و منها التقوي و الورع فان المعاصي تكدر القلب و تصير سبب الختم علي القلب و الطبع عليه و الرين و يعوج ادراكه فيري الحق باطلا و الصحيح سقيما و القريب بعيدا و ذلك ان قلب العاصي منكوس متوجه الي سجين و الصور الحقة في عليين و الباطلة في سجين فكلما ينطبع في ادراكه صور باطلة من سجين فلايفوز بالعلم الحق أليس ان الحق مع آل‌محمد و فيهم و بهم و منهم عليهم السلام و كلما في ايدي الناس من حق فهو من عندهم عليهم السلام و هم سلام الله عليهم اصل عليين فمن كان متوجها اليهم مقبلا اليهم انطبع في قلبه انوار العلوم الحقة و كذلك اعداؤهم اصل كل باطل و فرية و هم اصل سجين فمن توجه اليهم انطبع في قلبه ظلمات الجهل و الباطل و المطيع متوجه الي المطاع الامين في عليين و هو اصل كل حق و خير فيستنير قلبه بنور الحكمة و العلم و العاصي متوجه الي المطاع الخائن في سجين فيظطلم قلبه بظلمة الجهل فلاجل ذلك قال الله عز و جل ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا اي نورا تفرقون به بين الحق و الباطل و عن علي بن ابرهيم اي العلم تفرقون به بين الحق و الباطل و قال فاتقوا الله و يعلمكم الله و قد مر في ذلك كلام طويل قبل هذا الفصل و قد مر ايضا حديث الرسول صلي الله [ص 408] عليه و آله من لم‌يتورع في ايام تعلمه ابتلاه الله باحد ثلثة اما يميته في شبابه او يوقعه في الرساتيق او يبتليه بخدمة السلطان فلا بد لطالب العلم من التقوي و الورع و طهارة القلب و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لعيسي بن عبدالله يا عيسي بن عبدالله ليس منا و لا كرامة من كان في مصر فيه مائة‌الف او يزيدون و كان في ذلك المصر اورع منه و عن ابي‌الحسن الاول عليه السلام قال كثيرا ما كنت اسمع ابي يقول ليس من شيعتنا من لاتتحدث المخدرات بورعه في خدورهن و ليس من اوليائنا من هو في قرية فيها عشرة‌آلاف رجل فيهم خلق لله اورع منه و عن ابي‌جعفر عليه السلام ما من عبادة افضل عند الله من عفة بطن و فرج انتهي ، و لما ان مر شطر من هذا الباب سابقا لايحتاج الي تفصيل .

و منها المواظبة و الحرص علي طلب العلم و ذلك ان العلم و ان كان مكنونا مخزونا في الصدور الا انه لايخرج الي عرصة الظهور الا بالتعلم و المواظبة و التوجه الي العلم و المعلم و ذلك ان العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب و النور لا بد له من منير فما دام الانسان متوجها الي المنير يستنير و اذا اعرض عنه اظطلم اللهم الا ان يتكمل و يبلغ مرتبة الكمال و يصير كسراج اشتعل من سراج فان باعد السراج الاول يبقي ضوؤه و نوره لانه يستمد مما استمد منه السراج الاول فلا بد لطالب العلم ما لم‌يستكمل كل الكمال ان يكون دائما التوجه الي العلم و الي المعلم حريصا علي ضبط ما يسمعه و لذلك روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام طلب العلم فريضة في كل حال و قيل اطلب العلم من المهد الي اللحد و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لست احب ان اري الشاب الا غاديا في حالين اما عالما او متعلما فان لم‌يفعل فرط فان فرط ضيع فان ضيع اثم و ان اثم سكن النار و الذي بعث محمدا بالحق [ص 409] و قال عليه السلام منهومان لايشبعان منهوم علم و منهوم مال و الاخبار في ان طلب العلم فريضة علي كل مسلم غير مقيدة بقيد و وقت و حال فتفيد الاطلاق فيجب عليه طلب العلم ابدا و عن النبي صلي الله عليه و آله العلم مخزون عند اهله و قد امرتم بطلبه منهم و عنه صلي الله عليه و آله طلب العلم فريضة علي كل مسلم فاطلبوا العلم من مظانه و اقتبسوه من اهله الخبر ، فيجب علي طالب العلم ان يكون جميع اوقاته مصروفا للعلم او للتقوي علي العلم فلاينام و لايأكل و لايشرب و لايتمدد الا للتقوي علي العلم و من باب المقدمة حتي يصدق عليه انه طلب العلم في كل حال حتي انه لو مل عن علم فعليه بتفرج القلب بالرجوع الي فن آخر و علم آخر كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكمة و نهوا عليهم السلام عن السهر في جميع المواضع الا في ثلث مواضع منها طلب العلم فعن النبي صلي الله عليه و آله لا سهر الا في ثلث متهجد بالقرآن و في طلب العلم او عروس تهدي الي زوجها انتهي ، بل ينبغي لطالب العلم ان لايسافر الا بكتبه بقدر الضرورة و لايذهب الي موضع يطول لبثه فيه الا بكتاب و لايذهب حيث يذهب الا بمحبرة و بياض ليكتب ما يسمعه مما يستحسنه فان الناس يصغون الي احسن ما يذكره الذاكرون و يكتبون احسن ما سمعوا ثم يروون في المجالس احسن ما كتبوا فروايات الناس نقاوة جميع ما عندهم و لذا روي عن النبي صلي الله عليه و آله خذوا العلم من افواه الرجال و اما ما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام من اخذ دينه من افواه الرجال ازالته الرجال الخبر ، فهو ان يكون الرجل امعة لا درية له فيتبع كل ناعق و يميل مع كل ريح و اما الحديث الاول فهو ان يكون الرجل ذا درية و بصيرة و ينظر الي ما يرويه الرجال و ينقده و يأخذه [ص 410] ألم‌تسمع آخر الخبر من اخذ دينه عن الكتاب و السنة زالت الجبال و لم‌يزل و هل يعرف السنة الا بالاخذ من افواه الرجال او المراد ان ما في صدور الرجال لم‌يلعب به ايدي المحرفين و اما الكتب فقد لعبوا بها فلاجل ذلك قال خذوا العلم من افواه الرجال فافهم بالجملة فليكن دائما عند طالب العلم بياض و محبرة يقيد جميع ما سمعه فان العلم طائر فاذا قيد ثبت و لذا روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام اكتبوا فانكم لاتحفظون حتي تكتبوا و قال عليه السلام القلب يتكل علي الكتابة و قال عليه السلام احتفظوا بكتبكم فانكم سوف تحتاجون اليها و قال عليه السلام اكتب و بث علمك في اخوانك فان مت فاورث كتبك بنيك فانه يأتي علي الناس زمان حرج لايأنسون فيه الا بكتبهم و عن عبدالله بن عمر قلت يا رسول الله اقيد العلم قال نعم قيل و ما تقييده قال كتابته و قيل له صلي الله عليه و آله اكتب كلما اسمع منك قال نعم قيل في الرضا و الغضب قال نعم فاني لااقول في ذلك كله الا الحق و لا بد لطالب العلم ان يكون كثير التفكر في امره عن ظهر القلب و ان طالع الكتاب فليطلب ذلك المطلب و مقارناته و مقدماته في كتب عديدة ليجد مطلبه بعبارات مختلفة و ادلة متفاوتة ليسهل عليه فهمه و ينبغي الاجتناب للمبتدي عن فحص الاقوال في المسئلة و المذاهب و الآراء المتشتتة فان ذلك يشوش قلبه و يزيل ثباته و يزيد في حيرته و يذهب بوثوقه بالعلم و الدين فيقتصر علي ما يراه الاستاد صلاحا له فلاجل ذلك الاقتصار علي المتون له احسن و الاكتفاء بالمختصرات اولي و يبتدي بسطح الكتب من غير استدلال فاذا قوي يطلب الدليل علي تلك السطوح و لاجل ذلك لايجوز ان يقرأ في كتب المخالفين المتعلقة بالمذهب فانه يرسخ في قلبه ثم يشكل ازالته عنه و الواجب الاقتصار بعلوم آل‌محمد عليهم السلام و شيعتهم الآخذين عنهم و لذا روي عن ابي‌عبدالله [ص 411] عليه السلام انا نأتي هؤلاء المخالفين فنسمع منهم الحديث يكون حجة لنا عليهم قال لاتأتهم و لاتسمع منهم لعنهم الله و لعن مللهم المشركة و عنه عليه السلام بادروا احداثكم بالحديث قبل ان يسبقكم اليهم المرجئة و قال عليه السلام لبشير الدهان لا خير فيمن لايتفقه من اصحابنا يا بشير ان الرجل منهم اذا لم‌يستغن بفقهه احتاج اليهم فاذا احتاج اليهم ادخلوه في باب ضلالتهم و هو لايعلم و يأتي ما يدل علي ذلك في اصناف العلوم فلاجل ذلك لايجوز ان يبتدي المبتدي بكتب الضلال لاسيما و ترتيب الحكمة ان يقرأ اولا سطح المتون ثم يثني بالاخذ في الاستدلال عليه ثم يثلث في طلب الاقوال فيرسخ في قلبه الضلالة حال خلوه و يقسو و لايكاد يذل للحق بعد ذلك كما هو مشاهد من كثير من الطلبة و الداء العضال ان العامة كانت قبل ذلك غالبة علي بلاد الشيعة و كانت المدارس و القضاء بيدهم و الشيعة خاملون و السلطان مع العامة و العزة و الغلبة لهم فكتبوا كتبا في اصناف العلوم و عظموا فيها مشايخهم و ائمتهم و كل مسئلة يؤل الي المذهب في الآخر كتبوه هنا علي ما يوافق و ينتج تلك النتيجة و الناس عنه غافلون و اكتفي الشيعة بها و قرأوا عليها و شاعت تلك الكتب و بقيت الي الآن و لذلك لاتجد كتابا في مقدمات العلوم للشيعة الا نادرا في بعض البلاد و الشيعة الي الآن يقرأون تلك الكتب و لايدرون ما فيها من الضرر العظيم و ماذا يتفرع عليها و يأتي ذلك مفصلا ان شاء الله و الغرض هنا مواظبة طالب العلم و حرصه علي ما يسمع و احسن وقت للمطالعة و المراجعة لمن يريد الحفظ ساعة قبل المنام بالليل الي ان يغلب عليه النوم فان من كرر شيئا في ذلك الوقت ينتقش في خاطره و قلبه و يذكره اذا قام من نومه ان شاء الله و يأتي ما يدل علي ما يزيد في الحفظ ان شاء الله و ليجعل وقت تدرسه و مطالعته في اوقات اجتماع قلبه و عدم كسالته بشبع [ص 412] او ري او نوم و ليتوجه الي العلم حين اخذه اياه بكله حتي ينتقش في قلبه كما هو و اذا سمع فلايتكلن علي فهمه اياه بل ليكرر النظر فيه و الفكر في اطرافه و ان كان له من يباحث معه فليباحث بشروط تأتي في المجادلة بالتي هي احسن و ان كان الدرس استدلاليا فلا بد و ان يكتب رؤس مطالب يقولها الاستاد ثم يستمع الي آخر المطلب ليفهم ما يقول و اذا اتفق في اثناء المطلب امر اعجبه او بيان غريب او شاهد لايدريه فليقيده سريعا بالاجمال ثم ليستمع الي ان يشرع في مطلب آخر فليكتب رأس المطلب ثم ليعد في الاستماع و هكذا الي ان يتم الدرس فاذا تم فليقم و ليرجع الي منزله ثم ليأخذ كراسا و ليفصل تلك المجملات علي ما سمع ما لم‌ينسه فيحصل له درس مضبوط مقيد له و لاخوانه الي ما شاء الله من المدي فاذا واظب علي ذلك يحصل له في كل يوم فائدة منقحة و في الاسبوع خمس او ست فوائد و في الشهر عشرون فائدة او اربع و عشرون و هو كتاب مستقل كامل و يحصل له في السنة اثناعشر كتابا كلما يراجعها كأنه في مجلس استاده و ان نسي شيئا او تعايا فليسأل استاده ثانيا حتي يستحكمه فمن قرأ هكذا علي استاد لايمضي كثير زمان الا و هو عالم لاسيما اذا كان مخلوقا للعلم و يكون العلم ميسوره .

و منها ملازمة الخلوة و اجتناب مجالس البطالين و اللاغين فان ذلك هو العمدة و من علم ان العمر قليل و ربه لبالمرصاد و طلب العلم فريضة بل هو اعظم الفرايض و ان معاشرة البطالين مميتة للقلب مشوشة للذهن مانعة عن التوجه الي العلم كما ينبغي فليختر لنفسه كسرا و ليسد عليه باب حجرته و لينكر معاريفه و لاجل صعوبة ذلك صارت الغربة اولي به فانه لا معاريف له هناك و ان لم‌يعاشر من اول وهلة يقل معاريفه البتة و يسهل عليه انكار [ص 413] من عرف ايضا و اعظم اسباب موت القلب معاشرة النساء فان احاديثهن لاتسمن و لاتغني من جوع لاتؤل الي دنيا و لا آخرة فلاجل ذلك روي عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال اربع يمتن القلب الذنب علي الذنب و كثرة منافسة النساء و مماراة الاحمق يقول و يقول و لايرجع الي خير ابدا و مجالسة الموتي فقيل له يا رسول الله و ما الموتي قال كل غني مترف و عن اميرالمؤمنين عليه السلام تبذل لاتشتهر و وار شخصك لاتذكر و تعلم و اكتم و اصمت تسلم و اومي بيده الي صدره فقال يسر الابرار و يغيظ الفجار و قد مر في المجلد الاول ما يكفي في امر الخلوة و لو لم‌يكن فيها الا حفظ ثلث دينك كفي بها فضلا فان دينك اثلاث ثلث بينك و بين مباديك و ثلث بينك و بين نفسك و ثلث بينك و بين الخلق فاذا تخليت عنهم و جعلت نفسك في عرض الموتي سقط عنك ثلث دينك دفعة و هو غنيمة لايستقصي فضلها و لايقدر قدرها و من استوعب ثلث دينه قدر علي ثلث آخر ثم ثلث آخر ان شاء الله بالجملة لا بد لطالب العلم خاصة العزلة عن جميع الناس و ترك الذهاب الي المجالس و زيارات اخوان المكاشرة و الذهاب الي مجالس الضيافة و متفرج طالب العلم مجلس استاده و معاشروه العلماء الماضون فان راجع كتبهم فهو كأنه مجالسهم و محادثهم و هم يذكرونه و يعلمونه و يصدقونه و يؤيدونه و يقوونه فلايشقي بهم جليس و اما ساير المجالس فلا طائل فيها اللهم الا رفيق مصادق معين لدينك و علمك فذلك مستثني كما مر و ياتي و علامته ان لاتحتاج الي كلفة في عشرته و لايصرفك عن شغلك و شأنك بل هو ايضا متوجه حيث تتوجه و ليس هيهنا موضع بسط هذه المسئلة و من كان ذا حس ذكي يعرف مرارة الم المعاشرات و غيره لاينتفع بالعبارات .

و منها التواضع و الخضوع و ترك الكبر فان حب العلم ينبت في ارض [ص 414] سهلة لينة مثارة و لاينبت علي الصفا البتة و القلب القاسي المتكبر ينبو عنه الحب و لايستقر عليه ابدا و لذلك قال بلوهر ليوذاسف علي نبينا و آله و عليهما السلام في بعض امثاله ان الزارع خرج ببذره الطيب ليبذره فلما ملأ كفه من البذر و بذره وقع بعضه علي حافة الطريق فلم‌يلبث ان التقطه الطير و وقع بعضه علي صفاة قد اصابها ندي و طين فمكث حتي اهتز فلما صارت عروقه الي يبس الصفا مات و يبس و وقع بعضه بارض ذات شوك فنبت حتي سنبل و كاد يثمر عنه الشوك فابطله و اما ما كان منه وقع في الارض الطيبة و ان كان قليلا فانه سلم و طاب و زكي فالزارع حامل الحكمة و اما البذر فصور الكلام و اما ما وقع علي حافة الطريق فالتقطه الطير فما لايجاوز السمع منه حتي يمر صفحا و اما ما وقع علي الصخرة فيبس حين بلغت عروقه اليها فما استخلاه صاحبه ساعة يسمعه بفراغ قلبه و عرفه بفهمه فلم‌يضبطه و لم‌يملكه و اما ما نبت منه فكاد يثمر فعنه الشوك فاهلكه فما دعاه صاحبه حتي اذا كان عند العمل به حفته الشهوات فاهلكته و اما ما زكي و طاب و سلم منه و انتفع به فما رآه البصر و وعاه الحفظ و انفذه العزم بقمع الشهوات و تطهير القلوب من دنسها الخبر ، و في الكافي عن محمد بن سنان رفعه قال قال عيسي بن مريم يا معشر الحواريين لي اليكم حاجة اقضوها لي قالوا قضيت حاجتك يا روح الله فقام فقبل اقدامهم و في نسخة غسل فقالوا كنا نحن احق بهذا يا روح الله فقال ان احق الناس بالخدمة العالم انما تواضعت هكذا لكيما تتواضعوا بعدي في الناس كتواضعي لكم ثم قال عيسي عليه السلام بالتواضع تعمر الحكمة لا بالتكبر و كذلك في السهل ينبت الزرع لا في الجبل و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و الوقار و تواضعوا لمن تعلمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم و لاتكونوا علماء جبارين [ص 415] فيذهب باطلكم بحقكم و عنه عليه السلام من التواضع ان ترضي بالمجلس دون المجلس و ان تسلم علي من تلقي و ان تترك المراء و ان كنت محقا و لاتحب ان تحمد علي التقوي و عن ابي‌الحسن عليه السلام التواضع ان تعطي الناس ما تحب ان تعطاه و في حديث آخر قيل ما حد التواضع الذي اذا فعله العبد كان متواضعا فقال التواضع درجات منها ان يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم لايحب ان يأتي الي احد الا مثل ما يؤتي اليه ان رأي سيئة درأها بالحسنة كاظم الغيظ عاف عن الناس و الله يحب المحسنين .

و منها ترك التزوج ما استطاع ان منعه عن تحصيل العلم الواجب بل المستحب فان اكثر محنة الدنيا و تعبها و ذلتها و علايقها و اشغالها ياتي من قبل التزوج و الا فلو كنت وحدك تنام في كسر كل مسجد او زاوية كل مدرسة لاتبالي اين امسيت و اين اصبحت و اي شيء اكلت و اي شيء لبست و الانسان لو لم‌يكن طالب علم و صرف جميع عمره في الكد علي العيال مااشبعهن و ماكساهن الا ان يعينه علي ذلك اعوان لاسيما نساء آخر الزمان و التعدي و الاسراف الذي شاع بين عامة الخلق فمحال ان يقنعوا بالكفاف ابدا فاذا كان الانسان الفارغ لايكفي كده شبع العيال و كسوتهم فما ظنك بطالب العلم الذي لولا اجتماع حواسه ماامكنه تحصيل العلم بوجه من الوجوه فاللازم لطالب العلم ان لايحوم حول هذا الحمي و ان هاج به الشهوة و منعه عن الاقبال فليخمدها بالصوم فانه وجاه فعن عثمن بن مظعون قال قلت لرسول الله صلي الله عليه و آله اردت يا رسول ان اختصي قال لاتفعل يا عثمن فان اختصاء امتي الصيام و عن احدهما عليهما السلام يا معشر الشباب عليكم بالباه فان لم‌تستطيعوه فعليكم بالصيام فانه وجاه انتهي ، و ان قلت [ص 416] ان هذا القول ينافي ما روي من شدة استحباب التزوج و كراهة تركه قلت نعم ما روي حق و لكن أرأيت ان عرضك امران شرعيان احدهما فرض عليك و الآخر مستحب ايهما اقدم فلا شك ان تقديم الفرض محل اجماع و اتفاق فان كان تزوج الطالب مما يمنعه عن تحصيل العلم الواجب فلا شك في وجوب ترك التزوج عليه و اما ساير العلوم المستحبة فلا شك في رجحان طلب العلم فانه خلافة الله و رسوله و لايوازي هذا المقام شيء فترك الاولي مذموم عند جميع العقلاء اللهم الا ان يكون تركه النكاح مما يشوش ذهنه فحينئذ يجب و لكن ليقتصر علي قدر الواجب فلايتزوجن بحسناء و لا ولود و لا من لها مؤنة زائدة و لا من يفتتن بها فان طلب العلم فرض و ما روي في اختيار صفات النساء فعلي الاستحباب و لايعارض الواجب فلو وجأ نفسه بالصيام فاحسن و احسن فانه يصفي فكره و ينير قلبه فضلا عن وجأه و ان تزوجت حين احتياجك فاياك و اياك ان تتزوج بمرأتين فانهما تمنعانك عن خير الدنيا و الآخرة و تخسر نفسك فضلا عما يؤل اليها و اعلم ان ما ورد من المدح له في الاخبار حق و لكن لكل اهل ألاتري ان ما ورد من المدح في الرمان مثلا حق و لكن لا كل احد يقدر علي اكله فالمريض ممنوع عنه محروم من هذا الثواب فكذلك للنكاح اهل من الشبان البطالين الشبقين و المترفين و الفارغين عن التحصيل و ارباب الوسعة الذين لايحتاجون الي كد و اما طالب العلم المسكين المعرض عن الدنيا و ما فيها المقبل الي طلب العلم فليس له القدوم علي مثل هذه المصيبة العظمي و المحنة الكبري و اني اسال الله الاعانة علي ما دهاني فاني مأخوذ بالعلم و كتب اجوبة المسائل و الدرس العام و الخاص و قد التم علي قريب ثلثين نفسا من العيال في دار واحدة و يطلبون مني ارغد عيش و اهنأ مأكل و اهيأ ملبس و انا الضعيف في [ص 417] جسمي الجاهل بطلب الدنيا الابي عن التذلل عند ابناء الزمان و لولا رحمة ربي لكنت من الهالكين فيا ابناء العلم اني اب شفيق مجرب لاتحوموا حول التزوج فتحرموا خير الدنيا و خير الآخرة و راحتهما و اعلموا ان من ازواجكم و اولادكم عدوا لكم فاحذروهم و ان ابتلي الطالب بمرأة سوء و اغلبهن سوأي فنعوذ بالله فلايمكنه تحصيل العلم ابدا و قد قال ابوعبدالله عليه السلام اغلب الاعداء للمؤمن زوجة السوء و ان كانت حسنة فهي العائقة الصارفة عن الخيرات فعن اميرالمؤمنين عليه السلام حب النساء سيف الشيطان و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اول ما عصي الله بست خصال منها حب النساء بالجملة احذروا من خيارهن و شرارهن و انما رضي الشارع بهذه المحنة العظيمة لامته لبقاء النسل و المنع عن الوقوع في الزنا و اما منعنا عن التزوج فليس مطلقا و انما ذلك عند معارضة الواجب و ان كان مع ذلك حال طلب الواجب بحيث لايمنعه عن طلب العلم لاجل المكنة و الدار و السعة و من يتكفل امرها فليفعل فانه سنة رسول الله صلي الله عليه و آله و لا شك في ذلك و اما ذلك من الافراد النادرة الوقوع و كفي في فضلهن ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله اعصوهن في المعروف قبل ان يأمرنكم بالمنكر و تعوذوا بالله من شرارهن و كونوا من خيارهن علي حذر و عن اميرالمؤمنين عليه السلام اتقوا شرار النساء و كونوا من خيارهن علي حذر و ان امرنكم بالمعروف فخالفوهن كيلايطمعن منكم المنكر و عن ابي‌عبدالله عليه السلام تعوذوا بالله من طالحات نسائكم و كونوا من خيارهن علي حذر و لاتطيعوهن في المعروف فيامرنكم بالمنكر و عن اميرالمؤمنين عليه السلام معاشر الناس لاتطيعوا النساء علي حال و لاتأمنوهن علي مال و لاتذروهن يدبرن امر العيال فانهن ان تركن و ما اردن اوردن المهالك [ص 418] و عدون امر المالك فانا وجدناهن لا ورع لهن عند حاجتهن و لا صبر لهن عند شهوتهن التبرج لهن لازم و ان كبرن و العجب لهن لاحق و ان عجزن لايشكرن الكثير اذا منعن القليل ينسين الخير و يحفظن الشر يتهافتن بالبهتان و يتمادين في الطغيان و يتصدين الشيطان فداروهن علي كل حال و احسنوا لهن المقال لعلهن يحسن الفعال و قال عليه السلام في خلاف النساء البركة و قال عليه السلام كل امرء تدبره امرأته فهو ملعون و عن ابي‌جعفر عليه السلام لاتشاوروهن في النجوي و لاتطيعوهن في ذي قرابة و عنه عليه السلام اكثرهن من اهل النار و عن اميرالمؤمنين عليه السلام غيرة المرأة كفر و غيرة الرجل ايمان و ذكرنا هذه الاخبار ليقل ميل طلبة العلوم اليهن و يعلموا ما فيهن من التعويق عليهم فيقل رغبتهم اليهن .

المطلب الثالث - في ما يرجع الي اعماله . اعلم انه لا بد لطالب العلم ان يستعمل جميع ما يتعلم و ذلك ان العلم من صفات النفس و هي لاتستقر في غير بدن و لاتظهر الا ببدن فما لم‌ينزل العلم الي البدن و الي اعضائك و جوارحك و تجري بمقتضاه كما نزلت النفس الي البدن و ظهرت به فثبتت و استقرت لايثبت العلم و لايستقر و لذا روي العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل فكل مسئلة من المسائل يتعلمه و يتقنه ينبغي ان يكون همته في العمل به بجوارحه حتي يكون كامل الباطن و الظاهر و العمل هو العلم المجسد كما ان العلم هو العمل المروح و العلم بزر العمل يغرس في ارض صدر الانسان فان نبت و سنبل سنبلة العمل و ربي و راع فهو و الا فيتفسخ ذلك البذر و يتعفن و يصير مأوي الشياطين و يبطل صورته الحقة و يعوج و يصير سبب شكوك و شبهات في الدين و يقويها الشياطين و يستعينون بذلك العلم علي الباطل و يتمسكون [ص 419] بمتشابهاته و يفسدون عليه يقينه و اما اذا غرس العلم في الصدر و نبت و سنبل في جميع اعضائه و جوارحه فذلك الذي يتعلق به الملئكة و يصير علمه الغيبي شهاديا و يستنير ظاهره و باطنه به و اري اليوم اغلب طلاب العلم لايريدون به عملا و انما غرضهم محض تحصيل العلم للتقرب الي السلاطين و لبس الشبهات علي ما يريدون و تحصيل الدنيا الدنية و لذلك صاروا يغار بعضهم علي بعض كغيرة النساء فكأنهم نساء و الدنيا زوجهم يغارون عليها حتي يكفر بعضهم بعضا ليسقطه عن اعين الناس و يخلص توجه الناس اليه وحده نعوذ بالله بالجملة و مما طال مشايخنا رضوان الله عليهم يقولون ان السلوك العملي روح السلوك العلمي و ربما يمثلون بان المدلج اذا كان بيده شمعة ينتشر نورها الي مسافة محدودة فيري ما وقع عليه النور و لايري ما وراء النور فكلما يضع خطوة امامه يمشي النور خطوة امامه فيري ما في عرض تلك الخطوة لما وقع النور عليه و هكذا كلما يمشي يمشي النور امامه و يزداد علمه بما يقع عليه النور و اذا وقف لايزداد علما بما وراء النور و ان رجع رجع النور معه و يخفي عنه ما كان يراه و هكذا الانسان اذا عمل بما علم ازداد علما بما لم‌يك يعلم فاعلم ان سر ذلك ان العلم هو حضور المعلوم عند العالم و للنفس علمان علم بالمعلوم عند المعلوم فذلك عين حضوره لها اذا كانت مؤثرة لمعلومها علة له و علم به في نفسها فهو علم احدي بالنسبة و هو كمال حاصل لها فان كانت علة لمعلوماتها فذلك الكمال مبدؤ وجود المعلومات كما ان هيئة السراج علة هيئة الاشباح و الا فذلك الكمال هو اكتساب حاصل لها من انطباع صور المعلومات في مشاعرها و ادائها اليها صورتها الملكوتية فهي مميزة مشخصة عن غيرها بصورتها اي علمها النفساني فالانسان اذا عمل لله سبحانه تقدم اليه و تقرب باقدام اعماله و امتثالاته رتبة بعد رتبة و يتلطف كلما يتقرب [ص 420] و يتوسع و يستنير و يتوحد بلا شك و انا لما وجدنا العمل تأخر عن العلم ظهورا علمنا انه مقدم عليه وجودا فالمقدم علي العلم النفساني هو العقل الجبروتي الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان ففي الحقيقة يكون العقل كبذر زرع في ارض النفس فاثمر علما فتلبس بصورة العلم و غرس في ارض الجسد فاثمر عملا و حبة هذا العمل هو العقل المقدم وجودا اذ هو حقيقة العبد القائم بوظيفة العبودية و انما يعرف عقل الرجل من قيامه بطاعة مولاه كما روي يقين المؤمن يري في عمله فكمال العمل دليل كمال العقل و نقصانه دليل نقصانه فكلما يعمل الانسان عملا يتقرب به الي مبدئه و يقربه الي مبدئه يزيد عقله و يلطف و يصفو و هو روح العلم فاذا صفا العقل و زكا ازداد العلم و كلما ازداد العلم و ازداد العمل صفا العقل و زكا و هكذا كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام بالحكمة استخرج غور العقل و بالعقل استخرج غور الحكمة و بحسن السياسة يكون الادب الصالح و كان يقول التفكر حيوة قلب البصير كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلص و قلة التربص بالجملة بالعمل الظاهري يكمل العقل الذي هو اصل العمل و وجوده المقدم و هو روح العلم فافهم و لاجل ذلك ان الاعمال الشرعية هي ظهور العقل و المتشرع هو العاقل و لذلك صارت الخيرات جنود العقل و الشرور جنود الجهل و روي اكمل الناس عقلا احسنهم خلقا و عن اميرالمؤمنين عليه السلام ماعبد الله بشيء افضل من العقل و روي في خطاب الله العقل اياك آمر و اياك انهي و اياك اثيب و اياك اعاقب و عن موسي بن جعفر عليه السلام لا نجاة الا بالطاعة و الطاعة بالعلم و العلم بالتعلم و التعلم بالعقل يعتقل و لا علم الا من عالم رباني و معرفة العلم بالعقل و قال عليه السلام كفي بك جهلا ان تركب ما نهيت عنه بالجملة الشرع هو صورة العقل و المتشرع متصور بصورة العقل و حقيقة [ص 421] هذه الصورة هي العقل و العقل روح العلم به يحيي و لولا العقل لكان العلم صورة بلا معني فهذا مراد مشايخنا من ان السلوك العملي روح السلوك العلمي و اني ساضرب لك مثلا في العمل بالعلم فمثل العلم هو الغذاء الذي يغتذيه الانسان و مثل العمل هو عمل الطبع فيه و حله و جعله جزءا للبدن فالانسان اذا اكل غذاء بعد غذاء و لمايصر الغذاء الاول جزء بدنه يفسد الاغذية في بدنه و تصير منشأ امراض و اما اذا صار الاول جزء للبدن و خلا المعدة احتاجت الي غذاء آخر فاذا ورد عليها غذاء آخر لم‌يضره ان شاء الله و كذلك اذا اوردت علي صدرك علما بعد علم و لماتعمل بالاول فسد العلم و صار محل تشبث الشياطين و اورثت امراضا و شكوكا و شبهات في صدرك و قلبك و اهلكك فان التخمة رأس كل داء و الحمية رأس كل دواء و الظاهر عنوان الباطن بل اني قلبتهما ظهرا لبطن فوجدت العلم كالسم القتال و وجدت العمل كالدرياق المخلص فمن اخذ العلم و لم‌يعمل به قتله و بذلك هلك جميع الحكماء و المتكلمين و الفقهاء و العلماء الا كل عامل تقي فاياك و اياك بعد ما رأيت الوفا هلكوا بهذا السم النقيع ان تدنوه الا بدرياق مخلص و ان استعملته بدرياقه اورث فيك النور حتي ادخلك في عرصة السرور و جعلك كالانبياء و الاوصياء كما يأتي فقد روي انه جاء رجل الي علي بن الحسين عليه السلام فسأله عن مسائل ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال علي بن الحسين عليهما السلام مكتوب في الانجيل لاتطلبوا علم ما لاتعلمون و لماعملتم بما علمتم فان العالم اذا لم‌يعمل به لم‌يزدد من الله الا بعدا و جاء رجل الي النبي صلي الله عليه و آله فقال يا رسول الله ما العلم قال الانصات له قال ثم مه قال الاستماع له قال ثم مه قال ثم الحفظ له قال ثم مه قال ثم العمل به قال ثم مه قال ثم نشره و عن ابي‌جعفر عليه السلام اشد الناس حسرة يوم القيمة الذين وصفوا العدل [ص 422] ثم خالفوه و هو قول الله عز و جل ان تقول نفس يا حسرتي علي ما فرطت في جنب الله ، و عن النبي صلي الله عليه و آله العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و عن النبي صلي الله عليه و آله العلماء رجلان رجل عالم آخذ بعلمه فهو ناج و رجل تارك لعلمه فهذا هالك و ان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه و ان اشد اهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا الي الله سبحانه فاستجاب له و قبل منه فاطاع الله فادخله الله الجنة و ادخل الداعي النار بتركه علمه و عن ابي‌جعفر عليه السلام اذا سمعتم العلم فاستعملوه و لتتسع قلوبكم فان العلم اذا كثر في قلب رجل لايحتمله قدر الشيطان عليه فاذا خاصمكم الشيطان فاقبلوا عليه بما تعرفون فان كيد الشيطان كان ضعيفا فقيل و ما الذي نعرفه قال خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز و جل انتهي ، و اعلم ان من اقسام الاحتمال العمل به فمن لم‌يعمل بما علم لم‌يحتمله حق احتماله و لم‌يصبر علي ثقل العمل به فهذا احد معاني لايحتمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن ممتحن فان العمل باسرارهم صعب مستصعب و لذلك لما قلت للسيد الاستاد اجل الله شأنه و انار برهانه ان تلك الكلمة التي يقولها الحجة عليه السلام فيجفلون عنه اجفال الغنم ما سبب اجفالهم عنها مع قوة ايمانهم و انا بهذا الضعف آمنت بها و اقررت قال انهم لايطيقون العمل بها و الا فالعلم بها ليس بصعب بالجملة الذي يلزم طالب العلم ان يكون حريصا علي تقييد ما يقتنصه و تثبيت ما يتعلمه بالعمل و الا فمثله كمثل من يجمع القمح في انبار مفأر و لمايدفع عنه الفار فيذهب كلما يأتي به ضياعا ألم‌تسمع قوله تعالي و اتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص [ص 423] القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا و انفسهم كانوا يظلمون فهذه الآية في بلعم باعورا و نقل انه كان في مجلس درسه اثنتاعشرة‌الف محبرة يكتبون علمه و عمله فلما لم‌يعمل بما علمه الله نسبه الله الي الغواية و مثل له بالكلب و نسبه الي تكذيب الآيات و دخل حماره الجنة و هو الي النار و اعلم ان العمل بالعلم علي ثلثة اقسام معاملتك مع ربك في عباداته و طاعاته و معاملتك مع نفسك في تربيتها و رياضتها و معاملتك مع الخلق .

اما المعاملة مع الرب فكأنك اذا عرفت انه الاحد الذي لا شريك له ان لاتشرك به شيئا و اذا عرفت انه معطي كل نعمة ان لاترجو معه سواه و اذا عرفت انه محرك كل متحرك ان لاتخاف احدا دونه و اذا عرفت انه الشاهد المطلع ان تستحيي منه في العلانية و السر و اذا عرفت كبريائه و عظمته و جلاله ان تتذلل عنده و تتخضع لديه دائما و ان عرفته بالهيمنة علي الكل تعبده و تطيعه دائما و ان عرفت انه الظاهر في كل شيء لاتغفل عنه ابدا و هكذا امثال ذلك فكل مسئلة حققتها اذا عملت بها و واظبت ثبتت عندك و ان تركت العمل بها ذهبت و تحتاج ان تحصلها مرة اخري و يزداد شبهاتك فيها .

و اما المعاملة مع النفس فاذا عرفت داءها و دواءها ان تجتنب ما يمرضها و تعالجها بدوائها فان عرفت ان الكبر داءها تجتنبه و ان عرفت ان الهوي يعميها تجتنبه و ان عرفت ان الطمع يذلها تتركه و ان عرفت ان الغفلة تقسي القلب تعرض عنها و ان عرفت ان الشبع يضرها تجوع و ان عرفت ان النوم يغفلها تسهر و هكذا فمن اعتني بعلمه هذا و عمل به ثبت له و انتفع به و الا اهلكه اخلاقه الردية بعد ما علم انها مضرة و تم الحجة عليه و نسي وجوه تلك الحكم و اختبط في الجهالات و اعمته الشبهات و تردي في الهلكات .

و اما المعاملة مع الخلق فلما علم ان الله خلق الخلق لحكمة و انهم مظاهر [ص 424] اسماء الله و صفاته و ان المؤمنين هم اولاد محمد و علي صلوات الله عليهما و آلهما و قد خلقوا من طينة آل‌محمد عليهم السلام و من شعاعهم ان يحبهم و يحسن اليهم و لايكذبهم و لايخونهم و لايظلمهم و لايغصبهم و لايتهمهم و لايؤذيهم و ان يبر اليهم ببر والديهم و ان يداري الاعداء في دار الهدنة حفظا علي المؤمنين و صونا لعرضهم بالجملة الكتاب و السنة مشحونان بهذه المعاملات علي اكمل وجه فمن عمل بهما فقد قيد ما اقتنص من العلم و ثبت له و انتفع به و الا كان حجة عليه و اهلكه كالسم النقيع و فيما ذكرنا علي وجه الاختصار كفاية و بلاغ .

المطلب الرابع - فيما يرجع الي بدنه . اعلم ان الله سبحانه من بديع فطرته خلق الانسان من سلالة من الماء المهين الذي قد تركب من الماء و الطين و رباه حالا بعد حال الي ان اخرجه من بطن امه بقدرته و جعله محتاجا فقيرا الي اكل و شرب و احتباس و استفراغ و نوم و يقظة و حركة و سكون و التنفس في الهواء و لايخلو من اعراض نفسانية تصله في هذه الدار المشحونة بالهموم و الغموم و الآفات و المصيبات و البلايا و النكبات فلا بد له من مزاولة هذه الامور طول عمره فاذا وردت هذه الامور علي نهج الاعتدال المناسب لمزاجه صح مزاجه و اعتدل مشاعره و حصل من كل عضو و مشعر منه ما خلق لاجله علي حسب ما جعل له فاذا ورد شيء منها علي خلاف الاعتدال انحرف المزاج عن طريق الاعتدال و لم‌يتأت من كل عضو وصل الاختلال اليه ما خلق لاجله و جري علي خلاف الواقع المطلوب منه ذلك و ذلك حتم و مجرب لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لما كان طالب العلم طالبا لوصول الواقع الحق دائما في كل شيء و ذلك لايمكن له الا ان يكون مشاعره معتدلة صافية خالية عن كل صبغ و اعوجاج و مرض يجب عليه مراعاة حفظ الصحة و ملازمة الاعتدال دائما ليفوز بذلك [ص 425] بخير الدنيا و الآخرة ففي هذا المطلب مقاصد :

الاول - في تدبير الاكل و الشرب علي نهج الاجمال اعلم ان للاكل و الشرب اثرا عظيما في المشاعر فان الغذاء اذا ورد البدن و صار كيموسا و كيلوسا حصل منه الدم في الكبد و جري الي القلب فبخر و صار محل الروح الحيوانية ثم صعد الي الدماغ و جري في تجاويفه و صار في كل مقام محل قوة من قوي الروح النفسانية فالروح و القوي كلها ينصبغ بحسب صبغ ذلك البخار و يتهيأ بحسب هيئته فان كان البخار معتدلا صافيا رقيقا شافا ظهر آثار الروح و القوي علي مقتضاها ذكية حادة خالصة نافذة دراكة و ان كان منحرفا كدرا غليظا حاجبا لم‌تظهر آثارها علي ما هي عليه و لم‌تنفذ في الاشياء و لم‌تميزها علي ما هي عليه و عميت عن الواقع بل ربما ادركت خلاف الواقع فمن رام من الطلاب درك حقايق الاشياء و سرعة الانتقال و ضبط العلوم فليراقب مأكله و مشربه كما و كيفا و ليراع اعتدال مزاجه دائما و ميزان الكم ان ينسي بطنه فلايكون ممتليا بحيث يثقل عليه فيتوجه اليه لثقله و لايكون خاويا فيتوجه اليه لمضض الجوع و ان يقدر تقديرا يجوع جوعا صادقا قبل موعد الغذاء بساعتين لينقي الجوع معدته في هاتين الساعتين عن الرطوبات و اللزوجات و تحرص علي الطعام فاذا اكل فليأكل ما اعتاد بدنه به و جرب انه امرأ في بدنه و اهنأ له و ليرفع يده قبل ان يشبع شبعا بينا و ليطل الاكل و ليجود المضغ حين يأكل و يجتنب الحرام و ليذكر الله كثيرا و ليحمده و ليقلل شرب الماء ما استطاع و من اكل الثمار و ليراع الآداب المروية في الاخبار و قد اشبعنا البحث عن الاكل و الشرب في المجلد الاول فراجع و كذلك كتبنا في حقايق الطب و دقايق العلاج ما فيه كفاية و بلاغ فمن شاء فعليه بهما فانهما كافيان في ذلك الفن و لا قوة الا بالله .

[ص 426] الثاني - و مما يلزم عليه مراعاته امر الاحتباس و الاستفراغ فمن انواعه الفصد و الحجامة و ارسال العلق و شرب المسهل و الحقنة و القيء فاياك ثم اياك ان تعود بدنك شرب الدواء لما روي النهي الشديد عن ذلك فعن ابي‌عبدالله عليه السلام اجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء و قال ابوالحسن موسي عليه السلام ادفعوا معالجة الاطباء ما اندفع الداء منكم فانه بمنزلة البناء قليله يجر الي كثيره و عن اميرالمؤمنين عليه السلام امش بدائك ما مشي بك انتهي . و كذلك لاتخرج الدم عبثا فانه مركب روحك و عمود بدنك فلاتلعب به و منها الجماع فلاتقربه ما لم‌يحملك نفسك عليه و اهمك و اشغلك و لاتشوق نفسك اليه بالفكر فيه و النظر و الملاعبة فانه يضعفك و اعلم خير الدواء الحمية فانها رأس كل دواء و ان اردت العلاج فعالج بتغيير الغذاء ما استطعت و ان اضطررت فلا بأس باستعمال الدواء و اعلم ان البدن صنع صانع حكيم لايشارك في علمه و لايعلم احد كنه صلاحه و فساده الا الله و ليس لك بدنان يخلف احدهما الآخر فلاتلعب ببدنك و لاتبذل به لكل من يريد تصرفا فيه و كل تدبيره الي صانعه و لو ان ساعة فسدت لايقدر علي اصلاحها غير صانعها و كل من يتصرف فيها يفسد منها اكثر مما يصلح فما ظنك ببدنك الذي لم‌يعرف جميع اسراره احد من الاولين و الآخرين فلاتلعب به و اعرف قدره و كله الي صانعه يدبره و يعالجه و لما لم‌يكن هذا الكتاب موضع استقصاء هذه المباحث نكتفي بالاشارة و التفصيل محول علي كتب الطب لاسيما الحقايق و الدقايق فان فيهما كفاية و بلاغ .

الثالث - في امر النوم و اليقظة و اعلم انه لا بد لهذا البدن من نوم و يقظة و من رام اعتدال بدنه لا بد له من استعمال هذين علي نهج الاعتدال و ايهما غلب [ص 427] فسد البدن و اذا فسد البدن فسد القوي و اذا فسد القوي لم‌تصب حقايق العلم فراع فيهما الاعتدال و قد اشبعنا القول في امر النوم و اليقظة في الجلد الاول فراجع و ان نمت فنم علي وضوء و ان استيقظت فتوضأ سريعا و خير اوقات النوم بعد العشاء و قبل الظهر و ساير الاوقات مذموم و كذلك فصلنا ذلك في الحقايق تفصيلا فمن شاء فليراجع فلانطيل الكلام هنا .

الرابع - في الحركة و السكون و مما يصير سبب انحراف البدن عن قصد الاعتدال افراط الحركة و السكون و خروجهما عن المعتاد فان الحركة العنيفة تحدث في البدن حرارة مفرطة و تجفف الرطوبات و تحدث العي و الكسالة و اعراض الروح عن الظاهر و كلال الحواس و السكون المفرط يحدث في البدن رطوبات كثيرة و اخلاط فجة و بلادة و كسالة و كل ذلك ينافي طلب العلم فلا بد له من استعمال رياضة معتدلة اي نحو كان و الانسب باهل التقوي و طلاب العلم ان يجعلوا حركتهم في المشي الي مواضع العلم و الي المسجد و الي زيارة اهل العلم و الصلوة و امثال ذلك و سكونهم في الجلوس للفكر و مطالعة كتب آل‌محمد عليهم السلام و كتب الشيعة و لما كنا قد كتبنا الامر في هذه في الحقايق مفصلا اكتفينا بهذا القدر هنا .

الخامس - في الهواء و قد اشبعنا في ذلك القول في كتاب حقايق الطب و الاشارة الي القدر اللايق هنا ان للهواء تصرفا عظيما في البدن فان الهواء الحار المفرط يحلل رطوبات البدن و يبخرها و يصعدها الي الدماغ و يصير اولا سببا لغروب الفهم و كدورة الحواس و اخيرا سبب جفاف الدماغ و البدن و فساد القلب و الفكر و البارد المفرط يجمد الدم و الاخلاط و يغلظ الروح و يكدر الفهم و الهواء المتعفن يصير سبب تعفن الاخلاط و فساد الروح و فساد الفكر و تعلق الشياطين و اعراض الروح عن الظاهر و جميع ذلك مناف لطلب العلم [ص 428] و كذلك الرياح الكثيرة تضعف البدن و تفرق الروح و تجفف البدن و الدماغ و تشوش الذهن و طالب العلم يحتاج الي تدبير المنزل بحيث يكون معتدلا في فصول السنة و لو بالعلاج قليل الرياح حتي يكون معتدل المزاج صافي الفكر مجتمع القلب حتي يوافق افكاره الواقع و كل ذلك مجرب بديهي و الاحسن له المسكن في البيوت القليلة الضوء الصغيرة لان الحواس فيها اجمع و ان لايكون مسكنه مزخرفا مزوقا مبيضا بالجص و امثاله و الاحسن ان يكون مطينا بالطين غير حار كثيرا و لا بارد كثيرا و لا مجاور للمستراح و لا قريب مجامع الناس بحيث يسمع دائما لغطهم و جلبهم و ضوضاءهم فيتفرق حواسه و يمنع عن نفسه كلما يفرق حواسه و يقسم قلبه فان كل ذلك مناف لما يطلبه البتة و في ذلك هنا كفاية .

السادس - الاعراض الواصلة و تلك اعظم امر يجب مراعاته لطالب العلم فان ما سبق من الامور الخمسة امور بدنية تؤل الي روحه في العاقبة و الاعراض تصل الي الروح و تتعلق به اول وهلة و تتشبث به و تغيره و تخرجه عن الاعتدال في طرفة عين و هي مثل الغم علي ما فات و الهم علي ما هو آت و الغضب المفرط و السرور المفرط و امثال ذلك فانها هي كالسم النقيع لطالب العلم تبطل اجتماع قلبه في لمحة و يبقي اثرها اياما فاللازم اولا الملاحظة في اسبابها الخارجة فيسعي في رفعها ان امكنه حتي يفرغ لمطلبه و ان لم‌يمكن رفع ما في الخارج فليتفكر و ليسع في اصلاح نفسه و علاجها دوام ذكر الموت و فناء الدنيا و تقوية جانب الزهد فان اغلب تلك الاعراض من حب الدنيا و متاعها و اهلها فيغتم لما فاته منها و يهتم لتحصيل ما يأمل منها و يغضب علي من يريد سلبها عنه فاذا زهد في الدنيا و حسب نفسه في عرض الموتي لايبالي ما فات منها و لايستر بما هو آت و يجمع ذلك كله قوله تعالي لكيلاتأسوا علي [ص 429] ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم و ملاك ذلك كله جعل الموت نصب العين و حسبان النفس في عرض الموتي فاذا صرت في عرض الموتي فكل من مات فليمت و كلما فات فليفت و اينما خرب فليخرب و كلمن قال ما قال فليقل و كلما لم‌يصل فلن‌يصل و كيفما صار الدنيا و اهله فليصر و قد مر في باب الفكر شطر طويل في هذا الباب فراجعه و ادم التفكر في الموت فانه شفاء من كل داء و امان من كل خوف و حفظ من كل سوء و لايصلح هذه النفس الجموح و لايؤدبها و لايعكمها الا ذلك فواظب عليه و استمع مني فلاينبئك مثل خبير و لما كان قد مر القول فيه بليغا فلنكتف هنا بما ذكرنا .

السابع - اذا عرض لطالب العلم مرض مفسد للمزاج مولم شاغل له و لم‌يقدر علي علاجه بالتدابير في الستة المذكورة فليراجع الطبيب الحاذق و ليعالج نفسه حتي يرجع الي الاعتدال و اعظم الامراض له ما يفسد اخلاطه و يصعد منها ابخرة ردية الي دماغه و يفسد فكره فذلك اولي بالمبادرة الي العلاج فانه يضاد مطلبه و اعظم من جميع الامراض له الماليخوليا فانه اعدي عدوه و اضر شيء بحاله و هذا المبحث لحري ببسط القول فيه في الجملة و ان كنا بسطنا القول فيه في دقايق العلاج و لكن لما كان هذا المرض موجودا في اكثر طلاب العلم و لكن لايشعرون وجب علينا بسطه في الجملة اعلم انه ربما يستولي علي البدن حرارة غريبة بسبب الاعراض الواصلة او بسبب فكر زايد او رياضة شاقة او استعمال اغذية حارة او ادوية حارة حادة فيحترق بسبب ذلك اخلاط البدن و يحدث منها سوداء غير طبيعية و يبخر في البدن فان كانت من السوداء المحترقة كان بخارها اسود و ان كانت من البلغم المحترق كان اكمد و من الدم فرفيري و من الصفراء اخضر فيصعد الي الدماغ و يدور في تجاويفه و يتهيأ بهيآت علي حسب طبايعها و يصبغ [ص 430] الروح و يشكله علي حسب طبايعه فيسري الصبغ و الشكل الي الحس المشترك و يسريان منه الي الخيال فيتجسم له هيآت و صور عجيبة و ربما تشكل ذلك البخار بتبعية الخيال فحينئذ يتشكل علي هيآت كان الخيال معتادا بها فيتجسم له فيتولد له من بين طباع ذلك البخار و تشكيل الخيال له امور عجيبة و لاجل ذلك يخص فساد كل قوم بما كان في خيالهم قبل المرض و يتأكد و يتجسم لهم ذلك المعتاد حتي اني رأيت واحدا من المتفقهة بعد ما ابتلي بهذا المرض كان يقعد في السوق علي بعض الحوانيت او في المسجد فيصيح باعلي صوته كهيئة الغضبان متغير الاحوال و يبين المسائل الفقهية و يحمي عن علم الاصول و يدعو الي الاصوليين و لربما كان يصيح مترسلا من الصبح الي الزوال من غير فترة و رأيت واحدا آخر كان همه المعارف فابتلي بهذا المرض ادعي النبوة و كان يدعي انه مهدي الزمان و اراد الخروج فجاء يشاورني في الخروج و استنصرني علي دعوته فزبرته ثم عالجته فافاق في الجملة و عندي ان هذا المدعي الذي خرج في زماننا و ادعي البابية ثم المهدية ثم النبوة ثم الالوهية و اتي بقرآن انه ايضا كان مجنونا مبتلي بهذا المرض و لباه الناس من حيث لايشعرون و اخبرني ثقة عالم فقيه انه ابتلي رجل بهذا المرض فكان يري في كل شيء ابرة و لذا كان يمتنع عن الاكل حتي ضعف و كان يتهم الناس انكم تريدون قتلي فتجعلون في طعامي ابرة فقالوا له يوما فلان اي رجل فاطري عليه فقالوا هل يقدم علي قتل امرء مسلم فتحشي فقالوا ان اتاك بطعام أتتهمه قال لا فجاؤا به فاتاه بطعام فاقبل اليه فقال و مثلك ايضا يريد قتلي و بلغني ان آخر ابتلي بهذا المرض فبلغ امره انه كان يغمس يده في الماء فلايستيقن دخول يده في الماء فيلتمس من يقف عليه ان يخبره بانغماس يده في الماء و من هذا الباب هؤلاء المبتلون بالوسواس حتي انه بلغني [ص 431] ان الرجل الفقيه ارتمس في خزانة الحمام قريبا من مائة و عشرين مرة فلم‌يستيقن انه ارتمس و واحد آخر كان يدخل الخزانة الحارة قبل الفجر فيرتمس مترسلا حتي يطلع الشمس فلربما يسود بدنه من شدة الحر و يغشي عليه و يطفو علي الماء كالميت فيخرجونه و يرشون عليه الماء البارد حتي يفيق فيسأل هل اغتسلت ام لا و هكذا كل واحد منهم يتصور له ما اعتاده حتي ان الفاخور يزعم انه صار خزفا فيتوقي الجدران لكي لاينكسر و صاحب الدواجن يزعم انه صار شاة و صاحب الكلب انه صار كلبا فينبح و البلوي ان هذا المرض في اول الامر ضعيف لايخرج بصاحبه عن الاعتدال كثيرا فلايمكن ان يقال له ابتليت و هو بنفسه لايعلم فيمشي علي وجهه فيزداد يوما فيوما فيزخرف خياله الفاسد بساير خيالاته الفاسدة و يموه علي الناس و لربما ازداد تلك الخيالات الفاسدة غلظة و تجسما حتي ادعي الكشف و المعاينة كما هو المعروف من ابن‌العربي و اضرابه من مزخرفات الكشف من اني رأيت منازل القمر ابكارا فصعدت اليها و افتضضتها ففي الاول يدعي الكشف و يأول تلك الخرافات هو و اصحابه و لربما يتاكد بذلك عقايده الفاسدة فانه ربما يري في كشفه او في منامه المؤمن الممتحن علي صورة القردة و الخنازير لسوء ظنه بهم و الكافر الزنديق علي صورة الانسان لحسن ظنه بهم فلربما ينكشف له ائمة الحق علي اقبح صورة و ائمة الجور علي احسن هيئة كل ذلك لسبق ظنه و انصباغ خياله فيتاكد بذلك اعتقاده و هو لايعلم انه من مرضه و عند من يعرف الامزجة اغلب السالكين من المتصوفة و المرتاضين بغير هاد و المتزهدين المقدسين بغير علم و الطلاب المتعمقين في العلوم الدقيقة بغير ورع و لا هاد مرشد مبتلون بهذا المرض و لكن لايشعرون و ما لم‌يشتد مرضهم لايعرف فساد فكرهم و لايظن بهم الظان فيزعمون انهم سالمون و الله يعلم [ص 432] انهم لمبتلون فالواجب لمداولي العلوم و مستعملي الرياضات و المتزهدين ان يراعوا ابدا اعتدال المزاج و التدرج في عملهم و رياضتهم و تزهدهم و لايشتغلوا برياضة الا بعد الظفر باستاد ماهر يربيهم و يحملهم علي الرياضة شيئا بعد شيء فان الامر لو كان بالتدريج لايفسد المزاج و ان المباغتة و التشديد فانه مفسد للمزاج بلا شك هذا و انت تري الناس لايقدرون علي طبخ من من اللحم علي نهج الاعتدال من غير استاد فكيف يقدرون علي نضج موادهم و تصفية مزاجهم و تعديله الذي هو اعظم من تحصيل الاكسير الف مرة بغير استاد فلاتلعب بروحك و بدنك فانه ليس لك روح و لا بدن ازيد من واحد تفسد واحدا و تجرب لآخر و رأيت مرفوعا الي النبي صلي الله عليه و آله من تزهد بغير علم جن في آخر عمره او مات كافرا و لا شك في ذلك فالحذر الحذر من الاشتغال بالرياضات من غير استاد ماهر فان الجنون من ورائك بلا شك فاذا هاج في بدنه السوداء التي هي الارض غلب علي بدنه سكنة الارض من الشياطين و برية سجين فيموهون له خيالات و عقايد فاسدة و لربما يصدق بعض خيالاته و كشفه الظاهر فيري ان احدا جاء فجاء او ذهب فذهب فيغتر بامثال ذلك و هو لايعلم ان امثال هذه الاشياء كثيرة في السجين و اهله و ليست بشيء فما لم‌تفز باستاد دليل و هاد فلاتخالف روية المؤمنين الظاهريين و لازم الشرع الظاهر و استعمل السنن و الآداب حتي يقدر الله لك استادا و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فالذي لايقدر ان يمشي مرحلتين من الارض المحسوسة بغير دليل علي غير سبيل فكيف يقدر علي سلوك طريق الباطن من غير هاد و لا دليل يدله الي سواء السبيل بالجملة اللازم علي طالب العلم مراعات اصلاح المزاج اذا فسد و حفظ الاعتدال و الصحة دائما و اعلم ان هذا المرض يحصل من غلبة الحرارة و هي تحصل بطول الفكر و الرياضة [ص 433] الشاقة و استعمال الادوية الحارة و تقليل شرب الماء جدا و الجوع الطويل و السهر المفرط و اني قد كتبت في حقايق الطب ما يكتفي به المكتفي و اني اوصيك في حفظ الاعتدال بكلمة واحدة و هي ان لاتكثر من شيء ابدا و قد قال خير القائلين عليه و آله صلوات المصلين خير الامور اوسطها و مدح الله قوما و من عليهم بقوله و كذلك جعلناكم امة وسطا و روي نحن النمرقة الوسطي و في ما ذكرت كفاية و بلاغ .