و اعلم انك لو قدرت علي حمل اخبار آل الله الهداة كلها علي الحقيقة لفزت بباطن الباطن باقسامه فلاتعود نفسك علي صرف كلماتهم الي المجاز بمحض ما خالفت قواعدك و ترك القواعد اولي من ترك ظواهر اخبارهم فانهم نطقوا لاجل الهداية و الهادي لايتكلم بالمجاز من غير نصب قرينة و لايتكلم علي التأويل بغير دليل من الظواهر بالجملة انهم لا اختلاف في كلماتهم و انما الناس لايعرفون لغتهم فيزعمون انهم اذا عرفوا وجها واحدا منها عرفوا جميعها فيقبلون ما يعرفون و ينكرون ما يجهلون فافهم و لاتكن من الجاهلين و من ذلك هذه الاخبار الساطعة المنار البالغة اقصي غاية الاعتبار فلايجوز تأويله بما لايطابق الظواهر و لو فتح باب التأويل لم‌يبق للاسلام عمود و لم‌يخضر له عود و امكن تأويل جميع الشرايع و الاحكام كما يفعله الصوفية الطغام و فيما ذكرنا في هذه الفصول لمن يراجعه كفاية و بلاغ و ان قدرت علي فهمها بحيث لاتنافي ظواهر الكتاب و السنة و الشريعة البيضاء فانت انت و الله ولي التوفيق قال الشاعر و لله دره :

اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان

و لو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني

فافهم راشدا موفقا .

فصل - في مراقبة الله عز و جل و هي استشعار العبد اطلاع الرب عليه في [ص 244] كل حالاته و تقلباته في آناء ليله و نهاره و هي من اعظم مصالح العبد و اسها و عمودها بل لايصلحه الا هذه فاحببنا ان نذكر هنا فصلا لشرح هذا المطلب العظيم و التنبيه عليه اعلم ان الله سبحانه احد لايثني اذ كل مثني حادث ينطوي اجزاؤه تحت احدية الاحد جل و عز و ان الي ربك المنتهي فلايتناهي فلايحويه مكان و لايخلو منه مكان و هو معكم اينما كنتم معية لاتتناهي و هو اولي بك و بظاهرك و بباطنك منك و شاهد لما اعلنت و ما اسررت ان تبدوا ما في صدوركم او تخفوه يعلمه الله و يعلم ما في قلوبكم و ما منه بدأتم و اليه تعودون لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا و هو معهم قل اي شيء اكبر شهادة قل الله شهيد بيني و بينكم أولم‌يكف بربك انه علي كل شيء شهيد الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شيء محيط و ماكنتم تستترون ان يشهد عليكم سمعكم و لا ابصاركم و لا جلودكم و لكن ظننتم ان الله لايعلم كثيرا مما تعملون و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم ارديكم فاصبحتم من الخاسرين فاذا كان الله جل و عز اقرب اليك منك و اعلم بك منك و اولي بك منك و معك معية لاتتناهي وجب عليك استحضاره ابدا و استشعار حضورك لديه و اطلاعه عليك و استشعار انه الملك العظيم الجليل القاهر القادر الشديد العقاب الذي لاينجو من هلك عليه و لايعز من عاداه و لايذل من والاه و تنبه انه يراك و يسمعك و لايخفي منك عليه خافية و هو عليم بذات الصدور و باطنك ظاهر عليه و مشهود له و يحاسبك عليه و يعلم خطرات قلبك و هواجس صدرك و وساوس خيالك و فكرك و يؤاخذك علي سيئاتها و يجازيك علي حسناتها و انت ما لم‌تراقبه لم‌تخفه و لم‌ترجه [ص 245] و لم‌تحبه و لم‌تستحي منه و لم‌تقبل اليه و لم‌تخلص فيه و لم‌تعمل بطاعة و لم‌تترك معصية و لايصلح دينك و دنياك الا بذلك و ان ما صلح من الناس و لم‌يصلح منهم الا قليل ما صلح الا بلفظ يلوكونه بين السنتهم من اطلاعه فانت لو استحضرته في جميع انفاسك صلح لك الدين و الدنيا و صلح لك ذاتك في ترقياتها و صلح لك اخلاقك و اعمالك و آثارك و جميع ما منك و لك و اليك و دفع عنك شر كل ذي شر بتحصنك بحصنه و جلب اليك خير الدنيا و الآخرة بالجملة لااعلم شيئا يصلح جميع الامور الا دوام المراقبة و هي الذكر الحقيقي و لا شيئا يفسد جميع الامور الا الغفلة عنه تعالي شأنه ففي الكافي عن ابي‌جعفر عليه السلام قال مكتوب في التورية التي لم‌تغير ان موسي سأل ربه فقال يا رب أقريب انت مني فاناجيك ام بعيد فاناديك فاوحي الله عز و جل اليه يا موسي انا جليس من ذكرني فقال موسي فمن في سترك يوم لا ستر الا سترك فقال الذين يذكرونني فاذكرهم و يتحابون في فاحبهم فاولئك الذين اذا اردت ان اصيب اهل الارض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لا بأس بذكر الله و انت تبول فان ذكر الله عز و جل حسن علي كل حال فلاتسأم من ذكر الله و عنه عليه السلام اوحي الله الي موسي يا موسي لاتفرح بكثرة المال و لاتدع ذكري علي كل حال فان كثرة المال تنسي الذنوب و ترك ذكري يقسي القلوب و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال مكتوب في التورية التي لم‌تغير ان موسي سأل ربه فقال الهي انه ياتي علي مجالس اعزك و اجلك ان اذكرك فيها فقال يا موسي ان ذكري حسن علي كل حال و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الله عز و جل لموسي اكثر ذكري بالليل و النهار و كن عند ذكري خاشعا و عند بلائي صابرا و اطمئن عند ذكري و اعبدني و لاتشرك بي شيئا الي المصير يا موسي اجعلني ذخرك و ضع عندي كنزك من [ص 246] الباقيات الصالحات و عنه عليه السلام قال الله عز و جل لموسي اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم و اكثر ذكري بالليل و النهار و لاتتبع الخطيئة في معدنها فتندم فان الخطيئة موعد اهل النار و قال فيما ناجي الله سبحانه به موسي قال يا موسي لاتنسني علي كل حال فان نسياني يميت القلب و عن ابي‌عبدالله عليه السلام سيد الاعمال ثلثة انصاف الناس من نفسك حتي لاترضي بشيء الا رضيت لهم مثله و مواساتك الاخ في المال و ذكر الله علي كل حال ليس سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله فقط و لكن اذا ورد عليك شيء امر الله عز و جل به اخذت به و اذا ورد عليك شيء نهي الله عز و جل عنه تركته و بذلك وردت روايات مستفيضة ففي بعضها انها اشد ما فرض الله علي خلقه و في بعضها ما ابتلي المؤمن بشيء اشد عليه من خصال ثلث يحرمها فهي تومي بان الخصال الثلث المذكورة من المكتوبات فان عفي الله عن تاركها فهو فضل منه جل شأنه فعلي ذلك المراقبة فريضة مكتوبة و هي ذكر الله علي كل حال و استشعار شهادته عليك في كل حال و توقيره و تعظيمه حتي لايهون امره عليك و يذهب نوره عن قلبك و عظمته عن نفسك فتجتري عليه و ترتكب في حضوره مساخطه بلا اكتراث بل لا بد للسالك من استشعار عظمته و حضوره و اطلاعه دائما و العمل بما يرضيه ملتفتا الي انه في حضرته فاذا كان مثلا في حال المشي يلتفت انه يمشي قدامه و بين يديه و هو يراه فيمشي قصدا و هونا لا مرحا و اختتالا و فخرا و لايمشي الي ما يكرهه من ابواب المعصية بل يمشي الي جهة الطاعة و يلتفت في حال التكلم الي انه متكلم بين يديه و هو يراه و يسمعه فلايتكلم هجرا و لا كذبا و لا غيبة و لا فرية و لا بمسبة و شتيمة بل يتكلم بما يحب الله من الامر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس او بتعلم او بتعليم و هكذا يلتفت في حال نظره الي انه بين يديه [ص 247] يري خائنة الاعين و ما تخفي الصدور فلاينظر الي غير محرم و الي شيء لايجوز له النظر اليه بل ينظر الي ما يحب الله من كتاب او سنة او ما يهتدي به و امثال ذلك و كن في جميع الحالات كمن هو بين يدي سلطان عسوف شاهد ناظر اليه فلايقدر رفع صوت بكلام و لا ضحك و لا حركة عنيفة و لا قول بما لايليق و لا عمل ما لاينبغي يتوجه الي نفسه لمحة و الي السلطان اخري و هو خائف معظم له مرتعش من سطوته و عظمته فوربك لو لازمت المراقبة لتري اثرها في اقرب زمان انها قد زادت في خوفك و رجائك و حبك و اصلحت علمك و عملك و انكشف لك عظمته سبحانه و وقاره قال الله سبحانه ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا و ما اعجب ما ذكره ابن‌بابويه في العلة التي كانت من اجلها عرف يوسف اخوته و لم‌يعرفوه لما دخلوا عليه قال فاني سمعت محمد بن عبدالله بن محمد بن طيفور يقول في قول الله عز و جل و جاء اخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم و هم له منكرون ان ذلك لتركهم حرمة يوسف و قد يمتحن المرء بتركه الحرمة ألاتري ان يعقوب عليه السلام حين ترك حرمته غيبوه عن عينه و امتحن من حيث ترك الحرمة بعينه عن عينه لا عن قلبه عشرين سنة و ترك اخوة يوسف حرمته في قلوبهم حيث عادوه و ارادوا القطيعة للحسد الذي في قلوبهم فامتحنوا في قلوبهم كأنهم يرونه و لايعرفونه و لم‌يكن لاخيه من امه حسد مثل ما كان الحسد لاخوته فلما دخل قال اني انا اخوك علي يقين عرفه فسلم من المحن فيه حين لم‌يترك حرمته و هكذا العباد انتهي ، و ما قاله حكيم متين مجرب فان من لم‌يراع حرمة شيء لايعتني به و يمتحن بفوته عنه لا محالة فمن لم‌يراع حرمة شهادة الله و اطلاعه و لم‌يراقبه او راقبه و لم‌يعتن به و لم‌يراع حرمته في ترك مساخطه هان عليه خطبه و ارتكب القبايح في حضرته حتي صار [ص 248] جريا فاجتري علي الله و اذا املاه الله زادت جرأته و ضعف اعتقاده بوعيده فكذب الانبياء و الكتب ثم كذب الله فوق عرشه و ان ترك المراقبة آل الي ان نسي الله عز و جل و حسبه كأن لم‌يكن و حسب نفسه مستقلة بلا رب و هلك بحيث لا نجاة له و كذلك اذا لم‌يراع المرء حرمة الحجج الشهداء عليهم السلام فيهون عليه خطبهم حتي نتج له انكارهم رأسا كما عرفت و كذلك الخطب في المؤمنين فاذا لم‌يراع حرمتهم عاد الي عدم الاعتناء بهم فقصر عن حقوقهم الي ان ظلمهم حقوقهم و غصبهم و آذاهم و ضربهم و شتمهم و قتلهم بالجملة لاينشو خير الدنيا و الآخرة الا من مراعاة الحرمة و لاينشو شرهما الا من تضييعها و لا حرمة مع عدم المراقبة فعود نفسك يا اخي من مراقبة الله و استشعر دائما انك امامه و هو جالس علي كرسي ملكه و عرش سلطانه في غاية الجلال و العظمة و الكبرياء و انت كالعبد الآبق العاصي المسترد الي مولاه العسوف الواقف بحضرته بين يديه و هو ناظر اليك رقيب عليك يلتفت الي خائنة عينك و هاجسة صدرك فراع حرمته و لايتحركن عضو منك في مسخطه البتة و داوم علي ذلك و ان سقط منك سقطة فتدارك بالتوبة و الانابة و الاعتذار و جميع اعضائك حينئذ في خدمته و لايلتفت منكم احد و امضوا حيث تؤمرون فقد روي في الارشاد عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال لبعض اصحابه اعبد الله كأنك تراه فان لم‌تك تراه فهو يراك قال و قال لقمن لابنه يا بني اذا اردت ان تعصي الله فاطلب مكانا لايراك فيه و ما احسن ما روي عن شاب حسن العبادة و الاجتهاد فقيل له يا فتي علي ما بنيت امرك فقال علي اربع خصال علمت ان رزقي لايفوتني منه شيء و ان وعد الله حق و صدق فاطمأننت الي وعده و الثانية علمت ان عملي لايعمله غيري فانا مشغول به و الثالثة علمت ان اجلي يأتيني بغتة فبادرته و الرابعة [ص 249] علمت اني لااغيب عن نظر الله تعالي في سري و علانيتي فانا مراقبه في كل احوالي و في الكافي عن اسحق بن عمار قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا اسحق خف الله كأنك تراه و ان كنت لاتراه فانه يراك و ان كنت تري انه لايراك فقد كفرت و ان كنت تعلم انه يراك ثم برزت له بالمعصية فقد جعلته من اهون الناظرين اليك و عن داود الرقي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و لمن خاف مقام ربه جنتان قال من علم ان الله يراه و يسمع ما يقول و يعلم ما يعمله من خير او شر فيحجزه القبيح من الاعمال فذلك الذي خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي .

فصل - ان المراقبة لاتنحصر باستشعار اطلاع الله تعالي عليه بل استشعر انه قد اطلع عليك الله جل جلاله و اطلع عليك الانبياء و الاولياء و المؤمنون قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و اطلع عليك الملئكة الكروبيون و ساير المقربين و ثبت اعمالك في اللوح المحفوظ و علي الواح السموات و الارض و نفوس الملئكة و العلل و الشهود و انت علي ما انت عليه مكشوف الحال بارز السريرة يرونك و يسمعونك و يطلعون علي ظاهرك و باطنك فمن تنبه بذلك و استشعر حضوره عند محمد و آل‌محمد عليهم السلام و هم ناظرون اليه مصغون نحوه ائتمر اوامرهم و انتهي عن زواجرهم في حضورهم البتة ففي الكافي عن بريد العجلي قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس فقال نحن الامة الوسطي و نحن شهداء الله علي خلقه و حججه في ارضه ، الي ان قال ليكون الرسول عليكم شهيدا فرسول الله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله عز و جل و نحن الشهداء علي الناس فمن صدقنا صدقناه يوم القيمة و من كذب كذبناه و في العوالم عن محمد بن خالد عن صفوان [ص 250] عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله اجل و اعظم من ان يحتج بعبد من عباده ثم يخفي عنه شيئا من اخبار السماء و الارض و علي هذا المعني اخبار متضافرة و عن جماعة انهم سمعوا اباعبدالله عليه السلام يقول اني لاعلم ما في السموات و ما في الارضين و اعلم ما في الجنة و اعلم ما في النار و اعلم ما كان و ما يكون الخبر ، و علي هذا المعني ايضا اخبار متضافرة و عن عبدالعزيز الصايغ قال قال لي ابوعبدالله عليه السلام أتري ان الله استرعي راعيا و استخلف خليفة ثم يحجب عنه شيئا من امورهم و عن النضري و الحضرمي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قالا قال مايحدث قبلكم حدث الا علمنا به الخبر ، و عن النضري قال قال ابوعبدالله عليه السلام اتقوا الكلام فانا نؤتي به و عن رميلة قال وعكت وعكا شديدا ، الي ان قال فقال اي اميرالمؤمنين عليه السلام ليس من مؤمن يمرض الا مرضنا بمرضه و لايحزن الا حزنا لحزنه و لايدعو الا امنا لدعائه و لايسكت الا دعونا له فقلت يا اميرالمؤمنين جعلني الله فداك هذا لمن معك في القصر أرأيت من كان في اطراف الارض قال يا رميلة ليس يغيب عنا مؤمن في شرق الارض و لا في غربها و في رواية و لا مؤمن و لا مؤمنة في المشارق و المغارب الا و نحن معه ، و قد تواتر الاخبار بان الاعمال تعرض عليهم كل خميس و كل يوم و ليلة و كل صباح و في كل حين بل قد جاوز حد التواتر فهم عليهم السلام يشاهدون الخلايق و اعمالهم و حركاتهم و سكناتهم و يسمعون كلماتهم و يعلمون ضمايرهم و جميع اخلاقهم و احوالهم علم مشاهدة و عيان كيف لا و هم محال مشية الله و تراجمة ارادة الله الذين بهم خلق الله ما خلق و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره و هم امره و حكمه و مشيته و هم اعين الله الناظرة و شهود الله الحاضرة بهم صنع الله ما صنع و هم شهادة الله و ظاهره في [ص 251] بلاده و بجميع ذلك قد تواتر الاخبار و ضيقت مجال الانكار و ساير كتبنا مشحون بادلة ذلك و شواهده فاذن ينبغي للمؤمن السالك الي الله سبحانه ان يستشعر دائما في آناء ليله و اطراف نهاره انه في حضورهم و هم الناظرون اليه المطلعون عليه يسوءهم سيئاته و يسرهم حسناته و يستشعر عظمتهم و جلال كبريائهم و انهم السلاطين الملوك في الدنيا و الآخرة و بيدهم امر الجنة و النار و مقاليدهما و ان عقابهم شديد و رحمتهم قريبة و يستشعر اخلاقهم و احوالهم و محاسنهم و كمالاتهم و يستشعر ان حضوره لديهم هو حضوره لدي الله سبحانه بعينه و بالعكس و ان الله ناظر اليه بهم و فيهم و منهم حاضر لديه بهم و شاهد عليه بهم مطلع عليه بهم من غير حاجة منه اليهم بل قد اجتباهم و جعلهم هكذا و الله اعلم حيث يجعل رسالته لانهم ظاهر الله و عينه و لسان الله و جنب الله و يد الله و امر الله بالاخبار المتواترة فتديم استشعار ذلك فتزداد يوما فيوما خوفا منهم و رجاء اليهم و حبا لهم و شوقا اليهم و تعظيما و تكريما لهم و تحذر عما يسخطهم و تبادر الي ما يرضيهم فتبلغ بذلك درجة الكاملين في اسرع وقت و اعلم ان ذلك مؤثر في اصلاح النفس تأثيرا لايبلغه شيء و قد شرحنا ذلك سابقا مفصلا فراجع و اعلم انه يجب المداومة علي العلاج حتي يزول الخلط الفاسد من المزاج و يحدث فيه اخلاط صالحة و علامة ذلك ان لايظهر منك بعد مقتضيات الاخلاط الفاسدة طبعا و يصدر منك مقتضيات الاخلاط الصالحة طبعا من غير تكلف و عسر و هذا هو معني قول رسول الله صلي الله عليه و آله علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور و هذا هو علامة صدق كل دعوي عندنا و نحن لانشك ان مداومة مجالسة الغضوب و رؤية الغضب تهيج الصفراء و تثير داعي الغضب و كذا مداومة خيال الغضب تهيج الصفراء و تثير الغضب البتة فيصدر عن الانسان غضب [ص 252] نستدل به علي ثوران صفرائه فكذلك دوام استحضار محمد و علي و الحجج عليهم السلام يجعل الانسان محمديا علويا حجيا معصوميا بلا شك و كل قليل يستحيل في الكثير و كل مغلوب يتبع الغالب و ذلك حكم من الله سبحانه لايتخلف قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله من تبعني فانه مني و من يتولهم منكم فانه منهم و كذلك والله من ادام استحضار اعدائهم و صفاتهم راكنا اليهم تجعله بكريا عمريا عثمانيا علي ما شرحنا من يتولهم منكم فانه منهم و هذا هو السر في العهد المأخوذ المشار اليه بقوله تعالي ألم‌اعهد اليكم يا بني آدم الاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني فافهم ما لم‌اعرب عنه بما لوحت عليه فانه من مكنون الامر و مستوره و كذلك ينفع مجالسة الاخوان المؤمنين الكاملين فان الطبع مكتسب من الطبع و الغالب يغلب المغلوب و المرء مع من احب و لو ان رجلا احب حجرا حشره الله معه و المرء علي دين خليله فينفع مجالستهم و مساورتهم و ملازمتهم ظاهرا و باطنا كما هو محسوس مجرب لاينكر و لذلك وردت روايات متواترة في المنع عن معاشرة ناس و الحث علي معاشرة ناس فانظر من تجالس اذا كان تصور مهيب يرعب و تصور جميل يشهي فما ظنك بمعاشرة الكاملين البالغين المتقين الصالحين الداعين الي الخير الملازمين له و الناهين عن الشر المنتهين عنه مع مراعات الحرمة كما عرفت فانك ان لم‌تراع حرمتهم هانوا عليك و ليسوا باعظم من الله و قد هان عليك حتي ترتكب عنده الموبقات بلا اكتراث فافهم راشدا موفقا ثبتنا الله و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة .

فصل - و لما كان من آثار المراقبة الحياء احببنا ان نذكر هنا شيئا من امر الحياء و اعلم ان الحياء هو الحشمة و الخجلة و هي حركة من الروح [ص 253] الي الداخل و استتاره عن التبرز بما لايحب ان يراه عليه احد فلاجل ذلك يستتر الروح بالدم و يحتجب به فيقدم الدم الي الخارج و يتأخر عنه الي الداخل محتجبا به و لاجل ذلك يعرق عرقا و لعله لايكتفي بذلك فيدلي برأسه ايضا و لعله لايكتفي بذلك ايضا فيستتر بيده و لعله لايكتفي بذلك ايضا فينهزم و يتستر ببيت و حصن و اذا اشتد الحياء و انهزم الروح الي الداخل فلعله يحتقن في القلب فيموت و اصل الحياء ينشو من الخوف مع رجاء الصفح فانه يخاف عن الغير ان يطلع علي عيبه فيعاتبه او يشينه و مع ذلك يرجو صفحه فبرجائه الصفح يقدم الدم و يتوجه الي الخارج و بخوفه يحتجب و يتحرك الي الداخل و لو كان الخوف صرفا لانهزم الدم ايضا و احتقن في القلب و ابيض اللون و كمد بعده و الموت الي الخائف اسرع من المستحيي لاجل ذلك و لايحتشم الانسان الا عند من يستعظمه و يراه شاهدا متوجها اليه و يرجو مدحه و يخاف ذمه فاذا كان الانسان ممن يستشعر شهادة الله و عظمته و شهادة النبي و الائمة عليهم السلام و عظمتهم و تحقق ذلك في نفسه حقيقة اورث له الحياء البتة فلايتبرز اليهم بما يسوؤهم و ما يسخطهم البتة و يستحيي منهم واقعا حقيقة و لو صدر عنه خلاف رضاهم ظهر عليه آثار الحياء و لاجل ذلك روي في الكافي عن ابي‌عبيدة الحذاء عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الحياء من الايمان و الايمان في الجنة و عنه عليه السلام من رق وجهه رق عمله و عن احدهما عليهما السلام الحياء و الايمان مقرونان في قرن فاذا ذهب احدهما ذهب الآخر و عنه عليه السلام لا ايمان لمن لا حياء له و عن النبي صلي الله عليه و آله الحياء حياءان حياء عقل و حياء حمق فحياء العقل هو العلم و حياء الحمق هو الجهل و قال صلي الله عليه و آله اربع من كن فيه و كان من قرنه الي قدمه ذنوبا بدلها الله حسنات الصدق و الحياء و حسن الخلق و الشكر [ص 254] و في الارشاد قال رسول الله صلي الله عليه و آله لاصحابه استحيوا من الله حق الحياء قالوا ما نصنع يا رسول الله قال ان كنتم فاعلين فليحفظ احدكم الرأس و ما وعي و البطن و ما حوي و ليذكر الموت و البلاء و من اراد الآخرة ترك زينة الحيوة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيي من الله حق الحياء و روي ان الله يقول عبدي اذا استحييت مني انسيت الناس عيوبك و بقاع الارض ذنوبك فمحوت من الكتاب زلاتك و لااناقشك الحساب يوم القيمة و روي ان الله تعالي يقول عبدي انك اذا استحييت مني و خفتني غفرت لك و من بعض كتب الله ماانصفني عبدي يدعوني فاستحيي ان ارده و يعصيني و لايستحيي مني ، و اعلم يا اخي ان من علامات الحياء ان لايراك الله حيث يسخط و هو فرع مراقبة الله ابدا مع العلم بانه مطلع عليك قادر عليك منعم لك له حق الايجاد و الربوبية و الانعام و الهداية و تهيئة الاسباب عليك فاذا حصل لك هذا العلم و علمت انه نهاك عن شيء استحييت ان ترتكب بين يديه ما يكرهه البتة فلاجل ذلك صار الحياء من الايمان لانه اثر الايمان بما ذكرنا و من لا حياء له لا ايمان له فان عدم الاثر دليل عدم المؤثر كما ان وجوده دليل وجوده فاذا كان الحياء اثر الايمان باطلاع الله القادر الرب المنعم الهادي الموفق العظيم فاذا كان الايمان موجودا كان منشأ اثر و اذ لا اثر فلا مؤثر و اعلم ان بالحياء يصلح امر الدنيا و الآخرة و بالوقاحة يفسد امر الدنيا و الآخرة .

الباب الثاني

من ابواب الكتاب في الفكر و ما يتعلق به من البيان و ما يتفرع عليه و في هذا الباب مقدمة و فصول :

[ص 255] المقدمة - في بيان حقيقة الفكر و مبدائه و منشأه و آثاره و فيها مقاصد ثلثة :

المقصد الاول - اعلم ان الفكر قوة من قوي النفس الناطقة القدسية و فعل من افعالها قد ظهر في القبضة الفلكية العطاردية التي في الانسان و تعلق بالنسب و انصبغ فيها فهو من حيث النسب تفكرات جزئية خاصة متعلقة بامور خاصة و من حيث صدوره عن النفس له ابهام نوعي و له مادة صادرة عن النفس نوعية يشترك مع الخيال و الوهم و العلم و التعقل و صورة نوعية يمتاز بها عن اخوانه و هي خصوص درك النسبة بين صورتين او معنيين او معني و صورة فهو قد يخدم الخيال فيدرك النسبة بين الصورتين الحاصلتين فيه و قد يخدم الوهم فيدرك النسبة بين المعنيين الذين فيه و قد يخدمهما معا فيدرك النسبة بين معني مدرك للوهم و صورة مدركة للخيال فهو خادم الذاكرة بقول مطلق فلايقدر علي الفكر من لايذكر صورة و لا معني فاذا استحضرت صور الاشياء او معانيها امكنك التفكر فيها و درك النسب بينها و الاشارة الي ذلك علي نحو الاجمال ان الله سبحانه خلق الانسان انموذج هذا العالم و جعل فيه مما جعل في هذا العالم الذي هو الانسان الكبير حقيقة فخلق فيه حصة من العرش و جعلها قلبه اي عقله الجسماني و حصة من الكرسي فجعلها صدره الجسماني و من فلك الشمس حصة فجعلها طبعه و وجوده الثاني اي الشخصي و ذلك ان الطبع واحد فهو قبل التلبس بصورة طبع و بعد التلبس مادة شخصية و يعرض عليها الصورة المثالية الشخصية و حصة من فلك زحل و بها تعقله و حصة من فلك المشتري و منها عالمته و حصة من فلك المريخ [ص 256] و منها واهمته و حصة من فلك الزهرة و بها خياله و حصة من فلك عطارد و بها فكره و حصة من فلك القمر و بها حيوته و ليس مرادي بالحصة انه عز و جل نزع قطعة من الافلاك و جعلها في الانسان بل احدث مثلها و مشاكلها و مساويها في الدرجة و اللطافة و احدثها من ماء نطفتها او الماء الذي منه مددها و غذاؤها كما خلق الافلاك يوم اول من لطايف الماء و من الماء كل شيء حي و قد شرحنا ذلك مفصلا في محله اللايق به فاذا صعد بخار الدم الصافي الذي في القلب الي الدماغ و وصل الي مقام الفكر و هو علي ما قالوه التجويف الاوسط لطف لطافة حكي فعل النفس و له صبغ ما من طبعه و خصوص المحل فانصبغ مثال النفس فيه انصباغا ادركت به فيه النسب الفكرية كما انصبغ مثال النفس في الخيال انصباغا ادركت به فيه الصور الفكرية و قد يسمون المتفكرة المتخيلة يعني تلك القوة في الانسان متفكرة و في الحيوان متخيلة و علي اي حال هي قوة تخدم الواهمة و الخيال و كرسيها علي الماء و شغلها درك النسب بين الصورتين اي ما ينطبع في هذه الصورة من هذه الصورة و ما في هذه من هذه و بين المعنيين كذلك و بين الصورة و المعني و عكسه كذلك و هو ناظر ابدا في لوح الخيال او الوهم و يتفكر في نسب ما فيها و يدركها ثم يعرضها علي العالمة فتجردها العالمة عن عرض اقترانها و ارتباطها بالمواد و يعرضها علي العاقلة كما كان الخيال يعرض الصور التي فيه علي الواهمة فتدرك العاقلة ما فيها من المعني المجرد الكلي كما كان الواهمة تدرك ما في الخيال من المعاني الجزئية و المدرك لجميع ذلك هو النفس و لكنها تنظر من هذه المناظر و من كل منظرة تدرك ما يشاكلها و يناسبها بالجملة و انما عين القوم التجويفات لانهم رأوا ان الانسان اذا اصاب مقدم دماغه آفة فسد خياله و اذا اصاب وسط دماغه آفة فسد فكره [ص 257] و اذا اصاب مؤخر دماغه آفة فسد حفظه و الحق ان الحس المشترك جسم مثل هذا الجسد داخله كل عضو منه في عضو مشاكل من هذا الجسد عينه في العين و اذنه في الاذن و هكذا و كل عضو احس بشيء يؤدي اليه علي نحو السراية فيدرك الحس المشترك و هو سريع النسيان فيؤديه سريعا الي الخيال و هو احفظ منه فيكون الخيال عينا للنفس تنظر بها في لوح الحس المشترك كما كان الفكر عينا للنفس تنظر بها في لوح الخيال و الوهم و كذلك الوهم عين تنظر النفس بها في لوح الخيال و العالمة عين تنظر بها في لوح المتفكرة و في لوح الواهمة و في لوح الخيال و تدرك جميع ما فيها مجردة فما فيها فذلكة جميع ما في دونها ثم العاقلة عين تنظر بها النفس ما في العالمة و تلطفه و تأخذ معناه قالوا و الحافظة قوة في التجويف الآخر من الدماغ و هو كلام لااري له معني اذ نقول ما المراد بانها حافظة يعني تحفظ ما يصل اليها ففيها صور عديدة منطبعة سواء كان الانسان ذاكرا لها ام لا ام ليس فيها جميع تلك الصور التي ادركها بساير حواسه فان لم‌تكن فيها فكيف تكون حافظة لما ادت الحواس اليها و ان كانت فيها بالفعل فلا بد لان يكون الانسان شاعرا ابدا لجميع ما ادركه بحواسه مما يحفظه و ذلك خلاف البداهة بل الحافظة عندي هي النفس الملكوتية المهيمنة علي الصور المثالية و امكنتها و حدودها و مقاماتها و قراناتها فهي تعلم كل ما تعلم في حده فاذا شاءت ان تذكره في بدنه القت شبح ما انطبع فيها في العالمة ثم في الخيال قهقري فيراه الانسان حاضرا لديه و كل ما يحضر في خيالك او في حسك و لم‌تدركه في الظاهر او الاسباب البدنية فانما يأتيك من النفس قهقري و النفس لاتحتاج الي ان تحفظ الصور دائما بل كلما نظرت الي شيء في محله و مقامه وجدته كما هو و انطبع فيها شبحه كما انك لاتحتاج الي ان تحفظ شبح كل شيء [ص 258] في عينك بل تفتح عينك و تنظر الي اي شيء شئت متي شئت و الذاكرة هي النفس ايضا و الحواس البرزخية ليس لها ان تدرك و تحفظ الا ما حضرت لديها حين هو حاضر و هو حال المقابلة كالمرآة و اما النفس فهي ملكوتية مهيمنة علي المثل تنظر الي اي مثال شاءت حين تشاء و تجده في حده و مقامه ان علمته و الا فلا الا بعناية ربانية و لسنا في هذا الكتاب بصدد ازيد من ذلك .

المقصد الثاني - اعلم ان الله سبحانه واحد لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فعرف نفسه بنفس الانسان فجعلها واحدة احدا فردة صمدية ليس كمثلها شيء و لذلك قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم أفلاتبصرون ،

ففي كل شيء له آية تدل علي انه واحد

فنفس الانسان آية الواحد الاحد الفرد فتكون واحدة واحدية الذات و واحدية التوجه و واحدية الفعل و هو قوله سبحانه ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه فالقلب الواحد مستقر النفس الواحدة و كرسيها و هي وحدانية التوجه لاتقدر ان تتوجه في آن واحد الي شيئين ابدا اللهم الا ان تتعاقب عليهما سريعا و الا فهي واحدة و وجهها واحد و توجهها واحد و لايسعها درك شيئين في آن واحد يعني الدرك الصحيح و ذلك ان القلب يحتاج في درك الشيء الي لبث حتي ينطبع فيه صفة ما يريد دركه و يتأمل فيه فان تعاقب علي شيئين سريعا يدركهما دركا ناقصا و لربما يبلغ سرعة التعاقب مبلغا لايدرك شيئا بوجه فاذا لايقدر الشيء الجزئي المحصور المحدود ان يدرك شيئين في آن واحد او يتوجه الي جهتين في آن واحد حتي انه لايمكنه [ص 259] ان يتوجه من عينين الي شيء واحد و لايمكنه ان يتوجه الي العين و الاذن في آن واحد فضلا عن ان يتوجه الي الباطن و الظاهر فاذا توجه الانسان الي الحواس الظاهرة لايمكنه التوجه الي الحواس الباطنة و ان تعاقب عليهما فلايدرك بواحد منهما كما هو ألاتري انك اذا توجهت الي خيالك في حال اليقظة لاتدركه صريحا كما تدركه في حال النوم و ذلك انك في حال اليقظة تعاقب علي الحواس الظاهرة ايضا فلاتدرك ما في الخيال واضحا بل حين تتخيل لاتدرك ما تراه بالحواس الظاهرة ايضا واضحا الا انه اوضح من خيالك لان توجهك اليه اشد فلو تعطل حواسك الظاهرة ادركت ما في الخيال واضحا بوضوح هذه الدنيا كما في حال النوم حرفا بحرف و ذلك سبيل اصحاب الكشف حيث يختارون موضعا مظلما حتي لايري عينهم شيئا و خاليا عن متكلم حتي لايسمع اذنهم شيئا ثم يتوجهون الي عالم الخيال و هم مشغولون بعملهم فيظهر بعد الممارسة لهم عالم الخيال و لكنهم حين يلتفتون الي عالم الخيال يتعطل مشاعرهم الظاهرة و ان لم‌يكونوا نائمين ألاتري انه قد يغرق رجل في بحر التفكر فكلما تناديه لايسمع و هو يقظان ليس بنائم و لربما يصير الانسان في فكره و خياله كأنه يري احدا فيكلمه و يشير اليه بيده كل ذلك لتمحض التوجه الي عرصة البرزخ فكل من تمحض الي مشعر يري ما به يشعر و يدرك متمحضا خالصا اللهم الا ان يكون معورا فنتج مما ذكرنا ان الانسان ما دام متوجها الي العين و ما تري و الاذن و ما تسمع و الحواس الظاهرة و ما تدرك لايتمكن من الخيال الصريح الواضح البين و لايتمكن من فكر واضح يدرك اطراف الشيء و يشق فيه الشعر و يتبين دقايقه بل و لايتمكن من درك خيال واحد ما لم‌يخلص التوجه اليه فاذا تعاقب الانسان علي خيالين او فكرين او خيالات او افكار لايكاد ان يدرك واحدا منها [ص 260] صريحا و من ذلك قد علم عيانا ان من اراد التمكن من الفكر لا بد له من التوجه الي عرصة الفكر و الخيال و الوهم و الاعراض عن الحواس الظاهرة و عما تدركه و الاعراض عن ساير الافكار و الخيالات الدنياوية المعتادة و التخلص الي تلك المسئلة التي يريد ان يتفكر فيها فان فعل ذلك وفق للفكر و الا فلايكاد يمكنه التفكر علي ما ينبغي البتة و ان تفكر تفكرا ناقصا فلايكاد يجديه شيئا و لاينتفع به البتة و لما كان غرضنا في هذا الكتاب تفهيم الاصحاب نتعب انفسنا بشرح كل مسئلة كما ينبغي حتي يصيروا علي بصيرة .

المقصد الثالث - اعلم انه قد يكون المشاعر من ذات نفسها منصبغة باصباغ و كل ما ينطبع فيها ينصبغ فيها فيتغير عن صفة الشاخص الخارج فيحكم عليه المشعر علي خلاف ما ينبغي كما اذا نظرت الي مرآة حمراء رأيت وجهك فيها احمر او عوجاء رأيت وجهك فيها اعوج حتي انه قد بلغنا ان الافرنج صنعوا مرآة للمسخرة اذا نظر الانسان فيها رأي وجهه فيها علي هيئة كلب او خنزير فاذا كانت كذلك تتبرأ مما تري فيها اذ ليس يشبهك و ليس يناسبك فكذلك مشاعر الانسان فان الاحول يري الواحد اثنين و الذي في عينه خيالات يري علي الشيء شامات سود او غيرها و ليس في الخارج شيء من ذلك و الذي في اذنه دوي و طنين يسمع دويا و صوتا من غير ان يكون في الخارج صوت و صاحب المرار يجد طعم التمر مرا و هكذا ساير المشاعر الظاهرة و كالحواس الظاهرة الباطنة فاذا كانت متلونة مصبوغة مشكلة بالوان و اصباغ و اشكال تدرك الشيء علي خلاف الواقع و لربما تمحض في النظر بها و انكشف له صريحا و مع ذلك هو معوج مصبوغ علي حسب اعوجاجه و صبغه فمثل ذلك لايكاد يصدق من ينكر عليه و يدعي الكشف و العيان نعوذ بالله و اصباغ المشاعر [ص 261] تأتي من قبل الجمود و الاستيناسات و العادات و من قبل الطبايع و غلبة الاخلاط الفاسدة الممرضة و من قبل الشهوات و من قبل النواميس و من قبل الغضب و من قبل الالحاد و من قبل الشقاوة و كل لاحق اشد من سابقه و زواله اصعب و قد فصلنا ذلك في ساير كتبنا كالفطرة السليمة و كتبنا الاصولية فمن رام التفكر و الاصابة لا بد له ان يخلي مشاعره عن تلك الاعراض و الامراض و ينظر في الاشياء بفطرته الاولية التي فطر الله الناس عليها فانها خلقت علي وفق المشية و ليس يخطي حكمها فتري السليم سليما و السقيم سقيما و المعوج معوجا و المستقيم مستقيما و لولا ذلك لم‌يكن لله علي احد حجة و لما علم الشيطان ذلك قال لآمرنهم فليغيرن خلق الله مع انه قال تعالي فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله اي لاتبدلوا خلق الله فمن نظر بعين الله التي اعاره اياها و هي فطرته التي جعلها علي وفق مشيته الحكم العدل القسط فنظر بها الي الاشياء رآها علي ما خلقها الله عليه و رأي حقايقها و اما اذا نظر بمشاعر مشوبة بتلك الاعراض لايكاد يصيب شيئا و جميع اختلافات الدنيا و تشاجرها و نزاعها و تسويدها القراطيس و جميع القال و القيل من اجل انهم في عرصة الفطرة المبدلة و لو نظروا بالفطرة الالهية لماوقع بينهم اختلاف و لمّا وجدهم الله كذلك جعل بينهم حكماً باقياً ثابتاً حاكماً علي الفطرة و امرهم بطاعته و هو نبي كل عصر و وليه الذي هو الحجة من الله علي الخلق و لايمشي الا علي وفق مشية الله و لايحكم الا علي طبق رضاء الله و محبته لانه علي الفطرة الالهية لم‌يستفزهم الشيطان و لم‌يغيرهم عن خلق الرحمن ثم آمن بهم من ساير الخلق من لم‌يتغير عن الفطرة تغيرا يباينهم معها و ان انحرف في الجملة فعن هشام بن سالم عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قلت فطرة الله التي فطر الناس عليها قال التوحيد و في رواية [ص 262] فطرهم جميعا علي التوحيد و في رواية فطرهم علي المعرفة و روي هي الولاية و عن عبدالله بن سنان عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سألته عن قول الله عز و جل فطرة الله التي فطر الناس عليها ما تلك الفطرة قال هي الاسلام فطرهم الله حين اخذ ميثاقهم علي التوحيد قال ألست بربكم و فيه المؤمن و الكافر و عن عبدالرحمن بن كثير مولي ابي‌جعفر عن ابي‌عبدالله عليه السلام في هذه الآية قال التوحيد و محمد رسول الله و علي اميرالمؤمنين و عن زرارة في هذه الآية قال فطرهم علي التوحيد عند الميثاق علي معرفته انه ربهم قلت و خاطبوه قال فطأطأ رأسه ثم قال لولا ذلك لم‌يعلموا من ربهم و لا من رازقهم و عن الهيثم بن عبدالله الرماني قال حدثنا علي بن موسي الرضا عن ابيه عن جده محمد بن علي عليهم السلام في هذه الآية قال هي لا اله الا الله محمد رسول الله علي اميرالمؤمنين ولي الله الي هيهنا التوحيد و عن الطبرسي قوله عليه السلام كل مولود يولد علي الفطرة حتي ليكون ابواه هما اللذان يهودانه و ينصرانه بالجملة ان استطعت ان تنظر بنظر الفطرة تصيب الحق و ان نظرت بعين هذه العوارض و الاصباغ فلاتكاد تدرك حقا و ان قلت نحن ننظر نظرا و كل احد ينظر نظرا و كل احد يقول لغيره انت ماانصفت و انت نظرت بالعين المغيرة و انا نظرت بالفطرة اقول للكلام مقامان مقام تحاكم بين الخصوم و مقام نتكلم في قلب كل احد لكل احد و هذا المقام هو المقام الثاني فانا نتكلم معك و نعلمك الحق لكي تستقيم علي الحق و الانسان علي نفسه بصيرة و لو القي معاذيره و انت بينك و بين الله تعرف نفسك ان نظرك حين تنظر بعين الفطرة او الانس و العادة و الشهوة و الغضب و تقدر ان تجاهد نفسك حتي تتعري عن كل ذلك و لو في آن واحد و لو لم‌يكن يمكن ذلك لماكلف الله عباده بذلك و مرادي من هذا [ص 263] الكلام ان تعالج نفسك حين طلبك الحق و لاتخاطر بها و لاتخونها و تعريها حين تريد الفكر عن جميع الاغراض و الامراض ثم تنظر في المسئلة بنظر الانصاف و تعلم انه يحاكمك الله فلاتجور في الحكم و اما المقام الاول و هو مقام التحاكم بين الخصوم فاعلم ان الله سبحانه اضطر خلقه علي الاجتماع علي بعض الامور و الاتفاق عليها و ذلك الاجتماع ناشئ مما به اشتراكهم و هو الفطرة و فيهم من جهة اصباغهم اختلافات و تنازع فاذا تنازعوا نحملهم علي ما به اجتماعهم و ما اتفقوا عليه فكل من وافق الاجماعيات و الضروريات فهو الحق و كل من خالفها فهو علي الباطل و ان الله سبحانه اجل من ان لايجعل لاهل الاختلاف حكما مما به اتفاقهم سواء كان في تلك المسئلة بعينها او في مقدماتها او مقدمات مقدماتها و هكذا و لا بد و ان يكون من الله حكم حتي يحملهم الحاكم بينهم علي الحق بالجملة ما لم‌تخل عن الاغراض و الامراض جميعا و تنظر بنظر الفطرة معرضا عن كل شيء سوي تلك المسئلة لاتكاد تصيب الحق ثم ان حصل لك شيء في تخليتك او اعراضك فشككت في المسئلة زنها بالموازين القسط من الاجماعيات و الضروريات او ما ثبت لك بها فان وافقتها فهو و الا فاعلم ان العيب في مشاعرك فعالجها فافهم راشدا موفقا .

فصل - قد وردت روايات في فضل التفكر احب ان اتبرك ببعض ما يتيسر منها فعن الصادق عليه السلام اعتبروا بما مضي من الدنيا هل بقي علي احد و هل احد فيها باق من الشريف و الوضيع و الغني و الفقير و الولي و العدو و كذلك ما لم‌يات منها بما مضي اشبه من الماء بالماء و قال رسول الله صلي الله عليه و آله كفي بالموت واعظا و بالعقل دليلا و بالتقوي زادا و بالعبادة مشغلا و بالله مونسا و بالقرآن بيانا و قال صلي الله عليه و آله لم‌يبق من الدنيا [ص 264] الا بلاء و فتنة و مانجي من نجي الا بصدق الالتجاء و قال نوح عليه السلام وجدت الدنيا كبيت له بابان دخلت من احدهما و خرجت من الآخر ، هذا حال صفي الله فكيف حال من اطمأن فيها و ركن اليها و اضاع عمره في عمارتها و مزق دينه في طلبها و الفكرة مرآة الحسنات و كفارة السيئات و ضياء للقلوب و فسحة للخلق و اصابة في اصلاح المعاد و اطلاع علي العواقب و استزادة في العلم و هي لايعبد الله تعالي بمثلها و قال رسول الله صلي الله عليه و آله تفكر ساعة خير من عبادة سنة و لاينال منزلة التفكر الا من خصه الله تعالي بنور التوحيد و المعرفة و عن علي عليه السلام لا علم كالتفكر و عنه عليه السلام الفكرة مرآة صافية و عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول نبه بالتفكر قلبك و جاف عن الليل جنبك و اتق الله ربك و عن الحسن الصيقل قال سألت اباعبدالله عليه السلام عما يروي الناس تفكر ساعة خير من قيام ليلة قلت كيف يتفكر قال يمر بالخربة او بالدار فيقول اين ساكنوك اين بانوك ما لك لاتتكلمين و عنه عليه السلام افضل العبادة ادمان التفكر في الله و في قدرته و عن معمر بن خلاد قال سمعت اباالحسن الرضا عليه السلام يقول ليس العبادة كثرة الصلوة و الصوم انما العبادة التفكر في امر الله عز و جل و عن ربعي قال قال ابوعبدالله عليه السلام قال اميرالمؤمنين عليه السلام التفكر يدعو الي البر و العمل به و عن اسمعيل بن بشير قال كتب هرون‌الرشيد الي ابي‌الحسن موسي بن جعفر عليه السلام عظني و اوجز قال فكتب اليه ما من شيء يراه عينك الا و فيه موعظة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان اكثر عبادة ابي‌ذر التفكر و الاعتبار و عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث لا عبادة مثل التفكر و من كتاب ابي‌عبدالله السياري صاحب موسي و الرضا عليهما السلام قال سمعته يقول ليس العبادة [ص 265] كثرة الصيام و الصلوة و انما العبادة الفكر في الله تعالي و روي الملا محسن في خلاصة الاذكار تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة ، الي غير ذلك من الاخبار المؤيدة بصحيح الاعتبار و قد حث الله سبحانه في كتابه في آي كثيرة فقال كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا و الآخرة و قال قل هل يستوي الاعمي و البصير أفلاتتفكرون و قال أولم‌يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ان هو الا نذير مبين أولم‌ينظروا في ملكوت السماوات و الارض و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فباي حديث بعده يؤمنون و قال أولم‌يتفكروا في انفسهم ماخلق الله السموات و الارض و ما بينهما الا بالحق و اجل مسمي و ان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون أولم‌يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اشد منهم قوة و اثاروا الارض و عمروها اكثر مما عمروها و جاءتهم رسلهم بالبينات فماكان الله ليظلمهم و لكن كانوا انفسهم يظلمون و قال بعد آي و من آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و جعل بينكم مودة و رحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون و قال و انزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم و لعلهم يتفكرون و قال الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها فيمسك التي قضي عليها الموت و يرسل الاخري الي اجل مسمي ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون و قال الذين يذكرون الله قياما و قعودا و علي جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الارض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار و قال و سخر لكم ما في السموات و ما في الارض جميعا منه ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون و قال و اوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال بيوتا الي ان قال ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون و قال انما مثل الحيوة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس [ص 266] و الانعام حتي اذا اخذت الارض زخرفها و ازينت و ظن اهلها انهم قادرون عليها اتيها امرنا ليلا او نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم‌تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون و قال هو الذي انزل من السماء ماء لكم منه شراب و منه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع و الزيتون و النخيل و الاعناب و من كل الثمرات ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون الي آيات عديدة و قال و هو الذي مد الارض و جعل فيها رواسي و انهارا و من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون و قال لو انزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون و كذلك جميع الآيات المادحة للنظر و الآمرة به واردة في هذا الباب و تركنا ذكرها خوف الاطالة و هي معروفة مشهورة تتلي عليهم آناء الليل و اطراف النهار فاذا كان هذه العبادة الشريفة بهذه المثابة محبوبة لله سبحانه نافعة للمؤمن فلاينبغي اهمالها كيف و المعرفة و الايمان ليست بامر طبيعي يكون في بدن الانسان قهرا و انما هي امر كسبي و لايحصل المعرفة الا بالتفكر في آياتها و اسبابها فمن لا تفكر له لا ايمان له البتة و علي هذا هو اول فريضة من الله سبحانه و اعظمها فمن اخل بها فقد اخل بجميع فرايض الله و شرايعه و احكامه و دينه و من اتي بها يرجي له وصول ما كتب له منها و لما كان الشيطان عالما بمسالك الاغواء منع الناس يومنا هذا التفكر حتي ان الرجل يعمر ستين سنة و لم‌يتفكر في امر نفسه ساعة من النهار و لعل كل الناس الا قليلا منهم كذلك لايترك الشيطان لهم فرصة يمكنهم فيها التفكر بل و لايريدون ان يتفكروا و لاجل ذلك سلبوا الدين و الايمان فليس في ايديهم من الايمان الا اسمه و لا من القرآن الا رسمه و انما صار الاسلام يومنا هذا اسما كاسماء القبائل كربيعة و مضر فقوم يسمون بالمسلم كما يسمون بربيعة و قوم [ص 267] يسمون بنصاري و هكذا و اذا سئل الرجل من اي الناس انت يقول من المسلمين و الا فاسلام يكون صادرا عن نظر و تفكر في الآفاق و الانفس و الآيات و الآثار فلا و هذا من البديهيات يومنا هذا لايحتاج الي شرح و بيان فلنقبض العنان .

فصل - اعلم انه لايمكن فهم امر نظري الا بالتفكر و النظر فيه كما انه لايمكن رؤية شيء الا بالنظر الظاهري اليه و لايمكن التفكر في الشيء الا بعد الاعراض عما سواه كما انك لايمكنك النظر الي شيء حتي تعرض عما سواه و يعبر عن ذلك الاعراض بالصمت اذ صمت كل شيء بحسبه و ابينه صمت اللسان فما لم‌يصمت حواسك و جوارحك بل و ساير حواسك الباطنة عن افعالها لايمكنك النظر في الشيء الذي تريد كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام فاذا صمت عن الخلق تمكن من النظر فاول الفرض و ان كان التفكر و لكن الصمت اسبق منه و مقدمته و لذا ورد الحث الاكيد في الصمت و لنذكر بعض الاخبار الواردة في المضمار ثم نتبعها ببيان ما يلهم الله سبحانه ففي ارشاد الديلمي قال الرضا عليه السلام من علامات الفقه الحلم و الحياء و الصمت ان الصمت باب من ابواب الحكمة و انه ليكسب المحبة و يوجب السلامة و راحة الكرام الكاتبين و انه لدليل علي كل خير و قال اميرالمؤمنين عليه السلام لايزال الرجل المسلم سالما ما دام ساكتا فاذا تكلم كتب محسنا او مسيئا و قال رسول الله صلي الله عليه و آله ألاادلك علي امر يدخلك به الجنة قال بلي يا رسول الله قال انل مما انالك الله قال فان لم‌يكن لي قال فانصر المظلوم قال ان لم‌اقدر قال قل خيرا تغنم او اصمت تسلم و قال رجل للرضا عليه السلام اوصني فقال احفظ لسانك تعز و لاتمكن الشيطان ( الناس نسخة‌ل ) من قيادك فتذل و قال اميرالمؤمنين في [ص 268] وصيته لابنه محمد بن الحنفية اعلم يا بني ان اللسان كلب عقور ان ارسلته عقرك و رب كلمة سلبت نعمة و جلبت نقمة فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك و ورقك و من سيب عذار لسانه ساقه الي كل كريهة و قال رسول الله صلي الله عليه و آله و هل يكبت الناس علي مناخرهم في النار الا حصايد السنتهم و من اراد السلامة في الدنيا و الآخرة قيد لسانه بلجام الشرع فلايطلقه الا فيما ينفعه في الدنيا و الآخرة و قال رسول الله صلي الله عليه و آله من صمت نجا و قال عقبة بن عامر قلت يا رسول الله فيما النجاة قال املك عليك لسانك و ليسعك بيتك و ابك علي خطيئتك و قال صلي الله عليه و آله من وقي شر قبقبه و لقلقه و دبدبه فقد وقي الشر كله فالقبقب البطن و اللقلق اللسان و الدبدب الفرج و قال لايستقيم ايمان عبد حتي يستقيم قلبه و لايستقيم قلبه حتي يستقيم لسانه لان لسان المؤمن وراء قلبه اذا اراد ان يتكلم تدبر الكلام فان كان خيرا ابداه و ان كان شرا واراه و المنافق قلبه وراء لسانه يتكلم بما اتي علي لسانه و لايبالي ما عليه مما له و ان اكثر خطايا ابن آدم من لسانه و قال من كف لسانه ستر الله عورته و من ملك غضبه وقاه الله عذابه و من اعتذر الي الله قبل عذره و قال اعرابي يا رسول الله دلني علي عمل انجو به فقال اطعم الجايع و ارو العطشان و أمر بالعرف و انه عن المنكر فان لم‌تطق فكف لسانك فانك بذلك تغلب الشيطان و قال ان الله تعالي عند لسان كل قائل فليتق الله امرء و ليعلم ما يقول و قال اذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فانه يلقي الحكمة و قال عيسي بن مريم عليه السلام العبادة عشرة اجزاء تسعة منها في الصمت و احد في الفرار من الناس و في حكمة آل داود علي العاقل ان يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا علي شأنه مستوحشا من اوثق اخوانه و من اكثر ذكر الموت رضي باليسير و هان عليه من الامور الكثير و من عد [ص 269] كلامه من عمله قل كلامه الا من خير و قال رسول الله صلي الله عليه و آله لابي‌ذر (رض) ألااعلمك عملا ثقيلا في الميزان خفيفا علي اللسان قال الصمت و حسن الخلق و ترك ما لايعنيك و عن ابي‌حمزة قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول انما شيعتنا الخرس و عن ابن‌القداح عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال لقمن لابنه يا بني ان كنت زعمت ان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب و عن النبي صلي الله عليه و آله امسك لسانك فانها صدقة تصدق بها علي نفسك ثم قال و لايعرف عبد حقيقة الايمان حتي يخزن لسانه و عنه صلي الله عليه و آله في معني الزاهد يتحرج عن الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها الخبر ، و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل ألم‌تر الي الذين قيل لهم كفوا ايديكم قال يعني كفوا السنتكم و عن النبي صلي الله عليه آله نجاة المؤمن من حفظ لسانه و عن ابي‌بصير قال سمعت اباجعفر عليه السلام يقول كان ابوذر يقول يا مبتغي العلم ان هذا اللسان مفتاح خير و مفتاح شر فاختم علي لسانك كما تختم علي ذهبك و ورقك و عن عمرو بن جميع عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال كان المسيح عليه السلام يقول لاتكثروا الكلام في غير ذكر الله فان الذين يكثرون الكلام قاسية قلوبهم و لكن لايعلمون و عنه عليه السلام ما من يوم الا و كل عضو من اعضاء الجسد يكفر لللسان يقول نشدتك الله ان نعذب فيك و كذلك روي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال ان لسان ابن آدم يشرف علي جميع جوارحه كل صباح فيقول كيف اصبحتم فيقولون بخير ان تركتنا و يقولون الله الله فينا و يناشدونه و يقولون انما نثاب و نعاقب بك و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من لم‌يحسب كلامه من عمله كثرت خطاياه و حضر عذابه و عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي [ص 270] الله عليه و آله يعذب الله اللسان بعذاب لايعذب به شيئا من الجوارح فيقول اي رب عذبتني بعذاب لم‌تعذب به شيئا فيقال له خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الارض و مغاربها فسفك بها الدم الحرام و انتهب بها المال الحرام و انتهك بها الفرج الحرام و عزتي لاعذبنك بعذاب لم‌اعذب به شيئا من جوارحك و عن النبي صلي الله عليه و آله ان كان في شيء شوم ففي اللسان و عن الرضا عليه السلام كان الرجل من بني‌اسرائيل اذا اراد العبادة صمت قبل ذلك عشر سنين و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من رأي موضع كلامه من عمله قل كلامه الا فيما يعنيه و عن النبي صلي الله عليه و آله راحة الانسان في حبس اللسان و قال حبس اللسان سلامة الانسان و قال بلاء الانسان من اللسان و قال البلاء موكل بالمنطق و عن الصادق عليه السلام الصمت شعار المحقين بحقايق ما سبق و جف به القلم و هو مفتاح كل راحة من الدنيا و الآخرة و فيه رضي الرب و تخفيف الحساب و الصون من الخطايا و الزلل و قد جعله الله سترا علي الجاهل و زينا للعالم و فيه عزل الهوي و رياضة النفس و حلاوة العبادة و زوال قسوة القلب و العفاف و المروة ( و الظرف نسخة‌ل ) و الصلف فاغلق باب لسانك عما لك بد لاسيما اذا لم‌تجد اهلا للكلام و المساعد في المذاكرة لله و في الله ، و كان الربيع بن خيثم يضع قرطاسا بين يديه فيكتب كل ما يتكلم به فيحاسب نفسه عشية ما له و ما عليه و يقول آه آه نجي الصامتون و بقينا ، و كان بعض اصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله يضع حصاة في فيه فاذا اراد ان يتكلم بما علم انه لله و في الله و لوجه الله اخرجها فان كثير اصحابه رضي الله عنهم كانوا يتنفسون تنفس الغرقي و يتكلمون شبه المرضي و انما سبب هلاك الخلق و نجاتهم الكلام و الصمت فطوبي لمن رزق معرفة عيب الكلام و هوانه و علم [ص 271] الصمت و فوايده فان ذلك من اخلاق الانبياء و شعار الاصفياء و من علم قدر الكلام احسن (ظ) صحبة الصمت و من اشرف علي لطائف الصمت و ائتمنه علي خزائنه كان كلامه و صمته كله عبادة و لايطلع علي عبادته هذه الا الملك الجبار و عنه عليه السلام ما معناه النوم راحة البدن و الكلام راحة الروح و الصمت راحة العقل .