فصل - اعلم ان لتحصيل العلم طرقا عديدة نذكر هنا ما يتيسر منها ما هو [ص 381] الطريق المعروف الشايع بين الناس و هو ان يبتدي بتعلم الحروف ثم القراءة ثم علم الالفاظ ثم علم البيان و المعاني و البديع ثم علم المنطق ثم علم الحديث و التفسير و علم الاصول و الفقه و علم الرجال و الكلام و الحكمة و امثال ذلك مما هو المتعارف بين اهل الزمان فاذا علموا ذلك يسمون بالعلماء سواء كان لهم التقوي و الزهد و الورع ام لم‌يكن و لما كان قبل ازماننا الدولة لاهل الباطل و كان الشايع في البلاد التسنن و العلماء من اهله و كان كتب العلم من تصانيفهم و اكتفي الشيعة بها زعما منهم ان العلوم اللفظية لا دخل لها بالمذهب و انما هي رواية سنن العرب في تكلمهم و العلوم العقلية ايضا ليست بنقلية تقليدية تحتاج الي كتاب و سنة و انما يجب ان نتدبر فيها بعقولنا كما اخذوا في تعريف الحكمة سواء طابق الشرع ام لم‌يطابق و اما الكلام و ان اخذوا فيه ذلك و لكنهم لم‌يفوا به ابدا فلا ضير اذا كان الكتب من تصانيف الخارج عن المذهب و اما علم المنطق فلا دخل له بالمذهب و يجوز ان يكون للنصاري ايضا و كذلك ساير العلوم الغريبة ان احتيج اليها نعم ان القرآن و الحديث من الله و رسوله و هما من المذهب و اما الرجال فسواء كان من السنية ام الزيدية ام الفطحية او غيرهم لايتفاوت فانها قرائن ظنية اجتهادية فلاجل ذلك خاضوا في كتب العامة و اكتفوا بها و من البين ان الانسان في اول دخوله في علم يكتفي بسطوح ذلك العلم و متونه و لايسعه الاستدلال الا ان يصير ماهرا في ذلك العلم و واظب عليه و المقرر في اعصارنا انهم لايحصلون مهارة الا في الاصول و الفقه و قد يتكلمون في الكلام بكلمات و منهم من له مهارة فيه و اما ساير العلوم فيأخذون عن تقليد محض و يفحصون فحصا عن بعض المسائل الخلافية بزعمهم فبذلك يصير مبني علومهم علي تقليد [ص 382] العامة و ان قيل ان ساير العلوم نقلية و لايضر التقليد فيها مع وثاقة النقلة فانها مأخوذة عن العرب تقليدا قلت ليس الامر بكله كذلك بل ثلث كل علم من علوم الالفاظ نقلية و رواية تقريبا و البواقي اجتهادية و دراية منهم كما هو ظاهر لمن نظر و تدبر و القوم و ان بلغوا مبلغ الاجتهاد يقلدون علماء الالفاظ في دراياتهم من غير روية فاذا اساس علومهم علي التقليد ثم يبنون عليه البواقي و لاسيما اذا قرأوا في الكتب الكلامية منهم سطحا و لم‌يكملوه حتي يستدلوا فينتقش في اذهانهم و سجية الناس اذا قرأوا في كتاب تبجيل صاحبه و تعظيمه و حسن الظن به كائنا من كان و لاسيما اذا كان ميتا و لاسيما اذا كان من المتقدمين فيشتد حسن الظن به و التعظيم له فبذلك فسد كثير من امر العلوم من حيث لايشعرون حتي انه لو نطق امرء في غير ذلك رجموه بانه قادح في العلماء و متكلم علي خلاف الاجماع و يستدلون علي بطلان قوله بكتب اللفظيين مع انهم من العامة و يستوجبون علما و عملا اتباع دراياتهم الا قليل من العلماء الكاملين فلا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغن النذر عن قوم لايؤمنون و هذه المخالفة اعظم ذنوبنا في آخر الزمان و يرموننا بانكم قدحتم العلماء و خرجتم عن الاجماع بل لو ازري امرء اليوم بعلم المنطق مثلا رموه بالخروج عن الاجماع كما رموني به و ازروا علي و هذا سبيل اكثر طلبة العلوم في زماننا هذا فانظر لنفسك و الله الموفق للصواب .

و منها طريقة المتقين و ارباب اليقين و اصحاب القلوب و ذوي العلم و العمل و هم لما سمعوا قول الله سبحانه ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا و قوله عز و جل فاتقوا الله و يعلمكم الله و قول ابي‌عبدالله عليه السلام العلم مقرون الي العمل فمن علم عمل و من عمل علم و العلم يهتف بالعمل فان اجابه [ص 383] استقر و الا ارتحل عنه و ما روي عن علي بن الحسين عليهما السلام مكتوب في الانجيل لاتطلبوا علم ما لاتعلمون و لماتعملوا بما علمتم فان العلم اذا لم‌يعمل به لم‌يزدد صاحبه الا كفرا و لم‌يزدد من الله الا بعدا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قيل له بم يعرف الناجي قال من كان فعله لقوله موافقا فانما ثبت له الشهادة و من لم‌يكن فعله لقوله موافقا فانما ذلك مستودع و عن اميرالمؤمنين عليه السلام الدنيا كلها جهل الا مواضع العلم و العلم كله حجة الا ما عمل به و العمل كله رياء الا ما كان مخلصا و الاخلاص علي خطر حتي ينظر العبد بما يختم له و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من خطبة له ايها الناس اذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون ان العالم العامل بغيره كالجاهل الحاير الذي لايستفيق عن جهله بل قد رأيت ان الحجة عليه اعظم و الحيرة ادوم علي هذا العالم المنسلخ من علمه منها علي هذا الجاهل المتحير في جهله و كلاهما حاير باير لاترتابوا فتشكوا و لاتشكوا فتكفروا و لاترخصوا لانفسكم فتدهنوا و لاتدهنوا في الحق فتخسروا و ان من الحق ان تفقهوا و من الفقه ان لاتغتروا و ان انصحكم لنفسه اطوعكم لربه و اغشكم لنفسه اعصاكم لربه و من يطع الله يأمن و يستبشر و من يعص الله يخب و يندم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لايقبل الله عملا الا بمعرفة و لا معرفة الا بعمل فمن عرف دلته المعرفة علي العمل و من لم‌يعمل فلا معرفة له الا ان الايمان بعضه من بعض و عن ابي‌جعفر عليه السلام اذا سمعتم العلم فاستعملوه و لتتسع قلوبكم فان العلم اذا كثر في قلب رجل لايحتمله قدر الشيطان عليه فاذا خاصمكم الشيطان فاقبلوا عليه بما تعرفون فان كيد الشيطان كان ضعيفا فقيل و ما الذي نعرفه قال خاصموه بما ظهر لكم من قدرة الله عز و جل و عن الصادق عليه السلام لا قول الا بعمل و لا قول و عمل الا بالنية و لا قول و عمل و نية الا باصابة [ص 384] السنة و عنه عليه السلام العلماء رجلان رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج و عالم تارك لعلمه فهذا هالك و ان اهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه و ان اشد اهل النار ندامة و حسرة رجل دعا عبدا الي الله فاستجاب له و قبل منه فاطاع الله فادخله الجنة و ادخل الداعي النار بترك عمله و اتباعه الهوي و طول الامل اما اتباع الهوي فيصد عن الحق فطول الامل ينسي الآخرة و قال الصادق عليه السلام العلم اصل كل حال سني و منتهي كل منزلة رفيعة لذلك قال النبي صلي الله عليه و آله العلم فريضة علي كل مسلم و مسلمة اي علم التقوي و اليقين و قال علي عليه السلام اطلبوا العلم و لو بالصين و هو علم معرفة النفس و فيه معرفة الرب جل و عز قال علي عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ثم عليك من العلم بما لايصح العمل الا به و هو الاخلاص قال النبي صلي الله عليه و آله نعوذ بالله من علم لاينفع و هو العلم الذي يضاد العمل بالاخلاص و اعلم ان قليل العلم يحتاج الي كثير العمل لان علم ساعة يلزم صاحبه استعماله طول دهره قال عيسي بن مريم عليه السلام رأيت حجرا عليه مكتوب اقلبني فقلبته فاذا علي باطنه من لايعمل بما علم شوم عليه طلب ما لايعلم و مردود عليه ما علم اوحي الله تعالي الي داود عليه السلام ان اهون ما انا صانع بعالم غير عامل بعلمه اشد من سبعين عقوبة باطنية ان اخرج من قلبه حلاوة ذكري و ليس الي الله عز و جل طريق يسلك الا بعلم و العلم زين المرء في الدنيا و سائقه الي الجنة و به يصل الي رضوان الله تعالي و العالم حقا هو الذي ينطق فيه اعماله الصالحة و اوراده الزاكية و صدقه و تقواه لا لسانه و تصاوله و دعواه و لقد كان يطلب هذا العلم في غير هذا الزمان من كان فيه عقل و نسك و حكمة و حياء و خشية و انا نري طالبه اليوم من ليس فيه من ذلك شيئا و المعلم يحتاج الي عقل و رفق [ص 385] و شفقة و نصح و حلم و صبر و قناعة و بذل و المتعلم يحتاج الي رغبة و ارادة و فراغ و نسك و خشية و حفظ و حزم ، الي غير ذلك من الاخبار فهؤلاء لما سمعوا هذه الآيات و الاخبار و لاسيما ما روي ليس العلم في السماء فينزل اليكم و لا في الارض فيصعد اليكم بل مكنون فيكم مخزون عندكم تخلقوا باخلاق الروحانيين يظهر لكم و ما روي انه ليس العلم بالتعلم و انما هو نور يقذفه الله في قلب من يحب فينشرح فيشاهد الغيب و ينفسح فيحتمل البلاء قيل فهل لذلك من علامة يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلوله لعلي نقلتهما بالمعني فبادروا الي تزكية النفس و تصفية القلب و تنقية الصدر و قابلوا بها الاشياء فانطبع فيها الاشياء كما هي و عرفوا اللم و الكيف و الموصول و المفصول و كلما غم عليهم شيء من حقايق الاشياء علموا ان ذلك من كدورة في قلوبهم فبادروا الي ازالتها حتي ينطبع فيها كما هو و ذلك ديدنهم في تحصيل العلوم فجعل الله بتقويهم لهم فرقانا فرقوا بين كل حق و باطل و خير و شر و فازوا باليقين و صاروا من اصحاب الكشف و المشاهدة و هؤلاء هم اولوا الالباب و اهل الموعظة الحسنة كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله العقل نور في القلب يفرق به بين الحق و الباطل و لم‌ينالوا هذا المقام الا علي جناح الموعظة الحسنة و بسوقه و قوده و دلالته و ارشاده و امثال هؤلاء اقل قليل في عصرنا و نواحينا و معاريفنا و من اطلعنا عليه هيهات هيهات اين هم و كم هم اولئك الاقلون عددا الاعظمون خطرا اولئك هم صفوة البرايا و عماد الرعايا بهم يدفع الله عن البلاد و يرزق العباد رزقنا الله مجاورتهم و شرفنا بمعاشرتهم و جعلنا في زمرتهم و حشرنا معهم بجاه محمد و آل‌محمد عليهم السلام فمثل الاولين كاعمي [ص 386] يسأل بصيرا عن لون كل فرد فرد من الاشياء و عن شكله و صفته و الواجب عليه تعلم الجزئيات طول الدهر و كلما تغير شيء عما كان عليه جهله بعد و تعلم مثل هذا الرجل لاينتهي و لو تعلم عمر الدنيا و مثل الآخرين كمن سعي في تقوية بصره و تجلية عينه حتي شاهد الاشياء دفعة واحدة و صار بصيرا و ان دق عليه شيء و لم‌يميزه ببصره سعي في تقوية بصره حتي يدرك الدقايق ايضا و مثل هذا لايحتاج الي تعلم نعم كان محتاجا الي تعلم مداواة العين و تجلية البصر عن طبيب مداو و ليس بمحتاج الي مخبر عن شيء فشيء و الي قائد يقوده و شتان بينهما و لاجل ذلك جاء الانبياء بطب النفوس و اصلاح البصاير و لم‌يقعدوا كالمعلمين في مدارس يعلمون الناس جزئيات الاشياء و تفاصيلها و ما حثوا بالتعلم فهو علي معنين احدهما تعلم مداواة ادواء النفوس و ثانيهما تعلم العميانين جزئيات الاشياء اذ لكل مقام اهل و الاعمي العالم خير من الاعمي الجاهل و اعطوا هؤلاء عصي المجادلة بالتي احسن فهم يمشون به و يستدلون علي الاشياء التي لايرونها و لايعرفون حقايقها و المصيب من هؤلاء قليل قليل و طريقهم كثير الاشواك و الاخطار و القطاع و التشعب و قل من يهتدي منهم الي المقصود اعاذنا الله من شر هذا الطريق و شر ضلاله و مضليه و قطاعه .

و منها طريقة المحبين و ارباب المعرفة و اصحاب الافئدة فهؤلاء قصروا النظر الي وجه المحبوب و استأنسوا في ظلاله و آثروه علي ما سواه حتي علي انفسهم ففدوا لمحبوبهم و للتمكن من النظر اليه جميع ما سواه و اهوائهم و مراداتهم و لذاتهم و علمهم و عملهم فلم‌يحبوا شيئا سواه و لم‌يطلبوا عداه و لنعم ما قال الشاعر :

كانت لنفسي اهواء مشتتة فاستجمعت اذ رأتك النفس اهوائي [ص 387] 

تركت للناس دنياهم و دينهم شغلا بذكرك يا ديني و دنيائي

فصار يحسدني من كنت احسده و صرت مولي الوري اذ صرت مولائي

و ما اجل موقع الحديث الذي روي عن يونس بن ظبيان عن الصادق عليه السلام في حديث ان اولي الالباب الذين عملوا بالفكرة حتي ورثوا منه حب الله فان حب الله اذا ورثه القلب استضاء به و اسرع اليه اللطف فاذا نزل منزلة اللطف صار من اهل الفوايد فاذا صار من اهل الفوايد تكلم بالحكمة فصار صاحب فطنة فاذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فاذا عمل بها في القدرة عمل بها في الاطباق السبعة فاذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في لطف و حكمة و بيان فاذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته و محبته في خالقه فاذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبري فعاين ربه في قلبه و ورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء و ورث العلم بغير ما ورثته العلماء و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون ان الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت و ان العلماء ورثوا العلم بالطلب و ان الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع و طول العبادة فمن اخذه بهذه السيرة اما ان يسفل و اما ان يرفع و اكثرهم الذي يسفل و لايرفع اذا لم‌يرع حق الله و لم‌يعمل بما امره به فهذه صفة من لم‌يعرف الله حق معرفته و لم‌يحبه حق محبته فلاتغرنك صلوتهم و صيامهم و رواياتهم و علومهم فانهم حمر مستنفرة ثم قال يا يونس اذا اردت العلم الصحيح فعندنا اهل البيت فانا ورثناه و اوتينا شرح الحكمة و فصل الخطاب الخبر ، و قد قال الصادق عليه السلام في هؤلاء اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبة و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شيء غيرهما و اذا استقام علي بساط الانس بالمحبوب مع اداء اوامره و اجتناب نواهيه وصل الي روح المناجاة و القرب الخبر ، فاذا وصل [ص 388] الانسان الي قرب المحبوب و قصر نظره في مشاهدة جماله لم‌ير ابدا غير جماله و نوره و بهائه و كماله الذي قد احاط بكل شيء ففاز بنقطة العلم التي كثرها الجهال و نظر بعينها في كل شيء فلم‌ير سواها شيئا فبذلك اطلع علي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء التي هي حقايقها من حيث ربها ففاز بالحقايق و اطلع علي الدقايق بقدر الطاقة البشرية فلم‌ير نورا الا نوره و لم‌يدرك ظهورا الا ظهوره و لم‌يسمع صوتا الا صوته و وقف موقف مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله و قرأ كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي يكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبك نصيبا الهي امرت بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها انك علي كل شيء قدير بالجملة هذا مقام المقربين و اصحاب مشاهدة المؤثر في الآثار و المنير في الانوار و ارباب الوصول الي دار القرار و مركز الاستقرار فلايخرجون منه الي غيره و هم المرادون بالقدسي يا احمد ان في الجنة قصرا من لؤلؤة فوق لؤلؤة و درة فوق درة ليس فيها فصم و لا وصل فيها الخواص انظر اليهم كل يوم سبعين مرة فاكلمهم كلما نظرت اليهم و ازيد في ملكهم سبعين ضعفا و اذا تلذذ اهل الجنة بالطعام و الشراب تلذذ اولئك بذكري و كلامي و حديثي الخبر ، بالجملة هؤلاء الاقلون عددا الاعظمون خطرا و اكثر اهل عصرنا بل اغلب الاعصار يطلبون العلم علي النهج الاول و طريق المجادلة و اعلم ان هذه القلوب [ص 389] مدارس فمن طلب العلم لغير الله فالساكن في قلبه شيطان و يتعلم الشيطان و يقرأ علي استاده الشيطان فيزداد كل يوم تجبرا و كبرا و نخوة و مماراة و فخرا و حبا للمغالبة و الجدال كالجمل المستفحل و ان كان يتعلم لله عز و جل فالساكن في قلبه الملك و يتعلم الملك و يقرأ علي استاده الملك فيزداد خوفا من الله و رجاء اليه و حبا له و خضوعا و خشوعا و رفقا و حلما و صمتا و فكرة و اني و اني قال علي عليه السلام طلبة العلم ثلثة اصناف الا فاعرفوهم بصفاتهم و اعيانهم صنف منهم يتعلمون العلم للمراء و الجدل و صنف منهم يتعلمون للاستطالة و الختل و صنف منهم يتعلمون للفقه و العقل فاما صاحب المراء و الجدل تراه موذيا مماريا للرجال في اندية المقال قد تسربل بالتخشع و تخلي من الورع فدق الله من هذا حيزومه و قطع منه خيشومه و اما صاحب الاستطالة و الختل فانه يستطيل علي اشباهه من اشكاله و يتواضع للاغنياء من دونهم فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم فاعمي الله من هذا بصره و قطع من آثار العلماء اثره و اما صاحب الفقه و العقل تراه ذا كآبة و حزن قد قام الليل في حندسه و قد انحني في برنسه يعمل و يخشي خائفا وجلا من كل احد الا من كل ثقة من اخوانه فشد الله من هذا اركانه و اعطاه يوم القيمة امانه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام الناس علي اربعة اصناف جاهل متردي معانق لهواه و عابد متقوي كلما ازداد عبادة ازداد كبرا و عالم يريد ان يوطأ عقباه و يحب محمدة الناس و عارف علي طريق الحق يحب القيام به فهو عاجز او مغلوب فهذا امثل اهل زمانه و ارجحهم عقلا و عن النبي صلي الله عليه و آله من طلب العلم لم‌يصب منه ( بابا ظ ) الا ازداد في نفسه ذلا و في الناس تواضعا و لله خوفا و في الدين اجتهادا و ذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه و من طلب العلم للدنيا [ص 390] و المنزلة عند الناس و الحظوة عند السلطان لم‌يصب منه بابا الا ازداد في نفسه عظمة و علي الناس استطالة و بالله اغترارا و من الدين جفاء فذلك الذي لاينتفع بالعلم فليكف و ليمسك عن الحجة علي نفسه و الندامة و الخزي يوم القيمة .

تفصيل فيه تحصيل - و اذ قد بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نذكر آداب التعلم و طلب العلم فانها مما قد انطمس اليوم آثارها و اندرس اعلامها و ضلوا الطريق و لايعرفون سبيل التعلم علي التحقيق و اري اليوم طلبة العلم شرار خلق الله قد جعلوا المدارس دكاكين و طلب العلم صناعة و العمائم و الاردية شبكات لصيد الضعفاء و ارادوا الفقه لفهم الحيل علي ابطال حقوق الناس و تحليل ما حرم الله و تحريم ما احل الله و يريدون الاجتهاد للرياسة و الحكم في الدماء و الاموال كيفما يشاؤن و الاستعلاء علي الخلق و التقرب الي السلاطين و اخذ القطايع و المراسم فبذلك اشتد بينهم التكالب و التحاسد و التباغي يكفر بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا و يتبرأ بعضهم من بعض و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و من البين ان بفساد العالم يفسد العالم و جميع ما في الدنيا من الفساد فانما هو بفساد هؤلاء و قد بلغ امرهم في زماننا و نواحينا انهم صاروا بذلك اذل من اليهود و النصاري و المجوس و لاهل الذمة حرمة عند الاكابر و لم‌يبق لهم حرمة لما دفع الله بعضهم ببعض نقمة عليهم و كان الله بعباده خبيرا بصيرا ففي هذا التفصيل مقدمة و ثمانية مطالب :

المقدمة - اعلم ان العلم كما عرفت اعظم فرايض الله و اسناها اذ به يعرف الله و يعرف رسوله و حججه عليهم السلام و به يعبد الله و به يعمر الدنيا و الآخرة و به تساس المدن و تعمر المنازل فلا فريضة اعظم منه و لا [ص 391] شك انه لولا العلم لكان كل الدنيا جهلا و بالجهل يفسد العالم و يذهب الحق و يخسف اذا الارض و تهال السموات فان الله ماخلقهما الا بالحق و لا بد للعلم من متحمل فلو لم‌يخلق الله نفوسا متحملة مستعدة للعلم لكان كل الخلق عبثا لغوا فانه لولا تلك النفوس لم‌يكن للعلم محل و لم‌يظهر اذا في الدنيا فكان الدنيا كلها جهلا و كان الخلق عبثا و لغوا فلا بد في الحكمة و ان يكون الله قد خلق نفوسا مستعدة للعلم فيهم يسكن العلم و اليه يسكنون و كما ان الاسد الذي خلق للتفرس يكون التفرس ميسوره يأتي منه من غير تكلف و الفرس الذي خلق للعدو يكون العدو ميسوره و يأتي منه من غير كلفة كذلك الذي خلق للعلم من يوم اول يكون العلم ميسوره يقدر علي طلبه و حفظه بلا تكلف و يري من نفسه انه يفهمه من غير تعب و لايمل منه و لايسأم كما لايمل الاسد من تفرسه لانه مقتضي طباعه و اما من لم‌يخلق لاجل ذلك فلايتيسر له و يتعب و يكسل و يمل و ينضجر و لايترقي و تراه ربما يقرأ ستين سنة و لم‌يتجاوز علم النحو و لم‌يقدر علي ترجمة آية او رواية و تراه معوج الذهن يفسر الآية بتفاسير لاتناسب ابدا و يفسر الخبر بمعان ركيكة و هكذا فانه لم‌يخلق لذلك فلو طلبت العدو من الجمل البختي لرأيت كلفة عجيبة مضحكة فان العدو ميسور الفرس و البختي ميسوره الحمل الثقيل و هذا هو حديث النبي صلي الله عليه و آله كل ميسر لما خلق له فامتحن نفسك فان كنت خلقت للعلم فاسع في طلبه و الا فلاتتكلف فان الله سبحانه يقول و ما انا من المتكلفين و ان اردت ان تمتحن نفسك فاعتبر من شبل الاسد فانه من يوم يولد يصدر عنه الافعال الاسدية و ولد السنور فانه من يوم يولد يصدر عنه الافعال السنورية و كذلك من خلق للبناء فانه من ايام صباه يسعي في اللعب بالطين و بناء البيوت الصغيرة [ص 392] و الذي خلق للحياكة فانه من ايام طفوليته يسعي في اللعب بالخيوط و النسج و عمل الصفايف ( السفايف ظ ) بحسب وسعه كذلك من خلق لاجل العلم يكون لعبه من يوم اول بالقراطيس و المحابر و صنعة الكتب الصغار و يكون غاية شوقه في امثال ذلك و من تدبر في احوال نفسه يجد جميع احواله التي في كبره قد كان في صغره الا انه كان في الصغر هزلا و في الكبر جدا و ذلك مجرب في كل احد فمن رام ان يعرف هل خلق لاجل العلم ام لا فليمتحن نفسه و يعتبر من حال صغره فان كان لعبه بالعلم و ما يتعلق به و يشتاقه و يرتجيه و كلما يسمع شيئا يعقله و يضبطه فليعلم انه خلق للعلم فليسع فيه و ان كان لايجد من نفسه ذلك و لم‌يكن في صغره مائلا الي العلم و لم‌يكن لعبه و لهوه في العلم فليس من اهله و لم‌يخلق له فلايتعب نفسه و لا ساير الناس و ان تكلف و طلب لايكاد يبلغ مبلغا يعتني به بل الذي لم‌يخلق للعلم لايكاد يميل اليه الا لاجل حطام الدنيا او خوف من الناس و بالعرض و لايحتاج من خلق للعلم الي تحريص و ترغيب شديد و لكن الدنيا دار اعراض و امراض و دار لطخ و خلط و دار حق و باطل فلرب مستعد للعلم منكوس القلب قد خلق لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و لان يدعو الي الباطل و يفتتن به الناس و لرب مستعد للعلم منصوب القلب قد خلق للهداية و الدعوة الي الحق و الي صراط مستقيم و لربما يكون في اصل الخلق مستعدا للعلم و لكن قد عرضه عوائق الدهر و لربما لايكون مستعدا و هيأ له اسباب العلم و لرب مستعد لعلم الحق قد التطخ به بعض اعراض المستعدين للعلم الباطل و لربما كان الامر بالعكس فلاجل ذلك احتجنا الي رسم فصل في آداب المتعلمين و بيان اسباب التمكين و ما يتم به قابلية المبتدئين للاستفاضة من رب العالمين فلاجل ذلك احتجنا الي رسم ثمانية مطالب .

[ص 393] المطلب الاول - فيما يرجع الي نية الطالب و ما يجب عليه من الاخلاص لله عز و جل اعلم ان من البين ان الله سبحانه مبدأ كل خير و اصل كل كمال و مرجع كل حق و مصدر كل صدق فمن توجه اليه بالاخلاص له و الاعراض عما سواه و سار باقدام الطاعات و الامتثالات اليه سبحانه و حصل له التمكن بمجاورة المقربين تقرب يوما فيوما اليه سبحانه ثم هو و بطؤ سيره و سرعة مشيه كل علي حسبه و كلما يتقرب العبد الي الله سبحانه يشتد فيه صفات الالوهية و اخلاق الربوبية من الخير و الكمال و النور و العلم و القدرة و الاحاطة و امثال ذلك و ذلك ان الماشي الي المنير يشتد استنارته كلما يقرب الي المنير و كلما يبعد يقل استنارته و ذلك مشهود و لا شك ان الله سبحانه علم لا جهل فيه و قد وصف نفسه بالعلم بمشيته و امره فمن يروم العلم الحق فليسر اليه باقدام الامتثال و يتوجه اليه بالاخلاص حتي يكون علي صراط مستقيم و يحصل له العلم و ذلك ان العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب كما روي و لايحب الا من كان متصفا بصفة حبيبه كما قال ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فمن تأسي بالحبيب صلي الله عليه و آله بالطاعة و الاخلاص احبه الله و من احبه الله قذف في قلبه نور العلم فصار بصيرا ذا عين كلما نظر الي شيء علمه و عرفه و قد مر ما روي ان من اخلص لله اربعين صباحا جري من قلبه علي لسانه ينابيع الحكمة فان اردت العلم الحق الصحيح فتوجه الي الله سبحانه بالاخلاص لاتشرك به شيئا و امش اليه باقدام الطاعة و الامتثال حتي تتقرب اليه و هو العلم الذي لا جهل فيه و كلما تقربت شبرا ازددت علما حقا و هذا هو طريق التكسب و انما الاستاد ممكن قابليتك و ليس بموجد العلم فيك قال [ص 394] الله تعالي و ذكر فان الذكري تنفع المؤمنين فالاستاد مذكر و معد لقابليتك و ممكن لها حتي يسهل لك الاستفاضة و تستعد لافاضة الله سبحانه عليك و للاستاد دخل عظيم عظيم و معاشرته اقرب الطاعات و اعظم العبادات لك كيف و جلوس ساعة لك عنده يوازي قراءة القرآن اثني‌عشرالف مرة و هو يزيد في اخلاصك و اقبالك كما يأتي و مر فاول ما ينبغي لطالب العلم الاخلاص قال رسول الله صلي الله عليه و آله لا قول الا بعمل و لا قول و لا عمل الا بنية و لا قول و لا عمل و لا نية الا باصابة السنة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل يقول اني لست كل كلام الحكمة اتقبل انما اتقبل هواه و همه فان كان هواه و همه في رضاي جعلت همه تقديسا و تسبيحا و عن حفص عن ابي‌عبدالله عليه السلام يا حفص ماانزلت الدنيا من نفسي الا بمنزلة الميتة اذا اضطررت اليها اكلت منها يا حفص ان الله تبارك و تعالي (ظ) علم ما العباد عاملون (ظ) و الي ما هم صايرون فحلم عنهم عند اعمالهم السيئة لعلمه السابق فيهم فلايغرنك حسن الطلب ممن لايخاف الفوت ثم تلا قوله تلك الدار الآخرة الآية ، و جعل يبكي و يقول ذهبت والله الاماني عند هذه الآية ثم قال فاز والله الابرار أتدري من هم الذين لايؤذون الذر كفي بخشية الله علما و كفي بالاغترار بالله جهلا يا حفص انه يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل ان يغفر للعالم ذنب واحد و من تعلم و عمل و علم لله دعي في ملكوت السموات عظيما فقيل تعلم لله و اعمل لله و علم لله قلت جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا فقال فقد حد الله في كتابه فقال عز و جل لكيلاتأسوا علي ما فاتكم و لاتفرحوا بما اتيكم ان اعلم الناس بالله اخوفهم لله و اخوفهم له اعملهم به و اعملهم به ازهدهم فيها فقال له رجل يا بن رسول الله اوصني فقال اتق الله حيث كنت فانك لاتستوحش و قد مر حديث [ص 395] الرضا عن ابيه عن آبائه عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال الدنيا كلها جهل الا مواضع العلم و العلم كله حجة الا ما عمل به و العمل كله رياء الا ما كان مخلصا و الاخلاص علي خطر حتي ينظر العبد بما يختم له و عن الرضا عليه السلام اروي من تعلم العلم ليماري به السفهاء او يباهي به العلماء او يصرف وجوه الناس اليه ليرأسوه و يعظموه فليتبوأ مقعده من النار و في خطبة لعلي عليه السلام ايها الناس اني ابن عم نبيكم و اولاكم بالله و رسوله فاسألوني ثم اسألوني و كأنكم بالعلم قد نفد و انه لايهلك عالم الا يهلك بعض علمه و انما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء نوره علي ساير الكواكب خذوا من العلم ما بدا لكم و اياكم ان تطلبوه لخصال اربع لتباهوا به العلماء او تماروا به السفهاء او تراءوا به في المجالس او تصرفوا وجوه الناس اليكم للترأس لايستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون و الذين لايعلمون نفعنا الله و اياكم بما علمنا و جعله لوجهه خالصا انه سميع مجيب ، و قد مر تقسيمه صلوات الله عليه طلبة العلم الي ثلثة فراجع الي غير ذلك من الاخبار و قد مر ايضا ما يدل عليه فمن اخلص طلب العلم لله و عمل بما علم تقرب الي الله جل شأنه يوما فيوما و يزداد علمه حينا بعد حين و اما من كان منكوس القلب متوجها الي ابليس و جنوده طالبا للعلم للدنيا فذلك مفتون يلقي حجته و يكون علمه حجة عليه و هو فتنة لمن افتتن مضل لمن اقتدي به مهلك من استمع اليه عابد للشيطان من اصغي اليه نعوذ بالله و اغلب اهل زماننا اليوم من هذا القبيل قال اميرالمؤمنين عليه السلام اياكم و الجهال من المتعبدين و الفجار من العلماء فانهم فتنة كل مفتون و قال عليه السلام قطع ظهري رجلان من الدنيا رجل عليم اللسان فاسق و رجل جاهل القلب ناسك هذا يصد بلسانه عن فسقه و هذا [ص 396] بنسكه عن جهله فاتقوا الفاسق من العلماء و الجاهل من المتعبدين اولئك فتنة كل مفتون فاني سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول هلاك امتي علي يدي كل منافق عليم اللسان و قد مر ما يدل علي ذلك .

المطلب الثاني - فيما يرجع الي اخلاقه - اعلم انه كما عرفت ان العلم نور يقذفه الله في قلب من يحب و لايحب الله الا من زكت اخلاقه و حسنت صفاته فلا بد لطالب العلم جميع المكارم و الاخلاق عموما و بعض الاخلاق خصوصا و لسنا هنا الا بصدد الاخلاق الخاصة التي لها تعلق خاص بالعلم و بطالبه :

فمنها انه يجب علي طالب العلم الزهد في الدنيا و الاعراض عنها بالكلية فان الله سبحانه لم‌يجعل لرجل من قلبين في جوفه و ان القلب اذا كان متوجها الي الدنيا الدنية لايقدر علي التخلص للعلم فقد قيل ما لم‌تعط كلك العلم لم‌يعطك بعضه و كذلك هو فرأس جميع الاخلاق اللازمة في طلب العلم الاعراض عما سواه و التوجه اليه بكلك فحينئذ يمكنك فهمه و تحصيله و قد مثل السيد الاستاد اعلي الله مقامه في هذا المقام بماء خزانة فانه حين اضطرابه و تموجه و تلاطمه لايكاد يتبين فيه الزجاجات المنصوبة علي سقفها و اما اذا كان ساكنا تتبين فيه كما هي كل زجاجة علي شكلها و في موضعها حرفا بحرف و كذلك قلب طالب العلم اذا كان مضطربا متوجها الي كل جهة لايكاد ينطبع فيه نقش العلم ابدا و يشوش عليه و يلتبس عليه و يورث له شكوكا و شبهات لانه لايتحققه كما هو و اما اذا كان القلب ساكنا مطمئنا معرضا عما سوي العلم متوجها بكله اليه يتحققه كما هو و يضع كل شيء منه موضعه البتة و يفوز باليقين و الاطمينان فتبين ان رأس جميع اخلاقه اللازمة في طلب العلم بعد اخلاص النية الزهد في الدنيا و الاعراض [ص 397] عنها بالكلية فقد قال ابوعبدالله عليه السلام من زهد في الدنيا اثبت الله الحكمة في قلبه و انطق بها لسانه و بصره عيوب الدنيا داءها و دوائها و اخرجه الله سالما الي دار السلام انتهي ، و انما امر الله الناس بالزهد في الدنيا ليتمكنوا من المعرفة به و العمل له و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اذا رأيتم العالم محبا للدنيا فاتهموه علي دينكم فان كل محب يحوط ما احب و قال اوحي الله الي داود عليه السلام لاتجعل بيني و بينك عالما مفتونا بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي فان اولئك قطاع طريق عبادي المريدين ان ادني ما انا صانع بهم ان انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم نعوذ بالله و عن النبي صلي الله عليه و آله تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم فانه من كانت الدنيا همته قسي قلبه و كان فقره بين عينيه و لم‌يعط من الدنيا غير نصيبه المكتوب له و من كانت الآخرة همته جمع الله له امره و جعل غناه في قلبه و اتته الدنيا راغمة و عنه صلي الله عليه و آله الزاهد في الدنيا يريح قلبه و بدنه و الراغب فيها يتعب قلبه و بدنه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام حرام علي قلوبكم ان تعرف حلاوة الايمان حتي تزهد في الدنيا و عن اميرالمؤمنين عليه السلام ان من اعون الاخلاق علي الدين الزهد في الدنيا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام كل قلب فيه شك او شرك فهو ساقط و انما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة و عنه عليه السلام اذا اراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا و فقهه في الدين و بصره عيوبها و من اوتيهن فقد اوتي خير الدنيا و الآخرة و قال لم‌يطلب احد الحق بباب افضل من الزهد في الدنيا و هو ضد لما طلب اعداء الحق قيل جعلت فداك مما ذا قال من الرغبة فيها و قال الا من صبار كريم فانما هي ايام قلائل الا انه حرام عليكم ان تجدوا طعم الايمان حتي تزهدوا في الدنيا و قال اذا تخلي المؤمن من الدنيا سما و وجد [ص 398] حلاوة حب الله و كان عند اهل الدنيا كأنه قد خولط و انما خالط القوم حلاوة حب الله فلم‌يشتغلوا بغيره و قال ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان ابوذر يقول يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم‌يكن شيئا الا ما ينفع خيره و يضر شره الا من رحم الله يا مبتغي العلم لايشغلك اهل و لا مال عن نفسك انت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم الي غيرهم ، الي غير ذلك من الاخبار و سيأتي في محله مفصلا ان شاء الله ، بالجملة ما لم‌يفرغ القلب بالكلية عن الدنيا لايقدر علي التفرغ للعلم و ان لم‌يطاوع قلبك للتفرغ فأدم عليه ذكر هادم اللذات حتي يذل قال ابوعبدالله عليه السلام اكثر ذكر الموت فانه لم‌يكثر انسان ذكر الموت الا زهد في الدنيا انتهي ، و الزاهد في ساير الموارد من لاييأس علي ما فاته و لايفرح بما اتاه و ذلك لاينافي ان يكون له اموال كثيرة و اهلون و بنون و هو غير متعلق القلب بها و اما طالب العلم ينافي طلبه ان يكون له متعلقات كثيرة و ان لم‌يتعلق قلبه بها فان الاهل و المال و الولد تحتاج الي تربية و توجه و مهنة و خدمة و ان لم‌يتعلق قلبك بها و تربيتها و خدمتها تنافي طلب العلم لاسيما في زمان الغيبة و لامثالنا فانه قد صعب الامر علينا في هذه الطخية العمياء و لا بد لنا من صرف جميع العمر في طلب العلم حتي ان طالب العلم في ايام الغيبة محروم عن كثير من العبادات و الاوراد و الزيارات و الدعوات و الصلوات اذ العمر قليل و الطريق صعب و الدنيا مظلمة و الشكوك و الشبهات غالبة فمن رام العلم كما ينبغي لايسع وقته لساير العبادات و لاتحسبن طلبه هذا غير عبادة بل هو اعظم العبادات و الا لم‌يكن فضله علي العابد كفضل رسول الله صلي الله عليه و آله علي ادني الخلق فاذا كان طالب العلم لايقدر علي اتيان ساير العبادات فما [ص 399] ظنك بخدمة المال و مرمة المعاش و التوجه الي الضياع و العقار و الاهل و الخدم و الحشم و البنين و ما يعتريهم الي ان يستقلوا و ان الائمة الذين كانوا يشتغلون بالناس و سياسة المدن كانت علومهم لدنية لا كسبية و ان الصحابة كان علومهم اخبارا يسمعونها و كلما اشكل عليهم يسألون شفاها و يسمعون صراحا ثم يذهبون الي مكاسبهم و سوقهم و اما نحن اليوم فمبتلون محرومون عن جميع ما سوي العلم و مع ذلك يضيق وقتنا عنه فكيف نقدر علي الكسب او مرمة المعاش او اصلاح اثاث البيت و غير ذلك فانت يا اخي ان اردت العلم فلا بد لك من الزهد عن الدنيا بالمعني الثاني و ان كانت مقبلة اليك فاتركها و هاجر لما روي في القدسي اني وضعت العلم في الجوع و الغربة و الناس يطلبونه في الشبع و الوطن فلن‌يجدوه ابدا فان رفعك اثاث البيت و وضعك اياه موضعه و تنضيده مانع عن طلبك العلم و لو كان لك دنانير موجودة فعدها و ضبطها مانع لك عن علمك فان كنت خلقت للعلم فول عن الدنيا و ما يتعلق بها بالكلية و اعط العلم كلك حتي يعطيك فانك لاتحيط بجميعه ابدا و الاسلم ان يخلقنا الله فقيرا حتي نتوجه الي العلم قهرا و الا فنفوسنا ليست بالتي تترك الدنيا عن عمد لاجل العلم لله و في الله و اما الشايع في زماننا ان طلب العلم اسباب معيشة و اكل اموال اليتامي و الايامي و المساكين و الركوب علي اعناق الناس فلا جرم ابتلوا بما اوعدوا في الخبر المأثور عن النبي صلي الله عليه و آله من لم‌يتورع في ايام تعلمه ابتلاه الله باحد ثلثة اما يميته في شبابه او يوقعه في الرساتيق او يبتليه بخدمة السلطان انتهي ، و ذلك انه ان كان قانعا بقليل الدنيا يبلغه امله و يوقعه في الرساتيق و يتكفل شرعياتهم حقا او باطلا و ان كانت همته عالية لايقنع بالعيش النكد يبلغه امله و يبتليه بخدمة السلطان [ص 400] و ان كانت همته لاتقف علي الدنيا و يريد التصرف في الدين يميته الله في شبابه بالجملة طلاب العلم كثير و رعاته قليل قليل و هذا احد شروط تحصيل العلم .

و منها ان يكون قانعا بما يسد جوعته و يستر عريته و يظل رأسه و في الحقيقة من اوتي ذلك فلا حاجة له الي سلطان الزمان فمن دونه و القناعة لازمة للزهد كما مر و القانع اغني من السلطان الذي ملك الرقاب و خضع له اهل الدنيا ألاتري ان الذي ليس له عطش و هو في قفر من الارض اروي من العطشان الذي عنده البحار و كلما يشرب يزداد عطشه فان اردت الدنيا لحيوتك فاقنع و استرح و ان اردت حيوتك للدنيا تخدمها فاتعب نفسك حتي تهلك ثم يقوم مقامك آخر مثلك بالجملة القناعة راحة لمن يطلب الراحة و الناس عجيب امرهم فانهم يتعبون طول عمرهم لطلب الراحة و يفتقرون لطلب الغني و يذلون لطلب العز و يحزنون لطلب الفرح و هكذا فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول ابن آدم ان كنت تريد من الدنيا ما يكفيك فان ايسر ما فيها يكفيك و ان كنت انما تريد ما لايكفيك فان كل ما فيها لايكفيك و عنه عليه السلام من قنع بما رزقه الله فهو من اغني الناس انتهي ، و من البين بعد ما بينا في الزهد انه ما لم‌يكن طالب العلم قانعا لم‌يقدر علي طلب العلم و ان لم‌يكن قانعا كان راغبا حريصا و عمر الدنيا لم‌يكف طالبيه و لم‌يبلغوا منها مناهم فكيف يكفي طالب العلم و الدنيا معا و ذلك واضح ان شاء الله .

و منها ينبغي ان يكون طالب العلم متوكلا علي الله سبحانه لايهتم بشيء و يكل الامر الي مدبره فان الذي خلقه للعلم و امره به و علم ان طلب العلم لايجامع طلب الدنيا هو يكفيك بنفسه و لايخذلك و اي مولي يبعث عبده الي [ص 401] خدمة ثم لايرزقه ما يعيش به و يبقي حيا في ايام الخدمة فتوكل علي الله انه بعباده خبير بصير عليم قدير رؤف رحيم قال الله تعالي و من يتوكل علي الله فهو حسبه ، فعن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان الله عز و جل يقول و عزتي و جلالي و عظمتي و علوي و ارتفاع مكاني لايؤثر عبد مؤمن هواي علي هوي نفسه الا كففت عليه ضيعته و ضمنت السموات و الارض رزقه و كنت له من وراء تجارة كل تاجر و عن النبي صلي الله عليه و آله لو ان العبد يتوكل علي الله حق توكله لجعله كالطير تغدو خماصا و تروح بطانا و قال من انقطع الي الله تعالي كفاه الله تعالي كل مؤنة و من انقطع الي الدنيا وكله الله اليها و من اراد ان يرزقه الله من حيث لايحتسب فليتوكل علي الله و عن علي عليه السلام ايها الناس لايشغلنكم المضمون من الرزق عن المفروض عليكم و عن ابي‌الحسن الاول عليه السلام قال سألته عن قول الله عز و جل و من يتوكل علي الله فهو حسبه فقال التوكل علي الله درجات منها ان تتوكل علي الله في امورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا تعلم انه لايألوك خيرا و فضلا و تعلم ان الحكم في ذلك له فتوكل علي الله بتفويض ذلك اليه و ثق به فيها و في غيرها انتهي ، و ليس التوكل ان تقعد في كسر و تغلق عليك الباب و لكن التوكل ان لاتدبر لنفسك تدبيرا برأيك و تطيع في جميع امورك وكيلك فان قال لك قل فقل او اسكت فاسكت او اذهب فاذهب او ارجع فارجع فهذا هو التوكل ثم كلما يأتيه من الله ليكن به راضيا و يعلم انه خيره فيه و لو قرض بالمقاريض فليس التوكل ترك الحركة او ترك الكسب و امثال ذلك بل هو رد الامور الي الله و امتثال امره فطالب العلم توكله امتثاله لامر الله و قد امره بطلب العلم و لايقدر معه ان يشتغل بالمكاسب و التجارات و الزراعات و علي الله رزقه يؤتيه الله من حيث [ص 402] يشاء و في الارشاد روي ان الله تعالي يقول من اعتصم بي دون خلقي ضمنت السموات و الارض رزقه فان دعاني اجبته و ان استعطاني اعطيته و ان استكفاني كفيته و من اعتصم بمخلوق دوني قطعت اسباب السموات و الارض دونه و ان دعاني لم‌اجبه و ان سألني لم‌اعطه و ان استكفاني لم‌اكفه و عن محمد بن عجلان نزلت بي فاقة عظيمة و لزمني دين لغريم ملح و ليس للمضيق صديق فتوجهت فيه الي الحسن بن زيد و كان امير المدينة لمعرفة كانت بيني و بينه فلقيني في طريقي محمد بن عبدالله بن الباقر عليه السلام فقال قد بلغني ما انت فيه من الضيق فمن املت لمضيقك قلت الحسن بن زيد فقال اذا لاتقضي حاجتك فعليك بمن هو اقدر الاقدرين و اكرم الاكرمين فاني سمعت عمي جعفر بن محمد عليهما السلام يقول اوحي الله تعالي الي بعض انبيائه في بعض وحيه و عزتي و جلالي و عظمتي و ارتفاعي لاقطعن امل كل مؤمل غيري باليأس و لاكسونه ثوب المذلة في الناس و لابعدنه من فرجي و فضلي يؤمل عبدي في الشدايد غيري و الشدايد بيدي و يرجو سواي و انا الغني الجواد ابواب الحوائج عندي و بيدي مفاتيحها و هي مغلقة فما لي اري عبدي معرضا عني و قد اعطيته بجودي و كرمي ما لم‌يسألني فاعرض عني و سأل في حوايجه غيري و انا الله لا اله الا انا ابتدي بالعطية من غير مسالة أفأسال فلااجود كلا أليس الجود و الكرم لي أليس الدنيا و الآخرة بيدي فلو ان كل واحد من اهل السموات و الارض سألني مثل ملك السموات و الارض و اعطيته مانقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة فيا بؤسا لمن اعرض عني و سأل في حوايجه و شدايده غيري قال فقلت له اعد علي هذا الكلام فاعاده ثلث مرات فحفظته و قلت في نفسي لا والله لااسال احدا حاجة ثم لزمت بيتي فمالبثت اياما الا و اتاني الله برزق [ص 403] فقضيت مني ديني و اصلحت به امر عيالي و الحمد لله رب العالمين و في حديث عنوان البصري بعد ما انصرف عن مالك بن انس و رجع الي ابي‌عبدالله عليه السلام قال عليه السلام يا اباعبدالله ما حاجتك قال قلت سالت الله تعالي اجابتي في الشريف ما سألته فقال يا اباعبدالله ليس العلم بالتعلم انما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك و تعالي ان يهديه فان اردت العلم فاطلب اولا من نفسك حقيقة العبودية و اطلب العلم باستعماله و استفهم الله بفهمك قلت يا شريف يا اباعبدالله ما حقيقة العبودية قال عليه السلام ان لايري العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا لان العبيد يرون المال مال الله يضعونه حيث امرهم الله و لايدبر العبد لنفسه تدبيرا و جملة اشغاله فيما امره الله تعالي و نهاه عنه فاذا لم‌ير العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا هان عليه الانفاق فيما امر الله ان ينفق فيه و اذا فوض العبد تدبير نفسه الي مدبره هان عليه مصائب الدنيا و اذا اشتغل العبد بما امر الله تعالي و نهاه لايتفرغ منها الي المراد و المحابات مع الناس فاذا اكرم الله تعالي العبد بهذه الثلثة هان عليه الدنيا و النفس و الخلق و لايطلب الدنيا تكاثرا و تفاخرا و لايطلب ما عند الله عزا و علوا و لايدع ايامه باطلا فهذا اول درجة المتقين قال الله تعالي تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الارض و لا فسادا و العاقبة للمتقين قلت يا اباعبدالله اوصني فقال اوصيك بتسعة اشياء فانها لمريد الطريق الي الله عز و جل و الله اسأل ان يوفقك لاستعماله ثلثة منها في رياضة النفس و ثلثة منها في الحلم و ثلثة منها في العلم فاحفظها و اياك و التهاون بها قال فرغت قلبي له فقال اما اللواتي في الرياضة فاياك ان تاكل ما لاتشتهيه فانه يورث الحماقة و البله و لاتاكل الا عند الجوع و اذا اكلت فكل حلالا و سم الله و اذكر حديث الرسول صلي الله عليه و آله ماملأ [ص 404] آدمي وعاء اشر من بطنه فان كان و لا بد فثلث لطعامك و ثلث لشرابك و ثلث لنفسك و اما اللواتي في الحلم من قال لك ان قلت واحدة سمعت عشرا فقل ان قلت عشرا لم‌تسمع واحدة و من شتمك فقل ان كنت صادقا فيما تقول فالله اسأل ان يغفرها لي و ان كنت كاذبا فاسأل الله ان يغفرها لك و من اوعدك الجفاء فعده بالنصيحة و الدعاء و اما اللواتي في العلم فاسأل العلماء ما جهلت و اياك ان تسألهم تعنتا و تجربة و اياك ان تعتمد برأيك شيئا و خذ بالاحتياط في جميع ما تجد اليه سبيلا و اهرب عن الفتيا هربك من الاسد و لاتجعل رقبتك جسرا للناس فافهم عني يا اباعبدالله فقد نصحت لك و لاتفسد علي وردي فاني امرؤ ضنين بنفسي انتهي ، و لعل فيه بعض الكلمات نقل بالمعني لان النسخة كان فيه بعض الغلط بالجملة اللازم لطالب العلم ان يعرض عما سوي العلم و يتوكل علي الله و يمتثل اوامره و يجتنب نواهيه حتي يتقرب الي الله و يرزقه الله خلافته لان العلم خلافة الله العليم الحكيم في الارض فعن النبي صلي الله عليه و آله اللهم ارحم خلفائي قيل يا رسول الله و من خلفاؤك قال الذين يأتون من بعدي يروون حديثي و سنتي ثم يعلمونها انتهي .

تنبيه - لعلك زعمت مما قدمنا في الزهد و ما قدمنا في التوكل انه لاينبغي لطالب العلم طلب رزق مطلقا و ليس الامر كذلك بل المراد انك لو قنعت بما يقوم ظهرك و يقيك من الحر و البرد شغلا بالعلم لاتحتاج الي زيادة طلب بل هذا المقدار يحصل للانسان بادني طلب و باقل حيلة في رزقه و لايحتاج الي صرف العمر و جميع تعبنا في الدنيا و عطبنا من الفضول و لو اقتصرنا علي الواجب لماتعبنا ابدا قال الله سبحانه و من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه و قال ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و لما لم‌نقنع [ص 405] بالواجب و اشتهينا فضول المعاش و الملاذ احتجنا الي كل هذه المهن و المصائب و الكسب المجد و الذل المهين و تملق ارباب الدنيا الدنية و التذلل عند اللئام و محنة الاسفار في البر و البحر و العجب من الانسان انه يطلب الراحة بالتعب و الغني بالفقر و العز بالذل و السرور بالحزن و هكذا فلا جرم لايجدها ابدا و كان غرضي مما تقدم ان اللازم علي طالب العلم الاقتصار علي الواجب و قدر الواجب اقل قليل فانك يكفيك خمسون منا حنطة او شعيرا في كل سنة و يزيد عليك في حد الاعتدال و يمكنك الصدقة منه بل و الضيافة احيانا و اربعة اطواب خاما و ذلك بقيمة بلادنا العادلة يحصل بتومانين و افرض لساير الحوائج ايضا تومانين فذلك اربعة توامين و هذا المقدار يسهل تحصيله بادني حيلة هذا و قد تكفل الله رزق طالب العلم لانه مأمور مشغول بخدمته لايقدر علي قلة المبالاة به فعلي الله رزقه فان اتاه مجانا فله الحمد و الا فيحتاج الي ادني تدبير فالاحب ان يكون لطالب العلم قليل تجارة او صناعة او كتابة يقدر علي استخراج حد الواجب منه فان حصل في وقت فليترك الكسب و ليشتغل بطلب العلم و الا فيصرف بعض اوقاته في ذاك و بعضا في ذاك و ليس هذا القدر من الطلب مضرا بحاله في عرض السنة بل هو تفرج عن كسالة طلب العلم و ان قلت ان هذا المقدار يكفي الانسان لنفسه و اما العيال فذلك الداء العضال و ام الاشكال قلت ان فساد امورنا من يوم اول و في جميع جهات امورنا و ليس اصل اساس بنائنا علي الاعتدال و لذلك وقعنا في الاشكال و الذي خلق للعلم لايرفع لقمة لايسيغها و لايحمل حملا لايطيقه و يجتنب عن كل ما يعوق و لي كلام آخر و هو ان الله خلقنا للعبادة بنص الكتاب و انا نري هذا النسج الذي نسجناه علي انفسنا و هذه المصيبة التي اقمناها لايكفي لحمل اعبائها عشرة اعمار فضلا عن عمر [ص 406] واحد و ان هذا العمر القليل لايكفي لاصلاح كل هذا العيال و هذا الوبال و هذا الداء العضال الذي جمعناه و هذه الشهوات و الملاذ التي طلبناها ابدا فمتي نعبد الله و متي نفرغ للتوجه اليه الذي هو غاية خلقتنا فتبين ان هذه الاوضاع و الاشغال و الاحمال و الاثقال علي خلاف غرض الله و تنافي مشية الله و محبته آه آه

ظفر الطالبون و اتصل الوصل و فاز الاحباب بالاحباب

و بقينا مذبذبين حياري بين حد الوصال و الاجتناب

فاسقنا منك شربة تذهب الغم و تهدي الي طريق الصواب

فلااقول لك افعل كذا و افعل كذا لاني مبتل مثلك و لكني اقول لم‌نخلق لهذا و لم‌نخلق للدنيا و انما خلقت الدنيا لنا و لم‌نخلق لحس الحمار و انما خلق الحمار لنا و الواجب للعاقل ان يتخلي عن كل ما يعوقه عن خدمته التي امر بها و عن الامر الذي خلق لاجله فالعمر قليل و الطالب حثيث و السايق مجد و القايد ساحب و الموت امامنا و الدنيا تطوي من ورائنا و عما قريب نرد الحسرة الابدية و الندامة الابدية نعوذ بالله اللهم عونك عونك اللهم نصرك نصرك بالجملة من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه و الا فالله لم‌يظلم احدا ابدا و اللازم علي طالب العلم اقلا الاعراض عن الفضول و الاقتصار بالاصول و الغالب انه يأتيه الاصول من غير كد و عن ابي‌ابرهيم عليه السلام قال قال ابوذر رحمه الله جزي الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير اتغدي باحدهما و اتعشي بالآخر و بعد شملتي الصوف اتزر باحدهما و ارتدي بالآخر و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل و من رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته و زكت مكسبته و خرج من حد الفجور و قال رجل لابي‌عبدالله عليه السلام علمني شيئا [ص 407] انتفع به فقال عليه السلام ان كان ما يكفيك يغنيك فادني ما فيها يغنيك و ان كان ما يكفيك لايغنيك فكل ما فيها لايغنيك و في القدسي و عزتي و جلالي و كبريائي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني لايؤثر عبد هواه علي هواي الا شتت عليه امره و لبست عليه دنياه و شغلت قلبه بها و لم‌اوته منها الا ما قدرت له و عزتي و جلالي و عظمتي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني لايؤثر عبد هواي علي هواه الا استحفظته ملائكتي و كفلت السموات و الارضين رزقه و كنت له من وراء تجارة كل تاجر و اتته الدنيا و هي راغمة .