[ص 54] فصل - في الحث علي الدعاء و الترغيب فيه اعلم ان الله سبحانه غني عن خلقه بالكلية لا حاجة به الي شيء من خلقه و لا انتساب له مع احد من خلقه و لا ارتباط و لا قرابة و لا مماثلة و لا مشاكلة و لا مجانسة و لا اقتضاء في ذاته لشيء من خلقه و لا شهوة فيه تبعثه علي شيء و لا طبيعة تهيجه الي شيء و لايقترن بشيء من خلقه ابدا ابدا بوجه من الوجوه فلايعطي بمقتضي ذاته و لايمنع و لايخص احدا بشيء و لايعم و لايقرب و لايبعد و لايعز و لايذل و لايعذب و لاينعم و هكذا جميع ما هو سوي ذاته لايصدر من ذاته شيء منه بمقتضي ذاته اي ذات الله ابدا ابدا اذ كل ذلك يستلزم الحدوث و ما يوصف به الله سبحانه انه المبتدي بالنعم و انه البادي بالنعم فانه المبتدي بالنعم قبل ان تسأله بلسانك و تطلب منه في التشريع و لكن لا بد و ان يكون له اقتضاء في التكوين و الا فلايعقل قضاء بلا اقتضاء و مقبول بلا قابل و عطاء بلا سائل نعم ما من الله سبحانه اعلي و من العبد ادني و ذلك لا شك فيه و اذا لاحظت ان الكل نوره و ظهوره فهو باجمعه منه اليه فذلك غير حيث النعمة و انما هو حيث انه كماله و جماله و نوره و بهاؤه فافهم ما قلت لك فلايمكن ان يصدر من مشيته سبحانه امر من غير اقتضاء و طلب من خلقه فانه الغني القدوس المنزه عن مماثلة خلقه ليس كمثله شيء و هو السميع البصير فاذ لميعط و لميتوجه الي احد من اقتضاء من نفسه و بلا اقتضاء فلا بد من اقتضاء و طلب من العبد بان يدعوه و يرفع اليه اكف حاجته و يتوجه اليه بكله بوجه حاجته حتي يقدر له و يقضي حاجته و يعطاها و يختص به الفيض العام الكامل و الفضل الشامل الموجود الدائم المتواصل و يظهر فيه و عليه و له و لولا هذا الدعاء و هذا التوجه لميختص به شيء و لميظهر عليه و لميقع في كفه عطاء ابدا ابدا قال الله تعالي ادعوني استجب لكم و قال [ص 55] قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فمن لميدع لمينل شيئا في الدنيا و الآخرة و في التشريع و التكوين و هذا الدعاء في الحقيقة هو تخطيطات العبودية في التكوين و التشريع فان لميكن عبد فلا عبد و ان كان فهو داع بنفس العبودية و للعبودية مقامان كوني و شرعي فمن لميدع في الكون لميوجد و من لميدع في الشرع لميعط و جميع الشرايع حدود العبودية و العبودية هي الانقياد للرب و الانقطاع اليه عن نفسه و ما سواه و ذلك الانقياد و الانقطاع هو مجلبة كل خير و مدفعة كل شر و دعاء كل حاجة فمن خص دعاءه تخصص و الا عم و شمل فالدعاء هو تخطيطات العبودية و حدودها و تاركه خارج عن حد العبيد فهو للشيطان مصيد قال الله سبحانه ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين فسمي الدعاء عبادة و تاركه مستكبرا و جزاؤه جهنم و سيدخلون جهنم داخرين فكلما يكمل العبد في مقام العبودية يكثر دعاؤه و تضرعه و مسألته و كلما كثر دعاؤه كثر اجابته و كثر مسؤلاته و مطلوباته و ملكه و بسطه و ثوابه و اتسع جنته و وفر خيره و ظهر عليه آثار الربوبية حتي تحققت فيه و كل ذلك بالدعاء و هو كما ذكرنا بجميع المراتب و جميع الالسن الكونية و الشرعية و منها الدعاء باللسان كجزء من مائةالفالف جزء و علي اي حال هو من متممات القابلية و مكملاتها و لاتقولن كبعض الكسلانين المغتنمين للكسالة ان الله هو الرؤف الرحيم و ابر من الوالد الشفيق و خبير عليم يعلم حاجتي و صلاحي فيدبر امري و لا حاجة الي المسئلة بل هو سوء ادب فان الله هو الغني القدوس ايضا و هو قد وعد الاجابة للداعين و عد التارك مستكبرا و وعده جهنم و قال لااعتني بكم ان لمتدعوا و دل العقل و النقل علي انه لاينال احد من الله شيئا الا بالدعاء فهو رؤف رحيم بالداعين و بر بالسائلين لا بالمستكبرين عن [ص 56] عبادته و خبير عليم بالحاجة و الصلاح و قادر علي التدبير و لكن لايفعل و لايقتضي من حيث ذاته شيئا فهذا القول هو تسويل الشيطان و شيمة البطالين الذين اعيٰهم الدعاء و العبادة و يحبون الفراغ و الغفلة و ان الدعاء هو شيمة الانبياء و سيرة الاولياء و طريقة الاتقياء و سبيل الحكماء و منهج العرفاء و لاينافي الرضا بالقضاء بوجه من الوجوه فانهم يعرضون الحاجة و راضون بما فعل الله بهم و قضي عليهم كما قال الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه :
فان وفي و ان جفا و ان صفا هو الحبيب اي حال ارتضي
ففي الوسائل عن ابيعبدالله عليه السلام ان الدعاء هو العبادة ان الله عز و جل يقول ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين و قال ادعوني استجب لكم و قال في حديث و لو ان عبدا سد فاه و لميسأل لميعط شيئا فسل تعط و قال من لميسأل الله عز و جل من فضله افتقر و عن ابيجعفر عليه السلام انه قيل له ان ابرهيم لأواه حليم قال الاواه هو الدعاء و عن ابيعبدالله (ع) الدعاء كهف الاجابة كما ان السحاب كهف المطر و قال عليه السلام الدعاء يرد القضاء بعد ما ابرم ابراما فاكثر من الدعاء فانه مفتاح كل رحمة و نجاح كل حاجة و لاينال ما عند الله عز و جل الا بالدعاء و انه ليس باب يكثر قرعه الا يوشك ان يفتح لصاحبه و عن النبي صلي الله عليه و آله الدعاء مخ العبادة و ما من مؤمن يدعو الله الا استجاب له اما ان يعجل له في الدنيا او يؤجل له في الآخرة و اما ان يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لميدع بمأثم و عن الباقر عليه السلام لاتمل من الدعاء فانه من الله بمكان و عن علي عليه السلام ماكان الله ليفتح باب الدعاء و يغلق عليه باب الاجابة و عن الصادق عليه السلام من اعطي ثلثة لميحرم ثلثة من اعطي الدعاء اعطي الاجابة و من اعطي الشكر اعطي الزيادة و من اعطي التوكل اعطي الكفاية فان الله يقول [ص 57] في كتابه و من يتوكل علي الله فهو حسبه و يقول لئن شكرتم لازيدنكم و يقول ادعوني استجب لكم ، و في رواية عد اربعة و عد من اعطي الاستغفار لميحرم التوبة و من اعطي الصبر لميحرم الاجر و لميذكر التوكل و سئل ابوجعفر عليه السلام اي العبادة افضل فقال ما من شيء افضل عند الله عز و جل من ان يسئل و يطلب ما عنده و عن ابيعبدالله عليه السلام عليكم بالدعاء فانكم لاتقربون بمثله و عن الباقر عليه السلام انه سئل كثرة القراءة افضل ام كثرة الدعاء فقال كثرة الدعاء افضل ثم قرأ قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و عن ابيعبدالله عليه السلام في رسالة طويلة قال و عليكم بالدعاء فان المسلمين لميدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بافضل من الدعاء و الرغبة اليه و التضرع الي الله و المسئلة فارغبوا فيما رغبكم الله فيه و اجيبوا الله الي ما دعاكم لتفلحوا و تنجوا من عذاب الله و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله احب شيئا لنفسه و ابغضه لخلقه ابغض لخلقه المسئلة و احب لنفسه ان يسئل و ليس شيء احب الي الله عز و جل من ان يسأل فلايستحيي احدكم ان يسأل الله من فضله و لو شسع نعله و في القدسي يا موسي سلني كلما تحتاج حتي علف شاتك و ملح عجينك و عن ابيعبدالله عليه السلام قال يا ميسر ادع و لاتقل قد فرغ من الامر فان الدعاء هو العبادة ، الي ان قال ان الله يقول ادعوني استجب لكم ، و عن ابيالحسن موسي عليه السلام عليكم بالدعاء فان الدعاء لله و الطلب الي الله يرد البلاء و قد قدر و قضي و لميبق الا امضاؤه فاذا دعا الله عز و جل و سأل صرف البلاء صرفه و سمع ابوالحسن عليه السلام يقول ان الدعاء يرد ما قد قدر و ما لميقدر قيل و ما قد قدر قد عرفته فما لميقدر قال حتي لا يكون و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل ليدفع بالدعاء [ص 58] الامر الذي علمه ان يدعا له فيستجيب و لولا ما وفق العبد من ذلك الدعاء لاصابه منه ما يجتثه من جديد الارض انتهي ، و شرح ذلك ان الحوادث التي ترد علي الناس و توجد في الدنيا لا بد لها من مقدمات ينبغي ان توجد قبل حدوث الحدث باربعين او خمسين سنة او ازيد او اقل حتي تتوارد علله و اسبابه و يتم اجزاؤه الي يوم الوقت المعلوم فيظهر في عرصة الوجود و لولا ذلك لميظهر في اليوم المخصوص علي الصفة الخاصة و ان الله سبحانه اذا علم من مؤمن انه يدعو بعد خمسين سنة برد الحادثة لعله يقطع من اليوم اسباب وجودها فلايشاؤه و لايريده و لايقدره و لايقضيه اصلا فيدفع عن المؤمن بذلك الدعاء و ربما يعلم الله ان فلانا المؤمن يحتاج الي شيء معين بعد ستين سنة و يدعو فلما علم الله دعاءه يهيئ له اسبابه قبل وجوده بستين سنة او سبعين سنة حتي اذا دعا الداعي بذلك الشيء اتاه بحاجته من فوره فيتعجب الناس من سرعة اجابته فلولا ما يعلم الله من المؤمن انه يدعو لقدر له اسباب بلاء بحسب اقتضاء العالم ما يجتثه من جديد الارض .
فصل - في ذكر شروط الدعاء و قد قال الله سبحانه في كتابه المحكم ادعوني استجب لكم فقرن الاستجابة بالدعاء ظاهرا و ربما يظنه الظان انه مطلق لا شروط له و سنذكر بتأييده عز و جل ما يمكننا استخراجه من القيود و الشروط حتي تعلم انه ليس بمطلق كما يظن في بادي الرأي
فالاول - انه قال ادعوني و من البين ان قول افعل اذا اقترن بالاستعلاء و صدر عن غير رقة و تذلل و صدر بالبت و الطلب الحثيث يسمي بالامر و لذلك يمكن ان يأمر الفقير السلطان بامر و يسيء الادب و اذا اقترن بالتذلل و التحقر و صدر عن رقة و تخشع و بكاء او تباك او تخضع و رقة و رفع [ص 59] يد و اشخاص بصر يسمي بالدعاء و لذلك يمكن ان يدعو السلطان سوقيا و يخرج عن زيه و ان كان بين بين يسمي التماسا و هو يحصل بين متساويين و بين العالي و الداني ايضا فلما رأينا الله سبحانه قال ادعوني و لميقل مروني و لا التمسوا مني عرفنا انه قيد الطلب منه بالتخشع و التخضع و التذلل فمن لميفعل و دعا بقلب قاس و حكم علي الله و امره و نهاه لايستجاب له و لايستحق الاستجابة لانه لميدع و انما حكم و امر غير مطيع له و بهذه الشروط وردت اخبار فعن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل لايستجيب دعاء بظهر قلب قاس و عنه عليه السلام اذا اقشعر جلدك و دمعت عيناك و وجل قلبك فدونك دونك فقد قصدك قصدك و عنه عليه السلام في حديث و من لميشهد ذلة نفسه و قلبه و سره تحت قدرة الله حكم علي الله بالسؤال و ظن ان سؤاله دعاء و الحكم علي الله من الجرأة علي الله انتهي ، و عن الباقر عليه السلام ان اقرب ما يكون العبد من الرب و هو ساجد باك و عن ابيعبدالله عليه السلام ان لميجئك البكاء فتباك فان خرج منك مثل جناح الذباب فبخ بخ انتهي ، و يقول الله سبحانه يدعوننا رغبا و رهبا و يقول و تبتل اليه تبتيلا و يقول و مااستكانوا لربهم و مايتضرعون ، فعن ابيعبدالله عليه السلام قال الرغبة ان تستقبل ببطن كفيك الي السماء و الرهبة ان تجعل ظهر كفيك الي السماء و قوله و تبتل اليه تبتيلا قال الدعاء باصبع واحدة تشير بها و التضرع تشير باصبعك و تحركها و الابتهال رفع اليدين و تمدهما و ذلك عند الدمعة و روي التضرع تحرك السبابة اليمني يمينا و شمالا و التبتل تحرك السبابة اليسري ترفعها في السماء رسلا و تضعها و روي التعوذ ان تستقبل القبلة بباطن كفيك و تستقبل بهما وجهك و روي ان البصبصة ان ترفع سبابتيك الي السماء و تحركهما و تدعو و روي انه عليه السلام دعا فرفع يديه و وضعهما [ص 60] علي منكبيه ثم بسطهما ثم دعا بسبابته فقيل له فرفع اليدين ما هو قال الابتهال قيل فوضع يديك و جمعهما قال التضرع قيل فرفع الاصبع قال البصبصة و روي اذا سألت الله فاسئله ببطن كفيك و اذا تعوذت فبظهر كفيك و اذا دعوت فباصبعك انتهي ، فلا بد في الدعاء ان يري بوجهك حالة تري بوجه الفقير بالفقر المدقع حين يتذلل و يسأل و الا فلست بداع و مادعوت و انما امرت و حكمت و لايطيعك الله و ليس بعبدك و يأتي في الشرط الثامن ما يدل عليه فهذا قيد ظاهر في نفس الآية .
الثاني - انه يقول ادعوني و تمام الدعاء ان تذكر حاجتك باللسان فانه كمال الدعوة من الفقير السائل و الدعوة في الظاهر هي النداء باللسان فروي لذلك عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي يعلم ما يريد العبد اذا دعاه و لكنه يحب ان تبث اليه الحوائج فان دعوت فسم حاجتك انتهي .
الثالث - ان امتثال الامر يحتاج الي نية و عزيمة فلو اتي انسان بوفق ما امرته في المنام او ساهيا او لاهيا لايقال انه امتثل و اطاع و المقصود من الامر الامتثال لا اتيان المأمور به كيف ما اتفق فمقتضي قوله تعالي ادعوني الامتثال و النية و العزيمة و القصد قل كل يعمل علي شاكلته و لا عمل الا بالنية و انما الاعمال بالنيات بل لايسمي نداء الساهي و اللاهي في الحقيقة دعاء و نداء ألاتري لو خرج من فم زيد في المنام يا عمرو لايقال انه دعاه و لو اراد ان يقول يا بكر و قال يا عمرو سهوا لايقال انه ناداه و دعاه فصوت الساهي و اللاهي في الحقيقة ليس بدعاء و لا نداء و روي لذلك في وصية النبي لعلي عليهما السلام لايقبل الله دعاء قلب ساه و عن علي عليه السلام لايقبل الله عز و جل دعاء قلب لاه و روي في استسقاء انه قيل للنبي صلي الله عليه و آله استسقيت لنا فلمنسق ثم استسقيت لنا فسقينا قال اني دعوت و ليس لي في ذلك نية ثم [ص 61] دعوت و لي في ذلك نية و عن ابيعبدالله عليه السلام اذا دعوت فاقبل بقلبك و ظن ان حاجتك بالباب .
الرابع - ان الامر علي المذهب الحق للتكرار الا ان يقوم قرينة و قد حققنا ذلك في الاصول فقوله ادعوني يفيد التكرار فينبغي تكرير الدعاء و المراجعة و الالحاح لان النفوس معرضة نافرة عن الله عز و جل و انها هي محتاجة الي تكرير الدعاء حتي تتنبه و تتوجه علي ما ينبغي كما تحتاج الي تكرير الدواء الواحد في ايام حتي تنتفع و ليس ذلك من نقص في المجيب و الدواء و انما النقصان في النفوس و الطبايع و ليس مصلحة النفوس مباغتتها بحاجاتها فلعلها تهلك و تفسد بالكلية كزجاجة حارة باغتتها برودة فتنفطر البتة و كذا العكس و لو ان الفقير المسكين فاجأه دولة غزيرة في آن واحد فلعله يموت فرحا و ان لميمت فلعله لايطيقه و يخرج عن زيه و يرتكب المعاصي و الفسوق و الفساد بحيث يكون فيه هلاكه و هلاك عشيرته كما هو مجرب و لو ان مسكينا سلط علي الناس و نصبوه سلطانا بغتة لايدري ما يصنع فلعله اهلك الحرث و النسل كما هو مجرب فليس صلاح العبد ان يعطي كل ما يسأل في اول سؤاله حتي يراود و يكرر و يلح و يسأل و يتعب و يعجز فيعطي منه قليلا قليلا حتي لايفسد عليه دينه و دنياه فلو استجيب للمؤمن الضعيف اول ما يدعو فلعله يزعم لنفسه مقام النبوة او الولاية او يزعم انه يقدر علي تقدير ما يشاء و تغيير ما يريد و لعله يأخذه النزق و الاشر و البطر فيدعو علي من اساء اليه بادني اساءة و يقتل رجالا و يخرب بيوتا و يزيل دولا فليس مصلحة العالم و لا مصلحة المؤمن ان يستجاب له اول مرة و ان الحكام الضعاف لايلتزمون في امورهم الجزئية الاصغاء الي كل سوقة فكيف الرب جل جلاله و لو اجاب الله كل من دعاه لايعلم أهو عبد مطيع او رب مطاع و لو اتبع الحق اهواءهم [ص 62] لفسدت السموات و الارض و لكن ينزل بقدر ما يشاء بالجملة بتكرير الدعاء و الالحاح يستعد النفوس و تطمئن و تستأنس بالحاجة و تقدر قدرها و يستأنس المرء بانه لو اعطيها ما يصنع بها و لربما يلتفت في عرض اوقات الدعاء الي بعض الاشياء فيغيرها او يري غلطه في السؤال فيرتدع عنه و يرجع و يندم و يتركه و روي لتكرير الدعاء عن ابيجعفر عليه السلام والله لايلح عبد مؤمن علي الله في حاجة الا قضاها له و عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل كره الحاح الناس بعضهم علي بعض في المسئلة و احب ذلك لنفسه ان الله عز و جل يحب ان يسال و يطلب ما عنده و عن النبي صلي الله عليه و آله رحم الله عبدا طلب من الله عز و جل حاجة فالح في الدعاء استجيب له او لميستجب و تلا هذه الآية و ادعو ربي عسي ان لااكون بدعاء ربي شقيا حتي انه روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله جبل بعض المؤمنين علي الايمان فلايرتدون ابدا و منهم من اعير الايمان عارية فاذا هو دعا و الح في الدعاء مات علي الايمان و من الزبور يا بن آدم تسألني و امنعك لعلمي بما ينفعك ثم تلح علي بالمسئلة فاعطيك ما سألت انتهي ، اقول لاجل هذا الخبر و لما جرب ينبغي للملح ان يشترط الخير لنفسه و لمن يريد و الا فلربما يعطي الحاجة بالحاحه و لايصيب فيه خيرا و ذلك مجرب و عن ابيجعفر عليه السلام ان المؤمن ليسأل الله عز و جل فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبا لصوته و استماع نحيبه ثم قال والله ما اخر الله عز و جل عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم فيها و اي شيء الدنيا ان اباجعفر عليه السلام كان يقول ينبغي للمؤمن ان يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة ليس اذا اعطي فتر فلاتمل الدعاء فانه من الله عز و جل بمكان و عن ابيعبدالله عليه السلام ان العبد الولي لله يدعو الله عز و جل في الامر ينوبه فيقال للملك الموكل به [ص 63] اقض لعبدي حاجته و لاتعجلها فاني اشتهي ان اسمع صوته و نداءه و ان العبد العدو لله عز و جل يدعو الله عز و جل في الامر ينوبه فيقال للملك الموكل به اقض حاجته و عجلها فاني اكره ان اسمع نداءه و صوته قال فيقول الناس مااعطي هذا الا لكرامته و لامنع هذا الا لهوانه انتهي ، اقول اذا عرفت مضار سرعة الاجابة فلاتقنطن من بطئها فانه خير لك من تعجيلها و لاتعجبن من سرعتها فانها ضارة بك و هي عقوبة عجلت لك هذا و ما يلحق المؤمن من الانكسار في بطئ الاجابة خير له من الدنيا و ما فيها و لو اعطي و اخذه البطر فانه شر له و فيه فساد دينه و ما يصنع المؤمن بما يفسد عليه دينه و روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان العبد المؤمن ليدعو الله عز و جل في حاجته فيقول الله عز و جل اخروا اجابته شوقا الي صوته و دعائه فاذا كان يوم القيمة قال الله عز و جل عبدي دعوتني فاخرت اجابتك و ثوابك كذا و كذا و دعوتني في كذا و كذا فاخرت اجابتك و ثوابك كذا و كذا قال فيتمني المؤمن انه لميستجب له دعوة في الدنيا مما يري من حسن الثواب بالجملة يستنبط من الآية تكرير الدعاء و الالحاح و انه يستجاب لا محالة مع التكرير و الالحاح فينبغي ان يراود المؤمن ربه في الدعاء و يعاود حتي يطمئن نفسه بالحاجة و لايحتم علي ربه الاجابة بل يسأله و يقول له ان رأيت صلاح ديني و دنياي و آخرتي في التعجيل فعجله لي و الا فادخره ليوم لا فساد لي في شيء من نعمائك .
الخامس - قوله ادعوني يفيد دعوته سبحانه وحده و انزال الحاجة اليه دون غيره و الاعراض عما سواه و الانقطاع عن غيره و الاخلاص في التوجه اليه و قطع النظر عن غيره فان ذلك هو المقصود من حرف المتكلم ألاتري انه لو قال السلطان لعبده توجه الي فالمعني اعرض عما سواي و انقطع عن كل احد غيري و اخلص في النظر الي و لاتلتفت يمينا و لا شمالا و لاتر معي غيري فان كل ذلك معني [ص 64] توجه الي حقيقة فالله تعالي يقول ادعوني و شرط و قال اجيب دعوة الداع اذا دعان يعني اخلص في التوجه الي و انقطع عن غيري و علم ان حاجته بيدي و انا القاضي له حاجته فدعان منقطعا الي فقد روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال اذا رق احدكم فليدع فان القلب لايرق حتي يخلص و عنه عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال و بالاخلاص يكون الخلاص فاذا اشتد الفزع فالي الله المفزع و قال في وصيته لمحمد بن الحنفية قال و اخلص في المسئلة لربك فان بيده الخير و الشر و الاعطاء و المنع و الصلة و الحرمان و عن ابيعبدالله عليه السلام قال اذا اراد احدكم ان لايسأل ربه شيئا الا اعطاه فلييأس من الناس كلهم و لايكون له رجاء الا من عند الله فاذا علم الله ذلك من قلبه لميسأل الله شيئا الا اعطاه و روي ان الله اوحي الي عيسي عليه السلام ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث يا عيسي سلني و لاتسأل غيري فيحسن منك الدعاء و مني الاجابة و اوحي الله الي موسي يا موسي ما دعوتني و رجوتني فاني ساغفر لك علي ما كان منك و عن ابيالحسن الرضا عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال كان يقول طوبي لمن اخلص لله العبادة و الدعاء و لميشغل قلبه بما تري عيناه و لمينس ذكر الله بما تسمع اذناه و لميحزن صدره بما اعطي غيره و عن ابيعبدالله عليه السلام قال الابقاء علي العمل حتي يخلص اشد من العمل و العمل الخالص الذي لاتريد ان يحمدك عليه احد الا الله عز و جل و سئل عن قول الله عز و جل الا من اتي الله بقلب سليم قال السليم الذي يلقي ربه و ليس فيه احد سواه قال و كل قلب فيه شك او شرك فهو ساقط و انما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة و قال في قول الله حنيفا مسلما قال خالصا مخلصا لايشوبه شيء و عن ابيجعفر عليه السلام قال ما بين الحق و الباطل الا قلة العقل قيل و كيف ذلك يا بن رسول الله قال [ص 65] ان العبد يعمل العمل الذي هو لله رضا فيريد به غير الله فلو انه اخلص لله لجاءه الذي يريد في اسرع من ذلك و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول قال الله عز و جل انا خير شريك من اشرك معي غيري في عمله لماقبله الا ما كان لي خالصا ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة .
السادس - تدل الآية لاهل الدراية الي امر باطن آخر و هو ان الله سبحانه ذات احدية مستعلية عن عرصة المخلوقات فلايصل اليه شيء و لايقارنه شيء و لايواجهه شيء و لايقصده شيء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحيط به خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا هو الملك الجبار فلايسع احدا من خلقه ان يشير اليه بالطف اشارة او يعبر عنه بادق تعبير لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله فلايمكن التوجه الي من عم نوره و ظهوره المتوجه و التوجه و المتوجه اليه و القصد و الفعل و كل موجود و لايمكن الاخلاص له و انما جعل الله لنفسه جهة توجه و خطاب و وسيلة و باب و هو اشرف خلقه و اكرمه و اسبقه و هو من منه المبدء و اليه الاياب و هو محمد و آلمحمد عليهم السلام فانهم وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء كما في دعاء ندبة المروي عن الصادق عليه السلام اين باب الله الذي منه يؤتي اين وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء اين السبب المتصل بين اهل الارض و السماء و كما في زيارة الغدير اشهد انك جنب الله و انك باب الله و انك وجه الله الذي لايؤتي الا منه و انك سبيل الله الزيارة ، و بذلك تواتر الاخبار و الزيارات فهم سلام الله عليهم وجه الله الذي اظهره في عباده و جعلهم جاهه و جهته فلايمكن الوصول اليه الا بالتوسل بهم و الاستشفاع بحقهم [ص 66] و التقرب بهم و لعمري ذلك من المتواترات في الاخبار و الآثار و قد خفي عن الاغيار لانه قد غشي اعينهم الغبار و الا فالامر اوضح من نار علي علم فقوله ادعوني نص للحكماء و العرفاء في التوسل الي الله سبحانه بآلمحمد عليهم السلام و التقرب بهم اليه و جعلهم امام طلبته فان الياء لنفس المتكلم و هم نفس المتكلم السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و هم لسان الله الناطق عنه في عباده فهم المراد من الياء التي لنفس المتكلم فكما ان من احبهم فقد احب الله و من ابغضهم فقد ابغض الله و من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و ان معرفتهم معرفة الله كذلك الامر في الدعاء و الارادات و الاقبال و غير ذلك فقوله ادعوني حاصله توسلوا الي بمحمد و آلمحمد عليهم السلام و ادخلوا الي من بابي حتي استجيب لكم و الاخبار في هذا الشرط كثيرة فمن تفسير العسكري عليه السلام عن آبائه عن النبي صلي الله عليه و آله قال ان الله سبحانه يقول عبادي من كانت له اليكم حاجة فسألكم بمن تحبون اجبتم دعاءه الا فاعلموا ان احب عبادي الي و اكرمهم لدي محمد و علي حبيبي و وليي فمن كانت له الي حاجة فليتوسل الي بهما فاني لاارد سؤال سائل يسألني بهما و بالطيبين من عترتهما فمن سألني بهم فاني لاارد دعاءه و كيف ارد دعاء من سألني بحبيبي و صفوتي و وليي و حجتي و روحي و نوري و آيتي و بابي و رحمتي و وجهي و نعمتي الا و اني خلقتهم من نور عظمتي و جعلتهم اهل كرامتي و ولايتي فمن سألني بهم عارفا بحقهم و مقامهم اوجبت له مني الاجابة و كان ذلك حقا علي ، و الاخبار التي وردت في قبول دعوات الانبياء بالتوسل بهم متجاوزة حد الاستفاضة و هي مذكورة في محالها شايعة و الحمد لله و هم الكلمات التي تلقاها آدم من ربه و ابتلي ابرهيم ربه بكلمات و ما توسل به جميع انبياء [ص 67] الله و رسله و استفتحوا بهم صلوات الله عليهم و عن ابيعبدالله عليه السلام كل دعاء يدعي به الله عز و جل محجوب من السماء حتي يصلي علي محمد و آلمحمد و عنه عليه السلام ان رجلا اتي النبي صلي الله عليه و آله فقال يا رسول الله اجعل لك ثلث صلوتي لا بل اجعل لك نصف صلوتي لا بل اجعلها كلها لك فقال رسول الله صلي الله عليه و آله اذا تكفي مؤنة الدنيا و الآخرة و في حديث آخر سئل ابوعبدالله عليه السلام ما معني اجعل صلوتي كلها لك قال يقدمه بين يدي كل حاجة فلايسأل الله عز و جل شيئا حتي يبدء بالنبي فيصلي عليه ثم يسأل الله حوائجه و عنه عليه السلام من كانت له الي الله عز و جل حاجة فليبدأ بالصلوة علي محمد و آله ثم يسأل حاجته ثم يختم بالصلوة علي محمد و آلمحمد فان الله عز و جل اكرم من ان يقبل الطرفين و يدع الوسط اذا كانت الصلوة علي محمد و آله لاتحجب عنه ، الي غير ذلك من الاخبار المتكاثرة المتواترة فصرف قوله تعالي ادعوني استجب لكم دل علي ان المراد توسلوا الي بمحمد و آلمحمد عليهم السلام فانهم نفسي و لساني الذي اتكلم بهم و انهم ترجماني و قد امرتكم ان تدعوني و هم معني ياء المتكلم فان الياء اسمي و هم معاني اسمائي كما روي و اما المعاني فنحن معانيه و في الدعاء اللهم اني اسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك و الدعاء صريح في انها هم .
السابع - اصل قوله سبحانه ادعوني يدل علي ان الداعي صغير خاشع متذلل و المدعو كبير سلطان جليل فان الدعاء من الداني الي العالي لا غير و رسم كلام الداني مع العالي غير رسم كلام الداني مع الداني او العالي مع العالي او العالي مع الداني و رسم تكلم الداني مع العالي رسم معروف مع السلاطين و الاكابر و الاشراف و له آداب فكيف لايكون في التكلم [ص 68] مع الله آداب فلو دخل سوقة علي السلطان بغتة و قال بلا تأمل و مراعاة ادب يا فلان اعطني دينارا و خرج و ذهب لايعطي ابدا و يستقبح حركته و قوله البتة و يكون مستهجنا بلا ارتياب و اما لو دخل بادب و توجه و تنظيف من ثيابه و قدم السلام علي السلطان و المدحة له و تقرب اليه باحب عبيده اليه و دخل معه و جلس قريبا منه في ظل حمايته ثم اثني علي السلطان و ذكر تقصيره في خدمته و اعتذر و تذلل ثم ذكر بعد المقدمات المعدة حاجته و فقره و نعماء السلطان السابقة و شكره ثم قال اني الآن احتجت الي دينار و اريد ان اصرفه في خدماتك و صدقه شفيعه و سأل السلطان ان يعطيه لاترد حاجته البتة و يعطيه مسئوله بلا شك بل لو سأله رياسة و امارة بآدابه اعطاه البتة كما يعطون فاذا كان السلطان الضعيف هكذا آداب مسألته فكيف لايكون لدعاء الله الجليل القهار الجبار المقتدر آداب فنفس قوله تعالي ادعوني يعني تكلموا معي كما ينبغي ان يكلم العبد ربه و يدعوه فانه الدعاء و الا فهو ليس بدعاء و انما امر و حكم او هزل و لهو او غير ذلك و لذلك روي عن ابيعبدالله عليه السلام اياكم اذا اراد احدكم ان يسأل من ربه شيئا من حوايج الدنيا و الآخرة حتي يبدأ بالثناء علي الله عز و جل و المدح له و الصلوة علي النبي صلي الله عليه و آله ثم يسأل الله حوايجه و قال اذا طلب احدكم الحاجة فليثن علي ربه و ليمدحه فان الرجل اذا طلب الحاجة من السلطان هيأ له من الكلام احسن ما يقدر عليه فاذا طلبتم الحاجة فمجدوا الله العزيز الجبار و امدحوه و اثنوا عليه تقول يا اجود من اعطي و يا خير من سئل و يا ارحم من استرحم يا احد يا صمد يا من لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد يا من لميتخذ صاحبة و لا ولدا يا من يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و يقضي ما احب يا من يحول بين المرء و قلبه يا من هو بالمنظر الاعلي يا من ليس كمثله شيء يا سميع [ص 69] يا بصير و اكثر من اسماء الله عز و جل فان اسماء الله عز و جل كثيرة و صل علي محمد و آلمحمد و قل اللهم اوسع علي من رزقك الحلال ما اكف به وجهي و اؤدي به عني امانتي و اصل به رحمي و يكون عونا لي علي الحج و العمرة و قال ان رجلا دخل المسجد ثم سأل الله عز و جل فقال رسول الله صلي الله عليه و آله عجل العبد ربه و جاء آخر فصلي ركعتين ثم اثني علي الله عز و جل و صلي علي النبي فقال رسول الله صلي الله عليه و آله سل تعط و من كتاب علي عليه السلام ان الثناء علي الله و الصلوة علي رسوله قبل المسئلة و ان احدكم ليأتي الرجل يطلب الحاجة فيحب ان يقول له خيرا قبل ان يسأله حاجته و عن ابيعبدالله عليه السلام انما هي المدحة ثم الثناء ثم الاقرار بالذنب ثم المسئلة انه والله ماخرج عبد من ذنب الا بالاقرار و قال عليه السلام اذا اردت ان تدعو الله فمجده و احمده و سبحه و هلله و اثن عليه و صل علي النبي صلي الله عليه و آله ثم سل تعط و قيل لابيعبدالله عليه السلام قلت آيتان في كتاب الله عز و جل اطلبهما فلااجدهما قال و ما هما قيل قول الله عز و جل ادعوني استجب لكم فندعوه و لانري اجابة قال أفتري الله عز و جل اخلف وعده قيل لا قال فمم ذلك قيل لاادري قال لكني اخبرك من اطاع الله عز و جل فيما امره ثم دعاه من جهة الدعاء اجابه قيل و ما جهة الدعاء قال تبدأ فتحمد الله و تذكر نعمه عندك ثم تشكره ثم تصلي علي النبي صلي الله عليه و آله ثم تذكر ذنوبك فتقر بها ثم تستغفر منها فهذا جهة الدعاء ثم قال و ما الآية الاخري قيل قول الله عز و جل و ما انفقتم من شيء فهو يخلفه و هو خير الرازقين و اني انفق و لااري خلفا قال أفتري الله عز و جل اخلف وعده قيل لا قال فمم ذلك قيل لاادري قال لو ان احدكم اكتسب المال من حله و انفقه في حله لمينفق درهما الا اخلف [ص 70] و عن ابيعبدالله عليه السلام كل دعاء لايكون قبله تحميد فهو ابتر انما هو التحميد ثم الثناء قيل ماادري ما يجزي من التمجيد و التحميد قال تقول اللهم انت الاول فليس قبلك شيء و انت الآخر فليس بعدك شيء و انت الظاهر فليس فوقك شيء و انت الباطن فليس دونك شيء و انت العزيز الحكيم و من كتاب اميرالمؤمنين عليه السلام ان المدحة قبل المسئلة فاذا دعوت الله عز و جل فمجده قيل كيف امجده قال يقول يا من هو اقرب الي من حبل الوريد يا فعالا لما يريد يا من يحول بين المرء و قلبه يا من هو بالمنظر الاعلي يا من ليس كمثله شيء انتهي ، اقول و اني و الحمد لله جربت هذه الآداب و راعيتها في بعض دعواتي فلماقم من مجلسي الا بالاستجابة و الحمد لله رب العالمين .
الثامن - تحصيل المعرفة بالله عز و جل فانه يقول ادعوني فمن لايعرفه كيف يدعوه و هو ضال جاهل فلعله يدعو غيره فكيف يستجاب له و هو لايدري من يدعو و ما صفته و نعته و لايدري الي من يتوجه و الي من يتقرب و اغلب ما يرد من الدعاء لاجل عدم المعرفة بالله و ان لله عز و جل طريق معرفة من عرفه من طريقها فقد عرفه و من عرفه من غير طريقها لميعرفه و من لميعرفه لميقدر علي التوجه اليه و من لميتوجه اليه لايستحق الاستنارة و الاستفاضة و من لميستنر بنوره و لميستفض من فضله لايستحق الاستجابة و لايستجاب له البتة فروي ان الصادق عليه السلام قرأ أمن يجيب المضطر اذا دعاه فسئل ما بالنا ندعو فلايستجاب لنا فقال لانكم تدعون من لاتعرفون و تسالون ما لاتفهمون فالاضطرار عين الدين و كثرة الدعاء مع العمي عن الله من علامات الخذلان و من لميشهد ذلة نفسه و قلبه و سره تحت قدرة الله حكم علي الله بالسؤال و ظن ان سؤاله دعاء و الحكم علي الله من [ص 71] الجرأة علي الله انتهي ، و المعرفة معرفتان عامة و خاصة اما العامة فهي ما يظنه اليهود و النصاري و الناصب انه عرفه بانه الخالق الرازق هكذا عميانا و ان هي الا محض توصيف لفظي و خيالي و هي الشايعة في جميع الاعصار و الامصار و اما المعرفة الخاصة فهي المخصوصة بالمؤمنين العارفين و هي نحو معرفة محمد و آلمحمد عليهم السلام روي في الكافي عن ابيجعفر عليه السلام انه قال انما يعبد الله من يعرف الله فاما من لايعرف الله فانما يعبده هكذا ضلالا قيل جعلت فداك فما معرفة الله قال تصديق الله عز و جل و تصديق رسوله و موالاة علي و الائتمام به و بائمة الهدي عليهم السلام و البراءة الي الله من عدوهم هكذا يعرف الله عز و جل و عن علي عليه السلام نحن الاعراف الذين لايعرف الله عز و جل الا بسبيل معرفتنا و فيه عن ابيعبدالله عليه السلام بعبادتنا عبد الله و لولا نحن ماعبد الله و عن ابيجعفر عليه السلام بنا عبد الله و بنا عرف الله و بنا وحد الله تبارك و تعالي و محمد حجاب الله تبارك و تعالي انتهي ، الي غير ذلك من الاخبار و صريح الآثار لاهل الاعتبار فمن دعا الله كما عاهد عليه الله يوم الذر و امتثل امره و اتي البيوت من ابوابها يستجاب له فان الله سبحانه كما قال ادعوني استجب لكم قال اوفوا بعهدي اوف بعهدكم فمن وفي لله وفي الله له و الا فلا فعن الصادق عليه السلام انه قيل له ان الله يقول ادعوني استجب لكم و انا ندعو فلايستجاب لنا فقال لانكم لاتوفون بعهده و ان الله يقول اوفوا بعهدي اوف بعهدكم والله لو وفيتم لله لوفي لكم انتهي ، و اي عهد كان اعظم من معرفته سبحانه و هي اول العبادة و اشرفها و اعظمها و معرفته سبحانه الذي اخذ عليه العهد هكذا كما ورد عن اهل البيت عليهم السلام فانه قال و اتوا البيوت من ابوابها و هم ابواب الله في ارضه فعن علي عليه السلام نحن [ص 72] البيوت التي امر الله ان يؤتي ابوابها نحن باب الله و بيوته التي يؤتي منه فمن تابعنا و اقر بولايتنا فقد اتي البيوت من ابوابها و من خالفنا و فضل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورها ان الله لو شاء عرف الناس نفسه حتي يعرفوه و ياتوه من بابه و لكن جعلنا ابوابه و صراطه و سبيله و بابه الذي يؤتي منه قال فمن عدل عن ولايتنا و فضل علينا غيرنا فقد اتي البيوت من ظهورها و انهم عن الصراط لناكبون انتهي ، فالمعرفة المأخوذ الميثاق عليها هي ما يعرف الله بهم كما في الزيارة من اراد الله بدء بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم و في اخري من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله فمن عرف الله هكذا و دعاه علي ما مر و ياتي يستحق الاجابة و لايخلف الله وعده و الا فلايستحق فان استجاب له فاستدراج و ابتلاء خارج قرن بدعوته فتنة و ان لميستجب فهو الذي لايستحق شيئا و سبيل معرفة الله بمحمد و آلمحمد عليهم السلام هو ما من الله عز و جل علي اهل هذه الاعصار باقامة المنار و بث الانوار باظهار صفوة العلماء الاخيار و قادة الحكماء الابرار و نقاوة العرفاء و اهل الاسرار الشيخ الاوحد الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه فشرح و اوضح و بين و افصح و من بعده من تلامذته كثر الله امثالهم فجزاه الله عن الاسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين ها و كتبنا في الآفاق مشهورة و آثارنا في الاطراف منثورة يتصفحها العالم و الجاهل و الناقص و الكامل و يعرفون انا نحن مشيدوا هذه المباني و المعربون عن هذه المعاني فلله الحمد و له الشكر علي ما من علينا و اليه هدانا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و صلي الله علي محمد و آلمحمد الطيبين و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم بالجملة من اراد تلك المعرفة فعليه بمطالعة تلك [ص 73] الكتب الموضوعة لهذا الفن و ليس هيهنا موضع تفصيلها و هذه المعرفة هي التي افصح عنه اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث النورانية فقال ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي الخبر ، فالشرط الثامن ان يدعو من يعرف فانه لايمكن دعوة من لايعرفه و من دعا من لايعرف لايستحق اجابة البتة فلا بد من تحصيل المعرفة بالله عز و جل اولا ثم معرفة معاني ما يدعو به ثانيا ثم معرفة الابواب التي يدخل الي الله منها ثالثا ثم معرفة الامام الذي يقتدي به و يأخذ عنه رابعا و لو عددت لك الاركان و النقباء و النجباء لماتعديت و لكن لكل كلام وقت و اهل لا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله .
فاقول التاسع نفس قوله ادعوني و طلب الامتثال من العبد و وجوب الامتثال عليه تقتضي ان يعرف الداعي معاني ما يدعو به ربه من الاسماء و الصفات فلو لميعرف معاني ما يدعو به و دعا هكذا عميانا لايستحق من الله الاجابة و ليست له بحتم فان استجاب الله تعالي فمن فضل او استدراج و ان لميستجب له فباستحقاق و انا قد شرحنا هذا المقام في ساير كتبنا كالفوايد و الفطرة السليمة و غيرها و لا بد و ان نشير هيهنا الي ما يتيسر اعلم ان المعني بمعني ما يظهر من الشيء و معني اللفظ ما يظهر منه عند التنطق و يقال للنبات معني الارض لانه يظهر منها و يشير الي هذا المعني ما روي في الحديث اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم فالمعني هو الذي يظهر من الشيء و معاني الله ظواهره في الخلق و معاني اسمائه ما يظهر من اسمائه تعالي و يراد منه و يقصد و يكون في الاسم كالروح في الجسد فان المعني في اللفظ كالروح في الجسد و ذات الله عز و جل لايكون في اللفظ كالروح في الجسد و الروح جسد رقيق و الجسد روح غليظ و لا بد فيما بينهما من المناسبة و الارتباط و الله سبحانه اجل من جميع ذلك فهم سلام الله [ص 74] عليهم معاني الله لان الله سبحانه احتجب بهم و اظهرهم خليفة له في ارض الامكان كما روي و هو المحتجب و نحن حجبه و روي في صفة النبي اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار الخطبة ، فهم ظواهر الله في خلقه بهم ظهر لعباده و بهم تجلي و منهم نطق و نظر و سمع و بطش و اعطي و منع و هم معاني اسمائه فان اللفظ صفة المعني و تنزله و لا بد لللفظ من معني يناسبه و يصدق عليه و ذات الله عز و جل اجل من ذلك فهم معاني الاسماء و الصفات كما في دعاء رجب اللهم اني اسالك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك ، الي ان يقول يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك فهم سلام الله عليهم معاني جميع ما يدعي الله عز و جل به كما قال ابوجعفر عليه السلام في حديث جابر اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا صلي الله عليه و آله و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارض بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و لو شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم الخبر ، و المراد بمعاني الاسماء و معاني الله علي نهج الاجمال ان للشيء مقامين مقام عين و حقيقة و مقام ظهور و صفات كما ان زيدا له ذات و عين و حقيقة بها هو هو لايذكر معه فيها غيره و له صفات و معان و ظواهر ككتابته و خياطته و علمه و قدرته و ساير صفاته و لذلك اصطلح في هذه الالفاظ انها اسماء معان لا ذات مستقلة و اما زيد فهو اسم ذات يدل علي ذات مستقلة و كذلك لله تعالي معان ظاهرة و هي رحمته التي وسعت كل شيء و قدرته المستطيلة علي كل شيء و علمه الذي احاط بكل شيء و جوده [ص 75] الذي عم كل شيء و هكذا و هم سلام الله عليهم هم تلك المعاني فانهم التجلي الاعظم و الخلق الاول الاكرم لايفوقهم فايق و لايلحقهم لاحق و لايسبقهم سابق و لايطمع في ادراك مقامهم طامع فلا معني لله سبحانه يسبقهم و لا ظاهر يفوقهم فهم معان الله و وجهه الظاهر بين ظهراني الخلق علي تفصيل ليس هيهنا مقام بيانه و المعول علي ساير كتبنا فمن لميعرف معني ما يدعو و لايعرف مواقع الصفات و لايعرف معني قوله يا رحمن يا رحيم يا رازق مثلا كيف يستحق الاجابة فان استجاب الله فانما هو من فضله و جوده لا من حيث الوعد و الاستحقاق الذي حكم به في كتابه فصرف قوله ادعوني يدل علي ان يشعروا و يفهموا معني ما يدعون و يقولون فلو قال سلطان لعبده سلني اعطك ليس معناه اذكر كلمات لاتعرفها و لاتدري معناها فافهم فانت اذا قلت يا رحيم ينبغي ان تعلم ان المراد منه هو الله وحده لا شريك له الا ان هذا الاسم من اسماء المعاني و موقعه الرحمة الشاملة للمؤمنين و هي هم و بالمؤمنين رؤف رحيم كما انك تقول يا قاعد و تعني زيدا لا غيره الا ان هذا الاسم من اسماء المعاني و موقعه قعود زيد و فوق القعود لا قاعد و لا قعود و انما زيد قاعد عند القعود و في حده و علي هذه فقس ما سويها .
العاشر - نفس قوله ادعوني يدل علي لزوم معرفة الابواب فان السلطان اذا قال سلوني اعطكم و ادعوني اجبكم نفس امره يدل علي ان ايتوني و قفوا ببابي الذي فتحت علي وجهكم يخرج منه اليكم عطاياكم فانه المعتاد المعروف و لايسئل السلطان و لايؤتي من غير بابه و لايعطي من غير بابه الذي جعله لعطاه حتي انه لو جعل السلطان لقصره ابوابا و ينفق من باب الدراهم و من باب الاكسية و من باب الاطعمة و هكذا و قال سلوني الدرهم [ص 76] اعطكم فمعناه المعروف في العادة ان قفوا علي باب الدراهم و سلوني اعطكم الدراهم و لو قال سلوني الاكسية اعطكم فمعناه المعروف في العادة ان قفوا علي باب الاكسية و اسألوني اياها اعطكم و هكذا فانه عين لكل عطاء بابا معينا و كذلك اذا قال الله تعالي ادعوني يريد به ان قفوا علي بابي الذي فتحت عموما و خصوصا و اسألوني اعطكم هذا و ينص عليه في موضع آخر و يقول و اتوا البيوت من ابوابها فلا بد و ان تعرف باب العطية و الاستجابة و هو هم سلام الله عليهم بلا شك فانهم السبب الاعظم و الباب المبتلي به الناس و النبي هو السور الذي ضرب بين الخلق و بين الله فانه المحتجب و هو حجابه و له باب قال انا مدينة العلم و علي بابها و باب ذلك السور باب الله المبتلي به الناس و الباب الذي خرج منه الي عالم الامكان جميع ما برز من امر الازل ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و هم اولياء النعم و الباب الاوسع الاعظم فلايخرج من الله شيء الي خلقه الا منهم و لايصعد الي الله تعالي شيء الا بهم فمن لميعرف باب المراد فهو من اهل الالحاد و لاينال مطلبه من خالق العباد علي نهج الاستحقاق و الوعد الذي لا خلف فيه فلربما ينال ما وعد و لربما لمينل لانه لميوف بعهد الله الذي عاهد به خلقه يوم الذر حيث اخذ عليهم الميثاق ان يوحدوه و يعرفوا معانيه و ابوابه و يدعوه كما امر و يذكروه كما هدي فلما لميوف بعهد الله لايجب وفاء الله له بما وعد فانه قال اوفوا بعهدي اوف بعهدكم فينبغي اذا قلت يا رازق ان تعرف انهم الباب الذي يخرج الله منه ارزاق الخلايق اليهم فتتوجه الي الباب و تذكر اسم الرازق و تعرف الباب بشخصه ثم تعرف معني الرازق ثم تتوجه الي الله و تنقطع اليه عن نفسك و حاجتك و من سوي الله سبحانه فتطلب الرزق من [ص 77] باب الرزق من الله سبحانه و تصفه بمعني الرازق و تثني عليه به و تسأله منه فح ترزق البتة علي نهج الاستحقاق و اذا قلت يا رحيم تعرف انهم الباب الذي باطنه فيه الرحمة و انه لايصل الي احد رحمة الا بهم فتتوجه الي الباب و تذكر اسم الرحيم فتعرف الباب و تقصد المعني و تريد الله سبحانه فح ترحم علي نهج الاستحقاق و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و هكذا .
الحاديعشر - لما وجدنا الله سبحانه يقول ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي عرفنا ان الدعاء المأمور به هو العبادة فلا بد و ان تقصد بدعائك عبادة الله سبحانه و تقصد به التقرب الي الله سبحانه و لاتجعل الله كقدح الراكب يعلقه علي دابته يشربه اذا عطش و ان لميعطش يتركه وراء ظهره فانت تدعو الله اذا كان لك حاجة و الا فلاتذكره ابدا و لاتدعوه ألاتسمعه اطلق القول و لميقل ادعوني عند حاجتكم فاذ لميقيد عرفنا انه يريد دوام الدعاء و استمراره علي جهة العبادة و قصد القربة فاذا كان قصدك العبادة و القربة تسأله دائما سواء كان لك المسئول ام لميكن استجاب لك ام لميستجب ألاتري النبي صلي الله عليه و آله يقول دائما اهدنا الصراط المستقيم مع انه مهدي و انما كان ذلك لاجل العبادة و لاجل ان تعرف النفس انها محتاجة الي ربها فيما تملكه و فيما لاتملكه و هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فلا بد و ان تجعل الدعاء عبادة و تجعلها خالصة لله رب العالمين و لايكون قصدك من دعائه حصول الحاجة مطلقا فان من كان قصده ذلك يترك الدعاء بعد حصول الحاجة و قد جعل الله جهة عبادته لا معبوده فلو حصل مطلوبه من غير الله لدعا غير الله و من كان قصده العبادة يسأل قربة الي الله ما يملكه و ما لايملكه علي نهج سواء و لايبالي استجاب الله له ام لميستجب فانه قد دعا لاجل العبادة لا الاجرة [ص 78] و يدل علي هذه الجملة من الاخبار ما رواه في الوسائل عن ابيجعفر عليه السلام في حديث و ما احد ابغض الي الله عز و جل ممن استكبر عن عبادته و لايسأل ما عنده و عن النبي صلي الله عليه و آله لتسئلن الله او ليغضبن عليكم و عن الباقر عليه السلام لاتمل من الدعاء فانه من الله بمكان و قيل لابيجعفر عليه السلام اي العبادة افضل فقال ما من شيء افضل عند الله من ان يسأل و يطلب ما عنده و قال عليه السلام افضل العبادة الدعاء و عن ابيعبدالله عليه السلام عليكم بالدعاء فانكم لاتتقربون بمثله و لاتتركوا صغيرة لصغرها ان تدعوا بها ان صاحب الصغار هو صاحب الكبار و عن النبي صلي الله عليه و آله الدعاء مخ العبادة و ما من مؤمن يدعو الله الا استجاب له اما ان يعجل له في الدنيا او يؤجل له في الآخرة و اما ان يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لميدع بمأثم و قال ابوعبدالله عليه السلام لميسر ادع و لاتقل ان الامر قد فرغ منه ان عند الله عز و جل منزلة لاتنال الا بمسئلة و قال عليه السلام ادع و لاتقل قد فرغ من الامر فان الدعاء هو العبادة و عن ابيعبدالله عليه السلام من تقدم في الدعاء استجيب له اذا نزل به البلاء و قيل صوت معروف و لميحجب عن السماء و من لميتقدم في الدعاء لميستجب له اذا نزل به البلاء و قالت الملئكة ان ذا الصوت لانعرفه انتهي ، بأبي هم و امي من ذوي بلاغة لايقدر احد ان يعبر عن المطالب مثل ما عبروا و قال عليه السلام ان الدعاء في الرخاء يستخرج الحوائج في البلاء و قال من سره ان يستجاب له في الشدة فليكثر الدعاء في الرخاء و قال من تخوف بلاء يصيبه فتقدم فيه بالدعاء لميره الله ذلك البلاء ابدا و عن النبي صلي الله عليه و آله احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده امامك تعرف الي الله في الرخاء يعرفك في الشدة و عن علي عليه السلام ما المبتلي الذي [ص 79] اشتد به البلاء باحق الي الدعاء من المعافي الذي لايأمن البلاء و عن علي بن الحسين عليه السلام لمار مثل التقدم في الدعاء فان العبد ليس تحضره الاجابة في كل ساعة و عن ابيعبدالله عليه السلام انه سئل أليس يقول الله ادعوني استجب لكم و قد نري المضطر يدعوه و لايجاب له و المظلوم يستنصره علي عدوه فلاينصره قال ويحك مايدعو احد الا استجاب له اما الظالم فدعاؤه مردود الي ان يتوب و اما المحق فاذا دعاه استجاب له و صرف عنه البلاء من حيث لايعلمه او ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته و ان لميكن الامر الذي سأل العبد خيرا له ان اعطاه امسك عنه و المؤمن العارف بالله ربما عز عليه ان يدعوه فيما لايدري أصواب ذلك ام خطاء و عنه عليه السلام ان الله تبارك و تعالي ليمن علي عبده المؤمن يوم القيمة فيامره ان يدنو منه فيدنو حتي يضع كفه عليه ثم يعرفه ما انعم به عليه يقول له ألمتدعني يوم كذا و كذا فاجبت دعوتك ألمتسالني يوم كذا و كذا فاعطيتك مسالتك ألمتستغث بي يوم كذا و كذا فاغثتك ألمتسأل ضر كذا و كذا فكشفت ضرك و رحمت صوتك ألمتسألني مالا فملكتك ألمتستخدمني فاخدمتك ألمتسألني ان ازوجك فلانة و هي منيعة عند اهلها فزوجناكها فيقول العبد بلي يا رب اعطيتني كل ما سألتك و كنت اسألك الجنة فيقول الله فاني واهب لك ما سألتنيه الجنة لك مباحا أرضيتك فيقول المؤمن نعم يا رب ارضيتني و قد رضيت فيقول الله له عبدي اني كنت ارضي اعمالك و انا ارضي لك احسن الجزاء فان افضل جزائي عندك ان اسكنك الجنة و هو قوله ادعوني استجب لكم الآية ، و عن ابيعبدالله عليه السلام لايزال المؤمن بخير و رجاء رحمة من الله ما لميستعجل فيقنط و يترك الدعاء قيل كيف يستعجل قال يقول قد دعوت منذ كذا و كذا و مااري الاجابة و عنه عليه السلام ان العبد اذا دعا لميزل الله [ص 80] تبارك و تعالي في حاجته ما لميستعجل و عن زينالعابدين عليه السلام الذنوب التي ترد الدعاء سوء النية و خبث السريرة و النفاق مع الاخوان و ترك التصديق بالاجابة و تأخير الصلوات المفروضات حتي تذهب اوقاتها و ترك التقرب الي الله عز و جل بالبر و الصدقة و استعمال البلاء ● و الفحش في القول و سئل الباقر عليه السلام كثرة القراءة افضل ام كثرة الدعاء فقال كثرة الدعاء افضل ثم قرأ قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم بالجملة الدعاء بنفسه عبادة و ينبغي ان تدعو الله لاجل انه رب ينبغي ان يتذلل العبد عنده و لاتقصد بدعائك انك تعلمه حاجتك بل تقصد بذكر الحوائج و بثها ان لاتطغي نفسك و تتذكر فقرها و حاجتها الي ما لها و ما ليس لها و انها لاتملك مع الله شيئا و تقصد بدعائك الخضوع و الخشوع فان اعطي ما سألت فله الحمد علي ما انعم و ان لميعط فله الحمد علي ما لميعط ما يضرك و لاينفعك فانه اعلم بضرك و نفعك فقد روي عن علي عليه السلام رب امر حرص الانسان عليه فلما ادركه ود ان لميكن ادركه و روي عن احمد بن محمد بن ابينصر قال قلت لابيالحسن الرضا عليه السلام جعلت فداك اني قد سألت الله حاجة منذ كذا و كذا سنة و قد دخل قلبي من ابطائها شيء قال يا احمد اياك و الشيطان ان يكون له عليك سبيل حتي يقنطك ان اباجعفر عليه السلام كان يقول ان المؤمن يسأل الله عز و جل حاجة فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبا لصوته و استماع نحيبه ثم قال والله مااخر الله عز و جل عن المؤمنين ما يطلبون من هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم فيها و اي شيء الدنيا ان اباجعفر عليه السلام كان يقول ينبغي للمؤمن ان يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة ليس اذا اعطي فتر فلاتمل الدعاء فانه من الله عز و جل بمكان و عليك بالصبر و طلب الحلال و صلة الرحم و اياك و مكاشفة الناس فانا اهل بيت نصل من [ص 81] قطعنا و نحسن الي من اساء الينا فنري والله في ذلك العاقبة الحسنة ان صاحب النعمة في الدنيا اذا سأل فاعطي طلب غير الذي سأل و صغرت النعمة في عينه فلايشبع من شيء و اذا كثرت النعم كان المسلم من ذلك علي خطر للحقوق التي تجب عليه و ما يخاف عليه من الفتنة فيها اخبرني عنك لو اني قلت لك قولا أكنت تثق به مني فقلت له جعلت فداك اذا لماثق بقولك فبمن اثق و انت حجة الله علي خلقه قال فكن بالله اوثق فانك علي موعد من الله أليس الله عز و جل يقول و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان و قال لاتقنطوا من رحمة الله و قال و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا فكن بالله عز و جل اوثق منك بغيره و لاتجعلوا في انفسكم الا خيرا فانه مغفور لكم و قيل لابيعبدالله عليه السلام يستجاب للرجل الدعاء ثم يؤخر قال نعم عشرين سنة و قال عليه السلام كان بين قول الله عز و جل قد اجيبت دعوتكما و بين اخذ فرعون اربعون عاما و قال عليه السلام ان المؤمن ليدعو فيؤخر اجابته الي يوم الجمعة انتهي ، و لعلك قد سمعت تأخر ظهور حاجة نوح عليه السلام سنين و هو مستجاب الدعوة و كذا تأخر ظهور حاجات الانبياء و الاولياء و هم مستجابوا الدعوة فلاينبغي للمؤمن ان يترك الدعاء اذا لمير استجابة او يتوقع حصول الحاجة في مكان ، هذا و لنا في ذلك تحقيق آخر و هو ان المؤمن حاجاته مختلفة فلرب حاجة قد تعلق بها المشية و الارادة و القدر و القضاء و هي واقفة في باب الامضاء و لميتحقق مقتضيها فاذا دعا المؤمن لها وقعت في ساعته و لرب حاجة هي واقفة في باب القدر و لميتحقق مقتضيها فاذا دعا المؤمن و تحقق المقتضي تعلق بها القدر و لا بد من دوران افلاك الاقدار عليها حتي تتم مقاديرها و تصلح لتعلق الامضاء بها و لرب حاجة هي واقفة في باب الارادة او المشية و لمتتعلق بها مشية اصلا [ص 82] فاذا سأل العبد ربه لا بد و ان يدور عليه افلاك المشية و الارادة و القدر و القضاء حتي تصلح للظهور في عرصة الامضاء و لكل دور بحسب العادة اوقات معلومة و آجال معينة لا بد و ان تتأخر الحاجة حتي تدور عليها فلاجل ذلك تتأخر الحاجات في العادة ألاتري انه اذا سألت ربك ولدا لا بد و ان يزوجك الله زوجة و يوفقك للوقاع معها ثم يخلق في رحمها ولدا و يبقي فيها الي تسعة اشهر حتي يصلح للخروج في عرصة الامضاء و يكون لك ولد فاذا تأخر عنك حصول الولد لايجوز لك القنوط و الله سبحانه متوجه الي قضاء حاجتك و ادارة افلاك مشيته و ارادته و قدره و قضائه عليها فثق بوعد الله سبحانه و اعلم انه لايخلف الميعاد و اذا دعوت فهو متوجه الي قضاء حاجتك الا ان لكل شيء في تمام كينونته اجلا لايعدوه و وقتا لايتجاوزه بحسب العادة و احسن ظنك بربك بل اقول حصول الحاجات بالدعوات بلا مهلة من خوارق العادات و لايقع الا من نبي او وصي نبي اللهم الا في الشق الاول الذي ذكرنا من كون الشيء واقفا في باب الامضاء فانه لعله يقع بلا مهلة فلايقنطنك الشيطان و احسن الظن بالواهب المنان و نفصل ذلك في عنوان آخر .