات الله عليهم اجمعين و ان لم‌يفهم كنهها و ما يبحث الحكماء فيها و اختلفوا فيها فان رسول الله صلي الله عليه و آله و الائمة عليهم السلام كانوا يكتفون بها عن من كان يدخل في الاسلام نعم لما كان جميع ما اختلف الحكماء فيها من معارف الله سبحانه باطل اقوالهم ينافي الالوهية و الاحدية و القدم و حقها من لوازمها فاذا عرف منافاة قول للاحدية او [ص 511] القدم يجب عليه الاعراض عنه و القول بما يوافق و لاينافي البتة و لما كان حد الواجب من ذلك حصول اليقين يختلف مراتب مقدار الواجب من تحصيل العلم فانه ربما يحصل اليقين لرجل بشيء لايحصل لغيره به فاذا كان الحد حصول اليقين يجب علي كل مكلف ان يحصل العلم حتي يحصل له اليقين و اذا حصل له اليقين يوما بدليل ثم دق فهمه و لطف بحيث لم‌يره دليلا و ارتاب وجب عليه تحصيل دليل آخر و هكذا يجب عليه دائما تحصيل اسباب اليقين و من اسباب اثبات اليقين العمل بما علم فان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و هل يحصل اليقين بغير برهان كما زعم بعضهم ام لا فالظاهر انه لايحصل و الذي يشاهد من سكون بعض القلوب فانما هو من جهة قلة الاعتناء بالدين و عدم الالتفات اليه و الا جبلت القلوب علي عدم السكون علي غير البديهيات و ماخفي عليهم الا بدليل نعم يختلف القلوب في القناعة بالادلة فان غير الملتفت الي الشبهات و الشكوك يقنع ببعض الظواهر و الملتفت اليها لايسكن قلبه اليه ابدا حتي يرفع عن طريقه جميع شوك الشبهات و لذلك قال الله سبحانه ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و وبخ قوما و قال و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و طلب البرهان من قوم و قال قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فجعل آية الصدق البرهان و لذلك روي في الكافي بسنده عن ابي‌الحسن موسي عليه السلام قال يقال للمؤمن في قبره من ربك قال فيقول الله فيقال له ما دينك فيقول الاسلام فيقال من نبيك فيقول محمد فيقال له من امامك فيقول فلان فيقال له كيف علمت بذلك فيقول امر هداني الله له و ثبتني عليه فيقال نم نومة لا حلم فيها نومة العروس ، الي ان قال و يقال للكافر من ربك فيقول الله ربي فيقال من نبيك فيقول محمد فيقال ما دينك فيقول الاسلام فيقال [ص 512] من اين علمت ذلك فيقول سمعت الناس يقولون فقلته فيضربانه بمرزبة الخبر ، و قال الصادق عليه السلام دع الرأي و القياس و ما قال قوم في دين الله ليس له برهان ، و لعلي نقلته بالمعني فعلم من ذلك انه لاينفع ان يكون الانسان امعة و يجب ان يكون علي بصيرة و هداية و هو الذي له علي عقد دينه برهان يسكن قلبه و يثبت عليه و محض ان الناس كانوا يقولون بذلك فقلت به لاينفع و لايكون ايمانا بل سماه كافرا مع شهادته بالحق و كذلك يجب معرفة النبي صلي الله عليه و آله و معرفة كونه واسطة بين الله و بين خلقه و انه معصوم مطهر من كل ذنب صادق مصدق علي الله سبحانه في جميع ما جاء به و ان له جميع الفضائل التي اعترف بها الشيعة او دل عليه الكتاب و السنة الجامعة او دل عليه الدليل القاطع و انه معصوم من الخطاء و السهو و النسيان و الصفات الرذيلة و ما اجمعت الشيعة علي تنزهه عنه او دل عليه الدليل القاطع و كذلك يجب معرفة الائمة عليهم السلام علي حذو معرفة النبي صلي الله عليه و آله فانهم مثله الا في النبوة و كذلك يجب الاعتراف بالمعاد و لو بمحض تقليد الحجج عليهم السلام و يجب الاعتراف بجميع ما نطق به الكتاب و السنة من امر المعاد و ما يتعلق به من الصراط و الميزان و الحساب و الكتاب و غير ذلك و ان لم‌يعرف عللها و حقايقها و كذلك يجب الاقرار بظهور القائم عجل الله فرجه و رجعة آل‌محمد عليهم السلام و لو تقليدا للحجج عليهم السلام و يجب الاعتراف بجميع ما نطقوا به من امرهما و لو اجمالا و يجب معرفة فقه الشرايع و السنن الواجبة الواردة عن الشرع و معرفة المحرمات الواردة بل بعض المستحبات و المكروهات فانه لايجوز ترك جميع المستحبات و فعل جميع المكروهات فانه مؤد الي الاستخفاف و عدم الاعتناء بالشرع و ان لم‌يمكن معرفة الواجبات و المحرمات الا بالفحص في ساير المستحبات و المكروهات [ص 513] لاجل التمييز بينها وجب الكل من باب المقدمة و كذا يجب معرفة ما يتوقف عليه العلم بهذه الامور من باب المقدمة و لايجب علي المكلف عينا علم غير ذلك و بذلك كان يكتفي رسول الله و الائمة عليهم السلام من الامة و يجرون علي العالم بها احكام الاسلام و الايمان و يجب كفاية تحمل علم جميع اصول الدين و فروعها لحفظ ثغر الدين عن الشياطين و دفع شبهات المشبهين و تاويل الجاهلين و انتحال المبطلين و اضلال المضلين و حفظ قلوب المستضعفين و لولا هؤلاء لمابقي احد الا ارتد عن الدين كما مر في الخبر و يجب تصدي قوم بذلك حتي يبلغ من كتب له هذا المقام اذ لولا تصديهم لمايعرف اول مرة من هو القابل لهذا المقام و كذلك يجب كفاية علم الفقه و الاحكام الشرعية للقضاء و الفتياء بين الناس و اجراء الاحكام في زمان الغيبة اذ في زمان الظهور يكون الامام هو المرجع و يمكن القول بالوجوب الكفائي لاهل البلاد البعيدة اذ لولا هؤلاء لم‌يقم للمسلمين سوق و لم‌يخضر للاسلام عود و لمااستقر مدينة الاسلام و كذلك يجب تصدي الكل بذلك ان لم‌يكن واصل بالغ حتي ينال من كتب له درجته اذ لايعرف من هو اهل تلك الدرجة و يدل علي ذلك قوله تعالي فلولانفر من كل فرقة منهم طائقة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و الآيات الدالة علي تصدي من يستجمع الشرايط للامر بالمعروف و النهي عن المنكر كقوله تعالي و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر اولئك هم المفلحون ، و في الوسائل بسنده عنهما عليهما السلام ويل لقوم لايدينون الله بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام لتأمرن بالمعروف و لتنهن عن المنكر او ليستعلن عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلايستجاب لهم و عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث ان الامر بالمعروف [ص 514] و النهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرايض الخبر ، و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر أواجب هو علي الامة جميعا فقال لا فقيل له و لم قال انما هو علي القوي المطاع العالم بالمعروف عن المنكر لا علي الضعيف الذي لايهتدي سبيلا الي اي من اي يقول من الحق الي الباطل و الدليل علي ذلك كتاب الله عز و جل قوله و لتكن منكم امة يدعون الي الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر فهذا خاص غير عام كما قال الله عز و جل و من قوم موسي امة يهدون بالحق و به يعدلون و لم‌يقل علي امة موسي و لا علي كل قومه و هم يومئذ امم مختلفة و الامة واحد فصاعدا كما قال الله عز و جل ان ابرهيم كان امة قانتا لله يقول مطيعا لله عز و جل و ليس علي من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج اذا كان لا قوة له و لا عدد و لا طاعة و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الحديث الذي جاء عن النبي صلي الله عليه و آله ان افضل الجهاد كلمة عدل عند امام جاير ما معناه قال هذا علي ان يامره بعد معرفته و هو مع ذلك يقبل منه و الا فلا ، الي غير ذلك من الاخبار الجارية في هذا المضمار و عن ابي‌الحسن موسي بن جعفر عليهما السلام في حديث طويل لا نجاة الا بالطاعة و الطاعة بالعلم و العلم بالتعلم و التعلم بالعقل يعتقد و لا علم الا من عالم رباني و كذلك يدل علي ذلك مطلقات تدل علي فرض العلم كما قال عليه السلام طلب العلم فريضة علي كل مسلم الا و ان الله يحب بغاة العلم و قال عليه السلام اطلبوا العلم و لو بالصين فان طلب العلم فريضة علي كل مسلم و قال علي عليه السلام ان طلب العلم اوجب عليكم من طلب المال ان المال مقسوم بينكم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه و سيفي لكم و العلم مخزون عليكم عند اهله و قد امرتم بطلبه منهم فاطلبوه و عنه عليه السلام سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول طلب العلم فريضة [ص 515] علي كل مسلم فاطلبوا العلم من مظانه و اقتبسوه من اهله الخبر ، و كان حديث طلب العلم فريضة علي كل مسلم كالمتواترات المعنوية و قال ابوعبدالله عليه السلام طلب العلم فريضة و قال عليه السلام طلب العلم فريضة في كل حال و قال عليه السلام تفقهوا في الدين فان من لم‌يتفقه منكم في الدين فهو اعرابي ان الله يقول في كتابه ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و قال عليكم بالتفقه في الدين و لاتكونوا اعرابا فانه من لم‌يتفقه في دين الله لم‌ينظر الله اليه يوم القيمة و لم‌يزك له عملا و قال عليه السلام لوددت ان اصحابي ضربت رؤسهم بالسياط حتي يتفقهوا و قال عليه السلام لا خير فيمن لايتفقه من اصحابنا يا بشير ان الرجل منهم اذا لم‌يستغن بفقهه احتاج اليهم فاذا احتاج اليهم ادخلوه في باب ضلالتهم و هو لايعلم ، الي غير ذلك من الاخبار و هي آمرة لعامة الخلق بطلب العلم مطلقا و دائما و علي كل حال و لو ابقينا الاخبار و الآيات علي اطلاقها و علي حقيقتها لاتصح الا علي معني الكفاية و يجب ابقاؤها ما كان له مخرج فذلك في المسائل العلمية كلها من باب الكفاية و خاطبوا الكل بذلك لانه يجب علي الكل المبادرة الي طلب العلم ما لم‌يقم احد باعبائه و اذا قام قوم به او طائفة سقط عن الباقي للاجماع علي عدم وجوبه علي الكل عينا و يختص كل نفس بعد بما يجب عليه في نفسه بالجملة ما ذكرناه هو الواجب من العلم .