فصل - اعلم انه لا شك ان فضل الانسان علي الحيوان و النبات و الجماد بالنطق و انما السكوت و الصموت من صفات الجماد و النبات و الحيوان و لقد كرم الله عز و جل بني آدم و فضلهم عليها بالنطق و لقد وصف الله نفسه بالقول حيث قال انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و من صفاته المتكلم و لميصف نفسه بالساكت و الصامت و تكلم بالقرآن و بساير الكتب السماوية و الامر و النهي و الانذار و الاعذار و خلق الملئكة في صنوفها متكلمين بالتسبيح و التقديس و النزول علي الانبياء بالامر و النهي و ارسل رسلا فامرهم بالكلام بالانذار و الاعذار و الامر و النهي و العظة و القضاء و سياسة المدن و سوق العساكر و تعمير البلاد و اصلاح العباد و امر المؤمنين بالقول الحسن و الذكر و تلاوة الكتاب و تعلم العلوم و تعليمها و الامر و النهي و الاصلاح بين الناس و التحدث و حفظ الشرايع و الآثار و ايصالها الي من بعدهم و كل ذلك بالكلام و لايستقيم شيء من ذلك بالصمت و لايعمر العالم بالصمت بل و لايصلح بيت و لايربي ولد و لايحفظ اهل الا بالكلام فلايكون الصمت افضل من الكلام ابدا و قول لقمن ان كنت زعمت ان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب فهذا فيما كان فوق الكلام مناص احسن فالسكوت فوقه و اما اذا وجب الكلام او استحب فلايكون السكوت احسن منه ابدا ألاتري ان الله امر بالذكر الكثير فالمراد من هذه الاخبار الصمت عن الكلام المباح او المرجوح [ص 272] فحينئذ يكون الصمت عنه اولي و احسن و هو عبادة لايعلم قدرها الا الله سبحانه فانه امر عدمي بالنسبة الي الكلام و لايطلع علي خير السكوت احد و اما شر الكلام فظاهر يعرفه كل احد و اعلم ان هذه الاخبار قد جرت علي الغالب الشايع و اكثر كلام الناس فيما لايعنيهم بل فيما يضرهم و يوقعهم في المهالك و مثل هذا الكلام يقسي القلب و يمنع عن الذكر و الفكر و العبادات و ربما يهلك صاحبه بل و قوما فالسكوت عن مثل هذا الكلام لازم و اما اذا اشتغلت بالذكر اذا خلوت و بالحديث اذا زرت اخاك و بالسؤال اذا لقيت عالما و بالقول الحسن اذا لقيت الناس و بالصدق اذا كسبت الرزق و بالشكوي اذا وجدت من يداويك و بادلاء الحجة اذا وجدت القاضي و بالاصلاح اذا وجدت متنازعين و بالامر بالمعروف اذا ظننت الاجابة و الامتثال و بالنهي عن المنكر اذا زعمت الانزجار و امثال ذلك فانطق و تكلم و لكن بقدر الحاجة لا ازيد و لا اقل فانك ان تجاوزت عن ذلك و زعمت ان الكلام فضة فالسكوت ذهب و اعلم ان السكوت يجم القلب و يقوي الحرارة الغريزية و يجمع اللب و يسكن الفؤاد و يدقق النظر و يصحح الفكر و يمكن منه و هو ادعي شيء للفكر فان الانسان غالبا اذا سكت يشتغل بالفكر و قل من يسكت و لايتفكر الا ان من الفكر ما يكون فيما يعنيه و منه فيما لايعنيه و هو اكثر فلاجل ان الكلام امنع شيء عن الفكر قلنا ان الفكر موقوف علي الصمت و اعظمه صمت اللسان فان الاشتغال بساير الجوارح لايمنع عن الفكر مثل ما يمنع اللسان و ان كان صمت جميع الجوارح اكمل و اعظم و من اراد الدرجة القصوي في الفكر فلا بد له من صمت جميع الاعضاء و رفع ما يشغلها عنه و لما كان الفكر ايضا من العبادات اللازمة و لايتأتي الا بالصمت فقد يصير الصمت احسن من كثير من الكلام المستحب بل من كله اذا كان الفكر لازما واجبا [ص 273] بل اذا كان الفكر مستحبا و الكلام مستحبا اري الرجحان كلية للفكر و لما كان هو لايتأتي الا بالصمت و تركك الكلام فيمكن ان يقال ان الانسان اذا اشتغل بالفكر الذي يعنيه يكون صمته افضل من كلامه المستحب و اما اذا لميكن ذلك فالكلام افضل من الصمت فسئل علي بن الحسين عليهما السلام عن الكلام و السكوت ايهما احسن فقال ما معناه لكل منهما آفة فان سلما من الآفة فالكلام افضل فان الله عز و جل لميبعث الانبياء و الاوصياء بالسكوت لااقابل القمر بالشمس ابدا ان تبين فضل السكوت بالكلام و لاتبين فضل الكلام بالسكوت انتهي ، فاذا لميكن السكوت لاجل الفكر او غاية اخري علم فضلها علي الكلام فالكلام افضل و الا فالسكوت اجمل فعن اميرالمؤمنين عليه السلام ما معناه كل الخير في ثلثة في النظر و السكوت و الكلام فلا فائدة في نظر ليس فيه عبرة و كل سكوت ليس فيه تفكر غفلة و كل كلام ليس فيه ذكر الله فهو لغو انتهي ، فاذا اردت ان تتكلم فتدبر فيه اولا و تفكر فيه بالموعظة الحسنة فان كان يحتمل في كلامك ضرر فاتركه و من الضرر فوت مستحب عنك و منه استحباب السكوت و الصمت و الفكر و ان كان لايحتمل فيه ضرر و ذلك حينئذ في الكلام الواجب او المستحب المؤكد الذي هو اشد تاكيدا من الصمت و النظر فتكلم به و الا فالصمت اولي و كذلك ان اشتبه الامر عليك و لمتدر هل فيه ضرر ام لا فلاتبدل حسن السكوت القطعي بكلام لاتدري أضار هو ام نافع و اعلم ان ثلثة الغي شيء في الدنيا و اكثر عملا و اقل طاعة و هي العين و اللسان و الخيال فانها ابدا الا قليلا في الحركة و الجولان و اشدها الخيال فانه لايتفاوت له نوم و لا يقظة فعالج يا اخي لسانك بالصمت و اختم عليه بخاتم الصمت و هو اسهلها و اما العين فغض طرفك عما كرهه الله و امره اصعب من اللسان الا انك اذا [ص 274] غضضت طرفك عما كرهه الله و اشتغلت في اغلب وقتك بقراءة القرآن و النظر في آثار آلمحمد عليهم السلام و النظر في الآفاق و في الانفس و لزمت بيتك كفيت كثيرا من مؤنتها و لمتغلبها و هي الغالبة عليك فانك لاتقدر علي كفها عن النظر المباح اقلا و لاتقهرها و اما الخيال فاشتغل بالفكر في العلوم و في آيات الآفاق و الانفس و في ذكر آلمحمد عليهم السلام و النظر في امرهم و انهم صاحب المرأي و المسمع و اذكر الموت كثيرا فانك ان فعلت ذلك كفيت مؤنة كثير منه و هو الغالب عليك و علي كل احد الا من عصمه الله و لاينجو من شره الا المعصوم الكلي او من عصموه بعصمتهم فاني وجدت بعض الانبياء شكوا من الوسوسة فما ظنك بساير الخلق فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام ثلثة لمينج منها نبي فمن دونه التفكر في الوسوسة في الخلق و الطيرة و الحسد الا ان المؤمن لايستعمل حسده انتهي ، نعم ان للذكر النفسي اثرا عظيما في دفع الوساوس فمن عود نفسه به امن من كثير من الوساوس ان شاء الله و ليس ذلك الاثر في الذكر اللساني كما هو ظاهر للسالكين و المعتبرين و قد مر ما يدل عليه في باب الذكر فراجع .
فصل - اعلم ان التفكر علي قسمين تفكر في ما يوجب العلم و تفكر في ما يحث علي العمل . اما التفكر في ما يوجب العلم فعلي اقسام :
منها التفكر في كتاب الله سبحانه و التدبر فيه كما قال سبحانه أفلايتدبرون القرآن ام علي قلوب اقفالها فتقرأ القرآن و تتدبر في آياته فتتعظ من مواعظه و تنزجر من زواجره و تتفكر فيما بين من احكامه و اوضح من آثار توحيده و آيات تفريده و شرح من صفاته و اسمائه و افعاله و حكمه و احوال رسله و كفي في منظر يقول الله سبحانه فيه تبيانا لكل شيء و مافرطنا في الكتاب [ص 275] من شيء و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين فتنظر فيه نظر مسلم متعلم متفهم فكلما فهمته منه تعرضه علي احاديث آلمحمد عليهم السلام فان وافقها فهو و ان خالفها ترجع الي احاديثهم فانهم اعلم بمداليل الكتاب و ان لمتجده فيها فتصبر حتي يأتيك البيان . بالجملة الكتاب اعظم المناظر و اكبرها و امرت بتلاوته و التفكر فيه و قد شرحنا ذلك في محله و الحمد لله مبسوطا .
و منها التفكر و التدبر في سنة الرسول و آثار الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين و تكرر النظر فيها نظر مستهد مسترشد مسلم و تكثر التتبع فيها و التصفح لها فان كلامهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و فعلهم الخير و عادتهم الاحسان و سجيتهم الكرم و شأنهم الحق و الصدق و الرفق و قولهم حكم و حتم و رأيهم علم و حلم و حزم ان ذكر الخير كانوا اوله و آخره و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و الحق معهم و فيهم و منهم و بهم و اليهم اينما كان و ليس في يد احد علم صحيح الا ما خرج من عندهم عليهم السلام فقد سمع ابوجعفر عليه السلام يقول ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام و قال عليه السلام في حديث فليذهب الحكم يمينا و شمالا فوالله لايؤخذ العلم الا من اهل بيت نزل عليهم جبرئيل و في رواية فليشرق الحكم و ليغرب اما والله لايصيب العلم الا من اهل بيت نزل عليهم جبرئيل عليه السلام و في رواية خاطب سلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة شرقا و غربا فلاتجدان علما صحيحا الا شيئا خرج من عندنا اهل البيت و قال في رواية انه ليس احد عنده علم شيء الا خرج من عند اميرالمؤمنين عليه السلام فليذهب الناس حيث شاؤا فوالله ليس الامر الا من هيهنا و اشار بيده الي بيته بالجملة ان [ص 276] احاديثهم خزانة العلم و مستقاه و فوارة النور من قصدها و توجه اليها استفاد و استنار و لكن لا بد من التسليم و النظر اليها بالفطرة و عدم التأويل فيها الي الآراء الفاسدة و الاهواء الكاسدة و القواعد القاعدة و لينظر فيها نظر مستمد مستفيد معتقد مسلم حتي ينتفع بها و ليعلم انهم معصومون مأمورون من عند الله بابلاغ ما يصلح العباد و ما يفسدهم و هم لميقصروا فيما امرهم الله عز و جل فجميع ما وصل منهم كاف شاف في علمك و عملك في دنياك و آخرتك و لا خير لك فيما نهوك عنه و كل الخير فيما امروك به أليس تقرأ فيما تقرأ من الزيارة : بينتم فرايضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته حتي صرتم في ذلك منه الي الرضا و سلمتم له القضاء و صدقتم من رسله من مضي فالراغب عنكم مارق و اللازم لكم لاحق و المقصر في حقكم زاهق و الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و انتم اهله و معدنه و ميراث النبوة عندكم و آيات الله لديكم و عزائمه فيكم الزيارة ، فهذا ايضا احد اقسام النظر و التفكر .
و منها النظر في كتب العلماء الربانيين و الحكماء الصمدانيين الماحضين في الاخذ عن الائمة الطاهرين عليهم صلوات المصلين المعرضين عن اعدائهم اجمعين عليهم لعنة اللاعنين النافين عن هذا الدين تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و هم العدول المشار اليهم في حديث الصادق عليه السلام ان العلماء ورثة الانبياء و ذلك ان الانبياء لميورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ شيئا منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و حديث النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين [ص 277] كما ينفي الكير خبث الحديد انتهي ، و قد قال الله سبحانه أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع ام من لايهدي الا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون و قال و اتبع سبيل من اناب الي و قال اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده الي غير ذلك من الآيات و الاخبار التي تأتي في باب العلم ان شاء الله تعالي فترقبها فاذا وجدت علماء هكذا فاعلم ان مراجعة كتبهم نظر فيما احب الله و تفكر في شرح الكتاب و السنة و هي مراجعة الي الله و رسوله و آله عليهم السلام حقيقة و مراجعة كتبهم من اسباب العون علي التفكر و فهم الكتاب و السنة و تقوم الذهن و تعلم الانسان طريق الاستنباط و تسدده .
و منها التفكر في آيات الآفاق و النظر في ملكوت السموات و الارض و لذلك طريق لايمكن الوصول اليه الا به فلنعنون لذلك فصلا يستقل ببيانه و يعرف به موضعه .
فصل - اعلم انه لايمكن لك التفكر الصحيح و النظر المعتبر حتي تتخلي في مكان لاتسمع فيه صوت احد و لايكون فيه مرئيات معجبة رائقة من متاع الدنيا فتشغلك و تكون في حال معتدل لا شبعان مثقلا و لا جوعان متبلبلا و لا مهموما و لا مغموما و لا كسلان و لا نعسان و لا خائفا من عدو و لا عاشقا ولعا بشيء من حطام الدنيا و اهلها و لا متعلق القلب باهل و لا عيال و يكون الوقت غير حار شديد و لا بارد و لا في وقت تريد التهيؤ لصلوة و لاتكون مريضا و لا غالبا عليه خلط من الاخلاط علي حد المرض و افساد الخيال لاسيما السوداء بالجملة لا بد و ان تكون فارغا من جميع ما يشغلك و يصرفك عن النظر طبعا و قهرا ساكن القلب مطمئن البال فتقعد في زاوية و لو كان البيت غير ضيئ شديد و لا مظلم شديد لكان احسن فتنظر في ملكوت السموات و الارض و تتعجب من هذا الوضع العجيب و البناء الغريب و تنظر الي [ص 278] كل شيء و تقول في نفسك كيف صار هكذا و من اين جاء و الي اين يذهب و باي شيء يقوم و هكذا تنظر في كل شيء شيء فان انفتح لك في شيء باب و طريق تدخل منه و تمشي فيه من غير تكلف و من غير انس بما تعلم و بالقواعد المسلمة عندك و بالنواميس المعتبرة و بالاساتيد الذين كنت تحسن الظن بهم فتنظر بفطرة الله التي فطرك الله عليها و تنظر ما يلقي في روعك من كل شيء و بعد ما فرغت من التفكر اعرض ما فهمته علي اجماع الشيعة و الكتاب المجمع علي تأويله و السنة الجامعة و اتفاق العقلاء فان خالفها اتركه فانه اي ما فهمته باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و انما هو من وحي الشيطان و ان وافقها فخذه فانه نفث روح القدس و ان لمتجده فيها فذره حتي يأتيك البيان و تعيد التفكر و كلما فهمته في شيء فحصله في غيره ايضا فان كل شيء فيه معني كل شيء فان وجدت ما فهمت في كل شيء بحيث نطق به جميع آيات الآفاق صريحا اجمالا و تفصيلا فهو و قلما يخطي مثل ذلك و قل ان لايكون ذلك في كتاب و سنة بالجملة هذا مجمل القول في آداب التفكر و اجعل ذكر الموت لك سابقا لفكرك و قائدا كلما تفرق فكرك و ذهب يمينا و شمالا فاصرفه بذكر الموت فانه يذل بهذا لا بغيره و ينقاد و ان لمتقدر في الاوائل علي جمع البال فلاتتضجر فانك اذا تعودت الفكر تقدر علي جمعه و يجتمع لبك و يقل وسوستك و ان غلبك النوم في الاوائل حين جمع البال فنبه قلبك بذكر الموت فان لميتنبه قم من مقامك و امش قليلا و اغسل وجهك و يدك ثم عد و اقطع اسباب غلبة النوم و هو النوم الكثير و كثرة شرب الماء و كثرة الاكل و التعب الشديد و تبيغ الدم و سخونة البيت و امثال ذلك و اسع دائما في تعديل المزاج و قطع الاسباب المحرفة فانه العمدة في الباب فانك اذا داومت علي [ص 279] ما ذكرنا ينفتح لك ابواب من العلم لميخطر علي احد من غير اهل التفكر و تشاهد ما لميشاهده غيرك و غير اخوانك و اعلم ان الآن قد اظلم لك عرصة الخيال لانك متوجه الي الحواس الظاهرة فتري الدنيا ضيئة و عرصة الخيال مظلمة كمن هو قاعد في ضياء فيري داخل البيت مظلما و اما اذا توجهت الي الخيال و انست به و تمحضت في النظر اليه انكشف لك عرصة الخيال ظاهرا باهرا و اظلم لك الدنيا عكس الحالة الاولي و لما بلغ الكلام الي هيهنا احب ان اذكر لك شيئا من امر الكشف لتعلم طريقه فانه مهم .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق الارواح قبل الابدان باربعةآلاف عام ثم خلق الابدان و جعل تلك الارواح متعلقة بتلك الابدان و مدبرة لها و مربية اياها و متصرفة فيها فجعل الروح الكلي مدبرا لبدن هذا العالم الكلي و الارواح الجزئية مدبرة لابدانها الجزئية و صفة ذلك التعلق ان الله سبحانه امر تلك الارواح بالادبار فماتت و دفنت في ارض الطبايع و صارت فيها بالقوة ثم نزلت في المادة الكلية ثم في المثال الكلي ثم في جسم الكل ثم في العرش ثم في الكرسي ثم في الافلاك ثم في العناصر و التراب و تلك الارواح في جميع هذه المراتب كانت بالقوة غير متعينة و لا متشخصة فلما امر الله الخلق بالاقبال و دعاه اليه صعد الي ان وصل الي رتبة النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اكساء اللحم و هي في جميع هذه الاحوال ميتة بالية و بالقوة ممتزجا بعضها ببعض لا تعين لواحد منها فلما كمل بدنه و اعتدل اخلاطه و صفا مزاجه ببخر الدم الاصفر تنبه باشعة الاحياء الممازجة مع ذلك البخار و اولئك الاحياء الافلاك و الام فانتعش صرعة الروح و تنبه غافله و استيقظ نائمه و حيي ميته مصبوغا بصبغ ذلك البخار النباتي المنصبغ بصبغ الاخلاط الجمادية كما حيي ميت النار في الدهن و الدخان بشعاع حي اي شعلة اخري الممازج معه [ص 280] منصبغا بصبغ ذلك الدخان فظهرت صفراء و خضراء و حمراء فكذلك حيي ذلك البخار فظهر حيوانا ناطقا او سبعا او بهيمة او حشارا علي حسب اعتدال ذلك البخار و انحرافه حتي اذا خرج الي الدنيا فان كان حيوانا ناطقا تعلق به نفس ناطقة انسانية يعني تنبه ما فيه من النفس الناطقة الانسانية باشعة الافلاك الحية و بتربية ساير الاناسي حيث يعلمونه شيئا بعد شيء و يربونه علي الانسانية فيتأدب حيوانيته و تعتدل حتي يحيي ما كان فيه من الانسانية الميتة الصايرة بالقوة فيصير انسانا بالفعل منصبغا بصبغ تلك الحيوانية و تلك النباتية البخارية و تلك الجمادية فيكون انسانا ظاهريا جوادا او بخيلا بليدا او ذكيا فطنا غضوبا او شهويا فلربما يكون فيه صبغ الجمادية غليظا غالبا او النباتية او الحيوانية فايها غلظ و كثف و غلب الباقي تبعه الباقي و مشي بسيرته و انصبغ جميع مشاعره و افعاله في ذلك الغالب ثم ان وفق بهاد كامل مكمل و معلم رباني معتدل و توجه اليه و اشرق نوره عليه مازج نوره انسانية هذا الانسان و غاص في اعماقه فنبه ما فيه من غافل العقل و احيي ما فيه من ميته و ذكر ما كان من غافله فصار عقلا بالفعل بعد ان كان عقلا بالقوة و حيي بعد ان كان ميتا و ذلك ايضا يظهر عليه بالفعل بحسب قابليته منصبغا بصبغه فان غلب العقل و رق الصبغ سعد و ان صار مغلوبا و صار الصبغ غالبا استعمله في هواه و خالف به مولاه فاستحال العقل في ذلك الصبغ جهلا و كان الرجل جاهلا لا عاقلا كما ان الناطقة الانسانية اذا صارت مغلوبة للبهيمية بهيمة لا انسان انهم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون الناس كلهم بهائم الا المؤمن و كذلك الحيوانية المنصبغة المطيعة للنباتية نبات كانهم خشب مسندة و كذلك النباتية المنصبغة في الجمادية فهي كالحجارة او اشد قسوة فافهم و اما في العقل فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام كل ذنب عمله العبد و ان كان به [ص 281] عالما هو جاهل حين خاطر بنفسه في معصيته و قد قال في ذلك تبارك و تعالي يحكي قول يوسف لاخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون فنسبهم الي الجهل لمخاطرتهم بانفسهم في معصية الله انتهي ، فالعاقل لايعصي و انما يعصي الجاهل المتبع لهواه المدبر عن مولاه فلايكون عقله عقلا شرعيا ايمانيا و ان كان تكليفيا فهو جهل فهو جاهل و عن ابيالحسن عليه السلام ان الله تبارك و تعالي ايد المؤمن بروح يحضره في كل وقت يحسن فيه و يتقي و يغيب عنه في كل وقت يذنب فيه و يعتدي فهي معه تهتز سرورا عند احسانه و تسيخ في الثري عند اساءته فتعاهدوا عباد الله نعمه باصلاحكم انفسكم تزدادوا يقينا و تربحوا نفيسا ثمينا رحم الله امرءا هم بخير فعمله او هم بشر فارتدع عنه ثم قال نحن نريد الروح بالطاعة لله و العمل له و من هذا الباب ما روي عن ابيجعفر عليه السلام قال ما من عبد الا و في قلبه نكتة بيضاء فاذا اذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء فان تاب ذهب ذلك السواد و ان تمادي في الذنب زاد ذلك السواد حتي يغطي البياض فاذا غطي البياض لميرجع صاحبه الي خير ابدا و هو قول الله عز و جل كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون ، و عن ابيجعفر عليه السلام في قول رسول الله صلي الله عليه و آله اذا زني الرجل فارقه روح الايمان قال هو قوله و ايدهم بروح منه ذلك الذي يفارقه و عن ابيعبدالله عليه السلام يسلب منه روح الايمان ما دام علي بطنها فاذا نزل عاد الايمان قيل أرأيت ان هم قال لا قال أرأيت ان هم ان يسرق أتقطع يده و روي انه جاء رجل الي اميرالمؤمنين عليه السلام فقال يا اميرالمؤمنين ان ناسا زعموا ان العبد لايزني و هو مؤمن و لايسرق و هو مؤمن و لايشرب الخمر و هو مؤمن و لايأكل الربوا و هو مؤمن و لايسفك الدم الحرام و هو مؤمن فقد ثقل علي هذا و حرج منه صدري حين ازعم ان هذا العبد يصلي صلوتي [ص 282] و يدعو دعائي و يناكحني و اناكحه و يوارثني و اوارثه و قد خرج من الايمان لاجل ذنب يسير اصابه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام صدقت سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول و الدليل عليه كتاب الله ثم قسم الناس ثلثة اقسام السابقين و اصحاب الميمنة و اصحاب المشأمة ثم شرح عليه السلام ان في السابقين خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن و في اصحاب الميمنة اربعة دون روح القدس و في اصحاب المشأمة ثلثة دون روح الايمان انتهي ، اقول ان روح القدس هي العقل الكلي و روح الايمان هي العقل الجزئي و روح القوة هي الروح الحيوانية الفلكية و روح الشهوة هي النفس النباتية و روح البدن هي الغريزية الحافظة للبدن فالمؤمن فيه العقل الجزئي المخصوص به و الكافر ليس له ذلك و قيل لابيالحسن عليه السلام الكباير تخرج من الايمان قال نعم و ما دون الكباير قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله لايزني الزاني و هو مؤمن و لايسرق السارق و هو مؤمن و في العوالم في باب الارواح عن ابيعبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث خمسة ارواح روح الايمان يلازم الجسد ما لميعمل بكبيرة فاذا عمل بكبيرة فارقه الروح و روح القدس من سكن فيه فانه لايعمل بكبيرة ابدا انتهي ، بالجملة ان العقل عقل اذا صفي عن شوائب المراتب الدانية و الا فهو في الاول عقل مصبوغ ثم يعود جهلا قال الله سبحانه الذين آمنوا و لميلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن و هم مهتدون و قال و كان عاقبة الذين اساؤا السوأي ان كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزؤن فكل تلك المراتب له مقام استخلاص عن شوائب الاكدار الدانية و مقام انهماك فيها ثم اما ان يشتد الانهماك حتي يتطبع العالي بطبع الداني و يتغير و يستحيل بمقتضي فلآمرنهم فليغيرن خلق الله بحيث [ص 283] اذا زال عنه الصبغ بقي له ذلك الطبع و اما ان يضعف فيكون غير متطبع بالطبع و غير متغير فاذا زال عنه الصبغ زال عنه الصفة و لهذين علامة اما علامة المتطبع فهو ان يحب صفة الداني و يشتهيها و يكره ما سواها نعوذ بالله و ذلك كالحطب اذا وضع في النار يجزع اولا و يتألم من النار و يزفر بالدخان لان طباع الحطب علي خلاف طباع النار و الحطبية باقية فمقتضاها ثابت و له اثر و اما اذا استحال نارا و كان نارا فانه يكره خلاف النار و يشنأه البتة نعوذ بالله فما دام المؤمن يبغض المعاصي و الباطل و يشمئز من وروده بخاطره فالوارد له بالعرض و يزول بفناء البدن و موته لانه مع البدن لا مع الروح و اما اذا كان يحبه و يهواه و يكره ما سواه فهو المتطبع الذي اذا زال و فني بدنه يبقي هو علي ذلك الطبع و لايتغير عما هو عليه فافهم فاذا عرفت هذه المقدمة النافعة فاعلم ان حاصل الرياضات و المجاهدات هو انقلاع النفس عن البدن و مقتضياته و عودها صرفة ملكوتية كما خلقت اول مرة لتكون مستولية علي البدن قادرة علي التصرف فيه كما شاءت و ارادت مربية له بل اذا تجردت النفس كما ينبغي تقدر علي التصرف في غير بدنها علي حسب تجردها و ارائة الكلي و قد تتصرف اذا فارقت البدن فراقا اختياريا او اضطراريا في ساير امور الدنيا و موجوداتها ، بالجملة همّ جميع اصحاب الرياضات الانقلاع عن المواد الدنياوية و الانزجار عن الخصال النباتية و الحيوانية علي ان المنهمكين فيها اخس الناس همة و هم اضل من البهائم و اذل البتة فهم لما هموا بذلك سعوا في تضعيف جانب النباتية و الحيوانية بتقليل امدادهما بمشاكلهما فضعفتا حتي عجزتا عن صرف النفس عن مقتضاها فاستقلت النفس في شأنها و نظرت في ملكوتها و استذلت الحيوانية و استولت علي النباتية و وطأت الجمادية فاطاعتها الكل فنجت عن [ص 284] التخصص و التقيد و الكدورات المعمية لها عن مشاهدة ملكوتها و محض نجاتها عن هذه الكدورات لايفيدها شيئا من الحق و الباطل و هي علي ما هي عليه فان كانت متوجهة الي سجين و الشياطين تتمحض في توجهها كما كانت و ان كانت متوجهة الي عليين و الملئكة تتمحض في توجهها كما كانت كما ان النفس تنقلع عن الجسد عند النوم و تتوجه الي عالمها سواء كانت شقية ام سعيدة الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لمتمت في منامها فالنوم و الوفاة متساويان و الوفاة سواء كانت اختيارية او اضطرارية سبب تجرد النفس عن هذه الاعراض فكما ان النوم لايسعد الشقي و الوفاة لاتسعد الشقي كذلك الرياضة و الاعراض عن الخصال الجمادية و النباتية و الحيوانية لايوجبان السعادة للنفس و ليس جميع اسباب شقاوة النفس من الانصباغ العرضي في هذه الاصباغ بل قد يكون من الحاد و شقاوة نفسانية اذ قد تنصبغ من الاسفل و لكن تصير بحيث لاتزول عنه الصفة و لو زال السبب ألاتري انه قد ينقلب الانسان بمعاشرة رجل انقلابا يكون علي صفته بالتبع ما دام هو معه و هو لها كاره فاذا فارقه عاد الي طباعه و فارق صفة خليله و قد ينقلب انقلابا يبقي فيه الصفة و لو فارق خليله و كذلك حال النفس فحينئذ يكون شقاؤها من نفسها في الميثاق في عالم الذر فان الله جل و عز خلقها قبل البدن باربعةآلاف عام كما عرفت و اخذ عليها الميثاق و هو قوله عز و جل و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل اي في عالم الذر و ذلك ان الدهر مقدم علي الزمان باربع مراتب برزخية و يعبر عن كل مرتبة بالف عام فمثل هذه النفس شقي في عالمه و لو زالت الاعراض فان عرفت ما شرحنا و بينا عرفت ان المكاشفات لايجب ان توافق الحق و لايجوز الاتكال عليها و الاعتناء بها و لاترجح علي الادلة القطعية الحقة و انما يعتبر مكاشفة نفس وافقت الحق [ص 285] و كانت علي الحق و علي صراط مستقيم و من عليين و متوجهة الي لوح الابرار و كتابهم في عليين و مع ذلك ان وافقت اقوال من مكاشفاتهم قطعية فهي حق و الا فهي باطل و لايكتفي بمحض كون الانسان مسلما او شيعيا فان المأمون من اصباغ النفس كملا هو المعصوم الحق و اما غيره فقد يكون فيه بعض الاصباغ فيحتاج الي ميزان يعرض عليه و نحن اذا لمنعتبر المكاشفات فما ظنك بالادلة العقلية ما لمتكن مما تعرف العقول عدله و كانت من الخلافيات او وافقت الكتاب و السنة و آيات الآفاق و الانفس و لاجل ما ذكرنا ينكشف لجميع اصناف المرتاضين علي طريقتهم التي يأتلفونها حتي ان السني ينكشف له حسن حال ابيبكر و عمر و الصوفي ينكشف له حسن حال مرشده و اليهودي و النصراني و المجوسي و اهل كل مذهب ينكشف له حسن مذهبه و يري امورا معجبة في طريقته فاي عبرة بالكشف حينئذ ما لميوافق الموازين الحقة و كل مرآة من حمراء و بيضاء و مستقيمة و عوجاء ينكشف فيها الشاخص علي حسبها بالبداهة هذا قليل من كثير في معني الكشف و لايناسب الكتاب ازيد مما ذكرنا و انت اذا قعدت في زاوية كما ذكرنا و تفكرت في امرك فارغ البال من كل ما يشغلك و انت علي طريقة الهادين ارجو ان ينكشف لك امور توافق الحق و لو تعودت ذلك تكثر عليك هذه الحال حتي جاءتك في اغلب الاحوال بعون الله المتعال .
فصل - و من التفكر التفكر في آيات النفس التي هي اقرب اليك من غيرها و تري جميع ما فيها و ظواهرها و خوافيها و تشاهد فيها ما كان عليك ان تجده بالاستدلال في غيرها و هو ما قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم أفلاتبصرون و قال و من آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا [ص 286] انتم بشر تنتشرون و من آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون و من آياته خلق السموات و الارض و اختلاف السنتكم و الوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين و من آياته منامكم بالليل و النهار و ابتغاؤكم من فضله ان في ذلك لآيات لقوم يسمعون الي غير ذلك من الآيات الباهرات الدالة علي كون آيات الله في خلق الانسان و الآمرة بالنظر و التفكر فيها و الاعتبار منها و ان كان هذه العبادات متروكة منسية في زماننا هذا كأن لمتكن من الشرايع بالجملة حق و باطل و لكل اهل فلنشرح الآن شيئا من امر التفكر في الانفس ، اعلم ان الله جل و عز خلق الانسان انموذج العالم الاكبر فخلقه حفنة من وقر و سنبلة من بيدر يعني خلقه من قبضات من كليات هذا العالم فخلق له من قبضة من العرش قلبا و من قبضة من الكرسي صدرا و من قبضة من فلك زحل تعقلا و من قبضة من فلك المشتري عالمة و من قبضة من فلك المريخ وهما و من قبضة من فلك الشمس مادة ثانية و من قبضة من فلك الزهرة خيالا و من قبضة من فلك عطارد فكرا و من قبضة من فلك القمر حيوة و من قبضة من كرة النار صفراء و من قبضة من الهواء دما و من قبضة من الماء بلغما و من قبضة من التراب سوداء و كذلك خلق له اعضاء فخلق من العرش قلبه الصنوبري و من الكرسي دماغه و من زحل طحاله و من المشتري كبده و من المريخ مرارته و كليتيه و من الشمس فمه و من الزهرة اعضاء تناسله و من عطارد اللسان و من القمر ريته و صدره و كذلك خلق منها له حواسه الظاهرة فمن زحل سمعه و من المشتري لمسه و من المريخ بصره و من الشمس حسه و من الزهرة شمه و من عطارد ذوقه و من القمر حيوته بالجملة خلقه عالما صغيرا [ص 287] كما ينسب الي اميرالمؤمنين عليه السلام هذه الاشعار :
دواؤك فيك و ماتبصر و داؤك منك و ماتشعر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر
و العالم الاكبر و ان كان مشروحا مفصلا الا انه مشروح الظاهر خفي الباطن و الانسان و ان كان مجملا بالنسبة اليه الا انه واضح الباطن فكلما خفي في العالم يصاب في الانسان و كلما يشتبه في الانسان يستوضح في العالم فهما مقرونان كما قرنهما الله سبحانه و قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فللتفكر في النفس وجوه منها ان تتفكر في كمها و كيفها و صفة بدوها و عودها و شؤنها و اطوارها و ظواهرها و خوافيها و اتقان الصنع فيها و كون كل جزء منها علي نهج الحكمة و الصواب بحيث يتحير العقل فيها و يظهر لكل وضع منه حكم بعد سنين و دهور بحيث قد عجز الحكماء عن درك حقيقة الصنع فيها و قد خلقها الله سبحانه في ظلمات ثلث من غير آلة و معاناة و علاج نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم لحما فاتم بدنها ثم انشأ في ذلك البدن خلقا آخر و نفخ فيه من الروح و رباه حالا بعد حال الي ان اخرجه فجعله وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم ناشئا ثم مترعرعا ثم حرورا ثم مراهقا ثم محتلما ثم بالغا ثم امرد ثم طارا ثم باقلا ثم مسبطرا ثم مطرخما ثم مختطا ثم صملا ثم ملتحيا ثم مستويا ثم مصعدا ثم مجتمعا ثم شابا ثم ملهوزا ثم كهلا ثم اشمط ثم شيخا ثم اشيب ثم حوقلا ثم صفتاتا ثم هما ثم هرما ثم ميتا ثم مقبورا ثم باليا ثم رميما ثم يعود ترابا كما كان اول مرة و يعود نسيا منسيا و معدوما في الدنيا كما كان من اول الدنيا الي يوم تولده فتتعجب من هذه الحالات و من غفلاته في هذه الايام القلائل [ص 288] و كبره و فخره و ادعائه الاستقلال و امره و نهيه و تدبيره و طول امله و امانيه و شهواته و معاداته و موالاته و حبه المال و الاولاد و الاهل و الدنيا و الرياسة و امثال ذلك فمن تفكر في هذه الامور و غاص في بحرها دهش عقله و تحير لبه ثم يتفكر في نفسه من انت و من اين انت و الي اين و لم و ماذا و كيف و عليم و فيم و هكذا مما لاتسعه الدفاتر و قد ذكر بعض ذلك الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في حديث مفضل فراجعه فانه من اسباب التفكر في الآفاق و الانفس و يفتح لك ابوابه و يعلمك طريقه كما ان حديث الاهليلجة معين له جدا و اعلم و تيقن ان الانبياء اعلم العلماء و احكم الحكماء و قد جاؤا من عند العليم الحكيم ألايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فقد دعوا اولئك العلماء الحكماء الخلق الي الله سبحانه بهذه الطريقة و من هذا الباب و لمينطق احد منهم بالتدقيقات الحكمية و التحقيقات الفلسفية فلو كانت هي اقرب الطرق الي الله و اقوم السبل و آمن المناهج لسلكوها و دعوا العباد اليها و دلوهم عليها و قد امروا بتسيير العباد و ايصالهم الي الرشاد و هم معصومون غير مقصرين فاذا تبين ان هذا الطريق اقرب و آمن و اسهل فما بالك تتيه في مهامه تحقيقات الحكماء و تغوص في لجج تدقيقات المتكلمين و ان هي والله الا طرق ضلالة كما قال الله سبحانه فما ذا بعد الحق الا الضلال ، فاني تؤفكون و اني تصرفون و لما ذا عن الحق تعدلون فعليكم يا اخواني بسلوك هذه الطرق أماتعتبرون من الحكماء من انفسهم في اختلاف مذاهبهم و لميمنعهم حكمتهم عن عبادة الاوثان و شد الزنانير و شرب الخمور و التار و الطنبور و موالاة اهل الفجور و ارتكاب الزنا و اللواط و قول الزور و اتخاذ الارباب و الآلهة او انكار الرب و الانبياء و الحجج و هم مع ذلك يدعون انهم يشقون [ص 289] الشعر و الحكمة هي العلم بحقايق الاشياء علي ما هي عليه في نفس الامر فلو كان طريقتهم طريقة تكميل النفس و تعديلها و استخراج كوامن ما اخفاه الله فيها و العقل لكان اللازم ان يهتدوا الي الحق و الي طريق مستقيم و من العجب ان مشاعرهم صاحية في جميع الامور فاذا ذكر الدين تغيمت و هم اذكياء في ساير الاشياء فاذا ذكر المذهب تبلدوا و عزب عنهم افهامهم فقالوا باشياء مستهجنة يتعجب اللبيب من صدورها منهم و ظهورها عنهم و خفاء الحق فيها عليهم بالجملة هذا وجه من وجوه التفكر في النفس لتحصيل العلم و اقول كما كان يقول الصادق عليه السلام :
علم المحجة واضح لمريده و اري القلوب عن المحجة في عمي
و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجي
فصل - اعلم ان القوة المفكرة بمنزلة المرآة كلما واجهت بها شيئا ادركته و تفكرت فيه فهي تختلف بحسب الصفا و الكدورة فكلما كانت اصفي كانت احكي و كلما تكدرت لمتحك و خفي عنها دقايق الامر حتي اذا غلب عليها الكدورة خفي عنها الفكر و لمتحضرها النسب الفكرية كما ان الحيوانات لكدورة قوتها المفكرة ليس لها فكر فانت لو مشيت كما يمشي الحيوان تكدر مفكرتك و لمتفهم النسب بين الاشياء كالحيوان و كلما صفت و لطفت و اشتد صقالتها كانت حكايتها اصح و ادق فانت اذا قعدت للتفكر و قابلت بمرآة فكرك الاشياء و رأيت انه لاينطبع فيه شيء فاعلم انه كدر فاسع في صقالته بالرياضات الملطفة المرققة للدم حتي يقل رطوباتك و يلطف دمك فيلطف بخاره و يقل الابخرة المتصاعدة الي دماغك فيصحو فضاء دماغك من تلك الابخرة فيظهر فيه الافكار علي ما في الواقع و لذلك قلنا انه ينبغي ان لاتكون حال الفكر شبعان و لا نعسان و لا مريضا و لا في وقت حار و اذا رأيت انه قد [ص 290] غلب عليك الوسوسة و الشياطين فاترك التفكر و اشتغل بالذكر و ذكر الموت حتي يزول عنك الوسوسة فتعود الي فكرك و هكذا تدبر امرك و تعالج نفسك و تعدلها و اعلم ان كثرة الفكر في اول الامر تحرق الاخلاط و تزيد في السوداء و يؤل امرك الي فساد الدماغ فان الفكر مسخن للدماغ لتوجه الروح الي الدماغ فيجفف الدماغ و يغلب عليه الحرارة فلايجوز الاكثار و انما يكفيك في اول الامر كل يوم ساعة حتي تتعود ذلك و يتعود دماغك و كلما احسست بتعب الدماغ و عيه و كسالته فاترك فاذا استرحت و نشطت فعد و هكذا حتي يعود امرك في آخر الامر انك في اغلب الاوقات متفكر و يرد عليك ما لميخطر علي قلب بشر و يأنس بك الملئكة الثلثة الموكلون بالافكار و هم شمعون و سيمون و زيتون و اعوانهم فيأتونك بالافكار الحقة الصحيحة الموزونة بالكتاب و السنة فاذا اعتدل خيالك و فكرك و انست بعالمهما كثر رؤياك و ثبتت و صرحت و وضحت و اعتبرت فتلهم في المنام بامور معتبرة كثيرة بالجملة التفكر عبادة عظيمة قد غفل عنه الناس و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام الفكر يهدي و الصدق ينجي و قال الفكر عبادة العفاف زهادة و قال التدبير بالرأي الرأي بالفكر و قال الفكر يهدي الي الرشاد و في آخر الي الرشد و قال الفكر يفيد الحكمة و الاعتبار يثمر العصمة و قال الفكر جلاء العقول و قال الفكر في غير الحكمة هوس الصمت بغير تفكر خرس و قال التفكر في ملكوت السموات و الارض عبادة المخلصين و قال الفكر في الامر قبل ملابسته يؤمن الزلل و قال المؤمن دائم الذكر كثير الفكر علي النعماء شاكر و في البلاء صابر و قال المؤمن اذا نظر اعتبر و اذا تكلم ذكر و اذا سكت تفكر و اذا اعطي شكر و اذا ابتلي صبر ، الي غير ذلك من الاخبار و ينبغي للسالك الطالب [ص 291] للعلم ان يداوم عليه كما ذكرنا و لايزعمن انه يشتغل به عن العبادة فانه افضل العبادة و روي لا خير في عبادة لا تفكر فيها .
فصل - و اما التفكر العملي فعلي اقسام عديدة فمنها ان تتفكر في قرب الاجل و فناء الدنيا فتقعد في زاوية و تحضر في خيالك اباك و امك و اخوانك و اعمامك و اخوالك و اقاربك و اصحابك و معاريفك و تتفكر في ايام حيوتهم و في تنافسهم و تعاديهم و تباغضهم و حسدهم و حرصهم و حبهم للدنيا و جمع المال و حبهم للاهل و الولد و العزة و الاعتبار و ولعهم في جميع ذلك و طول آمالهم و عداتهم و ما فعلوا و ما بنوا و ما جمعوا ثم تتفكر في بغتة الاجل اياهم و حلوله عليهم في مأمنهم ثم تتفكر فيهم محتضرين ملقين علي المغسل مسجين في مكفنهم مكفنين محمولين علي النعوش و الاكتاف مقبورين مستورين بالتراب في ذلك البيت المظلم قد اكلهم الديدان و لذعهم الحيات و العقارب ثم تتفكر في تقطع اوصالهم و ترمم عظامهم و صيرورتهم ترابا فلعل قبورهم حرثت و زرعت قد عمل في عيونهم و افواههم و بطونهم المساحي و المعاول و لعلهم صنعوا كيزانا و طبخوا في اتون الفواخير ثم تتفكر انك مثلهم و يعود عما قريب حالك مثل حالهم فتتصور نفسك مريضا ثم محتضرا ثم محمولا الي المغسل ثم مغسولا ثم محمولا ثم مقبورا ثم مأكولا ثم رميما و تجزم بذلك حتي ييأس روحك عن جسدك و لايهتم به فاذا صنعت ذلك حتي جزم به روحك و عقلك جزما مقرونا بالعمل هان عليك الدنيا و ما فيها و ملك قيصر و كسري و صدقت انما الحيوة الدنيا كماء انزل من السماء فنبت به نبات ثم يبس و هشم تذروه الرياح فلاتعتني بشيء من الدنيا و ما فيها و لاتبال بعريك و جوعك و عزتك و ذلتك و يصغر عندك المصائب فعن الصادق عليه السلام ان صاحب الدين فكر فعلته السكينة و استكان فتواضع و قنع فاستغني و رضي بما [ص 292] اعطي و انفرد فكفي الاحزان و رفض الشهوات فصار حرا و خلع الدنيا فتحامي الشرور و طرح الحسد فظهرت المحبة و لميخف الناس فلميخفهم و لميذنب اليهم فسلم منهم و سخط نفسه عن كل شيء ففاز و استكمل الفضل و ابصر العاقبة فامن الندامة انتهي ، و جميع هذه النعم يحصل له من التفكر لا غير فقد روي عن الصادق عليه السلام ذكر الموت يميت الشهوات في النفس و يقلع منابت الغفلة و يقوي القلب بمواعد الله تعالي و يرق الطبع و يكسر اعلام الهوي و يطفي نار الحرص و يحقر الدنيا و هو معني ما قال النبي صلي الله عليه و آله فكر ساعة خير من عبادة سنة و ذلك عند ما تحل اطناب خيام الدنيا و تشدها في الآخرة و لاتشكن نزول الرحمة علي ذكر الموت بهذه الصفة و من لايعتبر بالموت و قلة حيلته و كثرة عجزه و طول مقامه في القبر و تحيره في القيمة فلا خير فيه قال النبي صلي الله عليه و آله اذكروا هادم اللذات قيل و ما هو يا رسول الله قال الموت فماذكر عبد علي الحقيقة في سعة الا ضاقت عليه الدنيا و لا في شدة الا اتسعت عليه و الموت اول منزل من منازل الآخرة و آخر منزل من منازل الدنيا فطوبي لمن اكرم عند النزول باولها و طوبي لمن احسن مشايعته في آخرها و الموت اقرب الاشياء من بني آدم و ما بعده ابعد فما اجرئ الانسان علي نفسه و ما اضعفه من خلق و في الموت نجاة المخلصين و هلاك المجرمين لذلك اشتاق من اشتاق الي الموت و كره من كره قال النبي صلي الله عليه و آله من احب لقاء الله احب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره لقاءه و عن النبي صلي الله عليه و آله افضل الزهد في الدنيا ذكر الموت و افضل العبادة ذكر الموت و افضل التفكر ذكر الموت فمن اشغله ذكر الموت وجد قبره روضة من رياض الجنة و عن النبي صلي الله عليه و آله اكثروا من ذكر هادم اللذات فانكم ان كنتم في ضيق وسعه عليكم فرضيتم به فاثبتم و ان كنتم في غني [ص 293] بغضه اليكم فجدتم به فاجرتم و قيل لابيجعفر عليه السلام حدثني ما انتفع به فقال اكثر ذكر الموت فانه لميكثر ذكره انسان الا زهد في الدنيا و شكي رجل الي الصادق عليه السلام الوسواس فقال اذكر تقطع اوصالك في قبرك و رجوع احبابك عنك اذا دفنوك في حفرتك و خروج بنات الماء من منخريك و اكل الدود لحمك فان ذلك يسلي عنك و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من علم ان الموت مصدره و القبر مورده و بين يدي الله تعالي موقفه و جوارحه شاهدة عليه طالت حسرته و كثرت عبرته و دامت فكرته و عنه عليه السلام من علم انه يفارق الاحباب و يسكن التراب و يواجه بالحساب كان حريا بقطع الامل و حسن العمل و عن النبي صلي الله عليه و آله أتدرون من اكيسكم قالوا لا يا رسول الله قال اكثركم ذكرا للموت و احسنكم استعدادا له قالوا و ما علامة ذلك يا رسول الله قال التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و التزود لسكني القبور و التأهب ليوم النشور و عن ابيجعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله الموت الموت الا و لا بد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالروح و الراحة و الكرة المباركة الي جنة عالية لاهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم و فيها رغبتهم و جاء الموت بما فيه بالشقوة و الندامة و بالكرة الخاسرة الي نار حامية لاهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم و فيها رغبتهم ثم قال و قال اذا استحقت ولاية الله و السعادة جاء الاجل بين العينين و ذهب الامل وراء الظهر قال و سئل رسول الله صلي الله عليه و آله اي المؤمنين اكيس فقال اكثرهم ذكرا للموت و اشدهم له استعدادا و عن عجلان بن ابيصالح قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام يا باصالح اذا انت حملت جنازة فكن كأنك انت المحمول و كأنك سألت ربك الرجوع الي الدنيا [ص 294] ففعل فانظر ماذا تستأنف قال ثم قال عجبت لقوم حبس اولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم الرحيل و هم يلعبون و سمع علي بن الحسين عليهما السلام يقول عجب كل العجب لمن انكر الموت و هو يري من يموت كل يوم و ليلة و العجب كل العجب لمن انكر النشأة الاخري و هو يري النشأة الاولي و من عهد لامير المؤمنين عليه السلام الي محمد بن ابيبكر فاحذروا عباد الله الموت و قربه و اعدوا له عدته فانه يأتي بامر عظيم و خطب جليل بخير لايكون معه شر ابدا او شر لايكون معه خير ابدا فمن اقرب الي الجنة من عاملها و من اقرب الي النار من عاملها و انكم طرداء الموت ان اقمتم له اخذكم و ان فررتم منه ادرككم و هو الزم لكم من ظلكم الموت معقود بنواصيكم و الدنيا تطوي من خلفكم و احذروا نارا قعرها بعيد و حرها شديد و عذابها جديد دار ليس فيها رحمة و لاتسمع فيها دعوة و لاتفرج فيها كربة و قال عليه السلام في وصيته للحسن عليه السلام يا بني اكثر ذكر الموت و ذكر ما تهجم عليه و تفضي بعد الموت اليه حتي يأتيك و قد اخذت منه حذرك و شددت له ازرك و لايأتيك بغتة فيبهرك ، الي غير ذلك مما لا نهاية له و لميقصر فيه حجج الله سلام الله عليهم فانت لو داومت علي ذكر الموت صلح لك امر الدنيا و الآخرة و عولج كثير من امراضك و مقت الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة و يئس منك الشيطان اذا انقطع عنك مواد اغوائه و محال تعلقه فهذا وجه من وجوه الفكر و اعظم الخطب فيه ربنا عز و جل حيث قال أولمينظروا في ملكوت السموات و الارض و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون .
فصل - و منها ان تتفكر في الاحوال بعد الموت و اهوال البرزخ و القيمة فتتصور تلك الاحوال و الاهوال و ما اخبرت من احوال بعد الموت و [ص 295] معاينة الآخرة و هول المطلع و جنة البرزخ و ناره و النشر و الحشر و الحساب و الميزان و تطاير الكتب و الجثي تحت منبر الوسيلة و الصراط و دقته و ميدانه علي النار و عقباته نستعين الله علي جميعها فتمثل كل ذلك و تستحضر تلك الاهوال و انه قد ذهب بك الملئكة في موقف الحساب و اوقفوك عند رسول الله صلي الله عليه و آله و الشهود صفوف و الملئكة حضور و الانبياء وقوف و ساير الخلق علي قدر درجاتهم بين قريب و بعيد ينظرون اليك و قد قدمت للحساب فاخرجوا كتب اعمالك فيخرجون كتب طاعتك فاذا فيها قد عمر فلان ستين او سبعين سنة و ماعبد ربه كما امره طرفة عين و مااخلص لله ابدا بل صلي صلوة مستهزء بربه و صام صيام الكلب عن الطعام و الشراب و افسده بانواع المعاصي بالجملة تتصفحها فلاتجد فيها عملا واحدا خالصا بريئا من العيوب يكون علي حسب محبة الله عز و جل ثم يستخرج كتب سيئاتك فيستخرج مرة فرد غيبتك للمسلمين مجموعة علي الف كرور و فرد تهمتك مجموعة علي الف كرور و فرد اذيك للمؤمنين مجموعا علي الفالف كرور و هكذا لكل نوع معصية يخرج فرد و قد جمع فيه اعداد افراد ذلك النوع و قد بذلت فيها النفس و المال و الاهل و الولد و اخلصت فيها و اهتممت بها نعوذ بالله و حاسب نفسك علي النقير و القطمير محاسبة الشريك السيئ الحساب و اعلم ان هذه المحاسبة خير عمل للعبد كما روي عن ابيالحسن الماضي عليه السلام ليس منا من لميحاسب نفسه في كل يوم فان عمل حسنا استزاد الله و ان عمل سيئا استغفر الله منه و تاب و عن النبي صلي الله عليه و آله حكاية من صحف ابرهيم علي العاقل ما لميكن مغلوبا ان تكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه و ساعة يحاسب فيها نفسه و ساعة يتفكر فيها صنع الله اليه و ساعة [ص 296] يخلو بها بحظ نفسه من الحلال فان هذه الساعة عون لتلك الساعات و استجمام للقلوب و تفريغ لها و عنه صلي الله عليه و آله يا اباذر حاسب نفسك قبل ان تحاسب فانه اهون لحسابك و زن نفسك قبل ان توزن و تجهز للعرض الاكبر يوم تعرض لاتخفي علي الله خافية ، الي ان قال يا اباذر لايكون الرجل من المتقين حتي يحاسب نفسه اشد من محاسبة الشريك شريكه فيعلم من اين مطعمه و من اين مشربه و من اين ملبسه أمن حلال او من حرام الخبر ، و عن علي عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله قال اكيس الكيسين من حاسب نفسه و عمل لما بعد الموت فقال رجل يا اميرالمؤمنين كيف يحاسب نفسه قال اذا اصبح ثم امسي رجع الي نفسه و قال يا نفسي ان هذا يوم مضي عليك لايعود اليك ابدا و الله يسألك عنه بما افنيته فما الذي عملت فيه أذكرت الله ام حمدته ام قضيت حوائج مؤمن فيه أنفست كربته أحفظته بظهر الغيب في اهله و ولده أحفظته بعد الموت في مخلفيه أكففت عن غيبة اخ مؤمن أاعنت مسلما ما الذي صنعت فيه فيذكر ما كان منه فان ذكر انه جري منه خير حمد الله و كبره علي توفيقه و ان ذكر معصية او تقصيرا استغفر الله و عزم علي ترك معاودته انتهي ، بالجملة هكذا استحضر افراد اعمالك و انظر فيها فردا فردا و استحضر كثرة ذنوبك و قلة حسناتك بل عدمها عند الدقة في الحساب و استحضر ان رسول الله صلي الله عليه و آله قد لامك عليها فقال يا فلان ما هذا الصنيع و هل قصرت في شيء من حقوقك ففعلت كذلك او فرطت في تكريمك و هدايتك و هكذا تتفكر في امثال ذلك فيستولي عليك الحياء و الندامة و الحسرة علي ما فرطت و يغلب عليك البكاء الصادق الناشئ عن حرقة ثم تتفكر انك كلما تستغفر ذلك اليوم يقولون لك قد مضي زمان الاستغفار و كلما تتوب يقولون لك [ص 297] قد انقضي اوانه و كلما تتضرع و تبكي يقال لك قد تقضي وقته و كلما تلتجي باحد من الشفعاء يقول كان ينفعك لو التجأت بنا في الدنيا و اما هنا مع تباينك عنا في الدنيا فلاينفعك و اذا قلت ارجعوني اعمل صالحا فيما تركت يقال لك كلا انها كلمة انت قائلها هيهات هيهات اني لك الرجوع و قد استوفيت عمرك و رزقك أولمنعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير ثم بعد ذلك تفكر في انه استجيب لك اتفاقا و ردوك الي الدنيا فاستأنف العمل ان كنت صادقا و اغتنم فرصة اعطيتها فاشتغل بالاستغفار الصادق و التوبة و التضرع و الالتجاء و التوسل و قدم امام قلبك ذنبا ذنبا او نوعا نوعا و استغفر الله لكل واحد واحد و تب اليه منه و اعزم علي ان لاتفعله و لو استمر تفكرك قوي عزمك و تقدر علي الترك ان شاء الله و اعلم ان مثل هذا الاستغفار و التوبة هو المكفر للذنوب البتة و ان الله يغفرها لك لقوله و اني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدي و تدخل في قول رسول الله صلي الله عليه و آله طوبي لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيمة تحت كل ذنب استغفر الله انتهي ، فعليك بتكرار هذا الفكر فانه مقدم علي كل فكر فان قصر بك النفس عنه ففكر في حلول الموت و سرعة بغتة الاجل حتي تنشط لهذا الفكر ، و قد خطر ببالي هنا مسئلة احببت ان اذكرها هنا و هي ان الانسان سبب بعده عن المبدء الذنوب و علي حسب الادلة كثير من الاعمال يكون من موجبات المغفرة فما بالنا بعد غفران الذنوب لانصير من المقربين و لاينكشف لنا ما ينكشف لهم اقول اعلم ان للمؤمنين درجات عند الله سبحانه و اهل كل درجة مكلفون علي حسب مقامهم لا علي حسب مقام الاعلين فمنهم ضعيف الايمان و منهم قوي الايمان علي حسب ما تري من اختلاف الابدان في الاعتدال و الانحراف [ص 298] و الذنوب هي امراض النفوس و موجبات المغفرة ادويتهم كما قال النبي صلي الله عليه و آله لكل داء دواء و دواء الذنوب الاستغفار فاذا استغفرت تعود النفوس الي صحتها اللايقة بحالها لا الي صحة من هو اقوي منها كما ان الطفل اذا مرض و عولج عاد طفلا صحيحا و الشاب اذا مرض و عولج عاد شابا صحيحا و ضعيف المزاج اذا مرض و عولج عاد ضعيفا صحيحا و القوي بحسبه فمن ذلك يغفر له ذنوبه و ليس يتجاوز مقامه و ما قصر به عن حد الاعلين فانما هو مرض ذاتي له لايزول الا في مدة مديدة فانما هو كجعل المحروري الصحيح مبروديا و المبرودي محروريا و امثل لك مثلا آخر تفهم منه لم يعود الانسان بعد الاستغفار او البكاء علي الائمة عليهم السلام علي ما كان و هو ان قطعة لحم علقتها يجتمع عليها الزنابير فتقوم فتشردها و تنحيها عنها فتبعد و تذهب عنها لكن اذا جلست عادت لانها لحم و هي محل اجتماع الزنابير و مطمعها فكلما قمت و طردت الزنابير ذهبت و لكن عادت و كذلك المؤمن الضعيف يغفر له ذنوبه بموجبات المغفرة و لكن كلما امسك عادت الشياطين اليه كما كان و يجب عليه المداومة و تقوية البنية حتي لايطمع فيها الشياطين و الا فما دام الضعف باقيا يكون هذا حاله و ذلك الضعف من الذنوب الذاتية و يحتاج الي عمل كثير و جد طويل و شيخ و دليل حتي يحملك علي سواء السبيل بالجملة هذا قسم آخر من التفكر و هكذا و لو اردنا ان نذكر جميع جهات انواع التفكر يطول بنا الكلام و لايكفيه العمر و هذا الكتاب و لكن نعطيك نوع العمل و عليك بتفصيله .