فصل - اعلم ان العالم صفة من صفات الله جل و عز و معناه ان امره و خلقه جار جريان المعلوم و لاندرك منه جل و علا شيئا و هذا هو حقيقة معاني جميع اسمائه و صفاته فالحكيم معناه ان امره و خلقه جار علي نهج الحكمة و الصواب و خلق الحكمة و الحكماء و اما كيف هو في ذاته فلسنا ندركه بوجه و هكذا هو بصير معناه ان جميع ما سواه جار جريان المبصر و المرئي و غير المبصر و المرئي لايكون كذلك و قد خلق البصر و البصير و اما كيف هو في ذاته فلسنا نعرفه و هكذا و لو سلكت هذا المسلك نجوت حيث وقعت علي الواقع و اخرجته عن الحدين حد التعطيل و حد التشبيه و جميع ما سوي ذلك نفخ في غير ضرام و لا طائل تحت الكلام في مجهول الكنه بالجملة العالم الاول المطلق هو الله الحق جل و علا ثم اورث علمه الانبياء و الاوصياء عليهم السلام يعني ان جعلهم مهيمنين علي ساير الخلق و علل ساير الكاينات و سببها بان جعل نفوسهم علي كمال مستجمع و جمال جامع جميع ما سواهم ظهورات ذلك الكمال و مثل ذلك الجمال فهم يعلمون جميع ما سواهم بعلمهم بانفسهم علما اجماليا وحدانيا و في خيالهم علما تفصيليا وجهيا يعني ان ما في خيالهم من الصور مبادي الكائنات و وجوه الموجودات التي بها يذكرون عند العلة و هي حيث كونهم معلومين قبل ان يكونوا كائنين و اما في رتبة اكوانهم و اعيانهم فبانطوائهم تحت احدية العلة هم حضور عنده غير غيب بوجه من الوجوه فهم يعلمونهم في امكنتهم [ص 353] و حدودهم بهم و علي هذا الوجه يعلم كل علة معلوله و كل عال ما هو ادني منه و اما ما لميكن علة لما دونه فهو يعلم ما في عرضه بالانطباع و ما دونه من المراتب التنزلية بالاكتساب و لسنا الآن بصدد شرح هذه الامور و ليس هذا الكتاب محله بالجملة العلم علي اي حال هو حضور الشيء عند العالم فاما ان يكون النفس متوجهة الي عليين يعني موضع كتاب الابرار يعني لوح ارتسام الصور الجارية علي وفق محبة الله التشريعية يعني الصور المطابقة لصفة المبدء التشريعي الحاكية له الكائنة شؤن ظهوراته و جهات تجلياته ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و هي الصور المطابقة للوحدة و الارتباط و الانتظام و ظهور الغاية الايجادية التي هي التوحد و التفرد لله الواحد القهار فان كانت متوجهة الي عليين انطبع فيها مثل ما فيه فهذه الصور هي المعلومة الحاضرة عندها و هي نور قذفه الله في قلبها و قد احبها بتوجهها الي الوجه الذي يتوجه اليه الاولياء و بتصورها بصورة الحبيب فتنشرح فتشاهد الغيب و تنفسح فتحتمل البلاء و تورث لها التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل حلوله فلايحصل هذا النور في قلب امرء الا بالتوجه الي مبدء الخير و النور و الكمال و الي عليين و اما ان تكون النفس متوجهة الي سجين يعني موضع كتاب الفجار يعني لوح ارتسام الصور الجارية علي خلاف محبة الله التشريعية اي علي خلاف صفة المبدء التشريعي فمن شرب منه فليس مني و هي صفات المنتهي المضاد للمبدء المنافي للوحدة و الارتباط و الانتظام و ظهور الغاية الايجادية و الوحدة الوصفية لله تعالي فاذا كانت النفس متوجهة الي هذا اللوح انطبع فيها صوره و مثل ما فيه و هي ظلمة غاسقة لاتسكن الا في تلك النفوس المعرضة عن الله المعادية لاولياء الله الموالية لاعداء الله و هي توجب تثقلها [ص 354] و تسفلها و تنزلها و تكثرها و تقطعها و صاحبها من الذين قال الله فيهم و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و اما المتوجهون الي عليين فقد قال فيهم يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات فمن عرف هذه الدقايق لاينظر الي ما قال و انما ينظر الي من قال فان الكلمة الطيبة كشجرة طيبة و الكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة و كلتاهما شجر و كلتاهما كلمة فنحن ننظر الي من صدر عنه فان كان ناطقا عن التوجه الي عليين فمدلوله حق و اتباعه خير و ان كان ناطقا عن التوجه الي سجين فمدلوله باطل و اتباعه شر فقد روي عن ابيجعفر عليه السلام من اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس و روي ان ابليس قال لنبي من الانبياء و اظنه عيسي قل لا اله الا الله قال كلمة حق لااقولها بقولك فلا بد ان تنظر الي من قال فان كان من اهل الحق و عليين فقوله حق و ان كان من اهل الباطل و سجين فقوله باطل و ان كان علي صورة الحق نعم قد يأخذ اهل الباطل كلام اهل الحق و ينسبه الي نفسه او الي باطل غيره فانت اذا اخذت قوله و صفيته عن اكدار النسبة اليه جاز لك الاخذ به اذا اخذت به من حيث انه من عليين و اهله و كان عند غيره كلؤلؤة في عنق خنزير و من هذه الجهة قيل انظر الي ما قال و لاتنظر الي من قال و في هذا المقام روي ما معناه ان لنا اوعية من العلم نملاؤها علما لتحمله اليكم فخذوه و صفوه و اياكم و الاوعية فتنكبوها و روي ما معناه الحكمة ضالة المؤمن اينما وجدها اخذها ، و لا اختلاف بين ما قلنا من قولنا انظر الي من قال و لاتنظر الي ما قال و بين ما كان يقال انظر الي ما قال و لاتنظر الي من قال فان مورد ما قلت [ص 355] كالامام عليه السلام فاذا عرفته بالامامة فسلم لكل ما يقول و لاتنظر الي ما يقول فتقول هذا ينقاد و هذا لاينقاد فتقبل مسئلة و ترد مسئلة و مورد ما كان يقال ان تسمع قولا و لاتعرف قائله فتنظر الي اصل القول و تعرضه علي كلام من تعرفه بالحق فان وافقه تقبل القول و الا فترده فهيهنا يعرف الرجال بالمقال لا المقال بالرجال و علي اي حال العلم الحق نور يقذفه الله في قلب من يحب اي في قلب من توجه الي الحبيب و اتبعه في صفاته فانه من يحبه الله لا غير و لعلك عرفت من ذلك ان من اخذ علمه عن آلمحمد عليهم السلام فهو المتعلم من العالم اذ قالوا نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون فهو المستنير من النور لان كلامهم نور و امرهم رشد و من اخذ علمه عن اعدائهم فهو المظطلم من الظلمة و المتجهل من الجاهل لان الله خلق الجهل في مقابلة العقل و كما ان كل حق يؤل الي العقل كذلك كل باطل يؤل الي الجهل فاهل الباطل هم اهل الجهل و ان شقوا الشعر و سفهاء و ان عرفوا علي زعمهم حقايق الاشياء و كل ما يقولون خبط عشواء ،
فدع عنك قول الشافعي و مالك و احمد و المروي عن كعبالاحبار
و خذ عن اناس قولهم و حديثهم روي جدنا عن جبرئيل عن الباري
فصل - اعلم ان الله جل و عز خلق السموات و الارض بالحق و ماخلقهما باطلا قال تعالي ماخلقنا السموات و الارض و ما بينهما الا بالحق و قال ربنا ماخلقت هذا باطلا فبناء العالم علي الحق و جميع ما فيه من حيث صنعه جل و عز حق و هو الواقع الخارج و كذلك خلق الانسان انموذج هذا العالم و هو المختصر من المطول كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي المختصر من اللوح المحفوظ و هي الجسر الممدود [ص 356] بين الجنة و النار و هي مجموع صور العالمين الخبر ، و في الاشعار المنسوبة اليه عليه السلام :
دواؤك فيك و ماتبصر و داؤك منك و ماتشعر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
فالانسان هو العالم الصغير و هو ايضا هو الحق الواقع بلا نكير و مطابق للعالم الكبير كما مر و لذا قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و كذلك خلق الانسان الوسيط و العالم الوسيط بالحق و هو مطابق للعالمين مشروح العلل مبين الاسباب واضح المبدء لايح المنتهي مفصل الاجزاء مشهود الاحناء يظهر فيه جميع ما خفي في العالمين السابقين و ينشرح فيه الكيف و الكم و اللم بما لا مزيد عليه و لذا سمي بمرآة الحكماء اذ كانوا يستكشفون به المستورات و يستوضحون به المبهمات و يستظهرون به الخفيات و يستسهلون به المعضلات و استجمع جميع ما في العالمين من باب كل شيء فيه معني كل شيء و هو اخت النبوة و عصمة المروة و دليل علي كل غايب و حجة علي كل جاحد و عين لاهل الرين و كذلك ان القرآن هو الكتاب التدويني الموافق لكتاب الله التكويني لقوله سبحانه مافرطنا في الكتاب من شيء و تبيانا لكل شيء و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و دل الاخبار علي ان فيه تبيان كل شيء يختلف فيه اثنان حتي انه قال سبحانه و كل شيء احصيناه في امام مبين فاذا هو علي طبق العوالم الثلثة الواقعية الخارجية لا تفاوت بينها و لا اختلاف فان اصاب امرء الحق من واحد منها لا بد و ان يشهد له البواقي و ما لميشهد له واحد منها هو من المتشابهات لا المحكمات و ينبغي رده الي المحكمات و كذلك ان السنة [ص 357] و احاديث آلمحمد عليهم السلام هي الحق الواقع المطابق للواقع و العوالم الاربعة المذكورة و هي شرح معضلات تلك العوالم و مبهمات تلك الامور المذكورة و قد اعطوا كليات و اصولا للحق يعرف بها و ذلك ايضا واضح بين لا سترة عليه ثم بعد ذلك ان الله سبحانه اعطي العبد عقلا دراكا محيطا يدرك الشيء قبل كونه و حين كونه و بعد كونه يدرك علله و اسبابه و مبداه و منتهاه و ما يتوقف به و ما يتوقف عليه و ما يرتبط به و ما يرتبط هو به و هو النبي الباطن ذو السنة المحكمة و حقيقة الكتاب الذي لايأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و مبدؤ العوالم الذي خلقه الله ثم قال له ادبر فادبر فظهرت العوالم بادباره و ظهوراته و انواره فهو الشاهد علي الكل و الكل مشهود له و له في الادراكات ثلثة مقامات درك الصور و درك المعاني و درك الحقايق و كما مر يسمي ادلته في المقامات بالمجادلة و الموعظة و الحكمة و لكل شيء هذه المقامات الثلثة فالعالم الكامل من يستخرج مطلبه من جميع هذه الوجوه فيستدل علي مطلبه من الآفاق و الانفس و الفلسفة و الكتاب و السنة و دليل العقل المجادلي و الموعظي و الحكمي فذلك ثمانية وجوه لازمة للذي يدعي العلم فان وجد في شيء من هذه الوجوه ما لايوافق او يخالف وجب عليه شرحه بحيث يطابق الكل و يوافق بعضه بعضا اذ الكل من عند الله و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و هذه الثمانية هي اصول الاستدلالات ثم ان استكثرته بضرب او تفصيل فلك و تمام عري الحق التي جعلها مستمسك عباده و اسباب هدايته هي ما ذكرنا و هنا ختام يختتم به المطلب و هو ان هذه الكتب الثمانية يطابق بعضها بعضا فكما ان في الكتاب التدويني محكما و متشابها و نصا و ظاهرا و مأولا و عاما و خاصا و مجملا و مبينا و مطلقا و مقيدا و منطوقا صريحا [ص 358] بالمطابقة و غير صريح بالتضمن و الالتزام باقسامه من دلالة التنبيه و الاقتضاء و الاشارة و مفهوما باقسامه من لحن الخطاب و دليل الخطاب و غيرها فكذلك في ساير الوجوه جميع ذلك و ينبغي للعالم ان يتبع ما دلالته قطعية ناصة علي المراد بعد الاجتهاد و لايتبع الظنون و المتشابهات و ما لايشهد بعضها لبعض و يخالف بعضها بعضا و هذا النحو من العلم ليس بالتعلم و انما هو نور موهوبي من الله عز و جل يقذفه في قلب من يحب و ذلك انه اذا فتح الله عين قلب المرء و صارت رائية مبصرة دراكة تدرك جميع ما تواجهه لاسيما اذا كان المرء ساكن القلب مطمئن النفس عميق النظر دائم الفكر غير معرض عن آيات الله مراقبا لما يريه الله فان ساعده التقدير عرف بفضل القدير ما اشرنا اليه و صار عليما خبيرا و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و ذلك لايمكن عادة الا بامور ثلثة : الاول الاجتماع بمرشد هاد و استاد سناد واصل قوي النفس فانه الكامل المكمل مستخرج الكمال المستجن في كينونة الناقصين كما عرفت و العادم لايقدر علي الايجاد من نفسه لنفسه شيئا البتة الثاني رفيق موافق يسالكه و يحفظ له ما يشرق عليهما الاستاد و ينعشه دائما و لا بد و ان يكون اكمل منه او مساويه ان اضطر الثالث العمل و الاخلاص و رياضة النفس و ترقيق القابلية و تعديلها و تصفيتها و الاتيان بما يأمره الاستاد من اخلص لله اربعين صباحا جري من قلبه علي لسانه ينابيع الحكمة فمن وفقه الله جل و عز لهذه الثلثة و كان ممن سبق له من الله الحسني ينفتح عين بصيرته و قلبه و يمكنه مشاهدة تلك الوجوه الثمانية و الا فهو علي خلاف العادة و لايقع الا في نبي او وصي [ص 359] نبي و من طلب ذلك المقام من غير الباب الذي فتحه الله فقد تمني النبوة و الولاية و الاعجاز و ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به فكما انه لميجر العادة باستكمال شيء من الارضيات الا باشراق السموات و تكميلها و تمكينها و ان الله اذا اراد احداث شيء اوحاه الي روح القدس فالقاه في النجوم فجرت به و حدث في الارض ما اراد الله لميجر عادة الله باستخراج كمال من ارض قوابل الناقصين الا بواسطة سماوات الكاملين الوسايط بين الارض و كرسي الولاية و عرش النبوة و هي القري الظاهرة المجعولة بينهم و بين القري المباركات المقدر فيها السير ليالي و اياما آمنين فبدون هذه السموات لايستكمل ناقص ابدا اللهم الا ان يكون نبيا او وصي نبي و ذلك وجود خارج عن عادة الدنيا البتة و اري الناس يومنا هذا اعرضوا عن السموات و نكسوا رؤسهم الي المنتهيات أفمن يمشي مكبا علي وجهه اهدي ام من يمشي سويا علي صراط مستقيم فحرموا من فيوض خالق البريات حتي صاروا اصلا فاضلا و دليلا كاملا علي ان من اجتمعوا عليه ليس من الوسايط بين الخلق و القري المباركات بل هو من الصادين عن طريق خالق البريات و القاطعين لطرق الهدايات و المنافقين الملبسين علي عباد الله المحكمات بالمتشابهات فان الجنس الي الجنيس مايل و كل مع الفه مماثل فنحن نعرف المتبوعين باجتماع الهمج عليهم اذ لايؤلون الي خير ابدا ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فالشاة تميل الي قطيعها و الجمل الي صرمته و الفرس الي رعيله و السبع الي عرجلته و الظبي الي سربه البتة فان لمتعرف الجماعة فانظر الي من يلحقها و يحن اليها فكل الي كل مضاف و منسوب فعن اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه لايستوحشنك في طريق الحق قلة اهله فان الناس اجتمعوا علي مائدة [ص 360] شبعها قليل و جوعها طويل قال الله تعالي و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين ، و في الخبر الناس كلهم بهائم الا المؤمن المؤمن قليل المؤمن قليل المؤمن قليل المؤمن اقل من الكبريت الاحمر و هل رأي احدكم الكبريت الاحمر فالمؤمنون يستدلون علي بينونتهم مع البهائم و انسانيتهم باعراض الناس عنهم و يفرحون باستيحاشهم من الناس و استيحاش الناس منهم و يحزنون اذا اجتمعوا عليهم و يستوحشون من انثيالهم عليهم و يرون ان ذلك من عصيان صدر عنهم قربهم من البهائم و شبههم بها حيث مالت اليهم نعوذ بالله قال الله سبحانه اكثرهم لايعقلون و اكثرهم لايعلمون و قليل من عبادي الشكور و قليل ما هم فاذا اقول اسبر نفسك كلما وجدتها تفرح باجتماع الناس و تستوحش من تفرقهم و من الوحدة فاعلم يقينا انه قد صدر منك ما قد شوه خلقك و قربك من صفات البهائم فاستغفر الله فقد روي ان الصبر علي الوحدة علامة قوة العقل و من البين ان العقل لايضعف الا بالذنب و المؤمن متنفر عن الخلق تنفر الانسان من الحشرات و الموذيات السامة و الهامة و من السباع الضارية و البهائم و الرواتع البتة و لايهنأ له عيش معهم و انما راحته في الخلوة فعن علي بن الحسين عليه السلام الناس في زماننا هذا علي ست طبقات اسد و ذئب و ثعلب و كلب و خنزير و شاة فاما الاسد فملوك الدنيا يحب كل واحد ان يغلب و لايغلب و اما الذئب فتجاركم يذمون اذا اشتروا و يمدحون اذا باعوا و اما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون باديانهم و لايكون في قلوبهم ما يصفون بالسنتهم و اما الخنزير فهؤلاء المخنثون و اشباههم لايدعون الي فاحشة الا اجابوا و اما الكلب ( فهو الذي ظ ) يهر علي الناس بلسانه و يكرمه الناس من شر لسانه و اما الشاة فالمؤمن تجز شعورهم و توكل لحومهم و يكسر عظمهم فكيف يصنع الشاة [ص 361] بين اسد و ذئب و ثعلب و كلب و خنزير و انما مثل للمؤمن بالشاة من جهة مقهوريته في ايدي اولئك او من جهة كونه من رعايا راعيه ذلولا منقادا له لا انه ايضا حيوان و في العوالم بسنده عن ابيبصير قال قلت لابيجعفر عليه السلام انا مولاك و من شيعتك ضعيف ضرير اضمن لي الجنة قال أولااعطيك علامة الائمة قلت و ما عليك ان تجمعها لي قال و تحب ذلك قلت كيف لااحب فمازاد ان مسح علي بصري فابصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالسا قال يا بامحمد هذا بصرك فانظر ما ذا تري بعينك قال فوالله ماابصرت الا كلبا او خنزيرا او قردا قلت ما هذا الخلق الممسوخ قال هذا الذي تري هذا السواد الاعظم و لو كشف الغطاء للناس مانظر الشيعة الي من خالفهم الا في هذه الصورة ثم قال يا بامحمد ان احببت تركتك علي حالك هكذا و حسابك علي الله و ان احببت ضمنت لك علي الله الجنة و رددتك علي حالك الاول قلت لا حاجة لي الي النظر الي هذا الخلق المنكوس ردني فما للجنة عوض فمسح يده علي عيني فرجعت كما كنت و عن ابيبصير ايضا عن الصادق عليه السلام قال قلت له ما فضلنا علي ما خالفنا فوالله اني لاري الرجل منهم ارخي بالا و انعم عيشا و احسن حالا و اطمع في الجنة قال فسكت عني حتي كنا بالابطح من مكة و رأينا الناس يضجون الي الله قال ما اكثر الضجيج و العجيج و اقل الحجيج و الذي بعث بالنبوة محمدا صلي الله عليه و آله و عجل بروحه الي الجنة مايتقبل الله الا منك و من اصحابك خاصة ثم مسح يده علي وجهي فنظرت فاذا اكثر الناس خنازير و حمير و قردة الا رجل بعد رجل و في الكافي عن كامل التمار قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول الناس كلهم بهائم ثلثا الا قليل من المؤمنين و المؤمن غريب ثلث مرات و في نسخة بدل غريب [ص 362] عزيز و عن النبي صلي الله عليه و آله لايفقه الرجل كل الفقه حتي يري الناس في جنب الله تعالي امثال الاباعر ثم يرجع الي نفسه فيكون هو احقر حاقر اليها يا باذر لاتصيب حقيقة الايمان حتي تري الناس كلهم حمقي في دينهم عقلاء في دنياهم فاذا كان هذا حال الناس فمن مال اليهم فهو منهم قال الله عز و جل و من يتولهم منكم فانه منهم و من استوحش منهم و استوحشوا منه دل علي ان الرجل هو انسان لان الناس بهائم قطعا و البهيمة تنفر عن الانسان و الانسان ينفر من البهيمة لعدم المجانسة .
فصل - اعلم ان الازل جل جلاله هو الاحد اي الفعلية المحضة بلا نهاية فهو وجود صرف و لاجل ذلك وجب وجوده و امتنع عدمه فلو لميمتنع عدمه امكن و اذا امكن عدمه امكن وجوده فاذا امكنا امكن تعقل وجوده و عدمه و العقل لايتعقل ما ليس بموجود و لو امكانا فامكان عدمه موجود في الخارج و امكان العدم هو امكان الوجود فاذا كان ممكنا مسبوقا بالامكان فكان مركبا من فعلية و قوة لا فعلية محضة و كان كساير الخلق فما سواه ممكن مسبوق بامكانه و امكانه صلوح وجوده و قوة وجوده و هو في الامكان معدوم عدم الكوز في الطين و الحروف في المداد و ليس فيه تميز بين زيد و عمرو نبي و شيطان و انسان و حيوان و نبات و جماد ابدا فهو اي الامكان امر وحداني متشاكل الاجزاء و هو صلوح ما برز منه فاذا ما فيه لايخرج بنفسه الي عرصة الفعلية و ليس شيء من قواه اولي بالخروج من شيء آخر و نسبة الكل الي الفعلية علي حد سواء فلولا مرجح خارجي فعلي لميخرج شيء منه الي عرصة الفعلية ابدا ابدا و لا بد و ان يكون المرجح الخارجي موجودا بالفعل فلو كان هو ايضا بالقوة لكان عدما و المعدوم غير المميز لايوجد ما سواه من المعدومات و هذا هو شرح ما روي في [ص 363] الاستدلال علي الصانع انك ماكونت نفسك و لاكونك من هو مثلك اي انك حين لمتكن ماكونت نفسك و لمتخرج نفسك من عرصة القوة الي الفعلية و لاكونك من كان معدوما و بالقوة مثلك فلا بد في اخراجك من القوة من موجود بالفعل و هذا اوضح الادلة علي اثبات الصانع الموجود قبل وجود مصنوعه و ابينها لايقدر احد علي جحوده فهذا شان كل معدوم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الموجد المخرج للشيء من العدم الي الوجود يجب ان يكون فاضلا في جهة ما يريد ان يوجده فلو كان ناقصا في تلك الجهة او تاما غير كامل فاضل لميقدر علي ايجاد المعدوم و ذلك ان الموجودات علي ثلثة اقسام قسم منها موجود في ساير الجهات غير ان الجهة المقصودة بعد في قوته لمتخرج الي عرصة الفعلية كالخشب الموجود و النار فيه بالقوة يمكن ان تخرج الي عرصة الفعلية فهذا الخشب لايمكنه الاضاءة و الانارة و لايقدر علي اخراج منير من العدم الي الوجود بالبداهة فلايصلح للصناعة و قسم منها موجود و فيه الجهة المقصودة بالفعل و لكنها ضعيفة و ليس له فضل و كمال و نشر في غير حدها لضعف سر الاحدية فيه في تلك الجهة كالجمرة فذلك ايضا عاجز عن التصرف في الغير و تكميل الغير البتة و قسم منها لطيفته اي سر الاحدية فيه فاضلة في تلك الجهة فتكون موجودة في ذاتها و لها احدية تظهر بها في غير حدها الذاتي ايضا و هو حد الكمال الثاني و الوجود الثاني و تمثل العالي و توصيفه نفسه لغيره كالشعلة و ذلك ان الاحد هو ما لايقف علي حد فان كان حقيقيا فلايقف فيما لايتناهي بما لايتناهي و ان كان اضافيا فعلي حسبه فالماء لايقف في امواجه و المداد في حروفه و هكذا بالجملة الجهة الفاضلة هي ما فيه سر الاحدية الصانعية بالفعل و الجهة التامة هي ما فيه سر الصنع بالفعل [ص 364] و الجهة الناقصة ما فيه سر المصنوع بالفعل فالموجود بالفعل الصانع للشيء المخرج له من العدم الي الوجود يجب ان يكون في تلك الجهة المقصودة موجودا فاضلا احديا ذا صنع و فعل و تأثير و مثال ينتشر و ينبسط علي القوابل و يقع علي امكانها و يغوص في اعماقها حتي يصل الي اجزائه المستعدة فيقوي ما فيها من جنسه ضعيفا و يضعف ما فيها من ضده شيئا بعد شيء و ذلك ان هذا الامكان ليس بامر احدي بسيط و انما هو مركب من الطبايع العامة الشايعة بحسب مقامه و لا بد فيه من اختلاف الاجزاء اللهم الا الامكان الاول الراجح فليس فيه اختلاف اجزاء الا انه بكله كان صالحا لقبول الوجود الراجح فصار كما هو و اما ساير الامكانات فهي علي حسب اختلافها مختلفة الاجزاء متفاوتة القابلية لزيادة الكثرة فيها حتي ان منها التراب المشهود في اختلاف اجزائه بالجملة لما وقع مثال الفاضل الكامل علي ارض قابلية الامكان تربي و تكمل اشد اجزائها استعدادا و غلب عليه شكل ذلك المثال و طبعه و صفته و صبغه فخرج الي عرصة الفعلية شيء كذلك الموجود الصانع بزيادة ما حمله من اصباغ تلك الارض و شكلها ان كانت و ان كانت بيضاء نقية فيخرج كذلك الموجود الصانع كما اذا اخذت مرآة صافية بقرب الشعلة بقي شيء و هو انه لا بد و ان يكون فضل الصانع من عرصة الامكان و مصاقعه حتي يمكن للامكان الانفعال منه و يمكن له الفعل فيه بلا واسطة و الا لميقع التكميل و التكمل البتة و لميوجد بفضل الصانع الاول شيء و بقي ايضا شيء آخر و هو انه ان كان الامكان بعيد الاستعداد و القبول يحتاج اولا الي التمكين و التقريب ليستعد نحو القبول من فضل الفاضل و ذلك ممكن باجزاء منفعلة و وجودات مستخرجة متكملة فهي انسب الاشياء بها و اصواتها اجهر بالنسبة الي آذان [ص 365] تلك الاجزاء و انوارها اظهر بالنسبة الي اعينها فيجب اولا اقترانها بها لتقريب البعيد و تليين الشديد و تخفيف الثقيل و التهبئة و الترقيق و الحل و التصفية حتي يقبل الاثر من الفاضل كما ينبغي ألاتري انك لو مكنت النحاس و اعددته بتليين صلابته و ازالة اوساخه و ظله و تبييضه و ازالة رايحته و نتانته ثم القيت عليه اكسير البياض انفعل و قبل اكثر و احسن حتي ان النحاس غير المنقي لايكاد يقبل و ان قبل لايكاد ان يكون فضة تامة و ان كان قبل عشر منه من الواحد مثلا و اما المنقي فلعله يقبل المائة منه من الواحد لاستعداده و قربه من المؤثر فتلك التنقية ليست بالاكسير و انما هي بمعدات خارجية و املاح و صوابين غاسلة داخلة خارجة و دخولها بتشاكلها و تجانسها البتة و خروجها ببينونتها البتة و انما الصانع الكامل لايكون قبل ان يمكن لان الامكان لايكون بالفتح قبل ان يمكن لبعد المناسبة و لو عرفت هذه الكلمات العجيبة الغريبة عرفت ان الوجودات و الفعليات الشرعية و الاخلاق الزكية و الصور المستقيمة الحسنة الكامنة في وجود الاناسي الكونية الذين هم امكان الصور الشرعية لاتخرج الي عرصة الفعلية من غير مؤثر خارجي و ذات اولئك الاناسي هي بنفسها الامكان المتساوي فلاتقدر ان تخرج من انفسها شيئا من تلك الوجودات المتساوية و لا بد لها من كامل فاضل في تلك الجهات خارجي و هو وجود النبي و الحجة المعصوم من عند الله جل جلاله و لا بد بينهم و بين شيعتهم الضعفاء من ممكنين معدين مقربين من التأثر و هم الكمل من شيعتهم فهم القري الظاهرة الواقعة المجعولة بينهم و بين القري التي بارك الله فيها و صارت قري لانها بصفاء قابليتها صارت قري كما ان المباركات قري ثم قدر الله فيها السير للتمكن و الاستعداد و التقرب فلا بد و ان يسيروا [ص 366] فيها ليالي و اياما آمنين و سيرهم هذا هو رياضتهم و عبادتهم و اشد اعمالهم و اكملها كيف لا و قد عرفت في ما سبق ان من خرج من بيته ليلتمس بابا من العلم لينتفع به و يعلمه غيره كتب الله له بكل خطوة عبادة الف سنة صيامها و قيامها و انزله الله منزلة سبعين صديقا و كان خيرا له من ان يكون له الدنيا كلها فجعلها في الآخرة و اعطاه الله بكل حرف مدينة في الجنة و له بكل قدم ثواب شهيد من شهداء بدر و كتب له بكل شعرة علي جسده حجة و ذلك في مسئلة واحدة و ان تعلم بابا من العلم كان افضل من ان يصلي الف ركعة تطوعا فبالبداهة السير في القري الظاهرة افضل العبادات و اعظم المجاهدات فان ذلك تكمل بكامل و ساير الحركات حركة الناقص في نقصانه و هي لاتنفع الا بعلم ففي الحقيقة جميع تلك المثوبات تمثيل و لا نسبة بين طلب العلم و العبادة ابدا فطلب العلم ساعة واحدة بل خطوة واحدة في طلب العلم افضل من ان تعمر عمر الدنيا و تصلي ليله و تصوم نهاره و لاتنطق الا بقراءة القرآن فاني و اني و ذلك انه لميجر عادة الله في تكمل ناقص من ذات نفسه و حدوث اثر من غير مؤثر و المؤثر هو صاحب الشرع و الامر و الحكم و لا بد من تمكين القوابل بكملي شيعتهم و بالغي مواليهم المتبعين و بغير التمكين لايتعلق بهم التأثير البتة ألاتدري ان كل فاعل يجري فعله علي شكله و مثله فالنار تسخن و الثلج يبرد و هكذا فالناقص حال نقصانه افعاله ناقصة لانها اشباحه بل هي اضعف منه بسبعين مرة فكيف تصير هذه الافعال سبب ترقي الناقص و كيف تستخرج صورة الكمال بهذه الاسباب الناقصة من القوة الي الفعلية قل كل يعمل علي شاكلته هذا و افعال العباد كلها انفعاليات و الانفعالات الناقصة اما من قصور القابل او قصور الفاعل فان كان الفاعل قاصرا كيف يستخرج من امكان العبد صورة كمال بفاعل [ص 367] قاصر و ان كان القابل قاصرا فكيف يكمل من ذات نفسه ما لميكمله غيره فثبت احتياجه بفاعل مكمل خارجي و هو المطلوب هذا و ذلك من المجربات المشهودة لكل احد ان المجانس يتكمل بالمجانس الكامل و يتقوي مكنون قواه به حتي ان الشاة تطفر من النهر اذا رأت شاة اخري تطفر و تميل اين ما تميل مجانستها البتة و الانسان يكتسب الجود من معاشرة الجواد و البخل من معاشرة البخيل و اللؤم من معاشرة اللئيم و الشجاعة من معاشرة الشجاع و الجبن من معاشرة الجبان و ذلك بين ظاهر فكذلك الانسان يتكمل بمعاشرة الكامل و يكتسب الاخلاق الزكية بمعاشرة ذي الاخلاق الزكية و يكتسب العلم بمعاشرة العالم و الزهد بمعاشرة الزاهد و هكذا و هذا الاكتساب اعظم مما يستفيده الرجل من الامر و النهي ألاتري وعظ غير المتعظ ليس له موقع في قلوب الناس و اما وجود المتشرع و مداومته علي التشرع و رؤية الناس له تميلهم الي التشرع اعظم و اعظم و هذا معني قول الصادق عليه السلام كونوا دعاة الي انفسكم بغير السنتكم و قوله كونوا دعاة للناس بغير السنتكم ليروا منكم الورع و الاجتهاد و الصلوة و الخير فان ذلك داعية بالجملة المرء علي دين خليله و مكتسب من جليسه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام لاينبغي للمرء المسلم ان يؤاخي الفاجر فانه يزين له فعله و يحب ان يكون مثله و عن ابيالحسن عليه السلام قال قال عيسي بن مريم عليه السلام ان صاحب الشر يعدي و قرين السوء يردي فانظر من تقارن و عن النبي صلي الله عليه و آله ثلثة مجالستهم تميت القلب الجلوس مع الانذال و الحديث مع النساء و الجلوس مع الاغنياء و عن النبي صلي الله عليه و آله المرء علي دين خليله و قرينه و روي انه قال لقمن لابنه يا بني لاتقرب فيكون ابعد لك و لاتبعد فتهان كل دابة تحب مثلها و ان ابن آدم [ص 368] يحب مثله و لاتنشر بزك الا عند باغيه كما ليس بين الذئب و الكبش خلة كذلك ليس بين البار و الفاجر خلة من يقترب من الزفت يعلق به بعضه كذلك من يشارك الفاجر يتعلم من طرقه من يحب المراء يشتم و من يدخل مداخل السوء يتهم و من يقارن قرين السوء لايسلم و من لايملك لسانه يندم و عن ابيجعفر عليه السلام يا صالح اتبع من يبكيك و هو لك ناصح و لاتتبع من يضحكك و هو لك غاس و ستردون الي الله جميعا فتعلمون و عن علي عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله انظروا من تحادثون فانه ليس من احد ينزل به الموت الا مثل له اصحابه الي الله ان كانوا خيارا فخيار و ان كانوا شرارا فشرار و ليس احد يموت الا تمثلت له عند موته و روي انه قالت الحواريون لعيسي بن مريم عليهما السلام يا روح الله من نجالس قال جالسوا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله و روي انه سئل رسول الله صلي الله عليه و آله اي الجلساء خير قال من يذكركم الله رؤيته الخبر ، كما مر و عن الرضا عليه السلام من استفاد اخا في الله استفاد بيتا في الجنة و عن ابيعبدالله عليه السلام قال النبي صلي الله عليه و آله مااستفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الاسلام مثل اخ يستفيده في الله ثم قال ابوعبدالله عليه السلام لاتزهدوا في فقراء شيعتنا فان الفقير ليشفع يوم القيمة في مثل ربيعة و مضر ثم قال يا فضل انما سمي المؤمن مؤمنا لانه يؤمن علي الله فيجيز امانه ثم قال أماسمعت الله يقول في اعدائكم اذا رأوا شفاعة الرجل منكم لصديقه يوم القيمة فما لنا من شافعين و لا صديق حميم بالجملة المعاشرة مكسبة شديدة و مؤثرة عظيمة فهي مكملة للمرء و ممكنة لقابليته و بدونها لايكاد يتمكن قابليته للتأثر من العالي ابدا ألاتري ان الله سبحانه كيف اجري حكمته و خلق بين العرش و الكرسي الفاعلين [ص 369] و الارض المفعولة ممكنات و هي السموات المخلوقة من اشعة الكرسي فهي تعد الارض و تصلحها لان يتعلق نفس الكرسي و تصير انسانا و لولا تمكين السموات للارض لماناسبت اشعة الكرسي و انواره حتي تنفعل منها فهي اي السموات بمنزلة القري الظاهرة بين القري المباركة التي هي العرش و الكرسي و بين الارض التي هي مقام الضعفاء و كذلك جعل الله تعالي بين آلمحمد عليهم السلام الذين هم من اعالي الوجود و بين الشيعة الضعفاء علماء هم خزنة علومهم و مستودع اسرارهم و عرفاء بمراداتهم كما قال ابوجعفر عليه السلام نحن خزان الله في الدنيا و الآخرة و شيعتنا خزاننا انتهي ، فاولئك العلماء هم المجانسون مع الرعية الضعفاء الممكنون قابليتهم للاستفادة من آلمحمد عليهم السلام في زمان ظهورهم و غيابهم و لولا اولئك لمينتفع احد من آلمحمد عليهم السلام لبعد المشاكلة و المناسبة ألاتري ان صبيا اذا رأي كبيرا يصنع صنعة لايميل الي تلك الصنعة و لايحتمل في نفسه انه يقدر علي ذلك و لعله يري تلك من خواص الكبار اما اذا رأي صغيرا مثله يعمل عملا يميل اليه و يظن انه ايضا يقدر عليه و يكتسب منه فهكذا اذا رأت الضعفاء بعض الشيعة الذين هم في عرضهم علي صفة يظنون انهم قادرون عليها فيميلون الي العمل بها فاذا داوموا صاروا مثلهم و قاموا مقامهم و استعدوا لما يستعدون له و يتعلق بهم ما كان يتعلق بهم من الحجة فيودع فيهم ما كان يودع فيهم و انما مثل هؤلاء الضعفاء عند الاقوياء مثل الضوء من الضوء ألاتري ان الدهن مايع مركب من العناصر و النار فيه بالقوة اذ ليس فيه نار بينة فاذا قربته من جمرة او سراج طرح حرارته التي هي مثاله عليه اي علي الدهن فغاصت في اعماقه فلما كانت الحرارة مائلة الي الانبساط و الانتشار بطباعها و تعلقت بالدهن اذا غلبت [ص 370] مالت الي الانبساط ففرقت اجزاء الدهن و رققته و هبأته و جعلته قريبا من جسم النار في اللطافة فاستعد لما يستعد له جسم النار و قوت الحرارة ما فيه من الاجزاء النارية و احالت اجزاءه الي النار و جففت رطوباته المطفية للنار و سخنته بطرد البرودات حتي ظهر عليه النار و اشتعل و صار مثل السراج الاول و صار عرش استواء النار الغيبية كالسراج الاول و لولا مماسة هذه النار الظاهرة التي هي السراج الاول الذي هو القرية الظاهرة بين الادهان و بين القرية المباركة التي هي النار الغيبية لماناسب الدهن المرطوبي السيال المايع البارد النار الغيبية و لاحكاها و لادل عليها فالسراج الاول يمكن قابلية الدهن حتي يصير قابلا فيشتعل النار الغيبية فيه فكملوا الشيعة كثر الله امثالهم هم السرج الموقدة المشتعلة و جعلهم الله ممكنة قوابل الضعفاء حتي يطردوا عنهم الاعراض و يزيلوا عنهم الامراض و يصفوا قوابلهم عن الكدورات حتي يبلغوهم مبالغ انفسهم و يسووهم في الاستعداد بانفسهم فاذا صاروا مثلهم صاروا قابلين لما كان الكملون قابلين له فحكوا انوار الحجج و اشتعلوا باسمائهم و صفاتهم و انوارهم و قاموا مقامهم في الاداء لا فرق بينهم و بينهم الا انهم عبيدهم فهم سلام الله عليهم اذا تكلموا تكلموا عن انفسهم و هؤلاء اذا تكلموا رووا عن امامهم و حكوا عنه قال عليه السلام اعرفوا منازل شيعتنا بقدر روايتهم عنا فهم اي الشيعة علي درجات و مراتب علي حسب الرواية و الحكاية الناشئة من صفاء قوابلهم و كدورتها فافهم .
فصل - هنا شبهة عظيمة تعرض لمنتحلي الحكمة و العرفان غير المستكملين و هي ان الحجج عليهم السلام قد نزلوا الي مقام البشرية و الجسمانية فرآهم الناس كما يري بعضهم بعضا و عاشروهم كمعاشرة بعضهم بعضا فهم [ص 371] قد جانسوا ساير الرعية في البشرية و هم كاملون مكملون من كل جهة فمع وجودهم اي حاجة الي كامل من الشيعة و يمكن الاكتفاء بهم كما كان الناس يأخذون عن النبي و الائمة عليهم السلام في زمنهم من غير حاجة الي غيرهم و هذه شبهة عظيمة عرضت لهم لاجل عدم اخذ المسئلة عن اهلها فاقول و لا قوة الا بالله لا شك انهم سلام الله عليهم قد ماثلوا الرعية لقوله تعالي انا بشر مثلكم و المماثلة تتحقق في النوع و ليس المراد انا بشر مثل اشخاصكم لاستلزامه التضاد فان من الاشخاص ابيض و احمر و منهم صحيح و مريض و منهم سفيه و حليم و منهم عالم و جاهل و منهم ناقص و كامل و منهم عادل و فاجر فليس المراد المشابهة في الشخص و انما المراد المماثلة في نوع الانسان و المماثلة في النوع ليست توجب المشاكلة و التقارب في الشكل فهم لكونهم اول ما خلق الله و اشرف ما برأ الله في جميع العوالم اشرف من اهل ذلك العالم و الطف و اصفي و اكمل و اكبر و اجل و اقوي و انبل من جميع افراد البشر بحيث لايفوقهم فائق و لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراكهم طامع ففي حديث طارق بن شهاب عن اميرالمؤمنين عليه السلام الامام المطهر من الذنوب المطلع علي الغيوب الامام هو الشمس الطالعة علي العباد بالانوار فلاتناله الايدي و الابصار ، الي ان قال فهم رأس دايرة الايمان و قطب الوجود و سماء الجود و شرف الموجود ، الي ان قال مطهر من الذنوب مبرؤ من العيوب مطلع علي الغيوب ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك واحد دهره و خليفة الله في نهيه و امره لايوجد له مثيل و لايقوم له بديل فمن ذا ينال معرفتنا او يعرف درجتنا او يشهد كرامتنا او يدرك منزلتنا حارت الالباب و العقول و تاهت الافهام فيما اقول تصاغرت العظماء و تقاصرت العلماء و كلت الشعراء [ص 372] و خرست البلغاء و لكنت الخطباء و عجزت الفصحاء و تواضعت الارض و السماء عن وصف شأن الاولياء و هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض و السماء جل مقام آلمحمد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و ان يقاس بهم احد من العالمين ، الي ان قال و الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي فهو ملكي الذات الهي الصفات زايد الحسنات عالم بالمغيبات ، الي ان قال فهم سر الله المخزون و اولياؤه المقربون و امره بين الكاف و النون ، الي ان قال فهم الكواكب العلوية و الانوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية في سماء العظمة المحمدية و الاغصان النبوية النابتة في الدوحة الاحمدية و الاسرار الالهية المودعة في الهياكل البشرية و في حديث عبدالعزيز عن الرضا عليه السلام الامام كالشمس الطالعة للعالم و هي في الافق بحيث لاتناله الايدي و الابصار ، الي ان قال الامام واحد دهره لايدانيه احد و لايعادله عالم و لايوجد منه بدل و لا له مثل و لا نظير ، الي ان قال فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام و يمكنه اختياره هيهات هيهات ضلت العقول و تاهت الحلوم و حارت الالباب و حسرت العيون و تصاغرت العظماء و تحيرت الحكماء و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء و جهلت الالباء و كلت الشعراء و عجزت الادباء و عييت البلغاء عن وصف شان من شانه او فضيلة من فضائله فاقرت بالعجز و التقصير و كيف يوصف او ينعت بكنهه او يفهم شيء من امره او يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه لا كيف و اني و هو بحيث النجم من ايدي المتناولين و وصف الواصفين ، الي غير ذلك من الاخبار المتواترة الدالة علي ارتفاع مقامهم عن وصف الواصفين و نعت الناعتين [ص 373] و ادراك المدركين فهم و ان كانوا في الهياكل البشرية الا انهم اسرار ربانية و مثلهم في البشرية العرش في الجسمانية فما يغني كون العرش جسما المخلوقين من التراب و اين التراب و رب الارباب و اني يناله ايديهم او يدركه اعينهم او يمكنهم الانتفاع منه فالامام و ان كان بشرا الا انه في اعلي درجات البشرية و ارفع مقامات الانسانية و لا مناسبة بينه و بين ساير الرعية ممن لايليهم في المقام و اي عجب في ما قلنا و من البين ان رجلا من السوقة لايناسب العالم النحرير الفاضل و الولي الزاهد الكامل و لايستأنس به و لاينتفع من صحبته و لايقدر علي الصبر معه و المماشاة معه يوما واحدا فكيف يناسب ساير الناس الامام الذي هو في اعلي مقامات الكمال و هو اول ما خلق الله في كل رتبة و اوضح من ذلك ان الصبي يستأنس بالصبي و لايكاد يقدر ان يجالس والديه فضلا عن غيرهما و لو حبساه معهما لخمل و صار مكروبا مغموما حزينا حصيرا و يمنع نماه و نضارته البتة كل ذلك انه لايطيق حرارة تأديب الوالدين و ادبهما و لا بد له من ان يلاعب اقرانه حتي يعيش فرحا ناضرا و كذلك الرجل الداني لايقدر ان يماشي الكامل فانه يحترق من نار ادبه و زهده و يفسد و يستولي عليه الجنون و المرة و لا بد له من ان يجالس اقرانه و يحاكي امثاله حتي ينمو و يعيش و اصل سر ذلك ان البني مركبة في هذا العالم من اصول و فضول و لا بد في بقائها من الامداد لكل منهما فلو مشي الانسان بالكلية بمقتضي الفضول فسد مزاجه و بنيته و بطل اصوله بالكلية و هو خلاف الحكمة و لو مشي بمقتضي الاصول بالكلية و فيه الفضول لاضمحل و تلاشي و فسد و لا بد من الامداد لكل من الاصول و الفضول اولا حتي انه لو كان فضوله اكثر من اصوله لا بد من تكثير امداد الفضول و تقليل امداد الاصول اولا ثم التدرج [ص 374] في تقليل الفضول و تكثير الاصول شيئا بعد شيء حتي لايحس بنيته بذلك و يتعود لترك الفضول و الاخذ بالاصول و لاجل ذلك يترك الطفل الذي فضوله اكثر من اصوله حتي يلعب بمقتضي فضوله سبع سنين ثم يؤخذ بالتاديب قليلا قليلا حتي يقل فضوله و يكثر اصوله ألاتري ان الزجاجة الساخنة اذا القيت في الماء البارد انكسرت و اما اذا بردتها شيئا بعد شيء تعودت ثم اذا القيتها في الثلج ماانكسرت البتة و الطالع من الحمام الحار اذا اصاب بدنه ريح بارد استحصف بدنه و اما اذا تعود شيئا بعد شيء و لاقي البرد بالتدريج ماتضرر و مشي في الثلج و كذلك لايمكن دفع الفضول من البني مرة واحدة و اما اذا كان بالتدريج يمكن دفعها بحيث يعيش سالما و كذلك بني هذا الناس فيها فضول كثيرة فلو عاشرت الكامل الذي لايمد الا الاصول لهلك في اسرع وقت و لو امد الكامل الفضول لكان نقصا فيه و ذلك كأب ركض مع الطفل و لعب بالتراب و الدوارات و اللعب فذلك نقص في الانسان العاقل و يعد من المجانين فلو بني الكامل علي ان يمد فضول الناس لزمه مداهنات و ارتكابات للمكروهات و المعاصي و رخص منكرة و ذلك نقص في حقه و ان اخذ الناقص علي مر الحق لميطق و فسد مزاجه و تلاشي بنيته فلاجل ذلك لايسع الناقص ان يماشي و يسالك الكامل ابدا فلا بد و ان يكون بين الخصيصين و العوام وسائط يتدرجون في السلوك معهم حتي يترقوا شيئا بعد شيء و انت لو ادركت ما ذكرت من مر الحكمة لعرفت سر سكوت الاوصياء سلام الله عليهم و غلبة دولة الباطل فان بنية العالم لاتطيق حكمهم و شمس تأديبهم و لا بد من عروض هذا الغيم المتراكم و حيلولته بينهم و بينها حتي يشرق نورها عليهم من وراء حجاب شيئا بعد شيء و ترقق الحجاب و تكشط النقاب حتي تطيقوا رؤية شمس وجودهم سلام الله عليهم [ص 375] حتي انه لو لميغصب خلافتهم و لميغلب دولة الباطل لدل علي بطلان الحكمة و بطلان امر الاوصياء نعوذ بالله و هذا الغصب و غلبة الباطل هو الدليل علي اشتداد نور هدايتهم و علو مقام آلمحمد عليهم السلام و كمال حقيتهم و غاية حكمتهم سلام الله عليهم فاذا لا بد و ان يكون بين الناقصين و بينهم وسائط عديدة و ذلك ما ابانه الله عز و جل في كتابه و قال و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قد علمت ما روي في تفسيرها ان القري المباركة هم سلام الله عليهم و القري الظاهرة حملة علومهم و يقول الجبار جل جلاله و قدرنا فيها السير فذلك هو مقتضي التقدير علي نهج الحكمة و الصواب و تقديم الجار يفيد الحصر يعني لايمكن السير في القري المباركة و انما المقدر السير فيها خاصة ثم امر علي مقتضي الحكمة و التقدير سيروا فيها و حكم فلايجوز التخلف عنه بل اقول ان القري الظاهرة متعددة و هي ست قري قرية النجباء الجزئيين و النقباء الجزئيين و النجباء الكليين و النقباء الكليين و قرية الاركان و دون اولئك جميعا العلماء الظاهريون ثم الاخوان من ساير المؤمنين و لايقدر الناقص في اول سيره علي السير في القرية العلياء ما لميقطع الدنيا و لميدخل فيها و لميصر من اهلها و من البين ان فضول كل قرية دنيا و اعراضها اكثر من العلياء و امداده للفضول و الاعراض اكثر فالناقص ذو الفضول يمكنه اول مرة ان يسير في الدنيا حتي يقل فضوله و يساويها في الدرجة فاذا ساواها اطاق السير في سابقها فيسير حتي يقل فضوله و يغلب اصوله حتي يساويها و غاية قوة كل قرية ان يكمل الناقص حتي يجعله مثله لا ازيد فلو سايره الناقص صار مثله و بلغ مقامه ثم يسايران معا في القرية العلياء و هكذا و ذلك تقدير العزيز الحكيم في كل شيء فكيف [ص 376] يقدر الامة الناقصة ان تنتفع من النبي الكامل اول وهلة نعم يمكنها المجالسة الظاهرة و المكالمة الظاهرة و من الذي بلغ الكمال منهم الا الاقلين و قد جالسهم و كالمهم و حدثهم و علمهم ثلثا و عشرين سنة فبمحض ان غمض عينه ارتدوا علي اعقابهم الا اربعة منهم او ثلثة و قد كان امر ادناهم بالسير في اعلاهم و كذلك ترقي من ترقي و ليس الامر بمحض الرؤية العرضية و استماع كلام النبي و الجلوس معه و انما الامر بالتقارب الباطني فلرب مجوسي كان يجلس مع النبي و سلمان في ابعد مكان منه فما ظنك باقربهم منه هل هو المجوسي او سلمان و كذلك يسمع ذلك المجوسي حديثه و يحمله الي سلمان فايهما كان افقه بمعني كلامه و عناية النبي بايهما اشد و تربيته لايهما اقوي و لذلك قال رب حامل فقه و ليس بفقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه أليس اذا وضعت آجرة بقرب السراج و مرآة بالبعد منه كانت المرآة اقرب منها فلا عبرة بهذه العشرة الظاهرية و ليس المراد بالترقي و التكمل الاسلام الظاهري و اخذ الحديث و من الذي تكمل في عصرهم الا من اتي البيوت من ابوابها و سار بمقتضي التقدير الحكمي الالهي أليس قد روي في الكافي ليس كل من يقول بولايتنا مؤمنا و انما جعلوا انسا للمؤمنين ، و لو كان الترقي بذلك لماكان المؤمن اقل من الكبريت الاحمر فالمؤمن في كل عصر عزيز واحد بعد واحد و هو الذي ترقي في درجات الكمال علي حسب تقدير العزيز الحكيم و سار في القري المقدر السير فيها و اتي البيوت من ابوابها و ان قلت فلم لميفسد بني معاشري آلمحمد عليهم السلام من قوة حرارتهم قلت من سار فيهم و من عاشرهم و انما كانوا يعاشرون ظاهرا و بالعرض و اذا خرجوا من عنده ذهبوا الي قرنائهم و امثالهم و سايروهم و سكنوا اليهم و متي عزم عامة الناس علي الترقي [ص 377] و السير و انما اسلم الناس بلسانهم ثم ذهبوا الي مكاسبهم و يعملون بعض الاعمال الشرعية بابدانهم و قلوبهم هواء نعم هذا القسم من المعاشرة لايضر اذا عاشر الانسان و لكن كذلك لاينفع كل النفع الا ان يأتي بالشروط ففي الكافي عن سلام بن المستنير قال كنت عند ابيجعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن اعين و سأله عن اشياء فلما هم حمران بالقيام قال لابيجعفر عليه السلام اخبرك اطال الله بقاك لنا و امتعنا بك انا نأتيك فمانخرج من عندك حتي ترق قلوبنا و تسلو انفسنا عن الدنيا و يهون علينا ما في ايدي الناس من هذه الاموال ثم نخرج من عندك فاذا صرنا مع الناس و التجار احببنا الدنيا قال فقال ابوجعفر عليه السلام انما هي القلوب مرة تصعب و مرة تسهل ثم قال ابوجعفر عليه السلام اما ان اصحاب محمد صلي الله عليه و آله قالوا يا رسول الله نخاف علينا النفاق قال فقال لهم و لم تخافون ذلك قالوا اذا كنا عندك فذكرتنا و رغبتنا وجلنا و نسينا الدنيا و زهدنا حتي كأنا نعاين الآخرة و الجنة و النار و نحن عندك فاذا خرجنا من عندك و دخلنا هذه البيوت و شممنا الاولاد و رأينا العيال و الاهل يكاد ان نحول عن الحالة التي كنا عليها عندك و حتي كأنا لمنكن علي شيء أفتخاف علينا ان يكون ذلك نفاقا فقال لهم رسول الله صلي الله عليه و آله كلا ان هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا والله لو تدومون علي الحال التي وصفتم انفسكم بها لصافحتكم الملئكة و مشيتم علي الماء و لولا انكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتي يذنبوا ثم يستغفروا الله فيغفر الله لهم ان المؤمن مفتن تواب أماسمعت قول الله عز و جل ان الله يحب التوابين و يحب المتطهرين و قال استغفروا ربكم ثم توبوا اليه انتهي ، فكذلك كانوا يعاشرون الحجج ثم اذا رجعوا الي اشكالهم يعودون الي [ص 378] ما كانوا اليه و يستمدون لفضولهم و اما الذين كانوا يدخلون البيوت من ابوابها و يسيرون في السبيل اي القري الوسائط علي نظم التقدير فلميك يتفاوت لهم القرب الظاهري و البعد الظاهري و اينما كانوا هم الاقربون فعن مهزم الاسدي قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا مهزم شيعتنا من لايعدو صوته سمعه و لا شحناه يديه و لايمتدح بنا معلنا و لايجالس لنا عائبا و لايخاصم لنا قاليا ان لقي مؤمنا اكرمه و ان لقي جاهلا هجره قلت جعلت فداك فكيف اصنع بهؤلاء المتشيعة فقال فيهم التمييز و فيهم التبديل و فيهم التمحيص تأتي عليهم سنون تفنيهم و طاعون يقتلهم و اختلاف يبددهم شيعتنا من لايهر هرير الكلب و لايطمع طمع الغراب و لايسأل عدونا و ان مات جوعا قلت جعلت فداك فاين اطلب هؤلاء قال في اطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم المنتقلة ديارهم ان شهدوا لميعرفوا و ان غابوا لميفقدوا و من الموت لايجزعون و في القبور يتزاورون و ان لجأ اليهم ذو حاجة منهم رحموه لنيختلف قلوبهم و ان اختلف بهم الدار ثم قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي الباب و كذب من زعم انه يدخل المدينة لا من قبل الباب و كذب من زعم انه يحبني و يبغض عليا و عن ابيعبدالله عليه السلام المؤمنة اعز من المؤمن و المؤمن اعز من الكبريت الاحمر فمن رأي منكم الكبريت الاحمر و عن ابيجعفر عليه السلام الناس كلهم بهائم ثلثا الا قليل من المؤمنين و المؤمن غريب ثلث مرات و قال ابوعبدالله عليه السلام لابيبصير اما والله لو اني اجد منكم ثلثة مؤمنين يكتمون حديثي مااستحللت ان اكتمهم حديثا و عن سدير الصيرفي قال دخلت علي ابيعبدالله عليه السلام فقلت له والله مايسعك القعود فقال و لم يا سدير قلت لكثرة مواليك و شيعتك و انصارك والله لو كان لامير المؤمنين ما لك من الشيعة و الانصار [ص 379] و الموالي ماطمع فيه تيم و لا عدي فقال يا سدير و كم عسي ان يكونوا قلت مائةالف قال مائةالف قلت نعم و مائتيالف فقال و مائتيالف قلت نعم و نصف الدنيا قال فسكت عني ثم قال يخف عليك ان تبلغ معنا الي ينبع قلت نعم فامر بحمار و بغل ان يسرجا فبادرت فركبت الحمار فقال يا سدير تري ان تؤثرني بالحمار قلت البغل ازين و انبل قال الحمار ارفق بي فنزلت فركب الحمار و ركبت البغل فمضينا فحانت الصلاة فقال يا سدير انزل بنا نصلي ثم قال هذه ارض سبخة لايجوز الصلوة فيها فسرنا حتي صرنا الي ارض حمراء و نظر الي غلام يرعي جداء فقال عليه السلام والله يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذا الجداء ماوسعني القعود و نزلنا و صلينا فلما فرغنا من الصلوة عطفت الي الجداء فعددتها فاذا هي سبعةعشر و عن سماعة بن مهران قال لي عبدصالح يا سماعة امنوا علي فرشهم و اخافوني اما والله لقد كانت الدنيا و ما فيها الا واحد يعبد الله و لو كان معه غيره لاضافه الله عز و جل اليه حيث يقول ان ابرهيم كان امة قانتا لله حنيفا و لميك من المشركين فغبر بذلك ما شاء الله ثم ان الله آنسه باسمعيل و اسحق فصاروا ثلثة اما والله ان المؤمن لقليل و ان اهل الكفر لكثير أتدري لم ذاك فقلت لاادري جعلت فداك فقال صيروا انسا للمؤمنين يبثون اليهم ما في صدورهم فيستريحون الي ذلك و يسكنون اليه و عن حمران بن اعين قال قلت لابيجعفر عليه السلام جعلت فداك ما اقلنا لو اجتمعنا علي شاة ماافنيناها فقال ألااحدثك باعجب من ذلك المهاجرون و الانصار ذهبوا الا و اشار بيده ثلثة قال حمران فقلت جعلت فداك ما حال عمار قال رحم الله عمار ابااليقظان بايع و قتل شهيدا فقلت في نفسي ما شيء افضل من الشهادة فنظر الي فقال لعلك تري انه مثل الثلثة ايهات ايهات و عن علي بن جعفر قال سمعت اباالحسن [ص 380] عليه السلام يقول ليس كل من يقول بولايتنا مؤمنا و لكن جعلوا انسا للمؤمنين ، الي غير ذلك من الاخبار فتبين ان المؤمنين السايرين في سبيل الله علي منهاج آلمحمد عليهم السلام في كل عصر قليلون و ان اغلب الناس عن الصراط لناكبون قال الله تعالي و ما اكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين و قال و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و قال اكثرهم لايعقلون ، اكثرهم لايعلمون ، و قليل من عبادي الشكور ، و قليل ما هم الي غير ذلك من الآيات الساطعة المنار فتبين ان رؤية المعصوم ماتغني عنهم ما لميسلكوا علي منهاج المعصوم و هم قد جعلوا لبيوت علومهم ابوابا فمن اراد البيوت فليأتها من ابوابها و هم الذين قدر الله السير فيهم و اوجب الاخذ عنهم و قد عرفت ان لهم ايضا درجات و ليس للناقصين مناسبة لاعاليهم حتي يسيروا في الادنين قرية بعد قرية فلا بد للسالك من الابتداء بقرية تليه فيسير فيها باخذ العلم و العمل و التكمل بالمعاشرة معها و الملازمة لخدمتها حتي يساويها ثم يسيران معا او يسير وحده في التي تليه و هكذا علي الترتيب الطبيعي و ذلك امر محتوم و حكم معلوم فمن تخلف عنه لميجر عادة الله بكماله فهو خارق للعادة و ليس بامانيكم و لا اماني اهل الكتاب من يعمل سوء يجز به و لاجل ذلك قلنا انه يحتاج مع وجود شيخ هاد الي رفيق في عرضه حتي يسايره و لايحترق بحرارة الاستاد و ان كان مقارنا فان الاستاد كامل تلك الرتبة و هو ناقصها فلايطيقه كما ينبغي نعم يساير رفيقه في آناء الليل و النهار و يردون الي الاستاد كلما اشكل عليهم و يستهدونه اذا ضلوا و يسألونه اذا جهلوا و لكن السير معه فلا فانهما لايطيقانه و يفسد بنيتاهما و هذا ما اردنا الاشارة اليه هنا .