فصل - و منها ان تتفكر في جلائل نعم الله سبحانه و عطاياه و مراقبته و تربيته و بوادئ احسانه من غير استحقاق منك فانشأ خلقك و لمتك شيئا [ص 299] مذكورا فخلقك نطفة و جعلك في قرار مكين ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما ثم انشأك خلقا آخر و نفخ فيك الروح و صورك و سويك في تلك الظلمات الثلث من لحم و جلد و دم ثم غذاك في ذلك المحل الذي لمتصله الايدي و في ذلك الوقت الذي لمتقدر علي معالجة و تدبير و كسب ثم اخرجك الي الدنيا تام الاعضاء سويا و قد هيأ لك جميع ما ينبغي لك و تحتاج اليه و علق لك مزادتان من لبن مريء و عطف عليك قلوب الحواضن و كفلك الامهات الرحائم و كلأك من طوارق الجان و سلمك من الزيادة و النقصان و عالج امراضك و لمتقدر علي الشكوي عنها و لا الافصاح بها حتي علمك النطق و اتم عليك النعمة و رباك في غاية الشفقة و الرحمة حتي اذا بلغت و تكمل فطرتك و اعتدل سريرتك الهمك معرفته و فهمك ما جاءت به رسله و عرفك الصلاح و الفساد و الخير و الشر و ما ينتظم عليه امرك و ما يصلح به امر دنياك و آخرتك ثم رزقك من انواع المعاش و صنوف الرياش و حفظك في آناء الليل و النهار من شر السامة و الهامة و اللامه و العامة و الخاصة و اعزك علي حسب رتبتك كلما افقرت جبر كسرك و كلما ركبك الدين ادي دينك و كلما مرضت عالج مرضك و كلما صرعت نعش صرعتك و كلما ضاق بك فسح عليك و هكذا لمتخل في آن من الآنات من نعمه و احسانه بل لو تفكرت رأيت في سوابغ نعمه عليك بالسماوات و الارضين و الشمس و القمر و النجوم و الليل و النهار و الجبال و البحار و الوهاد و التلال و جميع صنوف النبات و الحيوان و جميع افراد الانسان رأيت كلها نعمة عليك و شرطا في حيوتك و تري نفسك منغمسة في بحر نعمائه و آلائه كيف لا و وجودك من جوده و تري انه لو قطع نظره عنك طرفة عين لعدمت و كيف وكل بك [ص 300] اسباب السماوات و الارض و الملئكة و ساير الخلق حتي تعيش كل ذلك رحمة منه و جودا و لايأتي يوم جديد الا و يأتي منه نعمة جديدة سابغة هنيئة و ما من ليل الا و يصعد منك اليه كفران نعمة و معصية و اعراض فيعفو عن جميع ذلك و لايخليك من نظر عنايته و لو عاملت امك مثل ما عاملته لمقتتك و تركتك و خذلتك و تبرأت منك و هو جل و عز لاطفك و ستر عليك و سامحك و انعم عليك كأنك لمتعصه و لمتخالفه طرفة عين فما اعظم نعمه عندك و ما اكثر حقه عليك فتتفكر في هذه و امثالها فيغلب عليك الخضوع و الحيا و تتفطن ان جميع ما لك و بك و منك و اليك و فيك و جميع ما انت له و به و منه و اليه و فيه منه جل و عز و له و هو اولي به و تري انه يجب عليك شكره و صرفه في سبيله جل و عز و في رضاه و في طاعته فتحمد الله سبحانه عليه و تثني عليه و يعظم عندك مننه و آلاؤه فاذا اتيت انت بهذين الفكرين فقد حزت خير الدنيا و الآخرة و اتيت بما عليك و بما فيه رضاه سبحانه لما روي عن ابيجعفر عليه السلام قال لا والله مااراد الله من الناس الا خصلتين ان يقروا له بالنعم فيزيدهم و بالذنوب فيغفرها لهم و قال عليه السلام والله ماينجو من الذنب الا من اقر به و قال عليه السلام كفي بالندم توبة و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة قيل يدخله الله بالذنب الجنة قال نعم انه يذنب الذنب فلايزال منه خائفا ماقتا لنفسه فيرحمه الله فيدخله الجنة و قال عليه السلام والله ماخرج عبد من ذنب باصرار و ماخرج عبد من ذنب الا باقرار و قال عليه السلام من اذنب ذنبا فعلم ان الله مطلع عليه ان شاء عذبه و ان شاء غفر له غفر له و ان لميستغفر و عنه عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الندم علي الشر يدعو الي تركه و عنه عليه السلام ما من عبد اذنب [ص 301] ذنبا فندم عليه الا غفر الله له قبل ان يستغفر و ما من عبد انعم الله عليه نعمة فعرف انها من عند الله الا غفر الله له قبل ان يحمده و عنه عليه السلام ان العبد اذا اذنب ذنبا اجل من غدوة الي الليل فان استغفر الله لميكتب عليه و عنه عليه السلام من عمل سيئة اجل فيها سبع ساعات من النهار فان قال استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم ثلث مرات لمتكتب عليه ، الي غير ذلك من الاخبار و قد مر في الذكر اللساني ما فيه كفاية و بلاغ .
فصل - و منها ان تقعد في زاوية و تتفكر انك الي متي و حتي متي مستسلم للنقصان و تسفل المقام و لاتترقي الي الدرجات العلي و لاتستبق الاقران في خدمة المولي و ان الاجل ياتي بغتة و العمر قصير و الطريق طويل و الزاد قليل و لا بد من السعي في الترقي و التقدم الي الله جل و عز فتتفكر في معوقاتك عن التقدم و السير الي الله سبحانه فتجهد في تبعيدها عن نفسك فان وجدتها كثرة الاكل فقلل او كثرة الشرب فقصر او كثرة النوم فاتركها او بعض الاشغال التي لا طائل تحتها فاتركها او بعض العلايق التي هي غير لازمة فتنح عنها و هكذا و لكن قد ياتي الشيطان و يقول ان زوجتك معوقة لك فذرها كالمعلقة و عيالك مانع عن السلوك فضيعه و هكذا و يريد ان يوقعك في معاص اخر و اعلم ان الشيطان علي كل مرصد فاياك و اياه و اعلم ان الميزان لك ما سنه الله و رسوله فما سنه رسول الله هو بنفسه عبادة يجب عليك الاخلاص فيه و التقرب الي الله به و انك لمتؤت من حيث السنة و انما اوتيت من حيث ما غيرتها عن حدودها فالضيافة مثلا عبادة و سنة و لاتمنعك عن طاعة الله و انما يعوقك حب تعدد الالوان و الاواني فلاتترك الضيافة و اترك الالوان و الاواني و علي هذه فقس ما سواها فانت تتفكر في جميع امورك و توازنها [ص 302] بالسنة فما وافقها فخذه و ما خالفها فاترك و لاتوازن بالله شيئا فلا والله لايعادله ملك الدنيا و الآخرة و لا بد للانسان من هذا الفكر فان احدا من اهل الصنايع و الحرف ما لميتفكر في امره و ما يحسنه و يفسده لايحسنه البتة حتي ان البناء اذا امسي تفكر في ما يبنيه غدا و كيف ينبغي و ما يسهله و ما يعسره و ما يؤيده و ما يقويه و ما يهينه فبذلك يكون غدا استاذا يعلم ماذا يصنع و اجراؤه النائمون بالليل في غفلة جهلة لايدرون ما يصنعون فانت يا هذا امامك طريق وعر و فيه قطاع الطريق و لصوص كثيرة و مخاوف و ظلمات و رعد و برق اذا اخرجت يدك لمتكد تراها فتفكر في مشيك و راحلتك و بدرقتك و زادك و طريقك و مقصدك و رفقتك و اختر من جميع ذلك ما يسهل عليك الطريق و يؤمنك من المخاوف و يونسك في الطريق و ما يكون بلغتك و هذا ايضا مهم مهم و بالتوجه اليه حري حري .
فصل - و منها ان تتفكر في الدنيا و فنائها و بلوائها و ضرائها و بأسائها و شحنها بالآلام و الاسقام و الآفات و العاهات و بشوب سرورها بالغموم و اختلاط راحتها بالتعب و امتزاج صحتها بالمرض و اقتران اتصالها بالفراق و الانفصال ثم في تعادي اهلها و تجبرها و تكبرها و تفاخرها و تكالبها و تنافسها عليها و غفلاتهم و انهم كسباع مسرحة بين اغنام و بهائم يفترسونها و يتعاوون بعضهم علي بعض و جميع ملاذهم في طبخ العذرة و ادخال مبال في مبال و انهم عما قليل يفنون بحيث لايبقي لهم اسم و لا رسم اين الجبابرة اين الاكاسرة اين الملوك و ابناؤ الملوك فقد فنوا عن آخرهم و عدموا و ضلوا في الارض فلا عين و لا اثر فتتفكر في مقابح الدنيا و تمثل معايبها حتي تشنأها واقعا حقا فتقتدي بساداتك و اما من يحب الدنيا فان لميكن به الا تعظيمه ما صغر الله و حبه ما ابغض الله لكفي به شقاقا لله و محادة لرسول الله [ص 303] صلي الله عليه و آله نعوذ بالله فان تحقق في نفسك بغض الدنيا امنت من كثير من المعاصي فان حب الدنيا رأس كل خطيئة و احب ان اذكر هنا ندبة لمولانا زينالعابدين عليه السلام بطولها فان فيها عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن تذكر و تفكر لمن نظر قال عليه السلام علي ما رواه الزهري علي ما في بلد الامين يا نفس حتام الي الحيوة سكونك و الي الدنيا و عمارتها ركونك أمااعتبرت بمن مضي من اسلافك و من وارته الارض من اُلّٰافك و من فجعت به من اخوانك و نقلت الي دار البلا من اقرانك ،
فهم في بطون الارض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم عنهم و اقوت عراصهم و ساقتهم نحو المنايا المقادر
و خلوا عن الدنيا و ما جمعوا لها و ضمتهم تحت التراب الحفائر
كم اخترمت ايدي المنون من قرون بعد قرون و كم غيرت الارض ببلاها و غيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس و شيعتهم الي الارماس ،
و انت علي الدنيا مكب منافس لخطابها فيها حريص مكاثر
علي خطر تمسي و تصبح لاهيا أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
و ان امرأ يسعي لدنياه جاهدا و يذهل عن اخراه لا شك خاسر
فحتام علي الدنيا اقبالك و بشهوتها اشتغالك و قد وخطك القتير و وافاك النذير و انت عما يراد بك ساه و بلذة يومك لاه ،
و في ذكر هول الموت و القبر و البلي عن اللهو و اللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الاربعين تربص و شيب القذال منذ ذلك ذاعر
كأنك معني بما هو ضائر لنفسك عمدا او عن الرشد جاير
انظر الي الامم الماضية و القرون الفانية و الملوك العاتية كيف [ص 304] انتسفتهم الايام فافناهم الحمام فامتحت من الدنيا آثارهم و بقيت فيها اخبارهم ،
و اضحوا رميما في التراب و اقفرت مجالس منهم عطلت و مقاصر
و حلوا بدار لاتزاور بينهم و اني لسكان القبور التزاور
فما ان تري الا جثي قد ثووا بها مسنمة تسفي عليها الاعاصر
كم عاينت من ذي عز و سلطان و جنود و اعوان تمكن من دنياه و نال منها مناه فبني الحصون و الدساكر و جمع الاعلاق و الذخاير ،
فماصرفت كف المنية اذ اتت مبادرة تهوي اليه الذخاير
و لادفعت عنه الحصون التي بني و جف بها انهارها و الدساكر
و لاقارعت عنه المنية خيله و لاطمعت في الذب عنه العساكر
اتاه من امر الله ما لايرد و نزل به من قضائه ما لايصد فتعالي الملك الجبار المتكبر القهار قاصم الجبارين و مبير المتكبرين ،
مليك عزيز مايرد قضاؤه عليم حكيم نافذ الامر قاهر
عنا كل ذي عز لعزة وجهه فكل عزيز للمهيمن صاغر
لقد خشعت و استسلمت و تضاءلت لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار و الحذار الحذار من الدنيا و مكائدها و ما نصبت لك من مصائدها و تجلي لك من زينتها و استشرف لك من فتنتها ،
و في دون ما عاينت في فجعاتها الي رفضها داع و بالزهد آمر
فجد و لاتغفل فعيشك زايل و انت الي دار المنية صاير
و لاتطلب الدنيا فان طلابها و ان نلت منها غبه لك ضاير
فهل يحرص عليها لبيب او يسر بلذتها اريب و هو علي ثقة من فنائها و غير طامع في بقائها ام كيف تنام عين من يخشي البيات او تسكن نفس [ص 305] من يتوقع الممات ،
الا لا و لكنا تغرّ نفوسنا و تشغلنا اللذات عما نحاذر
و كيف يلذ العيش من هو موقن بموقف عدل حين تبلي السرائر
كأنا نري ان لا نشور و اننا سدي ما لنا بعد الفناء مصاير
و ما عسي ان ينال طالب الدنيا من لذتها و يتمتع به من بهجتها مع فنون مصائبها و اصناف عجايبها و كثرة تعبه في طلابها و تكادحه في اكتسابها و ما يكابد من اسقامها و اوصابها ،
و ما ان بني في كل يوم و ليلة يروح علينا صرفها و يباكر
تعاوره آفاتها و همومها و كم ما عسي يبقي لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن و لا هو عن تطلابها النفس قاصر
كم غرت من مخلد اليها و صرعت من مكب عليها فلمتنعشه من صرعته و لمتقله من عثرته و لمتداوه من سقمه و لمتشفه من المه ،
بلي اوردته بعد عز و منعة موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأي ان لا نجاة و انه هو الموت لاينجيه منه الموازر
تندم لو يغنيه طول ندامة عليه و ابكته الذنوب الكباير
بكي علي ما اسلف من خطاياه و تحسر ما خلف من دنياه حيث لاينفعه الاستعبار و لاينجيه الاعتذار من هول المنية و نزول البلية ،
احاطت به آفاته و همومه و ابلس لما اعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارح و ليس له مما يحاذر ناصر
و قد جشأت خوف المنية نفسه ترددها دون اللهات الحناجر
هنالك خف عنه عواده و اسلمه اهله و اولاده و ارتفعت الرنة و العويل و يئسوا من برء العليل غضوا بايديهم عينيه و مدوا عند خروج نفسه رجليه ،
[ص 306]فكم موجع يبكي عليه تفجعا و مستنجد صبرا و ما هو صابر
و مسترجع داع له الله مخلص يعدد منه خير ما هو ذاكر
و كم شامت مستبشر بوفاته و عما قليل كالذي صار صاير
شق جيوبها نساؤه و لطم خدودها اماؤه و اعول لفقده جيرانه و توجع لرزئه اخوانه ثم اقبلوا علي جهازه و تشمروا لابرازه ،
فظل احب القوم كان لقربه يحث علي تجهيزه و يبادر
و شمر من قد احضروه لغسله و وجه لما فاظ للقبر حافر
و كفن في ثوبين فاجتمعت له مشيعة اخوانه و العشاير
فلو رأيت الاصغر من اولاده و قد غلب الحزن علي فؤاده فغشي من الجزع عليه و قد خضب الدموع خديه ثم افاق و هو يندب اباه و يقول بشجو واويلاه ،
لابصرت من قبح المنية منظرا يهال لمرآه و يرتاع ناظر
اكابر اولاد يهيج اكتيابهم اذا ما تناساه البنون الاصاغر
و رنة نسوان عليه جوازع مدامعها فوق الخدود غزاير
ثم اخرج من سعة قصره الي ضيق قبره فحثوا بايديهم التراب و اكثروا التلدد ● و الانتحاب و وقفوا ساعة عليه و قد يئسوا من النظر اليه ،
فولوا عليه معولين و كلهم لمثل الذي لاقي اخوه محاذر
كشاء رتاع آمنات بدا لها بمذئبة بادي الذراعين حاسر
فريعت و لمترتع قليلا و اجفلت فلما انتجي منها الذي هو حاذر
عادت الي مرعاها و نسيت ما في اختها دهاها أفبافعال البهائم اقتدينا [ص 307] و علي عاداتها جرينا عد الي ذكر المنقول الي الثري و المدفوع الي هول ما تري ،
هوي مصرعا في لحده و توزعت مواريثه ارحامه و الاواصر
و انحوا علي امواله يخضمونها فما حامد منهم عليها و شاكر
فيا عامر الدنيا و يا ساعيا لها و يا آمنا من ان تدور الدوائر
كيف امنت هذه الحالة و انت صاير اليها لا محالة ام كيف تتهنأ بحيوتك و هي مطيتك الي مماتك ام كيف تسيغ طعامك و انت تنتظر حمامك ،
و لمتتزود للرحيل و قد دنا و انت علي حال وشيكا مسافر
فيا ويح نفسي كم اسوف توبتي و عمري فان و الردي لي ناظر
و كل الذي اسلفت في الصحف مثبت يجازي عليه عادل الحكم قاهر
فكم ترقع بدينك دنياك و تركب في ذلك هواك اني لاراك ضعيف اليقين يا راقع الدنيا بالدين أبهذا امرك الرحمن ام علي هذا دلك القرآن ،
تخرب ما يبقي و تعمر فانيا فلا ذاك موفور و لا ذاك عامر
و هل لك ان وافاك حتفك بغتة و لمتكتسب خيرا لدي الله عاذر
أترضي بان تفني الحيوة و تنقضي و دينك منقوص و مالك وافر
فبك الهنا نستجير يا عليم يا خبير من نؤمل لفكاك رقابنا و من نرجو لغفران ذنوبنا سواك و انت المتفضل المنان القائم الديان العايد علينا بالاحسان بعد الاساءة منا و العصيان يا ذا العزة و السلطان و القوة و البرهان اجرنا من عذابك الاليم و اجعلنا من سكان دار النعيم يا ارحم الراحمين انتهي ، و كفا بهذه الندبة الشريفة لنا زاجرا و الي الاعراض عن الدنيا الفانية آمرا وفقنا الله و اياكم لمراضيه بجاه محمد و آله و مواليه صلوات الله عليهم [ص 308] اجمعين .
فصل - و منها ان تتفكر في محمد و آلمحمد عليهم السلام و في مكارمهم و فضائلهم و ما خصهم الله به و ابانهم عن ساير خلقه و محاسنهم و جلالهم و جمالهم و عظمتهم و احاطتهم و كونهم صاحبي كل مرأي و ملازمي كل مسمع و حضور كل ملأ و جليسي كل منفرد و المطلعين علي السراير و الضماير و في سيرهم و آدابهم و مجالسهم و خلواتهم و تضرعهم و بكائهم و دعائهم و عبادتهم و خوفهم و تقريبهم انفسهم في سبيل الله قربانا و ساير كلماتهم و علومهم و اخلاقهم و صفاتهم و من نظر في ساير الفرق و الملل في العالم علم انهم بهائم جهال و ليس الانسانية الا في الاسلام و التشيع و ليس فيهما شيء الا منهم و اليهم يعود بالبداهة فالانسانية في الدنيا منهم و العلوم النافعة كلها منهم صدر و اليهم يعود و اما علوم ساير الملل فعلوم ناقصة او ما لا طائل تحته و صنايع ظاهرة ملهية عن الله و عن الدار الآخرة بل والله لو تفكرنا رأينا ان هذه الصنايع التي تداولت و تسهلت الآن فيها فساد الملك و خراب العباد اما دينا او دنيا و هم لايشعرون و ان الحجج قد اظهروا ما فيه صلاح الخلق و اخفوا ما فيه فسادهم و امثل لك مثالا اذ ربما تصور الجهال ان مثل منجنق الحياكة التي اخترعها الافرنج بحيث يلقون من جانب القطن و يخرجون من جانب آخر خاما محوكا و يصرفون كل يوم فيها مأتي من قطناً لميأت بمثله الانبياء و الحجج عليه ( عليهم ظ ) السلام و لعل هذا عندهم من كمال الدنيا و ترقي الافهام و ان الحجج ماكانوا يعرفون امثال ذلك و ان ذلك تعمير الدنيا و والله ان في ذلك فساد الدنيا و لذلك لميأت به الحجج عليهم السلام فان مثل ذلك منفعة رجل واحد و خراب الفالف امرأة و رجل فان الله سبحانه ابتلي العباد بالكسب [ص 309] حذرا عن الفراغ المفسد للدنيا و الدين الموقع في كل معصية و ان هؤلاء دبروا تدبيرا علي خلاف تدبير الله و استأثر رجل المنفعة لنفسه و طغي لحصول الغني له و هلك بالطغيان و الغني و اهلك الفالف نفس بالفقر و الفراغ و الوقوع في المعاصي و الحرام و النبي ابو الامة و عامر الدنيا و لايريد هلاك اولاده و لايستأثر الدنيا لنفسه و لايريدها لغيره و لايوقع امته في الهلاك و المعصية و علي هذه فقس ما سواها و كذا من صنايعهم صنايع ملهية معجبة جاذبة للنفوس الي الغفلة و الاشتغال بالدنيا المانعة للترقيات فاي فائدة كانت في تلك الصنايع الباطلة بل اصل وجودها و اختراعها يدل علي عدم حكمة مخترعها و علي غفلته عن الله و اصلها و النبي هو الذي كان علي باب بيته ستر فيه بعض التصاوير فقال لبعض نسائه غيبيه عني فاني كلما رأيتها ذكرت الدنيا و زخارفها بل لو اتي بها اي بتلك الصنايع رجل و ادعي النبوة فهو كاذب فانه بدع من الرسل و لو ادعي الامامة فهو كاذب مفتر فانه داع الي الدنيا و زخارفها لا الي باريها و انما الحجة من يدعو الي الزهد في الدنيا و الاعراض عنها و عن زخارفها فعلم ان هذه العلوم التي تداولت فانما هي علوم ملهية مفسدة و هي احاديث لهو تترك القلب قاسيا و لاجل ذلك لميأت بها الحجج و انما اتوا سلام الله عليهم بعلم التوحيد و صفات الله و اسمائه و عدله و علم المعاد و علم الشرايع و الاحكام و علم المبدء و المعاد و ذلك هو ما يصلح العباد و يعمر البلاد فتبين ان الحق لهم و منهم و بهم و اليهم و هم اهله و معدنه بالجملة اذا تفكرت فيما ذكرنا من جمالهم و جلالهم و محاسنهم تزداد لهم شوقا و لهم حبا و ولاية و يعظم امرهم في نفسك و تعرف جلالتهم و عظمتهم و ان لازمت التفكر في كونهم صاحبي المرأي و المسمع حتي رأيت الآثار و [ص 310] العلامات و الامارات و تيقنت به ناجيتهم حيث انت و التجأت اليهم و عرضت حاجاتك عليهم و اجابوك فيما رأوا فيه صلاحك و اما ما لميروا فيه المصلحة فيبقي لك لذة المناجاة و التقرب اليهم و حلاوة مكالمتهم و الانس بهم و الرجوع اليهم ففي كشف المحجة لابنطاوس عن محمد بن يعقوب من كتابه كتاب الرسائل عمن سماه قال كتبت الي ابيالحسن عليه السلام ان الرجل يحب ان يفضي بامامه ما يحب ان يفضي به الي ربه قال فكتب اذا كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب ياتيك و من ذلك ما رواه من هبةالله بن سعيد الراوندي في كتاب الخرايج عن محمد بن الفرج قال قال لي علي بن محمد عليهما السلام اذا اردت ان تسأل مسألة فاكتبها و ضع الكتاب تحت مصلاك و دعه ساعة ثم اخرجه فانظر فيه قال ففعلت فوجدت جواب ما سألت عنه موقعا فيه انتهي ، فالطريق الي امامك مفتوح الا ان يحجبك ضعف اليقين كما في الدعاء انك لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك و في زيارة آل يس الكبيرة الخارجة الي ابيجعفر محمد بن عبدالله الحميري السلام عليك يا صاحب المرأي و المسمع الذي بعين الله مواثيقه و بيد الله عهوده و بقدرة الله سلطانه الزيارة ، و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله احكم و اكرم و اجل و اعلم من ان يكون احتج علي عباده بحجة ثم يغيب عنه شيئا من امورهم و عنه عليه السلام مايحدث قبلكم حدث الا علمنا به قيل و كيف ذلك قال يأتينا به راكب يضرب و قال عليه السلام في حديث يا بابكر مايخفي علي شيء من بلادكم و عن رميلة قال وعكت وعكا شديدا في زمان اميرالمؤمنين عليه السلام فوجدت من نفسي خفة في يوم الجمعة و قلت لااعرف شيئا افضل من ان افيض علي نفسي الماء و اصلي خلف اميرالمؤمنين ففعلت ثم جئت الي المسجد فلما [ص 311] صعد اميرالمؤمنين عليه السلام المنبر عاد علي ذلك الوعك فلما انصرف اميرالمؤمنين عليه السلام دخل القصر و دخلت معه فقال يا رميلة رأيتك و انت تشبك بعضك في بعض فقلت نعم و قصصت عليه القصة التي كنت فيها و الذي حملني علي الرغبة في الصلوة خلفه فقال يا رميلة ليس من مؤمن يمرض الا مرضنا بمرضه و لايحزن الا حزنا بحزنه و لايدعو الا امنا لدعائه و لايسكت الا دعونا له فقلت له يا اميرالمؤمنين جعلني الله فداك هذا لمن معك في القصر أرأيت من كان في اطراف الارض قال يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الارض و لا في غربها و عن ابيالربيع الشامي قال قلت لابيعبدالله عليه السلام بلغني عن عمرو بن الحمق حديث فقال اعرضه قال دخل علي اميرالمؤمنين فرأي صفرة في وجهه ، الي ان قال فقال له علي عليه السلام انا لنفرح لفرحكم و نحزن لحزنكم و نمرض لمرضكم و ندعو لكم و تدعون فنؤمن قال عمرو قد عرفت ما قلت و لكن كيف ندعو و تؤمن فقال انا سواء علينا البادي و الحاضر فقال ابوعبدالله عليه السلام صدق عمرو انتهي ، و الاحاديث في انهم يعلمون الغيب و يشاهدونه و يعلمون الضماير و يرون اعمال الخلايق تزيد علي حد التواتر ماتركناها الا خوف الاطالة فانت اذا داومت في هذا التفكر و سجلت علي نفسك انهم يرونك ترعوي عن القول الباطل و العمل الطالح و الحركات القبيحة و تصير مراعيا للادب في الخلاء و الملأ خائفا منهم وجلا و تعلم انك لست بمهمل بلا راع و ان اليوم لايتفاوت مع زمان حضورهم و اصل وقوع مثلهم في قلبك يسخن قلبك و يجمه و يذهب باعراضك المعوقة و يعد نفسك للترقيات و نزول الامداد و كل مكمل يكمل متكمله الي نحو مثله فبخ بخ لو تكملت بكمالهم و تخلقت باخلاقهم و اتصفت بصفاتهم ان كنتم [ص 312] تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ان لكم في رسول الله اسوة حسنة من تبعني فانه مني فطوبي لك و طوبي و اعلم ان الذهن مرآة صافية ليس فيها عكس شيء و انما ينطبع فيها كل ما قابلتها به و ان آلمحمد عليهم السلام عند الله في عليين و ما لمتتوجه الي ما عند الله و الي عليين لمينطبع مثالهم فيك و في ذهنك و ان مثالهم و نورهم ليس باقل اثرا من الشمس المسخنة للارض المربية لها المرقية اياها الي الذهب و الفضة و الياقوت و الماس و انواع النبات و الحيوان و قلبك ايضا ليس باقسي من الارض فلو داومت التوجه لاستكمل استعدادك و ذهب اعراضك و تكمل قابليتك و تصلح للاستفاضة منهم و لذلك جاؤا و تحملوا ما تحملوا و ليس في امثال الحكمة مناقشة انك لتديم الفكر في رجل مبغوض لك يهيج فيك الغضب و يثور دمك و يرتعش اعضاؤك و يحمر وجهك و ليس في الخارج شيء و تتصور حسناء و تتفكر فيها يتحرك شهوتك و يحصل لك ما يحصل و لربما امرء ينزل له فاذا كان التفكر في امرءة يفعل ببدنك في دقايق هذا العمل فكيف اذا كان ما تتفكر فيه بنفسه مكملا قويا و هاديا معلما صاحب نفس مؤثرة قوية و انت تديم التفكر فيه و في صفاته بل والله هذا اسرع شيء في ترقي المؤمن بحيث لايوازيه عمل ستين سنة و هذا هو التفكر الذي ساعته تساوي ستين سنة بل ذلك محض تكثير و الا فان كان عملك في ستين سنة بلا تفكر فقد روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام لا خير في عبادة لا تفكر فيها و ان كان مع التفكر فكيف يوازي تفكر ساعة ستين سنة بالجملة هذا التفكر انجح من عمل عمر الدنيا و الي هذا اشار اميرالمؤمنين يا كميل مات خزان الاموال و هم احياء و العلماء باقون ما بقي الدهر اعيانهم مفقودة و امثالهم في القلوب موجودة انتهي .
[ص 313] و اعلم ان هذا التفكر حيوة لموات القلوب و علم لجهلها و نور لظلمتها و هداية لضالها و بصيرة لعميانها و انتعاش لصرعتها و قوة لضعفها و كمال لنقصانها و طريق لسالكها فمن سلكه هدي و من لميسلكه ضل و هوي و انت لو كنت بحضرتهم لكان حضورك محضرهم و قصر نظرك اليهم و الي صفاتهم اكمل الا انك اذا حرمت من ذاك وفقت لذلك فلاتتركه قال اميرالمؤمنين عليه السلام التفكر حيوة قلب البصير كما يمشي الماشي في الظلمات بالنور بحسن التخلص و قلة التربص انتهي ، و كذلك ينتفع بالتفكر في امر اوليائهم و اخلاقهم و احوالهم و صفاتهم و آدابهم و تضرعهم و عباداتهم و خوفهم من الله و حبهم لله و ايثارهم الله و بذل نفوسهم في الله و في عظمتهم و جلالهم و جمالهم التي جعلها الله لهم و في معاشراتهم و آدابهم و وقارهم و جودهم و سيرتهم فمن ادام التفكر في ذلك ان لميمكنه حضورهم تكمل و تقوي و لاسيما اذا كان المتفكر فيه حيا مأمورا باصلاح العباد و تعمير البلاد و اما اذا امكنك الحضور فذلك احلي و اشهي .
و الي ذلك اشار الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في توبليته حيث قال ان الانسان لما كان منذ استحق الانسانية انما هو يتخلص من المركبات الارضية و المعدنية و النباتية و الحيوانية مترقيا شيئا فشيئا فكان السابق عليه في الوجود الزماني دواعي الجهل و الكثرة و الانية لانه اذ ذاك في اسفل انعطاس قوس الادبار فيكون تحصيل مقدمات العلم اللدني الذي نحن بصدده متعذرا او متعسرا فاذا تعلم عند من تهيأ باستعداده من التعلم و المجاهدة حتي شاهد اليقين اشرق من نوره عليه فاخذه بيده و قوي فكره بخطابه و استنار عقله ببيانه و ثبت قلبه بهداه و عمله بالاقتداء به فينفتح له ما انفتح لشيخه و هذا احد طرق المجاهدة لانها تدعو الي المشاهدة نعم لو ان شخصا [ص 314] اعتدل مزاجه في اصل خلقته و وافق التوفيق استغني عن التعلم كما في الانبياء و الاوصياء بل قد يوجد في بعض افراد الناس من لايحتاج الي التعلم الا الي التنبيه و الاشارة و ليس في كل ما علم بل في بعض و هذا غير خفي و لما كان الغالب علي الخلق عدم اعتدال المزاج من النطف الي الاجنة الي الدنيا و كذلك في الدنيا في المآكل و المشارب و استعمال العادات و ركوب الشهوات و تقليد الآباء و اتباع الاهواء حتي غلب عليهم طبايع المركبات الخبيثات دلهم الشارع عليه السلام علي التعلم من العلماء ليكونوا معينين لهم و ليشغلوا حواسهم الباطنة من دواعي الجهل و المعاصي باشتغالهم حواسهم الظاهرة معهم بنظائرها في النوع المغايرة لها بالمجاهدة و المشاهدة حتي تضعف تعلقات نفوسهم بتلك العادات و تتخلص من اشراك تلك المركبات شيئا فشيئا و تأنس بظواهر الاخلاق الالهية حتي اذا انصبغوا بذلك انفتح الباب و سمعوا الخطاب و هذا ايضا من المجاهدة كما قلنا الي آخر كلامه اعلي الله مقامه .
و لقد اوضح عن ذلك السيد الجليل اشاد الله برهانه في شرح القصيدة حيث قال بعد بيانه ان الافلاك برازخ معدة بين الارض و الكرسي تعد قوابل الارضيات للاستفاضة من الكرسي و العرش قال فاذا عرفت هذه المقدمة النافعة تبين لك ان هؤلاء العارفين الكاملين ستر و حجاب لكنهم يربون قوابل الاستعدادات و ينضجون غرايز طبايع الماهيات و يأهلونهم لاستشراق نور الولي و يتحملون لذلك الاشراق و لايحترقون لما فيهم من الاكدار و لايضطربون لمزج الاغيار و يصلحون قوابل نفوسهم و عقولهم و يخرجون تلك الغرايب عنهم ليتأهلوا و يستحقوا للاستفاضة من الاسم الاعظم و النور الاقوم فلولا الشيخ الواصل و المرشد الكامل الموصوف بما ذكرناه [ص 315] لميحصل للقلوب الضعيفة و الانفس النحيفة و الارواح الخسيسة ان تترقي الي عالم الانوار و تستحق لتحمل الاسرار و هؤلاء الانجاب الاطياب المرشدون الي الحق و الصواب منهم ظاهر مشهور مبتليا بالاذيات و غرضا لسهام البليات و موضعا لمطاعن اهل القساوات و موصلا للطالبين المنصفين الي اشرف السعادات و مبينا لهم طريق الرشاد و الهدايات و منقذا منهم و لو قليلا و لو واحدا من الهلكات و بذلك امرهم رب الارضين و السماوات و خالق الموجودات و مدبر الكاينات الي آخر كلامه و هو طويل الذيل و لقد سمعت منه اجل الله شأنه شفاها انه قال لميجر عادة الله ان يتكمل احد من الناقصين الا بشيخ و رفيق انتهي ، و انما ذكرت مع ما ذكرت خلافا لعادتي في كتبي حيث لااستشهد ابدا بقول احد سوي آلمحمد عليهم السلام فان كثيرا من تلامذتهما ينكرون علي هذه الاقوال و يزعموني مبدعا فيها و ليس ذلك من طريقتهما فلاجل ذلك ذكرت ليتنبهوا و يرعووا عن ظنهم بي ذلك و اني ارجو الله ان ارد حيث وردا و اصدر من حيث صدرا و لا قوة الا بالله و الواجب علي المؤمن ان يعرف الرجال بالمقال لا العكس و لا شك انهم اتبعوا المشايخ لمساعدة البرهان اقوالهم فاذا ساعد البرهان قول غيرهم فعليهم ان يتبعوه فان البرهان سلطان من الله مطاع من رد عليه فقد رد علي الله و من قبله فقد قبل الله و من اطاعه فقد اطاع الله و من عصاه فقد عصي الله فقد قال الله عز و جل قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين و قال قد جاءكم برهان من ربكم .
فصل - بقي هنا قسم آخر من التفكر هو احسن و اشهي من جميع اقسام التفكر و هو ان تقعد في مكان مناسب كما ذكرنا ثم تستحضر انك جالس امام ربك اذ هو جليس من لا جليس له و تستحضر انه يريك و يسمعك و هو [ص 316] ابر بك من ابيك و امك و معلمك و استادك و تستحضر فقرك اليه و فاقتك لديه ثم تسأل بلسان سرك و تقول سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم ثم تستحضر آلمحمد عليهم السلام و هو من تمام الاستحضار الاول و اركانه و تستحضر ان الحق معهم و منهم و اليهم و بهم و انهم هم العلماء و شيعتهم المتعلمون و تستحضر جودهم و كرمهم و هدايتهم و قدرتهم و اطلاعهم و انهم صاحبوا المرأي و المسمع فتفوض الامر اليهم و تتكل عليهم عالما بانهم الناطقون من كل لسان و في كل جنان و من كل سر و ان لهم مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و تقعد بين يديهم قعود التلميذ بين يدي استاده قاصرا نظرك اليهم لاتلتفت بقلبك الي شيء غيرهم منتظرا صدور نطق منهم بسرك صامتا بقلبك و جوارحك فتنظر ما يقع في قلبك و اياك ان تمنع من خاطرك خطور حق يرد عليك فانه درسهم لك و تعليمهم اياك و ان قصرت النظر اليهم فلايجيئك الشيطان ابدا و لكن ان التفت و جاءك الشيطان و وسوس في قلبك ما لاتحب فاذكر قوله تعالي ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون فاذكر الله عز و جل كما مر يخنس عنك الخناس و توجه الي ربك و التجئ اليه و عذ به و لذ به و احتجب بعصمته ثم اقصر النظر ثانيا اليه و رح حيث يسوقك و اقتد له و لاتصرف فكرك عما يلقي فيه فانه رد علي الملقي و امتناع من الانقياد له و اعلم ان الخاطر الحق هو نطقهم بالحق و هو منهم و اليهم و ان جلست مدة فلميحدث في قلبك حادث فقم و لاتتكلف و كم كان يذهب الذاهب في ايام ظهورهم الي حضرتهم فلايكلمونه و يرجع فعد الي حالك في وقت آخر و ان لميكلموك الا كلمة واحدة فحسبك فانها نصيبك و حظك و ان زادوك فمن فضلهم و انك لو داومت علي ذلك سهل عليك [ص 317] و كثر لك التلقي و الاستمداد و الاستفاضة و اعلم انهم ناطقون بكل حق و بكل علم خير دائما بصوت عال جلي مستمر و انما العلة في الآذان فمنهم من يسمع و منهم من لايسمع في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و اعلم انك حين التوجه الي الله و اليهم متوجه الي عليين كتاب الابرار و كلما ينزل الي خاطرك فهو من صور عليين الحقة فهو حق و اذا نظرت الي غيرهم من حيث نفسه فقد توجهت الي سجين و كلما يقع في نفسك فانما هو وحي شيطان و القاؤه و هو باطل البتة و ان كان في صورة الحق الا انه من ذلك الحيث باطل بالجملة في هذا القسم من التفكر يقع الشيء في قلبك انه كذا و كذا و كذا لانه بيان الاستاد و في ساير الاقسام فانت سائل كيف هذا و كيف هذا و كيف هذا و ربما تكون مع جهلك مبينا كاشفا لما لاتعلم متكلفا فلاتأتي بالحق و الله لايحب المتكلفين لان التكلف خلاف صفة الحبيب الذي قال و ما انا من المتكلفين و هو صلي الله عليه و آله كان اذا سئل ما ليس عنده لايجيب و ينتظر الوحي و الوحي هو من هذا الباب و هو التحديث المذكور في الاخبار و النكت في القلب و الرجم و الالهام فعن الكشي عن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان والله علي محدثا و كان سلمان محدثا قلت اشرح لي قال يبعث الله اليه ملكا ينقر في اذنيه كيت و كيت انتهي ، اقول ان ابابصير ماكان يتحمل السر كغيره من اهل السر و لاجل ذلك قال له كذلك و اما ابطن من ذلك فما رواه عن احمد بن حماد المروزي عن الصادق عليه السلام انه قال في الخبر الذي روي فيه ان سلمان كان محدثا قال انه كان محدثا عن امامه لا عن ربه لانه لايحدث عن الله عز و جل الا الحجة و في رواية قيل من كان يحدثه فقال رسول الله صلي الله عليه و آله و اميرالمؤمنين [ص 318] عليه السلام و انما صار محدثا دون غيره ممن كانا يحدثانه لانهما كانا يحدثانه بما لايحتمله غيره من مخزون علم الله و مكنونه انتهي ، و هذا الخبر ظاهره ارفق من الاول و باطنه اصعب فان اهل الظاهر يحملونه ان عليا عليه السلام كان يحدثه في الظاهر و لذا سمي محدثا و لكنه في الباطن ما نحن بصدده فان امامه يحدثه فيه منه به اينما كان و يقول له كيت و كيت اذ هو لسان الله و ان شئت ان تقول في الحديث الاول ان ذلك الملك من العالين فيوافق الحديث الثاني و اعلم ان هذا الحديث و امثاله توذن بان سلمان من جنس الانبياء و في عرصة المؤثر للاناسي او هو من البرازخ لانه روي في شانه عن علي عليه السلام ادرك العلم الاول و الآخر و هو بحر لاينزح و هو منا اهل البيت و عنه عليه السلام بخ بخ سلمان منا اهل البيت و من لكم بمثل لقمان الحكيم علم علم الاول و علم الآخر و في رواية عن ابيعبدالله عليه السلام سلمان خير من لقمان و عن ابيعبدالله عليه السلام الايمان عشر درجات المقداد في الثامنة و ابوذر في التاسعة و سلمان في العاشرة و ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين عليهما السلام فقال والله لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخا رسول الله صلي الله عليه و آله بينهما فما ظنكم بساير الخلق ان علم العلماء صعب مستصعب لايحتمله الا نبي مرسل او ملك مقرب او عبد امتحن الله قلبه للايمان فقال و انما صار سلمان من العلماء لانه امرء منا اهل البيت فلذلك نسبته الي العلماء و هذا الحديث مما يفهم منه ان رتبته فوق رتبة الرعية و انه من الراعين حيث جعله من العلماء و قال ان اباذر لو علم ما في قلبه لقتله فانهما ان كانا في عرض واحد لماكان ابوذر بقتله اياه مثابا مصيبا فانهما ان كانا في عرض واحد لكان ما عند سلمان مما يمكن نيله [ص 319] لابيذر و يمكن سلمان اقامة البرهان عليه فظهر انه لميكن لابيذر نيل درجته كما اخبر ان سلمان في العاشرة و ابيذر في التاسعة و كذا كون سلمان خيرا من لقمان مع كون لقمان من البرازخ الذين عرض عليهم النبوة فلميقبل و يحتمل ان يقال لقتله اي لقتل العلم اباذر لعدم تحمله و مأموريته بالكتمان و يؤيده ما روي عن ابيعبدالله عليه السلام علم سلمان علما لو علمه ابوذر كفر و سئل اميرالمؤمنين عليه السلام عن سلمان الفارسي رحمة الله عليه ما تقول فيه فقال ما اقول في رجل خلق من طينتنا و روحه مقرونة بروحنا خصه الله تبارك و تعالي من العلوم باولها و آخرها و ظاهرها و باطنها و سرها و علانيتها و لقد حضرت رسول الله صلي الله عليه و آله و سلمان بين يديه فدخل اعرابي فنحاه عن مكانه و جلس فيه فغضب رسول الله صلي الله عليه و آله حتي در العرق بين عينيه و احمرتا ثم قال يا اعرابي أتنحي رجلا يحبه الله تبارك و تعالي في السماء و يحبه رسول الله في الارض يا اعرابي أتنحي رجلا ماحضرني جبرئيل الا امرني عن ربي عز و جل ان اقرئه السلام يا اعرابي ان سلمان مني من جفاه فقد جفاني و من آذاه فقد آذاني و من باعده فقد باعدني و من قربه فقد قربني يا اعرابي لاتغلطن في سلمان فان الله تبارك و تعالي قد امرني ان اطلعه علي علم المنايا و البلايا و الانساب و فصل الخطاب قال فقال الاعرابي ماظننت ان يبلغ من فعل سلمان ما ذكرت أليس كان مجوسيا ثم اسلم فقال النبي صلي الله عليه و آله يا اعرابي اخاطبك عن ربي و تقاولني ان سلمان ماكان مجوسيا و لكن كان مظهرا للشرك مبطنا للايمان الخبر ، و عن ابيجعفر عليه السلام انه قال لفضيل بن يسار تروي ما يروي الناس ان عليا قال في سلمان ادرك علم الاول و علم الآخر قال نعم قال فهل تدري ما عني [ص 320] قال يعني علم بنياسرائيل و علم النبي قال ليس هكذا و لكن علم النبي و علم علي و امر النبي و امر علي صلوات الله عليهما و روي انه قال الحسن بن منصور للصادق عليه السلام أكان سلمان محدثا قال نعم قال من كان يحدثه قال ملك كريم قال فاذا كان سلمان كذا فصاحبه اي شيء هو قال اقبل علي شأنك انتهي ، بالجملة ان هذه الاخبار تفيد ان له صلي الله عليه شأنا عظيما و انه من جملة طينة الانبياء اي هو من اوصيائهم فان الاوصياء من طينة الانبياء او هو من البرازخ و الاول عندي اقرب لحديث انه خير من لقمان و انه من العلماء لا المتعلمين و الله اعلم بحاله و انما ذكرت ما ذكرت مع خروجنا به عما كنا بصدده حبا لسلمان صلي الله عليه و اظهارا لشأنه حيث جري ذكره و الناس في زماننا هذا عنه غافلون حتي جعلوا اسمه الشريف اسم عبيدهم يسمونهم به دون الاحرار نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين بالجملة اذا داومت علي هذا القسم من التفكر و كنت من اهله يرجي لك ان تحدث من امامك فان هذا باب التحديث وفقنا الله و اياكم لما يحب و يرضي .
من ابواب الكتاب في العلم و ما يتعلق به و يرتبط من البيان و ما يتفرع عليه و هو ايضا كساير الابواب يقتضي رسم مقدمة و فصول :
المقدمة - في بيان حقيقة العلم و مقامه و منشائه و فيه مطالب :
الاول - اعلم ان العلم كما فسره مشايخنا رضوان الله عليهم هو حضور المعلوم عند العالم و انكشافه له و لا شك انهم مصيبون الحق و صادقون و لكن كلامهم غامض و لا بد من شرحه و وجه الاشكال الظاهر ان حضور [ص 321] المعلوم هو صفة المعلوم و العلم صفة العالم فكيف ينطبق ذلك حتي يصدق المقال اعلم انه اذا حضر شيء في محضرك و وقف علي باب مدرك من مداركك هو بمعزل عنك و انت بمعزل منه ليس شيء منك فيه و لا شيء منه فيك و لكن لذلك الشيء شبح و مثال متصل بمادته به يمتاز عن غيره و هو اي ذلك المثال فعليته اذ به هو هو و المادة قوته صالحة لذلك المثال و لغيره كالحصة من المداد صالحة للالف و الباء و الجيم و غيرها و اما صورة الالف ففعلية لاتصلح لغيرها و هي وجود الالف و تمثلها و به الالف الف لا بالمادة و ان كانت الصورة قائمة بالمادة قيام تحقق و المادة قائمة بالصورة قيام ظهور و الالف قائمة بهما قيام ركن و الشيء شيء بهما لولا احديهما لميكن و لكن الاسم تابع للصورة و وجود الالف في الخارج بها فان ذهبت ذهب الالف و ان كان المادة باقية و اما اذا كانت الصورة و بدلت الحصة من المداد بحصة من الخشب لكان الالف الفا من الخشب بالجملة للشيء شبح متصل بمادته هو فعليته و لكل فعلية مثال لكماله و شبح منفصل و ذلك ان الفعلية كمال الاحد الذي لا نهاية له فلا بد و ان يكون لها كمال و لكمالها كمال و لكمال كمالها كمال فان جمال الجميل جميل و له جمال و جمال جماله ايضا جميل و له جمال و هكذا و السر ما ذكرنا من ان الفعلية كمال الاحد بالفعل فلا نهاية لها و لا غاية فللشبح المتصل شبح منفصل قائم بذلك المتصل صدورا فانه ليس الا ظهوره و هو من عالم المثال لطيف غائب عن درك المدارك الا ان يتعلق بمادة جسمانية زمانية فيتكثف فيها و عالم المثال برزخي اسفله مرتبط بالزمانيات قائم بها و لولاها لميكن له استقرار فيتعلق بالجسم المتصل بالشيء اول مرة فان كان ذلك الجسم لطيفا نفذ فيه الي ان يصل الي حاجب فيقف عنده و ليس المراد [ص 322] بالنفوذ قطعه المسافة بل ينطبع في اول جزء من الجسم المتصل و ينطبع في الجزء الثاني مثال ما انطبع في الجزء الاول و هكذا و شاهد ذلك انه لو كان بلورة بكبر بيت و في وسطه ثقبة بقدر شعلة و كان فيها شعلة استنارت البلورة بكلها علي صفة الشعلة اما اذا كان قطعة من اوساط البلورة حمراء ياقوتية كان النور الذي ورائها احمر و في ساير الجهات علي صفرته فتبين ان ما وراء القطعة الحمراء شبح القطعة و هكذا اذا كانت قطعة صفراء ثم بفصل قطعة زرقاء ثم بفصل قطعة حمراء فتري النور امام الصفراء علي لون السراج و في الفصل بعدها اصفر و في الفصل بعد الزرقاء اخضر و بعد الحمراء بنفسجيا فعلم من ذلك ان مثال السراج الاول لاينفذ بنفسه الي غاية البعد و انما ينفذ ظهوره و ظهور ظهوره و هكذا الي ان ياتي الكثيف فيرجع مثال النور حينئذ امام الكثيف بالجملة مثال كل واحد من هذه المراتب من عالم المثال و لا ظهور له بغير كثيف و لذلك لاتري الامثلة في الهواء اللطيف فعلي اي حال يأتي مثال الشيء الي العين فينطبع فيها كما في المرآة ثم ينطبع من العين و آلة الابصار الي الروح البخاري فينصبغ الروح البخاري بصبغ ذلك المثال فيسري منه كما مر في الحس المشترك فينصبغ بصبغه و يتشكل بشكله فيسري منه الي الخيال فينصبغ بصبغه و يتشكل بشكله فيصعد المثال من البرزخ الي الملكوت فان الخيال من عرصة الملكوت و الحس من عرصة البرزخ فلما وصل الي الخيال انقطع عن المواد الزمانية و لايحتاج اليها في قيامه بل يدركه الخيال من غير مادة و علي غير مادة و هو مقام صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد فهو فعلية محضة دهرية و الذي في الخيال الطف من الذي في الحس فان الحس لايقدر علي ضبطه لولا ضبط المادة له و اما الخيال [ص 323] فهو يحفظ الصورة من غير مادة و هي لطيفة غنية عن المواد الزمانية و ليس بها مددها و الخيال هو فعل النفس تدرك الصور و عينها و مشعرها بها تنظر الي الصور الملكوتية كما ان الروح الحيوانية بالعين تنظر الي الصور الزمانية و الفعل صادر عن النفس من حيث صدوره كلي و لكنه يتعين في المشاعر كما ان درك الحيوان كلي و انما يتعين في المدارك و مشاعرها افلاك النفس و مقام النفس الجزئية مقام فلك المشتري كما ان مقام النفس الكلية الكرسي و مقام العقل الجزئي فلك زحل و مقام العقل الكلي مقام العرش و لذلك يكون سدرة المنتهي في الكرسي و لميطأه قبل نبينا صلي الله عليه و آله احد و فيه جنة عدن التي هي مخصوصة بمحمد و آله عليهم السلام و هو ذهب في معراجه الي العرش و توضأ من بحر صاد فالرعية لايتجاوزون فلك زحل و نفس الرعية العالمة و فيها الصور المجردة عن المواد و المدد الزمانية و عينها الخيال تنظر بها الي الصور التي آتاها الحس المشترك و يؤدي الخيال بعد ما انصبغت بصبغه و تشكلت بشكله و لكن في غاية اللطافة الملكوتية و في غاية التجرد الي العالمة فانطبع في العالمة صورته و هناك مجمع الصور ففي ذات النفس تجتمع الصور و تحصل لها صورة جامعة بها تتعين و بها تتصور و بها تمتاز عن نفس غيره و هي شخصيتها و لولاها لكانت نوعية غير مخصصة بزيد او عمرو او بكر فنفس زيد هي تلك الصورة الجامعة و هي تحصل من الادني و لذلك تتغير باعمالها و علومها فتكتب مرة في ديوان الاشقياء و مرة في ديوان السعداء و عالما و جاهلا و مؤمنا و فاسقا و الدنيا مزرعة الآخرة و قيمة كل امرء ما يحسنه كما ان العقل الخاص بزيد هو المعني الكلي الحاصل لزيد به يمتاز عن عمرو و لولا ذلك المعني لميكن لزيد عقل و لكان النوع علي حاله [ص 324] و لا شخص فاذا حصل المعني المستنبط من الصورة النفسية تعين فيه النوع و ظهر في مرآته فتجلي له فاشرق و طالعه فتلألأ فالقي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله بالجملة الصورة الكلية الحاصلة في النفس هي نفس الشخص الخاصة به و ليس فيها من حيث ذاتها كثرات و انما تتكثر علومها في الخيال كما ان الروح الحيوانية في ذاتها مجمع الصور علي نحو الاتحاد و تكثر علومها و تمتاز افرادها عند المدارك الظاهرة فالنفس بخيالها تدرك الصور المثالية المثبتة في لوح الحس المشترك و ينصبغ الخيال بصبغ ذلك المثال و يعرض ما عنده علي النفس فيحصل فيها ملكوتيته و يكون ما حصل عندها صورتها و صفتها و صبغها كما يصبغ المثال المرآة فتتصف به و الذي تدركه النفس بذاتها هو ما عندها من الصورة الملكوتية و هي منطبقة علي ما في الخيال و الذي تدركه بخيالها هو مثال مجرد عن المادة و المدة الزمانية و هو صبغ خيالها و تعينها و صفتها كما عرفت و الذي تدركه بحسها المشترك هو صبغه و صفته الحاصلة له و الذي تدركه بالعين هو ما انصبغ به العصبة الرائية الجوفاء التي تحت بيضة العين و كما ينطبع مثال المرئي في ما ذكرنا ينطبع ايضا اسباب بعده فلاجل ذلك تحسب ما تري في الخارج كما ينطبع في المرآة اسباب القرب و البعد فتري فيها القريب قريبا و البعيد بعيدا مع انهما في سطح واحد فالمعلوم الحاضر في نفسك نفس تلك الصورة التي فيها و المعلوم الحاضر في خيالك نفس تلك الصورة فيه و المعلوم لحسك نفس تلك الصورة فيه و المرئي المعلوم لعينك نفس تلك الصورة التي في العصبة الجوفاء و هكذا دأب كل مدرك في تأديته الي النفس فصح قول المشايخ ان العلم هو حضور المعلوم عند العالم و تبين ان المعلوم هو تلك الصورة التي عندك و لذا اذا ذهب زيد و تغير صورة انت عالم بما عندك من [ص 325] تلك الصورة التي انتزعتها و هي علمك و هي معلومك تعلمه به فافهم و ليس هذا الكتاب مقام ازيد من ذلك و ان كنا اتينا بما فيه الكفاية و البلاغ .