فصل - اعلم ان الاستغفار ليس محض قول المذنب استغفر الله فانك قد عرفت ان الاستغفار هو التبري من الذنب و التعري عنه بالاعراض عنه و الاقبال الي الله جل و عز بصدق النية فالواجب ان لايكون المستغفر حين استغفاره مستظهرا بذنبه متمسكا به معتمدا عليه متوجها اليه فان ذلك ارتكاب ذنب لا استغفار و اظهار لا تكفير و ستر فذلك يتحقق بشروط الاول الندم عما سلف و التبري عما فعل و الادبار عنها بالكلية و الثاني العزم علي الترك فيما بقي من عمره فيعزم علي ان لايرتكب ذنبا و ان عاش عمر الدنيا اذ لو كان له عزم علي العود لم‌يعرض عن الذنب بنفسه الدهرية و ان اعرض ببدنه الآن في الزمان الثالث ان يتدبر في ذنوبه التي ارتكبها قبل و اعرض عنها الآن هل لها آثار باقية ام لا فان كان لها آثار باقية ينبغي رفعها بما جعله الشارع رافعا لها فان كان ذنبه السابق بالنسبة الي المخلوقين و لزمه حقوق بسببه فليسع في ادائه ليزول عنه وصمته و ان كان بالنسبة الي الله جل جلاله و يلزمه امر بسببه من قضاء او كفارة فليبادر اليه و يؤديه فانه صفة النادم الصادق علي ندمه هذا و العزم علي ترك الحقوق و الآثار اللازمة بنفسه ذنب مستمر و هو ينافي التوبة ألاتري ان رجلا لو احتم بسبب السكون في مكان [ص 135] ندي وبي يجب عليه التحول عنه و الاعراض فانه سبب الحمي و بعد ازالة السبب يجب ازالة الاثر الباقي و هو الحمي و من البين ان بعد ازالة الحمي للمريض نقاهة يجب تربيته حتي يعود الي حال الصحة بالكلية و قد روي الرضي رحمه الله في نهج البلاغة ان قائلا قال بحضرة اميرالمؤمنين عليه السلام استغفر الله فقال عليه السلام ثكلتك امك أتدري ما الاستغفار ان الاستغفار درجة العليين و هو اسم واقع علي ستة معان اولها الندم علي ما مضي و الثاني العزم علي ترك العود اليه ابدا و الثالث ان تؤدي الي المخلوقين حقوقهم حتي تلقي الله املس ليس عليك تبعة و الرابع ان تعمد الي كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقوقها و الخامس ان تعمد الي اللحم الذي نبت علي السحت فتذيبه بالاحزان حتي يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد و السادس ان تذيق الجسم الم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول استغفر الله انتهي ، و قد روي كلام عظيم عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال التائب اذا لم‌يستبن عليه اثر التوبة فليس بتائب يرضي الخصماء و يعيد الصلوة و يتواضع بين الخلايق و يقي نفسه عن الشهوات و يهزل رقبته بصيام النهار و يصفر لونه بقيام الليل و يخمص بطنه بقلة الاكل و يقوس ظهره من مخافة النار و يذيب عظامه شوقا الي الجنة و يرق قلبه من هول ملك الموت و يجفف جلده علي بدنه بتفكر الآخرة فهذا اثر التوبة فاذا رأيتم العبد علي هذه الصفة فهو تائب ناصح لنفسه و عن الصادق عليه السلام التوبة جذب الله و مدد عنايته و لا بد للعبد من مداومته (ظ) التوبة علي كل حال و كل فرقة من العباد لهم توبة فتوبة الانبياء من اضطراب السر و توبة الاولياء من تلوين الخطرات و توبة الاصفياء من التنفيس و توبة الخاص من الاشتغال بغير الله و توبة العام من الذنوب و لكل واحد منهم معرفة و علم في اصل [ص 136] توبته و منتهي امره و ذلك يطول شرحه هيهنا فاما توبة العام فان يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة و الاعتراف بجنايته دايما و اعتقاد الندم علي ما مضي و الخوف علي ما بقي من عمره و لايستصغر ذنوبه فيحمله ذلك علي الكسل و يديم البكاء و الاسف علي ما فاته من طاعة الله و يحبس نفسه من الشهوات و يستغيث الي الله تعالي ليحفظه علي وفاء توبته و يعصمه من العود الي ما سلف و يروض نفسه في ميدان الجهد و العبادة و يقضي عن الفوائت من الفرايض و يرد المظالم و يعتزل قرناء السوء و يسهر ليله و يظمأ نهاره و يتفكر دائما في عاقبته و يستعين بالله سائلا منه الاستعانة في سرائه و ضرائه و يثبت عند المحن و البلايا كيلايسقط عن درجة التوابين فان في ذلك طهارة من ذنوبه و زيادة في عمله و رفعة في درجاته قال الله تعالي و ليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ، و في الوسائل عن ابي‌جعفر عليه السلام قال الظلم ثلثة ظلم يغفره الله و ظلم لايغفره الله و ظلم لايدعه الله فاما الظلم الذي لايغفره فالشرك و اما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه و بين الله و اما الظلم الذي لايدعه فالمداينة بين العباد و عن شيخ من النخع قال قلت لابي‌جعفر عليه السلام اني لم‌ازل واليا منذ زمن الحجاج الي يومي هذا فهل لي من توبة قال فسكت ثم اعدت عليه فقال لا حتي تؤدي الي كل ذي حق حقه و عن النبي صلي الله عليه و آله من ظلم احدا و فاته فليستغفر الله فانه كفارة له و عنه صلي الله عليه و آله من اقتطع مال مؤمن غصبا بغير حقه لم‌يزل الله معرضا عنه ماقتا لاعماله التي يعملها من البر و الخير لايثبتها في حسناته حتي يرد المال الذي اخذه الي صاحبه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام كان رجل في الزمن الاول طلب الدنيا من حلال فلم‌يقدر عليها و طلبها من حرام فلم‌يقدر عليها فاتاه الشيطان فقال له ألاادلك علي شيء [ص 137] تكثر به دنياك و تكثر به تبعك فقال بلي قال تبتدع دينا و تدعو الناس اليه ففعل فاستجاب له الناس و اطاعوه فاصاب من الدنيا ثم انه فكر فقال ما صنعت ابتدعت دينا و دعوت الناس اليه مااري لي من توبة الا ان اتي من دعوته اليه فارده عنه فجعل يأتي اصحابه الذين اجابوه فيقول ان الذي دعوتكم اليه باطل و انما ابتدعته فجعلوا يقولون كذلك هو الحق و لكنك شككت في دينك فرجعت عنه فلما رأي ذلك عمد الي سلسلة فوتد لها وتدا ثم جعلها في عنقه و قال لااحلها حتي يتوب الله عز و جل علي فاوحي الله عز و جل الي نبي من الانبياء قل لفلان و عزتي لو دعوتني حتي تنقطع اوصالك مااستجبت لك حتي ترد من مات علي ما دعوته اليه فيرجع عنه و عن النبي صلي الله عليه و آله ان الله غافر كل ذنب الا من احدث دينا و من اغتصب اجيرا اجره او رجل باع حرا انتهي ، فتبين و ظهر من هذه الاخبار و غيرها من الآثار ان الاستغفار ليس محض تحريك اللسان و الشفتين و انما هو تعبير عما في النفس من الندم و الرجوع الي الله سبحانه و طلب الستر منه علي عيوبه فان كان في نفسه ندامة علي ما مضي و عزم علي تركه فيما سيأتي و اشتغل بنتايجه و ثمراته و لوازمه الشرعية ثم عبر عن تلك الحالة بالاستغفار فهو حق و جسد له روح و الا فهو جسد ميت لايثمر ثمرا بل لعله يكون استغفاره استهزاء و سوء ادب بالنسبة الي حضرة القدس جل علاه فكيف يرجي المغفرة بذلك نعوذ بالله و قد كان الامم السالفة و اوائل هذه الامة اذا اذنبوا ذنبا ذهبوا الي الجبال و اصحروا و بقوا اياما يبكون جوعانين عطشانين حتي تكلح وجوههم بحر الهاجرات و يصبحون و يمسون في الاوتاد و التلال و الفلوات يبكون و يتضرعون اياما حتي ينزل توبتهم و نحن اليوم اكتفينا بقول نلوكه بين لهواتنا و تحريك اللحيين و هو ذنب لايقايسه ذنب [ص 138] و لااقول بوجوب ما كانوا يفعلون و لكن كان يحملهم علي ذلك شدة خوفهم و قلقهم و تفكرهم في نار جهنم و قرب الاجل فكانوا يبادرون الي ما يطمئن به نفوسهم و يتداركون به ما فات منهم و كذلك لو بلغ خوفنا خوفهم لعملنا مثل ما عملوا و لكن اين و متي و قد غلبت علينا شقوتنا و التهينا بالدنيا عن الآخرة فقست القلوب و جفت الدموع و سكنت الزفرات و رقت العبرات و عن النبي صلي الله عليه و آله أتدرون من التائب قالوا اللهم لا قال اذا تاب العبد و لم‌يرض الخصماء فليس بتائب و من تاب و لم‌يغير لباسه فليس بتائب و من تاب و لم‌يغير مجلسه و طعامه فليس بتائب و من تاب و لم‌يغير فراشه و وسادته فليس بتائب و من تاب و لم‌يغير خلقه و نيته فليس بتائب و من تاب و لم‌يفتح قلبه و لم‌يوسع كفه فليس بتائب و من تاب و لم‌يقصر امله و لم‌يحفظ لسانه فليس بتائب و من تاب و لم‌يقدم فضل قوته من بدنه فليس بتائب و اذا استقام علي هذه الخصال فذلك التائب انتهي ، و يظهر من هذا الخبر ان علامة صحة التوبة و الرجوع الي الله و صدق الاستغفار القيام علي باب المولي بالخدمة و ايثاره علي ما سواه و مباشرة اوامره و اجتناب مساخطه و ليس محض القول بتوبة و ليس محض ميل النفس الي الله لمحة بتوبة و ان لم‌يتدارك ما فات و لم‌يجبر كسره بما جعله الله جبرا فتدبر .

فصل - اعلم ان وجوب التوبة و الاستغفار من الواجبات الشرعية و الفرائض العقلية التي ليس عنها محيص لعبد و وجوبهما من بديهيات المذهب بل و وجوب فوريتهما من البديهيات قال الله تعالي توبوا الي الله جميعا ايها المؤمنون لعلكم تفلحون و في هذا المعني آيات كثيرة و تاخيرهما ذنب و مخاطرة بالنفس و تحقير لله و عدم اعتناء به فمسوف التوبة و الاستغفار [ص 139] مذنب في كل طرفة عين مزيدا علي الذنب السابق الذي ارتكبه قبل قال الله تعالي يا ايها الذين آمنوا توبوا الي الله توبة نصوحا ، فعن ابي‌الحسن الاخير عليه السلام و قد سئل عن التوبة النصوح فكتب ان يكون الباطن كالظاهر و افضل من ذلك و عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الآية و الذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم صعد ابليس جبلا بمكة يقال له ثور فصرخ باعلي صوته بعفاريته فاجتمعوا اليه فقال نزلت هذه الآية فمن لها فقام عفريت من الشياطين فقال انا لها بكذا و كذا فقال لست لها ثم قام آخر فقال مثل ذلك فقال لست لها فقال الوسواس الخناس انا لها قال بما ذا قال اعدهم و امنيهم حتي يواقعوا الخطيئة فاذا واقعوا الخطيئة انسيتهم الاستغفار فقال انت لها فوكله بها الي يوم القيمة و عنه عليه السلام لا والله لايقبل الله شيئا من طاعته علي الاصرار علي شيء من معاصيه و عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل و لم‌يصروا علي ما فعلوا و هم يعلمون قال الاصرار ان يذنب الذنب فلايستغفر الله و لايحدث نفسه بالتوبة فذلك الاصرار و عن النبي صلي الله عليه و آله من اذنب ذنبا و هو ضاحك دخل النار و هو باك فتبين ان ترك التوبة و الاستغفار بنفسه ذنب في كل طرفة عين يؤخرها فيجب المبادرة اليهما مهما تذكر

و ان قلت فعلي هذا امثالنا لايخلون من ذنب حقيقة فان الذنب الحقيقي الذي هو اصل جميع الذنوب هو الاعراض عنه تعالي شأنه و انما حرمت الذنوب لحصول الاعراض و هو حاصل لامثالنا دائما فنحن بترك التوبة و الاستغفار مذنبون دائما و يجب علينا ان نشتغل بهما عن جميع الامور و لسنا بفاعلين بل عند الحقيقة نحن عند استغفارنا يجب علينا الاستغفار فانا لسنا بمقبلين اليه حال الاستغفار ايضا كما ينبغي فما المخلص من ذلك

[ص 140] قلت الامر كما ذكرت و يجب ذلك دائما الا انهم سلام الله عليهم منوا علينا باخبار و هي كقول ابي‌جعفر عليه السلام كفي بالندم توبة و الندامة المستمرة لا شك في وجوبها و هي لاتمنعك عن ساير مشاغلك و مع ذلك كمال الندم في التكلم بالتوبة و الاستغفار فان الندم للتوبة و الاستغفار كالروح للجسد و معلوم ان كمال الروح بالجسد و حيوة الجسد و قوامه بالروح و لاجل ذلك كان الحجج سلام الله عليهم يكثرون الاستغفار حتي روي ان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يكن يجلس مجلسا و لو كان خفيفا الا استغفر خمسا و عشرين مرة و احب ان اتبرك هنا بذكر بعض الاخبار في الاستغفار فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله اربع من كن فيه لم‌يهلك علي الله بعدهن الا هالك يهم العبد بالحسنة فيعملها فان هو لم‌يعملها كتب الله له حسنة بحسن نيته و ان هو عملها كتب الله له عشرا و يهم بالسيئة ان يعملها فان لم‌يعملها لم‌يكتب عليه شيء و ان هو عملها اجل سبع ساعات و قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات و هو صاحب الشمال لاتعجل عسي ان يتبعها بحسنة تمحوها فان الله عز و جل يقول ان الحسنات يذهبن السيئات او الاستغفار فان قال استغفر الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب و الشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذا الجلال و الاكرام و اتوب اليه لم‌يكتب عليه شيء و ان مضت سبع ساعات و لم‌يتبعها بحسنة و استغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات اكتب علي الشقي المحروم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من عمل سيئة اجل فيها سبع ساعات من النهار فان قال استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم و اتوب اليه ثلث مرات لم‌تكتب عليه و في رواية اجل من غدوة الي الليل و روي انه اتاه العباد البصري فقال له بلغنا انك قلت ما من عبد يذنب [ص 141] ذنبا الا اجله الله سبع ساعات من النهار فقال ليس هكذا قلت و لكني قلت ما من مؤمن و كذلك كان قولي و روي انه سئل رسول الله صلي الله عليه و آله عن خيار العباد فقال الذين اذا احسنوا استبشروا و اذا اساؤا استغفروا و اذا اعطوا شكروا و اذا ابتلوا صبروا و اذا غضبوا غفروا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ما من مؤمن يقترف في يوم و ليلة اربعين كبيرة فيقول و هو نادم استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم بديع السموات و الارض ذا الجلال و الاكرام و اسأله ان يتوب علي الا غفرها الله له ثم قال و لا خير في من يقارف كل يوم و ليلة اربعين كبيرة و عنه عليه السلام اذا اراد الله بعبد خيرا فاذنب ذنبا اتبعه بنقمة و يذكره الاستغفار و اذا اراد الله بعبد شرا فاذنب ذنبا اتبعه بنعمة فينسيه الاستغفار و يتمادي به و هو قول الله عز و جل سنستدرجهم من حيث لايعلمون بالنعم عند المعاصي و عن النبي صلي الله عليه و آله لكل داء دواء و دواء الذنوب الاستغفار و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله و الاستغفار لكم حصنين حصينين من العذاب فمضي اكبر الحصنين و بقي الاستغفار فاكثروا منه فانه ممحاة للذنوب قال الله عز و جل و ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم و ماكان الله معذبهم و هم يستغفرون ، و كتب الي ابي‌جعفر الثاني عليه السلام علمني شيئا اذا انا قلته كنت معكم في الدنيا و الآخرة فكتب بخطه اكثر من تلاوة انا انزلناه و رطب شفتيك بالاستغفار و عن النبي صلي الله عليه و آله طوبي لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيمة تحت كل ذنب استغفر الله و عن اميرالمؤمنين عليه السلام العجب ممن يقنط و معه الممحاة قيل و ما الممحاة قال الاستغفار و عنه عليه السلام تعطروا بالاستغفار لاتفضحنكم روايح الذنوب و عن ابي‌جعفر عليه السلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له و المقيم علي الذنب و هو [ص 142] مستغفر منه كالمستهزئ و روي عن النبي صلي الله عليه و آله الله باسط يده عند كل فجر لمذنب الليل هل يتوب فيغفر له و يبسط يده عند مغيب الشمس لمذنب النهار هل يتوب فيغفر له و عن النبي صلي الله عليه و آله مثل المؤمن عند الله كمثل ملك مقرب و ان المؤمن عند الله لاعظم من ذلك و ليس شيء احب الي الله تعالي من مؤمن تائب و مؤمنة تائبة و عنه صلي الله عليه و آله التائب من الذنب كمن لا ذنب له و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لا خير في الدنيا الا لرجلين رجل يزداد في كل يوم احسانا و رجل يتدارك ذنبه بالتوبة و اني له بالتوبة والله لو سجد حتي ينقطع عنقه ماقبل الله منه الا بولايتنا اهل البيت و عن محمد بن مسلم عن ابي‌جعفر عليه السلام قال يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن اذا تاب منها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة و المغفرة اما والله انها ليست الا لاهل الايمان قلت فان عاد بعد التوبة و الاستغفار من الذنوب و عاد في التوبة فقال يا محمد بن مسلم أتري العبد المؤمن يندم علي ذنبه و يستغفر منه و يتوب ثم لايقبل الله توبته قلت فانه فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب و يستغفر فقال كلما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد الله عليه بالمغفرة و ان الله غفور رحيم يقبل التوبة و يعفو عن السيئات فاياك ان تقنط المؤمنين من رحمة الله انتهي ، و قد اشعر بجواز تعدد الاستغفار و التوبة و ان نقض ما مر عن النبي صلي الله عليه و آله طوبي لمن وجد في صحيفة عمله يوم القيمة تحت كل ذنب استغفر الله و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان الله يحب العبد المفتن التواب و من لايكون ذلك منه كان افضل و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في حديث ان المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتي يستغفر ربه فيغفر له و ان الكافر لينساه من ساعته و سئل عليه السلام عن الاستدراج فقال هو العبد يذنب الذنب فيملي له و يجدد له عندها النعم فيلهيه عن الاستغفار [ص 143] فهو مستدرج من حيث لايعلم و عن ابي‌جعفر عليه السلام والله ماينجو من الذنب الا من اقر به و قال عليه السلام كفي بالندم توبة و قال عليه السلام لا والله مااراد الله من الناس الا خصلتين ان يقروا له بالنعم فيزيدهم و بالذنوب فيغفرها لهم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام والله ماخرج عبد من ذنب باصرار و ماخرج عبد من ذنب الا باقرار و عنه عليه السلام ان الله لايغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء الكباير فما سواها قيل دخلت الكباير في الاستثناء قال نعم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ما مؤمن يقارف في يومه و ليلته اربعين كبيرة فيقول و هو نادم استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم بديع السموات و الارض ذا الجلال و الاكرام و اسأله ان يصلي علي محمد و آله و ان يتوب علي الا غفرها الله له و لا خير فيمن يقارف في يومه اكثر من اربعين كبيرة و عن النبي صلي الله عليه و آله انما شفاعتي لاهل الكباير من امتي و عن الصادق عليه السلام شفاعتنا لاهل الكباير من شيعتنا فاما التائبون فان الله يقول ما علي المحسنين من سبيل ، و عن اميرالمؤمنين عليه السلام لا شفيع انجح من التوبة و عن محمد بن ابي‌عمير قال سمعت موسي بن جعفر عليهما السلام يقول لايخلد الله في النار الا اهل الكفر و الجحود و اهل الضلال و الشرك و من اجتنب الكباير من المؤمنين لم‌يسأل عن الصغاير قال الله تعالي ان تجتنبوا كباير ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم و ندخلكم مدخلا كريما قال فقلت له يا ابن رسول الله فالشفاعة لمن يجب من المذنبين فقال حدثني ابي عن آبائي عن علي عليه السلام قال سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول انما شفاعتي لاهل الكباير من امتي فاما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل قال ابن ابي‌عمير فقلت له يا ابن رسول الله كيف تكون الشفاعة لاهل الكباير و الله تعالي ذكره يقول و لايشفعون الا لمن ارتضي و من يرتكب [ص 144] الكباير لايكون مرتضي فقال يا بااحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا الا ساءه ذلك و ندم عليه و قد قال النبي صلي الله عليه و آله كفي بالندم توبة و قال عليه السلام من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن فمن لم‌يندم علي ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم‌تجب له الشفاعة و كان ظالما و الله تعالي ذكره يقول ما للظالمين من حميم و لا شفيع يطاع فقلت له يا بن رسول الله و كيف لايكون مؤمنا من لم‌يندم علي ذنب يرتكبه فقال يا ابااحمد ما من احد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم انه سيعاقب عليها الا ندم علي ما ارتكب و متي ندم كان تائبا مستحقا للشفاعة و متي لم‌يندم عليها كان مصرا و المصر لايغفر له لانه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم و قد قال النبي صلي الله عليه و آله لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الاصرار و اما قول الله عز و جل و لايشفعون الا لمن ارتضي فانهم لايشفعون الا لمن ارتضي الله دينه و الدين الاقرار بالجزاء علي الحسنات و السيئات فمن ارتضي الله دينه ندم علي ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيمة و عن الرضا عليه السلام في حديث و المستغفر من ذنب و يفعله كالمستهزئ بربه و عن النبي صلي الله عليه و آله خير الدعاء الاستغفار و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من اعطي اربعا لم‌يحرم اربعا من اعطي الدعاء لم‌يحرم الاجابة و من اعطي الاستغفار لم‌يحرم المغفرة و من اعطي التوبة لم‌يحرم القبول منه و من اعطي الشكر لم‌يحرم الزيادة و ذلك في كتاب الله عز و جل و روي عن بعضهم عليهم السلام اكثروا الاستغفار ان الله لم‌يعلمكم الاستغفار الا و هو يريد ان يغفر لكم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان لايقوم من مجلس و ان خف حتي يستغفر الله خمسا و عشرين مرة و عنه عليه السلام كان رسول الله صلي الله عليه و آله يستغفر الله عز و جل كل يوم سبعين مرة [ص 145] و يتوب الي الله عز و جل سبعين مرة قيل كان يقول استغفر الله و اتوب اليه قال كان يقول استغفر الله استغفر الله سبعين مرة و يقول اتوب الي الله اتوب الي الله سبعين مرة و عن النبي صلي الله عليه و آله ايها الناس توبوا الي الله توبة نصوحا قبل ان تموتوا بادروا بالاعمال الصالحة قبل ان تشتغلوا و اصلحوا بينكم و بين ربكم تسعدوا و اكثروا من الصدقة ترزقوا و أمروا بالمعروف تحصنوا و انهوا عن المنكر تنصروا ايها الناس ان اكيسكم اكثركم ذكرا للموت و ان احزمكم اكثركم استعدادا له و ان من علامات العقل التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و التزود لسكني القبور و التأهب ليوم النشور و روي انه قال رجل يا رسول الله اني اذنبت فقال استغفر الله فقال اني اتوب ثم اعود فقال كلما اذنبت استغفر الله فقال اذا تكثر ذنوبي فقال له عفو الله اكثر فلاتزال تتوب حتي يكون الشيطان هو المدحور و عنه صلي الله عليه و آله ما من عبد اذنب ذنبا فقام فتطهر و صلي ركعتين و استغفر الله الا غفر له و كان حقا علي الله ان يقبله لانه سبحانه قال و من يعمل سوءا او يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما و قال ان العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة فقيل و كيف ذلك يا رسول الله قال يكون ذلك نصب عينيه لايزال يستغفر منه و يندم عليه فيدخله الله به الجنة و لم‌ار احسن من حسنة حدثت بعد ذنب قديم ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكري للذاكرين و عنه صلي الله عليه و آله اذا اذنب العبد ذنبا كان نكتة سوداء علي قلبه فان هو تاب و اقلع و استغفر صفا قلبه منها و ان هو لم‌يتب و لم‌يستغفر كان الذنب علي الذنب و السواد علي السواد حتي يغمر القلب فيموت بكثرة غطاء الذنوب عليه و ذلك قوله تعالي كلا بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون و روي في جامع الاخبار قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله المؤمن اذا [ص 146] تاب و ندم فتح الله عليه في الدنيا و الآخرة الف باب من الرحمة و يصبح و يمسي علي رضاء الله و كتب الله له بكل ركعة يصليها من التطوع عبادة سنة و اعطاه الله بكل آية يقرأوها نورا علي الصراط و كتب الله له بكل يوم و ليلة ثواب نبي و له بكل حرف من استغفاره و تسبيحه ثواب حجة و عمرة و له بكل آية من القرآن مدينة و نور الله قبره و بيض وجهه و له بكل شعرة علي بدنه نور و كأنما تصدق بوزنه ذهبا و كأنما اعتق بعدد كل نجم رقبة و لايصيبه شدة القيمة و يونس في قبره و وجد قبره روضة من رياض الجنة و زار قبره كل يوم الف ملك يونسونه في قبره و حشر في قبره و عليه سبعون حلة و علي رأسه تاج من الرحمة و يكون تحت العرش مع النبيين و الشهداء يأكل و يشرب حتي يفرغ الله من حساب الخلايق ثم يوجهه الي الجنة الي غير ذلك من الاخبار فتبين و ظهر انه لايجوز لامثالنا الفتور في الاستغفار فانا لانفتر نعوذ بالله عن المعصية و انه لامثالنا افضل الاعمال و اذ لم‌نقدر علي الاعمال الصالحة فلنشتغل برفع فساد الطالحة اقلا و لنكثر من الندم و السخط علي انفسنا و اللوم لها لعل الله يرضي عنا بفضله و جوده و كرمه انه جواد كريم .

فصل - اني كلما اتفكر في نفسي الشقية و في اعمالي القبيحة و افعالي السيئة اكاد ايئس عن نجاتها فان تلك الاحوال و الاعمال هي بعينها نار قد احاط بها سرادقها و ليس لي مستمسك الا امرين

الاول هو اني علمت ان الله سبحانه خلقني غير معصوم عن القبايح علي حسب سابق علمه بقابليتي و حدي فاذ لم‌يخلقني معصوما لم‌يرد مني العصمة و لم‌يرد مني ما اراد من انبيائه و حججه المعصومين و ان امرني و نهاني فانه قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و ليس في وسعي العصمة يقينا [ص 147] فاذ لم‌يرد مني العصمة علم انه يصدر مني الذنوب و الخطايا علي حسب بعدي عن درجة العصمة و مع ذلك خلقني و لم‌يخلقني ليهلكني و يشفي عني غيظه و انما خلقني ليرحمني قال الا من رحم ربك و لذلك خلقهم ، و في القدسي ماخلقتكم لاربح عليكم و انما خلقتكم لتربحوا علي و لعلي نقلته بالمعني فلا بد و ان يخلق لذنوبي و ادوائي دواء و قد فعل و هو الاستغفار و التوبة فقدر ان اكون مع التوبة و الاستغفار كمن لا ذنب له حتي يرحمني و انزل في كتابه يا عبادي الذين اسرفوا علي انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم و قال ان الله لايغفر ان يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و قال من يعمل سوء او يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما و قال و ماكان الله معذبهم و هم يستغفرون و رأيته جل آلاؤه و عظم نعماؤه يقول جنة عرضها السموات و الارض اعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين و الذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا انفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب الا الله و لم‌يصروا علي ما فعلوا و هم يعلمون اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها و نعم اجر العاملين و قوله و الذين اما صفة المتقين بعد صفة فيعلم ان ارتكاب الفواحش و ظلم النفس مع الاستغفار لاينافي التقوي الموعود بها الجنة و اما عطف علي المتقين فيعلم ان الجنة التي عرضها السماء و الارض معدة لهم ايضا و اما مبتداء و جزاؤهم خبر فجزاؤهم مغفرة من ربهم و جنات الآية ، و حلاهم بحلية العاملين فبعد ملاحظة سابق علم الله و تهيئته هذه الاسباب و فتح باب التوبة و الاستغفار و توفيقه لهما لم‌يبق لي مجال اليأس و لو ان تاجرا من التجار المعتبرين و لو كان مجوسيا ضمن لي في صكه هكذا [ص 148] لركنت اليه فكيف برب العالمين في كتابه علي لسان نبيه و قال ايضا و مايقنط من رحمة ربه الا الضالون و قال لاتيأسوا من روح الله انه لاييأس من روح الله الا القوم الكافرون فهذا التفكر يمسك الرمق و ينشط القوي و يقوي القلب و الله ولي التوفيق .

و الثاني ما ورد من الاخبار المؤيدة بصحيح الاعتبار المتجاوزة حد التواتر ان ولاية آل‌محمد عليهم السلام هي من اسباب المغفرة و التوبة معها مقبولة و الاستغفار معها مستجابة و ما ورد من ثواب ساير الاعمال حتي ان الذكر الواحد يكون سبب وجوب الجنة و غفران الذنوب و جميع هذه الاعمال الحسنة لها مثوبات جزيلة و شرط قبولها الولاية و من ورائنا الشفاعة و كرم الله و عفو الله و نحن من احبائه و اوليائه و المعادين لاعدائه و المتمسكين بنبيه و عترته و المقرين بالاساءة و الساخطين علي انفسنا في اساءتها و المستغفرين التائبين و هذا منتهي جهدنا و قد تواتر الاخبار بغفران محبي آل‌محمد عليهم السلام و القبول منهم و هذا افضل مستمسكنا و اوثق عروتنا نسأل الله الثبات علي الدين انه الموفق المعين فلمثل هذا فليعمل العاملون و بهذا فليتمسك المتمسكون و بهذا فليأمل الآملون اللهم يا مقلب القلوب و الابصار صل علي محمد و آل‌محمد و ثبت قلبي علي دينك و دين نبيك و لاتزغ قلبي بعد اذ هديتني انك انت الوهاب .

فصل - بقي هنا مسئلة واحدة طال ما تكلم فيها الناس و وقعوا فيها في الالتباس و كثر عنها السؤال و قل عنها الجواب الا ما سألونا فاجبنا في كتبنا بانواع الجواب و احب ان لايخلو منه هذا الكتاب و هي وجه استغفار المعصومين سلام الله عليهم و اقرارهم بالذنوب العظام و توبتهم عن المعاصي و اصرارهم في التوبة و التضرع و الاستغفار آناء الليل و النهار و هم [ص 149] معصومون مطهرون فاجبنا كلا علي حسب ما قدر الله و نذكر هنا ان شاء الله علي حسب ما شاء الله اعلم ان الله جل جلاله نور لا ظلمة فيه و كمال لا نقص فيه احد لايثني واحد لايجزي فهو هكذا و لا هكذا غيره و جميع ما خلق من مبدء الوجود الي منتهي الشهود مركب من جهتين جهة رب و جهة نفس حتي روي عن الرضا عليه السلام ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته فكل ما سواه له جهة ربوبية و جهة عبودية فجهته الربوبية نور و خير و كمال تدل علي الرب اذ وصف للعبد نفسه بها و اما جهته العبودية فهو علي خلاف جهة الربوبية كما في القدسي روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي فهي ظلمة و شر و نقص فكل مخلوق فيه هاتان الجهتان غاية الامر ان درجات هاتين الجهتين مختلفة اذ قاعدة النور و رأس مخروط الظلمة عند المبدء و قاعدة الظلمة و رأس مخروط النور عند المنتهي فكلتاهما في كل مخلوق و التفاوت في الزيادة و النقيصة و لما كانت الثانية ضد الاولي و علي خلافها كانت بنفسها عصيانا و ذنبا كيف لا و العمل بمقتضاها و هو اثرها عصيان فالمؤثر اصل العصيان و مبدؤه و كل مخلوق يري في نفسه تلك الجهة سارية في جميع مراتبه و اعضائه فيقر علي نفسه اني عصيت بعيني و اذني و لساني و يدي و فرجي و رجلي و روحي و نفسي و هكذا فكل احد يري في نفسه هذه الجهة مخالفة لجهته الاولي التي هي محبوبة الرب فيريها مبغوضة فيعتذر منها و انما مثل هذه الجهة كأن يكون مع احد نجاسة و يدخلها المسجد فان اثرت في المسجد فهو ذنب و ذنب و ان لم‌تؤثر فوجودها ذنب كذلك حال النفس و لنعم ما قال الشاعر :

اذا قلت مااذنبت قالت مجيبة وجودك ذنب لايقاس به ذنب

هذا و ان كان جهة نفس المقرب انور من جهة رب الابعد منه كما قيل [ص 150] حسنات الابرار سيئات المقربين و هذا وجه واقعي صدق و بتضرعهم و بكائهم و توبتهم و استغفارهم يرققون دائما هذه الجهة و يلطفونها و يجعلونها مطيعة للجهة العلياء حتي يرتضيها الله سبحانه في الدعاء غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني اذ به قد رضيتني فهذا وجه واقعي لا احد الاحتمالات و وجه آخر ان الله جل و عز خلق شيعتهم من شعاعهم كما روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، و الشعاع لا وجود له الا بالمنير يعني انه نور اذا رأي فيه المنير و الا فهو ظلمة و عبارة اخري ان النور بنفسه ظهور المنير و لا اعتبار له الا باعتبار المنير اذ هو بنفسه كمال المنير و تمثله و وجوده الثاني بحيث يصح للمنير ان ينسب النور الي نفسه و يقول انا هو كما روي عن علي عليه السلام انا الآمل و المأمول و الا و انا نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و من هذا الباب امثال ما صدر عنهم انا آدم و شيث و انا نوح و سام و انا ابرهيم و اسمعيل و هكذا و من هذا الباب ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و كذا انا صلوة المؤمنين و صيامهم و كذا ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا فليس الا هم و ظهورهم الذي لا اعتبار له الا من حيث الظاهر و الظاهر اولي بالظهور من نفس الظهور و الظهور منطو تحت احدية الظاهر فليس الا الظاهر اذ ذاك ظاهر فاذا جميع ما يصدر من شيعتهم من طاعة هو عملهم و طاعتهم و لهم ثوابه و هذا معني قوله اليكم التفويض و عليكم التعويض و معني ما تقول في الزيارة اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر و اطعت الله و رسوله حتي اتاك اليقين فجميع الطاعات عملهم و هم مثابون به و انما يتفضلون علي شيعتهم بما شاؤا فان عليهم التعويض تفضلا لا استحقاقا كقوله تعالي هل جزاء الاحسان الا الاحسان اي هل جزاء [ص 151] من انعمنا عليه بالتوحيد الا المغفرة و كذلك من كان له الغنم عليه الغرم فجميع معاصي شيعتهم محمولة عليهم و ان الله سبحانه حمل جميع ذنوب الشيعة علي رسوله ثم قال ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك من الشيعة السالفين و ما تأخر من الشيعة اللاحقين فاذا هم يستغفرون للشيعة الذين يحملون العرش و من حوله يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما فاغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم ربنا و ادخلهم جنات عدن التي وعدتهم الآية ، و هم سلام الله عليهم حملة العرش و من حوله الانبياء و الاوصياء يستغفرون لذنوب شيعتهم و النبي صلي الله عليه و آله يستغفر للكل و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات فجميع الذنوب التي ينسبونها الي انفسهم ذنوب شيعتهم فما صدر عن عينهم صادر عن عينهم فانهم اولي بعين شيعتهم من انفسهم النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و من كنت مولاه فهذا علي مولاه و ما صدر عن اذنهم فهو الصادر عن اذنهم و ما صدر عن لسانهم فهو الصادر عن لسانهم و هكذا و هم الذين يجب عليهم ان يستغفروا من تلك الذنوب فالعبد و ما يملك لمولاه ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شيء و هو كل علي مولاه ، ففي كنز الدقايق عن ابي‌الحسن الثالث انه سئل عن قول الله ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فقال عليه السلام و اي ذنب كان لرسول الله متقدما او متأخرا و انما حمله الله ذنوب شيعة علي عليه السلام ممن مضي منهم و بقي ثم غفرها الله له و ان قلت فان غفرها له فما وجه الاستغفار قلت ان المؤمن لايترك الاستغفار لذنب غفرها الله له و ان ترك الاستغفار اثبت لنفسه ثانيا انية هي اصل ذنب ثان و لاجل ذلك قال علي عليه السلام لقد كان صلي الله عليه و آله يبكي حتي يغشي عليه فقيل له يا رسول الله أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر [ص 152] قال بلي أفلااكون عبدا شكورا انتهي ، و هذا ايضا من مبشرات الشيعة و مما يزيد في رجائهم و وثوقهم بالمغفرة فان ذنوبهم محمولة علي رسول الله صلي الله عليه و آله و هو مغفور له فعن الصادق عليه السلام والله ماكان له ذنب و لكن الله ضمن له ان يغفر ذنوب شيعة علي ما تقدم من ذنوبهم و ما تأخر انتهي ، قل بفضل الله و برحمته صلي الله عليهما و آلهما فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون من الاعمال و التوبة و الاستغفار .

و وجه آخر ان العبد كائنا ما كان بالغا ما بلغ في الترقي و السير الي الله باقدام الامتثالات و بكل امتثال يتقرب الي الله سبحانه علي حسب سعة امتثاله و خلوصه و كمال توحيده فاسرع السائرين الي الله سبحانه محمد و آل‌محمد عليهم السلام يسيرون في كل خطوة ما لا نهاية له و يتقربون الي الله سبحانه بما لا نهاية و كلما تقربوا الي الله جل و عز اشتد استنارتهم و توحيدهم و توحدهم فيرون ما كانوا عليه بعدا و ظلمة و كثرة و خلاف محبة الله و رضاه و كينونته و تخلقا بغير اخلاقه فيستغفرون و يتضرعون الي الله سبحانه في غفرانه لهم و ازالة مقتضيات ذلك البعد عنهم فبكل خطوة استغفارهم يشتد نورهم و بكل اشتداد يرون ما كانوا عليه اشد ظلمة فيعيدون الاستغفار و يلحون في التضرع و الاستعفاء و التوبة اعظم من الاول فيتزايد تضرعهم و هكذا و في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك فلايخرجون من هذا التقصير ابدا في الدعاء اللهم لاتجعلني من المعارين و لاتخرجني من حد التقصير بل هم في كل آن يرون انفسهم اشد ذنبا و هذا محسوس ان الكاتب مثلا كلما يشتد سعيه في حسن الخط و يحسن خطه اشد يطلع علي معائب خطوطه السابقة اكثر و هكذا و كذا الانسان اذا كان في قبة يريها ضيئة فاذا ذهب في الشمس و رمق اليها ثم نظر الي القبة يريها ظلمانية لايميز ما فيها من متاع اذا اخرج يده لم‌يكد يريها [ص 153] فهذا ايضا وجه وجيه في اصرارهم في العبادة و الطاعة و الانابة و الاستغفار و وجه آخر انهم سلام الله عليهم لايعبدون الله خوفا من النار و لا طمعا في الجنة و انما يعبدونه حبا و المحبة انما تتحقق بين شيئين بالمناسبة و كلما يقل المناسبة يقل المحبة و كلما يزداد المناسبة يزداد المحبة و الشيئان ليسا بشيئين اثنين الا بالامتياز و لا امتياز الا بالمخالفة و المخالفة تخالف المحبة و توجب المباينة و المشاقة فالحبيب كلما يجد في نفسه انية و لها وجودا يعتذر عند الحبيب و ينسب الي نفسه المخالفة و المشاقة و المعصية كما قال الشاعر : وجودك ذنب لايقاس به ذنب ، فيستغفر حبيبه كي يفني باستغفاره انيته و يطلب ستر الحبيب اياها بافنائها و اعدامها و لما كانوا سلام الله عليهم لايتحدون مع الله ابدا و لايخرجون عن مقام العبودية ابدا و يمتنع ان يصير الحادث قديما يرون في انفسهم مشاقة لله و محادة و هي ام المعاصي و رأس كل خطيئة عندهم فيديمون الاستغفار و طلب التكفير و الاستعفاء و التوبة لكي يفنوا جهة المشاقة و يرققوها و يلطفوها و يرون انهم لو امسكوا عنها غلظت المشاقة و البينونة و ذلك ان الماهية لاتضعف الا بالعمل بمقتضي الوجود فلايزالون في تشديد العمل بمقتضاه و لايألون جهدا في نفيها و ينسبون انفسهم الي النقصان في المحبة و الي المعاصي الموبقة المهلكة من جميع جهات وجودهم اذ لكلها انية و ماهية هي اصل المشاقة فلذلك يقولون عصيتك بعيني و اذني و لساني و يدي و فرجي و هكذا و مع ذلك سيئاتهم حسنات جميع من سواهم و لا حبيب الا هو و اهله فافهم فبهذه الوجوه و امثالها يديمون الاستغفار صلوات الله عليهم مدي الليل و النهار و من اولي بذلك منهم و من ابصر منهم بجهات الانية و دقايق الماهية اللهم اني اسالك بحق محمد هذا و اهل بيته الطيبين الطاهرين صلواتك عليه و عليهم ان [ص 154] تغفر لي ذنوبي و تستر علي عيوبي و لاتسترها عني و لاتفضحني بين الخلايق فانك اهل الاحسان و الجود و المغفرة يا ارحم الراحمين .

المورد الثاني - في الشكر و هو ايضا من اصول العبادات و امهات الاعمال كما نبهنا عليه في اول المقصد ففي هذا المورد ايضا فصول :

فصل - اعلم ان الشكر بحسب اللغة عرفان الاحسان و نشره و يؤيد ما قالوه ما رواه في الكافي عن ابي‌عبدالله عليه السلام من انعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد ادي شكرها و بحسب الاصطلاح هو صرف النعمة في سبيل المنعم و هذا اقصي درجاته و يؤيد هذا المعني ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام شكر النعمة اجتناب المحارم و تمام الشكر قول الرجل الحمد لله رب العالمين و ما روي عن علي عليه السلام انه كان رسول الله صلي الله عليه و آله يبكي حتي يغشي عليه فقيل له يا رسول الله أليس الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال بلي أفلااكون عبدا شكورا و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم عند عايشة ليلتها فقالت يا رسول الله لم تتعب نفسك و قد غفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فقال يا عايشة ألااكون عبدا شكورا قال و كان رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم يقوم علي اطراف اصابع رجليه فانزل الله سبحانه طه ماانزلنا عليك القرآن لتشقي انتهي ، فالشكر هو ان تصرف جميع ما انعم الله عليك من عقلك و روحك و نفسك و حواسك و جوارحك و قواك و جميع ما خولك ربك من نعمة في سبيل طاعته فتستعملها في مرضاته و تجتنب بها عن مساخطه فان فعلت ذلك فقد اديت شكر نعمه عليك فلو انعم سلطان علي عبد بجايزة فاشتري العبد بها سهاما و اسلحة و حارب بها السلطان لايقال انه شكر احسانه و نعمته بل هو كافر حقه و اما اذا صرفها في طريق رضاء السلطان و محبته فقد ادي [ص 155] حقيقة الشكر و استحق المزيد من السلطان فانه جعل ما كان منه اليه و له فمن اولي بالمزيد من هذا العبد فعلي ذلك جميع العبادات العلمية و العملية من حدود الشكر و عرفان النعمة بالقلب بعض حدود الشكر و كذا قول الحمد لله رب العالمين بعض حدوده اللسانية فما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام شكر كل نعمة و ان عظمت ان يحمد الله عز و جل انتهي ، اي شكره اللساني و كذا ما روي عن ابي‌الحسن عليه السلام من حمد الله علي النعمة فقد شكره و كان الحمد افضل من تلك النعمة انتهي ، اي الحمد بنفسه نعمة افضل من النعمة المحمود عليها تستوجب حمدا آخر و لا شك ان احدا لايقدر علي شكر الله كما ينبغي بجميع ما له و منه و به و اليه مثل محمد و آل‌محمد عليهم السلام و قد شكر الله محمد صلي الله عليه و آله حتي ملك الحمد اي حمد الله عز و جل بذاته و صفاته و افعاله و مضافاته و انواره و اشعته حتي انه هو الحامد لله عز و جل من كل حامد و من كل لسان و هو الصارف كل نعمة انعمها الله عز و جل علي احد من خلقه في سبيله فهو الحامد المطلق المالك لواء الحمد لله عز و جل فمشي في هذا السبيل و حمد الله عز و جل حتي فني في الله عز و جل و صار بكله لله وحده وحده فصعد مقام المحمود كما قال الله سبحانه عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا فملك لواء الحمد بان رجع اليه حمد كل حامد و صار ولي نعمة كل منعم عليه و صار منعما علي كل مخلوق و رجع اليه حمد كل حامد اذ جميع عبادات العابدين كان بامتثال امره و السلوك اليه و التقرب منه من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و اما جميع من سواهم فهم مقصرون في حمد الله عاجزون عن شكره و لو من جهة و لذلك اجابوا الناس سلام الله عليهم علي حسب طاقتهم و معرفتهم و علي مقدار ان لاييئسوا من انفسهم في شكر ربهم و اني للمخلوق العاجز [ص 156] الضعيف ان يشكر ربه و لايملك الشكر و انما هو ايضا من فضله و جوده ألاتري ان الشبح في المرآة لايقدر علي النظر اليك الا بان تنظر اليه فكيف يقدر علي مكافاتك بالتوجه اليك و توجهه اليك من توجهك اليه فعن سيدالساجدين عليه السلام في مناجاته فكيف لي بتحصيل الشكر و شكري اياك يفتقر الي شكر فكلما قلت لك الحمد وجب علي لذلك ان اقول لك الحمد و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اوحي الله عز و جل الي موسي صلي الله عليه يا موسي اشكرني حق شكري فقال يا رب و كيف اشكرك حق شكرك و ليس من شكر اشكرك به الا و انت انعمت به علي قال يا موسي الآن شكرتني حين علمت ان ذلك مني ، ففي الحقيقة ليس المطلوب من العبد الا الفناء في ربه بعرفانه انه و جميع ما له و به و منه و اليه من الله سبحانه فيضمحل لدي سطوع انواره بنفي نفسه و اثبات ربه و لعل هذا احد وجوه معني قول ابي‌عبدالله عليه السلام من انعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد ادي شكرها و جميع ما للعبد من الله فالمطلوب منه ان يري نفسه و جميع ما يؤل اليها منه و له و اليه تعالي و ساير الاعمال و الاقوال في الحقيقة فروع هذه الحالة و تمامها و ظهورها في عالم الشهادة و هذه الحالة تحصل للانسان بالتفكر في آيات الآفاق و الانفس و مشاهدة انه لا محرك في الوجود الا الله و ان الكل مفتقر اليه راجع اليه و وجوده منه و بالانتساب اليه فلو قطعت النسبة لعدم فان داوم في هذا التفكر حتي بلغ مقام المشاهدة او اليقين فقد ادي شكر الله حق شكره علي ما انعم عليه و علي كل احد ممن كان او يكون الي يوم القيمة و هو الشاكر حقا و اما من يري لغيره سبحانه تحريكا او بسطا او قبضا فهو مشرك بالله عز و جل شرك الافعال لا شاكر و الشكر فرع التوحيد فافهم راشدا موفقا مؤيدا .

[ص 157] فصل - في سر صيرورة الشكر سبب المزيد و لما كان غرضنا في هذا الكتاب شرح حقايق الاشياء احببنا ان نذكر ذلك ايضا هيهنا و لا قوة الا بالله اعلم ان الله جل جلاله غني عما سواه من حيث ذاته لا حاجة له الي عطاء و لا منع و احدي المعني لايثني و لايجزي فليس في ذاته معني غير ذاته فليس فيها من نفسها اقتضاء لشيء من الاشياء سواء الجود و العطاء و المنع فالله سبحانه بميل من ذاته و اقتضاء لايخلق شيئا و لايعطي احدا شيئا و لايمنع احدا شيئا بوجه من الوجوه و لو كان شيء باقتضاء من ذاته لكان القاضي بذلك فوقه و كان هو القابل او كان المقتضي بالفتح قديماً لقدم المقتضي بالكسر و كذلك لايمكن ان يوجد الشيء بلا اقتضاء مطلقا فان ذلك ترجيح بلا مرجح و هو محال ان يصدر من الحكيم فوجب ان يكون باقتضاء من الخلق و هو قوله سبحانه قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فاذا صار عطاؤ الله جل جلاله باقتضاء من الخلق فكلما كان الاقتضاء اكثر كان العطاء اكثر و كلما كان اقل كان اقل فلاجل ذلك بعث الله النبيين حتي يكملوا بفضل كمالهم القوابل و يوسعوها حتي تسع من فضل الله و جوده اكثر مما كانت تسع و يعدلوها حتي تقتضي ما يوافق محبة الله جل جلاله و اعظم تلك الاسباب الموسعة المعدلة بل كلها الشكر علي ان الشكر استعمال النعمة في سبيل المنعم جل جلاله و في طريق رضاه فيشمل جميع الطاعات و العبادات التي هي الاسباب المعدلة الموسعة للقوابل فاذا عمل العبد بالشكر علي ما وصفنا استحق المزيد من الله علي قدر توسعه و تعدله فكلما يسلط العبد نار الشكر علي مولود قابليته و فيه رطوبة الميل الي الشارع و الانقياد و المطاوعة له ازداد انحلالا و كلما انحل تسفل و رسب عنه ارمدة الاعراض المكدرة المغلظة المثقلة و ازداد صفاء و بهاء و لطافة و نفوذا و فعلية فاذا انعقد علي [ص 158] ذلك وسع من ماء المزيد اكثر ثم اذا حله مرة اخري ازداد سعة و كلما ازداد سعة وسع من ذلك الماء الالهي اي ماء المزيد اكثر قال الله سبحانه لئن شكرتم لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد و من ذلك علم ان الله سبحانه اذا انعم علي عبد بنعمة ليس يسلبها عنه ابدا الا بالكفران و هو ضد الشكر فهو صرف النعمة في غير اطاعة المنعم قال الله سبحانه ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم ، و ان قلت فعلي ما ذكرت ما معني ان الله سبحانه مبتدئ بالاحسان قبل الاستحقاق و هو ليس يعطي باقتضاء من ذاته قلت احد معاني هذه الفقرة ان الله سبحانه ينعم علي عباده بنعم كونية و هو لم‌يسأله بلسانه الشرعي مثلا ربما زوجه و لم‌يدع في عمره بطلب زوجة و يرزق و لم‌يدع في عمره لطلب الرزق و يحفظه و لم‌يدع في عمره بطلب الحفظ كما يفعل الله سبحانه بالاطفال و لم‌يدع الطفل بشيء من نعم تناله فالله سبحانه مبتدئ بالنعم قبل استحقاقها بسؤال و دعاء شرعي و اما القابلية الكونية فقد اقتضت ذلك و لاجل ذلك قد اعطاه و آخر من معانيه ان العبد باقتضائه و قابليته و استعداده لايوجب علي الله سبحانه عطاء و انما هو لسان داع فالذي لايجب عليه العطاء اذا اعطي هو المبتدئ بالنعمة و لم‌يستحق منه احد ذلك استحقاق صاحب المال ماله عن المديون فلا احد يستحق منه شيئا فكل نعمه ابتداء و كل احسانه تفضل أليس اذا اعطيت احدا شيئا لايطلبك اياه ابتدأته بالتفضل و الاحسان فكذلك قوابل المخلوقات لاتوجب علي الله شيئا و هذا معني ما روي في الدعاء في السجدة بعد الثامنة من صلوة الليل الهي و عزتك و جلالك و عظمتك لو اني منذ بدعت فطرتي من اول الدهر عبدتك دوام خلود ربوبيتك بكل شعرة في كل طرفة عين سرمد الابد بحمد الخلايق و شكرهم اجمعين لكنت مقصرا في بلوغ اداء شكر خفي نعمة من [ص 159] نعمك علي و لو اني كربت معادن حديد الدنيا بانيابي و حرثت ارضها باشفار عيني و بكيت من خشيتك مثل بحور السموات و الارضين دما و صديدا لكان ذلك قليلا في كثير ما يجب من حقك علي و لو انك الهي عذبتني بعد ذلك بعذاب الخلايق اجمعين و عظمت في النار خلقي و جسمي و ملأت طبقات جهنم مني حتي لايكون في النار معذب غيري و لايكون لجهنم حطب سواي لكان ذلك قليلا في كثير ما استوجبه من عقوبتك و انت ارحم الراحمين ، و لو انك تدبرت في هذه الفقرات لعرفت حد مقام الشكر و مقام العبادة و ان جميع نعمه ابتداء و كل احسانه تفضل و سر ذلك ما ذكرته لك من عدم التزام الله جل و عز بشيء بسبب وجود القابلية و الاستعداد فتدبر .