فصل - اعلم ان حسن شكر المنعم مما يحكم به جميع العقول من غير اختلاف و جبلت علي استحسانه كما انها قد جبلت علي معرفة قبح كفران النعمة و اسخاط المنعم بما انعم و من البين ان شكر المنعم لايمكن الا بمعرفة المنعم فلاجل ذلك اذا تفكرت العقول فيما علي الانسان من النعمة و انغماره في النعماء التي لايحصيها المحصون و لايعدها العادون استوجبت معرفة المنعم حتي تشكره عليها و لاتكفر اياها فتطلب معرفة المنعم اول شيء اذ لايمكن الشكر الا بها و كذا تستوجب معرفة الاسباب و الابواب التي بها و منها جرت عليه النعمة و جعلها المنعم اولياء نعمته و المباشرة لادرارها عليه بل جعلها اركان توحيده و آيات تفريده التي لايعرف الله الا بها فلاجل ذلك وجب معرفة الله و معرفة رسوله و اوصيائه سلام الله عليهم و معرفة ان جميع تلك النعم منهم و بهم و اليهم سلام الله عليهم فلاجل ذلك حث الله في كتابه علي شكر الوالدين فقال اشكر لي و لوالديك الي المصير و انت تعلم ان محمدا و عليا ابوا هذه الامة فشكرهما من اللوازم فمن لم‌يعرفهما لم‌يشكرهما و من [ص 160] لم‌يشكرهما لم‌يشكر الله و لاجل ذلك وردت روايات عديدة في لزوم شكر وسايط النعمة فعن ابي‌عبدالله عليه السلام من حق الشكر لله ان تشكر من اجري تلك النعمة علي يده و عن النبي صلي الله عليه و آله لايشكر الله من لايشكر الناس و عن الرضا عليه السلام من لم‌يشكر المنعم من المخلوقين لم‌يشكر الله عز و جل و انت تعلم ان عرفت محمدا و آل‌محمد عليهم السلام انهم اولياء النعم و جميع ما جرت من النعم علي اهل الف‌الف عالم فانما جرت علي ايديهم و بفضل جودهم و لقد اجاد الشيخ اعلي الله مقامه حيث يقول :

فراحتا الدهر من فضفاض جودهم مملوءتان و ما للفيض تعطيل

فيجب شكرهم بمعرفة ان النعم منهم و بنشر ثنائهم و فضائلهم و مدايحهم و بالامتنان منهم و بمعرفة العجز عن اداء حقهم و بصرفها في طاعتهم و في طريق محبتهم و الانفاق علي اوليائهم و صرف جميع ما لك و بك و منك و اليك في سبيلهم و سبيل اوليائهم فاذا فعلت ذلك فلهم المن حيث اجروا علي لسانك و جوارحك شكرهم و يكون معرفة عجزك عن شكرهم هو شكرهم ان شاء الله فان شكرتهم فقد شكرت الله عز و جل فان شكره لايتحقق الا بشكرهم فافهم راشدا موفقا ان شاء الله .

فصل - و كما يجب شكر اعظم الاسباب و اولها يجب شكر ساير الابواب الجزئية التي اجري الله نعمه عليك بمحمد و آل‌محمد عليهم السلام و بهم و هي ساير الناس الذين يجري نعم الله في الظاهر علي ايديهم فانك ان عرفت الله بتوحيد الافعال و عرفت محمدا و آل‌محمد عليهم السلام بالكلية و النورانية و انهم اصل كل خير و معدنه و مأواه و منتهاه و ان كل بر منهم و ان صدر عن يدي غيرهم عرفت ان جميع آلات الخير آلاتهم [ص 161] و اسباب افعالهم و كما يجب شكرهم لاجل شكر الله كذلك يجب شكر تلك الآلات و الاسباب لاجل شكرهم صلوات الله عليهم فعن علي بن الحسين عليهما السلام ان الله يحب كل قلب حزين و يحب كل عبد شكور يقول الله تبارك و تعالي لعبد من عبيده يوم القيمة أشكرت فلانا فيقول بل شكرتك يا رب فيقول لم‌تشكرني اذ لم‌تشكره ثم قال اشكركم لله اشكركم للناس و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال مكتوب في التورية اشكر من انعم عليك و انعم علي من شكرك فانه لا زوال للنعماء اذا شكرت و لا بقاء لها اذا كفرت الشكر زيادة في النعم و امان من الغير و عن النبي صلي الله عليه و آله يؤتي العبد يوم القيمة فيوقف بين يدي الله عز و جل فيأمر به الي النار فيقول اي رب امرت بي الي النار و قد قرأت القرآن فيقول الله اي عبدي اني قد انعمت عليك و لم‌تشكر نعمتي فيقول اي رب انعمت علي بكذا و شكرتك بكذا و انعمت علي بكذا و شكرتك بكذا فلايزال يحصي النعمة و يعدد الشكر فيقول الله صدقت عبدي الا انك لم‌تشكر من اجريت لك النعمة علي يديه و اني قد آليت علي نفسي ان لااقبل شكر عبد لنعمة انعمتها عليه حتي يشكر من ساقها من خلقي اليه انتهي ، و من البين ان مأكلك و مشربك و ملبسك اذا كانت نعمة و وجب شكر من جرت علي يديه كان اعظم النعماء العلوم التي تهتدي بها و تعرف بها ربك و نبيك و امامك و شرايع دينك و تحيي بها حيوة الابد و تحصل بها الجنة خالدا فيها فالعلماء الذين اجري الله تلك العلوم علي السنتهم و انعم بها عليك بواسطتهم احق الناس بشكرك و نشر الثناء و الاحسان و استعمال تلك النعماء في رضاهم و اجتناب سخطهم فمن لم‌يشكر العلماء لم‌يشكر آل‌محمد عليهم السلام و من لم‌يشكرهم لم‌يشكر الله .

[ص 162] فصل - كما ان حسن الشكر و وجوبه من البينات قبح الكفران ايضا من بديهيات العقول و قد ورد في قبحه اخبار فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال لعن الله قاطعي سبيل المعروف قيل و ما قاطعوا سبيل المعروف قال الرجل يصنع اليه المعروف فيكفره فيمتنع صاحبه من ان يصنع ذلك الي غيره و عن النبي صلي الله عليه و آله من اتي اليه معروف فليكاف به فان عجز فليثن عليه فان لم‌يفعل فقد كفر النعمة و عنه صلي الله عليه و آله ثلث من الذنوب تعجل عقوبتها و لاتؤخر الي الآخرة عقوق الوالدين و البغي علي الناس و كفر الاحسان و عنه صلي الله عليه و آله اسرع الذنوب عقوبة كفران النعمة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام المؤمن مكفر و ذلك ان معروفه يصعد الي الله عز و جل فلاينشر في الناس و الكافر مشكور و ذلك ان معروفه للناس ينتشر في الناس و لايصعد الي السماء و عن النبي صلي الله عليه و آله يد الله عز و جل فوق رؤس المكفرين ترفرف بالرحمة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم مكفرا لايشكر معروفه و لقد كان معروفه علي القرشي و العربي و العجمي و من كان اعظم من رسول الله صلي الله عليه و آله معروفا علي هذا الخلق و كذلك نحن اهل البيت مكفرون لايشكر معروفنا و خيار المؤمنين مكفرون و لايشكر معروفهم و عن الصادق عليه السلام ما اقل من شكر المعروف ، الي غير ذلك من الاخبار و من البين ان العبد باب الرب و يده في سوق النعمة اليك فانت تثني علي المعطي و تقطع يده او تذمها و تزعم انك شكرته لايكون ذلك ابدا فالمتصف بصفاتهم صلوات الله عليهم لا بد و ان يعرف احسان كل محسن و يظهر احسانه و لايستره فان ذلك ستر نعمة الرب و قد قال و اما بنعمة ربك فحدث و تضييع حق المؤمن و ايذاؤه و قد قال الله سبحانه لئن شكرتم [ص 163] لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد و لم‌يقيد الشكر و الكفر بالله سبحانه و انما اطلق فهو اعم من شكر الله و شكر الخلق و كفران نعمة الله و كفران نعمة الخلق فايهما وقع فقد هدده الله بان عذابه شديد نعوذ بالله اللهم اغفر لمن انعم علينا باحسان و اجعل ذلك شكرا و مكافاة لاحسانه انك غفور شكور .

فصل - اعلم ان كل طبيعة ابية و سجية مستقيمة و عقل مستنير تحكم بقبح الذل و ثقله و كراهته و حسن العز و خفته و محبوبيته و تحكم ان للمعطي اليد العلياء و مقام الاستعلاء و الشرف و العز و الذكورة و للآخذ اليد الدنيا و مقام الصغار و الذل و الانوثة فالنفس الابية لاتستحسن لها الذل و تحب العز فتستوجب المكافاة لمن احسن اليها مع المزيد ليكون يدها العلياء و ان عجزت فلا اقل من المساوات لرفع استعلائه عليها و صغارها عنده و ذلك امر طبيعي للكرماء لاينكر حتي ان النفس الابية تحب ان تحسن ابدا و لاتكافا بالاحسان اليها ليكون يدها العلياء و لاتسفل ابدا بالجملة قد ورد حث اكيد عن الله الكريم و عن محمد و آل‌محمد الكرماء سلام الله عليهم اجمعين قال الله سبحانه اذا حييتم بتحية فحيوا باحسن منها او ردوها و قال هل جزاء الاحسان الا الاحسان ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلام من صنع بمثل ما صنع اليه فانما كافاه و من اضعفه كان شكورا و من شكر كان كريما و من علم ان ما صنع انما صنع الي نفسه لم‌يستبطي الناس في شكرهم و لم‌يستزدهم في مودتهم و لاتلتمس من غيرك شكر ما اتيت الي نفسك و وقيت به عرضك و اعلم ان الطالب اليك الحاجة لم‌يكرم وجهه عن وجهك فاكرم وجهك عن رده و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال آية من كتاب الله سبحانه قيل ما هي قال هل جزاء الاحسان الا الاحسان جرت في [ص 164] المؤمن و الكافر و البر و الفاجر من صنع اليه معروف فعليه ان يكافي و ليست المكافاة ان يصنع كما صنع به بل يري مع فعله لذلك ان له الفضل المبتدأ و في رواية ليس المكافاة ان يصنع كما صنع حتي يربي عليه فان صنعت كما صنع كان له الفضل بالابتداء و عن النبي صلي الله عليه و آله من سألكم بالله فاعطوه و من اتاكم معروفا فكافوه و ان لم‌تجدوا ما تكافونه فادعوا الله له حتي تظنوا انكم قد كافيتموه و عنه صلي الله عليه و آله كفاك بثنائك علي اخيك اذا اسدي اليك معروفا ان تقول له جزاك الله خيرا و اذا ذكر و ليس هو في المجلس ان تقول جزاه الله خيرا فاذا انت قد كافيته و عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال لايزهدنك في المعروف من لايشكره لك فقد يشكرك عليه من لايستمتع بشيء منه و قد يدرك من شكر الشاكر اكثر مما اضاع الكافر و الله يحب المحسنين و عن اميرالمؤمنين عليه السلام حق من انعم عليك ان يحسن مكافاة المنعم فان قصر عن ذلك وسعه فان عليه ان يحسن معرفة المنعم و محبة المنعم بها فان قصر عن ذلك فليس للنعمة باهل انتهي ، فتبين للكريم الابي ان من كرامة النفس مكافاة المنعم اولا بالمساوي و ليس المساوي ما يساوي تحيته بل يبقي له الفضل بالابتداء فلا بد و ان تزيد شيئا بازاء ابتدائه فهو المكافاة و اما الاحسان فهو ان تربي عليه و تزيده حتي يكون يدك العليا عليه و لاتفعل ذلك لمحض علو اليد فانه ربما يكون معصية اذا اردت به اذلال مؤمن لك و استعلائك عليه و امتنانه لك بل تزيد ذلك لاجل ان الله يحب الزيادة و امر بها و اراد اثابة المبتدي في الدنيا و في الوسائل عن حسين بن ابي‌العلا قال خرجنا الي مكة نيفا و عشرين رجلا فكنت اذبح لهم في كل منزل شاة فلما اردت ان ادخل علي ابي‌عبدالله عليه السلام قال يا حسين و تذل المؤمنين قلت اعوذ بالله من [ص 165] ذلك فقال بلغني انك كنت تذبح لهم في كل منزل شاة فقلت مااردت الا الله قال أماعلمت ان منهم من يحب ان يفعل مثل فعالك فلاتبلغ مقدرته فتقاصر اليه نفسه قلت استغفر الله و لااعود و عن شهاب بن عبدربه قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام قد عرفت حالي و سعة يدي و توسعي علي اخواني فاصحب النفر منهم في طريق مكة فاوسع عليهم قال لاتفعل يا شهاب ان بسطت و بسطوا اجحفت بهم و ان هم امسكوا اذللتهم فاصحب نظراءك انتهي ، فتبين ان كثيرا من الانفاق يصير سبب اذلال المؤمنين و لايحبه الله فان اردت الزيادة في احسان مؤمن فاجعله بحيث لاتصغر اليه نفسه و لايتذلل و لاتقصد الاستعلاء عليه ان شاء الله .

فصل و من الامور المندوب اليها المحبوبة لله سبحانه الموجبة للتقرب اليه و الخضوع و الخشوع لك هو السجدة لله شكرا عند ورود نعمة او تذكرها و اعلم انا قد ذكرنا سابقا ان الانسان مركب من جهتين جهة الي ربه و جهة الي نفسه اما جهته الي ربه فليست الا ذكر ربه و صفته و نوره و اما جهته الي نفسه فهي مقام ادعائه الاستقلال و الربوبية و القيومية بالامور و هي كلها ظلمة و شر و نقص و زوال و عجز و ايتهما غلبت تضعف الاخري و تضمحل و تنقص فان غلبت جهة النفس و كانت الاعمال و الافعال باشارتها و اقتضائها جرت معها جهة الرب خذلانا و تضعف بقوتها فلاتجري آثارها باقتضائها و تصير جهة الرب منقادة طائعة لها جارية قهرا مجريها كما كان اهل الحق يطيعون اهل الباطل قهرا و لايفارقونهم كيلايهلكوا و انما يطيعونهم اطاعة فيخفي نور اهل الحق و يظهر ظلمة اهل الباطل فيكون اهل الحق في دولتهم مغلوبين مقهورين مضمحلين لايكونون منشأ اثر ابدا و اما اذا غلب جهة الرب و استولت و بدت انواره و جرت الاعضاء و الجوارح و الحواس بطاعتها [ص 166] و اشارتها و امرها تضعف جهة النفس و تضمحل و تتلاشي و لاتقدر علي الاستمساك و تخضع و تذل كما ان اهل الباطل يضمحلون و يخضعون في دولة الحق فاذا عرفت ذلك فاعلم ان العبد اذا نظر بعين الله التي اعارها اياه و هي جهته الي ربه الي عظمة ربه و كبريائه و جلاله او آلائه و نعمائه انطبع فيها ذلك النور و تلألأت و استنارت و استضاءت و ظهر عليها آثار العظمة و الجلال و الكبرياء و القدرة و الغلبة و القهر لم‌تسطع جهة النفس علي الاستمساك و القيام بنفسها و اضمحلت و تلاشت و اندكت اندكاكا فخرت علي وجهها فاذا صارت كذلك صار البدن بتبعيتها ملقي علي وجهه ساجدا خاضعا خاشعا غير مستمسك بنفسه فلاجل ذلك قال الله سبحانه و اسجد و اقترب ، و روي اقرب ما يكون العبد الي الله و هو ساجد و انما صار في هذا الحال اقرب لان نفسه الحاجبة بينه و بين ربه قد اضمحلت و تلاشت فاتصلت بجهة الرب اتصالا و الا فالرب جل جلاله ليس في مكان حتي يتقرب اليه العبد و يدنو منه فاين يذكر التقرب فهذا معناه فعن الصادق عليه السلام ماخسر والله من اتي بحقيقة السجود و لو كان في العمر مرة واحدة و ماافلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال تشبيها بمخادع نفسه غافل لاه عما اعد الله للساجدين من البشر العاجل و راحة الآجل و لابعد عن الله ابدا من حسن تقربه في السجود و لاقرب اليه ابدا من اساء ادبه و ضيع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم انه خلق من تراب يطأه الخلق و انه اتخذك من نطفة يستقذرها كل احد و كون و لم‌يكن و قد جعل الله معني السجود سبب التقرب اليه بالقلب و السر و الروح فمن قرب منه بعد عن غيره ألاتري في الظاهر انه لايستوي حال السجود الا بالتواري عن جميع الاشياء و الاحتجاب عن كل ما تراه العيون [ص 167] كذلك امر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلوته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما اراد الله منه في صلوته قال الله تعالي و ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه ، و قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله تعالي لااطلع علي قلب عبد فاعلم منه حب الاخلاص لطاعتي لوجهي و ابتغاء مرضاتي الا توليت تقويمه و سياسته و تقربت منه و من اشغل في صلوته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه مكتوب اسمه في ديوان الخاسرين و عن الرضا عليه السلام السجدة بعد الفريضة شكرا لله عز و جل علي ما وفق له العبد من اداء فرائضه و ادني ما يجزي فيها من القول ان يقال شكرا لله شكرا لله شكرا لله ثلث مرات قيل فما معني قوله شكرا لله قال يقول هذه السجدة مني شكرا لله علي ما وفقني له من خدمته و اداء فرضه و الشكر موجب للزيادة فان كان في الصلوة تقصير لم‌يتم بالنوافل تم بهذه السجدة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سجدة الشكر واجبة علي كل مسلم تتم بها صلوتك و ترضي بها ربك و تعجب الملئكة منك و ان العبد اذا صلي ثم سجد سجدة الشكر فتح الرب تبارك و تعالي الحجاب بين العبد و بين الملئكة فيقول يا ملئكتي انظروا الي عبدي ادي قربتي و اتم عهدي ثم سجد لي شكرا علي ما انعمت به عليه ملئكتي ما ذا له عندي قال فتقول الملئكة يا ربنا رحمتك ثم يقول الرب تبارك و تعالي ثم ما ذا له فتقول الملئكة يا ربنا جنتك فيقول الرب تعالي ثم ما ذا فتقول الملئكة يا ربنا كفاية مهمه فيقول الرب تعالي ثم ما ذا فلايبقي شيء من الخير الا قالته الملئكة فيقول الله تعالي يا ملئكتي ثم ما ذا فتقول الملئكة يا ربنا لا علم لنا فيقول الله تعالي لاشكرنه كما شكرني و اقبل اليه بفضلي و اريه وجهي و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام لم اتخذ الله ابرهيم خليلا قال لكثرة سجوده علي الارض و عنه عليه السلام اوحي الله الي موسي [ص 168] أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي قال يا رب و لم ذاك قال فاوحي الله عز و جل اليه يا موسي اني قلبت عبادي ظهرا لبطن فلم‌اجد احدا اذل لي نفسا منك يا موسي انك اذا صليت وضعت خديك علي التراب او قال علي الارض و في رواية نحوه ثم قال فخر موسي ساجدا و عفر خديه في التراب تذللا منه لربه عز و جل فاوحي الله اليه ارفع رأسك و امر يدك علي موضع سجودك و امسح بها وجهك و ما نالته من بدنك فانه امان من كل سقم و داء و آفة و عاهة و عنه عليه السلام اذا نزلت برجل نازلة او شديدة او كربة فليكشف عن ركبتيه و ذراعيه و ليلصقهما بالارض و ليلزق جؤجؤه بالارض ثم ليدع بحاجته و هو ساجد و عنه عليه السلام قال اذا ذكر احدكم نعمة الله عز و جل فليضع خده علي التراب شكرا لله و ان كان راكبا فلينزل فليضع خده علي التراب و ان لم‌يكن يقدر علي النزول للشهرة فليضع خده علي قربوسه فان لم‌يقدر فليضع خده علي كفه ثم ليحمد الله علي ما انعم عليه و عنه عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان في سفر يسير علي ناقة له اذ نزل فسجد خمس سجدات فلما ركب قالوا يا رسول الله انا رأيناك صنعت شيئا لم‌تصنعه فقال نعم استقبلني جبرئيل فبشرني ببشارات من الله عز و جل فسجدت شكرا لله لكل بشري سجدة و كان يسير ابوالحسن عليه السلام في بعض طرق المدينة اذ ثني رجليه عن دابته فخر ساجدا فاطال و اطال ثم رفع رأسه و ركب دابته فقيل جعلت فداك قد اطلت السجود فقال اني ذكرت نعمة انعم الله بها علي فاحببت ان اشكر ربي و عنه عليه السلام اذا ذكرت نعمة الله عليك و كنت في موضع لايراك احد فالصق خدك بالارض و اذا كنت في ملأ من الناس فضع يدك علي اسفل بطنك و اخرن ظهرك و ليكن تواضعا لله عز و جل فان ذلك احب و تري ان ذلك [ص 169] غمز وجدته في اسفل بطنك و عن ابي‌جعفر عليه السلام ان ابي علي بن الحسين ماذكر لله عز و جل نعمة الا سجد و لاقرأ آية من كتاب الله عز و جل فيها سجود الا سجد و لادفع الله عنه سوء يخشاه او كيد كايد الا سجد و لافرغ من صلوة مفروضة الا سجد و لاوفق لاصلاح بين اثنين الا سجد و كان اثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمي السجاد لذلك و عن الصادق عليه السلام جاء رجل الي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال يا رسول الله كثرت ذنوبي و ضعف عملي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله اكثر السجود فانه يحط الذنوب كما تحط الريح ورق الشجر .

فصل - و لنختم هذا المورد ببعض فضايل الشكر ففي الكافي باسناده عن النبي صلي الله عليه و آله الطاعم الشاكر له من الاجر كاجر الصائم المحتسب و المعافي الشاكر له من الاجر كاجر المبتلي الصابر و المعطي الشاكر له من الاجر كاجر المحروم القانع و عنه صلي الله عليه و آله مافتح الله علي عبد باب شكر فخزن عنه باب الزيادة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ثلث لايضر معهن شيء الدعاء عند الكرب و الاستغفار عند الذنب و الشكر عند النعمة و عنه عليه السلام من اعطي الشكر اعطي الزيادة يقول الله عز و جل لئن شكرتم لازيدنكم و عنه عليه السلام ماانعم الله علي عبد من نعمة فعرفها بقلبه و حمد الله ظاهرا بلسانه فتم كلامه حتي يؤمر له بالمزيد و عنه عليه السلام شكر كل نعمة و ان عظمت ان يحمد الله عز و جل و قيل له عليه السلام هل للشكر حد اذا فعله العبد كان شاكرا قال نعم قيل ما هو قال يحمد الله علي كل نعمة عليه في اهل و مال و ان كان فيما انعم عليه في ماله حق اداه الخبر ، و عنه عليه السلام من انعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد ادي شكرها و عنه عليه السلام ان الرجل منكم ليشرب الشربة من الماء فيوجب الله له بها الجنة ثم قال انه [ص 170] ليأخذ الاناء فيضعه علي فيه فيسمي بسم الله ثم يشرب فينحيه و هو يشتهيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله ثم يعود فيشرب ثم ينحيه فيحمد الله فيوجب الله عز و جل بها له الجنة و قيل له اني سألت الله عز و جل ان يرزقني مالا فرزقني و اني سألت الله ان يرزقني ولدا فرزقني و سألته ان يرزقني دارا فرزقني و قد خفت ان يكون ذلك استدراجا فقال اما والله مع الحمد فلا و خرج عليه السلام من المسجد و قد ضاعت دابته فقال لئن ردها الله علي لاشكرن الله حق شكره فمالبث ان اتي بها فقال الحمد لله فقال قائل له جعلت فداك أليس قلت لاشكرن الله حق شكره فقال ابوعبدالله عليه السلام ألم‌تسمعني قلت الحمد لله و عنه عليه السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله اذا ورد عليه امر يسره قال الحمد لله علي هذه النعمة و اذا ورد عليه امر يغتم به قال الحمد لله علي كل حال و عن ابي‌جعفر عليه السلام تقول ثلث مرات اذا نظرت الي المبتلي من غير ان تسمعه الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به و لو شاء فعل قال من قال ذلك لم‌يصبه ذلك البلاء ابدا و روي في ذلك مرة الحمد لله الذي عدل عني ما ابتلاك به و فضلني عليك بالعافية الا عافني مما ابتليته به و روي تقول عشرا صباحا و مساء اللهم ما اصبحت بي من نعمة او عافية في دين او دنيا فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد و لك الشكر بها علي يا رب حتي ترضي و بعد الرضا فانك اذا قلت ذلك كنت قد اديت شكر ما انعم الله به عليك في ذلك اليوم و في تلك الليلة و ان نوحا سمي شكورا بهذا الدعاء و روي ان الله من علي قوم بالمواهب فلم‌يشكروا فصارت عليهم وبالا و ابتلي قوما بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة ، الي غير ذلك من الاخبار و اما فضل الحمد فقد روي انه قيل لابي‌عبدالله عليه السلام جعلت فداك علمني دعاء جامعا فقال احمد الله فانه لايبقي احد [ص 171] يصلي الا دعا لك يقول سمع الله لمن حمده و قيل له عليه السلام اي الاعمال احب الي الله عز و جل فقال ان يحمد و قال عليه السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله يحمد الله كل يوم ثلثمائة و ستين مرة عدد عروق الجسد يقول الحمد لله رب العالمين كثيرا علي كل حال و روي ذلك صباحا و مساء و عنه عليه السلام من قال اربع مرات اذا اصبح الحمد لله رب العالمين فقد ادي شكر يومه و من قالها اذا امسي فقد ادي شكر ليلته ، الي غير ذلك من الاخبار و اعلم ان الله سبحانه غني عما سواه و ليس له قرابة مع احد و ليس هو اولي باحد من احد و ليس احد اولي به من احد هو رب كل احد و الكل عبده علي السواء و ليس يعطي احدا شيئا بمقتضي ذاته و انما يعمل بقابلية الخلق فمن توجه اليه استنار و من ادبر عنه اظطلم كائنا من كان بالغا ما بلغ و قد روي عن النبي صلي الله عليه و آله لو عصيت لهويت و ان التوجه اليه هو التوجه الي وجهه و اتيانه من بابه و قد ثبت ان وجهه و بابه هو محمد و آل‌محمد عليهم السلام فمن توجه اليه و اتاه من بابه يستنير كائنا من كان فلو فرض ان احدا عصي الف‌الف سنة فتوجه اليه من بابه استنار و هو الاسلام الذي يجب ما سلف و هو الايمان الذي يقول الله الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و هو التوبة التي من تاب قبل موته قبل ان يعاين الآخرة طرفة عين غفر الله له جميع ذنوبه و هو العمدة في كل عمل و التقوي التي يقول الله سبحانه انما يتقبل الله من المتقين فمن توجه اليه من بابه استنار فان لم‌يعمل شيئا دخل الجنة و ان عمل عملا واحدا استوجب الجنة و ان عمل اعمالا كثيرة حسنة استوجب الجنة و لكل درجات مما عملوا بالجملة الشيعي هو اهل التقوي و اهل المغفرة و اهل النجاة و ان كان عليه اعراض ثقيلة فانها تزول و ان تألم في تمام عمره من سيئاته لمحة واحدة و ندم فهو تائب مغفور له مستحق للجنان [ص 172] بالندم في تلك اللمحة و اما من كان يداوم في كل يوم علي انواع الطاعات خائفا وجلا كما قال الله و الذين يؤتون ما اتوا و قلوبهم وجلة انهم الي ربهم راجعون و ليس من الخوف ان لايري الانسان الاسلام و الايمان و الولاية سبب النجاة و ليس الخوف ان يكون لايدري هل ينفعه الايمان و العمل ام لا فان ذلك ضعف في اليقين بل المؤمن الخائف يري ان الايمان نافع قطعا و الاعمال الصالحة نافعة قطعا و هو خائف وجل لانه يدري ان ذلك ليس منه و انما هو من الله و لو عامله الله بعدله و هو ليس منه شيء ابدا لهلك و هو خائف من عظمة السلطان الجليل و هي مخيفة بلا فكر في سخطه و هو خائف من ان اعماله ضعيفة ليست بلائقة و لم‌يؤد حق الله كما ينبغي و اما ان الاسلام و العمل الصالح نافعان ام لا فلعمري التردد في ذلك من ضعف اليقين و كذا الشك في انه هل مسلم او مؤمن ام لا و التشكيك في ذلك من الشيطان و كذلك لا شك في انك صليت و صلوتك كما امر الشارع و انها مقبولة تكلانا علي ولاية آل‌محمد عليهم السلام و انما تخاف انك قد قصرت في حقه فلاتكن آئسا من رحمته و لا شاكا في نفع ما انت عليه فاستدم علي الوثوق بصحة اعمالك و مقبوليتها بفضل الله و جوده كما اخبره في كتابه و اخبر الحجج في سننهم و من ذلك الشكر فادني مقامه ان تعرف في قلبك انه من الله و بآل‌محمد عليهم السلام فهو منك شكر مقبول و اعلي منه ان تضم اليه قول الحمد لله و اعلي منه ان تؤدي حق مالك و اعلي منه ان تجتنب المحرمات و اعلي منه ان تعمل معها بجميع الطاعات فكلها شكر مقبول من الشيعي و لكن لكل درجات مما عملوا و ادني ادني طاعة الشيعي يوجب له الجنة فافهم و تدبر راشدا موفقا و الحمد لله رب العالمين و استغفره و اتوب اليه .

[ص 173] المقصد الرابع - في الذكر النفسي و الخيالي و الحسي و ما يتعلق به من التوجه و المراقبة و النية و الاخلاص و غيرها و في هذا المقصد ايضا مقدمة و فصول :

المقدمة - في بيان معني الذكر النفسي و الخيالي و الحسي و فيها مطالب :

الاول - اعلم انا قد قدمنا في المجلد الاول ان الذكر ذكران الاول استحضار الشخص للشيء فهو فعله يرجع اليه و الثاني ما حضر لديه و هو شبح منفصل عن المذكور واقع في مرآة مشعر الذاكر فهو المذكور الظاهر و ظاهر المذكور و القائم مقامه و خليفته لديه و جاهه عنده و جهته فيه مثال ذلك انك تتوجه بخيالك الي زيد فيقع مثاله في ذهنك كما يقع في المرآة حين توجه اليها فينصبغ هو اي المثال في ذهنك و يتأثر ذهنك منه و يستنير بنوره فانه يكمل الخيال تكميلا كما يصبغه الخيال صبغا كما في المرآة ألاتري انك تتوجه الي امرأة حسناء بخيالك فيقع مثالها في ذهنك فكما ينصبغ المثال فيه فيكون علي حسبه يتكمل الخيال ايضا منه فيتحرك شهوتك و ميلك اليها و تشتاق اليها و يتحرك اعضاؤك اليها و يحمر وجنتك في بريق و ينفتح فمك بضحك و سرور و كذلك اذا توجهت الي مبغوض و وقع مثاله في خيالك فانك تجد نفسك تنفعل عن ذلك المثال و تتأثر و يهيج غضبها و كراهتها و تنفرها و يظهر عليها آثار الغضب فيحمر وجنتك و يرتفع صوتك و يدك و يجحظ عينك و يرتعش اعضاؤك و ذلك كله من تأثير ذلك المثال الواقع في خيالك فكما ينصبغ المثال في الخيال يتكمل الخيال من المثال و ذلك غير منكور و ما يقال ان الصور المثالية الخيالية غير مؤثرة و الا لكان تصور النار يحرق فكلام خال عن الحكمة فان الذي يقع في الخيال ضوؤها و ضوء النار غير محرق و انما المحرق حرها فلو تصور حرها و ادام فلا شك انه يسخن [ص 174] بدنه و مثل الذي لم‌يصح التصور و لم‌يخلصه كمثل الذي يلاقي النار من البعيد فلايتأثر منها و الذي يصح التصور و يمحضه فهو كمن يلاقيها من القريب فتحرقه لا محالة و ذلك انه ما لم‌يكن علي الخيال اغشية مانعة عن التصور الصحيح لم‌يضعف التخيل فاذا كانت منع بردها حر النار و كان كالذي بينه و بين النار استار او يد رطبة باردة جدا و لاقت النار فانها لاتتأثر غاية الامر انه يري شيئا ضعيفا و هو غير مؤثر و اما اذا لم‌يكن مانع و محض تصور الحر و تصور ملاقاته تأثر منه لا محالة و قد خبرت مرات ان آكلي البنج يقوي خيالهم بحيث كلما يقال لهم يتصورون وقوعه تصورا مستحكما فيقال لهم ما اسخن اليوم فيشتد الحر عليهم بحيث ينزعون لباسهم و لعلهم يتصابون عرقا ثم يقال ما اشد البرد فيبرد لهم فلعلهم يرجفون من شدة البرد و ذلك امر واقعي و مشهود ان الانسان بخيال المرض يمرض و من شدة الرعب في ايام الوباء يبتلي بالوباء و بخيال الصحة يصح و يقوي بالبداهة و لقد سمعت او رأيت في بعض الكتب ان بعض مرتاضي الهند يقال لهم النقش‌بندية اذا مرضوا يجلسون و يتصورون الصحة مدة فيصحون ألم‌تجرب ان من اكل الغذاء خائفا من ضره تضرر و اذا اكل عن جرأة لم‌يتضرر و تأثير الظنون كلها جميعا من هذا الباب و من هذا الباب ما روي ان الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا و من هذا الباب تأثير الرجاء و الخوف و التوكل و الطيرة كما روي عن الصادق عليه السلام الطيرة علي ما تجعلها ان هونتها تهونت و ان شددتها تشددت و ان لم‌تجعلها شيئا لم‌تكن شيئا انتهي ، و كذلك جميع ما يتعلق بالنفس من امر الدنيا و الآخرة و لو قلت ان الخيال اقوي من السم النقيع و من الدرياق الصحيح فصدقني فان الانسان لعله يموت بالتوهم في طرفة عين و ينجو بحسن الظن من العذاب الاليم و الامراض العظيمة فتبين مما [ص 175] ذكرنا ان الخيال كما يصبغ المثال يتأثر عن المثال فاذا كان الامر علي هذا المنوال فالتصورات الحسنة المرضية مما يؤثر فيه ما يرضي الله و التصورات المسخوطة مما يؤثر فيه ما يسخط فكل من ادام خيال شيء تأثر خياله منه ثم وقع شبحه في الحس المشترك ثم وقع الشبح منه في الروح البخاري ثم وقع منه في الاعضاء و تحركت علي حسبه و جرت علي نحوه البتة و من هذا الباب ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه اجتمع الحواريون الي عيسي عليه السلام فقالوا له يا معلم الخير ارشدنا الي ان قالوا يا روح الله زدنا فقال ان موسي نبي الله عليه السلام امركم ان لاتزنوا و انا آمركم ان لاتحدثوا انفسكم بالزنا فضلا عن ان تزنوا فان من حدث نفسه بالزنا كان كمن اوقد في بيت مزوّق فافسد التزاويق الدخان و ان لم‌يحترق البيت و من هذا الباب قوله صلي الله عليه و آله ملعون من حدث نفسه بالرياسة و امثال ذلك و اما ما روي ان الانسان اذا تفكر في الذنب و لم‌يعمل به لم‌يكتب عليه فالمعني انه لم‌يكتب عليه عقاب العمل و لم‌يكتب عليه عقاب التفكر اذا حجزه التقوي عن العمل و سخط علي نفسه بذلك التفكر فينحي سخطه ذلك العقاب عنه و اما اذا كان ساكنا اليه راضيا به فيكتب عليه البتة و ذلك قوله تعالي ان تبدوا ما في انفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله و قد حققنا ذلك في موضعه مشروحا مبرهنا عليه فالتصورات مؤثرات في النفس و مصورات لها علي هيئتها و مورثات لها الملكات و معودات لها فالواجب المتحتم اجتناب الخيالات الفاسدة و التصورات الكاسدة و تعويد النفس بالتصورات المرضية و الخيالات الحسنة فانها تبعث الانسان علي مراضي الله و علي المحاسن و علي الاعمال الصالحة و الاخلاق الزكية و يشوق الانسان الي الخيرات و الطاعات و يأتي تمام الكلام في باب التفكر ان شاء الله .

[ص 176] الثاني - اعلم ان الله سبحانه لما قدر ان يكون الانسان انموذج جميع العوالم جعل فيه من كل عالم حصة يدرك بتلك الحصة ذلك العالم علي ان الآلات تشير الي نظايرها فلما انزله الي عالم البرزخ و هورقليا جعل فيه مشاعر من جنسه ليدرك بها ما فيه كما انه لما انزله الي هذا العالم عالم الدنيا جعل فيه مشاعر من جنس هذا العالم حتي يدرك بها ما فيه فجعل فيه حواس خمسا يدرك بها الالوان و الاصوات و الروايح و الطعوم و الكيفيات الاخر و جعل بدل ذلك له خيالا في عالم البرزخ يدرك به الوان عالم البرزخ و اصواته و روايحه و طعومه و ساير كيفياته و يسمي فعله بالتخيل و التصور و المدرك هو النفس و انما الخيال وجهها و عينها المفتوحة في عالم البرزخ كما ان الحواس مشاعرها المفتوحة الي عالم الدنيا و المدرك بها كلها النفس و صفة ادراكها بها انها خلقت ناعمة رقيقة صافية سريعة التكيف و المطاوعة مما يلاقيها كل في حده و مقامه و معلوم ان لكل موجود مثالا منفصلا عنه علي طبعه و صفته و فضلا منتشرا من كمالاته فاذا واجه المشعر الشيء وقع مثاله علي المشعر و لما كان المشعر بقدرة القدير اغلظ منه في الجملة و ان كان مما يناسبه يتغلظ فيه اثر المثال و ما كمله يعني ان المثال يكمله علي نحوه فهو يتكمل علي نحوه يعني علي نحو المشعر فان كل فاعل يفعل علي نحوه و كل منفعل ينفعل علي نحو المنفعل فيظهر اثر المثال علي المنفعل منصبغا بصبغه متهيئا بهيئته فيسمي علي صفة الانصباغ لا علي صفة المثال و كذلك الاشياء تسمي باسماء صورها و يجري عليها الاحكام علي حسب اسمائها لا علي صفة موادها ألاتري ان الشبح المستقيم في المرآة العوجاء يري اعوج فيسمي باعوج لا بمستقيم و الشبح الابيض في المرآة الحمراء يري احمر و يسمي باحمر لا بابيض فلاجل ذلك حكم المثال حكم ما كساه المشعر من كمه و كيفه و لاجل ذلك يري الواحد في [ص 177] عين الاحول متعددا و في العين المصبوغة مصبوغا و في الاذن ذات الدوي علي حسب دويها و في الانف ذي النتن علي حسب نتنه و في الفم ذي الطعم علي حسب طعمه و في اللمس ذي كيفية علي حسب كيفيته فيسمي الكل علي ما ظهر له في مشعره و لا علم له بالواقع الا من طريق المثال و يري منه صورته فيحكم علي الواقع بها لا به فانه غير واصل اليه الا فيها و منها و بها اللهم الا ان يطلع علي الواقع من طريق آخر فيحكم عليه كما بلغه من تلك الطريق فهي ايضا طريق كالطريق الاول فافهم و كذلك امر الخيال و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت يعني استواء الرحمن علي العرش اقتضي ان لايكون بين الخلق تفاوت فلو كان قريبا من شيء بعيدا عن شيء لعله كان يتفاوت فالخيال ايضا مشعر مفتوح الي عالم البرزخ و المتخيل منه هو النفس و الخيال هو فعل النفس فتتوجه بآلتها التي هي صفو البخار التي في التجويف الثاني من الدماغ الذي هو بمنزلة العين مثلا فتتخيل بها كما تري بالعين يعني يقع شبح الصور البرزخية في ذلك البخار الصافي كما يقع في المرآة فينطبع فيه فيؤديه الي النفس فتدركه النفس كما هو بذلك البخار الصافي و مرادي بالبخار الصافي هو الصافي عن الالواث الدنياوية المتمحض في البرزخية ثم ان كان لذلك البخار اعوجاج او صبغ يتهيؤ ذلك الشبح فيه فيكون علي خلاف الشاخص كما انك ربما تخيلت زيدا قاعدا و هو قائم او قائما و هو قاعد و هكذا و هذه الصور تأتي الخيال من ثلث طرق فاما تأتيه من الاجسام الظاهرة يعني يدركها حواسك الظاهرة فتؤديها الي الحس المشترك فيتلقيها بوجهه الاسفل ثم يؤديها الي الخيال بوجهه الاعلي فتنطبع في مرآته علي حسبها و اما تأتيه من العالم البرزخ من الصور البرزخية مما في صقعه و ذلك كتصورك ما في الازمنة السابقة و اما تأتيه من [ص 178] النفس مثل ما يفاض عليه من الواردات الغيبية مما لم‌يره بعينه و لم‌يره في سالف الزمان بل لم‌يكن و كيفية فيضان تلك الواردات مثل ما يفاض علي البدن من الخيال فيغضب البدن بغضبه و يستر بسروره و يتحرك بحركته و يسكن بسكونه و هكذا و لسنا الآن بصدد بيانه و قد ذكرناه في ساير كتبنا لاسيما تأويل الاحاديث فالصورة التي في الخيال هي ذكر الشاخص و ما منه عندك و هي مذكورك فهي ذكرك علي ان المصدر بمعني المفعول و اما استحضارك له و اطلاعك عليه فهو ذكرك و هو صنعك و عملك .

الثالث - اعلم ان الخيال آلة كونية تصلح لان تتوجه الي عليين و ينطبع فيها صور عليين و تتوجه الي سجين و تنطبع فيها صور سجين و تصلح لان تتصور بصورة حقة و تتصور بصورة باطلة و المراد بعليين و سجين هنا اللوح الكوني البرزخي الذي كتب عليه بالرسم الكوني الصور المحبوبة لله سبحانه و هي الحقة او الصور المبغوضة له جل و عز و هي الباطلة فالصور الحقة هي المكتوبة في الواح السموات سموات البرزخ و هي المسماة بعالم هورقليا و الصور الباطلة هي المكتوبة في لوح طبايع البرزخ حيث فيه المدينتان المنكوستان جابلقا و جابرسا فعليون في السموات مواضع الجنة و جهة الرب كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و سجين في الارض مواضع النار جهة النفس كلا ان كتاب الفجار لفي سجين و ذلك الخيال بنفسه ايضا اذا تصور بصور حقة فهو عليوني و سماوي و الا فهو سجيني مخلد في الارض فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث فان توجه الخيال بعزيمته و ارادته الي عليين و توجه الي كلمة مكتوبة هناك انطبع فيه صورة تلك الكلمة علي ما هي عليه ان كان صافيا او ما هو عليه ان كان فيه مخالفة ما و لكنه متوجه الي تلك الكلمة العليينية و ان توجه بعزيمته و ارادته الي سجين و توجه الي كلمة [ص 179] مكتوبة هناك انطبع فيه صورتها علي ما هي عليه ان كان صافيا و الا فعلي ما هو عليه و اعلم ان الانسان في هذه الصورة قد يكون علي شبهة و خطاء فقد يزعم كلمة سجين كلمة عليين و كلمة عليين كلمة سجين و بزعمه ذلك يكسو مثالها في خياله صورة عليين فيسميها باسمه و ينال منها مطلوبه فان صورة خياله عليونية و قد يزعم كلمة عليين كلمة سجين فيكسو مثالها في خياله صورة سجين فتكون عليه وبالا و ربما يتضرر من قربها و يراها حيث يبغض و ذلك قول ابي‌جعفر عليه السلام لو ان رجلا احب رجلا لله لاثابه الله علي حبه اياه و ان كان المحبوب في علم الله من اهل النار و لو ان رجلا ابغض رجلا لله لاثابه الله علي بغضه اياه و ان كان المبغض في علم الله من اهل الجنة انتهي ، و ذلك ان الاشياء تسمي بصورها فلو انك قابلت المرآة المصورة بصورة كلب حايطا ابيض لرأيت فيها صورة كلب و سميتها بالكلب و لو قابلت المرآة المصورة بصورة آدمي كلبا لرأيت فيها صورة آدمي و سميتها صورة آدمي بل اقول ان المواد تستحيل في بطون الصور الي طبعها فالمادة التي في خيالك ايضا تستحيل الي جنس الصورة التي فيه و من هذا الباب ان من رأي النبي صلي الله عليه و آله او احدا من الائمة او احدا من الشيعة في منامه فانما رآهم دون غيرهم و لم‌يتصور الشيطان بصورهم و ان كان الف نفس كل واحد منهم رأي واحدا من اولئك معينا بصورة و ان رأوا النبي صلي الله عليه و آله مثلا في ليلة واحدة في آن واحد بالف صورة فكلها هو نبي صلي الله عليه و آله و ينال الانسان منه مطلوبه البتة و ذلك ان الرائي حين ما توجه الي النبي رسول الله صلي الله عليه و آله فانما توجه الي عليين و دار قرب الله جل جلاله و لما اعتقد فيه كما يحب الله رآه علي ما رأي فكان ما في [ص 180] الخيال من مادة عليينية و صورة عليينية و ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و هم اصل كل خير هذا و مادة الخيال سبيل المتخيل الي الشاخص بل هي الشاخص الظاهر له فهو هو لا محالة و الا لم‌تكن انت انت و ان اعتقد فيه خلاف الحق صور ذهنه بصورة سجينية و توجه اليه فاخذ منه مادة عليينية و صورها بصورة سجينية فكانت عنده علي ما هو عليه و هو سجيني فنبيه سجيني و من الالواح الباطلة و لذلك يكلمه علي ما يريد فذلك وجه رؤية كل من اهل الحق و الباطل النبي فلعل سنيا يري النبي بزعمه و يوصيه بولاية ابي‌بكر و الشيعي يراه صلي الله عليه و آله و يوصيه بولاية علي عليه السلام و البراءة من اعدائه و لكن شأنهما علي ما بينت لك و هو مما تحير فيه الناس و لم‌يعرفوا المخلص منه .

بقي هنا شيء و هو انه ربما يري زيد عمرا في منامه و يكلمه و يخبره بشيء حق او علم او واقعة او يضربه او يقتله و يصبح و لايدري عمرو و لعله جاهل بتلك المسئلة او الواقعة و لم‌يتوجع بضربه فان كان زيد يتوجه الي عمرو حقيقة كما يتوجه اليقظان و يراه بخياله كما يراه بعينه فلم لايطلع عمرو برؤيته و مكالمته و ضربه و من المكلم زيدا و المخبر له و المعلم اياه و الا فما معني من رآني فقد رآني و كل احد يقول بالفطرة رأيت زيدا في منامي و لايقول رأيت شبيه زيد و مثله في منامي و الامور التي تجري علي السنة الناس و ايديهم بالفطرة اغلبها او كلها صحيحة نشأت من اصل الكينونة و هذه ايضا مشكلة عظيمة ، اعلم ان النفوس ربما تكون معتدلة و ربما تكون منحرفة فان كانت معتدلة جرت مع الاقدار و مصادر الانوار في الليل و النهار فتكون كما شاء الله لا كما شاءت و ذلك ان نفس زيد تمثل من النفس الكلية الالهية كما ان [ص 181] جسم زيد تمثل من الجسم الكلي و كما ان الجسم اذا اعتدل يجري علي نهج التقدير و مجاري التدبير و يجري علي نهج الحكمة كذلك النفس اذا اعتدلت جرت علي نهج الاعتدال و علي طبق عالم النفوس و سماواتها و ارضيها فكلما جري عليها من غير تعمد الانحراف يكون حقا صدقا موافقا للواقع و مجاري التقدير سواء كان مما مضي او ما هو كاين او مما سيكون فهي ملهمة بالصواب و الحق ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فتلك النفس يرد عليها الشيء بعد الشيء و الامر بعد الامر علي ما في الواقع و هو العلم كل العلم و الكمال كل الكمال و ان كانت منحرفة تجري الاقدار و هي تجري بمشايعتها و لاتوافقها فتخالف الواقع فيرد عليها ابدا وارادت منحرفة معوجة و امثل لك مثالين اذا كان في الجو بخار صاف صالح لطيف براق تجري الافلاك و الكواكب و تطرح عليه انوارها و تدبره و تديره علي ما هي عليه فتحركه اذا تحركت و تسكنه اذا سكنت و تسخنه اذا سخنت و تبرده اذا بردت و تديره كما تدور و تظهر فيه كما هي و هكذا و اذا كان بخار غليظ كدر لايطاوعها و لايكون علي حسب ارادتها فيمكن الاستدلال من البخار الاول علي مبادي الافلاك دون البخار الثاني فصورة البخار الاول ابدا صورة الافلاك و اما صورة البخار الثاني فعلي خلافها ألاتري الريشة في الرياح كيف تتحرك بحركتها و تسكن بسكونها و تضطرب باضطرابها و تسرع بسرعتها و تبطئ ببطئها و هكذا الروح الحيوانية عند كرور الافلاك و عند القاء شعلاتها و انوارها و قراناتها و اوضاعها فتؤثر في الروح و تصوره علي حسب صورتها فيكون الروح ايضا لوح القدر مختصرا ، في الخبر الصورة الانسانية هي المختصر من اللوح المحفوظ ،

و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر [ص 182] 

و انما ذلك بايصال الملئكة الموكلة بالاقدار النازلة بها فيتلقون الروح و يسلمون عليه و يسلمون اليه فيطلع علي مجاري القدر ان جزئيا فجزئيا و ان كليا فكليا ان كان صافيا فصرفا محضا و الا فمشيبا متبدلا فافهم و ان كان الروح منكوسا يقع فيه ما يوحي الشياطين بعضهم الي بعض و يناجي بعضهم بعضا و يكون ذلك في الارضين و ربما يسترق السمع فيتبعه شهاب مبين فهذا لايطاوع الافلاك لغلظته و انما يحركه الابخرة الغليظة الكدرة الارضية التي هي مأوي الشياطين و مساكنها فتحركه حركات غير منتظمة و غير حكمية و تصوره بصور مشوهة باطلة فيتقلب في الاباطيل المتشاكسة و الصور غير المرتبطة و كذلك حال النفس عند افلاك النفوس و ارضيها و حال العقل عند افلاك العقل و ارضيه و الشياطين و ان لم‌يكونوا في عالم العقول الا ان الامر في كل مقام بحسبه ألاتري ان العقل من حيث نفسه من ميادين توحيد الهالكين و من حيث الاعلي من ميادين توحيد الناجين بالجملة الغرض ان نبين لك ان الخيال مشعر باطني و هو في الجسمانية بخار صاف مرآوي يظهر فيه الاشباح العليونية الحقة او السجينية الباطلة و المدرك منه هو فعل النفس الظاهر فيه و الادراك ذكرك الفعلي لك و الشبح ذكرك المفعولي و ذلك الذكر المفعولي يؤثر في ذلك البخار تاثيرا فيتطبع بطبعه سلافته الدهرية و تتكسب منه و هو الذي يلحق النفس من الاعمال فتجيئ معها في الآخرة فافهم .

الرابع - اعلم ان الصور تلحق الخيال مرة من الخارج بان تنصبغ الحواس الظاهرة بالصورة فينصبغ منها الحس المشترك من حيث اسفله فيصبغ عليه الخيال من حيث اعلاه فيصعد منه الي النفس و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و مرة [ص 183] تلحق الصورة الخيال من الابخرة الصاعدة المتصورة بالصور المختلفة من حيث نفسها و بمساعدة الخيال فينطبع صورها في الخيال كما يراه المبرسم من الخيالات و قد تلحقه بحسب عادته فانه اعتاد التصور بصورة و العادة هي الطبيعة الثانية و قد تلحقه بحسب طبعه فان الروح البخاري اذا غلب عليه طبع يتصور بصورة ذلك الطبع و يعينه فعل النفس و قد يتصور بتوجهه الي السموات كما مر و قد يتصور بتوجهه الي الارضين كما مر و قد يتصور بالواردات النفسية التي اكتسبتها من سمواتها او ارضيها فتصورت في عالمها فاشرقت علي ذلك البخار فغلظ اشراقها فيه فتصور صورة خيالية فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الخيال دهري مجرد عن المادة و المدد الزمانية الجسمانية و ليس ادراكه الصور بغلظة الصور الزمانية و لا البرزخية الحسية فاذا انطبع في الخيال صورة دهرية جزئية انعكست منه الي الحس المشترك فغلظت و صارت مثل ما يراه النائم ذات كم و كيف و جهة و رتبة و وقت و مكان و وضع و اجل و كتاب و مثل خيالات مصرحة تحصل للغائص في بحر الخيال فاذا جاءت الي الحس فلعلها تسري الي اسفله و ادت الي اعلي الحواس شيئا فلعلها تسمع في اذنها و يدعي الانسان انه سمعها باذنه و تري في عينها و يدعي انه رآها بعينه و ربما يؤثر ذلك في الاخلاط و ظاهر البدن و يحركه علي حسبه و يحفظه و يمسكه و يمرضه و يصحه مثل ما يحصل للمجنون فيؤذونه و يضربونه و يحركونه و يسكنونه علي ما هو مشاهد و ذلك هو مقام انكشاف الغيوب لاهله فيرون المطالب الغيبية ثم ربما يلحقها في طريقها اعراض فيتغير صورتها و ربما لم‌يلحقها شيء فظهرت علي ما هي عليه و ذلك يحصل بالمواظبة و هو مجرب لكل احد و كل احد قد جربه في خيال او امر حين تمحض فيه و لا اقل من المنام و هذا [ص 184] الانكشاف هو الطيف المصطلح عند اهل الكشف اذ هو و الرؤيا من باب واحد بلا اختلاف و لهذا الباب تأثيرات عجيبة لاينكرها الا اهل الغباوة و الناس متقلبون في تأثيرات خيالاتهم و هم لايشعرون .

فصل - فاذ قد فرغنا من المقدمة في الاشارة الي ما ينبغي علي نحو الكلية فلنبين الآن ما كان في النفس ان نذكره و ندرجه في هذا الكتاب فاعلم ان الذكر النفسي يقع علي معان الاول اخطار الفاظ الذكر الخاص في الخيال و الحس المشترك و التوجه الي معناه بالنفس و العقل كما تحدث نفسك في آناء الليل و النهار و تكالم الناس فيها و تباحث و تنقض و تحل و تورد و تجيب و تسأل و تطلب مما جميع الخلق مبتلون به في تمام عمرهم فيحدثون في انفسهم و يفهمون معاني ذلك الحديث بنفوسهم و عقولهم و يؤثر ذلك الحديث في نفوسهم تأثيرات واقعية عجيبة فاذا حدثوا انفسهم بمكالمات عدو لهم يهيج غضبهم و يرتعش اعضاءهم و يضطرب قلوبهم و يحمر وجناتهم و اذا حدثوا انفسهم بمكالمات محبوب لهم يلين جانبهم و يسكن نفوسهم و يلتذون كمال اللذة و يسترون و يري البشاشة في وجوههم و اذا حدثوا نفوسهم بالمواعظ و العبر تورث لهم الزهد و الاعراض عن الدنيا و السماحة و اذا حدثوا انفسهم بالمعاصي تحرك شهواتهم و زاد اشتياقهم و هاجوا الي نحو الاعمال الشنيعة و رأي آثارها في عيونهم و وجوههم بما لااحب ذكره و هكذا و لا شك في تأثيرات حديث النفس في النفوس و الابدان فمرة يقال الذكر النفسي و يراد به حديث النفس باسم من اسماء الله سبحانه و مداومة تخيله بحيث يغفله ذلك الخيال عن ساير الخيالات و يشغله ذلك الحديث عن غيره من الاحاديث و يداوم علي ذلك في آناء [ص 185] الليل و النهار حتي يعتاد خياله ذلك الحديث و يتطبع عليه فيشتغل به يقظة و نوما و في حال الحركة و السكون و المعالجات البدنية حتي ينقلب طباعه الي طباع ذلك الحديث بحيث انه اذا اراد خيال شيء آخر لا بد له من التكلف و التجشم كما ان غيره اذا اراد ان يحدث بذلك الحديث او حديث غير معتاد له احتاج الي التكلف و هذا الحديث لا شك انه في عرض ساير احاديث الخيال و يمانعها و لايجتمعان في آن واحد في خيال واحد كما ان قولك الماء و قولك الخبز مثلا لايجتمعان علي لسانك في آن واحد و ذلك ان الله تعالي ماجعل لرجل من قلبين في جوفه و ان القلب وحداني التوجه و الخيال الذي هو لسانه الغيبي وحداني التكلم و لايقدر ان يتكلم في آن واحد بكلامين مختلفين فكما انه يمنع تذكر لفظ زيد تذكر لفظ عمرو في آن واحد يمنع ذكر اسم من اسماء الله ساير احاديث النفس و لكن كما انه لايمنع ذكر قول بلسانك حركة بيدك او نظرا بعينك كذلك لايمنع قول بلسانك حديثا بنفسك كما انك تصلي و تقرأ و انت في قلبك تحدث باحاديث شتي و كذلك لايمانع احاديث نفسك عملك بجوارحك و استعمالك حواسك كما انك تحدث نفسك دائما باشياء حال استعمالك جوارحك و ادواتك فانها ليست في عرض واحد و ذلك انه يمكن النفس ان تستعمل بعض جوارحها بتوجه ناقص ظلي و عادتها في جريها مجراها و يكون اصل توجهها الي جهة اخري فقراءة المصلي مع ان قلبه مشغول بحديث نفسه بتوجه ناقص و بعادة الروح الحيوانية و اللسان ان يقرأ و اما اصل توجهه و عمدته الي حديث نفسه هذا و ان كان في الحقيقة انه لو توجه النفس بكلها الي الخيال تعطل اللسان عن التكلم لانها وحدانية التوجه الا ان الروح الحيوانية عوادة و يكفيها في جريها مجراها توجه ظلي كما انها تتنفس بعادتها و طبيعتها [ص 186] و النفس الانسانية غير متوجهة اليها بتوجه اصلي و انما يكفيها التوجه الظلي و ذلك كحيوة النائم و تنفسه و حركته يمينا و شمالا بل ربما يتكلم النائم و يمشي و يضرب و هو نائم غير شاعر و انما ذلك بالطبع و العادة من الحيوانية و التوجه الظلي من النفس فاذا توجهت النفس توجها ظليا الي اللسان قرأ و نفسه متوجهة الي حديث نفسها و ليس كذلك الامر في حديثين نفسيين فاذا حدث الانسان نفسه بحديث لايمكنه التحديث بحديث آخر كما لايمكنه التكلم بكلامين و الحركة في جهتين في آن واحد فتبين و ظهر ان تحديث النفس بحديث معين يمنع الخيال عن التحديث بغيره فاذا بحسب العادة لايمنع الذكر اللساني النفس عن وساوسها و هواجسها و احاديثها و ان قلت ان الذكر اللساني لايمنع عن ذلك اذا كان مع سهو القلب و اما اذا كان مع توجه يمنع قلت ان كلامي في ان نفس الذكر اللساني بنفسه ليس بشاغل و مانع للنفس عن احاديثها و انما المانع علي قولك التوجه و ذلك لا شك فيه فان الله ماجعل لرجل من قلبين في جوفه بل التوجه الي الله بدون الذكر اللساني ايضا يمنع فان القلب اذا توجه الي جهة يتعوق المشاعر عن التوجه الي غيرها البتة فالذكر اللساني بنفسه لعدم اتحاد الصقع لايمانع النفس عن احاديثها عادة البتة و اما الذكر النفسي بنفسه يمانع و ان جاء معه توجه فيكون اقوي و اكمل هذا و ان الشيطان قد دبر هذا التدبير لمنع التوجه و لقد صدق عليهم ابليس ظنه فاتبعوه فمنع الناس من التوجه و اني يمكن لصاحب الوساوس التوجه و نفسه تهيم في كل واد و مشتغلة بكل شيء دون الله عز و جل و انما التدبير كل التدبير لاجل تحصيل التوجه فالذكر النفسي يمنع النفس عن الهيمان في كل واد و الاقتحام في التلال و الوهاد و يصرفها قهرا الي التوجه فتبين انه لا علاج لها الا دواء [ص 187] من صقع احاديث نفسها لايجامعها البتة و هو الذكر النفسي و لكن هنا دقيقة غفل عنها الاكثرون و هي انه قد يشتغل بالذكر الحس المشترك و الخيال ساير في غير ذلك الوادي فلعله يذكر ساعات بحسه المشترك و قلبه و خياله في مكان آخر و ذلك لايتفاوت مع الذكر اللساني ابدا و الذي قلته ان الذكر في اي رتبة كان يمانع ما في صقعه فالذكر اللساني الخاص يمنع اللسان عن غيره و الحس المشترك اذا ذكر الله يمنعه ذكره عن ذكر حسي آخر و الذكر الخيالي يمنع الخيال عن غيره في عرضه و الذكر النفسي يمنع النفس عن ذكر غيره و هكذا فمن اشغل حسه المشترك بذكر نقشا او حركة او سماعا او غيرها و خياله متوجه الي غيره لاينفعه البتة و لايدفع هواجسه و اما اذا ذكر بخياله باشارة نفسه منع خياله عن كل شيء سواه البتة في آنه و ساعته و هو ممنوع ما دام يذكر فاذا غفل عادت الهواجس علي عادته فاذا ادام الذكر اعتادت النفس فذكرت من غير قصد و عزيمة و فنيت هواجسها فاذا ادام تطبع عليه النفس حتي اذا صار من طباعها تنفر الشياطين و طردت عنه بالكلية فيئست منه فلم‌تعد و اما قبله فليسوا بمأيوسين منه و يذهبون و يجيئون و اما قبل المداومة فهم سكنة البلاد المستولون علي العباد انما سلطانه علي الذين يتولونه و الذين هم به مشركون و قد امر الله عباده فقال و اما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله و الاستعاذة تصور نفسك بصورة ما تستعيذ به و احتجابك بتلك الصورة فتلك الصورة من الجنة و لايطاؤها الشيطان و هي نور و الشيطان ظلمة فلايجتمعان في محل و قال الله سبحانه انه ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون و الايمان هو التلبس بصورة التوحيد و الاعتراف بالنبوة و الولاية و الاعمال الصالحة فاني يقربه الشيطان و لذلك لايتمثل الشيطان بصورة المؤمنين ففي تفسير العسكري [ص 188] عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث الا فاذكروا يا امة محمد محمدا و آله عند نوائبكم و شدايدكم لينصر الله به ملئكتكم علي الشياطين الذين يقصدونكم فان كل واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته و ملك عن يساره يكتب سيئاته و معه شيطانان من عند ابليس يغويانه فاذا وسوسا في قلبه ذكر الله و قال لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين خنس الشيطانان ثم صارا الي ابليس فشكواه و قالا له قد اعيانا امره فامددنا بالمردة فلايزال يمدهما بالمردة حتي يمدهما بالف مارد فيأتونه فكلما راموه ذكر الله و صلي علي محمد و آله الطيبين لم‌يجدوا عليه طريقا و لا منفذا قالوا لابليس ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه و تغويه فيقصده ابليس بجنوده فيقول الله تعالي للملئكة هذا ابليس قد قصد عبدي فلانا و امتي فلانة بجنوده الا فقاتلوهم فيقاتلهم بازاء كل شيطان رجيم مائة‌الف ملك و هم علي افراس من نار بايديهم سيوف من نار و رماح من نار و قسي و نشاشيب و سكاكين و اسلحة من نار فلايزالون يجرحونهم بها و يقتلونهم بها و يأسرون ابليس و يضعون عليه تلك الاسلحة فيقول يا رب وعدك قد اجلتني الي يوم الوقت المعلوم فيقول الله تعالي للملئكة وعدته ان لااميته و لم‌اعده ان لااسلط عليه السلاح و العذاب و الآلام استشفوا منه ضربا باسلحتكم فاني لااميته فيثخنونه بالجراحات ثم يدعونه و لايزال سخين العين علي نفسه و اولاده المقتولين و لايندمل شيء من جراحاته الا بسماع اصوات المشركين بكفرهم فان بقي هذا المؤمن علي طاعة الله و ذكره و الصلوة علي محمد و آله بقي علي ابليس تلك الجراحات و ان زال العبد عن ذلك و انهمك في مخالفة الله عز و جل و معاصيه اندملت جراحات ابليس ثم قوي علي ذلك العبد حتي يلجمه و يسرج [ص 189] علي ظهره و يركبه ثم ينزل عنه و يركب علي ظهره شيطانا من شياطينه و يقول لاصحابه أماتذكرون ما اصابنا من شأن هذا ذل و انقاد لنا الآن حتي صار يركبه هذا ثم قال رسول الله صلي الله عليه و آله فان اردتم ان تديموا علي ابليس من سخنة عينيه و الم جراحاته فدوموا علي طاعة الله و ذكره و الصلوة علي محمد و آله و ان زلتم عن ذلك كنتم اسراء ابليس فيركب اقفيتكم بعض مردته الخبر ، و الغرض من هذا الخبر الشريف ان الذكر يلبس النفس صورة نورانية لها اشراقات و اشعة و انوار موكل بكل نور و اشراق منها ملك ذاب عن حرم الذاكر و الشياطين ظلمات و اخابيث لايجامعون الملئكة و الانوار و الاطياب في مقام واحد فهم مطرودون مذبوبون منحون عن حرم الذاكر و لكن يعالجونه بكل علاج حتي يداخلوه في امره و يلبسوه ثوب المذلة فيتعلقوا به فاذا صار الذكر عادة و ملكة له يصدر منه من غير قصد خاص انتقص طمعهم عنه و لكنهم يرجونه فاذا ادام حتي صار طباعه يئسوا منه فانهم لايقدرون عليه فيرفعون طمعهم عن اغوائه و اضلاله و يذهبون و يشتغلون بغيره و هو قوله تعالي الذين آمنوا و تطمئن قلوبهم بذكر الله الا بذكر الله تطمئن القلوب اللهم اجعلنا ممن يئس ابليس من اغوائهم و احجبنا بحجابك الرفيع و حصنا بحصنك المنيع عن شره يا اقدر القادرين .